جماليات التجربة العروضية للقصيدة القصيرة في الشعر العراقي المعاصر
(الشعراء ما بعد الرواد)
الأستاذ المساعد الدكتور علي عبد رمضان
العراق/ جامعة البصرة / كلية التربية للعلوم الإنسانية
مقال نشر في مجلة جيل الدراسات الادبية والفكرية العدد 36 الصفحة 87.
ملخص البحثيتناول هذا البحث التجربة العروضية للقصيدة القصيرة في الشعر العراقي المعاصر عند الشعراء ما بعد الرواد. وهو دراسة تبحث الإيقاع العروضي لهذه القصيدة وظواهر تشكله فيها ومدى فاعليته كعنصر من عناصرها الشعرية. وقد وقف البحث في ذلك عند النسق العروضي ليبحث أهم الأوزان التي شهدتها تجربة القصيدة القصيرة وبيان إمكاناتها الإيقاعية وحركيتها المتسقة مع التعبير ومقتضى الدلالة والإيحاء وكيف يصير النمط الإيقاعي جزءا مهما من التجربة الشعرية ينبع منها ويتشكل في جوها. كما وقف البحث عند تحول الإيقاع أو ما يعرف بالتداخل بين وزنين في القصيدة الواحدة وهو تقنية عروضية استدعتها تعبيرية القصيدة وجوها الشعوري فوظفها الشعراء في بعض قصائدهم بحسب مقتضيات نمو القصيدة وتحول الدلالة والانفعال فيها، ما أسهم في تنوع الإيقاع وإنعاشه وثراء إيحاءاته داخل القصيدة. ثم تحول البحث إلى دراسة ظاهرة عروضية أخرى هي التدوير وأشكال وروده في القصيدة وضروراته التعبيرية وعلاقته بالجملة الشعرية وتأثره بالدفق الشعري داخل القصيدة فكان تقنية مهمة أخرى حفلت بها قصائد الشعراء وهي تؤثث مستوياتها التعبيرية النابعة من روح التجربة الشعرية وجماليات تشكلها. وفي ذلك كله وقف البحث على الوظيفة الجمالية للظاهرة العروضية في هذه القصيدة وكشف دورها التعبيري والإيحائي النابع من تجربتها الشعرية ذاتها.
توطئة
القصيدة القصيرة هي شكل شعري جديد من أشكال الصياغة الشعرية ولد تحت عباءة قصيدة الشعر الحر ( التفعيلة) التي جاء بها الشعراء الرواد السياب ونازك والبياتي وبلند، وقد جاءت وكأنها حركة متمردة قام بها جيل الستينيات من الشعراء تمردوا فيها على القصيدة الأم ( قصيدة التفعيلة) في كثير من جوانبها الشكلية والجوهرية، بعد أن وجدوا الحاجة ماسة إلى شكل شعري يستوعب تجاربهم الشعرية المكثفة ودفقاتهم الشعورية السريعة التي لا تتطلب قصيدة طويلة لتستوفيها، بل اكتفت ببضعة أسطر تحتوي تجربة الشاعر وتعبر عنها بنجاح ، وليس القصد موقوفا هنا على كم الأسطر أو عددها بقدر ما يكون المحك هو أن ( الشكل والمحتوى مندمجان في عملية الخلق الفني. عندما يسيطر الشكل على المحتوى ( الفكرة)، أي عندما يمكن حصر المحتوى بدفقة فكرية واحدة ناضجة البداية والنهاية، كأن ترى في وحدة بيّنة، عندها يمكن القول أننا أمام القصيدة القصيرة …)([1]). فالقصيدة على قصرها تمثل بناء متكاملا له خصوصيته التعبيرية والفكرية فهي تعبر عن موقف واحد أو فكرة أو حالة شعورية واحدة، ومن ثم فإن تجربتها تكون محدودة وملمومة لا تقتضي التوسع والتنويع التعبيري كما هو الحال في القصيدة الطويلة. ولذلك فإن الفكرة فيها تسير نامية من البداية إلى النهاية في توتر ذهني واحد مبتعدة عن التعقيد والتشعب. موظفة التركيز اللغوي وتكثيف الصورة والنمو المتكامل السريع حتى بلوغ النهاية. وهذا الشكل يتطلب وعيا جماليا ومهارة من الشاعر تراعي مجمل حركة القصيدة من البداية إلى النهاية، بدءاً من العنوان والاهتمام به مرورا بالمضمون وتكثيفه وتخير التعبير المناسب والصورة المستوفية له بدقة والنمط الإيقاعي الذي يجاري حركته، إلى النهاية الناجحة التي يتوقف عندها هذا الدفق الشعري والبناء المتنامي حتى نحس عندها أن القصيدة بلغت تكاملها وحققت تأثيرها الجمالي عبر عنصر الضربة، أو المفاجأة الذي هو بدورة يتطلب مهارة مضاعفة من الشاعر فبه تتميز القصيدة القصيرة وعنده تبلغ كمالها التعبيري وتحرز دهشتها وتأثيرها.
والبنية اللغوية المكثفة للقصيدة القصيرة تأتي منتظمة زمانيا بنظام الوزن الشعري (البنية العروضية) الذي تحدده التفعيلة وترسم مساره على قدر التعبير في كل سطر من أسطر القصيدة فتأتي الألفاظ داخلة تحت مظلته متفاعلة فيما بينها على وفق هذا النسق أو ذاك لتعطي مضمونا شعريا نابعا من جو القصيدة ينقل التجربة ويصورها بشكل فاعل ومؤثر. وهنا نضع أيدينا على أهمية النسق الإيقاعي (الوزن) في توجيه بنية القصيدة ونمو حركتها، و هذا النسق هو في ذاته يكتسب خصوصية نابعة من تجربة القصيدة فهي التي تتخيره وتحدد مساره في كل دفقة من دفقاتها إذ لا يمكن فصله منها، كما لا يمكن قياس فاعليته خارجا عنها. وبذلك كان لكل قصيدة نغمها الخاص بها وتوقيعها الذي تتميز به عن غيرها بما هي تجربة خاصة نابعة من حالة شعورية خاصة.
ـــ المبحث الأول: الأنساق العروضية وفاعلية تشكلاتها في القصيدة القصيرة:
كثر استعمال شعراء قصيدة التفعلية للبحور الصافية دون المركبة بشكل ملفت، وإذا كانت الناقدة نازك الملائكة تعلل هذه الكثرة بأن الشاعر يجد فيها يسرا وحرية أكبر في التعبير([2]) فهذا لا يعني أن الشعراء لم يستعملوا البحور (المركبة). كـ(الطويل)، و(البسيط)، و (السريع). فهم نظموا عليها بعض قصائدهم ولكن بنسبة ضئيلة.
وبالإضافة إلى اليسر والحرية التي تحدثت عنهما نازك الملائكة يبدو أن هؤلاء الشعراء في ميلهم للبحور الصافية وما يوفره توالي النغمة الموحدة فيها (التفعيلة)على امتداد أسطرهم الشعرية من انتظام إيقاعي بارز ومتسق، وجدوا إمكانات إيقاعية مهمة لهذا التوالي تستوعب جملهم الشعرية ومستوياتها الشعورية والتعبيرية، وهي إمكانات يقتضيها التعبير في كل سطر بحسب قصره أو امتداده فقد تتغير من سطر إلى آخر وهذا ثراء إيقاعي ينعكس بالإيجاب على بنية القصيدة وتشكيلها ككل. فتوالي التفعيلة الواحدة يحفظ جوهر الدفق الإيقاعي واتساقه فيما يفتح الباب طيعا لتلوين الإيقاع ومرونته نتيجة التغييرات والانزياحات العروضية التي تتاح للشاعر في تعابيره. وقد تختفي فاعلية هذه الإمكانات وتقل فرص توظيفها مع البحور المركبة إذ يصدم الشاعر بأن عليه أن يحافظ مضطرا على توالي تفعيلتين مختلفتين قد لا يحتاجه سطره الشعري أحيانا وأن يوائم بين تغييراتهما ليحافظ أيضا على جوهر نسقهما الإيقاعي. وهذا جهد مضاعف يؤثر بشكل أكيد على الدفقة الشعورية والتعبيرية ومستوياتها في كل سطر، وهو جهد أظن أن الشاعر في غنى عنه.
أولا: سياق المتدارك.
يتصدر المتدارك المرتبة الأولى بين الأوزان الصافية وحتى المركبة التي جاءت عليها قصائد الشعراء هنا، والتفعيلة الأصلية للمتدارك هي (فاعلن) بطيئة نسبياً تتصف بالهدوء والرتابة إذ توائم حركتُها الزمانية الممتدة السردَ والوصفَ، ومما يزيد في استطالتها الإيقاعية هو خضوعها أحياناً لعلة زيادة هي (التذييل = فاعلانْ) وأحياناً يرافق هذه العلة زحاف (الخبن) = (فَعِلانْ) ليمنحها مسحة من التموج فيكسر رتابتها وبطأها.
وعلة التذييل هذه تأتي في أواخر الأسطر لتضيف مدّاً صوتياً وزمنياً للتفعيلة بعد تواليها الرتيب يفيد منه الشاعر في تشكيل مستوى إيقاعي ممتد يحكي صورة المعنى الذي يريد التعبير عنه. يقول: (سامي مهدي) في قصيدته القصيرة:(ليلة باردة)([3])
موحش هو هذا الظلامْ فاعِلن فَعِلن فاعِلانْ
وممضّ هو البردُ فَعِلُنْ فاعِلنْ فاعِـ
لكنني أستَضِيْئْ لُنْ فاعِلُنْ فاعِلانْ
بِرفاقِي إذا أُضْحِكُوا، وَبِهِمْ أصْطَلِي فَعِلنْ فاعِلُنْ فَاعِلُنْ فَعِلنْ فاعِلُنْ
حينَ نأويْ إلى مَلْجأٍ باردٍ لننامْ فاعِلنْ فاعِلُنْ فاعِلُنْ فاعِلُنْ فَعِلانْ
موحِشٌ هو هذا الظَّلامْ فاعِلُنْ فَعِلُنْ فاعِلانْ
ولنا تحتَ قبّتهِ فعِلن فاعلن فعِلنْ
ما نؤسّسُ من أُلفَةٍ ونِظامْ. فاعِلنْ فعِلنْ فاعِلنْ فَعِلانْ
إن إيقاع القصيدة كان أكثر ميّلا إلى الهدوء والرتابة وهذا ما يتطلبه أسلوب (السرد) الذي نهجه الشاعر في قصيدته هذه وقد تكررت فيها الوحدة الإيقاعية الصحيحة (فاعلن) أكثر من التفعيلة المخبونة (فعلن) وهذا ما يجعل قراءتها تتطلب زمناً أطول وهدوءاً أكثر في رتابة واضحة، وهو ما يتطلبه الجو التعبيري للقصيدة ومن ثم فلابد للإيقاع من أن يتجاوب مع هذا الجو ويتمثله ليشكل صورة صوتية لهدوء الظلام وبرده وسكونه الممتد.
وإذا ما التفتنا إلى عنوان القصيدة فإننا نجد أن حركة إيقاعها موافقة لدلالة هذا العنوان (ليلة باردة) والحالة الشعورية التي يوحي بها، وكذلك الجو الذي تصوره القصيدة. ولا نغفل ما لشيوع حروف (المد) في هذه القصيدة من أثر في إضفاء صفة التراخي والبطء على القصيدة. وكذلك علة (التذييل) التي لحقت أربع تفعيلات هي في قوافي السطر الأول، والخامس، والسادس، والثامن. إذ يتضاعف هذا الهدوء في بعض النهايات التي تأتي (مذيلة) فيسهم المقطع الطويل المختوم بالساكن في مد الصوت طويلا هادئا عند تلك الوقفات، كما أن ألفاظ القوافي تفيض بديمومة معانيها وبدلالة الهدوء والسكينة الموافقة لدلالة هدوء الظلام وسكينته واستطالته.
في حين أنَّ (فاعِلُنْ) تفقد الكثير من رتابتها وانبساطها إذا أصيبت بزحاف(الخبن) فتصبح (فعِلُنْ). وهنا يقوم الزحاف باختزال زمن تفعيلة المتدارك إذ يجنح بها إلى خفة الإيقاع وسرعته. وهي مرونة تخضع لها التفعيلة بحكم طبيعة التعبير الذي يصور حركة الفعل ويجسدها ليسهم في تشكيل الصورة بحركية متوالية. يقول كاظم الحجّاج في قصيدته: (تعكير)([4])
ما أَسْهَلَ أنْ يُلقَى حَجَرٌ فِي الْمَاءْ فَعْلُنْ فَعِلُنْ فَعْلُنْ فَعِلنْ فَعْلانْ
لِيُشوّهَ وجْهَ البَدْرْ! فَعِلُنْ فَعِلُنْ فَعْلَاْنْ
فنجد في هذه القصيدة سرعة إيقاعية متولدة من زحاف (الخبن) الذي أصاب التفعيلة (فاعلن). وكذلك قلة حروف (المد) أو انتفاء دورها. كما أن تعاقب التفعيلة الزاحفة أعطى نوعاً من الإيقاع المتماوج والمتعاقب سرعة. وقد جاءت الموسيقى هنا مكملة لصورة (تعكر الماء) التي تسرع في تشويه وجه البدر. وإن تعاقب الزحاف ضيّق المسافة الزمنية بين الكلمات وأسرع في تواليها وعكس الموقف النفسي المتوتر والمنفعل إزاء إفساد جمال الأشياء وصفائها.
وهذه المرونة الإيقاعية التي يوفرها الزحاف في ثنايا السطر الشعري يقتضيها التعبير فتأتي موظفة بصورة جمالية معبرة ، وإضافة إلى الزحاف هنا نجد التشعيث ( قطع رأس الوتد المجموع من فاعِلُنْ لتصبح فَعْلُنْ ) وهي ترد في أثناء السطر الشعري لتؤدي دورها الإيقاعي أيضا وكثيرا ما تتعاضد مع هذين التغيرين العروضيين الاستطالاتُ المقطعية التي تمنحها علل الزيادة في نهايات أسطر القصيدة وكذلك حضور بعض المقاطع كأجزاء مفصلية (مفاصل إيقاعية) تضبط إيقاع العبارة في دائرة الوزن نفسه وهو المتدارك إذ تحافظ هذه المقاطع المفصلية على روح الوزن فلا تُخرج العبارة عن السياق الوزني الذي تتشكل القصيدة فيه فيسير الإيقاع بمديات يقتضيها التعبير الشعري وجوه الشعوري ومثل هذا ما نجده في قصيدة يوسف الصائغ ( موت كرسي)([5])
كرسيٌّ فَعْلُنْ فعْ
خَشَبيٌّ فَعِلُنْ فَعْ
منسيٌّ .. عند البابْ فَعْلُنْ فعْلُنْ فَعْلانْ
مفتوح الكفينْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلْ
يَتَطَلَّعُ للعالمِ باسْتِغرابْ .. فَعِلُنْ فَعِلُنْ فا فَعِلُنْ فَعْلاْنْ ..
مرَّتْ سَنَتانْ، فَعْلُنْ فَعِلانْ
والكُرْسِيُّ الْخَشَبِيُّ لَدَى البابْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعِلُنْ فَعِلُنْ فَعْلْ
مَشْلُولُ الكَفَّين .. فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَعْلْ ..
مكسورُ القدمين .. فَعْلُنْ فَعْ فَعِلانْ ..
……. …….
أوَّلَ أَمْسِ .. فَعْ فَعِلُنْ فَعْـ
أغْمَضَ عَيْنَيْهِ الكُرْسِيُّ لُنْ فَعِلُنْ فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَـ
وَماتْ .. ـعِلانْ ..
في هذه القصيدة تتبدى فاعلية التغييرات العروضية تلك في تشكيل البنية العروضية للقصيدة وهي بنية نابعة من مقتضى التعبير والدلالة في كل سطر إذ تتشكل بمقاسات الجملة الشعرية ذاتها ولم تكن مفروضة عليها من الخارج سواء أكان السطر لفظة واحدة أم عبارة تتشكل من أكثر من لفظة فعلى سبيل المثال: الدلالة الحركية للسطر (يَتَطلَّعُ للعَالَمِ باسْتِغْرَابْ) اقتضت شيوع التفعيلة المزاحفة (فَعِلُنْ) وتواترها وهو ما يناسب ديمومة التطلع لتنتهي مشعثة بمقطع طويل يوفره التذييل (فَعْلَانْ) لتتفق مع استطالة الاستغراب وسكونه . وهذا يباين ما تقتضيه أسطر أخرى من القصيدة ذاتها دالة على ديمومة حالة الجمود والسكون وانتفاء حركة المشلول كما في الأسطر: (منسيٌّ عندَ البابْ / مشلولُ الكفَّينْ / مكسور القدمينْ / ، ..) وهي أسطر شاعت فيها ( فَعْلُنْ) الساكنة لتخلق ايقاعا يحكي صورة المشلول المقعد .
ثانياً: سياق الرجز:
ولسياق الرجز حضوره الكبير أيضا في تجارب الشعراء العروضية وقد أفادوا من تشكيلاته الإيقاعية المتنوعة في التعبير عن تجاربهم. فقد تميز هذا البحر بكثرة تغييراته العروضية نتيجة لإصابة تفعيلته (مستفعلن) بالزحافات والعلل. مما أكسبه تنويعاً موسيقياً واضحاً وحركية تستوعب نمو القصيدة ومستوى توترها. كما في قصيدة حسب الشيخ جعفر: (إلى المنفى)([6])
لَمَحْتُ في المَحَطَّةِ الحُطَيْئةْ مُتَفْعِلُنْ مُتَفْعِلُنْ مُتَفْعِلْ
كالتَّائِهِ الطَّريْدْ مُسْتَفْعِلُنْ فَعُوْلْ
يُعَبِّئُ الخُرْجَ بما يَخُفُّ منْ حَشَفٍ مُتَفْعِلُنْ مُسْتَعِلُنْ مُتَفْعِلُنْ مُتَعِلْ
مُحاذِراً مَزاعِمَ (الغَطارِفةْ) .. مُتَفْعِلُنْ مُتَفْعِلُنْ مُتَفْعِلُنْ
قُلْتُ: إلى أَيْنَ أبِي الفصيحْ؟ مُسْتَعِلُنْ مُسْتَعِلُنْ فَعُوْلْ
قال: إِلى حيْثُ ارْتَمى المَرْمَى مُسْتَعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْـ
وأَلقَتْ رَحْلَها السِّككْ ـعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَعُوْ
أَمْتَدِحُ التَّمْرَ، مُسْتَعِلُنْ مُسْـتَـ
وأَهْجُو العَسْجَدَ القَبيْحْ ـعِـلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَعولْ
إن هذا النمط الذي تسود فيه تفعيلة الرجز ( مستفعلن) قد تنتهي بعض أسطره الشعرية بتفعيلة غريبة عن تفعيلة الرجز كما هي الحال مع (فعو)، و(فعولْ) ولكنها متسقة مع إيقاع السطر ولا تنبو عن النغم المتناوب في السطر الشعري. وهذا يعني أن هؤلاء الشعراء لم يلتزموا تماما بنمطية الوزن الشعري العروضية بل جعلوا لجو القصيدة وأفقها التعبيري نصيبا كبيرا في توجيه مسارها الإيقاعي و تحديد شكل نهايات جملهم العروضية بما يتطلبه التعبير وتستدعيه الدلالة؛ وهذا لا يقتصر على النهايات فقط بل نشهد صورا أخرى لحركية الإيقاع هذه حاضرة في أسطر القصيدة، متمثلة بالانزياحات العروضية التي تصيب التفعيلات داخل الأسطر لتكسر نمطيتها فتكون متجاوبة مع التعبير ناهضة في تشكل الدلالة. ومن الأمثلة على ذلك قصيدة (عبد الرزاق عبد الواحد):
(في مواسم التعب)([7])
اللّهُ مُسْتَفْعِـ
لَوْ فَصَّلْتُ جِلْدِي مِثْلَما أَشَاءُ لُنْ مُسْتْفِعلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مُتَفْعِلْ
إذن تمدَّدْتُ مِتَفْعِلُنْ مُسْتـَ
اسْتَطَلْتُ .. فْعِلُنْ فا ..
أرخيتُ شراييني لُنْ مُسْتَعِلُنْ مُسْتفـْ
تورِقُ ما تَشاءُ … مُسْتَعِلُنْ مُتَفْعِلْ ..
فهنا دخل زحاف الخبن على (مُسْتَفْعِلُنْ) فاصبحت (مُتَفْعِلُنْ) وكذلك زحاف الطي و علة القطع في نهايتي السطر الثاني والأخير (أشاءُ) إذ جاءت التفعيلة مقطوعة مخبونة (مخلَّعة)، وكذلك تخلل السطرين الرابع والخامس زيادة (سبب خفيف) كمفصل إيقاعي يضاعف الزمن الإيقاعي للتفعيلة ومن ثم السطر وهو ما تتطلبه دلالة الفعلين (استطلتُ ..، و أرخيت) ومثلهما لفظ ( شراييني) الذي أضاف مقطعين عروضيين للسطر أيضا ليستوعب الإيقاع صورة تمدد الشرايين واستطالتهما . وهذا ما أكسب القصيدة طابعها الإيقاعي الخاص بها المعبر عن دلالتها، وهو إيقاع لم تقيده النمطية العروضية المعتادة بل القصيدة هي التي طوعت العروض لخدمتها فأنتجته. وقد عد محمد كنوني مثل هذا ناتجا إبداعيا يخضع لمقتضيات فنية خارجة عن سلطة المقاييس العروضية([8]). إن التعبير الشعري في القصيدة قد يختزل التفعيلة بالزحاف أو يمد زمنها بالزيادة ليعطي القصيدة بنيتها الإيقاعية التي تنأى بها عن الرتابة والجمود. وهي بنية ليست بعيدة عن الحالة النفسية والشعورية التي تصدر عنها القصيدة. فهذا التعاقب الإيقاعي الذي جاء في الأسطر واكب صورة الحلم أو الأمنية التي تراود الشاعر وهي تتحقق على شكل دفعات أو مراحل كل مرحلة تفضي الى الأخرى لتتم عنده لذة الراحة والتخلص من التعب.
وقد أفاد رواد القصيدة القصيرة من كل ما تفسحه لهم التغييرات العروضية في تفعيلات البحور التي نظموا قصائدهم عليها ومنها الرجز واستثمروها بفاعلية عالية دون تحفظ بل زادوا عليها بعض أشكال الخروج على المعتاد منها مع الحفاظ على جوهر إيقاع النسق الوزني الذي تسير فيه قصائدهم فجاءت موظفة بدقة في تعبيرهم بحيث تشكل إيقاع السطر والعبارة كما يريده المعنى وكما يقتضيه جوه الانفعالي الذي يدور فيه. وهذا ما نجده في قصيدة محمود البريكان (ارتسام)([9])
في المطْعَمِ الصَّاخِبِ مُسْتَفْعِلُن مُسْتَفْــــ
أطلَّ منْ خَلفِ الزُّجاجِ عابرٌ صَغيرْ متَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مُتفْعِلُنْ مُتفْعْ
بِوَجْهِهِ الشَّاحِبْ مُتَفْعِلُنْ مُسْتَفْـ
أطلَّ لحْظتَيْنْ مُتفْعِلُنْ مُتَفْعْ
أسقطَ قَطْرَتيْنْ مُسْتَعِلُنْ مُتَفْعْ
من ْ مَطَرٍ على الزُّجاجِ الباردِ القاسيْ مُسْتَعِلُنْ مُتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْـ
أغمَدَ نظْرَتيْنِ في الأطباقِ نَهْمَتَيْنْ مُسْتَعِلُنْ مُتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مُتَفْـعْ
وحكَّ أنفاً وَسِخاً قَصِيرْ مُتَفْعِلُنْ مُسْتَعِلُنْ مُتَفْـعْ
بباردِ الزّجاجِ لكنْ أعيُنَ النَّاسْ مُتَفْعِلُنْ مُتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ تَفْعْ
همَّتْ بهِ فغابْ مُسْتَفْعِلُنْ مُتَفْعْ
وظلَّ رسمُ وجهِهِ الهاربْ مُتَفْعِلُنْ مُتَفْعِلُنْ مُسْتَفْـ
علَى زُجاجِ المطعَمِ الصَّاخِبْ مُتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْـ
كالوَسْمِ في الضَّبابْ. مُسْتَفْعِلُنْ مُتَفعْ
يوظف الشاعر هنا تفعيلة الرجز ( مُستفعلنْ) ومتغيراتها (مُتَفْعِلُنْ المخبونة ومُسْتَعِلُنْ المطوية) مع خاصية القطع المقطعي التي شهدتها نهايات الأسطر، ليشكل ايقاعا مفعما بالجو الشعوري للعبارات وموحيا بأفقها التعبيري فتجيء ( مستفعلن) ذات الوقع الصلب والزخم الصوتي المميز في مواضع تقتضيها الدلالة كما في السطرين الأول والثاني عشر (المطعم الصاخب)، وكذلك في السطر الثاني ( خلف الزجاج) الذي يجده هذا الصغير حاجزا منيعا لا يخترق فهو قاس بارد صلب فتناسب معه إيقاع ( مستفعلن) الشديد، ومثله في الشدة والقسوة أيضا تعبير ( الزجاج البارد القاسي/ أعيُنِ الناس/ همّتْ به )، وكذلك عبارة ( كالوسم في الضباب) الدالة على الثبات. أما صور التفعيلة المزاحفة فقد حضرت في الأسطر بنسبة أكبر من السالمة متراوحة بين (مُتَـفْعِلُنْ ومُسْتَعِلُنْ ) المزاحفتين لخلق نوع من التموج الإيقاعي الداخلي لهذه التفعيلة. وهذا التموج كثيراً ما يتطلبه النمط الحركي للصورة الشعرية في القصيدة وهذا ما يمنح الأسطر إيقاعا مرنا وبطيئا يتناسب مع حركة الطفل الصغير وأفعاله وبؤس حاله وحزنه كما تؤديها الصيغ الفعلية والألفاظ الأخرى في الأسطر. وهكذا يتشكل ايقاع الأسطر متواترا حتى نهاياتها التي جاءت بمقاطع مجتزأة مبتورة من التفعيلة مشكلة أضربا متنوعة تنهي إيقاع السطر بوقفات تعزز دلالة لفظة الوقفة وأفقها التعبيري وتؤكده حتى نكون أمام صورة جزئية مهمة في تشكيل القصيدة لنتحول بعدها في سطر تال إلى صورة أخرى، وهكذا تنثال الصور الجزئية المتوالية سطرا بعد سطر في مستوى إيقاعي يحتضن المعنى ويوحي بالجو الشعوري المثقل بالحزن المصور لحال هذا الصغير. إن جمالية الإيقاع العروضي تبدو في هذا التوظيف الرائع وإدراك القيم الإيقاعية للتفعيلة سالمة أو متغيرة بما يتطلبه التعبير.
ثالثاً: سياق المتقارب:
وكان سياق المتقارب أيضا حاضرا في كثير من التجارب العروضية للشعراء الذين كتبوا القصيدة القصيرة. وتتميز تفعيلته (فعولن) في تعاقبها بانسيابية واضحة وتدفق مستمر وتوال منسجم لتشكل إيقاعا ذا دفعات تجري بمستوى نغمي منبسط ومتحدر سلس تعانق الالفاظ المنتظمة عليه بعضها بعضا في انسجام صوتي ونمو دلالي وهو أيضا بانسيابيته يعكس الحالة الشعورية أو الموقف النفسي الذي يحمله التعبير في السطر الشعري. ولعل انسيابية هذا الوزن وتدفقه الرتيب كان وراء نجاحه في تقديم فكرة القصيدة تقديماً نامياً ومتطوراً على وتيرة إيقاعية واحدة وان دخل هذه التفعيلة زحاف القبض (فعُولُ)، أو علة القصر (فَعُولْ)، أو علة الحذف (فَعُو) فهذه التحولات لا تغير من وتيرته الإيقاعية المنسابة الاّ في تقليص زمنها وفق ما تقتضيه العبارة. يقول سامي مهدي في قصيدته (السؤال الكبير )([10])
تطولُ ذراعي وتمتَدُّ حتَّى أقاصِي الفضاءِ الأَخِيرْ فعولُ فعولُنْ فعولُنْ فعولُنْ فَعُولُنْ فَعُولُنْ فَعُولْ
ولكنَّها تتَخَبَّطُ بينَ المَجَرّاتِ، فَعُولُنْ فَعُولُ فَعولُ فَعُولُنْ فَعُولُنْ فَـ
تغرق في حلكةٍ من فراغ وبردٍ ـعولُ فًعولُنْ فَعُولُنْ فَعُولُنْ فَعُولُنْ
وترتد باحثة حولها عن مصير فَعُولُنْ فعولُ فَعُولُنْ فَعُولُنْ فعولْ
كأني بها تستجيرْ فَعُولُنْ فَعُولُنْ فعولْ
كأني بها تتلوّى وتصرخ بي فَعُولُنْ فعولُ فَعُولُنْ فَعُولُ فَعُو
منذُ سبعةِ آلافِ عامٍ وأنتَ تُحدِّقُ في كوكبٍ يضمحلُّ لُنْ فَعولُ فَعُولُنْ فَعُولُنْ فَعولُ فَعولُ فَعُولُنْ فَعُولُنْ فَعُولُنْ
وتنسَى جوابَ السُّؤالِ الأخيرْ فَعولُنْ فَعولُنْ فَعولُنْ فَعولْ
فوزن المتقارب هنا حاكى بإيقاعه تعبيرية النص، فهو بتدفقه الهادئ المنساب وسلطة تفعيلته التامة السالمة حكى حركة المعنى في النص ووافق هدوءها وانسيابها المشتمل على الشعور بتلاشي وجود الإنسان وضياعه شيئاً فشيئاً في هذا الكون الفسيح دون أن يعي حقيقة وجوده وهذا ما يتطلب بطئاً إيقاعياً حكمته طريقة التعبير عن فكرة القصيدة. ولا نغفل هنا القافية (المقيدة) التي خدمت الأسطر بأن جاءت اللفظة الأنسب لنهاية الأسطر الدلالية والإيقاعية في لحظة واحدة إذ قدمت هي الأخرى طاقة تعبيرية وإيقاعية رائعة بتشكيل ( فعولْ) الدالة بامتدادها الصوتي على ديمومة الحدث فهي تتضافر مع اللفظة نفسها ومع دلالتها المعنوية التي أمدّ بها الشاعر نصه. وهي دلالة حيرة الإنسان أمام زواله الدائب وضعفه ونكوصه المستديم وضياعه في هذا الفضاء الهائل فقد تضافر هنا المد المضاعف في نهاية القافية مع إيقاع (فعولْ) الممتد في فضاء مفتوح، (الاخيرْ، المصيرْ، الكبيرْ، تستجيرْ ..).
إن رتابة تفعيلة المتقارب وانسيابها الذي اكتسبته من بنيتها المقطعية الصوتية ( فَ عُوْ لُنْ = مقطع قصير ثم مقطعان طويلان : إذ تمثل دفقة قصيرة تتلوها دفقتان كبيرتان متطابقتان) جعلها تشكل بتواليها نغما خفيضا متحدرا ، ومهما أصابها من تغيرات عروضية حتى لو قللت زمنها فإن هذه التفعيلة تبقى محافظة على استطالتها الصوتية وهدوئها والسبب هو أن هذه التفعيلة تعوض ما يحذف منها بحروف المد ويبدو أن بنيتها المقطعية (أقصد التفعيلة) هي التي تستدعي العبارة التي تكثر فيها حروف المد ومن ثم توفر فضاءات صوتية مناسبة لانسيابية النغم وتحدره وهي فضاءات تستوعب حركية المعنى وتراتبيتها في العبارة الشعرية . كما في قصيدة زهور دكسن (سِوايَ)([11])
سوايَ فعُولُنْ
سوايَ الّتي أقْحَمَتْني بِبَرْدِ السُّؤالْ فَعُولُنْ فَعُولُنْ فَعُولُنْ فَعُولُنْ فَعولْ
سِوايَ التي أضرَمَتْ شَجَرَ الإنْفِعالْ فَعُولُنْ فَعُولُنْ فَعُولُ فَعُولُنْ فَعُولْ
وَمَنْ غَرَّبَتْني .. فَعُولُنْ فعُولُنْ ..
وَمَنْ بادَهَتْني .. فَعُولُنْ فَعُولُنْ ..
بِما سَيَؤولُ .. فَعُولُ فَعُولُنْ ..
وما كانَ .. آلْ . فَعُولُنْ فَعُولْ .
فمن خلال هذه الفضاءات التي يوفرها المد في العبارة نجد سلطة نغمة المتقارب حاضرة بتعاقبها من مبدأ السطر حتى منتهاه لتحكم سياق العبارة بإيقاع هادئ رتيب ينتهي بوقفة يمتد عندها الصوت وهو ما يوفره تشكيل فَعولْ المقصورة، وهذا الانسجام الصوتي بين بنية التفعيلة وبنية اللفظ هو وجه مهم من وجوه تلاحم الإيقاع العروضي مع اللغة الشعرية في داخل القصيدة ، ولم يكن الوزن هنا كما هو في وضعه العروضي المجرد حلية باهتة يمكن الاستغناء عنها بل هو أداة فاعلة في الشعر يجب الاعتراف بها كما يقول كوهين([12])، وهذا الأمر ينطبق على كل التشكيلات الوزنية التي يوظفها الشاعر في قصائدة فهي ليست مختصة بنمط وزني دون غيره ، إنما الشأن في قدرة الشاعر على توظيف النمط الوزني مستفيدا من كل إمكاناته التي توفرها التغييرات العروضية وحذق استعمالها في تعبيره حتى يغدو الوزن عنصرا مهما .. فاعلا في النص تتجاوب معه الألفاظ ويتفاعل هو معها من أجل خلق بنية فنية متكاملة ومن ثم يشهد مع التجربة الشعرية للقصيدة ولادة واحدة كما الروح والجسد([13]).
رابعاً: سياق الكامل:
ولسياق الكامل حضور بارز في التشكيل العروضي للقصيدة الحديثة فلتفعيلته (مُتَفاعِلُنْ) حركية متموجة مرنة لوفرة حركاتها نسبة إلى الساكن فيها وهذا ما يمنحها درجة من الترنم عالية عند تعاقبها في البيت أو السطر الشعري، ولعل هذا ما دعى صاحب المرشد إلى أن يقول عن الكامل: (هو بحر كأنما خلق للتغني المحض سواء أ أريد به جد أم هزل ودندنة تفعيلاته من النوع الجهير الواضح الذي يهجم على السامع مع المعنى والعواطف والصور حتى لا يمكن فصله عنها بحال من الأحوال)([14]). ومع هذه الخاصية التي تتوافر عليها تفعيلة الكامل فقد وفرت لها التغييرات العروضية مساحة مهمة من التنوع داخل السطر الشعري أفاد منها الشعراء في قصائدهم بفعل زحاف الإضمار، وعلة الزيادة (التذييل) واجتماعها مع الإضمار أحيانا وهو ما يسميه حسن الغرفي بالإمكانات الزمنية([15]) وقد حضرت هذه الإمكانات بقوة فاعلة في التشكيل الإيقاعي للقصيدة القصيرة على أيدي الشعراء الذين أدركوا أهميتها وحاجة تعبيرهم الشعري إليها كغيرها من الوحدات ضمن التشكيل الكلي للقصيدة ومنهم سامي مهدي، فهو يقول في قصيدته (ورقة ليست لكافكا)([16])
دَبَّ القرادُ إليهِ مُسْتَفْعِلُنْ مُتَفاعِـ
فاسْتَرخَى لُنْ مُسْتَفْـ
ونامْ . ـعِلانْ .
وَتَكاثَرَتْ زُمَرُ القرادِ، مُتَفاعِلُنْ مُتَفاعِلُنْ مُـ
فما أحَسَّ ــتَفاعِلُنْ مُـ
وظلَّ يَحلُم بالسلامْ. ــتَفاعِلُنْ مُتَفاعِلانْ.
حتى إذا ما مرَّ يومٌ واستَفاقَ مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مُـ
تَخَلَّعَتْ أطرافُهُ من جانِبَيهِ ــتَفاعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مُـ
وَلَمْ يَجِدْ إلاّ العِظامْ. ـتَفاعِلُنْ مُسْتَفْعلانْ.
ينبني السياق العروضي لهذه القصيدة من وحدة الكامل السالمة (مُتَفاعِلُنْ) وبديلتها المضمرة (مُسْتَفْعِلُن) مع حضور علة التذييل في نهاية جملها الشعرية عند تمامها. وقد جاءت الوحدات الإيقاعية بحالاتها العروضية وهي تشكل إيقاع القصيدة موظفة كما يحتاجه التعبير الشعري وتتطلبه الصورة الشعرية وجوها فنجد التفعيلة المضمرة حاضرة في الجمل الدالة على ما هو حتمي يفجأنا عندما ننتبه إليه وهو الفناء الذي يدب مهولا كثيفا ونحن في غفلة منه، إنه زوالنا الذي يحيط بنا ويطبق علينا.
البنية الصوتية والدلالية للعبارات تستدعي ايقاع (مُستفْعِلُن) الرجزية الصلدة المتضامة (دبيب القراد، بصورته الكثيفة المتراكمة البشعة = رمز الهلاك والفناء الحتمي المطبق) / (حتى إذا ما مرَّ يوم واستفاق = سرعة مرور الزمن والاستفاقة المفاجئة، صورة يناسبها ايقاع مستفْعِلُنْ بضرباته الصلبة المتوالية) / (تخلع الأطراف، وسرعة تحولها إلى عظام ساكنة باردة) كلها يحاكيها ايقاع صلب متوال يرسم صورتها الساكنة التي تفجأ وعينا وتذهله. وتحضر تفعيلة (مُتَفاعلنْ) بمرونتها وحركيتها في الجمل الشعرية التي تؤثث صورا حركية من مثل (تعاقب أفواج القراد إليه / وتكاثرت زمر القراد، فما أحسّ، وظلَّ يحلم بالسلامْ = صورة استطالة الغفلة وتوهم السلام والأمان بهدوء ودعة) ويناسب هذا ايقاع متوال فيه هدوء واستطالة تكفلته (مُتَفاعلِنْ) وتضاعف بصورتها المذالة في نهاية الجملة لتحكي الامتداد والاستطالة والاسترخاء (مُتَفاعلانْ) فيوحي الإيقاع بهذا الجو ويدخل عنصرا فاعلا في تشكيل هذه الصور. والشاعر هنا انطلاقا من تشكيل بنية قصيدته القصيرة هذه والتعبير عن رؤيته فيها لم يقف عند حدود المواءمة بين التعبير والدلالة وإيقاعهما بل أخضع إيقاع النسق العروضي في هذه القصيدة إلى سلطة تشكلها الدلالي التي يقتضيها التعبير وهو تشكل قائم على تعاقب الصور الجزئية في جملها الشعرية الثلاث إذ كل صورة تأتي في سطر لوحدها فتأخذ مساحتها الإيقاعية من النسق العروضي دون مراعاة لما تتعرض له التفعيلة من بتر بعض مقاطعها لتكمله في السطر الذي يلي مستفيدا من خاصية التدوير التي سنقف عندها لاحقا. و إن تقطّع بعض مقاطع التفعيلة أو أجزاء منها (أوصالها) على مساحة الجملة الإيقاعية لهو وجه من وجوه الهدم والتخلُّع والزوال الذي تعبر عنه القصيدة بكليتها. وهنا نجد أن التشكل العروضي للقصيدة يأتي نابعا من بنيتها الدلالية والتعبيرية تابعا في حركيته لها ليكون عنصرا حاضرا في بُناها الجزئية والكلية معا، فهو يولد معها ويستمد روحه منها.
ولإمكانات التنوع الإيقاعي التي يحتازها الكامل في سياقه كان الشعراء المحدثون يميلون إليه إذ وجدوا فيه دينامية طيّعة لاستيعاب تجاربهم، وبالرغم من قلة أسطر القصيدة القصيرة واكتناز عباراتها إذ لا تستدعي توسعا يتطلب طول العبارة أو كثرة الأسطر فيها فإن الشعراء عندما ينظمون قصائدهم القصيرة على الكامل لا بد أن يغتنموا خاصية التنوع الإيقاعي التي يوفرها زحاف الإضمار في وحدة الكامل ليتناسل إيقاع الرجز في سياقه مثلما رأينا في القصيدة السابقة ومثلما نرى أيضا في قصيدة الشاعر البصري كاظم الحجاج: ( نُضج)([17])
إنِّيْ فَتىً كالبُرتقالةِ شاحِبٌ مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مُتَفاعِلُنْ
والبُرْتقالَةُ لا تَخافْ مُسْتَفْعِلُنْ مُتَفاعِلانْ
لكنَّما .. مُسْتَفْعِلُنْ
يصفَرُّ وجهُ البرتقالَةِ مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مُتَـ
كُلَّما قَرُبَ القِطافْ ! ــفاعِلُنْ مُتَفاعِلانْ
إن ضرورة حضور التفعيلة الرجزية ( مُستفعلنْ) يستدعيها التعبير الشعري في بعض مواضع من العبارة لما توفره من سرعة وشدة أسر وقوة جرس كما في ( إنّي فتىً / كالبُرْتقالَةِ / لكنَّما / يَصْفَرُّ وجهُ البرتقالة ) وهي عبارات تحمل معنى متوثبا ولها وقع مميز في الأذن بسبب بنيتها الصوتية ذات المقاطع المغلقة ووحدتها الإيقاعية المتضامة (مُسْتَفْعِلُنْ) لذا فإن أنشادها يكون بنغم متوتر صاعد في حين يهبط هذا النغم ويتراخى في نهاية السطر الأول والثاني وعلى امتداد السطر الأخير فتحضر (مُتَفاعِلانْ) بانبساطها وهدوء تموجها لتناسب هذا النغم المتراخي وحركة الانكسار والشحوب التي يصير إليها المرء بعد نضجه مضاعفة ذلك بالمقطع الطويل في نهايتها عن طريق علة التذييل .إنه تحول ضدي من القوة إلى الضعف وقد استوعب النسق العروضي هذه التجربة الشعرية في مستوييها المتضادين.
خامساً: سياق الرمل:
أما سياق الرمل فله حضوره أيضا في التجربة العروضية للقصيدة القصيرة لما يتمتع به إيقاعه من استرسال وتدفق توفره تفعيلته (فاعِلاتُنْ) ومزاحفتها (فَعِلاتُنْ) في تعاقبهما داخل السطر الشعري مع إمكانية التداخل التفعيلي بين الأسطر وهي إمكانية يستدعيها الطابع الحكائي للقصيدة كما يرى محمد كنوني.([18]) من ذلك قصيدة سامي مهدي ( الأحياء)([19])
قبلَ أنْ نَدفُنَ مَوتانا فَاعِلاتُنْ فاعلاتن فا
هَرَبنا وَتَعَلَّقنا بأعشاب الحياة عِلاتُنْ فَعِلاتُنْ فاعِلاتُنْ فاعِلاتْ
ورَضِينا بِبقايا بَقِيَتْ منهم فَعِلاتُنْ فَعِلاتُنْ فَعِلاتُنْ فا
تُسمَّى: ذِكْرَياتْ عِلاتُنْ فاعِلاتْ
فَالَّذِي أُلحِدَ في القبرِ سِوانا فَاعِلاتُنْ فَعِلاتُنْ فَعِلاتُنْ
والَّذي يحيا هُنا الآنَ كِلانا فَاعِلاتُنْ فَاعِلاتُنْ فَعِلاتُنْ
وكَفانا أنَّنا لمْ نُنكِرِ المَوتى، فَعِلاتُنْ فَاعِلاتُنْ فَاعِلاتُنْ فا
ولا غِبنا عن التشييعِ، عِلاتُنْ فَاعِلاتُنْ فاعـِ
بل جِئنا ــلاتُنْ فا
وسُرنا معَ مَنْ سارَ عِلاتُنْ فَعِلاتُنْ فَــــ
ونُحنا، عِلاتُنْ
وتَلَونا ما حَفِظنا من صلاةْ. فَعِلاتُنْ فَاعِلاتُنْ فَاعِلاتْ.
إن الإيقاع المتعاقب لوحدات الرمل وتداخلها بين الأسطر جاء هنا بنغم خفيض متصل يواكب الحكي واسترساله وقد كان لأصوات المد دور كبير في إظهار هذا النغم وبروزه كما اكتسبت القصيدة نوعا من البطئ والتدفق المتراخي مع هذا الإيقاع في كل سطر، إذ كل سطر يقدم فقرة من فقرات الحكي التي تختص بتقديم فكرة محددة تختلف عن غيرها في الأسطر الأخرى المتوالية وهنا يكون لكل سطر مداه الإيقاعي المحدد الذي يستوعب فكرته، تاركا للتداخل الإيقاعي ( التدوير) بين الأسطر مهمة ربط بعضها ببعض لتتشكل الرؤيا الكلية للقصيدة دلالة وإيقاعا. والحقيقة ليس كل ما نظم على وزن الرمل يأتي بنغمة خفيضة مسترسلة بل إنَّ جوَّ القصيدة وتشكلها اللغوي والدلالي يستثمر كل ما في نغمة الوزن من مستويات معبرة لتوظيفها بفاعلية خدمة للتجربة وتشكيل رؤياها. وتفعيلة (فاعِلاتُنْ) تتميز بوضوحها الإيقاعي ووقعها الصوتي المميز ما يجعلها مؤهلة لأن تشكل إيقاعا متوثبا ونغما صاعدا إذا ما توافرت لها ألفاظ وعبارات ذات أسر تؤدي معاني تسير في جو شعوري متوهج وانفعال عال، وهذا مانجده في قصيدة قصيرة أخرى لسامي مهدي: (الجزء الضائع)([20])
أيُّها الرَّحبُ الكبيرْ فاعِلاتُن فاعِلاتْ
أيُّها المُلتَفُّ بالضَّوءِ وبالظِّلِّ حَريراً في حَرِيرْ فاعِلاتُن فاعِلاتُن فًعِلاتُن فَعِلاتُن فاعِلاتْ
أيُّها السِّرُّ الأَخِيرْ فاعِلاتُن فاعِلاتْ
ما الّذي يُنقِصُنا نحنُ فلا نكتملُ؟ فاعِلاتُن فَعِلاتُن فَعِلاتُن فَعِلا
رَغبةٌ جامِحَةٌ؟ فاعِلاتُن فَعِلا
أَمْ .. خَبَلُ؟ تُن.. فَعِلا
إن جو الدهشة والتوتر والانفعال والتساؤل هو الذي ينتظم أسطر هذه القصيدة التي تتحدث عن أشياء ضبابية ساحرة وغير مدركة بالحس وهي أشياء مهيبة من عالم سماوي تتوق إليها النفس لو اتحد بها الإنسان لأوصلته إلى درجة الكمال، إنه جزؤه الضائع الذي يبحث عنه ويتشوف إليه دوما. إن الخطاب الشعري يجري بانفعال متوتر وتنغيم صاعد كان لنغمة الرمل (فاعلاتن) بوقعها المميز وانزياحاتها المعبرة أن تستوعبه وتتمثله.
هذه أبرز الأنماط العروضية الصافية التي انتظمت عليها قصائد الشعراء القصيرة (مادة البحث) ونحن لسنا بصدد الإحصاء أو الحصر هنا بل بصدد تلمس المستوى الجمالي الذي أنتجه التشكيل العروضي للقصيدة القصيرة.
أما الأوزان المركبة فقد شكلت حضورا متواضعا جدا لايكاد يذكر مقارنة بالأوزان الصافية التي وقفنا عندها ولم تكن تمثل تجارب عروضية مهمة وملفتة تستدعي الدرس في هذا البحث. إن الوحدة الإيقاعية في البحور المركبة لا تتكون من تفعيلة واحدة كما هي الحال في البحور الصافية بل من تفعيلتين مختلفتين يجب على الشاعر تكرارهما معاً كأصغر وحدة إيقاعية في سطره الشعري، فمثلاً إذا كتب الشعر بالبحر (البسيط) (مستفعلن فاعلن) ليس له أن يكتفي بـ (مستفعلن) وحدها أو (فاعلن) وحدها فاكتفاؤه بمثل ذلك يضعه أمام بحر مختلف تماماً هو (الرجز) في الحالة الأولى، و (المتدارك) في الحالة الثانية. ومن ثم فهو مضطر لأن يستخدمها الوحدتين متواليتين معاً. وهذا قد يولد حاجزاً يصطدم به التدفق الشعري او الحالة الشعورية التي يصدر عنها الشاعر والتي قد تتلاءم معها تفعيلة واحدة من البحر المركب وهذا ما يسيء إلى النص الشعري والى تذوقه على حدٍ سواء.([21]) كما أن النظم على الوزن المركب يفرض على الشاعر نمطية هذا الوزن المسبقة التي تمثلها ضرورة الانصياع لتوالي التفعيلتين ( الوحدة الإيقاعية المركبة للوزن) ومن ثم تكون سلطة الوزن حاضرة سلفا على القصيدة ويكون حظ التجربة الشعرية في خلق إيقاعها بذاتها وتشكيله بما تقتضيه مستويات التعبير والانفعال فيها قليلا وغير فاعل، بذلك نتبين السبب في انخفاض نسبة البحور المركبة وقلتها في ساحة القصيدة الحديثة.
ــــ المبحث الثاني: تحول النسق العروضي (تداخل البحور):
المعروف حسب القاعدة العروضية إن القصيدة تنتظم على نسق وزني واحد هو الذي يرسم خط تشكلها العروضي وليس للشاعر أن يخلط إيقاعا بآخر غيره في قصيدة واحدة ، غير أن هذه القاعدة فقدت سلطتها مذ بدأ الشعر الحديث في العراق بعد منتصف القرن الماضي يشهد ظواهر موسيقية وفنية جديدة نابعة من روح التجربة الشعرية وحداثتها([22])، وكان من بين تلك الظواهر تداخل وزنين في قصيدة واحدة وهذا التداخل لم يكن ضربا من الترف أو محاولة في التجريب، بل كان في نماذج كثيرة وعلى أيدي شعراء كبار ضرورة تعبيرية يستدعيها نمو القصيدة وتحولات الدلالة فيها وتنوع الانفعال، ومن ثم فهي ظاهرة إيقاعية تولد من رحم التجربة الشعرية للقصيدة ذاتها تؤدي إلى مغايرة إيقاعية في التشكل العروضي للقصيدة. وقد شهدت القصيدة القصيرة هذه الظاهرة بفاعلية عالية أسهمت في ثراء جوها الإيقاعي وإنعاشه، وقد شغل التداخل بين وزني المتدارك والمتقارب فيها المساحة الأوسع.
والذي يبدو أن الأصل البنائي المشترك بين وحدتي المتدارك والمتقارب هو الذي يجعل تحول الإيقاع بينهما مستساغا ومقبولا، فكل من (فاعلن، وفعولن) تتشكلان من وتد مجموع وسبب خفيف، يتقدم السبب على الوتد في الأولى، بينما ينعكس الترتيب في الثانية ليتقدم الوتد على السبب ، والأمر الثاني الأهم في هذا التحول هو أن النواتين ( السبب والتوتد) في وزني المتدارك والمتقارب يمثلان الأُسّ المشترك للإيقاع بينهما وهذا يعني اشتراك ( فاعِلُنْ وفَعُولُنْ) بمدى زمني واحد تشغله عناصر صوتية متطابقة (مقطع قصير/ مقطع طويل/مقطع طويل، مع اختلاف في الترتيب) ثم إن تحول السياق من (فاعلن) إلى (فعولن)([23]) هو انقلاب في تعاقب النواتين (فاعِلُنْ » عِلُن فا) يؤدي إلى تغير نغمة الإيقاع بسبب تغير تعاقب النوى المشكلة للوحدة وقد يكون لحضور المفصل الإيقاعي دور كبير أيضا في هذا التداخل([24]). والحقيقة إن هذا التحول لم يكن اعتباطيا بل التعبير الشعري ومقتضاه الإيقاعي في القصيدة هو الذي يوجهه.
وكان للتداخل حضور ملحوظ في قصائد الشاعر يوسف الصائغ القصيرة من بين شعراء فترة ما بعد الرواد فقد اعتمد هذه التقنية في منح قصائده تحولا ايقاعيا مسايرا لتحول الفكرة فيها راسما خط تغير الموقف الشعوري وقد اعتمد هذه التقنية في أكثر قصائده القصار، يقول في قصيدته (مقدمة أولى .. زمان المحبين)([25])
ما تَبقَّى فاعِلُنْ فا
هُوَ الحُبُّ … عِلُنْ فاعِــ
هذا .. رِهاني الأخِيرْ … ــلُنْ فاعِلُنْ فاعِلانْ
زَهرتانِ على القلبِ ذابِلَتانِ … فاعِلُنْ فَعِلُنْ فاعِلُنْ فَعِلُنْ فَـــ
وَسبْعُ شُموعٍ ، ـعِلُنْ فَعِلُنْ فا
تُنِيرُ الضَّميرْ … عِلُنْ فاعِلانْ …
وَأَنتُمْ .. فَعُولُنْ
خُذونيْ بِطيبَةِ قَلبِيْ .. فَعُولُنْ فَعُولُ فَعُولُنْ
فَإنَّ المَحَبَّةَ ، طَيِّبةُ القلبِ فَعُولُنْ فَعُولُ فَعُولُ فَـــ
والشِّعرُ، مَغْفِرةٌ … ـعُولُنْ فَعولُ فَعُو
وَزَمانُ المُحِبِّيْنَ .. لُ فَعُولُنْ فَعُولُنْ فَــــ
جِدُّ قَصِيْرْ … ـعُولُ فَعُولْ …
يتشاطر القصيدة سياقان: المتدارك في الأسطر الأولى الست وفيها حديث الشاعر مع نفسه بنغمة تجري على وتيرة واحدة فيها من الثقل والبطء ما يحاكي موقف الحزن والتحسر وكان لشيوع (فاعلن) السالمة في الأسطر دور فاعل في وسم إيقاع الأسطر بهذه الرتابة مع تلوين هادئ بسيط أضفته (فَعِلُنْ) المخبونة في سطرين منها لم يكسر الرتابة التي تلف هذه الأسطر لأن مستوى الانفعال واحد ينتظم الأسطر كلها. ثم يتحول السياق بتعاقب وحدة (فَعولنْ) إلى المتقارب، وهذا التحول يبدأ مع تحول الخطاب إلى الآخرين وهو خطاب فيه رقة وتودد ومحبة وقرب من المخاطبين وقد بدت نغمة (فَعولُنْ) هي الأصلح لخلق إيقاع فيه روح الرقة والتودد والتوجه باستطالة خفيضة إليهم تحكي هذا الجو الشعوري الذي خالطه الحزن مع الود والترجي. ومن ثم كان تحول الإيقاع من المتدارك إلى المتقارب هو تقنية أوجدتها تعبيرية القصيدة واستدعاه تحول الموقف داخل بنية القصيدة فكريا وشعوريا. وإن هذا التحول الإيقاعي لا يبدأ إلا بعد أن تتم الجملة الشعرية التي قد تستغرق أكثر من سطر لتستكمل دلالتها وتستوفي جوها الشعوري على نسق وزني واحد، ثم تبدأ جملة شعرية أخرى تؤدي تحولا دلاليا وفكريا آخر ويسوقها جو شعوري مغاير لتتخذ نسقها الوزني الملائم الذي يستوعبها فيكون هو الأصلح لها، لذا ينحرف الوزن هنا إلى وزن مغاير لا يبتعد كثيرا في جوهره عن الأول لتبقى القصيدة محافظة على انسيابيتها تسير في كون أيقاعي متناسب ومنسجم وهو ما يحدث في التحول أو التداخل بين المتدارك والمتقارب مثلا.
وفي أغلب القصائد التي شهدت تداخل وزنين في تشكيلها الإيقاعي([26]) لم تخرج عن مثل ما ورد في القصيدة التي وقفنا عليها إذ يتحول السياق الوزني بتحول الموقف او تغير وجهة التعبير فيكون إيقاع النسق العروضي عنصرا له فاعليته من بين عناصر تشكيل القصيدة متلونا بأجوائها التعبيرية والشعورية.
-المبحث الثالث: التدوير.
تقوم القصيدة الحديثة (قصيدة التفعيلة) على السطر الشعري الذي لا يحكمه عدد معين من التفعيلات، بل الدفقة الشعرية هي التي تحدد المدى الإيقاعي الذي يستوعبها في كل سطر، بحسب ما تؤديه من فكرة. وباكتمال الفكرة يبلغ السطر نهايته (وقفته) الدلالية والعروضية، ليكون السطر جزئية موسيقية دلالية ترتبط بغيرها من الجزئيات الأخرى في جسد القصيدة وتتفاعل معها([27])، وقد تمتد الفكرة متجاوزة السطر إلى غيره من الأسطر حتى تمامها فتأتي بدفقة شعرية أكبر وجملة شعرية أطول تتجاوز السطر عروضيا ومعنويا إلى سطر آخر أو أسطر أخرى، وقد تشمل القصيدة كلها، وهنا يقع التدوير بين نهاية السطر وما بعده مُتابَعةً للمعنى وتكون بدايات الأسطر تابعة عروضيا لنهايات التي سبقتها فيسير النسق العروضي مستمراً دون توقف حتى تكتمل الجملة الشعرية فتكتمل معها صورتها الموسيقية وتبلغ وقفتها . وهنا يخرق التدوير الوقفتين العروضية والدلالية معا([28]) في كل سطر يقع فيه. وإذا كان الأمر متعلقا بالدفقة الشعورية والجملة الشعرية ومداها الموسيقي فإن لهذه الحالة مكانة متميزة في القصيدة القصيرة، تجعل للتدوير قيمة مهمة في بنيتها التعبيرية، ولكن على وفق إمكانات هذه القصيدة وخصائصها من حيث طبيعة الجملة الشعرية وجوها الشعوري وما تقتضيه من مساحة إيقاعية كافية. وكما هي الحال في القصيدة الحديثة يجيء التدوير في القصيدة القصير جزءا من مقطع، أو مقطعا كاملا، أو يتسع ليشمل القصيدة كلها فتكون مدورة.
أولاً: التدوير الجزئي.
وهو امتداد أحد أسطر القصيدة عروضيا إلى سطر يليه ليلتحم معه عروضيا بتحول جزء من تفعيلته الأخيرة إلى أول السطر الذي يليه، ويرافق ذلك امتداد معنوي تُستكمل الفكرة من خلاله. من ذلك قصيدة حسب الشيخ جعفر (إلى ديك الجن)([29])
لا أظُنُّكَ مَنْ يَقتُلُ امرأةً فاعِلُنْ فَعِلُنْ فاعِلُن فَعِلُنْ
عائِماً في القُنوطْ .. فاعِلُنْ فَاعِلانْ
ما جَرى هُوَ أنَّكَ أزمَعْتَ قَتْلَ فاعِلُنْ فَعِلُنْ فَعِلُنْ فاعِلُنْ فَـــــ
خَيالٍ لها في الشَّراب ــعِلُنْ فاعِلُن فَاعِلانْ
فاتّخَذتَ (السَّراب) فاعِلُنْ فَاعِلانْ
قَدَحاً أو حَنوطْ ! فَعِلُنْ فَاعِلانْ
جاء التدوير في هذه القصيدة بين سطريها الثالث والرابع إذ أنهما يمثلان جملة تُقرأ بنفس واحد متصل لا سيما أن التدوير وقع بين المضاف والمضاف إليه ، وقد يسمح إنشاد القصيدة بوقفة يسيرة جدا أوشبه وقفة في نهاية السطر عند ( أزمعتَ قتلَ ) بالقدر الذي يُبرِز حركة الفتح على لفظة ( قَـتْـلَ) ويُلفتُ السمع إلى التعبير( أزمعتَ قتلَ) لتوكيد حضوره ودلالته ثم يوصل بالسطر الثالي ممدا الصوت عند (خَيالٍ) لإبرازها أيضا لأن كلاً من ( أزمعتَ قتلَ ، وخيالٍ لها في الشراب ) يمثلان بؤرتي إشعاع تعبيري في الجملة الشعرية التي اتسعت للسطرين، وأحسب أن أهمية اللفظتين التعبيرية هذه هي التي دفعت الشاعر إلى أن يجعلهما في سطرين يؤدي كل منهما فكرة جزئية مهمة ثم يوصل بينهما بتقنية التدوير، وإلا فإنّه بإمكانه أن يجعل التعبير كله في سطر واحد أو يجعل لفظة (خيالٍ) مع مضافها (قتل خيال لها) وينتهي الأمر لكن ورودهما في سطر واحد يجعل وهجهما التعبيري باهتا وهذا بظني ما تجنبه حسب الشيخ جعفر. وهنا ندرك أن التدوير “وإن جاء جزئيا بين سطرين” كان فاعلا جدا وموظفا بعناية.
والتدوير الجزئي لا يقتصر وقوعه عند سطر واحد فقط من القصيدة بل قد يأتي بين أكثر من سطر منها([30])
ثانياً: التدوير المقطعي.
هذا التدوير يمتد ليشمل مقطعاً كاملاً يمثل جملة شعرية واحدة تمتد إلى أكثر من سطر في داخل القصيدة تكتنفها دفقة شعورية واحدة، وهنا يكون النسق العروضي ممتدا هو الآخر مع الجملة حتى يبلغ وقفته باكتمال المعنى. وبذا تكون القصيدة متكونة من أكثر من مقطع، كل له خصوصيته من حيث التعبير والشعور، والتصوير، والدلالة. وهذه الخصوصية لا تقطعه عن غيره من مقاطع القصيدة بل هو وحدة خصبة مؤهلة للنمو والتعاضد مع غيرها من المقاطع في سبيل اكتمال التجربة الشعرية. ومن الأمثلة على ذلك قصيدة سامي مهدي:(ورقة ليست لكافكا)([31])
دَبَّ القرادُ إليهِ مُسْتَفْعِلُنْ مُتَفاعِـ
فاسْتَرخَى لُنْ مُسْتَفْـ
ونامْ. ـعِلانْ.
وَتَكاثَرَتْ زُمَرُ القرادِ، مُتَفاعِلُنْ مُتَفاعِلُنْ مُـ
فما أحَسَّ ــتَفاعِلُنْ مُـ
وظلَّ يَحلُم بالسلامْ. ــتَفاعِلُنْ مُتَفاعِلانْ.
حتى إذا ما مرَّ يومٌ واستَفاقَ مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مُـ
تَخَلَّعَتْ أطرافُهُ من جانِبَيهِ ــتَفاعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مُـ
وَلَمْ يَجِدْ إلاّ العِظامْ. ـتَفاعِلُنْ مُسْتَفْعلانْ.
القصيدة متكونة من ثلاثة مقاطع مدورة وكل مقطع يطغى عليه الطابع السردي وينتابه نفس شعوري واحد خاص به. ويقدم فكرة أو حالة من حالات الهدم والزوال التي يتعرض لها الإنسان وهو يسلك دربه في الحياة. إن التدوير في كل مقطع يربط الأسطر مع بعضها متجاوزا وقفتها ليقدم صورة إيقاعية وشعورية نامية للفكرة التي يعبر عنها المقطع، هذه الصورة تمتد مع امتداد الفكرة عبر الأسطر وإذا شئنا الدقة أكثر فإن كل سطر في المقطع الواحد يقدم صورة جزئية مرحلية لها إيقاعها في الصورة الكلية للمقطع، لذلك عمد الشاعر إلى إفراد كل منها في سطر خاص بها موكلا للتدوير مهمة ربطها إيقاعيا في نفس شعري واحد، فكان التدوير تقنية مهمة في تشكيل القصيدة لها فاعليتها في نمو مفاصلها وتشكل فكرتها. وهذه التقنية كما يبدو تصلح مع القصائد ذات الطابع السردي كما شهدنا في هذه القصيدة إذ اكتنف مقاطعها طابع سردي واضح فجاءت مدورة.
ويكون للتدوير المقطعي تعالق متفاعل مع التقفية في القصيدة، كونها موضع الوقفة المهمة التي تختم الجملة الموسيقية للمقطع وينتهي عندها دفقه الشعوري والدلالي. فغالباً ما تأتي المقاطع المدورة منتهية بقافية تتكرر في داخل القصيدة، كما هو الحال في القصيدة السابقة. وهذه التقفية في نهاية المقاطع المدورة تسهم كثيراً في تشكيل الفضاء الصوتي للمقاطع كما أن التدوير يسوق التعبير كله ليحقق كمال دلالته عند لفظ القافية، ما يجعلها بؤرة صوتية وتعبيرية لها مكانة بارزة في جسد القصيدة. من ذلك ما نحده في قصيدة يوسف الصائغ: (أيُّها المُغترب)([32])
((وحيد بمقهاكَ)) فعولن فعولن فـ
إن القصائدَ عولن فعولُ فـ
في جبهة الفاوِ فعولن فعولن فـ
ليستْ وحيدَه … عولن فعولنْ
وبغدادُ، فعولن فـ
في ساعةِ الحبّ عولن فعولن فـ
ليستْ بعيدَهْ .. عولن فعولن
……… ……..
حسبُ أن تقتربْ .. فاعلن فاعلنْ
أيها فاعلـ
الشاعرُ ــن فاعلـ
المغتربْ … ـن فاعلنْ
القصيدة ذات ثلاثة مقاطع مدورة مقفاة. الأول، والثاني يشتركان في قافية هي على التوالي (وحيدهْ، بعيدهْ). أما الثالث فيتوحد مع قافية السطر الذي قبله (تقترب، ومغترب). وجاءت القافية هنا لتعلن النهاية الزمنية للمقطع كما نشرت ظلال إيقاعها على فضائه كله، والتدوير هنا يختزل نهايات الأسطر في نهاية واحدة ومن ثم تشع القافية بقوتها الدلالية وقيمتها الإيقاعية على كل أسطر المقطع وتُخضِعها إليها.
ثالثاً: التدوير الكلي.
وهو يختلف عما سبقه لأنه يأخذ بالقصيدة كلها من أول سطر إلى آخره. فتبدو الأسطر في شكل متوالية إيقاعية تنتهي عند آخر سطر. وبهذا تكون القصيدة مدورة كلياً، ولابد أن تخضع القصيدة كلها إلى دفقة شعورية واحدة تمتد مع امتداد أسطرها لكي يكون التدوير فيها ناجحاً. فتكون القصيدة كلها جملة شعرية واحدة ينساب إيقاعها العروضي دون تعثر أو تلكؤ حتى موضع الوقفة في آخر سطر منها.
والذي يبدو أن القصيدة القصيرة لم تشهد هذا النوع من التدوير بشكل ملحوظ واسع ولعل السبب في ذلك هو أن التدوير أكثر ما يوائم الدرامية و السرد وهذان الأمران تكون القصائد الطويلة طبعا أفسح مجالا لهما، ولكن ذلك لم يمنع وروده في القصيدة القصيرة إذا ما اكتنفها السرد بأكملها كما في قصيدة سامي مهدي: (رغبة أخرى):([33])
سَقَطَ الثَّلجُ هذا الصّباحَ فَعِلُنْ فاعِلُنْ فاعِلُنْ فَـــ
كثيفاً، ـعِلُنْ فا
فَغطَّى المدينةَ بالصَّمتِ، عِلُنْ فاعِلُنْ فَعِلُنْ فاعِـ
وانبَثَّ في كلّ منعَطفٍ وطريقٍ، ـلُنْ فاعِلُنْ فاعِلُنْ فَعِلُنْ فَعِلُنْ فا
ولكنَّ بي رغبةً في التَّعنُّتِ والسّخْطِ، عِلُنْ فاعِلُنْ فَاعِلُنْ فاعِلُنْ فَعِلُنْ فاعِـ
بي رغبة في الصّياحْ. ـلُنْ فاعِلُنْ فَاعِلانْ.
يكتنف هذه القصيدة نفس شعوري واحد متنام وهو امتعاض الشاعر من شدة البرد وصمت المدينة بسب سقوط الثلج كثيفا في كل منعطف وطريق، لذا جاءت القصيدة في دفقة واحدة بإيقاع متوال لا وقفة فيه حتى النهاية، يحكي استمرارية االبرد وتعاظم صمت المدينة، وفي الوقت نفسه يحكي الإيقاع المدور أيضا تنامي انفعال الشاعر وامتعاضه حتى بلغ درجة الرفض الصريح (الصياح)، فكان للتدوير فاعليته في حركية إيقاع الأسطر وتتابعها إلى تمام الفكرة واكتمالها دلاليا وشعوريا فكانت القصيدة جملة شعرية واحدة.
نتيجة البحث:
وهنا نخلص إلى أن التجربة العروضية للقصيدة القصيرة حققت فاعليتها بكل مستوياتها ومظاهر تشكلها وأثبتت حضورها التعبيري والدلالي والإيحائي في وجود القصيدة ، وقد أفاد الشعراء من تقنيات التشكل العروضي فأحسنوا توظيفها داخل قصائدهم القصيرة كعناصر تعبير وإيحاء أسهمت في تشكل دلالات قصائدهم وتحقيق وجودها الإيقاعي المتفاعل مع التجربة الشعرية، إذ انطلقوا في ذلك من روح التجربة الشعرية متجاوزين نمطية النسق العروضي المسبقة، مستفيدين من كل الإمكانات العروضية التي يجدون فيها تجاوبا وتناغما مع متطلبات التعبير الجمالي الشعري لقصائدهم، وهم في ذلك كله حرصوا على أن تحافظ قصائدهم مع كل ما شهدت من ظواهر أو تقنيات عروضية على الجوهر الإيقاعي المتسق مع التعبير النابع من روح التجربة، فالقصيدة هي التي ترسم خريطتها الإيقاعية التي لا تتماثل فيها مع غيرها.
مصادر البحث ومراجعه
- الأسئلة. سامي مهدي. دار الرشيد للنشر، بغداد 1979.
- الأعمال الشعرية 1964 – 1975. حسب الشيخ جعفر. دار الحرية للطباعة، بغداد 1985.
- الأعمال الشعرية 1965 – 1985. سامي مهدي. دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد 1986.
- أغاني عشتار. لميعة عباس عمارة. المؤسسة التجارية للطباعة والنشر. 1969.
- الإيقاع في قصيدة العمود من خلال الحطاب النقدي العربي. د. علي عبد رمضان. دار ومكتبة البصائر للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت ط1، 2016.
- باتجاه أفق أوسع: حميد سعيد. دار الشؤون الثقافية العامة. بغداد 1992.
- بريد القارات. سامي مهدي. دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد 1989.
- بنية القصيدة القصيرة في شعر أدونيس. علي الشرع. مطبعة اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1987.
- بنية اللغة الشعرية. جان كوهين، ترجمة محمد الولي، ومحمد العمري. دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط1، 1986.
- تحولات الشجرة، دراسة في موسيقى الشعر الجديد وتحولاتها. د. محسن أطيمش. دار الشؤون الثقافية العامة. بغداد 2006.
- تواطؤاً مع الزرقة. حسب الشيخ جعفر. دار المدى للثقافة والنشر، ط1، 2011.
- جدلية الخفاء والتجلي، دراسة بنيوية في الشعر. كمال أبو ديب. دار العلم للملايين، بيروت، ط1، 1979.
- حركية الإيقاع في الشعر العربي المعاصر. د. حسن الغرفي، إفريقيا الشرق، بيروت، 2001.
- حنجرة طرية. سامي مهدي. دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1993.
- خيمة على مشارف الأربعين. عبد الرزاق عبد الواحد. مطبعة الأديب، بغداد 1972.
- رباعيات العزلة الطيبة. حسب الشيخ جعفر. دار نخيل عراقي، بغداد، ط1، 2009.
- الزوال. سامي مهدي. دار الحرية للطباعة، بغداد، 1981.
- سعادة عوليس. سامي مهدي. دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1987.
- السكون المتحرك، دراسة في البنية والأسلوب، الجزء الأول بنية الإيقاع. علوي الهاشمي. منشورات اتحاد كتاب وأدباء الإمارات. ط1، 1992.
- الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية. الدكتور عز الدين إسماعيل. دار العودة – بيروت ط3، 1981.
- غزالة الصبا. كاظم الحجاج. ط2، تموز للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، 2012.
- في حداثة النص الشعري. د. علي جعفر العلاق. دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1990.
- قصائد. يوسف الصائغ. دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد 1992.
- قضايا الشعر المعاصر. نازك الملائكة. دار العلم للملايين، بيروت، ط5، 1978.
- اللغة الشعرية، دراسة في شعر حميد سعيد. محمد كنوني. دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1997.
- لو .. أنبأني العراف. لميعة عباس عمارة. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط2، 1985.
- ليلة الغابة. زهور دكسن. دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1994.
- متاهة الفراشة قصائد مختارة 1947 – 1998، . محمود البريكان. اختيار وتقديم باسم المرعبي. منشورات الجمل، كولونيا- المانيا، 2003.
- مراثي الألف السابع وقصائد أخرى. سامي مهدي. دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1997.
- المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها. عبد الله الطيب، ط2، دار الفكر، بيروت،1970.
- واحتي هالة القمر. زهور دكسن ، دار الحرية للطباعة بغداد، 1990.
[1] – بنية القصيدة القصيرة في شعر أدونيس: (ص51، والكلام للناقد هربرت ريد).
[2]– ينظر: قضايا الشعر المعاصر: (80-81).
[3]– سعادة عوليس: (ص96).
[4] – غزالة الصِّبا: (ص50)، وتنظر: قصيدة محمود البريكان: (البرق -1-: متاهة الفراشة: ص135)، وكذلك قصيدة زهور دكسن: (قشرة البرتقالة: في ديوانها ليلة الغابة: ص28).
[5] – قصائد: (ص382)، ونجد مثل هذه الظاهرة عند لميعة عباس عمارة أيضا في قصائدها من ديوانها( لو.. أنبأني العراف) قصيدة: (مثلث برمودة، ص101)، و (خاطرة، ص102)، و(نا، ص104)، و(سافو، ص106).
[6] – تواطؤاً مع الزرقة: (ص197).
[7] – خيمة على مشارف الأربعين: (ص95)، وتنظر قصيدة يوسف الصائغ (جمعة الأموات) ديوانه: قصائد(ص186).
[8]– ينظر: اللغة الشعرية، دراسة في شعر حميد سعيد: (ص77).
[9] – متاهة الفراشة:(ص71)، وينظر أيضا قصيدته (خطان متوازيان: ص87)، وينظر أيضا قصيدة حميد سعيد (غراب علاء بشير) في ديوانه: (باتجاه أفق أوسع: ص49).
[10] – مراثي الألف السابع وقصائد أخرى:(ص15).
[11] – واحتي هالة القمر: (ص157).
[12] – ينظر: بنية اللغة الشعرية: (ص51).
[13] – ينظر: الإيقاع في قصيدة العمود من خلال الخطاب النقدي العربي: (ص25).
[14] – المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها: (1/246).
[15] – حركية الإيقاع في الشعر العربي المعاصر: (ص118).
[16] – الزوال: (ص13)، وينظر له أيضا (الأعمال الشعرية 1965 – 1985: ص241).
[17] – غزالة الصِّبا: (ص25)، وتنظر أيضا قصيدته (أجزاء المرآة: ص26، من الديوان نفسه)، وتنظر: قصيدة حسب الشيخ جعفر(صوت في الريح) التي يحضر فيها إيقاع الرجز بوضوح:( الأعمال الشعرية الكاملة1964 – 1975:ص18)، وقصيدة لميعة عباس عمارة ( لا أهلاً ) من ديوانها: أغاني عشتار: ص29؛ وكذلك تنظر قصيدة زهور دكسن ( الطوق) من ديوانها (ليلة الغابة: ص22)، وقصيدتها ( قبل الرحيل وبعده) من ديوانها: واحتي هالة القمر: ص135-136.
[18] – ينظر: اللغة الشعرية دراسة في شعر حميد سعيد: (ص43).
[19] -حنجرة طرية: (ص21).
[20] – بريد القارات: (ص74).
[21] – ينظر: في حداثة النص الشعري: (ص93، وما بعدها).
[22] – ينظر: تحولات الشجرة: (ص149، وما بعدها).
[23] – بين الدكتور كمال أبو ديب أن أغلب صور التداخل بين البحرين يقتصر على التحول من (فاعلنْ) إلى (فعولن). ينظر: جدلية الخفاء والتجلي: (ص95).
[24] – ينظر: السكون المتحرك: (ص210، وما بعدها).
[25] – قصائد: (ص264).
[26] – ينظر: قصائد يوسف الصائغ في ديوانه قصائد: ( ص189، وص194، وص265، وص355، وص369، وص375، وص376).
[27] – ينظر: الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية: (ص108).
[28] – حركية الإيقاع في الشعر العربي المعاصر: (ص131).
[29] – رباعيات العزلة الطيبة: (ص100).
[30] – ينظر: قصيدة السؤال الأخير ليوسف الصائغ في ديوانه قصائد: (ص359)، وقصيدة كاظم الحجاج( ورق الأربعين) في ديوانه غزالة الصبا: (ص13).
[31] – الأعمال الشعرية 1965 – 1985:(ص241).
[32] – قصائد: (ص354).
[33] – الأسئلة: (ص41)، وتنظر: قصيدته (إيقاع الأسرة) من ديوان الزوال: ص37، وقصيدة كاظم الحجاج (مراهقة) من ديوانه غزالة الصبا: ص15.