الأثر المقاصدي للعمل الخيري
The effect of Legitimate purposes on charitable work
ط.د. سليم عمري/ الجامعة الإسلامية العالمية، ماليزيا
Salim amri/ PhD student / International Islamic University, Malaysia
مقال نشر في مجلة جيل العلوم الانسانية والاجتماعية العدد60 الصفحة 97.
ملخص :
هذه الدراسة تهدف إلى التعريف بالأثر المقاصدي للعمل الخيري من خلال مقاصد المكلف إما ضرورية أو حاجيه أو تحسينية، وبالنظر المتفحّص نجد أن العمل الخيري سباق لتحقيقها، في جانبي الوجود والعدم، وأثر ذلك ظاهر وجليٌّ في كل الجوانب التي تعاهدها بالحرص والعناية، الأمر الذي ولّد من ذلك مؤسسات خيرية اجتماعية أسهمت بنصيب لا يُنكر في حفظ الدين بالدعوة إليه وتكوين الدعاة وتهيئة المجال الدعوي من مرافق ومساجد وأوقاف أو هبات أخرى، ومحاربة البدع والخرافات عنه، وكذا حفظ النفوس بتوفير أسباب العيش لغير القادرين لها وتوفير الأمني و الصحي لها والدراسة هي مجموعة من الوسائل التي يتوصل بها لتحقيق مقاصد الشريعة للمكلف ، وتختلف هذه الوسائل باختلاف الأماكن والأزمنة، وهي في الأخير تخضع للاجتهاد البشري ومدى مواكبته للعصر وتسخير أسبابه لتحقيق الأهداف المرجوة.
الكلمات المفتاحية: العمل الخيري-الأثر- المقاصد الشرعية- الضروريات- الحاجيات –التحسينيات.
Abstract :
This study aims to define the intentional impact of charitable work through the purposes of the taxpayer either necessary or needed or improved, and look closely we find that charity work is a race to achieve, in both sides of existence and non-existence, and the impact of this is evident in all aspects of the promise that care and care, which generated This is a social charity that has contributed an undeniable share in the preservation of religion by calling for it, forming preachers, creating the advocacy field of facilities, mosques, endowments or other grants, fighting fads and myths about it, as well as preserving souls by providing livelihoods for those who are not able to provide them with security and health. The study is a set of means by which to achieve the purposes of the Shariah to the taxpayer, and these methods vary according to different places and times, and is finally subject to human diligence and the extent of keeping up with the times and harnessing its causes to achieve the desired goals.
Key words: charity work – impact – legitimate purposes – necessities – needs – improvements.
إن الله خلق الخلق جميعاً على فطرة واحدة سليمة، تشترك في صفات لا تتغير إلا بحسب ما تكتسبه من طبيعتها التي تألف فيها عيشها وتستمد منها غذاءها، وهي فطرة الإسلام كما قال صلى الله عليه وسلم : “كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه[1]“، وأشد ما يدعو إليه الإسلام من الفضائل حب الخير وعمله، إذ هو القاسم المشترك بين الإنسانية جمعاء مسلمها وكافرها تشترك في الرغبة إليه والدعوة إليه، وهو رمز للرقي والازدهار للأمم وعلامة على تكاتف المجتمع وتكافله، ومعيار على ترابط وتآزر الأفراد في أي مضرب من هذه المعمورة، وكلّما كان الاهتمام به أشد تعالت فيها صور المآخاة وارتسمت ملامح الحب والسلام في كل الفئات الاجتماعية إذا تنعدم سموم الحسد والبغضاء حين يتوسّد المجتمع وسادة العدل فينامون على أمال واحدة، بفضل يد العمل الخيري وما تقدِّمه في سبيل تحقيق هذه الأهداف والمقاصد.
إن الشريعة الإسلامية التي ما فتئت بأحكامها تدعوا إلى الخير وقد عجّت نصوص القرآن والسنة بذلك، وتخلل ذلك كل أيام تاريخ الدولة الإسلامية التي أنشأت أعظم حضارة سادت فيها العدالة الاجتماعية وتحققت فيها مقاصد الشرع الحنيف، بهذه الوسيلة التي ما استغنى عنها الناس إلا سادتهم الفوضى وتفكّكت عرى المحبة بينهم، فالعمل الخيري هو الذي تدفعه النوايا الحسنة والروح الطيبة أملاً في إرضاء الخالق والخلق، وهو مجموع أعمال البر وصنائع المعروف التي يجود به المجتمع المدني بدءاً من الفرد، مرورا بالجماعة، وانتهاء إلى بالمؤسسة، ولا يقتصر هذا العمل على جلب الموارد، وإدارة المال وصرفه في الوجوه المشروعة، وإنما يتعدى ذلك إلى التخطيط لسبل الإنماء والتطوير بما يتاح من برامج ثقافية ودعوية وإعلامية، والمعيار في صدق الوسيلة هو مدى تحقيقها للمقاصد التي جاءت الشريعة لتحقيقها، إذا لا اعتبار للوسيلة إن كانت منافية لمقتضى مصلحة الخلق.
في المقابل ومن جانب المقارنة إلى ما جاءت الشريعة لتحقيه وواقع الأمة الإسلامية تجد بونا شاسعا وفارقا كبيرا حين تتأمل حالات البؤس والحرمان وتفشِّي الغنى الفاحش والفقر المدقع، وكذا ما يرى من الانحرافات الفكرية التي تصل إلى حد الشرك تتبناها عقول تنتمي إلى الأمة الإسلامية، وأمراض استشرت في الطبقات الكادحة تأمل شفاء لها، وبطون جائعة ترمق إلى لقمة تسد جوعتها، وأكفٌّ تنادي من ينفق عليها، وغيرها من الأمور التي تتعلق بمقاصد الشريعة الإسلامية التي جاءت لحفظها، فإن ذلك يسوقنا للبحث عن الأسباب المؤدية لذلك، أهي ناتجة من قصور في نصوص التشريع الإسلامي- وهذا محال- فما جاء به الله حق كامل شامل صالح لكل زمان ومكان، فلا يمكن أن ينسب خطأ أو نسيان إلا تشريع الحكيم الخبير، وإذا أردنا أن نجسد ثورة العطاء الإنساني فإننا نجدها في العمل الخيري ومداه في كفكفة ألام البشرية بتنوّعها، وأبعاده المقاصدية تتحقق في ظل الحفاظ على المقاصد الشرعية التي دعت إليها، ضرورية كانت أم حاجيه أم تحسينية، والكليات الخمس التي استقرأت من نصوص هذا الدين، والتي هي حفظ الدين والعقل والنفس والنسل والمال.
فتاتي هذه المادة لتجيبنا عن عدة تساؤلات عديدة وهي:
-ما تعريف العمل الخيري والمقاصد الشرعية ؟
-ما تقاسيم المقاصد الشرعية؟
-ما أثر العمل الخيري في تحقيق المقاصد الشرعية؟
وقد وزّعت الدراسة إلى مبحثين:
الأول: خصّصتهُ للإطار المفاهيمي والتعريف بمصطلحات الموضوع.
الثاني: ذكرت فيه المغزى من الدراسة من حيث أثر العمل الخيري في تحقيق المقاصد الشرعية.
أولا: تعريف العمل الخيري والمقاصد الشرعية
1-تعريف العمل الخيري: لم يرد مفهوم العمل الخيري كمصطلح مركّب في مصادر الفقه الإسلامي، إلا أن بعض العلماء والفقهاء المعاصرين قد وضعوا له ما يناسبه من التعريف، ومنها: “أنه عمل يشترك فيه جماعة من الناس لتحقيق مصلحة عامة، وأغراض إنسانية أو دينية أو علمية أو صناعية أو اقتصادية، بوسيلة جمع التبرعات وصرفها في أوجه الأعمال الخيرية، بقصد نشاط اجتماعي أو ثقافي أو إغاثي، بطرق الرعاية أو المعاونة مادّيًا أو معنويًا داخل الدولة وخارجها من غير قصد الربح لمؤسِّسِيها، سواء سمي إغاثة أو جمعية أو مؤسسة أهلية أو هيئة منظمة خاصة أو عامة[2]“.
2- تعريف المقاصد الشرعية
أ- تعريف المقاصد لغة:
المقاصد من “القَصْدُ”، استقامة الطريق، قَصَدَ، يَقْصُدُ، قَصْداً، فهو قَاصدٌ، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ َ﴾[النحل: 9]، أي على الله تبيين الطريق المستقيم، والدعاء إليه بالحجج والبراهين الواضحة، ..والقصد، العدل.[3]
ب- المقاصد اصطلاحا
عرفها ابن عاشور: (مقاصد التشريع العامة هي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة، فيدخل في هذا أوصاف الشريعة وغايتها العامة والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها، ويدخل في هذا أيضا معاني من الحكم ليست ملحوظة في سائر أنــواع الأحكام، ولــكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها )[4].
ثانيا: أثر العمل الخيري في تحقيق المقاصد الشرعية
إن مسألة حصر المقاصد الضرورية في الخمسة المعروفة، وكذلك مسألة ترتيبها يحتاج كل منهما إلى بحث خاص، وليس هذا موضعه، وسأتناول في هذا المبحث الكليات الخمس المعروفة دون ذكر ما أضيف إليها من طرف المعاصرين من علماء الأصول[5].
تعريف الضروريات: “هي التي تكون بمجموعها وآحادها في ضرورة إلى تحصيلها، بحيث لا يستقيم النظام إلا من خلالها، بحيث إذا انخرمت تؤول حالة الأمة إلى فساد وتلاش[6]“، وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.
أ-حفظ مقصد الدين
-تعريف الدين: قال الخطيب الشربيني: “الدين هو وضع إلهي سائق لذوي العقول السليمة بسبب اختيارهم المحمود إل ما هو خير لهم بالذّات[7]“.
-أثر العمل الخيري في حفظ مقصد الدين
يتّضح دور العمل الخيري في حفظ مقصد الدين، من خلال استقراء الواقع في تفاصيله، واستجلاء الماضي والحاضر للاطلاع على الدور الحضاري والأساسي الذي قام به ولا يزال لأجل حفظ الدين الذي هو المقصد الأول الذي يراع حفظه، وكما أسلفنا في التعريف أن حفظ الدين مكون من جانبين:
أ- من جانب الوجود:
إذا أردنا أن نُمثِّل لدور العمل الخيري في حفظ هذا المقصد، فإننا نجد انجازات عظيمة، تمثل تأسيسا ودعما للوسائل اللازمة التي تكفل حفظه، ومن هذه الوسائل:
-الدّعوة إليه:
شرع الله وسائل للحفاظ على هذا الدين وإبقائه في صورة واضحة بينة وتبيان يُسره مِصداقًا لقوله عزّ وجل:﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾[الحج:78]، والدعوة إلى الدين تشمل بعمومها: تعليم الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والرد على المخالفين له، وفضح مخططاتهم، لتظهر للنّاس حقيقة الدين من غير لبس ولا تشويه[8]، ومن بين ما قام به العمل الخيري من انجازات لأجل حفظ الدين من خلال هاتين الوسيلتين:
-بناء المساجد والمدارس القرآنية:
يكفي المسجد مكانة في بث الطمأنينة والاستقرار والأمن والأمان في المجتمع عن طريق التوعية الدينية التي يمارسها، ورده في القرءان الكريم ستا وأربعين مرة[9]، وما يلاحظ في الواقع المعاش أن معظم المساجد أسست بسواعد المتطوعين وإعانات المحسنين، وليس أدل على ذلك ما قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوّل قدومه للمدينة، وقد استطاعت هذه المساجد أن ترفع راية الإسلام، فكانت منائر للحقِّ، ومعالم علم يُهتدى بها.
تسنّى لنا أن حضرنا بماليزيا في إحدى المناسبات عملية انطلاق تشغيل موسوعة علمية سميت: “أقصى بيدياAQSA PEDIA- [10]” والتي أُنشأت من طرف السفارة الفلسطينية بمعيّة الحكومة الماليزية، وذلك كله من الإعانات الدولية، ويهدف المشروع إلى التعريف بالمسجد الأقصى وتاريخه وذلك بلغات متعددة ليستيسّر التعرّف عليه وعلى تاريخه، وهذا من أكبر وأثمن المعاني في خدمة الدين، وخاصة الأقصى ومكانته عند الله وعند المسلمين.
ب- من جانب العدم: من وسائل حفظ الدين من جانب العدم، الجهاد في سبيل الله ونصرة دينه والذَّود عنه بإبطال انتحال المبطلين وابتداع المبتدعين.
-الجهاد في سبيل الله:
فالجهاد نطاقه واسعٌ يشمل جميع أنواعه من جهاد الشيطان، جهاد النفس، القتال في سبيل الله، ويمثل إحدى الوسائل لحفظ مقصد الدين، ولقد كان للعمل الخيري دور في تعزيز فريضة الجهاد، وذلك من خلال ما كان يقدِّمه من صدقات وهبات وأوقاف في سبيل الله، فصفحات التاريخ مليئة بذلك، وإن كنّا سنضيف إليه جهادا آخر وهو جهاد التسلّح بالعلم أو جهاد القلم وما يصرف له من أموال وإعانات خيرية تكوينا للدعاة أو المخترعين أو غيرهم ممَّنْ تتقوَّى بهم شوكة الدين، ومن بين ما أسهم به العمل الخيري تسخير الأوقاف وتسخيرها لفريضة الجهاد، كأوقاف الأسلحة والدروع، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “مَنِ احْتَبَسَ فَرَسَا فِي سَبِيلِ اللهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ، فَإِنَّ شِبْعَهُ وَرِيَهُ وَرَوْثَهَ وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانَهُ يَوْمِ القِيَامَةِ[11]“.
-محاربة البدع: وذلك بإقامة المراكز الدعوية[12]، التي تضطلع بمهام الدعوة إلى الله على مختلف الأصعدة، كما تعمل على تأهيل الدعاة وتأهيلهم من كل الجوانب، ويتأتى إنشاء هذه المراكز بتشجيع الناس على الوقف عليها.
-إقامة الجامعات والمعاهد الإسلامية: والتي تخرج علماء الشريعة الذين يقع عل عاتقهم كشف المؤامرات الفكرية والبدع المناهضة لدين الإسلام، كما يلزمهم واجب تصحيح أفهام العوام، وتبصيرهم بأمور دينهم، إضافة لتصدِّيهم لبيان الأحكام الشرعية لما يستجد من معاملات في حياة المسلمين في كافة أحوال معايشهم.
-الإفادة من كافة منابر الإعلام: من طبع الكتب والنشرات، وإنشاء محطات إذاعية أو فضائية تعمل على إيصال صورة الإسلام الصحيحة إلى الأفهام، كما تعمل على التصدي للأفكار الهدامة التي تسعى لترويج كل ما من شأنه أن يعود على أصل الدين بالإبطال.
2- حفظ النفس
النفس عرفها الفقهاء هي: “حفظ الأرواح من التّلف أفرادا وعموما، لان العلم مركب من أفراد الإنسان، وفي كل نفس خصائصها التي بها بعض قوام العالم”.
والمقصود بالأنفس التي عَنِيتِ الشريعة بحفظها هي: الأنفس المعصومة بالإسلام أو الجزية أو الأمان.
-أثر العمل الخيري في حفظ مقصد النفس
وحفظ النفس يعني استمرار حياتها ولا يكون إلا بحفظها من جانب الوجود ومن جانب العدم، وسنبيِّن في هذا الفرع أثر العملي الخيري في حفظها من الجانبين.
أ-من جانب الوجود
يُسهم العمل الخيري في حفظ مقصد النفس من جانب الوجود إسهاما كبيرا من خلال الوسائل المتعددة اللازمة للتكفل بحفظ هذا المقصد ومن هذه الوسائل:
-تأمين احتياجات الفئات المعوزة:
سخّر الله عز وجل لمن ليس له جهد في تحصيل الزاد أَهْلَ الخيرِ وأهل البرِّ والإحسان، الذين سخّروا لنفع خلق الله عز وجل، كما في قوله عز وجل: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾[الإنسان: 8]، ومن بين الوسائل العملية لهذه الفئات:
أ-الزكاة، يقول ابن عبد السلام:” إذا أخذ أئمة الجور الزكاة وصرفوها في مصارفها أجزأت، وإن صرفوها في غير مصارفها لم يبرأ الأغنياء منها، على المختار لما في إجزائها من تضرر الفقراء، بخلاف سائر المصالح التي لا معارض لها فإنها نفذت لتمحّضها، وأما هاهنا فالقول بإجراء أخذها نافع للأغنياء مضر للفقراء، ودفع المفسدة عن الفقراء أولى من دفع المفسدة عن الأغنياء، وإن شئت قلت مصالح الفقراء أولى من مصالح الأغنياء، لأنهم يتضررون بعد وصول نصيبهم من الزكاة مالا يتضرر به الأغنياء من تأدية الزكاة[13]“
ب-الوقف: من أعظم التبرعات في المواساة قدرا، وأكثرها في الناس أثرا الأحباس “الوقوف”، لدوام نفعها وعمومه في الخلق، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعمر رضي الله عنه: “إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَقْتَ بِهَا”، فتصدّقَ بها عمر y على أنّه لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث…ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متموّل[14]“.
وإن أغرب وأعجب مثال أُورده هنا، ما عرَفَتْهُ دمشق مثلا من تعمير قصر الفقراء في إحدى ربواتها على يد أحد أبنائها ومحسنيها، وهو نور الدين السلجوقي، فقد عز عليه وهو يرى قصور الأغنياء أن لا يستمتع الفقراء مثلهم في الحياة، فعمّر القصر، ووقف عليه قرية “داريا“، وهي أعظم قرى “الغوطة” وأغناها، وفي ذلك يقول تاج الدين الكندي[15]:
إن نور الدين لما أن رأى في البساتين قصور الأغنياء
عمر الربوة قصرا شاهقــا نزهة مطلقة للفقراء
-المؤسسات الخيرية: بظهور هذه المؤسسات في العالم الإسلامي، أصبح العمل الخيري منظما ومنضبطا، وتساهم هذه الأخيرة في تمويل الفقراء والمساكين والأيتام بشكل مستمر، ومراعاة مقصد حفظ النفس الذي لأجله سخرت مثل هذه الأمور، ولقد أنشأت الكثير من الجمعيات في العالم الإسلامي لا يسعك عدُّها، بل يكفي الإشارة إليها وإلى الدور الذي تقوم به في حفظ النفس البشرية ورعايتها[16].
ب-من جانب العدم
وأثر العمل الخيري في الحفاظ على مقصد النفس من جانب العدم، يتمثل في تأسيس وتشييد الوسائل التي من شانها أن تحفظ بها وتيسّر الطريق إليها.
-التكفّل الصحي:
قد ندب الدين الحنيف إلى التداوي، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتداوى ويأمر به، فعن أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: “قالت الأعراب يا رسول ألا نتداوى ؟ قال: “نَعَمْ عِبَادَ اللهِ تَدَاوَوْ فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً-أَوْ قَالَ دَوَاءً- إِلّا دَاءً وَاحِداً، قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ : وَمَا هُوَ؟ قَالَ: الهَرِمُ“،
ويتمثل أثر العمل الخيري لحفظ هذا المقصد من التلف والضياع، في تكفّله بالقيام بالدّور الصحيح تجاه المرضى ورعايتهم من خلال بناء المستشفيات الخيرية، وتخصيصها للمحتاجين، وتقديم العلاج اللازم لهم بالمجان أو بمبالغ رمزية، وكذلك يسهم العمل الخيري فرديًّا وذلك من خلال ما يقوم به الأطباء والممرضون من تقديم الخدمات مجانية أو بمبالغ بسيطة للفقراء وذوي الحاجة، تطوُّعًا منهم، أو يتولى ذوي الإحسان بناء مؤسسات صحية أو دور ومراقد لإيواء المرضى الذين ليس مأوى[17].
-إقامة دور الرعاية الاجتماعية[18]:
وهي التي تُعنى بحفظ الأطفال الذين فقدوا أهاليهم في الحروب[19]، أو في الحوادث، وغيرها، ولم يتبق لهم معيل، ومعين، كذلك الحال مع اللقطاء[20]، الذين حرموا بلا انتساب الشرعي لأبٍ، بلا ذنب اقترفوه ولهم الحق في حياة كريمة تقدمها لهم هذه المراكز والتي يسهم أهل الخير في الوقف عليها وتقديم صدقاتهم لها.
-التكفُّل بالمنكوبين والمتضررين:
من نماذج العمل الخيري نموذج “رعاية الجرحى الفلسطينيين“، الذي تقوم به لجنة أنشأت في مصر لمساعدة المتضررين من النكبة الفلسطينية، وتقوم هذه اللجنة باستقبال الجرحى والمرضى القادمين بخطابات رسمية للعلاج من قبل السلطة الفلسطينية، ويتم علاج هؤلاء الجرحى والمرضى الذين أصيبوا جرّاء القصف الإسرائيلي مجّانا، ويقوم على هذا العمل شباب متطوعون أغلبهم من طلاب الجامعات، ويساهمون بالرعاية الصحية لهؤلاء المرضى، ويقوم هؤلاء المتطوعون باستقبال التبرعات لشراء الأجهزة التعويضية وبعض الأدوية غير متوفرة في المستشفيات، ومن ضمن أنشطة اللجنة أيضا توفير أماكن الإقامة للجرحى والمرضى الذين يحتاجون للبقاء لفترة أطول لمتابعة العلاج، وكذلك تقوم اللجنة بإيصال بعض الأدوية إلى داخل فلسطين وذلك بإرسالها مع المرضى العائدين إلى فلسطين أو مع مرافقيهم، وذلك لتسريع عملية وصولها إلى مستحقيها[21]“.
حفظ مقصد العقل
عرَّف العلماء العقل بتعريفات كثير متعددة، منها تعريف أبو الوليد الباجي أنه: “العلم الضروري، الذي يقع ابتداء ويعمُّ العقلاء[22]“
أثر العمل الخيري في حفظ مقصد العقل
أ- من جانب الوجود
إذا أردنا أن نمثل لدور العمل الخيري في حفظ مقصد العقل من هذا الجانب، فسنجد أنفسنا أمام زخم كبير من الأعمال الفردية والمؤسسية –الجمعوية- التي ساهمت قديما وحديثا في حفظه ومن بين هذه الوسائل:
-التعليم النافع: ذكر ابن خلدون “أن التعليم ضروري وطبيعي في البشر لحاجة الإنسان إلى معرفة العلوم المختلفة التي لا تتيّسر بالفهم والوعي فقط، بل بملكةٍ خاصّة تحصُلُ بالتعليم، وأن التجربة تفيد عقلا والملكات الصناعية تفيد عقلا، والحضارة الكاملة تفيد عقلا وهذه كلها قوانين تنظم علوما فيحصل فيها زيادة عقل[23]“، ومن بين الوسائل الضرورية للتعليم التي قام العمل الخيري على النهوض بها:
-بناء المدارس والكتاتيب، ولقد ازدهرت كثير من البلدان الإسلامية، وكثرت فيها المدارس” ففي بغداد في القرن 6هـ بلغ عدد مدارسها 300مدرسة، وفي الفترة ذاتها بلغ عدد مدارس دمشق 20 مدرسة، وفي القاهرة في القرن 9هـ بلغ عدد المدارس فيها 63مدرسة، وفي مكة المكرمة في الفترة نفسها بلغ عدد المدارس بها 11مدرسة أما في صقيلية الإسلامية فقد بلغ عدد مدارسها الوقفية 300 مدرسة، وكان التعليم فيها متاحا للغني والفقير والغريب، مع إيجاد السكن والمطالعة والطعام للمحتاج[24]“.
إنشاء المدارس والمعاهد والجامعات، وكذلك طبع الكتب والاهتمام بالمخطوطات، ومن بين الأمثلة المعاصرة في المشاريع الخيرية الموجة لغرض التعليم، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الذي أنشأته مجموعة من الدول الإسلامية كمشروع خيري يتكفل بتعليم الطلبة في كل الأطوار، وله جامعات وفروع على مستوى دول العلم ومن بين جامعاته الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا[25]، ويعدُّ العمل الخيري موردا هاما للتزويد ليمكِّن هذه الخلايا الحية من أداء الدور الذي تضطلع إليه، وهذا مكمن الأثر الخيري في حفظ مقصد العقل من جانب الوجود.
ب- من جانب العدم
وأثر العمل الخيري في الحفاظ على مقصد العقل من جانب العدم يتمثل في محاربة كل ما من شأنه أن يحدث ضررا أو فسادا بالعقل: ومن هذه الوسائل:
-حفظ العقل من المفسدات الحسية
أثر العمل الخيري في عصمة العقل من المفسدات الحسية يمكن أن نلحظه من خلال:
-ما قامت به الأعمال الخيرية بمختلف أنواعها الواجبة منها والتي هي على سبيل التخيير من درأ هذه المفاسد على العقل من حيث تجفيف منابعها من تهيئة المنشآة العلمية والثقافية والدعوية التي لها دور في رعاية هذه العقول بتعليم العقيدة الصحيحة، وترشيد الناس إلى الخلق السليم والعودة بهم إلى الفطرة السليمة.
-الدعم المادي لفئات الشباب: ويكون ذلك بتمويل الشباب بالقروض أو هبات لأجل الاستثمار في مشروع ربحي منتج يبعدهم عن البطالة والفراغ اللّذان هما منبت السوء وسببُ كلِّ الأضرار التي تلحق صاحبها، وقد يكون الدعم من أموال” الزكاة التي تلعب دورا كبيرا في تحويل أفراد المجتمع العاطلين والقادرين على العمل إلى أفراد منتجين[26]“.
وقد خصّصت بعض الدول صناديق للزكاة تقرض منها أموالا على سبيل القرض الحسن[27]، قرض بدون فوائد، وهذا ما كان مع التجربة الإماراتية والكويتية والسودانية والجزائرية في تجربة صندوق الزكاة[28]، الذي كان بعد تجارب دول عربية كثيرة، ساهمت هذه الصناديق بالحفاظ على مقصد العقل من خلال تمويل الشباب العاطل.
-حفظ العقل من المفسدات المعنوية:
ويتجلى أثر العمل الخيري في ذلك من خلال:
-تنزيه العقول من بعض المحرمات:
يعتمد العمل الخيري ومؤسساته للحفاظ على العقل وتنزيهه من المفسدات المعنوية التي تُذهب رشده، على معالجة الدعاة والمعلمين، والتكفل بهم وإعانتهم لترشيد الأفكار والعقول، وتجنيبه سماع المجون ومشاهدة الفسق ومظاهر الانحلال التي تعدُّ بمثابة مخدر قاهر تغمر العقل:”فتوجب لذّة قويّة ينغمر معها العقل، وتحرك النفس إلى نحو محبوبها كائنا ما كان فتحصل بتلك الحركة والشوق والطلب مع ما قد تخيل المحبوب وتصوره لذات عظيمة تقهر العقل أيضا فتجتمع لذة الألحان والأشجان وهذا يؤثِّر على النفوس تأثيرا عظيما كتأثير الخمر أو أشد[29]“.
-محاربة المعتقدات الفاسدة والأفكار الدخيلة:
يبرز دور العمل الخيري في تلك المراكز والمؤسسات الدينية والدعوية الوقفية منها أو ما كان على سبل أبواب الخير الأخرى، التي ما فتئتْ تعتبر منبعا غزيرا في تنوير العقول وبالأخص عقول الشباب والصبية وإرشادهم إلى ذات المنهج الصحيح، إذ عصمت أذهان وأفكار تلك النخبة من العقائد الفاسدة والأفكار الدخيلة، وسخرت عقولهم في “الوصول إلى الحق والمحافظة عليه من كل فكر دخيل، أو مذهب هدّام، أو نِحلة باطلة، تغير مفهوماته الشرعية[30]“.
لا يخفي كذلك دور الإعلام الخيري في حفظ العقول من التلف الفكري، والردّ عليهم من خلال منابر دعوية يقوم عليها علماء ومفكرون ومصلحون، وكذا الهيئات والمؤسسات الدعوية الخيرة الموزعة عبر أقطار العلم الإسلامي، وكذلك وسائط الإعلام الحديثة كالفيسبوك والتويتر وغيرها، واستغلالها في الإعلام الخيري ونشر كل فضيلة وكل ما له علاقة بمقوِّمات الدين الإسلامي التي تحفظ للإنسان عقله.
4- حفظ النسل
حاول الشيخ بن عاشور أن يجمع هذه الإطلاقات وان يفصِّلها في تعريفه، قائلا: “وأما حفظ الأنساب، ويعبّر عنه بحفظ النّسل، فقد أطلقه العلماء، ولم يبينوا المقصود منه، ونحن نفصّل القول فيه، وذلك إِنْ أُريد به حفظ الأنساب أي النسل من التعطيل، فظاهر عدّهُ من الضروري، لأن النسل هو خِلْفَةُ أفراد النوع، فلو تعطل يؤُول تعطيله إلى اضمحلال النوع وانْتقاصه…فبهذا المعنى لا شبهة في عدِّه من الكلّيات، لأنه يعادل حفظ النفوس….[31]“، يقول الشاطبي: “ولو عدَمَ النَّسل لم يكن في العادة بقاءٌ[32]“.
– أثر العمل الخيري في حفظ مقصد النسل
أ-من جانب العدم:
يتمّثل حفظ مقصد النسل من هذه الجهة فيما يلي:
-الترغيب في الزواج والحث فيه:
قد سمّى الله عز وجل هذه الرابطة الزوجية بالميثاق الغليظ فقال عزّ وجل: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾[النساء: 21]، وحثّ عليه ورغّب فيه وجعله من سنة المرسلين، ويتمثل أثر العمل الخيري في تحقيق هذه الوسيلة واضحةٌ وجليَّةٌ، وذلك من خلال:
-الجمعيات الخيرية والإعانات التطوعية الفردية
يسهم العمل الخيري في التزويج من خلال التكفل التام لمراسم التزويج عادة أو التكفل بالإيواء والتزويج معا وذلك من خلال العمل الخيري الفردي أو الجمعوي.
يساهم الكثير من المحسنين عن طريق أموالهم الزكوية، أو الصدقات التطوعية، أو حتى الأوقاف، في تزويج الشباب والتكفل بتكاليف الزواج من مهر وتأثيث ووليمة[33]، وتكون المساهمة عن طريق الجمعيات التي أسست لهذا الغرض أو الأخرى التي تقدم يد العون للراغبين في الزواج من خلال التكفل التام بالزواج، والعالم الإسلامي زاخر بمثل هذه الجمعيات وبمثل هذه الأعمالّ، وغالبًا ما يكون الزواج جماعياً مبُرِزاً عظَمَةَ العمل الخيري الذي حثّ عليه ديننا الحنيف[34]، ولقد ظهرت الكثير من المبادرات التي تتكفل بالتزويج منها[35]:
مشروع ابن باز الخيري لتيسير الزواج: وهو احد المشاريع الخيرية يهدف إلى تقديم إعانات مالية للمقبلين على الزواج، وقد أشار الدكتور –عبد الله بن عبد الرحمن آل بشر-انه قد بلغ عدد المستفيدين من المشروع 8192 مستفيداً بقيمة إجمالية 76.8 ريال.
-صندوق الزواج الإماراتي، وقد جاء هذا الصندوق تتويجا للقانون الاتحادي رقم47 لسنة 1992، وحسب الإحصائيات فهناك نحو 70 ألف إمارتي وإماراتية استفادوا من صندوق الزواج منذ تأسيسه.
-مشروع تيسير زواج اليتيمات بالجمعية الشرعية بمصر: أنشأ هذا المشروع انطلاقا من الجمعية الشرعية التي تأسست من مصر عام 1331هـ، وبحسب الإحصائيات المؤخرة فقد ساهمت الجمعية في زواج الفتيات اللائي تقدمن وعددهن37800 فتاة بمساهمات تبلغ جملتها 17011549 جنيها مصريا.
2-أوقاف الزواج
نقل ابن بطوطة عن هذا اللون من الأوقاف قائلاً: …والأوقاف بدمشق لا تحصر أنواعها ومصارفها لكثرتها..، ومنها أوقاف تجهيز البنات إلى أزواجهن، وهن اللواتي لا قدرة لأهلهن على تجهيزهن[36]“، ومن أوقاف الزواج في عصرنا الكثير منها نذكر وقف الراجحي بالمملكة العربية السعودية الذي يشمل الكثير من مقاطعاتها، يختص في تزويج الشباب وإعانة الجمعيات التي تعنى بذلك كمؤسسة(إعفاف) وغيرها، ويقوم بعملية التمويل وتنظيم الزواج للشباب على شكل جماعي[37].
فلا يخفي ما للعمل الخيري من أثر في تسخيره لكل وسائله المختلفة في حفظ النسل وحفظ هذا المقصد من ناحية الوجود، والأمثلة على ذلك كثيرة أبانت وجها مشرقا ورائعا للحضارة الإسلامية لطالما كتبت عنها صفحات التاريخ.
ب-من جانب العدم: و يتمثل حفظ النّسل من هذه الجهة يتمثل في قطع السبل المؤدية إلى فساده وتتمثل في:
من خلال المراكز الخيرية الوقفية كالمساجد والمدارس القرآنية والكتب العليمة، أو غيرها تبدأ عملية غرس المبادئ الإسلامية الصحيحة وتغذية الشباب ماديا وروحيا، وأعانتهم بالنصيحة المخلصة الصحيحة للانتصار على النفس وشهواتها، والفتن ما ظهر منها وما بطن، والتغلّب على الأفكار الدخيلة، والغزو الفكري الثقافي الغربي الإباحي الذي يدعوا إلى فساد الفطرة والزهد عن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في الترغيب في الزواج وإرجاء النسل.
ويكون ذلك بإقامة المراكز الدعوية والعلمية والثقافية، وأنواع المنابر الإعلامية التي مهامها توجيه الشباب إلى الفطرة الصحية، “فالإعلام الخيري إعلام متميِّز عن سواه لأنه منبثق من الإعلام الإسلامي، الذي حمل مبادئ أخلاقية، وأحكاما سلوكية، وقواعد وضوابط لا يحيد عنها، فهو إعلام واضح صريح، عفيف الأسلوب، نظيف الوسيلة، شريف المقصد[38]“، وكذلك الّإعلام في العمل الخيري هو أسلوب العصر الحديث لتبليغ الإسلام من خلال الأعمال الخيرية، والسماحة التي تتجلى في أبهي صورها[39].
ومن ثم استطاع العمل الخيري أداء دوره في الحفاظ على مقصد النسل ومقصد النفس معا من انقطاعهما أو فواتهما، أو استطاع على الأقل تكميلهما وتعزيزهما.
5- حفظ مقصد المال
المال: هو كل ما يمكن حيازته والانتفاع به على وجه معتاد أو هو إسم لما يباح الانتفاع به حقيقة وشرعا[40].
– أثر العمل الخيري في حفظ مقصد المال:
يظهر أثر العمل الخيري في حفظ هذا المقصد يتبين من جانبي الوجود والعدم.
أ-من جانب الوجود
-الحثُّ على التكسِّب المشروع:
فتح الشارع أبواب التّكسب المشروعة، من خلال إباحة المعاملات المختلفة من بيع وإيجار بالسعي والضرب في الأرض، يقول عزّ وجل:﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15]، يقول ابن حزم: “واتفقوا على أن كسب القوت من الوجوه المباحة له ولعياله فرض إذا قدر على ذلك[41]“، ويتمثل أثر العمل الخيري في الدّور الذي يقوم به صيانة وحفظا لهذا المقصد الضروري في:
-الدعوة إلى الكسب المشروع من خلال:
-توفير مناصب العمل[42]:
يكمن دور العمل الخيري بمختلف وسائله، وخاصة الوقف منها في تحقيق التنمية، وذلك لإسهامه في خلق فرص عمل كثيرة، “وتخفيف العبء على الدولة في توفير فرص عمل للمتعطلين، كأنْ يُصرف ربع الوقف في إصلاح الطرقات-مثلا-، أو توفير مياه الشرب للمناطق المحرومة…[43]“، ومن نماذج العمل الخيري في تقديم مناصب الشغل:
محمد يونس ومصرف الفقراء في بنجلاديش[44]: وقد لمعت في ذهن محمد يونس فكرة الحل لمشاكل الفقراء في بلده عندما كان يحاور امرأة كانت تقوم بتصنيع كراسٍ من البامبو، فقد علم من المرأة أنها لا تملك رأس المال الخاص بها ومن ثم فهي تلجأ لاقتراضه من أحد المرابين في القرية لشراء البامبو الخام، وتظل تعمل طوال 12 ساعة يوميا في تصنيع الكراسي برد القرض وفوائده ثم لا يبقى لها بعد ذلك إلا الكفاف للعيش منه[45].
لقد نجحت فكرة محمد يونس في إعانته للفقراء بواسطة القروض، وإقناع البنك المركزي لإقراض الفقراء بدون ضمانات، حيث تمكن من خلال مشروع “جرامين” أي “مشروع القرية” تشغيل 59000 عميل يخدمهم 86 فرعا سنة 1983م…ويكفي أن نعلم إن النموذج الذي قدمه محمد يونس حقق نسبة من التكافل الاجتماعي ويعد طوقا للنجاة من غائلة الفقر لعشرات الملايين من الفقراء في العالم[46].
ب-من جانب العدم
إسهام العمل الخيري في حفظ مقصد المال من جهة العدم يظهر في:
-التدبير في حفظ المال من التلف والضياع:
أمرت الشريعة الإسلامية بحفظ المال، كما حرّمت كنزه، فحفْظُهُ ليس يعني إخفاؤه عن الأعين والتحرّز له، بل “من مقتضى الاستخلاف في الأرض عمارتها لما تستقيم معه الحياة ليتسنى للأجيال القادمة القيام بواجب العبودية ومن هنا جاء الحث على إنماء المال وإصلاحه وعد إضاعته وإتلافه[47]“.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “مَا نَقُصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ[48]“، يقول ابن حجر في تعليقه على الحديث: “إن أهل المعرفة فهموا منه أنّ المال الذي يخرج منه الحق الشرعي لا يلحقه آفة، ولا عاهة، بل يحصل له النماء، ومن ثم سميت الزكاة، لان المال ينموا بها ويحصل فيه البركة[49]“.
من هنا جاءت مؤسسات العمل الخيري التي تساهم في نشر هذا الوعي والفهم الصحيح لحقيقة تداول المال، وهذه إحدى الوسائل النظرية للحفاظ على مقصد المال وغيره من غيره من المقاصد من هذه الجهة.
-ضمان المتلفات:
وفي هذا المجال يذكر ابن بطوطة عن أوقاف الأواني-مثلا- قائلا: “مررت يوما ببعض أزقة دمشق فرأيت به مملوكا صغيرا قد سقطت من يده صحفة من الفخار الصيني يسمونها الصحن فتكسّرت، واجتمع الناس عليه، فقال له بعضهم اجمعها واحملها معك لصاحب أوقاف الأواني، فجمعها الصبي وذهب به إليه فأراه إياها فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن، وهذا من أحسن الأعمال فإن سيد هذا الغلام لا بد له أن يضربه على كسر الصحن أو ينهره، فينكسر قلبه، فكان هذا الوقف جبرا للقلوب[50]“.
لا يخفي مما سبق اضطلاع العمل الخيري بأنواعه ومؤسساته في حماية مقصد المال، وكذا مقصد النفس من العدم، لما يقدمه من معونات وإحسان، حسبه أن يجبر الخاطر ويحفظ المال من التلف.
ثانيا: دور العمل الخيري في تحقيق المقاصد الحاجية
عرّفها ابن عاشور: “هو ما تحتاج الأمة إليه لاقتناء مصالحها، وانتظام أمورها على وجه حسن، بحيث لولا مراعاتها لفسد النظام، ولكنه كان على حالة منتظمة، ولذلك كان لا يبلغ مرتبة الضّروري[51]“.
أثر العمل الخيري في تحقيق المقاصد الحاجية
-دعمُ طلبة العلم:
يتمثّل دور العمل الخيري في دعم طلبة العلم، من خلال ما يقدَّمه على اختلاف وسائله من دعم مالي لتسديد تكاليف الدراسة أو السفر إليها في بعض الجامعات الأجنبية وقد يكون على شكل مجهودات فردية كتبرعات وهبات[52]، أو مؤسسات خيرية تُعنى بهذا الأمر، على شكل أو أوقاف عينية، أو أوقاف نقدية، وكذا إنشاء المكتبات العامة التي تؤمن خدمة القراءة والبحث، وتدعيم إقامة الندوات والمحاضرات والمسابقات الدينية والثقافية الهادفة، وهذه إن كانت من الحاجيات فهي مكملة لمقصد حفظ العقل.
-كفاية الأزواج:
يتمثل دور العمل الخيري في التكافل بالمتزوجين من ناحية المؤن وتكاليف الزواج كالوليمة والمهر وغيرها، ناهيك عن الحث عن الزواج والترغيب فيه التي هي من أوكد الأمور وأوجبها، فتتمثل صورة الزواج بوجود مثل هذه الإعانات التي تقوم بها الجمعيات الخيرة، كمؤسسات موجهة لمثل هذه الأعمال، أو كأعمال تطوعية فردية.
-العمل الخيري المتعلق بالخدمة الاجتماعية:
يُسهم العمل الخيري بخدمة المجتمع وخاصة الفئات الخاصة منه بإنشاء المراكز التي تعنى بالمعوقين وذوي الحاجات الخاصة، وتزويدها بكافّة ما يلزمها من أجهزة ومستلزمات طبية وكوادر بشرية مؤهلة لذلك.
-إنشاء دور المسنين الذين فقدوا من يؤويهم ومن يعولهم، أو ما يسمى بدور العجزة للتكفل بكل متطلباتهم المعيشية والطبية.
-تمليك المحتاجين المساكن التي يعجزون عن بنائها بأنفسهم، من خلال الأوقاف التي يوقفها المتبرعون، لتوفير سكن كريم لائق بهم يساعدهم على القيام بواجباتهم.
ثالثا: دور العمل الخيري في تحقيق المقاصد التحسينية
-التحسينيات هي: ما لا يرجع إلى ضرورة ولا إلى حاجة، ولكن يقع موقع التحسين والتزيين، والتيسير للمزايا و المزائد ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات[53].
-أثر العمل الخيري في تحقيق المقاصد التحسينية
لم تتوقف مهمة العمل الخيري عند المقاصد الضرورية و الحاجية، بل تعداها إلى التحسينيات، ولم تتوقف مقاصده في تاريخ الأمة الإسلامية، وتتجلى الصورة جيدا حين ترى ذلك في واقع الأمة الإسلامية، في تزيين المساجد أو تحسين المرافق التي تكون للناس سواء، فتكتمل بذلك دور الحاجية إلى أن تظهر الصورة الكاملة لمقصد التشريع في أي تكليف من التكاليف، ومما حقَّقَهُ العمل الخيري في ذلك[54]:
-التقرب بنوافل الخيرات من الصدقات و القربات من التحسينيات.
-الوقف على المقابر، وكل مستلزمات الموتى.
-التطوع في حملات النظافة التي تشمل الأحياء الفقيرة والمتنزهات العامة وطلاء الأرصفة..
-إقامة المخيّمات الكشفية لشغل أوقات الشباب، وتفريغ طاقاتهم من خلال إكسابهم مهارات بدنية وفكرية.
-إقامة مسابقات لتحفيظ كتاب الله ورصد جوائز للفائزين لتحفيزهم وتحفيز الآخرين، وكذا في علوم الحديث وفي كل العلوم الأخرى.
-المساهمة في إصلاح السجناء، ورفع أخلاقهم، من خلال المتطوعين الذين يقومون بتوعيتهم وإرشادهم[55].
-الإسهام في نفقات من يعجز عن أداء فريضة الحج، هذا وإن كان من التحسينيات لأن الحج لا يجب إلا على القادر ماديا وبدنيا، ولكنه يعد من مكملات الدين.
-الإسهام ببعض القروض التحسينية، للشباب لإعانتهم لتكوين مشاريع مصغرة تكسبهم عيشهم.
خاتمة :
مما سبق يتبين الدور الرائد الذي يتصدره العمل الخيري والمتمثل في الوظائف الاجتماعية التي تخدم كل الفئات المستحقة من جهة، والوظائف التي تؤدّي إلى التنمية من جهة أخرى كل ذلك يندرج ضمن مقاصد الشريعة الإسلامية، لأنَّ جُلّ ما يقوم به العمل الخيري من خدمات وإعانات يصب في خانة المقاصد الثلاثة الضروريات والحاجيات والتحسينيات، فللعمل الخيري قصب السبق في حفظها، ومما سبق يتبين لنا الكثير من النتائج أهمها:
إسهامات العمل الخيري لحفظ هذه الثلاثة، ليست على نسق واحد وطبيعة موحدة، بل قد يكون الموقف مع المجال الذي يراد خدمته ضروريا، ولكن في موقف آخر حاجي أو تحسيني، والضابط هنا هو المصلحة المرجوة، ضابط قوتها وهي التي ترجِّح أن يكون المقام ضروريا أو غيره، ولكن كلها تعود بالأساس إلى خدمة المقاصد الثلاثة، وقد قدمنا في هذا الفصل أثر العمل الخيري في خدمة هذه المصالح كلها.
العمل الخيري يكون له الأثر الكبير إذا ما تم القيام به وبمقوماته من كل النواحي، التنظيمية والتمويلية.
تتعلق نتائج تحقيق المقاصد بالنسبة للعمل الخير بصفة كبيرة بمصادر التمويل كالزكاة والوقف ونفقات الدولة وغيرها من الهبات، إذ تعتبر صمام أمان في ديمومته واستمرار، وحقيق أن يحقق الأهداف المرجوة.
ثقافة العمل التطوعي لها دور كبير في سيرورة العمل الخيري، والتحلّي بها من قبل الأفراد والمجتمعات حقيق على أن يجسد رسالة الإسلام في تحقيق المقاصد الشرعية.
بعض المبادرات الفردية كفيلة أن تبني جيلا من الدعاة ومجتمعا من المثل، ودرجة عالية من التراحم، وذاك ما نراه في نموذج عبد الرحمن السميط الذي كان سببا لإسلام أمّة تقدر ب 11 مليون إفريقي، دون ذكر أثر عمله في تحقيق المقاصد الأخرى، حفظ النفس والعقل والنسل والمال.
الأولوية في مراعاة المقاصد كفيل بتحقيقها، والحفاظ عليها فلا ينظر إلى المقاصد إلا على قدر أهميتها وذاك ما رتبه علماء الأصول فمصلحة الدين أولى من المقاصد الأخرى وهكذا.
لا يقوم العمل الخيري إلا من خلال جذور الإخلاص الذي هو الماء الذي تسقى به شجرته، وكذا تسطير الأهداف كي تزول العشوائية وتترتب الإعانة وفق نسق يخدم المقاصد الشرعية.
قائمة المراجع:
القرآن الكريم
- القرضاوي، يوسف، (2008م)، أصول العمل الخيري في الإسلام في ضوء النصوص والمقاصد الشرعية، القاهرة: دار الشروق، ط2
- إبراهيم البيومي غانم، (2013)، مفهوم العمل الخيري ومقاصدُه، القاهرة: مجلة التفاهم، العدد 42.
- إبراهيم البيومي غانم، الأوقاف والسياسة في مصر(القاهرة: دار الشروق، 1998)، ص196-289. وانظر أيضاً أعمال ندوة” مؤسسة الأوقاف في العالم العربي والإسلامي (بغداد: معهد البحوث والدراسات العربية، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1983).
- ابن القيم، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين، إعلام الموقعين عن رب العالمين، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1991م).
- ابن بطوطة، محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم، تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، (الرباط: أكاديمية المملكة المغربية، دط، 1417ه).
- ابن جبير، رحلة ابن جبير، (بيروت: دار صادر، دط، 1980م).
- ابن حزم، مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات، عناية: حسن أحمد يسير، (بيروت: دار ابن حزم، ط1، 1999م).
- ابن رجب، الحنبلي، جامع العلوم والحكم، (بيروت: دار المعرفة، دط، دت).
- إبن عابدين، محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي الحنفي، الدر المختار وحاشية ابن عابدين، بيروت: دار الفكر، ط2، 1992م).
- ابن عاشور، محمّد الطاهر، مقاصد الشريعة الإسلامية، (تونس: مكتبة الاستقامة بسوق العطارين، ط1، 1366ه).
- ابن منظور، لسان العرب، دار إحياء التراث العربي، (لبنان: دار الإحياء العربي، دط، دون تاريخ).
- أبو القاسم الحسين بن محمد الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، تحقيق محمد سيد الكيلاني، (دمشق: دار القلم الشامية، ط1، 1412ه).
- أبو يحي، تمام العساف، العمل الخيري في ضوء القواعد المقاصدية، (الأردن: المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، المجلد8، العدد4، 2012م).
- باجحزر، خالد صالح محمد، دور المؤسسات الخيرية في تنمية العلاقات الدولية والتواصل الحضاري، (بحث مقدم إلى مؤتمر العمل الخيري الخليجي الثالث، 20-22جانفي 2008م، دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري، دبي).
- الباجي، أبو الوليد، الحدود في الأصول، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 2003م).
- البخاري، (محمد بن إسماعيل أبو عبد الله، 256هـ)، صحيح البخاري، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، بيروت، دار طوق النجاة، ط1، 1422ه، .
- البركاتي، عمر بن نصير الشريف، الجهات الخيرية والإعلام، (السعودية، تبوك، ورقة مقدمة إلى ملتقى تواصل الإعلامي الثاني بجمعية تحفيظ القرآن، كتاب أوراق عمل الملتقى).
- بكار عبد الكريم، ثقافة العمل الخيري، كيف نرسخها؟ وكيف نعممها؟ (مصر: القاهرة، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، دط، 1989م).
- الخويطر، خالد بن سليمان بن علي، الوقف ودوره في دعم التعليم والثقافة في المملكة العربية السعودية خلال مائة عام، (السعودية: الأمانة العامة للأوقاف، ط1، 2011م).
- الداودي محمد، المسجد في الكتاب والسنة وأقوال العلماء، (مصر: المنصورة، دار الوفاء للطباعة والنشر، دط، 2000م).
- دسوقي، محمد، مجالات الوقف المؤثرة في الدعوة إلى الله، مؤتمر الأوقاف الأول، (مكة المكرمة: مؤتمر الأوقاف الأول، 1422ه).
- الدّهلوي، شاه ولي الله، أحمد بن عبد الرحيم، حجة الله البالغة، تحقيق السيد سابق، (لبنان، بيروت، دار الجيل، ط1، 2005م).
- زعفان، هيثم، مؤسسات تيسير الزواج في العالم الإسلامي، (موقع المركز الدولي للأبحاث مداد،1جانفي1970).
- سعد، محي الدين، نظام الزكاة بين النص والتطبيق، (الإسكندرية، مكتبة الإشعاع، دط، 1998م)،
- السعدي، عبد الملك، الوقف وأثره في التنمية، (بغداد: الدار الوطنية، ط1، 2000م)، ص156-167.
- الشربيني، شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد الخطيب الشافعي، السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير، (القاهرة: مطبعة بولاق، دط، 1285ه).
- الشيباني الغمام محمد بن الحسن، الكسب، تحقيق سهيل زكار، (سوريا: دمشق، ط1، 1980م)، ص70.
- عبد الرافع، موسى، الجمعيات الأهلية والأسس القانونية التي تقوم عليها ومدى تجارية أعمالها واكتسابها صيغة التاجر، (القاهرة: النهضة العربية، ط1، 1988م).
- عمارة، محمد، دور الوقف في النمو الاجتماعي وتلبية حاجات الأمّة، (بالكويت: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، نحو دورٍ تنموي للوقف، 1993م).
- الكاساني، علاء الدين، أبو بكر بن مسعود بن أحمد الحنفي، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط2، 1986م).
- مغازي، محمد عبد الله، البطالة ودور الوقف والزكاة في مواجهتها، (مصر: دار الجامعة الجديدة، دط، 2005م).
[1] البخاري، (محمد بن إسماعيل أبو عبد الله، 256هـ)، صحيح البخاري، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، بيروت، دار طوق النجاة، ط1، 1422ه، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين، ص696، رقم: (1319).
[2] مهدي، محمد صالح الجواد، العمل الخيري-دراسة تأصيلية تاريخية، (العراق: مجلة سرٌّ من رأي للدراسات الإنسانية، المجلد الثامن، العدد 30، 2012م)، ص30.
[3] ابن منظور، لسان العرب، دار إحياء التراث العربي، (لبنان: دار الإحياء العربي، دط، دت)، ج3، ص3642.
[4] ابن عاشور، محمّد الطاهر، مقاصد الشريعة الإسلامية، (تونس: مكتبة الاستقامة بسوق العطارين، ط1، 1366ه)، ص360-37.
[5]وهو ما قام به الشيخ محمد الطاهر بن عاشور الذي نظر إلى تقسيم المقاصد بنظرة أخرى وأضاف حرية الفرد وحقوقه الانسانية، حيث يقول: “إن المقصد العام من التشريع هو حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه، وهو نوع الإنسان، ويشمل صلاحه صلاح عقله وصلاح عمله وصلاح ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه.
[6] ابن عاشور، مقاصد الشريعة، ص79
[7] الشربيني، شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد الخطيب الشافعي، السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير، (القاهرة: مطبعة بولاق، دط، 1285ه)، ج1، ص413.
[8] البيومي، مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة، مرجع سابق، ص201.
[9]الداودي محمد، المسجد في الكتاب والسنة وأقوال العلماء، (مصر: المنصورة، دار الوفاء للطباعة والنشر، دط، 2000م)، ص9.
[10]www.aqsapedia.net.
[11] أخرجه البخاري، صحيح البخاري، كتاب الجهاد ، باب من احتبس فرسا، ج3، ص1048، رقم: (2689).
[12] بلغت حصيلة المشاريع التي نفِّذت في إفريقيا في إطار العمل الخيري وخدمة سكان إفريقيا، كما يذكر السميط، حتى أواخر 2002م: بناء 1200 مسجد، دفع رواتب 3288 داعية ومعلم شهريا، رعاية 9500 يتيم، توزيع أكثر من 51مليون نسخة من المصحف، طبع وتوزيع 605 ملايين نسخة من الكتيبات الإسلامية بلغات إفريقية المختلفة، بناء وتشغيل 102 مركز إسلامي متكامل، عقد 1540 دورة للمعلمين وأئمة المساجد، دفع رسوم الدراسة لما يزيد عن 95 ألف طالب مسلم فقير، مركز لتدريب النساء، تقديم أكثر من 200 منحة دراسة للدراسات العليا في الدول الغربية في تخصصات الطب والهندسة والتكنولوجيا.
[13] ابن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، مرجع سابق، ج1، ص80.
[14] الدّهلوي، شاه ولي الله، أحمد بن عبد الرحيم، حجة الله البالغة، تحقيق السيد سابق، (لبنان، بيروت، دار الجيل، ط1، 2005م)، ج2، ص310.
[15]هو العلامة تاج الدين الكندي أبو اليمن زيد بن الحسين بن زيد بن الحسن البغدادي المقرئ، النحوي اللغوي، شيخ الحنفية والقراء والنحاة بالشام، ولد سنة 125هـ، وأكمل القراءات العشر، توفي سنة:613هـ.
[16] المؤسسات الخيرية في العالم العربي والإسلامي اكبر من أن تحصر بمختلف مهامها الخيرية، وكلها تسهر في خدمة مصالح الفقراء والمحتاجين ومنها ما هو تابع لتنظيم الدولة، عن طريق وزارة معيّنة الحملات التي تقوم بها وزارة الشؤون الدينية والأوقاف الجزائرية في كل موسم، مثل مجلس سبل الخيرات ومن مهامه: توزيع قفة رمضان وشتاء دافئ، وخروف العيد الدخول المدرسي، ومنها ما هو على أساس جمعيات خاصة.
[17] في الجزائر وفي الكثير من الولايات منها، يقوم بعض المحسنين بتشييد وتجهيز منازل أو فنادق من أموالهم الخاصة لإيواء المرضى الغرباء، الذين يأتون للعلاج من مناطق بعيدة، والتكفل بهم في المأكل والمشرب والتنقل، والعلاج المجاني.
[18] أبو يحي محمد، وتمام العساف، العمل الخيري في ضوء القواعد المقاصدية، مرجع سابق.
[19] هذا ما تقوم مؤسسات الإسعاف والإغاثة كالهلال الأحمر، من إيواء للمنكوبين في الحروب، والكوارث الطبيعية، كما هو الشأن بالكثير من الدول المتضررة كسوريا واليمن وبورما.. وغيرها.
[20] يوجد الكثير من المراكز في الدول العربية والإسلامية، وخاصة الجزائر منها، تعنى بالتكفل بهذه الفئة الخاصة من المجتمع، وتسمى في الجزائر بمراكز تربية الطفولة المسعفة، تتكفل بكل متطلبات المعيشة حتى سن الزواج.
[21] الهطال، مرجع سابق.
[22] الباجي، أبو الوليد، الحدود في الأصول، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 2003م)، ص31.
[23] ابن خلدون، المقدمة، (بيروت، دار الفكر، ط2، 1988)، ص359.
[24] الخويطر، خالد بن سليمان بن علي، الوقف ودوره في دعم التعليم والثقافة في المملكة العربية السعودية خلال مائة عام، (السعودية: الأمانة العامة للأوقاف، ط1، 2011م)، ص12.
[25] أنشئ المعهد عام 1981م، في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو منبر متميز لنشر الكتب وعقد المؤتمرات والندوات الفكرية الإسلامية.
[26] سعد، محي الدين، نظام الزكاة بين النص والتطبيق، (الإسكندرية، مكتبة الإشعاع، دط، 1998م)، ص234.
[27] هو تقديم مال من شخص إلى آخر على أن يرد بدله بدون زياد، أي خالٍ من الفائدة ويمنح للمحتاجين من المجتمع الإسلامي.
[28] هو مؤسسة اجتماعية دينية أنشأت بناءً على القانون المنظم لمؤسسة المسجد سنة 2003، ينشط تحت إشراف وزارة الشؤون الدينية والأوقاف يهتم بجمع الزكاة واستثمارها لصالح المستحقين.
[29] ابن القيم، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن شمس الدين، روضة المحبين ونزهة المشتاقين، (لبنان، بيروت: دار الكتب العلمية، دط، 1403ه-1983م)، ص109.
[30] البيومي، مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة، مرجع سابق، ص244.
[31] ابن عاشور، مقاصد الشريعة، مرجع سابق، ص213.
[32] الريسوني، نظرية المقاصد عند الشاطبي، مرجع سابق، ص57.
[33] كانت لنا مساهمات كثيرة في عملية التزويج والإعانة على ذلك، من خلال الاتصال بالحسنين وأصحاب الأموال، والاهتمام بالفقراء الراغبين في الزواج من كلا الجنسين، فنقوم بالتكفل بكل متطلبات الزواج في مناسبات دورية ومتكرّرة.
[34] مسدور، فارس، التطوع، دور العمل الخيري في المجتمع، (إيطاليا، معهد كلابريا للسياسات الدولية)، 15-21اكتوبر 2012م.
[35] زعفان، هيثم، مؤسسات تيسير الزواج في العالم الإسلامي، (موقع المركز الدولي للأبحاث مداد،1جانفي1970).
[36] ابن بطوطة، محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم، تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، (الرباط: أكاديمية المملكة المغربية، دط، 1417ه)، ج1، ص118.
[37] http://www.alrajhiawqaf.sa : 29/08/2019-01:12.
[38] البركاتي، عمر بن نصير الشريف، الجهات الخيرية والإعلام، (السعودية، تبوك، ورقة مقدمة إلى ملتقى تواصل الإعلامي الثاني بجمعية تحفيظ القرآن، كتاب أوراق عمل الملتقى)، ص71.
[39] المرجع نفسه.
[40] الكاساني، علاء الدين، أبو بكر بن مسعود بن أحمد الحنفي، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط2، 1986م)، ج6، ص296.
[41] ابن حزم، مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات، عناية: حسن أحمد يسير، (بيروت: دار ابن حزم، ط1، 1999م)، ص155.
[43]مغازي، محمد عبد الله، البطالة ودور الوقف والزكاة في مواجهتها، (مصر: دار الجامعة الجديدة، ط، 2005م)، ص90.
[44] البروفيسور محمد يونس من دولة بنغلاديش، وه أستاذ بجامعة “شيتاجونج”، الحائز على جائزة نوبل للسلام، مؤسس بنك Grameen bank، المتخصص بمنح القروض الصغيرة للفقراء، الذي تبرع بحصته من الجائزة البالغة قيمتها 1.4 مليون دولار لأعمال خيرية، ولقد وصل محمد يونس إلى هذه النتيجة من خلال ما شاهده من الظروف المعيشية الصعبة التي كانت تمرُّ بها بلاده، وخاصة في مجاعة عام 1984م.
[45] الهطال، صالح بن مطر، العمل التطوعي خطوات عملية للنهوض بالأمة، (سلطنة عمان، ط1، 1431ه-2010م)، ص63.
[46] المرجع السابق ص 63-64.
[47]ابن حجر، فتح الباري، ج3، 262.
[48] الهيثمي، مجمع الزوائد، مرجع سابق، ج3، ص105.
[49] ابن حجر، فتح الباري، ج13، ص18.
[50] ابن بطوطة، تحفة النظار، مرجع سابق، ج1، ص118.
[51] ابن عاشور، مقاصد الشريعة، ص214.
[52] هذا الدعم الفردي لطلبة العلم، موجود كثير في أوساط المجتمعات، وكما سبق كنت ممن استفاد من هذا منه من بعض الأشخاص المحسنين، وكذلك الكثير ممن نراهم يدرسون على حساب محسنين معينين، وخاصة طور الدراسات العليا.
[53] الغزالي، المستصفي ، مرجع سابق، ج2، ص418.
[54] أنظر تمام العساف، ومحمد أبو يحي، مرجع سابق.
[55] كثيرا ما تجد مثل هذه الأعمال التطوعية وقد كان لنا سهم فيه من خلال ما نقدمه للنزلاء في أحد السجون بالجزائر من توعية ودروس في السيرة والأخلاق ومسابقات لحفظ كتاب الله، وتعتبر هذه المبادرة ضمن الاتفاق بين وزارة الشؤون الدينية الجزائرية، ووزارة العدل.