الاستراتيجيات التواصليةٌ في تعلم اللغة الثانية
Communication strategies in second language learning
د. رضا بابا أحمد/جامعة معسكر، الجزائر
Dr. Baba Ahmed Réda/University of Mascara, Algeria
مقال نشر في مجلة جيل العلوم الانسانية والاجتماعية العدد60 الصفحة 87.
ملخص:
يجتهد الباحثون في العقود الأخيرة في دراسة استراتيجيات تعلم اللغة الثانية بالتركيز على بعدها التواصلي للاستفادة منها في توفير استراتيجيات ومناهج مناسبة لتعليم اللغات الأجنبية. بعد تعريف اللغة الثانية أو الأجنبية والتمييز بينها وبين اللغة الأولى في مجال تعليمية اللغات، تعرضنا إلى مفهوم التواصل وأهميته في بناء المعنى بين المتفاعلين، وإلى تحديد الاستراتيجيات التي ينتهجها هؤلاء المتفاعلون خاصة بين المتحدثين بلغتهم الأولى ومتعلمي تلك اللغة على أنها لغتهم الثانية. كما بينا تصنيفات الباحثين لتلك الاستراتيجيات بين مجموعتين أساسيتين: الاستراتيجيات التي يعتمد عليها المتعلم للتهرب واجتناب مواصلة الحديث باللغة الثانية، والاستراتيجيات التي تساعده على متابعة تواصله وإنجاحه بتلك اللغة، وبينهما استراتيجيات فرعية لتعويض النقص الحاصل في عملية التواصل. وخلصنا إلى ضرورة الاعتماد على هذه الاستراتيجيات في تدريسنا للغات الأجنبية والاستفادة منها أيضا في تدريسنا للغة العربية في البلدان العربية.
الكلمات المفتاحية: تعليمية – تعلم – استراتيجية – تواصل – اللغة الثانية
Abstract
In recent decades, researchers have been working on the study of second-language strategies by focusing on their communicative dimension to use them to provide appropriate strategies and curricula for teaching foreign languages. After the definition of the second language or foreign language and the distinction between them and the first language in the field of language education, we introduced to the concept of communication and its importance in building the meaning among the participants, and to identify the strategies adopted by these operators, especially among speakers in their first language and learners of that language as their second language. The researchers’ classification of these strategies also showed two main groups: the strategies on which the learner relies on evasion, the avoidance of continuing the second language, the strategies that help him to pursue his success in that language, and the sub-strategies to compensate for the lack of communication. We concluded that these strategies should be used in teaching foreign languages and also in teaching Arabic in Arabic countries.
Key words: Didactics – learning – strategy – communication – second language
مقدمة
إن دراسة الاستراتيجيات التواصلية تمكن الباحثين من الكشف عن المساعي الإيجابية التي يبذلها المتعلمون في تعلم اللغة الثانية لضمان السير الحسن لعملية التواصل داخل أقسام مختلطة جنبا إلى جنب مع الناطقين بها، ومن ثم يقوم المدرس بتشكيل أفواج داخل القسم ويمنحهم أنشطة ملائمة مع استراتيجياتهم وأساليبهم المفضلة، كما تجعله على وعي بمنهجيته في عملية التعليم، وتدفعه إلى تكييف منهجيته مع استراتيجيات المتعلمين حتى تنجح تلك العملية.
- تعريف اللغة الثانية
اللغة الثانية أو الأجنبية في ميدان التعليمية هي اللغة التي تعالج على أنها موضوع لساني يتناوله التعليم-التعلم، فتتقابل بالتالي مع اللغة الأولى أو لغة المنشأ التي يتم تعلمها آليا في فترة الاكتساب لدى الطفل. تكون لغة ما لغة أجنبية لفئتين من الأشخاص: شخص لا يعترف بها على أنها لغة منشئه، وشخص قد تكون لغة منشئه أو لا تكون ويريد أن يدرّسها لمتعلمين غير ناطقين بها[1]. من الملاحظ أن وصف اللغات التي يتعلمها الفرد بعد اكتسابه للغته الأولى بأنها لغات ثوانٍ ذات رتب مختلفة أفضل من وصفها بالأجنبية لأنه مهما كانت اللغات التي يتعلمها الفرد سواء أكانت أولى أو ثواني فهي جزء من ملكته اللسانية وليست خارجة عنها حتى نعتبرها أجنبية[2].
من جهة أخرى، تعليم اللغة الثانية يشكل تخصصا دقيقا ضمن تعليمية اللغات، وهو يختلف عن تعليمية المواد الأخرى في أنها تحتوي على مادة مستقلة عن وسيلتها التعليمية (موضوع العلوم مثلا مستقل عن وسائله التعليمية) بخلاف تعليمية اللغات التي لا تحتوي على مادة مدرسية، ولكنها تتضمن تعلّم سلوكات لغوية وثقافة مرتبطة بها، وبالتالي، تتميز تعليمية اللغات عن نظيراتها بأنها تساير عملية طبيعية هي عملية اكتساب اللغة. موضوع تعليمية اللغات إذن هو دراسة الشروط والأنماط الخاصة بتعليم-تعلم اللغات في محيط مدرسي، ويكمن دور المعلم في توجيه المتعلمين أثناء عملية اكتساب اللغة وثقافتها[3].
بالنسبة للغة العربية فإنها تدرس باعتبارها لغة أولى في الجزائر، لكن الواقع أنها تشكل لغة ثانية حتى بالنسبة للمتحدثين بها لكونها مباينة للغة منشئهم وهي العربية اللهجية أو الدارجة التي اكتسبوها سليقة، وإن كانت تبدو قريبة جدا منها. وقد لاحظ النحاة قديما هذا التباين بين اللغة العربية الفصيحة والتي كانت لا تزال تنقل عبر الأجيال بالاكتساب وليس بالتعلم فقط وبين الأشكال اللهجية للعربية آنذاك، وهو الذي يعبرون عنه باللحن مما أدى بهم إلى وضع مناهج تعليمية لتدارك ذلك. لكن اللافت في الأمر أن تلك الأشكال اللهجية للعربية انتشرت وانحصرت العربية الفصيحة بالتالي عن أن تكون لغة اكتساب سليقي وتواصل يومي.
لذلك يبدو من الضروري، حتى في تعليم اللغة العربية في البلدان العربية، الاستفادة من دراسة الاستراتيجيات التواصلية إذ أن التركيز أو الاقتصار على استراتيجيات الحفظ والتذكر في تعليمها لا يوجِد متعلمين يتميزون بالإبداع والأصالة والابتكار.
وبناء على ما سبق، سنتناول في هذه السطور الاستراتيجيات التواصلية المتبعة في تعلم اللغة الثانية. هذه الاستراتيجيات تنطلق من أن التواصل ليس مجرد بث للمعلومات من مرسل إلى مستقبل، وإنما هو عملية تفاعلية أين يتم ضبط العلاقات بين الأفراد بطرائق متعددة لتحقيق أهداف يعتمد فيها كل طرف على الآخر. واللغة في هذه العملية هي الوسيلة التي تتحقق من خلالها مقاصد المتكلم في ردود أفعال المخاطب، وهي وسيلة لتبادل المهارات وتقاسمها. ما يميز هذه العملية أنها تتطلب الكثير من الحيطة واليقظة من قبل المتفاعلين، كما أنها تقتضي تركيزا مزدوجا للانتباه لمعالجة مشكل التفاهم:
– تركيز مسلط على موضوع التواصل وأهدافه، وعلى ما يريد المتفاعلون تحقيقه سوية من هذه العملية.
– تركيز مسلط على المشاكل الصورية التي يمكن أن تظهر أثناء عمليتي الفهم والإنتاج حيث يتخذ المتفاعلون حيطة خاصة تظهر في تنبه تدريجي لتأمين البنية اللغوية المتوقعة.
يتجلى ذلك الاحتياط الذي يبديه المتعلم عند استخدامه للغة الثانية في إجراءات تحكم ذاتية (تصحيح ذاتي مثلا)، أو إجراءات تحكم تفاعلية (سلاسل الصياغات المعادة، طلب توضيح)، هذه الإجراءات تساهم في تأمين التنسيق بين المتفاعلين من أجل بناء المعنى، وهذه من بين الاستراتيجيات التواصلية كما سنرى[4].
قبل عرض الاستراتيجيات التواصلية المنتهجة في تعلم اللغة الثانية سنتطرق أولا إلى تعريف التعلم واستراتيجياته لأن المتعلم يحتاج إلى الوعي بسيرورات التعلم عامة ومختلف الاستراتيجيات التي يمكن أن يستفيد منها حتى يتم اكتسابه للغة بنجاح.
- الاستراتيجيات التواصلية في التعلم
إن التعلم فعل إدراكي يمكِّن المتعلم من اكتساب معارف وتطوير مؤهلات ومهارات وقيم وبناء تمثيلات مفسرة ومتناسقة مع الواقع الذي يعيش فيه، كما يساعده على إقامة التفاعل بين المعطيات الخارجية وبين وعيه الشخصي. وعليه، فإن الهدف من التعلم ليس تحصيل المعرفة في حد ذاتها، ولكن الهدف الأساسي هو تطوير سلوكات المتعلم ومهاراته من أجل تحسين ظروفه وحل مشاكله في العمل وسائر مجالات الحياة. لذلك، يجب أن تكون هذه العملية ذات مغزى ومعنى أي يجب أن تجري في إطار شبكة من الأشياء المدركة والمعايشة من قبل المتعلم الذي يتبع في ذلك استراتيجيات معينة[5].
أما مصطلح “استراتيجية ” فيدل على « مجموعة الإجراءات والممارسات التي يتبعها المعلم داخل القسم للوصول إلى مخرجات في ضوء الأهداف التي وضعها، وهي تتضمن مجموعة من الأساليب والوسائل والأنشطة وأساليب التقويم التي تساعد على تحقيق الأهداف». كما تعرف بأنها « فن استخدام الإمكانات والوسائل المتاحة بطريقة مثلى لتحقيق الأهداف المرجوة على أفضل وجه ممكن»[6].
من جهتها، تشكل استراتيجيات التعلم مختلف العمليات المستخدمة من قبل المتعلمين على أنها طرق تؤدي إلى تحقيق أهدافهم التعلمية، كفهم المعاني واستعمالات الكلمات وتوظيف القواعد النحوية ومختلف جوانب اللغة التي يقومون بتعلمها. فعند تعلم اللغة الأولى يطبق الطفل استراتيجيات تتميز بأنها لا إرادية ولا واعية، أما عند تعلم اللغة الثانية فإن المتعلم يقوم بتطبيق استراتيجيات عن وعي وإرادة منه.
هناك عدة أنواع من الاستراتيجيات التي يتبعها المتعلم أثناء تعلمه للغة الثانية: استراتيجيات معرفية تتعلق بتحليل هذه اللغة والمقارنة بين المعطيات التي تصادفه في تعلم اللغة الثانية وبين تلك المعروفة سلفا في لغته الأولى؛ استراتيجيات معرفية واصفة تتمثل في وعي المتعلم بتعلمه، وصياغة مخطط لهذه العملية، ومراقبة سيرورتها؛ استراتيجيات اجتماعية تحيل إلى الجهد الذي يبذله المتعلم في التفاعل مع زملائه المتعلمين، وفي إدارة انفعالاته المصاحبة لتعلمه[7].
واستراتيجيات تواصلية تقوم على التركيز على الجانب التواصلي في عملية التعلم. ففي تأسيسه لحقل سماه إثنوغرافيا التواصل، وضع هايمس Hymes ملاحظة نقدية مفادها أن المتكلمين باللغة الثانية الذين بمقدورهم إنتاج جمل صحيحة نحوية -والذين يتمتعون بكفاءة لسانية حسب تعبير تشومسكي Chomsky– سيجدون أنفسهم دون تمييز بحاجة إلى مساعدة أثناء محاولتهم لفعل ذلك. إن كفاءة التواصل عنده تشمل، زيادة على استعمال الأشكال اللسانية، احترام الأعراف الاجتماعية الملاحظة أثناء استعمال هذه الأشكال اللسانية؛ إذ لا يكفي أن يتزود الفرد بالمعارف اللسانية للغة الثانية حتى يستطيع أن يتواصل مع باقي الأفراد داخل العشيرة اللغوية، فهو يحتاج إلى معارف تخص استخدامات اللغة في سياقها الاجتماعي كما يتعارف عليها أفراد تلك العشيرة[8].
وبالتالي، فإن تعلم لغة ثانية يتطلب اكتساب مختلف مكونات الكفاءة التواصلية، ألا وهي:
- المكونة اللسانية: القدرة على صياغة جمل صحيحة نحويا وتأويلها، وتركيب كلمات وإعطائها معانيها كما تعارف عليه الناطقون بتلك اللغة.
- المكونة اللسانية-الاجتماعية: الوعي بكيفية اختيار أنماط التعبير في تلك اللغة بحسب عوامل المحيط، العلاقات بين المتفاعلين، أغراض التواصل…
- المكونة المقالية: القدرة على الاستعانة باستراتيجيات ملائمة لدى صياغة النصوص وتأويلها.
- المكونة الاجتماعية-الثقافية: هذه مكونة ضرورية للاستخدام الصحيح والمناسب للغة الثانية، وشرط لامتداد التواصل عند المتعلم خارج حدود عشيرته اللغوية[9].
وعليه، وفي تعريفهما الأولي، بين كنال وسواين Canale et Swain أن الكفاءة الاستراتيجية تمكن من تعويض انقطاعات التواصل الناتجة عن استخدام غير ناجز للغة أو عن معرفة ناقصة بتلك اللغة، مما يعني بأن الكفاءة الاستراتيجية تمنح صاحبها القدرة على دخول استراتيجيات التواصل لتشغيلها حتى يتسنى له تجاوز ثغراته اللسانية (النحوية) أو التداولية (الاجتماعية-اللسانية). تتجلى هذه الاستراتيجيات في إجراءات كلامية (جمل شارحة) متزامنة أو غير متزامنة مع سلوكات للمتعلم تهدف إلى ضمان استمرارية عملية التفاعل[10].
إن هذه الاستراتيجيات التواصلية يمكن معالجتها حسب تارون Tarone على اعتبارها جهودا متبادلة بين المتفاعلين لرفع سوء الفهم، ولإقامة سبل التواصل بينهم، وللحفاظ على حسن سير عملية التفاعل الكلامي. معرفة استراتيجيات التواصل، حسبه دائما، مهمة جدا بالنسبة لمتعلم اللغة الثانية المبتدئ الذي يريد ويحتاج أن يشارك في أنشطة المحادثة، هذه الاستراتيجيات تسمح باستمرارية التفاعل إذا واجهت المتعلم مشكلة العجز اللغوي، كما أنها تزوده بالكثير من المدخلات والممارسات والفرص ليتعاون مع شريكه في بناء المعنى[11].
بينما يعتبرها باحثون آخرون عمليات معرفية يجريها المتعلم لمواجهة الصعوبة الآنية للتواصل، وتتجلى هذه العمليات في ما يقوم به من أفعال تلقائية وعفوية أثناء تفاعله عن قصد منه لتدارك الفاصل المستشكل بين ما يقتضيه التواصل الحالي وبين إمكاناته في التبادل اللغوي interlanguage. تشكل استراتيجيات التواصل من هذا المنظور المساعي الشخصية التي يتبناها المتعلم لحل مشاكله أثناء تواصله باللغة الثانية[12].
والملاحظ أن هذه الاستراتيجيات أو المساعي لا يبذلها المتعلم عند إنتاجه للعبارات فقط بل حتى في فهم وتأويل الخطاب الصادر عن من يتفاعل معه. وتتجلى في ظواهر التعويض التي تعكس التدخل المباشر للمتعلم وإبراز خواصه النفسية-الاجتماعية في توليد الخطابات وتأويلها[13].
- تصنيف استراتيجيات التواصل
عدة جهود ساهمت في تحديد استراتيجيات متنوعة للاتصال خاصة في سياقات متعددة اللغات، ولكن الباحثين صنفوا تلك الاستراتيجيات بطريق متباينة.
- تصنيف فايرتش وكاسبر Færch et Kasper
أقام هذان الباحثان تحديدهما وتصنيفهما لاستراتيجيات التواصل عند متعلمي اللغة الثانية انطلاقا من سيرورات نفسية-لسانية، فهي عندهما مخططات واعية احتماليا لمواجهة مشكل يعرض للفرد أمام تحقيق هدفه التواصلي[14]. لقد بيّنا أن المتعلم يقوم بعمليتين لبلوغ أهدافه التواصلية أو لحل مشاكله المترتبة عن هذه العملية أو لتدارك الهوة الموجودة بين حاجاته التواصلية وبين مخزونه اللغوي، هما: الإعداد والتخطيط ثم الإنجاز.
في المرحلة الأولى يقرر المتعلم الخطط المناسبة لمواجهة المشكل، فيغترف من نظامه اللساني العناصر الموافقة لسياق التواصل، ثم ينظمها حتى يستعملها في المرحلة الموالية. وفي المرحلة الثانية، الخاصة بالإنجاز، يمر المتعلم إلى الفعل المتوقع لحل المشكل.
يتجاوز المتعلم مشكل التواصل حسب هذين الباحثين عبر طريقتين: إما أن يقرر مواصلة تفاعله حتى بلوغ هدفه (في حالة النجاح)، وإما أن يراجع هدفه باستخدام وسائل لسانية أخرى كالاقتراض من اللغة الأولى، أو توظيف الجمل الشارحة، أو الانتقال إلى لغة أخرى (استراتيجية الهروب أو الاجتناب)[15].
لذلك، فإن الباحثين يصنفان استراتيجيات التواصل إلى ثلاثة أصناف:
- استراتيجيات الاختزال الصوري formal reduction المستخدمة عندما يختار المتعلم التواصل معتمدا على نظام مختزل حيث يتجنب إنتاج ملفوظات طويلة أو غير صحيحة نتيجة لعدم تحكمه في بعض قواعد اللغة الثانية. الذي يحدث أن المتعلم خلال وضعية تواصلية خاصة يتفادى استخدام ما هو مناسب عادة عند المتكلم الناطق باللغة لبلوغ هدف تواصلي محدد، ويكتفي بالاعتماد على مجموعة بسيطة من القواعد أو العناصر. هذا الاختزال يشمل جوانب النظام الفونولوجية والصرفية والتركيبية والمعجمية.
هذه الاستراتيجيات والتي تتمثل في اختزال كثير من القواعد نجدها بانتظام عند متعلمي اللغة العربية كالإعراب والاشتقاق وأشكال الجملة وترتيب عناصرها وأساليب التعبير عن الزمان والمكان وغيرها من القواعد التي ليس لها نظير في لغتهم الأولى.
- استراتيجيات الاختزال الوظيفي functional reduction يلجأ إليها المتعلم عندما يصطدم بمشكل في مرحلة التخطيط نتيجة لعدم تزوده بما يكفي من الموارد اللسانية أو في مرحلة الإنجاز (مشكل التعويض)، وحينما ينحو إلى الكف والتهرب بدلا من إتمام تواصله. بتبني استراتيجيات الاختزال الوظيفي يعدل المتعلم عن تحقيق هدفه التواصلي من أجل تفادي الوقوع في المشكل. يطال هذا الاختزال مكونات الهدف التواصلي والتي هي: أفعال ومضمون الكلام[16].
- استراتيجيات الإنجاز أو الإتمام achievement وتظهر عندما يحاول المتعلم حل مشكل بتوسيع موارده التواصلية، فقد يلجأ إلى تغيير اللغة (بما في ذلك اقتراضه للمفردات من لغته الأولى أو من لغة أخرى)، الترجمة الحرفية، التعميمات، توظيف الجمل المترادفة، توليد مفردات جديدة، إعادة البناء، استراتيجيات التعاون، استراتيجيات غير لغوية (حركات، محاكاة الأصوات)[17].
رغم أهمية هذه الاستراتيجيات في تعلم اللغة الثانية، غالبا ما نجد معلمي اللغة العربية لا يشجعون المتعلمين عند استخدام عبارات أو ألفاظ من لغة منشئهم أو من أي لغة أخرى عندما يحتاجون إلى ذلك لإنجاح عملية التواصل، بل يستخدمون التعنيف اللفظي أحيانا، ولعل هذا التعامل من بين أسباب إضعاف تعلمهم للغة العربية.
- تصنيف ريليRiley
يقسم استراتيجيات التواصل إلى مجموعتين رئيسيتين: استراتيجيات الاختزال واستراتيجيات التعويض أو الإنجاز. لا تختلف المجموعة الأولى عن التصنيف السابق لاستراتيجيات الاختزال. أما المجموعة الثانية فتتمثل في مجموعة الجهود التي يبذلها المتعلم لتعويض النقص اللساني حتى لو أدى ذلك إلى ارتكابه لأخطاء، وتنقسم هي أيضا إلى قسمين:
- استراتيجيات التعويض الذاتي self-repair strategies: حيث يستعمل المتعلم طرقا لحل مشاكله التواصلية ذاتيا ومن أبرزها:
- التناوب اللساني code-switching، وذلك عندما يقوم بتضمين كلمات أو عبارات من لغته الأولى أثناء حديثه باللغة الثانية.
- التغريب foreignising، ويتمثل في النطق بكلمات اللغة الثانية أو عباراتها كما تنطق نظيراتها في اللغة الأولى.
- الترجمة الحرفية literal translation: وهنا يأخذ المتكلم كلمات من لغته الأولى ويترجمها حرفيا إلى اللغة الثانية.
- الاختراع المعجمي word coinage: يقوم باختراع كلمات جديدة سواء بالاعتماد على لغته الأولى أو على معرفته باللغة الثانية.
- المفردات العامة smurfing: هو استخدام بعض المفردات الإشارية العامة الدلالة عوضا عن المفردات المناسبة لجهله بها في اللغة الثانية، وهذه المفردات المستخدمة العامة تستمد معناها من السياق كما نقول في الدارجة: شيء أو حاجة أو حية… عندما لا نعرف اسم المشار إليه.
- التقريب approximation: عندما يستعمل كلمة أو عبارة مع علمه بأنها غير مناسبة لكن يستطيع المخاطب فهمها لقربها الدلالي من الكلمة أو العبارة الصحيحة.
- الجمل الشارحة paraphrase: عندما يعبر المتعلم عن المعنى بعبارات شارحة أو معرِّفة وليس بلفظه الموضوع له في اللغة المستهدفة.
- التواصل غير اللفظي non-verbal communication: محاكاة، إيماءة، ملامح الوجه، ضجيج… بالإضافة إلى تعابير التعجب والتنغيم.
- استراتيجيات التعاون collaborative strategies: عندما يستعين المتعلم بمخاطبه الأكثر منه كفاءة في تيسير عمليته التواصلية أو حل مشاكلها. الاستراتيجيات المعروفة هي:
- إثبات هويته الأجنبية: عندما يبين للآخرين بأنه أجنبي، أو أنه لا يحسن التكلم بهذه اللغة، أو أن لغته الأجنبية ضعيفة…
- النداءات appels: حيث يدعو المتعلم نظيره إلى الحديث ببطء، تكرار أو شرح ما قاله، قد تتجلى تلك النداءات أحيانا في إيماءات المتعلم.
- طلب المساعدة أو الاستيضاح requests for assistance لترجمة كلمة إلى اللغة المستهدفة أو لتصحيح كلمة أو لإيجاد الكلمة أو العبارة المناسبة.
- التثبت confirmation: وهو التأكد من حصول التفاهم بين الطرفين عبر طرح أسئلة على مخاطبه للتحقق من فهمه لجمل المتعلم[18].
- تصنيف جياكومي وهيريديا Giacomi et Heredia
يعتبر هذان الباحثان استراتيجيات التواصل مجموعة من الإجراءات التفاعلية التي يقوم بها المساهمون في عملية التبادل، ويفرقان بين نوعين من الاستراتيجيات في السياق المزدوج اللغة:
- الاستراتيجيات الاحتياطية preventive strategies: هي مجموعة المبادئ التي تنظم التخاطب، وهي تؤثر على عملية التواصل بحيث يستبق الطرفان إمكانية حصول مشكل في التواصل، وبالتالي يعملان على تدبير سير التبادلات بينهما. وهي تشمل ما يلي:
- استراتيجيات التيسير أو حديث الأجنبي ـforeigner talk حيث يعمل المتكلم الناطق باللغة على تبسيط معجمه ليسهل على المتعلم فهمه، فقد يحذف بعض عناصر الجملة، أو ينطق بطريقة متأنية، أو يبدي حسن الإصغاء والموافقة قولا أو إيماء.
- استراتيجيات تجنب الفشل في عملية التواصل principe de l’et caetera: انطلاقا من رغبته في المحافظة على سير المحادثة، قد يساير المتعلم محاوره الناطق باللغة حتى لو لم يستوعب كل مضمون الحوار.
- التصحيحات الذاتية: تتضمن هذه الاستراتيجيات تدخل أحد طرفي التفاعل في تقويم أو إعادة صياغة خطابه الخاص قبل أن يأخذ الطرف المقابل الكلمة. لهذه الاستراتيجيات ميزة مزدوجة إذ إنها تستبق انقطاع التواصل وتحافظ على استمرارية موضوعه. يقوم المتعلم، لإصلاح خطئه ذاتيا auto-réparation، بالبحث عن الكلمة المناسبة أو بإعادة الصياغة التركيبية، ويكون هذا النشاط عفويا أو مفتعلا أثناء التفاعل.
- استراتيجيات التسيير stratégies de gestion: هي مجموعة إجراءات التدبير التي يلجأ إليها المتكلم لمحاولة حل مشكل التواصل الذي يهدد استمراريته الفورية، وتظهر بعد الخطاب لأنها تحيل إلى ما قد قيل من قبل، وهي تشمل:
- التفاوض ومسائل الإيضاح: وتتجلى في التحقق من حصول الفهم، ومساعي التفسير والإضاءات. تتميز هذه الاستراتيجيات بانحراف المتفاعلين عن مسيرة التواصل العادية إلى الاهتمام بالنشاط الميتالساني عند بحثهم عن الشرح والتأكد من الفهم. يمكن أن يطلبها أحد المتفاعلين قولا أو إيماء بسبب عدم التفاهم أو سوء الفهم، فيقوم الطرف المقابل بتسليط الضوء على شكل ومعنى الكلمات أو العبارات المستخدمة في ذلك السياق، حتى يعود التفاعل إلى وضعه الطبيعي.
- إعادة الصياغة: هي ممارسة اتصالية تتضمن صياغة الأفكار بطريقة واضحة لا تبحث فيها عن إقناع المخاطب ولا عن الإطناب في الكلام، هي شبيهة بسلوك تأكيدي. هذه الممارسة كثيرة التداول أثناء العملية التعليمية في جميع المستويات حيث يقوم المعلم ببناء خطاباته المتعددة الصياغة حسب ما يراه مناسبا لتسيير عملية التفاهم المتبادلة بين المتعلمين حتى يتم نقل المعارف اللغوية بطريقة جيدة.
- التعريف définition: بسبب عدم التماثل اللغوي والاختلاف الثقافي، يلجأ المتحاوران: المتكلم الناطق باللغة والمتعلم الأجنبي عادة إلى التعريف بمضمون الحديث لحل المشاكل التي يمكن أن تصادفهما في الفهم[19].
- تصنيف بانج Bange
تنحصر استراتيجيات التواصل عند هذا الباحث في محاولة حل المشاكل التي يصادفها المتفاعلون من أجل بناء تفاعلي للمعنى بسبب وجود اختلال بين ما يقتضيه مقام التواصل وبين مهارة المتعلم المتفاعل في اللغة المستهدفة. وقد استفاد هذا الباحث من أعمال سابقيه في تقسيم استراتيجيات التواصل إلى ثلاث مجموعات كبرى: استراتيجيات الاجتناب لأهداف التواصل abandon، واستراتيجيات إنجاز أهداف التواصل réalisation، ويضيف إليها استراتيجيات الاستبدال substitution.
يتجلى النوع الأول عند محاولة المتعلم الابتعاد عن مشاكل التواصل من خلال الحذف والاختزال. وعلى نقيض ذلك، يتجلى النوع الثاني في مساعي المتعلم للتحكم في مشكل التواصل ومواصلة أهدافه. يمثل هذا النوع استراتيجيات قبول المخاطر الممكنة والاستعانة بالمتكلم الناطق باللغة. أما النوع الأخير فيتضمن محاولات المتعلم لتعويض نقائصه بالرجوع إلى لغته الأولى أو بالإيماءات. هذه الاستراتيجيات تقع وسطا بين النوعين الأولين وقد تميل إلى أحدهما لمواصلة التواصل أو مقاطعته.
هذه الاستراتيجيات في رأي هذا الباحث تتخذ أشكالا معقدة، ويمكن أن تستمر على محور يمتد من الاستراتيجيات الأقل تفضيلا في التفاعل بالنسبة للمتحدث بلغته الأولى إلى أكثرها تفضيلا لديه، ومن الأضعف إبداعا في الأنشطة المعرفية عند متعلم اللغة الثانية إلى أقواها إبداعا عنده[20].
خاتمة :
أصبحنا ندرك تماما بأن دراسة الاستراتيجيات التواصلية لدى متعلمي اللغة الثانية يفرض علينا أن نعيد النظر في استراتيجيات تعليم اللغات الأجنبية، وأن نتجاوز تلك الاستراتيجيات التي تقوم على حفظ القواعد وقوائم المفردات، وعلى دفع المتعلمين إلى الحديث باللغة الثانية وكأنها لغتهم الأولى، وأن نميل إلى الاستراتيجيات التواصلية، المختلفة الأصناف كما رأينا، والتي تركز على البعد التفاعلي وتهتم بتشجيع المتعلمين على تبادل أفكارهم وإيصال أغراضهم. كل ذلك من أجل توفير تعليم مناسب يحسن من ظروف التعلم ويعطي نتائج أفضل على مستوى تنمية كفاءات المتعلمين ويحقق الأهداف المرجوة، كما لا ننسى أن هذه الاستراتيجيات يمكن أن نستفيد منها أيضا في تعليم للغة العربية في البلدان العربية.
قائمة المراجع :
- حسن شحاتة وزينب النجار: “معجم المصطلحات التربوية والنفسية“، ط1، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 2003.
- Bange P.: “À propos de la communication et de l’apprentissage de L2 (notamment dans ses formes institutionnelles)“, Acquisition et interaction en langue étrangère [En ligne], 1 | 1992, mis en ligne le 06 février 2012, URL : http://journals.openedition.org/aile/4875.
- Bange P.: “Considérations Sur Le Rôle De L’interaction Dans L’acquisition D’une Langue Etrangère“, Les Carnets du Cediscor [En ligne], 4 | 1996, mis en ligne le 24 juillet 2009, URL : http://cediscor.revues.org/443.
- Cuq, J.-P. : “Dictionnaire de didactique du français langue étrangère et seconde“, Clé International, Paris, 2003.
- Elimam A.: “L’exception linguistique en didactique“, 2e éd., Dar El Gharb, Oran, 2006.
- Færch C. & Kasper G.: “Processes and strategies in foreign language learning and communication”, Interlanguage Studies Bulletin Utretch, Vol.5, N°1, 1980.
- Giacomi A. et De Héredia Chr. : “Réussites et échecs dans la communication linguistique entre locuteurs francophones et locuteurs immigrés“, Langages, N°84, 1986.
- Legendre, R.: “Dictionnaire actuel de l’éducation“, 3e éd., Guérin, Montréal, 2005.
- Little D. & al.: “Stratégies dans l’apprentissage et l’usage des langues“, édition du conseil de l’Europe, 1996.
- Richards J. C. & Schmidt R.: “Longman Dictionary of Language Teaching and applied Linguistics”, 4th, Pearson Education, Great Britain, 2010.
- Riley, P.: “Strategy: conflict or collaboration“, Mélanges pédagogiques, CRAPEL, Université de Nancy, N°16, 1985.
- Saville-Troike M.: “Introducing Second Language Acquisition”, 2nd, Cambridge University Press, New York, 2012.
- Tijani, M-A.: “Difficultés de communication orale : enquête sur les stratégies de communication des apprenants nigérians de français en situation exolingue“, Thèse de doctorat, Université de Franche-Comté, 2006.
- Valenzuela V. “La didactique des langues étrangères et les processus d’enseignement/apprentissage“, Synergies, N°6, Chili, 2010.
[1] Cuq, J.-P.: “Dictionnaire de didactique du français langue étrangère et seconde“, Clé International, Paris, 2003, p. 43.
[2] Elimam A.: “L’exception linguistique en didactique“, 2e éd., Dar El Gharb, Oran, 2006, p. 21.
[3] Valenzuela V. “La didactique des langues étrangères et les processus d’enseignement/apprentissage“, Synergies, N°6, Chili, 2010, p. 72.
[4] Bange P. : “Considérations Sur Le Rôle De L’interaction Dans L’acquisition D’une Langue Etrangère“, Les Carnets du Cediscor [En ligne], 4 | 1996, mis en ligne le 24 juillet 2009, URL : http://cediscor.revues.org/443.
[5] Legendre, R.: “Dictionnaire actuel de l’éducation“, 3e éd., Guérin, Montréal, 2005, p. 88.
[6] حسن شحاتة وزينب النجار: “معجم المصطلحات التربوية والنفسية“، ط1، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 2003، ص39.
[7] Richards J. C. & Schmidt R.: “Longman Dictionary of Language Teaching and applied Linguistics”, 4th ed., Pearson Education, Great Britain, 2010, p. 331.
[8] Saville-Troike M.: “Introducing Second Language Acquisition”, 2nd ed., Cambridge University Press, New York, 2012, p. 106.
[9] Little D. & al.: “Stratégies dans l’apprentissage et l’usage des langues“, édition du conseil de l’Europe, 1996, pp. 12-13.
[10] Little D. & al.: “Stratégies dans l’apprentissage et l’usage des langues“, édition du conseil de l’Europe, 1996, p. 15.
[11] Saville-Troike M.: “Introducing Second Language Acquisition”, op.cit, p. 178.
[12] Bange P.: “À propos de la communication et de l’apprentissage de L2 (notamment dans ses formes institutionnelles)”, Acquisition et interaction en langue étrangère [En ligne], 1 | 1992, mis en ligne le 06 février 2012, URL : http://journals.openedition.org/aile/4875.
[13] Tijani, M-A.: “Difficultés de communication orale : enquête sur les stratégies de communication des apprenants nigérians de français en situation exolingue“, Thèse de doctorat, Université de Franche-Comté, 2006, p. 123.
[14] Færch C. & Kasper G.: “Processes and strategies in foreign language learning and communication”, Interlanguage Studies Bulletin Utretch, Vol.5, N°1, 1980, p. 81.
[15] Tijani, M-A.: “Difficultés de communication orale : enquête sur les stratégies de communication des apprenants nigérians de français en situation exolingue“, op.cit, pp. 124-125.
[16] Færch C. & Kasper G.: “Processes and strategies in foreign language learning and communication”, op.cit, pp. 85, 90.
[17] Tijani, M-A.: “Difficultés de communication orale : enquête sur les stratégies de communication des apprenants nigérians de français en situation exolingue“, op.cit, p. 126.
[18] Riley, P.: “Strategy: conflict or collaboration“, Mélanges pédagogiques, CRAPEL, Université de Nancy, N°16, 1985, pp. 106-108.
[19] Giacomi A. et De Héredia Chr. : “Réussites et échecs dans la communication linguistique entre locuteurs francophones et locuteurs immigrés“, Langages, N°84, 1986, pp. 15-23.
[20] Bange P.: “À propos de la communication et de l’apprentissage de L2 (notamment dans ses formes institutionnelles)“, op.cit.