
مُشكلات تحقيق المخطوطة الفريدة
م. د . جاسم فريح دايخ الترابي
العراق/ جامعة واسط / كلية التربية
مقال نشر في :مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية العدد 37 الصفحة 79.
مقدمةتُعدُّ مسألة تحقيق التراث من المسائل التي حظيت باهتمام القدماء والمحدثين؛ لكونها شديدة الصّلة بنتاج حضاريّ وعلمي كبير , وهو محصِّلة إرث الأمة المحفوظ وذخرها الثّابت , الذي جعلته ذخيرةً لمستقبلها, يوصِل حاضرها بماضيها ,والتّحقيق من أول موجبات تلك العناية بالتراث وبه يسعى إلى نشره والتعريف به , باستعمال الوسائل الحديثة , ليقدِّم مادة صحيحة موثقة إلى الدّراسات التي تؤلّف فيما بعد ([1]).
ولقد ظنّ بعض أدعياء العلم , أنَّ تحقيق النّصوص ونشرها عمل هيّن سهل , وكان لكثرة الدّخلاء على هذا الفن أثر في حكمهم هذا , وما درى هؤلاء أنَّ المحقق الأمين قد يقضي ليلة كاملة في تصحيح كلمة ,أو إقامة عبارة , أو تخريج بيت من الشّعر, أو البحث عن علم من الأعلام في كتب التّراجم والطّبقات([2]), فكيف إذا كان التحقيق معتمداً على مخطوطة فريدة (وحيدة)؟ فأن مشكلات تحقيقها ستكون أكثر عناءً وأصعب مرقى , إذ وُصِف التّحقيق على مخطوطة وحيدة بأنَّه: ( بالغ الصّعوبة محفوف بالمتاعب, وهناك مَنْ يقبل على هذا العمل ؛ لأنَّه يرى في نشر الكّتاب المفيد – على عيوبه – خيراً من بقائه مخطوطاً ومتروكاً في زاوية لا ينتفع به أحد )([3]), وهو ما أجازه مصطفى جواد , بقوله : ( فالمحقق مضطرّ إلى الاعتماد على نسخة متأخرة وحيدة , فينشرها بحالها ويشير إلى الأوهام التّصحيفية والنّسخيّة الواردة فيها )([4]).
إنَّ النّسخة الوحيدة التي لا أخت لها ترهق المحقق وتحمله أعباء كبيرة ومضنية لا سيما إذا كانت كثيرة التّصحيف والتحريف والخطأ , أو رديئة الخط أو مصابة بالرطوبة أو الخرم أو السقط … وعكس ذلك إذا كانت النسخة الفريدة تامة وحيدة ,فإنَّها تقلل جهد المحقق وتعفيه من النّظر إلى نسخ أخرى.
يحاول هذا البحث الوقوف على مشكلات تحقيق المخطوطة الفريدة من خلال النّظر في التراث المحقق على نسخة وحيدة ,وتقسيم ذلك ضمن مطالب :
المطلب الأول: مشكلات تتعلق باسم المؤلف واسم الكّتاب
يحجمُ المُحققون عن تحقيق كتاب أصابه خرمٌ في أَوله سبّب إسقاطه اسمه واسم صاحبه , وفي دار الكّتب المصرية مخطوطة من هذا النّوع برقم 281 تاريخ- تيمور , واكتفى الباحثون بالنّقل منها, وسمّاها مفهرس الدّار : ( تراجم الشعراء) ونسبها – وهماً- للثعالبي , ثم تبين للأستاذ شاكر عاشور أنَّها : ( المذاكرة في ألقاب الشّعراء) للمجد النّشّابي (ت 657ه), فحقّقها , ببغداد 1989م, ثم دمشق 2006م([5]).
ومن المخطوطات الفريدة التي سَقَطَ منها اسم الكتاب ومؤلفه كتاب (الموضِح عن جهة إعجاز القرآن) (الصَّرفة) للشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي(ت436ه) بتحقيق محمّد رضا الأنصاريّ القمّيّ , الذي اعتمد على نسخة يتيمة واحدة سلمت من عوادي الدّهر , وهي من نفائس مخطوطات خزانة مكتبة الإمام الرّضا بخرسان([6]), ومما يُؤسف له أنَّ هذه المخطوطة قد سقطت من بداية النسخة وريقات. واستطاع المُحقق أن يثبتَ نسبة الكتاب إلى مصنفه (الشريف المرتضى ) من خلال جملة من القرائن :
- من خلال المقارنة بين الكتاب نفسه وكتب الشريف المرتضى الأخرى , إذا قارن نصوصاً من الكتاب مع كتابي الشريف المرتضى (جمل العلم) و(الذخيرة) فهنالك من النّصوص المتماثلة في العبارات , والنّمط الفكري , والأسلوب والمحتوى والأمثلة إذ التطابق واضح إلى درجة التّطابق في بعض الأحيان, بحيث يطمئن القارئ ويتأكد له أنّهما صادران من كاتب واحد([7]).
- كما توجد قرينة أخرى هي أنَّ الشريف المرتضى قال في الذخيرة 🙁 وهذا ممّا اعتقده صاحب الكتاب المعروف ب المُغني , ونقضناه عليه في كتابنا المُوسوم ب الموضح عن جهة إعجاز القرآن)[8].
- لم يعرف من العلماء من صنِّف في موضوع (الصرفة) خلا الشريف المرتضى .
ومن ذلك كتاب إعراب القرآن المنسوب للزجاج (ت311ه), الذي حققه الأستاذ إبراهيم الابياري , وقد كتَبَ حوله الكثير من الكتابات خلاصتها : العنوان الصّحيح للكتاب هو (الجواهر) . ولكن سقطت الورقة الأولى من المخطوط الوحيد مع جزء من المُقدمة التي توضّح المؤلف وعنوان الكتاب, فجاء أحد النّساخ وكتَبَ (إعراب القرآن للزجاج) بغير علمٍ ! فلما جاء المحقق أخرجه هكذا ولكنه نفى نفياً أن يكون مؤلفه هو الزّجاج , وربما يكون مكي بن أبي طالب القيسي . الذي حقق اسم الكتاب , وخطّأ نسبته للزجاج هو الدكتور أحمد راتب النّفاخ في مقالين نفيسين نشرهما في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق عام 1973م في المجلد 48 الجزء الرابع([9]).
ومؤلف الكتاب الصحيح هو جامع العلوم النّحوي أبو الحسن علي بن الحسين الباقولي (ت543ه) , وتحدّث الدكتور عبد القادر السّعدي في الجزء الأول من تحقيقه لكتاب ( كشف المُشكلات وإيضاح المُعضلات في إعراب القراءات ) للباقولي الذي نشرته دار عمار بالأردن بما لا مزيد عليه من الأدلة على خطأ نسبة الكتاب إلى الزّجاج ونسبته للباقولي مشيراً إلى صنيع النفاخ ومُثنياً عليه )([10]).
وجَمَعَ كل ذلك الدكتور محمد الدالي وجعله مقدمة ً لتحقيق كتاب ( الجواهر ) للباقولي([11]).
المطلب الثاني: ضعف المستوى اللغوي لناسخ الكتاب
من مشكلات التي تواجه محقق النسخة الفريدة ضعف الناسخ وقلة إتقانه للعربية , ومن ذلك المخطوطة الوحيدة لكتاب مقدمة في النحو لخلف الأحمر (ت180ه) فأنّ( خطها نسخيّ غير متقن, وضبطها كخطها غير صحيح بجملتــــــــه ,فمنه جمل صحيحة , وأخرى لا حظَّ لها من صحة الضبط , وأحد شواهدها فساد التركيب والوزن والمعنى , وآخر ملفَّق من بيتين , ممّا يدلّ أنَّ النّاسخ كان في العربية ضعيفاً ؛ ولعله ما استنسخها إلا ليتعلمّ مبادئ النحو منها ([12]).فإذا صادف نسخة من هذا القبيل من لا خبرة له باللغة فأن العمل سيكون رديئاً بلا شك. فكثيراً ما نجد الثّقة عند المحققين بنساخ الكتاب , وهو أمرٌ دونه خرط القتاد . فينبغي للمحقق الثبت والمدقق المُنصف أن يتهم النص وان يكون ملماً بقواعد اللغة العربية مما يؤهـــــله لقراءة النص ونقله بشكل صحيح .
المطلب الثالث: ضعف المحقق في قراءة مصادر المؤلف
من مشكلات التحقيق على نسخة واحدة عدم الاطّلاع على مصادر المؤلف , وهي ضرورية للمران على أسلوبه , وفهم جمله وعبارته , وهي من أهم وسائل تحقيق النص ومراجعته على مصادره , التي استقى مها المؤلف مادته العلمية . وهذا أمرٌ سهلٌ إذا نصَّ المؤلف على اسم كتاب بعينه أو نص على اسم مؤلف لم يترك لنا إلا كتاباً واحداً , كسيبويه مثلاً .أما إذا لم ينص على اسم مؤلف له أكثر من تأليف , فأن العثور على النص في موضعه يصبح مهمة شاقة , وهو ما كشف عنه الدكتور رمضان عبد التّواب حين حقق كتاب( لحن العوام) لأبي بكر الزبيدي واصفاً تلك المخطوطة بأنَّها:( وحيدة سقيمة, مليئة بالتحريفات والأخطاء؛ فكان الزبيدي إذا ذكر قولاً لسيبويه , رحت أقلب صفحات كتابه الضّخم , حتى أعثر على بغيتي , أما إذا ذكر قولاً لابن السكيت , فإن تحقيقه كان يتطلب مني الرجوع إلى كتبه : إصلاح المنطق , وتهذيب الألفاظ , والقلب والإبدال , والأضداد . وإذا ذُكر ابن قتيبة فلا بدَّ من تصفح أدب الكاتب , وعيون الأخبار , والمعاني الكبير , وتفسير غريب القرآن , وتأويل مُشكل القرآن , وغير ذلك من مكتبة ابن قتيبة الكبيرة)([13]).
وإنَّ إهمال الرجوع إلى مصادر المؤلف , ليؤدي إلى كثير من الأوهام والخلل في تحقيق النص ,والإبقاء على ما أصابه من تحريف وتصحيف , أو سقط واضطراب . وأوضح مثال على ما وَقعَ من به المحقق الدكتور إبراهيم السامرائي حين حقق كتاب (المسائل والأجوبة ) للبطليوسي ؛ ففي هذا الكتاب مثلاً (ص 152) يوجد النّص التالي: ( وقال ربيعة بن مفرغ في نحو من هذا الشعر , وأنشد أبو تمام :
وكم من حاملٍ لي ضبَّ ضِغْنٍ بعيد قلبه حلو اللســــان
ولكني وصلت الحبل منــــــــــــــــه مواصلةً بحبلِ أبي بَيَــــان
وبدلاً من أن يبحث محقق الكتاب في حماسة أبي تمام عن هذا الشعر – وهو هناك (لربيعة بن مقروم ) في الحماسية رقم 407 (3/135) من شرح المرزوقي – علّق في الهامش على ربيعة بن مفرغ (المحرفة) بقوله:( الصحيح هو: يزيد بن زياد بن ربيعة بن مفرغ , ينظر : الخزانة 2/ 212 إرشاد الأريب 7/ 297 الشعر والشعراء 219), فأكثر المحقق من ذكر مصادر ترجمة (ابن مفرغ ) ولم يدر أنه تحريف (ابن مقروم)([14]).
المطلب الرابع: ضعف التّحصيل اللغوي والعلمي للمحقق
من المُشكلات التي تؤثر في العملِ التّحقيقي في تحقيق نسخة فريدة قلة البضاعة اللغوية والعلمية للمحقق, فالحسّ اللغوي أمرٌ ضروري في معالجة النّصوص ؛ فأنت حين تعالج نصاً تريد نشره أو الإفادة منه في موضوع تبحثه , وقد استغلق عليك فهم هذا النّص , فأنت بين أمرين : إما أن يكون العيب فيك أنت ؛ لأنَّ محصولك اللغوي والمعرفي قليل لم يصل بعد إلى مرحلة يتمكن فيها من فهم هذا النص دلالة وتركيباً , وإما أن يكون النص الذي أمامك قد أصابه التصحيف والتحريف , أو السقط والتغيير! فإن كان الأول فهو أمرٌ لا يغتفر .
ومن تلك الهفوات ما وَقعَ به محقق كتاب (مسائل المرتضى )(وفقان خضير الكعبي) للشريف المرتضى (ت436ه) معتمداً على نسخة فريدة من مخطوطات مكتبة أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة في النّجف الأشرف ([15]), ونُشر الكتاب في دار سلوني في بيروت في سنة 2001م. فقد كان الأستاذ جريئاً على نشر هذا الكتاب , وهو لا يعرف ُ مبادئ النّشر ولا أصول التحقيق . وليس له بصرٌ بالكتب ولا معرفة بألوانها ولا إدراك لما تشمله عليه من صنوف المعرفة , ثم هو إلى ذلك ليس له نفاذ البصيرة , ولا من سلامة الذّوق , ولا من رجاحة العقل ما يمكنه من تمييز الخطأ من الصّواب , ولكنه بالغ الجرأة على العلم وعلى ما لا يعلم , يرى الرّأي الفطير فيحكم بصحته ولا يستشير غير هواه , وتهجس في نفسه الفكرة العابرة فيحسب أنها الحق الذي لا مرية فيه , ولا يقيم وزناً لحجج العقل ولا أدلة النّقل , فالقول ما قاله على وفق مزاجه, والحق ما رآه بعين هواه.
ومن أجل ذلك كلّه خرَج الكتاب من بين يديه جامعاً لألوان الوهم والخطأ, شاملاً لجميع مثالب النشر ومساوئ التحقيق , ففيه التحريف المستبشع , والتّصحيف المستنكر , والشّرح الذي يحيل المعنى ويفسد الفكرة, وفيه النّقص الكثير الذي لا يستقيم أمر المعنى إلّا على وجوده , وهذا مفرق في صفحات الكّتاب .
وسأذكر من المثل والشواهد ما يؤيد كل حرف قلته عنه أو وصفته به , وستبين منه بإذن الله أنَّي ما قلته عنه من المقتصدين , وأنَّه خليق بما هو أكثر من ذلك.
- جاء في صفحة 303: في الهامش : شذا الصرف : والصحيح شذا العرف في فن الصرف.
- جاء في صفحة 306 : كما قال النّاظم :
بتا فعلتُ أتت ويا أفعلي ونون اقبلن فعل ينجلي
وقد غاب عن المُحقق بأنَّ هذا القول دليلٌ صارخٌ على أنَّ هذه المجموعة ليست للشريف المرتضى , بدليل أنَّ ابن مالك صاحب هذا البيت كانت وفاته (سنة 672ه) , في حين كانت وفاة الشريــف المرتضى سنة (436ه ).
ومما يؤكد على أنَّ هذه المجموعة من الرسائل ليست للشريف المرتضى القرائن الآتية :
- جاء في صفحة 325, (قال الفيومي 770ه) : والفيومي وفاته 770ه , وفي الصفحة نفسها : ( وفي القاموس ) وصاحب القاموس وفاته 817ه.
ب- جاء في الصفحة 305 , (التاء تلحق آخر الاسم وهي ضمير , وهنا اختلاف في أفكار المدارس النحوية أن الضمير ان والتاء حرف وهو رأي مدرسة البصرة في النحو أو مجموع الكلمة , وهو المشهور بين العلماء )[16].
وقد غاب عن ذهن المحقق قوله (المدارس النحوية ) أنَّ المصطلح أول من استعمله كارل بروكلمان . وهو قرينة صارفة إلى أن هذا الكتاب ليس للشريف المرتضى .
ج- جاء في صفحة 319 , ( والمدح والتعظيم أو كما قال المرتضى (قدس سره ) لتأكيد وقوة الصفة ) . ومن المعروف أن استعمال قدس سره تستعمل لمن كان متوفياً.
أما الأخطاء التصحيفيّة فهي أكثر من أن تحصى , منها على سبيل المثال :
- جاء في الصفحة 307 كتابته قوله تعالى (قالت نملة) ب(قالت أمة ) .
- جاء في هامش الصفحة 319 الزمخشري : الذائق : والصحيح الفائق.
- جاء في صفحة 309 الزركش والصحيح الزركشي ([17]).
- المطلب الخامس :النقص الكبير في المخطوطة
من المشكلات التي تواجه المحقق النقص الكبير في المخطوطة , فكتاب (أخبار الملوك ونزهة المالك في طبقات الشعراء للملك المنصور محمد بن عمر الأيوبي (ت617ه) يقع في عشرة مجلدات , لكن نسخته الوحيدة في ليدن برقم 639 لا تضم سوى مجلد كبير , وبه يُختتم الكتاب , وفيه شعراء القرنين الخامس والسادس الهجريين , أي إنَّ معظم الكتاب – فيه شعراء الجاهلية والمخضرمين والإسلاميين والعباسيين – ساقط.
وقد حقق هذا الجزء – الفريد- د. ناظم رشيد , ونُشر ببغداد 2001م([18]).
وكتاب (أشعار النّساء) للمرزبانيّ (ت384ه) , وصلتْ قطعةٌ من الجزء الثالث منه, في تسع وخمسين ورقة , في دار الكتب المصرية , وهي تمثلُ عشر الكتاب فقط, وقد حققه سامي مكي العاني وهلال ناجي([19]).
وكذلك الحال مع كتاب (الديارات) للشابشتي (ت388ه) , ونسخته الوحيدة في برلين برقم 3812, وهي ناقصة من أولها , وهذا النّقص يمثل نحو ثلث الكتاب.
وكتاب (المثلث) لمحمد بن جعفر القزاز (ت 412ه) توجد منه نسخة ناقصة الأول بمقدار الثلث في مكتبة استان قدس بإيران رقم 2754 , فلم يُعرف منهج مؤلفه ولا طريقة عرضه له, واكتفى صلاح مهدي الفرطوسي بتحقيق الباب الأخير منه , وهو ما جاء من الأفعال على فَعَل وفعِل وفعُل([20]).
المطلب السادس :سوء تصوير المخطوطة
أغلب المخطوطات التي بين يدي المحققين اليوم مصوّرة عن نسخٍ أصلية , لكن التّصوير قد يكون غير واضح , كما هي الحال مع مخطوطة (النّظام) لابن المستوفي (ت673ه) في جزئها الأول خاصةً , لكونها صوّرت عام 1949م, والتقنية في ذلك الوقت ضعيفة , إذا ما قُورنت بالوقت الحاضر ([21]). ومن المخطوطات التي اعتمد على تصوير غير واضح مخطوطة (أخبار الزمان ) لعلي بن الحسين المسعودي(346ه) ,إذ يقول محققها :إنَّها :(مأخوذة من الأصل الباريسي بالتصوير الشمسي والمحفوظة بدار الملكية تحت رقم 879 تاريخ وقد رمزت إليها بإشارة (ب) ([22]).
المطلب السابع : الطمس والغموض وعدم الإعجام
فمن ذلك (مختصر أمثال الشريف المرتضى ) لابن الظهير الاربلي (ت677ه) , فمخطوطته في دار الكتب المصريّة برقم 31683, وقد نُسخت سنة 690ه ولكثرة ما فيها من طمس وعدم إعجام كلماتها أهملها المُحققون , حتى حققها هلال ناجي والدكتور نوري حمودي القيسي ببغداد 1986م([23]).
وكذلك مخطوطة (ديوان أبي حكيمة ) , بخط ابن المستوفي الاربلي (ت 637ه) , لكن الرطوبة أضرّت بأبيات كثيرة , اضطرت محققه محمّد حسين الأعرجي أن يضع نقاطاً بدلاً من المطموس ([24])
المطلب الثامن : ركائز مهمة
إن التحقيق على نسخة واحدة ينبغي النظر فيه الى ثلاثة مرتكزات :
أ ـ حالة مشروعة ومبررة: أن تكون نسخة بخط المؤلف؛ فيكتفى بها إن كانت واضحة وخالية من العيوب ولو قابل على نسخة أخرى للتأكد كان أولى من غير ذكر الأخرى.
ب ـ حالة غير مشروعة مهما كان التبرير: أن تكون نسخة واحدة واضحة فيما يبدو للمحقق ولم يجلب النسخ الأخرى فهذا سيكون وبال على المحقق بسبب تكاسله والعجلة وكأن مثل هذا الأمر.
ج ـ حالة مشروعة ومبررة نسبيا: وهي أن يكون للكتاب نسخة مخطوطة ونسخة مطبوعة وفي هذه الحالة تسمى المطبوعة نسخة أخرى تجوزاً وإلا فإنها ليست نسخة أخرى على الحقيقة، أمّا إن كانت النسخةُ المطبوعةُ سقيمة فلا تعتبر ولا يعتد بها في المقابلة للترجيح([25]).
المطلب التاسع :التحقيق على نسخة واحدة في الدراسات الأكاديمية
اتجهت بعض الجامعات في الدراسات العليا أنَّ التّوسع في قبول رسائل ماجستير ودكتوراه يكون موضوعها تحقيق كتاب مخطوط ,وهذه الخطوة في ذاتها خطوة علميّة موفقة تأتي في طليعة اهتمامات الجامعة بتراث الأمة المجيد , وأصول حضارتها , وهي إسهام جادٌّ في نشر هذا التراث وبعثه على أسس علميّة صحيحة إذا ما أُسند الأمر إلى أهله خبرةً ودريةً ومعرفةً , والذي يحدث أن بعض الجامعات قد فتحت الباب في هذا المضمار على مصرعيه , يلج منه ذوو القدرة والكفاية من الطلاب , ومن هم دون ذلك , ممن يتخذ من تحقيق المخطوطات مركباً سهلاً يقدم عليه من دون سابق خبرة ودراية , فيخرج لنا بعمل تقصر فيه الخطى دون الغاية بمراحل كبيرة , ويبتعد عن الأصول المعتمدة في التحقيق , إن لم يكن مشوهاً وضرباً من العبث ([26]).
ولذا لا بدَّ أن تكون هنالك صرامة , وقيود شديدة لقبول الرسائل في مجال التحقيق ,ولا تقبل إلا ممن لديه القدرة والكفاية في التحقيق , ويمكن التّعرف على ذلك من خلال إجراء مقابلة علمية مع الطالب يقوم بها أستاذان من ذوي الخبرة في هذا المجال , ويناقشانه في المشروع الذي تقدم به لتحقيق كتاب مخطوط ينال به درجة علمية , وهذا المشروع ينبغي أن يكون متكاملاً من جميع الوجوه بحيث يشتمل على بيان أهمية المخطوط وقيمتها العلمية ([27]).
ومن المجانبة للمسار الصحيح أن يسند الإشراف على الطالب إلى أستاذ ليست له خبرة ودراية كافية بالمخطوطات وتحقيقها , إذ إنَّ ذلك سينعكس غالباً على عمل الطالب , وفاقد الشيء – كما يقولون – لا يعطيه .
دراسة تطبيقية في تلقين المتعلّم المنسوب لابن قتيبة
لعلَّ من أهم خصائص المحقق الأصيل الاهتداء إلى اسم المؤلف ,وذلك لا يتأتى لذوي الاطلاع البسيط , فكتاب تلقين المتعلم من النحو المنسوب لابن قتيبة , حققه محمد سلامة الله رسالة لنيل درجة الماجستير من جامعة أم القرى / السعودية , 1986م ,واعتمد محقق الكتاب على نسخة فريدة من مخطوطات المكتبة الوطنية بباريس[28], بقيت هذه الرسالة حبيسة الرفوف , وقد قدّم صاحب هذه الرسالة الأدلة في نسبة هذا الكتاب لابن قتيبة ,نعرضها على النّحو الآتي :
- المقدمة الأولى / الباحث في حيرة واضحة في نسبة هذا الكتاب لابن قتيبة , فهو يذييل محور(تحقيق عنوان) بهذه العبارة (( لعلَّ الدهر يسعفنا بما يخرجنا من هذا الشك , ويوصلنا إلى اليقين بالمؤلّف الحقيقي لهذا الكتاب )[29].
- المقدمة الثانية / من غريب القول أنَّ الباحث ذكر هذا الكلام في رسالته : (( وقد اطّلع على هذا الكتاب الدكتور / عبد الحميد الجندي , وبعد قراءته لم يقتنع إلى ابن قتيبة , فيقول : ( والنّظرة العابرة فيه تجعلنا نوقن كلّ الإيقان بأنّه بعيد كل البعد عن روح ابن قتيبة )[30].
أقول / كان الدكتور عبد الحميد الجندي مصيباً في ما ذهب إليه ولاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ, فالدكتور الجندي عالم محقق خبر لغة الأقدمين , والعدول عن رأيه مجانب للصواب , واحتجّ محقق الكتاب بأن الدكتور الجندي بأنه قال النظرة العابرة , فهذا يدلل على عدم الدقة في القراءة , في حين أن الدكتور الجندي في مقام الاستدلال على تمامية عدم نسبة الكتاب وذلك لسهولة القطع بعدم النسبة إليه .
- ثم أنّ الدكتور الجندي أعطى من الأدلة على عدم ثبوت هذا الكتاب لابن قتيبة معتمداً على عدم وروده في كتب الطبقات والتراجم , ولم يرد فيه اسم أي رجل من نحاة المدرستين , ولم يناقش فيه أي رأيٍ من الآراء ولا يعقل أن يمزج ابن قتيبة بين المذهبين – كما يقولون – من غير أنْ يعرض لكلِّ منهما
, وكلّ ما وردَ في هذا الكتاب يتبع المذهب البصريّ, فأين إذن المذهب البغداديّ الذي استحدثه ابن قتيبة كما يقول المؤرخون؟.[31]
- أدلة المحقق :
- – على الرغم من معرفة الباحث بأن أصحاب التراجم والطبقات لم يذكروا كتاباً لابن قتيبة بهذا الاسم , ولكنه أصرّ على ذلك مدعيّاً وجود اسم ابن قتيبة على صفحة الكتاب , ولكنه لم يكلف نفسه تصوير الورقة الأولى والأخيرة ؛ لنطمئن إلى صحة نسبة الكتاب إلى ابن قتيبة.
- – استدلّ المحقق على أنّ ابن قتيبة كان يغلو في البصريين وحكى في كتبه عن الكوفيين , هذا الوصف يصدق في مؤّلف هذا الكتاب تماماً , فقد اختار المذهب البصريّ في معظم المسائل النّحويّة , ولم يذهب إلى ما ذهب إليه الكوفيون , أقول: فأين إذن المذهب البغداديّ الذي استحدثه ابن قتيبة كما يقول المؤرخون؟.
- – يقول محقق المخطوطة إنَّ بعض المسائل النحوية والصرفيّة , التي ذكرها ابن قتيبة في كتابه ( أدب الكاتب) نجدها في هذا الكتاب بنفس الأسلوب وبنفس الأمثلة , ولا نجد أيّ تناقض بين ما ذكر في أدب الكاتب وبين ما قيل في هذا الكتاب ) , أقول / لم يكلّف الباحث نفسه في إيراد تلك المواطن , وهو خلل منهجي كبير , فمن مرتكزات المنهج العلمي الرصين في تحقيق المخطوطة أن تكون محور الدراسة مشتملٌ على الأدلة الكافية في نسبة الكتاب تنظرياً وتطبيقاً , لكن لا أعرف سبب عزوف المحقق وإن أشار بالقول إلى تلك المواضع في أثناء التحقيق .
4- ومن الأدلة التي تمسّك بها المحقق في إثبات نسبة الكتاب هو أسلوب الأسئلة والأجوبة – وهذا الأسلوب مألوف عند ابن قتيبة وهو صاحب كتاب (المسائل والأجوبة في الحديث واللغة ) .
أقول / وما قال المحقق في هذا الدليل محل نظر , فليس بالضرورة ورود اسم عنوان مقارب لابن قتيبة دليل على نسبة الكتاب له , ومن اطلّع على كتاب المسائل لابن قتيبة يجد في هذا الكتاب أسلوباً مخالفاً لأسلوب كتاب (تلقين المتعلم) , وهو واضح لذي عينين.
5- استدلّ محقق الكتاب على ورود شواهد شعرية في هذا الكتاب نادرة لا توجد في أكثر كتب النحو واللغة , ومنها البيت التالي :
قومٌ إذا ريعُوا كأنَ سوامهم على ربعٍ وسُط الدّيارِ تعطّف
ثم قال بعد بحث طويل لم أجده إلا في المعاني الكبير لابن قتيبة .
أقول / لم يكن المحقق استقصى ذلك البيت الشعري بشكل جيد فقد ورد في
هذا البيت في شرح القصائد السبع الطوال لأبي بكر محمد بن القاسم الأنباري(ت 328ه) , وهو نحوي كوفي مشهور . وبذلك لا يمكن نسبة كتاب بسبب ورود بيت من الشعر في كتاب ما .
إذن من مؤلف الكتاب ؟
مؤلف الكتاب الحقيقي هو ما ذكره حاجي خليفة الذي صرح بأنَّ تلقين المتعلم هو لأبي عبادة إبراهيم بن محمد (ت 400ه)([32]), ومن دلالة هذا القول إن اليمنيين عُرفوا هذا النمط من التأليف , فلمطلّع على كتاب كشف المُشكل في النحو لحيدرة اليمني , وكتاب التهذيب البسيط في النحو لابن يعيش الصنعاني لا يخامره الشك في انتماء هذا الكتاب لهذه البيئة , ومحمد بن إبراهيم هذا من اليمن , والأسلوب الذي يجمع هذه الكتاب أسلوب الفنقلة, وكذلك الإيجاز والاختصار في عرض المادة , بحيث لو وزرعنا هذا الكتاب في بطون الكتابين المذكورين لم يكن غريباً عنهما .
الخاتمة
أودّ بعد هذه الجولة في رحاب المخطوطة الفريدة ان أقول إنَّ تحقيق المخطوط على نسخــــــة فريدة تتطلب جهداً كبيـراً , فبعض المخطوطات من دون تنقيط أو كُتبت بخطوط رديئة يصعب قراءتها أو كتبت بخط متشـــابك أو أصابته الرطوبــــــة , وينبغي الإشارة أن مشكلات تحقيق المخطوطة الفريدة متعددة وأن إقدام المحقق على تحقيق المخطوط أن تكون منوطة بقناعة تامة بأهمية الكتاب الذي يتم اختياره , وما ينتج عن تحقيقه من فائــدة جليلة للعلم والعلماء والباحثيــن والدارسين .
المصادر والمراجع
- أخبار الزمان: علي بن الحسين المسعودي (ت 346ه), ط1, تحقيق: محمد بحر العلوم , المطبعة الحيدريّة , النجف- العراق, 1966م.
- أمالي مصطفى جواد في فن تحقيق النّصوص, نشرها: الدكتور عبد الوّهاب العدواني , مجلة المورد , مج6, بغداد-العراق, 1977م.
- الجواهر في تفسير القرآن , جامع العلوم , تحقيق الدكتور : محمد الدالي ,ط1, المجمع اللغوي في دمشق , سوريا , 2000م.
- تحقيق المخطوطات بين الواقع والنهج الأمثل ,الدكتور : عبد الله بن عبد الرحيم عسيلان , ط1, مكتبة الملك فهد , الرياض- السعوديـــــة , 1415م.
- تحقيق النصوص الأدبية واللغويّة ونقدها , الدكتور عباس هاني الجراغ , ط1, دار صفاء للنشر والتوزيع , عمان- الأردن , 2011م/ 1432ه.
- تلقين المتعلم في النحو المنسوب لابن قتيبة , محمد سلامة الله , درجة الماجستير من جامعة أم القرى / السعودية , 1986م.
- الديارات , الشابشتي , علي بن محمد (ت388ه) , تحقيق : كوركيس عواد , ط2, دار الرائد العربي , , بيروت – لبنان, 1986م|.
- الذخيرة , الشريف المرتضى علي بن الحسين (ت436ه) ط1, دار إحياء التراث العربي ,بيروت- لبنان , 1418ه.
- كشف الظنون , حاجي خليفة (ت 1069ه) , منشورات ذوي القربي , قم –إيران , 1433ه .
- كشف المشكلات وإيضاح المعضلات وعلل القراءات , علي بن الحسين الباقولي الملقب بجامع العلوم (ت542ه) , تحقيق , الدكتور عبد القادر السعدي , ط1, دار الرسالة , بيروت , لبنان , 2007م.
- كيف تحقق نصّاً تراثياً , الدكتور ناظم رشيد .,مجلة المورد, بغداد- العراق 2004م.
- مسائل المرتضى , علي بن الحسين المرتضى (ت436ه) تحقيق : وفقان خضير الكعبي , ط1, دار سلوني , بيروت –لبنان , 2002م .
- مقدمة في النحو ، خلف الأحمر (ت180ه), تحقيق: عز الدين التنوخي ,ط2, مطبوعات المجمع اللغوي في دمشق – سوريا , 1987م.
- مناهج تحقيق التراث بين القدامى والمحدثين , د. رمضان عبد التّواب مطبعة الخانجي – القاهرة – مصر , 1418م .
- الموضح عن جهة إعجاز القرآن , الشريف المرتضى (ت436ه), ط1, مطبعة ستارة , قم- إيران , 1424ه.
1- ينظر: تحقيق النّصوص الأدبية واللغوية ونقدها , د. عباس هاني الجراغ: 13.
2- ينظر : مناهج تحقيق التّراث بين القدامى والمُحدثين , د. رمضان عبد التّواب: 43.
3- كيف تحقق نصاً تراثياً , المورد, ع1,2004م:15.
1- ينظر : تحقيق النصوص الأدبية ونقدها : 139.
2- ينظر: الموضِح عن جهة إعجاز القرآن, الشريف المرتضى:23.
3 – ينظر: الموضِح عن جهة إعجاز القرآن, الشريف المرتضى:23.
1- الذخيرة , الشريف المرتضى: 3/30.
2- دراسة في نسبة كتاب إعراب القرآن للزجاج , مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق: 12.
3- كشف المشكلات وإيضاح المعضلات في إعراب القرآن وعلل القراءات :1/ 27.
4- المصدر نفسه : 1/27
3- ينظر :الجواهر في تفسير القرآن :12..
[12] – مقدمة في النحو, خلف الأحمر: 7.
[13] – مناهج تحقيق التراث :123.
[14] – مناهج تحقيق التراث, الدكتور رمضان عبد التّواب: 233.
[15] – ينظر: مسائل المرتضى : 11.
[16] – مسائل المرتضى:305.
[17] -ينظر مسائل المرتضى : 309.
[18] – ينظر : تحقيق النصوص الأدبية واللغوية :138.
[19] – الديارات :الشابشتي:5.
[20] – ينظر :أوراق من كتاب المثلث :301, وينظر تحقيق النّصوص الأدبية واللغوية ونقدها , د. عباس هاني الجراغ: 56.
[21] – ينظر: تحقيق النصوص الأدبية واللغوية : 139
[22] -أخبار الزمان , المسعودي , (مقدمة المحقق):13.
[23] -ينظر : تحقيق النصوص الأدبية واللغوية: 137, وتحقيق النّصوص الأدبية واللغوية ونقدها , د. عباس هاني الجراغ:34
[24] – ينظر: ديوان أبي حكيمة : 19-20. 25-29.
[25]– ينظر: تحقيق المخطوطات بين الواقع والنهج الأمثل : 43.
[26] – ينظر: تحقيق المخطوطات بين الواقع والنهج الأمثل :81.
[27] – ينظر: تحقيق المخطوطات بين الواقع والنهج الأمثل :81.
[28] – تلقين المتعلم في النحو ,(مقدمة المحقق): 41.
[29] – تلقين المتعلم في النحو , (مقدمة المحقق): 44.
[30] – تلقين المتعلم في النحو(مقدمة المحقق):43.
[31] – ابن قتيبة العالم الناقد الأديب , الجندي : 174.
[32] – كشف الظنون : 3/443.