
لامية الشاطبيّ حرز الأماني و وجه التهاني في القراءات السبع -دراسة وصفية تحليلية-
أ- دحماني أحمد، قسم اللغة العربية و آدابها و اللغات الشرقية ـ جامعة الجزائر 2 أبو القاسم سعد الله
مقال نشر في :مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية العدد 37 الصفحة 63.
ملخص:تعد منظومة الشاطبيّ أو نظم الشاطبيّة -حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات السبع- من المصنفات العلمية التي كتب الله تعالى لها القبول بين أهل القراءات فاستحسنوا متنها و عكفوا عليها اعتكاف حفظ و تدريس وقراءة. فإن أسهل ما يتوصل به إلى علم القراءات من المصنفات المنظومة :نظم الشاطبيّ الموسومة (بالشاطبيّة) نسبة إليه وهي قصيدة : لامية من الضرب الثاني من البحر الطويل، ولأنها تعتبر من عيون النظم بما اشتملت عليه من عذوبة الألفاظ و رصانة الأسلوب و دقة التخصص، فقد احتوت فوق ذلك من الرموز الدقيقة في ذكر مذاهب القراء السبعة و أصول القراءات القرآنية مما قد يعيق فهم مكنونها ،و استنباط أحكامها و استخراج دررها. فكان لزاما على قارئ القصيدة أن يعي أولا تلك الرموز ليفهم مدلول القصيد. تسعى هذه الدراسة للتعريف بالقصيدة أولا ثم التنويه بمنزلتها الرفيعة في علم القراءات و محاولة لبسط رموزها و توضيح مدلولاتها حسبما أرادها المصنف و ارتضاها أهل العلم و الاختصاص، و لأهمية القصيدة فقد أضحت طريقا من طرق أهل العلم في جمع القراءات العشر مع منظومة الدرّة المضية في القراءات الثلاث المرضية لإمام القرّاء ابن الجزري الدمشقي وهي تكملة للشاطبية و للقراءات العشر.
كلمات مفتاحية: الشاطبيّة، قراءات، أصول القراءة، فرش الحروف ،رموز انفراد، رموز اجتماع، رموز كِلْمِيَّةُ.
تقديم:
الإمام أبو محمد القاسم بن فِيْرُّه بكسر الفاء وسكون التحتية وتشديد الراء المضمومة معناه بالعربي الحديد بن خلف بن أحمد الرُعَينِيُّ بضمّ الراء وفتح العين المهملة وسكون المثناة التحتية وبعدها نون نسبة إلى ذي رعين أحد أقيال اليمن الشاطبيّ الضرير المقرئ أحد أعلام القرن السادس الهجري[1] .المولود في آخر سنة ثمان و ثلاثين وخمسمائة 538 للهجرة بشاطبة في الأندلس من أشهر أعلام القراءات بل له الباع الأطول في القراءات و الرسم و النّحو والفقه و الحديث ألَّف في ذلك متونا كثيرة تَرجَمت غزارة علمه ورجاحة عقله وعلو منـزلته، تصدّر مصر فعظم شأنه وبعد صيته وانتهت إليه رئاسة الإقراء كان إذا قرئ عليه الموطّأ والصّحيحان تصحّح النّسخ من حفظه، حتى كان يقال إنّه يحفظ وقر بعير من العلوم له من التآليف:
- نظم الشاطبيّة و هي حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات السبع
- عقيلة أتراب القصائد في أسنى المقاصد وهي في الرسم نظم فيها (المقنع[2]) لأبي عمرو الداني رحمه الله في الرسم وزاد عليه، وهي-العقيلة- مائتان وثمانية وتسعون بيتا.
- ناظمة الزهر في أعداد آيات السور، وهي في عد المصحف وعلم الفواصل.
- وله قصيدة دالية في نحو 500 بيت نظّم فيها كتاب التمهيد لابن عبد البرّ[3]
كان الشاطبيّ إماماً ثبتا حجه في علوم القرآن والحديث واللغة كما كان آية من آيات الله في حدّة الذهن وحصافة العقل وقوة الإدراك مع الزهد والولاية والورع والعبادة والانقطاع والكشف، شافعي المذهب مواظبا على السنة، لا يجلس للإقراء إلاّ على طهارة، وكان يمنع جلساه من الخوض إلاّ في العلم والقرآن، وكان يعتل العلّة الشديدة ولا يشتكي ولا يتأوّه و إذا سئل عن حاله قال العافية لا يزيد على ذلك. قال الحافظ الذهبي[4] كان كثيرا ما ينشد هذا اللغز في نعش الموتى:
أَتَعْرٍفْ شيئاً فِي السَّمَاِ نَظِيـرُهُ إِذاَ سَارَ صَاحَ النَّاسُ حَيْثُ يَسِيرَ
تَلْقَاهُ مَرْكُوبًا وَ تَلْقـاَهُ رَاكِبَـا وَكُلُّ أَمِيـرِ يَعْتَلِيـهِ أَسِيــرُ
يَحُضَّ عَلَى التَّقْوَى وَ يَكْرَهُ قُرْبَهُ وَتَنْفُـرُ مِنْهُ النَّفْسُ وَهُوَ نَذِيـرُ
وَلَمْ يَسْتَزِرْ عَنْ رَغْبَةِ فِي زِيَـارَة وَلَكِن عَلَى رَغْمَ المـَزِورِ يَزُورُ
ذكر تلميذه أبو الحسن السخاوي شيئا ممّا نظّمه الإمام الشاطبيّ في الشعر والمتون العلمية من ذلك قوله في موانع الصرف:
دَعُوا جَمْعٍ لَيْسَ بالفَـرد أشكـلاَ وفعلانَ فعلى ثمّ ذي الوَصْفِ أَفْعَلاَ
وَذِي ألِف التَّأْنِيـث والعَدْلِ عُدَّهُ والأَعْجَمْ في التَّعْريف خُصَّ مُطَوَّلاَ
وذو العَدْلِ والتركيبِ بالخُلْفِ والذي بِوَزْنٍ يَخُصُّ الفِعْلَ أو غَالبِ عَـلاَ
وَمَا أَلِـفٌ مَعْ نُونٍ أخْرَاهُ زِيــدتَا وَذُو هَاءٍ وَقْـفٍ والمُؤَنَّثُ أَثْقَـلاَ[5]
وفيها موانع الصرف في الأحوال الآتية:
أ- صيغة منتهى الجموح وضابطه كلّ جمع تكسير مفتوح أوله وثالثه ألف زائدة ليست عوضا بعدها حرفان أو ثلاثة أوسطها ساكن.
ب- ما جاء على وزن فعلان ومؤنثه على وزن فعلى مثل سكران سكرى
ج- ما جاء من الصفات على وزن أفعل مثل أحمر أبيض.
د- ما فيه ألف التأنيث مطلقا مقصورة كانت أم ممدودة مثل ذكرى، صحراء
هـ- الوصفية مع العدل وهو أن يكون الاسم أحد الأعداد العشرة الأولى وصيغته فعال أو مفعل
و- العلم الأعجمي مثل إبراهيم
ز- المعرفة المعدولة مثل عمر
ح- المركب تركيبا مزجيا نحو حضرموت في العلم بوزن الفعل نحو يزيد ، والعلم المختوم بألف ونون نحو رمضان، تلمسان، وما آخره هاء وقفاً نحو فاطمة، أو علم لمؤنث غير مختوم بهاء نحو زينب.
ومن شعره رحمه الله[6]:
أَلَمْ تَرَى أَنَّ الدِّينَ يَنْدُبُ أَهْلَهُ غَرِيباً شَدِيدًا وَاحِداً دُونَ صَاحِبِ
إِذَا عَدَّدَ القرآن تُتْلَـى حُرُوفُهُ وَيَنْسَى حَدُودًا كُلَّ أٌفُقٍ وَجَانِـبِ
إلى قوله:
وَلَوْ سَمِعَ القَرَّاءُ حِينَ اقْتِرَافِـهِمْ لَفِي آلِ عِمْرَانٍ كْنُوزُ المَطَالِبِ
بِهَا يَنْظُرُ الدُّنْيَا بِعَيْنِ احْـتِقَارِهَا فَقِيهُ المَعَانِي غَيْرُ عَانِي الذَّوَائِبِ
تَمَشَّتْ مِنَ الدُّنْيَا كُؤُوسَ خِدَاعِهَا فَمَا كَأْسُ إِلاَّ صَائِمٌ غَيْرُ شَارِبِ
كان زاهدا في شعره حكيما يستصغر الدّنيا ويهجرها ويحتفي بالعلم وبمجده ومن شعره في هذا المقام:
وَلاَبُدَّ مِنْ مَالٍ بِهِ العِلْمَ يَعْتَــلى وَجَاهُ مِنَ الدُّنْيَا يَكُفُّ المَظَالماَ
إِلَى اللهِ أَشْكُوا وِحْدَتِي فِي مَصَائِبِي وَهَذا زَمَانُ الصَّبْرِ لَوْ كُنْتَ حَازِما
وَكَمْ زَفْرَة تَحْتَ اللَّوْعِ يَهِيـجُهَا حَكِيمٌ يَبِيعُ العِلْمَ بِالجَوْرِ حَاكِمَا
وَكَانَ جَنَابُ العِلْمِ يَسْمُوا بِأَهْلِـه إِلَى طِيبِ أَنْفَاسِ الحَيَاةِ نَواسِمَا
إلى قوله:
أُولَئِكَ أَقْوَامٌ بِهِمْ قَامَتْ العُلاَ أَقَامُوا لإِجْلاَلِ العُلُـومِ مَقَاومَا
وَلِلْعِلْـمِ أَعْلاَمٌ تُبَيِّـنُ أَهْلَهُ وَخَشْيَتُهُمْ لله تَهْدي العَوَالِـما
وَمَا يَعْقِلُ الأَمْثَالَ إِلاَّ قُلُوبُهُم إِذَا ضُرِبَتْ للعَالَمِينَ دَعَائِـمَا
وَهُمْ شُهَدَاءُ الله لِلَّهِ مَعْهُ وال مَلاَئِكُ بِالتَّوْحِيدِ بالقِسْطِ قائِمَا
و من ثناء العلماء عليه أنه كان كما وصفه تلميذه أبو الحسن السخاوي عالما بكتاب الله، بقراءته وتفسيره، عالما بحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم مبرزا فيه، وكان إذا قرئ عليه البخاري ومسلم والموطّأ يصحح عن حفظه، ويملي النكت على المواضع المحتاج إلى ذلك فيها.
قال: وأخبرني أنّه نظّم في كتاب التمهيد لابن عبد البر رحمه الله قصيدة دالية في خمس مائة بيت، من حفظها أحاط بالكتاب علما، وكان مبرزا في علم النّحو والعربية، عارفا بعلم الرؤيا حسن المقاصد، مخلص فيما يقول ويفعل[7].
وقال ابن خلكان” وكان يجتنب فضول الكلام، ولا يتكلّم في سائر أوقاته إلاّ بما تدعو إليه ضرورة، ولا يجلس للإقراء إلاّ على طهارة، في هيئة حسنة، وخضوع واستكانة، ويمنع جليسه من الخوض والحديث في شيء إلاّ في العلم والقرآن.[8]
قال ابن الجزري -رحمه الله-: كان الشاطبيّ أعجوبة في الذّكاء آية من آيات الله مواظبا على السنة وقال بلغنا أنّه ولد أعمى. وقال ابن كثير -رحمه الله-: كان ديناً خاشعا ناسكاً كثير الوقار لا يتكلّم فيما لا يعنيه.
وقال الحافظ الذهبي -رحمه الله- واستوطن مصر، واشتهر اسمه، وبعد صيته وقصده الطلبة من النواحي وكان إمامًا علامة ذكيا كثير الفنون منقطع القرين رأسا في القراءات، حافظا للحديث، بصيرا بالعربية، واسعا العلم وقد سارت الركبان بقصيدته، وحفظها خلق لا يحصون.
وفاتـه:
روى عنه أنه رأى النّبي صلى الله عليه و سلم في المنام فقام بين يديه وسلّم عليه وقدّم قصيدته الشاطبيّة إليه، وقال يا سيدي يا رسول الله أنظر هذه القصيدة فتناولها النبي صلى الله عليه و سلم بيده المباركة وقال: هي مباركة من حفظها دخل الجنة، وزاد القرطبي، بل من مات وهي في بيته دخل الجنة[9].وكان رحمه الله يقول :(لا يقرأ أحد قصيدتي هذه إلاّ وينفعه الله بها لأنني نظمتها لله سبحانه)
وقد طاف حول الكعبة كثير وهو يدعو لمن يقرؤها فيقول: (اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة رب هذا البيت العظيم انفع بها كلّ من يقرؤها).
توفي رحمه الله يوم الأحد بعد صلاة العصر وهو اليوم الثامن بعد العشرين من جمادي الآخرة سنة تسعين وخمسمائة 590هـ ودفن يوم الإثنين بمقبرة القاضي الفاضل بالقرافة الصغرى بالقرب من سفح الجبل المقطم بالقاهرة وصلى عليه أبو إسحاق المعروف بالعراقي، إمام جامع مصر يومئذ وتعرف تلك الناحية بسارية وقبره معروف إلى الآن تغمده الله برحمته الواسعة.
- الشاطبيّة: تعريفها و مكانتها العلمية:
تعد الشاطبيّة من أبرز المتون العلمية في جمع القراءات تناقلها أهل العلم و سارت بها الركبان فكان أول من شرحها تلميذه أبو الحسن السخاوي تلقاها عن ناظمها و تابعه الناس على ذلك فشرحوها فمنهم من اقتصر ،ومنهم من علل و أطال .ومن أشهر الشروح المتداولة:
- فتح الوصيد في شرح القصيد:أبي الحسن على بن محمد السخاوي
- إبراز المعاني من حرز الأماني:أبي شامة
- كنز المعاني شرح حرز الأماني:للجعبري
- سراج القارئ المبتدئ و تذكار المقرئ المنتهي: لابن القاصح العذري
- ارشاد المريد إلى مقصود القصيد:علي محمد الضباع
- الوافي في شرح الشاطبيّة:لعبد الفتاَّح القاضي
تناول الشاطبيّ في قصيدته القراءات السبع في ألف و مائة و ثلاث و سبعين بيتا و هي في الأصل اختصار لكتاب التسيير, للإمام أبي عمر و الداني. قال الشاطبي[10] :
وَ فِي يَسْرِهَا التَيْسِيرُ رُمَتُ اخْتِصَارَه فَاجنَتْ بِعَوْنِ الله مِنْهُ مَؤْمَّلاَ
وقد أبدع فيها الشاطبيّ إبداعا قل نظيره, وتفنن فيها بأروع أساليب البيان، وأجمل عبارات البلاغة، فجاءت بلاغتها غاية في الجمال [11]:
أَهَلَّتْ فَلَبَتْهَا المَعَانِي لبَابُهَا وَصغتُ بِهَا مَا سَاغَ عَذْبَا مُسَلْسَلاَ
وقد بدأ تأليف قصيدته اللامية بالأندلس إلى قوله: جعلت أبا جاد ولما دخل مصر أتم نظم هذا المتن المبارك .
2-أبوابـها:
لقد حظيت منظومة (حرز الأماني ووجه التهاني)للإمام الشاطبيّ بشهرة عظيمة مستفيضة , واحتلت في علم القراءات منـزلة سامية.ولم يقتصر الإمام الشاطبيّ على اختصار كتاب التيسير , للداني في نظمه بل كان نظمه جامعا لكل القراءات التي حواها التيسير , عالما بما يقرأ و بما لا يقرأ من الروايات , ناقدا للطرق بصيرا بالأوجه فقد زاد على كتاب التيسير زيادات ظهرت له , بسبب أن الداني غفل عنها أو تركها لسبب ما، لكن الشاطبيّ أدرجها في نظمه، من باب الإفادة لا التعقيب وهذا من عظيم خلقه رحمه الله :
وَأَلْفَافُهاَ زَادَتْ بِنْشَرِ فَوَائْد فَلَفَتْ وَجْهَهَا حَيَاءا أن تفضلا.
و هذا ما يعرف في علم القراءات بالتحريرات.أمّا أبواب الشاطبيّة فقد اشتملت على خمسة أقسام:
أولا:المقدّمة: وهي خطبة الكتاب وفيها ذكر مكانة القرآن الكريم و الثناء على قارئه و ما أعدّ الله لصاحب القرآن من الأجر و الثّواب:[12]
وإِنَّ كِتاَبَ اللهِ أَوثَقُ شَافِعٍ وَأَغنىَ غَنَاءًا وَاهِباً مُتَفضِلا
وخيُر جليسٍ لا يُمَلُّ حديثُهُ وَ تَردَادُهُ يزدادُ فيهِ تَجمُّلا
ثمّ ذكر أسماء القراء السبعة، و رواتهم و الأمصار التي انتشرت فيها قراءتهم وقد خصّ القراء السبعة وهم: نافع المدني، ابن كثير المكي، أبو عمرو البصري، وابن عامر الشامي، والكوفيون عاصم، وحمزة و الكسائي.
فَمِنهُم بُدُورٌ سَبعَةٌ قَدْ تَوَسّطَتْ سَمَاءَ العُلَى و العَدْلِ زُهْرًا وَ كُمَّلاَ
ثمّ ذكر منهجه في الإشارة إليهم بوضع رموز للقرّاء فرادى و مجتمعين، و ختم خطبته بمدح قصيدته ووضع بين يدي طالبها جملة من الآداب العامّة التي ينبغي لطالب القراءات الإلتزام بها في سرّه و علانيته مع الله ومع نفسه و مع الناس منها:
- نشر الوئام بين الناس[13] مع سلامة الصّدر من الغل و الحسد والضغينة، وسلامة اللسان من الغيبة[14] ، دل على ذلك قوله:
وَقُلْ صَادِقًا لَولَا الوِئَامُ وَرُوحُهُ لَطَاحَ الأَنَامُ الكُلُّ فِي الخُلفِ وَ القَلا
وَ عِشْ سَالمِاً صدراً وعَنْ غِيبَةٍ فَغِبْ تُحَضَّرْ حِظَارَ القُدْسِ أَنْقَى مُغْسَلا
- التزام الصبر مع الندم على التقصير، والبكاء على التفريط في طاعة الله عزّ وجلّ: [15]
وَهَذَا زَمَانُ الصَّبْرِ مَنْ لَكَ بِالتِّي كَقَبْضٍ عَلَى جَمْرٍ فَتَنْجُو مِنَ البَلا
وَلَو أَنَّ عَيْنًا سَاعَدَتْ لَتَوَكَفَتْ سَحائِبُها بالدَّمعِ دِيمَا وهُطَّلا
- طلب الهداية من الله وحدة : [16]
بنَفسِي مَنِ استَهدَى إلى الله وَحدَهُ وَكان لَهُ القُرآن شِربًا و مَغسِلا
و طابتْ عليهِ أرضُهُ فَتَفَتَقَتْ بكلِّ عبيرٍ حين أصبح مـُخْضَلاَ
- الشوق إلى الثواب و رجاء العطاء من الله عزّ وجلّ:[17]
فَطُوبى له و الشَّوقُ يَبعَثُ همّهُ وزَندُ الأَسَى يَهتاجُ في القلبِ مُشعِلا
هو المجتبى يغدو على الناس كُلِّهِمْ قَرِيباً غريباً مُستمالاً مُؤمَّلاَ
- ذكر بعض صفات و أخلاق حملة القرآن كالاشتغال بعيب النفس عن عيوب الناس،و يرى نفسه أولى بالذم من غيره، لأنها لم تلعق الصبر لتحصيل المجد الرفيع وهو ما يترجمه قول الشاطبي:[18]
يَرَى نفسَهُ بالذَّمِ أَولَى لأَنَهَا عَلى المَجدِ لَم تَلعَقْ منَ الصَّبرِ وَ الأَلا
و قَد قِيلَ كُن كالكَلبِ يُقصيهِ أهلُه ُ و مَا يــــــــأْتــَلِي في نُصحِهمْ مُتبَذِلاَ
وقد ضمت مقدّمة الكتاب أربعة و تسعين بيتاً.
ثانيا: الأصول:
و المقصود بها أبواب القراءات التي لها قاعدة معينة مثل باب الادغام ،أو الهمز أو الراءات أو ياءات الاضافة أو غيرها،وجعلها الناظم في أربعة و عشرين بابا ذكر فيها اختلاف القراء في أصول القراءات، في ثلاثمائة و خمسين بيتا على النحو التالي:
-باب الاستعاذة-باب البسملة- باب أمّ القرآن- باب الإدغام الكبير- باب إدغام الحرفين المتقاربين في كلمة وفي كلمتين – باب هاء الكناية-باب المد والقصر – باب الهمزتين من كلمة – باب الهمزتين من كلمتين-باب الهمز المفرد – باب نقل حركة الهمز إلى الساكن قبلها – باب وقف حمزة وهشام على الهمز – باب الإظهار و الإدغام- باب اتفاقهم في إدغام إذ وقد وتاء التأنيث و هل و بل-باب حروف قربت مخارجها – باب أحكام النون الساكنة و التنوين-باب الفتح و الإمالة و بين اللفظين: أي فتح الصوت لا الحرف، وقدمه على الإمالة لأنّه الأصل و الإمالة فرع عنه فكلّ ما يمال يجوز فتحه وليس العكس لأنّ الإمالة لا تكون إلاّ لسبب من الأسباب[19].وهي أنه تنحوا بالفتحة نحو الكسرة، و بالألف نحو الياء[20]، و منها الإمالة المحضة أو الإضجاع أو البطح، أما الإمالة بين اللفظين فهي التقليل أو التلطيف.
- مذهب الكسائي في إمالة هاء التأنيث في الوقف.-باب مذاهبهم في الراءات أي حكم الراءات في الترقيق و التفخيم.-باب مذاهبهم في اللامات-باب الوقف على أواخر الكلم-باب الوقف على مرسوم الخط.
- باب مذاهبهم في ياءات الإضافة و هي ياء المتكلم و تكون متصلة بالاسم نحو: ]سَبِيلِي[ و بالفعل نحو: ]لِيَبلُوني[ و بالحرف نحو:]إِنّي[.
- باب مذاهبهم في ياءات الزوائد: و هي الياءات المتطرفة المحذوفة رسما و قد اختلف القراء في إثباتها و حذفها وصلا و وقفا.
- ثالثا: فرش الحروف:الفرش لغة هو[21]:مصدر فرش إذا نشر و بسط، فالفرش معناه النشر و البسط، والحروف جمع الحرف و هو القراءة يقال حرف نافع، و حرف حمزة أي قراءة نافع و قراءة حمزة.
و في الاصطلاح: وهو ما قل دوره من حروف القراءات المختلفة فيها، لأنّها لما كانت مذكورة في أماكنها من السور فهي كالمفروشة بخلاف الأصول، لأنّ الأصل الواحد منها ينطوي على الجميع[22].
فالألفاظ القرآنية المختلف فيها بين القراء، والتي لا تندرج تحت أبواب الأصول أو التي يقلّ تكرارها في المصحف هي الفرش، وتسمّى الفروع أيضا، مثلا الاختلاف في قراءة قوله تعالى:{ذَلِكَ متَاعُ الحيَواة ِالدُّنيَا}[23] حيث قرأها حفص بالنصب على (متاعَ) وقرأ الباقون بالرفع ،يعد من فرش الحروف لعدم اندراجه ضمن أحد أبواب الأصول، أو لعدم ورود نظير لهذا اللفظ مختلف فيه بين القرّاء و لا يشترط اجتماع العلّتين، بل تكفي إحداهما[24].
وقد ذكر الإمام الشاطبيّ في هذا الباب الذي ضمنه ستمائة وست وسبعين بيتا اختلاف القراء في مواطن محدّدة من حروف القرآن من سورة البقرة إلى آخر سورة الناس. وسقطت سورة الفاتحة من الفرش لأنه خصّص لها باباً ضمن الأصول فهي أم القرآن و أوّله و سُوَر القرآن تتبعها كما يتبع الجيش أمّه و هي الراوية.
رابعا: باب التكبير: وجعله الشاطبيّ في ثلاثة عشر بيتًا نظم فيه تفاصيل التكبير و مواضعه، و اختلاف القراء في ابتدائه و انتهائه، (و في قراءة المكيِّينَ يستحب التكبير من الضحى إلى آخر القرآن)[25]، ويكون بين كلّ سورتين، ولا يصل آخر السورة بالتكبير، بل يفصل بينهما بسكتة ومن لا يكبّر من القرّاء حجّتهم أنّ في ذلك ذريعة إلى الزيادة في القرآن، أما لفظه فقيل {اللّه أكبر}، وقيل: {لا إله إلاّ الله و اللّه أكبر}.قال الناظم:[26]
وَقَالَ بِهِ الْبَزِّيُّ مِنْ آخِرِ الضُّحى وَبَعْضٌ لَهُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ وَصَّلاَ
فَإِنْ شِئْتَ فَاقْطَعْ دُونَهُ أَوْ عَلَيْهِ أَوْ صِلِ الْكُلَّ دُونَ الْقَطْعِ مَعْهُ مُبَسْمِلاَ
وَمَا قَبْلَهُ مِنْ سَاكِنٍ أَوْ مُنَوَّنٍ فَلِلسَّاكِنَيْنِ اكْسِرْهُ فِي الْوَصْلِ مُرْسَلاَ
خامسا: باب مخارج الحروف و صفاتها التي يحتاج القارئ إليها:
هذا الباب من زيادات القصيد على ما في التيسير أي باب علم مخارج الحروف، و الحرف لغة: الطرف و الحدّ، ومن الجبل أعلاه، وهي حروف التهجي، وعند النحاة ما جاء لمعنى ،و في الآية {وَ مِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّـهَ عَلَى حَرْفٍ}[27]أي وجه واحد و هو أن يعبده على السرّاء لا الضّراء، أو على شكّ، أو على غير طمأنينة على أمره[28].
ويريد الناظم حرف الهجاء لا حرف المعنى فحروف الهجاء تسعة و عشرون حرفا، وهذا الباب لا يستغنى عنه في علم القراءات و قد جعله الإمام في ستة و عشرين بيتا و أضاف أربعة عشر بيتا ختم بها نظمه المبارك.
3- ثناء العلماء عليها:
لقد حظيت منظومة الشاطبيّة -حرز الأماني ووجه التهاني – بشهرة عظيمة و احتلّت في علم القراءات منزلة رفيعة، ومن ينظر في هذه المنظومة يجد أنّ صاحبها عليه سحائب الرحمة و الرضوان قد ضمنها فنونا شتى من العلوم و الآداب إضافة إلى علم القراءات ففيها الحكم و المواعظ، وفيها الأمثال، وفيها الغزل و النسيب، و النحو ومسائله فيها، و أعلامه مذكورون فيها، و البلاغة و أساليبها مضمنة أيضا فيها.
فهذا النّظم المبارك يحوي فوائد جمّة، و فرائد متناثرة، سواء كانت تلميحا أو تضمينا أو تصريحاً. و لاشتمالها على هذه المعاني و الأسرار البلاغية قال الشاطبيّ -رحمه الله-: لو كان في أصحابي خير أو بركة لاستنبطوا من قصيدتي هذه ما لا يخطر ببال و قيل أنه يستنبط منها اثنا عشر علماً[29]
و أشاد العلامة أبو شامة لأهميتها كمصدر مهمّ من مصادر علم القراءات قوله:“ وقد كثرت التصانيف بعد ابن مجاهد في ذكر قراءتهم، وهي من بين مصنّف وجيز و كتاب مطوّل، يجمع طرقهم و أخبارهم و رواياتهم، و آل الأمر إلى أن صُنِّف كتاب التيسير لأبي عمرو الداني رحمه الله تعالى، فاعتُمِد عليه و صُرفَت العناية إليه، لما فيه من التنقيح و الاختيار و التحرير و الاختصار، ثمّ إنّ الله سهّل هذا العلم على طالبيه بما نظمه الشيخ الإمام العالم الزاهد أبو القاسم الشاطبيّ رحمه الله، من قصيدته المشهورة المنعوتة بحرز الأماني، التي نبغت في آخر الدّهر، أعجوبة لأهل العصر، فنبذ الناس سواها من مصنّفات القراءات، وأقبلوا عليها لما حوت عليه من ضبط المشكلات، وتقييد المهملات، مع صغر الحجم و كثرة العلم“[30].
ذكر ابن الجزري -رحمه الله- أنه من وقف على قصيدته علم مقدرا ما آتاه الله في ذلك خصوصا اللامية التي عجز البلغاء من بعده عن معارضتها، فإنه لا يعرف مقدراها إلاّ من نظم على منوالها. ولقد رزق هذا الكتاب من الشهرة و القبول ما لا أعلمه لكتاب غيره في هذا الفنّ، بل أكاد أن أقول ولا في غير هذا الفنّ فإنّني لا أحسب بلداً من بلاد الإسلام يخلوا منه، بل لا أظنّ أنّ بيت طالب علم يخلو من نسخة به.
ولقد تنافس الناس فيها و رغبوا في اقتناء النّسخ الصحاح منها و بالغ الناس في التغالي فيها حتّى خرج بعضهم بذلك عن حدّ أن تكون لغير معصوم. يقول الذهبي رحمه الله في كتابه معرفة القراء الكبار:
ولقد سارت الركبان بقصيدته حرز الأماني و عقيلة أتراب القصائد اللتين في القراءات و الرسم و حفظهم خلق لا يحصون. و خضع لها فحول الشعراء و كبار البلغاء وحذاق القرّاء فلقد أبدع و أوجز و سهّل الصعب، لذلك تلقاها العلماء في سائر الأعصار و الأمصار بالقبول الحسن و عنوا بها أعظم عناية.
4- رموز الشاطبيّة ومنهج الامام في التصنيف:
إن ثناء العلماء على منظومة الشاطبيّة و الإشادة بأهميتها و تفردها يعود إلى عدّة عوامل سبق ذكرها كاحتوائها على فوائد و علوم مختلفة ونكت بلاغية حيث إن بلاغتها تكمن في طريقة نظمها ومنهج صاحبها في إبتكار نظام للتصنيف كان له السبق فيه. يرتكز هذا النظام على ابتكار رموز للقراء و رواتهم مجتمعين و رموز إنفرد و خصّص مجموعة من الأبيات في خطبة الكتاب شرح فيها هذه الرّموز و كيفية التعامل مع القصيدة لفهم مراد الشاطبي، فبدون فهم و حفظ هذه الرّموز لا يمكننا التّوصّل إلى معرفة أصول القرّاء و فروشهم.
قال الشاطبي: [31]
وَهَا أَنَا ذَا أَسْعى لَعَلَّ حُرُوفَهُمْ يَطُوعُ بِهَا نَظْمُ الْقَوَافِي مُسَهَّلاَ
جَعَلْتِ أَبَا جَادٍ عَلَى كُلِّ قَارِئٍ دَلِيلاً عَلَى المَنْظُومِ أَوَّلَ أَوَّلاَ
1.4-رموز انفراد: من المعلوم أنّ الشاطبيّة اشتملت على ذكر القرّاء السبعة و تحت كلّ قارئ نجد روايين، فجعل لهم الناظم حروف الجمل أبجد المعروفة فجعل الحرف الأول للقارئ ثمّ الحرف الثاني و الثالث للراويين الأول ثم الثاني على النحو التالي:
1- أبج: | أ :رمز لنافع | ب: قالون | ج: ورش |
2- دهز: | د: ابن كثير | هـ: البزي | ز: قنبل |
3-حطي: | ح: أبي عمرو | ط: الدوري | ي: السوسي |
4-كلم: | كـ: ابن عامر | ل: هشام | م: ابن ذكوان |
5-نصع: | ن: عاصم | ص: شعبة | ع: حفص |
6-فضق: | ف: حمزة | ض: خلف | ق: خلاد |
7-رست: | ر: الكسائي | س: أبو الحارث | ت: حفص الدوري |
2.4- رموز الاجتماع: بقي من حروف أبي جاد ستة أحرف يجمعها كلمتا (ثخذ، ظغش) جعل الناظم كل حرف من هذه الأحرف رَمْزًا لجماعة من القرّاء على النحو التالي:
ثــــخــــــــــذ | ث: رمز الكوفيون عاصم و حمزة و الكسائي |
خ: رمز القراء السبعة عدا نافع | |
ذ: الكوفيون و ابن عامر | |
ظـغــــش | ظ: الكوفيون مع ابن الكثير |
غ: الكوفيون مع أبي عمرو | |
ش: حمزة و الكسائي |
3.4- رموز الاجتماع الكلمية:
ثمّ اصطلح على ثمان كلمات جعلها رموزاً و هُنَّ 🙁صحبة، صحاب، عم، سما، حق، نفر، حرمي، حصن) بعدها شرع في بيان مدلولها كما يأتي:
– صحبة: حمزة، الكسائي، شعبة –صحاب: حمزة، الكسائي، حفص الأسدي
– عم: نافع، ابن عامر – سـما: نافع، ابن كثير، أبو عمرو.
– حق: ابن كثير، أبو عمرو. –نفر: ابن كثير أبو عمرو و ابن عامر.
– حرمي: نافع ، ابن كثير. – حصن: الكوفيون، نافع.
كما يشير الناظم أحيانا إلى القراء بألقابهم أو مواطنهم كالمدني، المكي، البصري، و الشامي، والكوفـي، أو فتى العلا أبو عمر أو المازني أو اليحصـبـي ابن عامر.
و من أمثلة رموز الشاطبيّة قول الناظم[32] :
وَمَالِكِ يَومِ الدِّينِ رَاوِيهِ نَاصرٌ وعندَ سِراطٍ والسِّرَاطِ لقُنْبُلاَ
فالرمز هنا هو حرف الرّاء من راويه و النون من ناصر و هما الكسائي و عاصم قرآ: {مَالِكِ يَوْم ِالدِّينِ} بإثبات الألف، في مالك، فتعين للباقين القراءة بحذفها.
وبعد أن أصطلح الشاطبيّ للقراء، رموزا تشير إليهم، فرادى و مجتمعين شرع في بيان المصطلحات التي استعملها في نظمه و بها يفهم مدلول قوله[33].
أ-الاستغناء عن ذكر الضِّد اعتماداً على ذكاء الطالب لقول الناظم[34]:
وَما كان ذَا ضِدٍ فإني بِضِدِّه غَنِيٌّ فزاحِم بِالذَّكاَءِ لِتَفْضُلا
ومن الأضداد التي تعلم من جهة العقل:
- المد و ضده القصر و هو يطرد وينعكس
- الإثبات و ضدّه الحذف و هو يطرد و ينعكس
- الفتح و ضدّه الإمالة و هو يطرد و ينعكس
- المدغم و ضدُّه المظهر و هو يطرد و ينعكس
- الهمز و ضدّه ترك الهمز و هو يطرد و ينعكس
- النقل و ضدّه التحقيق و هو يطرد و ينعس
- الاختلاس و ضده الحركة الكاملة و هو يطرد و ينعكس.
فهذه سبعة أضداد تعلم من جهة العقل و المنطق، اصطلح عليها الشاطبيّ في بيان القراءات و نسبها إلى القرّاء. فإذا قال عن قارئ أو راوٍ أنّه قرأ بالمدّ فيفهم بالضّدّ أنّ غيره قرأ بالقصر و هكذا.
أمّا ما يرجع من الأضداد إلى إصطلاح الشاطبيّ فهو على النّحو التالي:
1- الجزم و ضدُّه الرفع، و هو يطرد و لا ينعكس لأنّ الرفع عند الشاطبيّ ضدّه النصب و ليس العكس. 2-التذكير و ضدّه التأنيث وهو يطرد و ينعكس. 3-التخفيف وضدّه التثقيل أو التشديد و هو يطرد و ينعكس.4-الجمع و ضدّه الإفراد وهو يطرد و ينعكس .5-التنوين و ضدّه ترك التنوين وهو يطرد و ينعكس. 6-التحريك و ضدّه الإسكان، وهو يطَّرد و لا ينعكس لأنّ الإسكان عند الشاطبيّ ضده الفتح، في حال عدم تقييده للتحريك، فإذا ذكر التحريك مطلقا و لم يقيده، فهو يعني به الفتح و ضدّه حينئذ هو الإسكان.[35]
ب- إستعماله لمصطلح المؤاخاة بين الأحرف و الحركات و حالات الإعراب، وهو اصطلاح في غاية العبقرية، ولا يبلغه إلاّ من غاص في علم القراءات القرآنية وعلم أسرارها ومنه[36]:
- مؤاخاة بين النون و الياء و كلّ منهما ينعكسان: فإذا قال عن قارئ أو راو أنه قرأ بالنون، فيعلم من الضّدّ من خلال اصطلاح الشاطبيّ أنّ غيره من القراء قرأ بالياء.
- مؤاخاة بين الفتح و الكسر و كلّ منهما ينعكسان: فإذا ذكر عن أحد القرّاء أنه قرأ بالفتح، فيعلم من الضّدّ من خلال اصطلاحه أن غيره قرأ بالكسر.
- مؤاخاة بين النصب و الخفض: وكل منهما ينعكسان: فإذا ذكر عن أحد أنّه قرأ بالنصب فيعلم من الضّدّ أنّ غيره قرأ بالخفض.
- مؤاخاة بين الضمِّ و الفتح: إذا ذكر أنّ أحداً قرأ بالضّم، وسكت عن قراءة غيره، فإنّ قراءة الغير تكون بالفتح، إلاّ إذا صرَّحَ بقراءة الغير نحو قوله[37]:
يُضَلُّ بِضَمِّ الْيَاءِ مَعْ فَتْحِ ضَادِهِ صِحَابٌ وَلَمْ يَخْشَوْا هُنَاكَ مُضَلِّلاَ
وفي حالة تصريحه يقول[38]:
وَضَمَّ الْغُيُوبِ يَكْسِرَانِ عُيُوناً الْ عُيُونِ شُيُوخاً دَانَهُ صُحْبَهٌ مِلاَ
- مؤاخاة بين الرّفع و النصب: إذا ذكر أنّ أحداً من القراء قرأ بالرفع، وسكت عن قراءة غيره، فإنّ قراءة الغير تكون بالنصب، إلاّ إذا صرّح بقراءة الغير.
ج-استعماله لأسلوب الإطلاق من غير تقييد:
فإذا ما كان الخلاف دائرا بين الرفع و ضدّه فلا يذكر إلاّ الرفع نحو قوله:[39]
يُصَدِّقُنِي ارْفَعْ جَزْمَهُ فِي نُصُوصِهِ وَقُلْ قَالَ مُوسَى وَاحْذِفِ الْوَاوَ دُخْلُلاَ
د- جمعه للحرف المختلف فيه مع رمز القرّاء حتى ينتبه القارئ إلى فهم الخلاف الوارد، مع علمه المسبق بالأضداد السالفة الذكر قال الشاطبي[40]:
وَقبْلَ وبَعْدَ الْحَرْفِ آتِي بِكُلِّ مَا رَمَزْتُ بِهِ فِي الْجَمْعِ إِذْ لَيْسَ مُشْكِلاَ
هـ- استعماله لأسلوب التصريح بالاسم، إذا سمح نظمه بذلك: وفي ترك الرّمز في حالة التصريح بالاسم إيناس للقارئ، وتيسير للحافظ، وبيان و كشف للشارح[41].
قال الشاطبي:[42]
وَسَوْفَ أُسَمِّي حَيْثُ يَسْمَحُ نَظْمُهُ بِهِ مُوضِحاً جِيداً مُعَمًّا وَمُخْوَلاَ
و- تسمية للأبواب العامة بأسماء القرّاء:
فإذا كان باب معيّن من اختصاص القارئ سمّي باسمه مثل الإدغام الكبير لأبي عمرو، وقف حمزة و هشام على الهمز، نقل حركة الهمز إلى الساكن قبلها لورش، قال الشاطبيّ استدلالاً لذلك[43]:
وَمَنْ كانَ ذَا بَابٍ لَهُ فِيهِ مَذْهَبٌ فَلاَ بُدَّ أَنْ يُسْمَى فَيُدْرَى وَيُعْقَلاَ
خاتمة:
ختاما لهذه الجولة في رحاب الشاطبيَّة لا يسعنا إلا أن نقول أنها لقيت قبولا قل شبيهه فلا تزال العمدة لمن يريد اتقان القراءات السبع ،فهذا النظم البديع ابتكر فيه الناظم جديدا، و يسَّر مرامي هذا العلم تيسيراً، و لئن كان النظم في أصله مختصرا لكتاب التيسير للإمام الداني فقد زاد المصنف أوجه كثيرة على ما في الأصل يطلق عليها (زيادات القصيد) و هي مما زاده الناظمُ من مروياته الواسعة :
و في يُسرها التيَسيرُ رمتُ اختصاره فاجْنَتْ بعونِ الله منهُ مؤمَّلاَ
و ألفافُها زادَت بِنشرِ فَوائِد فلفَتْ حَيَاءاٍ وجْهَهَا أَنْ تُفَضَّلاّ
اشتملت الشاطبية على فنونٍ شتى من العلوم و الآداب إضافة إلى علم القراءات و احتوت فوائد جمّة، و فرائد متناثرة، وإشارات خفية لطيفة ،و الإشادة بأهميتها و تفردها يعود إلى عدّة عوامل سبق ذكرها كاحتوائها على فوائد و علوم مختلفة ونكت بلاغية حيث إن بلاغتها تكمن في طريقة نظمها ومنهج صاحبها في ابتكار نظام للتصنيف كان له السبق فيه. يرتكز هذا النظام على ابتكار رموز للقراء و رواتهم مجتمعين و رموز انفراد ،هذه الرموز العجيبة ،لم سبق إلى أسلوبها و أجمع عليها أهل العلم بالقبول .
و من الزيادات التي أضافها على كتاب التيسير مخارج الحروف ووصفا الصوتي حيث جعلها في خاتمة منظومته، و هي من الفوائد التي أملت على كثير من الشراح أن يجتهدوا في تتبع ما زاده الشاطبيّ على التيسير ،و أن يستخرجوا من إشاراته و الفاف قصيدته ما أعطى لها هذه المكانة و الأهمية. فتنزهت عن كل نقص و عيب:[44]
و قد وفقَ اللهُ الكريمُ بِمَنِه لإكمالِهاَ حسناءَ ميمونةَ الجِلاَ
و أَبياتُها ألفٌ تزيدُ ثلاثة ً و معْ مئة ٍسبعينَ زُهراً و كُمّلاَ
و قد كسيت منها المعاني عنايةً كما عَريتْ عن كُل ِّعَوراءَ مِفْصَلاَ
و تمتْ بحمد الله في الخلق سهلةً منزهةً عن منطق الهُجرِ مِقْوَلاَ
مراجع الدراسة:
- القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم دار الخير دمشق-سوريا ط2،1424هـ-2003م.
- إبراز المعاني من حرز الأماني :لأبي شامة الدمشقي عبد الرحمن بن إسماعيل (ت665هـ) تحقيق إبراهيم عطوة عوض دار الكتب العلمية ،بيروت لبنان [دت]
- الإتقان في علوم القرآن: جلا الدين السيوطي تح: فؤاد أحمد زمرلي دار الكتاب العربي ط1 ،1424هـ -2003
- أشهر المصطلحات في فن الآداء و علم القراءات: أحمد محمود عبد السميع الحفيان دار الكتب العلمية بيروت لبنان،ط1، 1422-2001 .
- بغية الوعاة في طبقات اللغويين و النحاة : الحافظ جلال الدين عبد الرحمان السيوطي ، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم المكتبة العصرية صيدا بيروت، لبنان، المجلد الثاني [د،ت] .
- تاريخ القراءات في المشرق و المغرب: محمد المختار ولد أباه، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية و العلوم و الثقافة (إسيسكو) المغرب، 1422-2001.
- سراج القارئ المبتدئ و تذكار المقرئ المنتهي: أبو القاسم علي بن عثمان المعروف بابن القاصح العذري(ت800هـ)،تح: جمال الدين محمد شرف دار الصحابة للتراث بطنطا مصر ،ط1،1425-2004، ص40،44.
- سير أعلام النبلاء وبهامشه إحكام الرّجال من ميزان الاعتدال في نقد الرجال :كلاهما للإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي المتوفى سنة 748هـ الجزء الخامس عشر، تحقيق، محب الدين أبي سعيد عمر بن غرامة العَمْرِي، دار الفكر للطباعة و النشر، ط1، 1417هـ- 1997م
- شذرات الذهب في أخبار من ذهب : لابن عماد الحنبلي (ت 1089هـ)، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي في دار الأفاق الجديدة، منشورات دار الآفاق الجديدة – بيروت – ]د.ت[ ج4
- علم القراءات بين مصادر المتقدّمين و مناهج التربية الحديثة: نور الدين محمدي، دار الإمام مالك ط1 1426/2007.
- فتح الوصيد في شرح القصيد : السخاوي علم الدين أبي الحسن على بن محمد(ت643هـ)،تحقيق جمال الدين محمد شرف دار الصحابة للتراث بطنطا ، مصر ،ط1 1425ه-2004م
- القاموس المحيط: الفيروز آبادي، دار الفكر 1426/2005 [د.ط]
- قراءة الإمام نافع من روايتي قالون وورش من طريق الشاطبيّة : د/ أحمد خالد شكري، دار الخلدونية [د.ط] 2004
- لسان العرب: ابن منظور الإفريقي(ت711) ، دار المعارف القاهرة [دت]
- متن الشاطبيّة : المسمى حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات السبع : القاسم بن فيره من خلف بن أحمد الرعيني الشاطبيّ الأندلسي( ت 590 ه) . دار السلام للطباعة و النشر- القاهرة ,الطبعة الخامسة , 1429ه-2008م
- محمّد مصطفى بلال: الزهور الندية في شرح متن الشاطبيّة، في القراءات السبع دار الفضيلة القاهرة ،مصر ط1، 2007
- معجم القراءات القرآنية : أحمد عمر مختار، عبد العال سالم مكرم مطبوعات جامعة الكويت ط1، 1402ه-1982.
- وفيات الأعيان و أنباء أبناء الزمان: ابن خلكان(ت681)، تحقيق إحسان عباس، دار صادر بيروت لبنان [دت] ج4 .
-[1] ينظر ترجمة الشاطبيّ في المصادر التالية: -سير أعلام النبلاء وبهامشه إحكام الرّجال من ميزان الاعتدال في نقد الرجال كلاهما للإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي المتوفى سنة 748هـ الجزء الخامس عشر، تحقيق، محب الدين أبي سعيد عمر بن غرامة العَمْرِي، دار الفكر للطباعة و النشر، ط1، 1417هـ- 1997م ص: 423، 424 .وقد صنفه الذهبي ضمن الطبقة الحادية و الثلاثون.
-شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن عماد الحنبلي (ت 1089هـ)، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي في دار الأفاق الجديدة، منشورات دار الآفاق الجديدة – بيروت – ]د.ت[ ج4ص 301، 303.
-بغية الوعاة في طبقات اللغويين و النحاة للحافظ جلال الدين عبد الرحمان السيوطي ، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم المكتبة العصرية صيدا بيروت، لبنان، المجلد الثاني [د،ت] ص260
[2] – المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار لأبي عمرو الداني عثمان بن سعيد (ت444ه) تحقيق نورة بنت حسين بن فهد الحميد دار التدمرية الرياض ، المملكة العربية السعودية ،ط1، 1431-2010.
[3] – ابن عبد البرّ: يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الأندلسي أبو عمر –ت463- صاحب كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني و الأسانيد نشر وزارة الأوقاف و الشؤون الاسلامية المملكة المغربية تحقيق مجموعة من الأساتذة الباحثين،ط2، 2009.
[4] – شذرات الذهب: لابن عماد ص 302، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان :لأبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان المتوفى سنة 681هـ، تحقيق/ إحسان عباس، دار صادر بيروت [د.ت] ج4 ، ص72.
[5] – ينظر فتح الوصيد في شرح القصيد : السخاوي علم الدين أبي الحسن على بن محمد(ت643هـ)،تحقيق جمال الدين محمد شرف دار الصحابة للتراث بطنطا ، مصر ،ط1 1425ه-2004م ،ص 38.
[6] – نفسه: ص 41.
[7] – شذرات الذهب في أخبار من ذهب: ص 302، 303.
[8]– وفيات الأعيان و أنباء أبناء الزمان: ابن خلكان(ت681)، تحقيق إحسان عباس، دار صادر بيروت لبنان [دت] ج4، ص73.
[9] – ترجمة الشاطبيّ للشيخ علي محمد الضباع نقلا عن الشيخ محمّد مصطفى بلال: الزهور الندية في شرح متن الشاطبيّة، في القراءات السبع دار الفضيلة القاهرة ،مصر ط1، 2007 ص5.
[10]– نظم الشاطبيّة المسمى حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات السبع : القاسم بن فيره من خلف بن أحمد الرعيني الشاطبيّ الأندلسي المتوفي سنة 590 ه . دار السلام للطباعة و النشر- القاهرة ,الطبعة الخامسة , 1429ه-2008م.
[11]– السابق : خطبة الكتاب 67
[12] – متن الشاطبيّة : المسمى حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات السبع : القاسم بن فيره من خلف بن أحمد الرعيني الشاطبيّ الأندلسي المتوفي سنة 590 ه . دار السلام للطباعة و النشر- القاهرة ,الطبعة الخامسة , 1429ه-2008م.البيت 10.
[13] – متن الشاطبيّة: خطبة الكتاب 79
[14] – نفسه : 80
[15] – نفسه : الأبيات81،82
[16] – نفسه : 84،85
[17] – نفسه : 86،87
[18] – نفسه : خطبة الكتاب 89،90
[19] – سراج القارئ المبتدئ، وتذكار المقرئ المنتهي :ابن القاصح أبي القاسم علي بن عثمان بن محمد (ت800هـ) دار الصحابة للتراث بطنطا ،مصر ،ط1، 1425-2004،ص 194.
[20] – معجم القراءات القرآنية :د/عبد العال سالم مكرم والدكتور أحمد مختار عمر مطبوعات جامعة الكويت ط1 1402/1982 ص 136 المجلد الأول.
-3 لسان العرب:ابن منظور الإفريقي(ت711) مادة فرش ، دار المعارف القاهرة [دت] ص3382.
[22] – معجم القراءات القرآنية : أحمد عمر مختار، عبد العال سالم مكرم مطبوعات جامعة الكويت ط1، 1402-1982 ،ج1 ص131، و أشهر المصطلحات في فن الآداء و علم القراءات: أحمد محمود عبد السميع الحفيان دار الكتب العلمية بيروت لبنان،ط1، 1422-2001 ص164.
[23] – سورة آل عمران: الآية 14
[24] – ينظر قراءة الإمام نافع من روايتي قالون وورش من طريق الشاطبيّة د/ أحمد خالد شكري، دار الخلدونية [د.ط] 2004 ص 18 .
[25]– الإتقان في علوم القرآن: جلا الدين السيوطي تح: فؤاد أحمد زمرلي دار الكتاب العربي ط1 ،1424هـ -2003 ص 279
[26]– متن الشاطبيّة: باب التكبير 1128-1129-1130.
[27] – سورة الحج : الآية 11
[28] – القاموس المحيط: الفيروز آبادي، مادة حرف ، دار الفكر 1426/2005 [د.ط] ص 719
[29] – سير أعلام النبلاء: الذهبي ج15 ص 424.
[30] – إبراز المعاني من حرز الأماني :لأبي شامة الدمشقي عبد الرحمن بن إسماعيل (ت665هـ) تحقيق إبراهيم عطوة عوض دار الكتب العلمية ،بيروت لبنان [دت] ص8
[31] – متن الشاطبيّة : خطبة الكتاب 44-45.
[32] – متن الشاطبيّة :باب سورة أم القرآن، 108.
[33] – علم القراءات بين مصادر المتقدّمين و مناهج التربية الحديثة: نور الدين محمدي، دار الإمام مالك ط1 1426/2007 ص 69-70.
[34]– متن الشاطبيّة: خطبة الكتاب 57
[35] – سراج القارئ المبتدئ و تذكار المقرئ المنتهي: أبو القاسم علي القاصح العذري(ت800هـ)،تح:جمال الدين محمد شرف دار الصحابة للتراث بطنطا مصر ،ط1،1425-2004، ص40،44.
[36] – تاريخ القراءات في المشرق و المغرب: محمد المختار ولد أباه، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية و العلوم و الثقافة (إسيسكو) المغرب، 1422-2001ص355.
[37]– الشاطبيّة: فرش الحروف سورة التوبة 728
[38] – الشاطبيّة : الفرش سورة المائدة 628
[39] – الشاطبيّة: الفرش سورة القصص 948
[40] – الشاطبيّة : خطبة الكتاب 64
[41] – ينظر سراج القارئ المبتدئ: ابن القاصح ص44
[42] – الشاطبيّة: خطبة الكتاب 65
[43] – نفسه: 66
[44] -متن الشاطبية :باب مخارج الحروف و صفاتها ص247.