Skip to content

JiL.Center

Primary Menu
  • عن المركز
  • رئيسة المركز
  • شروط الانتساب
  • منشوراتنا
  • مؤتمرات وملتقيات
  • Cont@cts
موقع مجلات مركز جيل البحث العلمي
  • Home
  • النّصوص الأسطوريّة بين التّراث الشّعبي و المعتقدات الدّينيّة Mythological texts between the popular heritage and religious doctrine

النّصوص الأسطوريّة بين التّراث الشّعبي و المعتقدات الدّينيّة Mythological texts between the popular heritage and religious doctrine

JiL 2020-07-29 1 min read

 

النّصوص الأسطوريّة بين التّراث الشّعبي و المعتقدات الدّينيّة

Mythological texts between the popular heritage and religious doctrine

الأستاذة : د. رتيبة حميود، المدرسة العليا للأساتذة بوزريعة الجزائر العاصمة. الجزائر

Professor : Dr.Ratiba HAMIOUD  High school of teachers Bouzareah Algiers  

مقال منشور في  مجلة جيل الدراسات الادبية والفكرية العدد 61 الصفحة 111.

     

الملخص :

     ارتبطت الأسطورة بالإنسان الأوّل و هو يعيش  حياته البدائيّة، عندما كان يمارس الطقوس الدينيّة و السّحر، و كان يحاول من خلالها تقديم تفسيرات لكل ما يحيط به من الكون و الطبيعة ، و أخذ يسنّ الشّرائع و القواعد و القوانين و المبادئ الأخلاقيّة الواجب إتباعها و السّير على نهجها ،  فأسفر عن نصوص استطاعت أن تؤدي وظائف عديدة و تمكنت من اختراق الأبعاد الزّمانيّة و المكانيّة ، لتصلنا مفعمة بكل ما هو قدسي ، و يتّخذ منها الباحث المعاصر في مختلف التّخصّصات و الميادين أرضية خصبة و أرشيفا  للتّراث الشّعبي العالمي  تعكس بصدق صورة المجتمع البدائي الأوّل بكل تفاصيله .

الكلمات المفتاحيّة : الأسطورة ، الحياة البدائيّة ، الطقوس  الدينية.

Abstract :

The legend was related to the first man who lived his primitive life , when he practiced religious rituals and magic , and was trying to give explanations for all that surrounds him of the universe and nature , and to adopt and follow the ethical principles , and to follow them , leading to texts that were able to perform many functions and managed to penetrate the temporal and spatial dimensions of our imagination , taking a piece of all that the contemporary researcher in different specializations and fields that truly reflect the primitive world heritage.

Keywords: legend, primitive life ,religious rituals .

مقدمة

    ارتبطت كلمة الأسطورة بالحياة الأولى للإنسان ، أو كما يطلق عليها العديد من الباحثين  بدائيّة البشر ، عندما كانوا يمارسون الطقوس الدّينيّة و السّحر ، في محاولة ميتافيزيقيّة لتفسير ما يحيط بهم من الطّبيعة و الكون ، فالإنسان مخلوق مفكّر بطبيعته  كما يقول كلود ليفي ستروس ” Claude Levi-Strauss “: ( إنّ الإنسان قد فكّر منذ القدم في مثل حسن تفكيره اليوم )[1] . و من ثمّ  يبدو أنّ الإنسان الأوّل قد شغل فكره لتفسير ما يحيط به ، و تعليل الظّواهر الطّبيعيّة التي لازمت حياته .

    الإشكالية:

   هل وجدت الأسطورة لممارسة المعتقدات و الطقوس الدينية ؟ أم أنّها وضعت من أجل تفسير و تعليل الظواهر الكونيّة المتباينة المحيطة بالإنسان؟

    منهجية البحث:

   يتتبع البحث المنهج الوصفي التحليلي ، و يعرض مصطلح الأسطورة و يفسّر و يناقش وجودها ، مستخلصا النتائج اللّازمة ، و التي تساهم في إثراء الموضوع مستقبلا.

   1- تعريف الأسطورة:

    و تأخذ كلمة الأسطورة معنى متفقا عليه في جلّ المعاجم العربيّة على أنّها 🙁 أحاديث لا نظام لها …و سطّر علينا أتانا بالأساطير…و يقال سطّر علينا فلان يسطّر إذا جاء بأحاديث تشبه الباطل .   يقال : هو يسطّر ما لا أصل له أي يؤلّف … يقال سطّر فلان إذا زخرف له الأقاويل و نمّقها ، و تلك الأقاويل الأساطير)[2]. و بذلك فإنّ كلمة الأساطير ترتبط بكل ما هو خيالي يبتعد عن الواقع و منطق الحياة التي يعيشها الإنسان .

    2- نشأة الأسطورة بين التراث الشّعبي المعتقدات الدينيّة:

     يرى العديد من الباحثين في ميدان الأسطورة ، أنّها لم تنشأ من أجل الحصول على إجابات أوجدها فضول علمي    أو فلسفي ، بل هي معتقدات و ممارسات تبنى عليها المجتمعات البدائيّة ، و هذا يشرحه رأي  الباحث ليفي برول  ” Levy-Bruhl ” : (  لم تنشأ الأساطير و الطقوس الجنائزيّة  و عمليات السّحر و الزّراعة _ فيما يبدو_ عن حاجة الرّجل البدائي إلى تفسير الظّواهر الطّبيعيّة تفسيرا قائما على العقل ، لكن هذه نشأت استجابة لعواطف الجماعة القاهرة )[3] .

    و هذا يبرز أنّ الأساطير هي أقدم مصدر للمعرفة الإنسانيّة ، و الصّورة الحيّة لوجدانها . تعكس حياتها بجميع مناحيها و تصوّر خريطتها الحضاريّة بكلّ أبعادها الزّمانية و المكانيّة ، إنّها (  علم مبكر ، نتيجة محاولة الإنسان الأولى ليفسر ما يرى حوله )[4] .

     إنّ الأساطير تعكس جهود البشر في فهمهم للظّواهر الطبيعيّة و الكون ، و هي كذلك كما عبّر عنها مالينوفسكي   ” Malinowski” : ( إحياء قصصي لواقع فطري ، يروى استجابة لنزعات دينيّة عميقة، و ميولات أخلاقيّة و ارتباطات عاطفيّة . فهي تقوم من الثّقافة البدائيّة بوظيفة لا غنى عنها )[5].

    يبدو أنّ النّصوص الأسطوريّة قد ارتبطت بشكل واضح بالمعتقدات الدّينيّة والسّمات الأخلاقيّة للمجتمعات الأولى بل هي المرآة الصّافية للطّقوس التي كانت تمارسها البشريّة في بدايات حضاراتها البائدة و السّائدة منها ، تشرّع القوانين    و تسنّ القواعد العمليّة للإنسان ( فهي تعبّر عن المعتقدات وتسمو بها، وتقنّنها و تحفظ المبادئ الأخلاقيّة و تفرضها كما تضمن نجاعة الاحتفالات الطّقوسيّة، و توفّر للإنسان قواعد سلوكه العمليّة )[6].

   بل إنّها تذهب إلى أبعد من ذلك ، فهي تشكّل نصّا قدسيّا ينفرد بتعليل وجود الإنسان و الكون يستند عليه البشر لفهم الكون و معنى الخلق و يقرّ ميرسيا إلياد ( أنّ الأسطورة خطاب يحكي تاريخا مقدّسا كان في بدء الزّمان ، و يهتمّ هذا التّاريخ برواية وضع كوني جديد ، أي كيف حدث شيء ما، وكيف بدأ يكون ، وهذا الخطاب يكشف كذلك سرّ الخلق لماذا أنشيء الكون  ولماذا خلق الإنسان)[7].

   إنّ الأسطورة بهذا المفهوم خطاب يشبه القصّة ، كونها تتّبع نظام السّرد المعروف من بداية  وتأزّم في الأحداث  ثمّ نهاية ، بقيت حيّة بين النّاس كأي عنصر تراثي تمكن من أداء بعض الوظائف التي تساير مناحي الحياة ، أهمّها: التّاريخيّة و الدّينيّة و الاجتماعيّة و النّفسيّة فهي تضمّ نصوصا كثيرة ( حاملة لأفكار دينيّة و فلسفيّة و أخلاقيّة، إذا ما فككنا طلاسمها تحصّلنا على ثروة من المعارف تساعدنا على فهم الإنسان أكثر )[8].

   و الأسطورة بذلك لهجة تواصل بين البشر استطاعت أن تخترق الأبعاد الزّمانيّة و المكانيّة  لتصل إلينا اليوم مفعمة بالحياة ( إنّها من إنشاء تأملات الجماعة و خلاصة حكمتها و عصارة ثقافتها ، و من ثمّ حضورها الدّائم بيننا رغم اختلاف الحضارات و تباين الثّقافات، خاصّة في بعض المناسبات المتجدّدة بطريقة دوريّة تذكيرا بما حدث في البدء لذلك فالأسطورة لا تقصّ عمّا جرى في الماضي و انتهى ، بل عن أمر ماثل أبدا يتحوّل إلى ماض )[9].

    لقد تغنّى الشّاعر اليوناني الضرير هوميروس بأبطال هذه الأساطير و مجّدهم ، و خلّد أسماءهم في شعره الملحمي الذي ( كان يحلّ محلّ التّاريخ لأقدم عصور الشّعب اليوناني القديم . فبمجرّد أن أخذ المجتمع يعي ماضيه رأيناه يحرص على تدوينه في صورة الملاحم الشّعريّة ، و كان هذا التّاريخ لتلك العصور الموغلة في القدم يختلط عندئد بالأساطير ، أي أنّ الحقائق التّاريخيّة كانت تتّخذ طابعا أسطوريّا غذّاه الخيال البدائي بعجائب الأمور و غرائبها عن طريق المبالغة و التّهويل حينا ، و عن طريق التّخيّل و التّهويم حينا آخر )[10].

    ونحى فن المسرح عند اليونانين القدماء منحى الملاحم في تجسيد شخصيات المسرحيّة اليونانيّة و التي : ( لم تعد مقصورة على أسطورة الإله ديونيزوس، بل اتسعت آفاقها فأخذت تستخدم كوسيلة لتجسيد أساطير جميع الآلهة من صراع أو ما يجري بينهم و بين البشر )[11].

   وكان بذلك لأبطال الأساطير حظا وافرا في المسرح الإغريقي على غرار ما لقيته في الإلياذة والأوديسة لهوميروس ، كما أنّ الأسطورة كانت من أهم المحاور التي عني بها الفن المسرحي عند المصريين القدماء حيث ( كانت أسطورة أوزيريس إله الخير و الخصب و النّماء ، و ما كان بينه وبين أخيه إله الشّر ” ست ” من صراع عنيف )[12].

   و أغلب الأساطير التي نعرفها اليوم ، تنطلق ممّا خلّفه الشّاعر اليوناني هوميروس في ملحمتيه الإلياذة والأوديسة ، و الذي كانت حياته أسطورة في حد ذاتها يتناقلها الشعب اليوناني و اختلف في ضبطها الباحثون و النّقاد حيث ( يعتقد أنّه عاش قبل المسيح ليس بأكثر من ألف  سنة )[13].

   صنع الإغريق لأنفسهم نظاما خاصّا و معتقدا فريدا ، يصوّر الآلهة بنماذج لا يمكن أن تجول في عقل الإنسان، فهي لا تقترب من الواقع الذي يعيشه الإنسان ىولاتشبهه ، و في المعتقدات الأخرى المحيطة بها كمصر مثلا ، توجد التّماثيل الضخمة التي تختلف أشكالها بين أنصاف البشر والحيوان كتمثال أبي الهول ، أو ما كان عند البابليين من أشكال حيوانيّة لا تقترب من الصّور الحقيقيّة للحيوانات الموجودة .

    و مع  ذلك الانتشار الواسع للأساطير عند الإغريق ( تكونت الميثيولوجيا اليونانيّة من قصص عن الآلهة و الآلهات ، لكن يجب ألّا تقرأ كنوع من التّوراة اليونانيّة كنوع من الدّيانة اليونانيّة حسب الفكرة الحديثة . لا تؤثر الأسطورة الحقيقيّة على الدّين إنّها تفسّر لشيء  في الطبيعة كيف _ على سبيل المثال _ انطلق في الكون هذا الشّيء أو ذاك )[14].

   إنّ الأفعال التي كانت تصدر عن الآلهة في مناسبات متغيّرة ، تعبّبر عن انفعالات تتأرحج بين الغضب و الهدوء       و السّخط و الرّضا ، و العقاب و المكافئة ، هي التي تحدث كل تلك الظّواهر الطّبيعيّة من أمطار و رعود و برق و رياح تعصف ، و صواعق تضرب الأرض و هيجان البحر وغيرها.

     جاء _ بعد ذلك كلّه _  القرآن الكريم ، ليضع منهاجا متكاملا لحياة الإنسان و يرسم له طريقا مضبوطا مستقيما يسير عليه ، و شكّل بذلك خلاصة ما سبق من الكتب السّماويّة التي نزلت قبل مجيء الرّسول _ صلى الله عليه و سلّم _ كخاتم للأنبياء و الرّسل كلّفه الله عز و جلّ بوساطة من جبريل _ عليه السّلام _ بتبليغ الرّسالة المتمثّلة في النّص القرآني دستور الحياة الذي يجمع كلّ ما تناثر ممّا سبق و يمنع كلّ ما هو آت بعده .

     ذكرت الآيات القرآنيّة في سبع سور من القرآن الكريم مصطلح الأساطير مقرونا بلفظ الأوّلين  و هذا يدلّ على أنّ النّصوص الأسطوريّة قديمة قدم الإنسان نفسه ، كان يعرفها العربي و الأعجمي و يعرف ما جاء فيها حيث اتّهم أهل قريش الرّسول _ صلّى الله عليه و سلّم _  بالنّسج على منوالها و الإتيان بخطاب يماثلها لأنّها لم تكن نهجهم في حياتهم الوثنيّة .

    جاء في سورة الإنعام قوله عزّ و جلّ : ( وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إلَيكَ وَ جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهْم أكِنَّة أنْ يفقَهُوه ُو فِي آذانِهَم وَقْرا ، و إنْ يَرَوا كلَّ آيَةٍ لاَ يُؤمِنُوا بِها حَتى إذَا جَاءوكَ يُجَادلوك يقول الذِين كَفَرُوا إنْ هَذَا إلّاَ أسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)[15].

    و لقد ورد معنى الآية الكريمة فيما فسّره الطبري : ( يقول الذين جحدوا آيات اللّه ما هذا إلّا خرافات و أباطيل الأوّلين )[16].

    إنّ الأسطورة بهذا المفهوم ماهي إلّا قصص الأوّلين تداوله الكهان و رجال الدّين في كتبهم حتى وصل إلى الرّسول _ صلّى اللّه عليه وسلّم _ و هذا ما دلت عليه الآية الكريمة في قوله تعالى : ( و قَالُوا أسَاطِيرُ الأوَّلينَ اكتَتبَها فَهِي تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً )[17].

    و المقصود بذلك الكتب الدّينيّة التي سبقت القرآن الكريم ، و في ذلك يقول الطّبري في تفسيره لمعنى الآية : (أحاديث الأوّلين اكتتبها من يهودا )[18].

     هؤلاء الذين يروون تاريخا مقدسّا يتكلّم عن وقائع فعليّة قامت بها كائنات خياليّة و غريبة  قدمت مآثر خالدة في أزمنة غابرة  على شكل نصوص أسطوريّة (   تتحدّث عن أفعال الكائنات الخارقة و عن تجليات قدرتها المقدسة لهذا باتت النّموذج المثالي لمجمل الأنشطة الإنسانيّة ذات الدّلالة  و المعنى )[19].

    و كانت  الأساطير تلازم المعتقدات الدّينيّة ، بل تشكّل العنصر المحوري و الأساسي فيها إلى أن أثبتت الآيات القرآنيّة المكانة الحقيقيّة للنّصوص الأسطوريّة بأنّها إنتاجات بشريّة ممزوجة بمخلّفات قدسيّة أعطت لها قواعد و أسسا مضبوطة عن خلق الكون و الذّات الإلاهيّة لتترك الخيال الواسع للعقل البشري يعثو فيها كما يشاء فتخرج على هذه الشّاكلة .

 و هذا مادلت عليه الآية الكريمة في قوله تعالى : ( لَقَدْ وَ عِدْنَا نَحْنُ وَ آبُاؤُنا مِنْ قَبْلُ إنْ هذَا إلَّا أَسَاطِيرُ الأَوّلينَ)[20].

 و يقول الطبري في تفسيره للآية : ( ما هذا إلّا خرافات الأوّلين سطّروها في كتبهم لا صحّة لها و لا حقيقة )[21].

 و جاءت الآية المشابهة لها في قوله تعالى : (  لَقَدْ وُعِدْنَا هذا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَٰذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)[22].

   وهي تؤكد المعنى السّابق ، الذي يضع ما كتبه الأوّلون في خانة الأعاجيب و الروايات الخرافية ثبّتوه في كتبهم ونصت عليها معتقداتهم ، و لكّنها لا تمت بصلة للواقع الذي يعيشه البشر حتى نزول القرآن حينذاك.

    ونفس المعنى يرد في الآية الكريمة في قوله عزّ و جلّ : ( وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)[23].

     ويضرب اللّه لنا فيها مثل الذي جاهداه والداه في أن يؤمن بالبعث و الحساب و العقاب  وبأنّ وعد الله الذي وعد خلقه أنه باعثهم من قبورهم حق لا ريب فيه ،  و وقوفهم أمام اللهّ تعالى للحساب على أعمالهم الدنيويّة حقّ لا شكّ فيه، فيقول هذا الابن العاق المكذّب  مجيبا لوالديه وردًّا عليهما نصيحتهما ، أنّ كلّ ما تقولانه مجرد خرافات و أباطيل مرّت على أمم سابقة و حضارات إنسانية بائدة ، و لكّنها لم تك شيئا صحيحا ، و مسألة البعث هي كلام سطّره السّابقون و ذكروه و أسهبوا في تفصيلاته قاصدا بذلك النّصوص الأسطوريّة .

   و تعدّد ذكر كلمة الأساطير الذي اقترن بالإنسان الأوّل في العديد من الآيات القرآنيّة و من ذلك ما جاء في  قوله تعالى : ( وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا  إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ )[24].

    و اتفقت جلّ التّفاسير على الرّواية التي نزلت في حقّها الآية الكريمة ، هو أنّ رجلا في قريش تمادى و اعتدى على القرآن الكريم و كلام اللّه عزّ و جلّ و قارنه بما كان يسمعه من أساطير جاء بها من خارج البلاد العربيّة في رحلاته إلى الفرس و الرّوم ، فكان كلّما تكّلم الرّسول _صلى الله عليه و سلّم _ بما أوحي إليه من السّماء ، جاء خلفه و تكلّم بما قصّ عليه من قصص و أساطير الرّوم و الفرس و تباهى بها بأنّها أحسن ممّا يسمعون عن النّبي الكريم _عليه الصّلاة و السّلام_ .

    و قد قيل : إن القائل لذلك هو النضر بن الحارث – لعنه الله – كما قد نص على ذلك ما ورد في السّيرة         النبويّة 🙁 و كان النّضر بن الحارث من شياطين قريش ، و ممّن كان يؤذي رسول الله _ صلى الله عليه و سلّم_ وينصب له العداوة ، و كان قد قدم الحيرة و تعلّم بها أحاديث ملوك الفرس ، و أحاديث رستم و اسفنديار ، فكان إذا جلس رسول الله _صلّى الله عليه و سلّم_ مجلسا فذكر فيه الله ، خلفه في مجلسه إذا قام، ثمّ قال : أنا و اللّه يا معشر قريش أحسن حديثا منه ، فهلمّ إلىّ ، فأنا أحدّثكم أحسن من حديثه ، ثمّ يحدّثهم عن ملوك فارس، و رستم واسنفديار، ثمّ يقول : بماذا محمّد أحسن منّي ؟)[25]

     لقد ارتبط لفظ الأساطير فيما ورد في الآيات القرآنية بالأباطيل و كل ما تحمله من الخرافات و الخيال ، فهي الأكاذيب التي عاش بها الإنسان الأوّل ، و لهذا قابل كفّار قريش كلام اللّه عزّ و جلّ بهذه المقارنة للتّعبير عن عدم تصديقهم لما يتلوه الرّسول _ صلى الله عليه و سلم_ من سور القرآن الكريم ، بل  ذهبوا إلى أبعد من ذلك عندما ادّعوا القدرة على الإتيان بمثل هذه الخرافات و النّسج على منوالها لو كانوا يريدون .

   و كلّما جاءهم الرّسول _ صلّى الله عليه وسلّم_ بالمزيد ممّا كان يوحى إليه كانوا يتعنتون ويزدادون تمرّدا و تكذيبا و رفضا للاعتراف بأنّ هذه الكلمات ليست من تأليف البشر لقوله تعالى : (وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ  قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ )[26].

    إنّ حديثنا عن النّصوص الأسطوريّة و تتبع الفترات الزمنيّة التي عبرتها، والأماكن التي سيطرت فيها على عقول البشريّة ، جعلنا ندرك أنّ الإنسان حاول منذ البداية أن يجد مسلكا صحيحا و طريقا سويّا و صراطا مستقيما يسير عليه و أنّه كان ينسج لنفسه ما استطاع عقله أن يتصوّره و تمكّن تفكيره من تحليله ، و حاول في شتى العصور أن يصل إلى حقيقة مطلقة تغنيه عمّا يجول في ذهنه من ألغاز هذا الكون و هذه الطّبيعة و هذه النّفس .

الخاتمة:

   وعليه نستخلص في الأخير و ممّا سبق ذكره و تحليله من أقوال الباحثين و الدّارسين فيما تعلّق بهذا الموضوع:

   – أنّ القرآن الكريم يضع الأسطورة في المكان و الزّمان الأوّل حين أراد الإنسان أن يخوض مغامراته الأولى مع الكون    و حاول تعليل و تفسير أسراره و كشف خباياه ، فكانت تلك النّصوص هي أدبه و فنّه و فلسفته و معارفه ، إنّها مرجع حياته الفكريّة و الرّوحيّة ، أي هي دينه و تاريخه و فلسفته الأولى .

    – أنّه عندما مرّت الأزمنة و أخذت الحضارات تندثر بما جاءت به و لم يتحقّق منها مراد البشر صارت الأساطير  كلّها نصوصا كاذبة و خيالات لا معنى لها ، و أباطيل زعمها الأوّلون ، حتى جاء القرآن الكريم و وضع حدّا لكل تلك الخلافات البشريّة ، و حددّ لهم السبيل السوي الذي يجب اتباعه  و السير على نهجه للوصول إلى الحقائق المطلقة التي طالما بحثت عنها البشرية و لم تلقاها إلّا في كتاب اللّ عزّ وجلّ .

    -أنّ القرآن الكريم أشبع شغف الإنسان وفضوله فيما كانت تنقله الأساطير من الكذب و الخرافة و قدّم له التفاسير و الدلائل و البراهين اللازمة التي انطبقت تماما مع منطق عقله و أجابت عن كلّ تساؤلاته بل و أعجزته في كثير من المواقف ، و هو يخوض تجارب حياته البشريّة في علاقاتها مع الكون و المظاهر الطبيعيّة .

قائمة المصادر و المراجع المعتمدة :

  • القرآن الكريم .
  • إليا ميرسيا: ملامح الأسطورة ، ترجمة حسيب كاسوحة ، منشورات وزارة الثّقافة دمشق 1995م.
  • الربيعي جلال : قراءات أنتروبولوجيّة ، دراسة في كتابات الدكتور محمّد الجويلي ، الطبعة الأولى مكتبة علاء الدّين صفاقس ، دار نهى للطّباعة و النّشر ، تونس 2008م.
  • زكي أحمد كمال : الأساطير ، المكتبة الثّقافيّة المصريّة العامة للكتاب ، الطبعة الأولى 1997م.
  • سوّاح فراس : الأسطورة و المعنى ، دراسات في الميثيولوجيا و الدّيانات المشرقيّة ،  الطبعة الثّانيّة ، منشورات دار علاء الدّين سوريا 2001م.
  • الطّبري أبو جعفر محمّد بن جرير: مختصر تفسي الطّبري جامع البيان عن تأويل آية القرآن اختصار و تحقيق الشّيخ محمّد علي الصّابوني و الدّكتور صالح أحمد رضا، المجلد الأوّل والثّاني ، الطّبعة الثّانية 1987م ، وحدة رغاية الجزائر 1991م.
  • عجينة محمّد : موسوعة أساطير العرب عن الجاهليّة و دلالتها، دار محمّد علي للنّشر ، دار الفارابي ، طبعة 2005م بيروت لبنان.
  • علوي الصّافي فاطمة: الأسطورة اليمنيّة في الأدب العربي، مذكّرة دكتوراه، قسم العربيّة  جامعة البنجاب باكستان 1976م.
  • مندور محمّد  : الأدب و فنونه ، الطبعة الخامسة ، شركة نهضة مصر للطّباعة و النّشر والتّوزيع ، أغسطس 2006م.
  • – ابن منظور جمال الدّين محمّد بن مكرم بن علي : لسان العرب،  الطّبعة الثالثة ، ج 4  دار صادر بيروت لبنان.
  • – هاملتون أديث : الميثيولوجيا ، ترجمة حنّا عبّور ، منشورات إتّحاد الكتّاب العرب 1990م.
  • – ابن هشام عبد الملك : السّيرة النّبويّة ، الطبعة الثالثة ، دار الكتاب العربي بيروت 1990م ، الجزء الأوّل.

[1] محمد عجينة : موسوعة أساطير العرب عن الجاهليّة و دلالتها ، دار محمد علي للنّشر ، دار الفارابي ، طبعة 2005 م ، بيروت لبنان ص 56.

[2] ابن منظور جمال الدّين محمّد بن مكرم بن علي : لسان العرب ،  الطّبعة الثالثة ، ج 4 ، دار صادر بيروت لبنان ص 363-364.

[3] Herbet Read : Art and society . London 1949 p 29  ، نقلا عن أحمد كمال زكي  الأساطير ، المكتبة الثّقافيّة المصريّة العامة للكتاب ، الطبعة الأولى 1997م ، ص 4.

[4] أديث هاملتون : الميثيولوجيا ، ترجمة حنّا عبّور ، منشورات إتّحاد الكتّاب العرب 1990م ، ص 19.

[5] فاطمة علوي الصّافي : الأسطورة اليمنيّة في الأدب العربي ، مذكّرة دكتوراه ، قسم العربيّة  جامعة البنجاب باكستان 1976م، ص 16.

[6] محمّد عجينة : مرجع سابق ، ص 45.

[7] ميرسيا إلياد : المقدّس و الدنيوي ، ترجمة نهاد خياطة ، دار العرب للطّباعة و النّشر و التّوزيع ، الطبعة الأولى ، دمشق 1987م ، ص 90.

[8] جلال الرّبيعي : قراءات أنتروبولوجيّة ، دراسة في كتابات الدكتور محمّد الجويلي، الطبعة الأولى ، مكتبة علاء الدّين صفاقس، دار نهى للطّباعة و النّشر، تونس 2008م ، ص 32.

[9] فراس سوّاح : الأسطورة و المعنى ، دراسات في الميثيولوجيا والدّيانات المشرقيّة ،  الطبعة الثّانيّة ، منشورات دار علاء الدّين سوريا 2001م ، ص 13.

[10] محمّد مندور : الأدب و فنونه ، الطبعة الخامسة ، شركة نهضة مصر للطّباعة و النّشر و التّوزيع ، أغسطس 2006م ، ص 40، 41 .

[11] نفس المرجع ، ص 62.

[12] نفس المرجع ، ص63.

[13] أديث هاملتون : الميثيولوجيا ، ترجمة حنّا عبّور ، منشورات اتحاد الكتّاب العرب 1990م ، ص 13.

[14] نفس المرجع ، ص 18.

[15] سورة الأنعام الآية 25.

[16]  الطّبري (أبو جعفر محمّد بن جرير) : مختصر تفسير الطبري جامع البيان عن تأويل آي القرآن اختصار و تحقيق الشّيخ محمد علي الصّابوني و الدّكتور صالح أحمد رضا ، المجلد الأوّل ، الطبعة الثانيّة  1987م المؤسّسة الوطنيّة للفنون المطبعيّة ، وحدة رغاية الجزائر 1991م ، ص 225.

[17] سورة الفرقان الآية 05.

[18] أبو جعفر محمّد بن جرير الطّبري : مختصر تفسير الطّبري ، المجلد الثاني ص 108.

[19] ميرسيا إلياد : ملامح الأسطورة ، ترجمة حسيب كاسوحة ، منشورات وزارة الثّقافة دمشق 1995م ص 11.

[20] سورة النّمل الآية 68.

[21] أبو جعفر محمّد بن جرير الطّبري : مختصر تفسير الطّبري ، المجلد الثّاني ، ص 146.

[22] سورة  المؤمنون الآية 83.

[23] سورة  الأحقاف الآية 17.

[24] سورة  الأنفال الآية 31.

[25] عبد الملك ابن هشام : السّيرة النّبويّة ، الطبعة الثالثة ، دار الكتاب العربي بيروت 1990م ، الجزء الأوّل ص 228.

[26] سورة النّحل الآية 24.

Continue Reading

Previous: سيرة الحقائق/ جدل الروح والهوية في (رواء مكة) لحسن أوريد Truths Biography/spiritual and identity dialect in (Rawaa Mekka) of Hassan Ourid .
Next: الزهد الديني ومظاهره في شعر المعرّي Religious Asceticism and its Manifestations in Ma’ari Poetry

مقالات في نفس التصنيف

صدور العدد 111 من جيل الدراسات الأدبية والفكرية

صدور العدد 111 من جيل الدراسات الأدبية والفكرية

2026-07-25
الحُجاب وخطة العلامة في الديوان المريني
1 min read

الحُجاب وخطة العلامة في الديوان المريني

2026-07-13
صدور العدد 110 من مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية
1 min read

صدور العدد 110 من مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية

2026-06-29

آخر الأعداد

  • JiL Center on UNSCIN
  • JiL Center Journals
  • JiL Center on Research Gate
  • JiL Center on Youtube
  • JiL Center on Find Glocal
  • Follow us on Facebook

    Visitors

    Today Today 445
    Yesterday Yesterday 1,195
    This Week This Week 4,638
    This Month This Month 3,729
    All Days All Days 21,368,084
     

    تصنيفات

    الأرشيف

    من الأرشيف

    • الدورة المشتركة الأولى في القانون/ الجزائر 11-14 أغسطس2013
      الدورة المشتركة الأولى في القانون/ الجزائر 11-14 أغسطس201316/08/20132JiL

       نضم مركز جيل البحث العلمي  الدورة المشتركة الأولى في القانون الدولي: الدبلوماسي والقنصلي – الإنساني ...

    • مؤتمر  حقوق الإنسان في ظل التغيرات العربية الراهنة | أبريل 2013
      مؤتمر حقوق الإنسان في ظل التغيرات العربية الراهنة | أبريل 201317/01/20140JiL

      نظم  مركز جيل البحث العلمي بالتعاون  مع كلية القانون بجامعة   بسكرة  وورقلة الجزائر مؤتمرا ...

    • مؤتمر الحق في بيئة سليمة | ديسمبر 2013
      مؤتمر الحق في بيئة سليمة | ديسمبر 201322/01/20140JiL

    JiL Scientific Research Center @ Lebanon, North Governorate, Tripoli, North Heaven Street, Bloc 6| Copyright © All rights reserved | MoreNews by AF themes.

    Cancel
    imunify-bot-check