المكانُ في الرّواية العربيّة ـ الجماليّة والتّأويل
The place in the Arabic novel -aesthetic and interpretation
د. أمين مصرنّي. المدرسة العليا للأساتذة. وهران/ الجزائر.
Dr. Amin Morsini, The high school of professors. Oran, Algeria.
مقال نشر في مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية العدد 52 الصفحة 55.
الملخّص:
لم يَفْتَأِ العملُ الفنيّ والأدبيّ منذُ ظهوره يملأ الدّنيا ، و يشغلُ النّاس ، منذ آمادٍ بعيدةٍ ضاربةٍ في جذُور التّاريخ طولاً وعرضًا؛ نقول عن الإنسان إنّه حيوان مِفنٌّ ـ استدْعاءً لمقولة لأهل المنطق مع التّصرّف، إنّه إذا دقّت العبارةُ كائنٌ جماليٌّ دِلاليٌّ مبدِع، يلفتُ انتباهه كلُّ شيء به دلالةٌ، ويثيرُ انتباهه كلُّ جميل، فتحيطُ به الدّلالة من كلِّ جانبٍ، ليست تبرحُه، لذلك لم تكن الهيرمينوطيقا الّتي ننسبها إلى هرمس وليدةَ هرمس كما يزعم الزّاعمون، إنّها من قبْلِ هرمسٍ كائنةٌ، وتظلّ بعدهُ لا تموت، ما دام في الكون العظيم حياة، ومن ثمّة يجيء المكان في الرّواية غيرَ بيّنٍ، لأنّه يتنزّل عدّة تنزّلات، إذ يحيط به التّأويل من كلّ جانبٍ، فاختلاف الزّاوية يعقبه اختلافٌ في التّأويل.
الكلمات المفتاحيّة: العمل الفنّيّ ـ الأدب ـ التّأويل ـ المكان ـ الرّواية.
The Abstract :
Since its appearance, the art and literary work has been filling the world, and has occupied people, since Amada long ago, at the roots of history, length and width. We say about a person that he is an animal that is called a saying to the people of Logic and acting, That if the phrase rang a beautiful semantic object, He draws his attention everything with significance, and excites his attention every beautiful, It is surrounded by the significance of every aspect, not being, So it was not hermeneutic that we attributed to a nascent Hermes, Hermes as alleged by the Preclaims, that it was by Hermes object, and still does not die, And from there comes the place in the novel is not between, because it is a lot of things, as it is surrounded by the interpretation on each side, the difference of the angle followed by a disturbed.
Keywords : The artistic work – The literary – The interpretation – The place – The novel.
إنّ فلسفةً لم تعرف من الدّوام، و التّأبّي على الامّحاء و العفاء، ما عرفتهُ فلسفةُ الإبداع من رسُوخٍ وثباتٍ، وحياة، إنّها فلسفة الفلسفات، حضورًا، و تجلّيًا؛ إذ ما من فلسفة إلاّ و قد كان العمل الإبداعيُّ مركزًا من مراكزها، حتّى تلك الفلسفاتُ النّصيّة الّتي ظلّت تصرّ على أنّ الواقع و الوعي، هو الّذي له وجودٌ، و لا وجودَ آخرَ إلاّ العدم؛ و لئن عرف التّاريخ انعطافاتٍ، فلقد كانتِ الاستيطيقا باعتبارها نظريّة للإبداع، والهيرمينُوطيقا بوصفها نظريّةً لفهم هذا والإبداع وتأويله، الفلسفتين و التّفكيريْن الوحيدَيْن القادرَيْن على الحضور لحظة التّجلّي، كما لحظة الغياب ـ على حدّ تعبير “ريكور” حين يبوحُ قائلاً: “إنّ الفلسفة الهيرمينوطيقيّةَ هي فلسفةٌ تتحمّلُ جميعَ مقتضياتِ هذا الانعطافِ الطّويل الّذي يتخلّى عن الحُلم بوساطةٍ شاملةٍ يغدو التّأمّلُ، في نهايتها، مساوِيًا من جديد للحدس العقليِّ داخلَ الشّفافيّةِ مع النّفس لذاتٍ فاعلةٍ مُطلقة”[1].
إنّه حقًّا تحمّلٌ لمقتضيات الحياة الأدبيّة جميعِها، و لذلك تغدو هذه الفلسفةُ فلسفة حياةٍ من قبل “شلايرماخر”، و من قبل “ديلتاي”، بل إنّ التّاريخ يثبت كما نفعلُ أنّ الاستيطيقا والهيرمينوطيقا ـ بعيدًا عمّا يشي به المصطلح لغويًّا ـ كانت حاضرتيْن في الأدب و الأسطورة و في الواقع، لقد كانت تتجلّى مرّة على أنّها التّفسير، و تتمثّل مرّة أخرى كأنّها الفهم أو محاولته، و تظهر مرّة في ثوب الشرح و التّدبّر والتّعليل، و التّعليق، ثمّ إنّها كانت إذا اقتضى الأمر محاولة التّعاطي مع الواقع و العالم، و الذّات باعتبارها كونًا مصغّرًا، أو لم يصل الإنسان إلى أنّ الهيرمينوطيقا هي نظرية الفهم، وشهدت المعجمات على أنّ الفعل أَوَّلَ يحيلُ أحيانًا إلى فهِمَ أوْ دبَّرَ؟، وأنّ الاستيطيقا هي نظريّةُ الحساسيّة.
لقد تظلّ المحاولات الفنيّة والأدبيّة الطّامعة في محاورة الوجود وجوديًّا، أو المحاولة التّماهي معه فينومينولوجيّا، أو السّاعية إلى فهم الذّات خلاله تحليلاً نفسيًّا، تدين للهيرمينوطيقا، مركزًا في هامش، و بؤرةً محوطةً بنصّ، و ليس ثمّةَ شكّ في أنّ الإنسان كان و لا زال، و سيظلّ عاجزًا، عن تأطير هذا المبحث الأنطولوجيّ الفينومينولوجيّ الهيرمينوطيقيّ، لعلّة واحدةٍ وحيدةٍ مفادها أنّه التّفكير الفلسفيّ الّذي يرضى به الدّين و الشّعر و الرّقص و المسرحُ و الموسيقى و التّشكيل، والرّوايةُ، و كل تمثّلات الذّات و تجلّياتها، إن كانت أثرًا شعريّا، أو موسيقيًّا، أو غيْرهُ.
ستظلّ الهيرمينوطيقا حاضرةً حضرتِ القصديّة الهوسرليّة، أم لم تكن، وستظلّ الهيرمينوطيقا تحاور النّصّ، وتجاوزه إلى الفعل ريكوريّا، أو غير ذلك، ستظلّ حاضرةً، وإن أُعلن موت الفنّ هيغليًّا أو إيكويًّا، لعلّةِ أنّها (أي الهيرمينوطيقا)، هي فلسفة التّجلية والتّجلّي، تتجلّى مرّة تراجيديا هيراقليطيّا، ومرّة تشكيلا ظاهراتيّا، ومرّة موسيقى نيتشويّا، وحين نزعمُ أنّها غابت تصيرُ كشْفًا هيدغيريًّا.
ومن ثمّة يصيرُ البحثُ عن الأدبيّة بحثًا عن التّأويل في حدّ ذاته، عندما يغيب كلَّ مرّة في تضعيفٍ من التّضاعيف، وعلى ذلك يصير التّأويل عقلانيًّا ولاعقلانيًّا، ويصير مباشرًا، وغيرَ مباشرٍ، يكون مرّة توسيعًا لمجهول نصوصٍ يطلب الاستبطان والتّعمّق، ويكون تارةً أخرى دعوةً للتّحلّقِ حول الذّات الفاعلة وعيًا ولا وعيًا، هذه الذّات الّتي قد لا نفهمها إلاّ من خلال تجلّيها وإسهامها في أن يكون الموضوع موضوعًا، كما يسهم ذلك الموضوعُ في أن تكون الذّاتُ ذاتًا ـ على حسْب فهمنا لصـــاحب ” العين والذّهن” ” L’ œil et L’esprit”ـ،إذ يكون (أيْ التّأويل) مجابهةً حميميّةً يمليها الخطابُ والإمكان، وتيْهًا إلى خارجٍ قصْدَ خلخلة البُنى، وزحزحة المركز عن عرش لم يكد يبرحه، كما فهمنا من “جاك دريدا”، رغبةً من لدُنه للانشغال باللّعب، وتحطيم المركزيّات، تحطيمًا تأويليّا، إذ يغدو ذلك التّأويل ممارسةً رافضةً للمركز، وتغدو مع ذلك خطرًا جميلاً، لكنّه صادمٌ، لا مُهادن.
خلال هذه الممارسة الأنطولوجيّة الظّاهراتيّة، لن نكون بصدد البحث في الحُبْكات، والاستعارات، هذه الاستعاراتُ الّتي نحيا بها، إذ نُؤوِّل ذواتَنا مجازًا ورموزًا، على ذلك سيكون كلُّ ذلك صحيحًا حين ندرك أنّ الفلسفة الهيرمينوطيقّةَ هي تلك الّتي تجعلُ “الخطابَ لا يكون قطُّ من أجلِ مجده الخاصّ، بله ويريدُ، في جميع الاستعمالاتِ أن يحمّل اللّغة تجربةً وطريقةً في سكن العالم والكينونةِ داخلَه، وهي طريقةٌ تسبقه، وتريد ُللخطاب أن يعبّر عنها. إنّه ذلك الاقتناع بتصدُّر كينونةٍ إذ يُعبّر عنها على قولنا، هو ما يفسّر إصرارنا على أن نكتشف داخلَ الاستعمالاتِ الشّعريّةِ للّغةِ، الصّيغةَ المرجعيّةَ الخاصّةَ بهذه الاستعمالاتِ، والّتي من خلالها يستمرّ الخطابُ في قول الكينونة ِحتّى عندما تبدو منسحبةً إلى ذاتها لتحتفيَ بنفسها”[2]، إنّنا لا نروم كلّ ذلك، ولكنّا نتعالى عنه إلى موضوعٍ آخر لا يقلُّ أهميّةً، وإن كانت الدّراسات فيه قد شحّت عربيّا على الأقلّ، إنّه موضوع “المكان في الرّواية العربيّة، إذ صارت ديوان العرب، حين صارت أكثر الأجناس الأدبيّة معالجةً لقضايا النّاس، وأقربها احتكاكًا بآمالهم، وملامسةً لآمالهم.
ومن ثمّة صار القارئ العربيّ يمارِس البحث عن كاتب نموذج، تمامًا كما صار هذا الكاتبُ النّموذجُ يسعى للعثور على قارئ، إنّه ليس قارئًا أعلى، ولا هو قارئ متوسّط، وليس مثاليًّا، على حدّ جهد “أيزر” وتوصّله، إنّه قارئ نموذجٌ يستطيع الارتقاء بالنّصّ، ارتقاءً في حدود الإمكان، إذ هو ارتقاءٌ لانهائي ّفي حدود النّصّ، والبنى الاستعاريّة للخطاب، والإدراكات الدّلاليّة لحدود الأمكنة والفضاءات، ولذلك فإنّه لانهائيّ، لكنّه ليس متاهيّا، ليس يقف عند حدود الدّليل، مادام هناك ماثولٌ يدفعه ليقارب كلّ شيء، مادامت كلّ الحياة حياةً سيميولوجيّة، أي دالّةً، وعليه فليس تقيّدها الصّورة السّمعيّة، والعلامة اللّغويّة، مادام المعنى أكبر مع الرّمز والأيقونة والمؤشّر، إنّه يتجاوز “دي سوسير”،مادام يجد عند “بيرس” مبتغياته، كما يعتقد “إيكو” و “دريدا” مع الفارق الحاصل بين الاثنين.
لقد كان هذا وغيره مبرّرًا حقيقيًّا لنختار موضوعنا الّذي يأتي وسْمُه بـــ : “رِهَانَاتُ المَكَانِ فِي الرِّوَايَةِ الْعَرَبِيَّةِ الْجَدِيدَةْ ـ مِنْ جَمَالِيَّاتِ الْفَضَاءْ إِلَى دِلاَلاَتِ التِّيمَةْ” ،إذ يكتسي موضوعُ نظريّة المكان، أو الفضَاءِ أوِ الْحَيِّزِ، أهميّةً قصوى، مادام الطّابع الشّموليّ الّذي عرفه السّرد العربيُّ، بحثًا عن الإنسان باعتبارهِ قيمةً ومعيارًا، بعد أن ألغتْه نظريّاتٌ وقتلته دهورًا عديداتٍ، ولم تجد إذّاك إلاّ نظريّة الفهم، أو نظريّة فهم الفهم مخلّصًا وملاذًا قد يكون آمنًا، وقد يكون موحِشًا.
وإنّ مِن مبرّرات، اختيارنا للمكان في الرّواية أيْضًا مبرّرات أُخَر أهمّها أنّ عنصر المكان أو الفضاء قد صار ـ بداية ـ العنصر الأهمّ في الدّراسات السّرديّة النّقديّة المعاصرة، بعد أن خاض النّاقدون في عناصر العمل السّرديّ ومكوّنّاته خوضًا كافيًا، خلّف للمكتبة العالميّة والعربيّة، من الدّراسات ما فيه الغَناء الكبير. ينضافُ إلى ذلك أنّه “لم تُعْنَ الدّراسات الشّعريّة أو السّيميائيّة في النّقد الحديث بتخصيص أيّة مقاربة وافية ومستقلّة للفضاء الرّوائيّ، باعتباره ملفوظًا حكائيًّا قائم الذّات وعنصرًا من بين العناصر المُكوِّنة للنّصّ، وعلى العكس من ذلك، فقد كان الزّمن الرّوائيّ موضوعا للعديد من الدّراسات، وهذا ليس بمستغرَبٍ، لأنّ الزّمن، زمن الخطاب، وزمن القراءة، هو العامل الأساسيُّ لوجود العالم التّخيُّليِّ نفسِه[3]، وحقيقة نجد أنّ حظّ عناصر الرّواية من دون الفضاء قد شهِد حظوةً لم يشْدها هذا الإطارُ المكانيّ، حتّى أدرك المشتغلون على السّرديّات والرّوائيّون أنفسهم أنّهم ليسوا في مقابل المكان المعتاد، “فهو ليس مكَانًا معتادًا كالّذي نعيشُ فيه أو نخترقه يوميًّا، ولكنّه يتشكّلُ كعنصرٍ من بين العناصر المكوِّنة للحدث الرّوائيّ؛ وسواءً جاء في صورة مشهدٍ وصفيّ أو مجرّد إطار للأحداث، فإنّ مهمّته الاساسيّة هي التّنظيم الدّراميّ للأحداث…. الفضاءُ الرّوائيُّ هو الّذي يكتب القصّة حتّى قبل أن تسطّرها يدُ المؤلّف”[4].
وعلى ذلك نحاول الخوض في مسألة الفضاء الرّوائيّ ـ على صعوبتها وخطورتها ـ انطلاقًا مِن قناعةٍ مفادُها أنّ الفضاء “قد كان ولا يزالُ يضطلِع بالقسط الأكبر من عمليّة بناء الأكوان السّرديّة”[5]، وإنّنا لنروم سبر أغوار الفضاء الرّوائيّ لأنه عندنا ذلك الفضاءُ الّذي ” لا يخضعُ للمعنى، إنّما يمضي مع المعنى في سياقٍ واحد، إنّه ناتِجٌ حتْمًا عن تغيير موقف الإنسانِ من الواقع، غير أنّه على مستوى النّصّ لا يظهر تابعًا لأيّ مضمون أو موقفٍ سابقٍ عليه، لأنّه هو نفسُه يصبح مصدر المعنى أو على الأصحّ مصدر المعاني المتعدّدة اللاّمحدودة”[6].
فالفضاء قد يكون وطنًا بأكمله، وقد يكون مدينة، أو قرية، أو صحراء ممتدّة وسيعة، وقد يكون جزئيًا شارعًا أو مقهًى أو مطارًا، ولذلك قد نلفيه ينخرِطُ في مسالك التّأطير الدِّلاليّ الشّامل للنّص، وقد لا نجده، ومن ثمّة فالحديث عن الفضاء الرّوائيّ لهو حديث عن عنصرٌ بانٍ في نسقيّة اللّعبة التّأليفيّة لشذرات الخطاب، فهو ـ كما يرى هربرت”:” يُرى لا كإطار جغرافيّ للمحكيّ، ولكن بالأحرى كعنصر بنينة”[7]
وهو الّذي يحدونا إلى أن نخوض في دلالات الثّيمة” “Thème” أو الموضوعة، إذ لا يقدّم الفضاءُ نفسه في إطار معنًى واحد، إنّه عبارةٌ عن معانٍ متعدّدة ولا محدودة، يحكمها المشهد الّذي تجيء فيه، وكون هذا الفضاء هندسيًّا أو مجازيًّا أو معادِيًا، أو أيديولوجيًّا، كما يحكمها كونُ الفضاء مُغلقًا أو مفتُوحًا، بالإضافة على المعاني العديدة الّتي ينتجُها القارئُ باعتباره شريكًا تأويليًّا، وبوصفه عنصرًا عامّا في السيميوزيس المتناهي واللاّ متناهي على حدّ سواء.
قِدمُ الحديث عن المكان:
خلال الّذي قلْناه آنِفًا نخلُص إلى أنّ الحديث عن المكان لم يكُ يوْمًا غريبًا عن الدّرس العربيّ، إذ الحديث عنه وعن فلسفته، قديمٌ قدم الدّرس الفلسفيّ العربيّ الإسلاميّ، وقبله، فلقد احتفى الشّاعر العربيّ بالمكان، حتّى صار الطّللُ والدّارُ والرّبْعُ وغيرها منطلقًا ومآلاً، ومن ثمّة راح العرب يبنون على المكان جماليّات القصيدة، فلم يُعدّ شاعِرًا من لم يقفْ، وما الوقفةُ إلا استدعاءٌ للمكان، وتصييره من جغرافيا إلى تراجيديا، فأنطولوجيا ، ومن ثمّة راح العرب والمسلمون يتلقّون عن الفلسفة اليونانيّة ما يؤسّسون به لشعريّة المكان، بعد أن كانت الْمُعْجمات العربيّة قد خاضتْ فيه تفصيلاً وتنخيلاً لغويّا، في الدّلالة الّتي تشي بها الكلمة في الفضاء العربيّ الصّحراويِّ المفتوح، فإذَا “المكانُ يساوي الموضِع، وجمعهُ أمكنةٌ وأماكن”[8]،.
إنّ كلمة موضِع “في أصل تقدير الفعل مفعِل، لأنّهُ موضِعٌ لكينونة الشّيء فيه… والدّليل على أنّ المكان مفعِلٌ أنّ العرب لا تقول في معنى هو منّي مكان كذا وكذا إلا مفعِلَ كذا وكذا، بالنّصب”[9]، فلقد “نشأ المفهوم ، ويقول “أبو البقاء” في كتابه “الكُلّيّات”: “إنّ المكانَ لغةً، الحاوِي للشّيء المستقرِّ من التّمكّن لا مفعِل من الكون”[10]، وللمكان عند العرب وغيرِهم مرادِفات عديدات، إذ تستعمَلُ للدّلالة عليه، وللنّيابة عنه، منها “المحلُّ، والأينُ، والملاَءُ، والحيِّزُ، والموضِعُ، والخَلاَءُ، والفَضَاءْ.، فإذا بدأنا بالمحلِّ فإنّ العرب تطْلِقُهُ على البعد[11]والبيْن، ولذلك قالواْ: “وأمّا الأيْنُ، فعِندهم هو سؤالٌ عن مكان. وهي مُغْنِيَةٌ عن الكلام الكثير وعن التّطويل، وذلك أنّك إذا قلت أينَ بيتُك؟ أغناك ذلك عن ذكر الأماكن كلِّها، وهو اسمٌ لأنّك تقول مِن أين….. اللّيث: الأَيْنُ وقتٌ من الأمكنة، تقول أين فلانٌ فيكون منتصبًا في الحالات كُلّها ما لم تدخله الألِفُ واللاّم”[12].
وحين نتعرّض للملاء فهو لغةً ضدّ الخلاء[13]، ويُطلق على المتّسع من الأرض[14]وخلال خوضنا في هذا الموضوع سنعرض إلى “الحيّز” وهو واحد من الألفاظ الّتي تريد بكثرة مرادفةًْ للمكان، ومن جهة اللّغة، فإنّه: “الفراغُ مطلقًا سواءً مساوِيًا لما يشغله أو زائدًا عليه، أو ناقصًا عنه، يُقال زيدٌ في حيِّزٍ وسيعٍ يسعُه..وفي حيّزٍ ضيّق لا يسَعُه هو بل بعض أعضائه خارج الحيِّز كذا قيل، وفي أكثر كتب اللغة إنّه المكان”[15]، أمّا الفضاء، فإنّه “المكان الواسعُ من الأرض، والفعل فضا يفضو، فضوًا، فهو فاضٍ . وفضا المكان وأفضى، إذا اتّسع، وأفضى فلانٌ إلى فلان، إذا وصل إليه، وأصله أنّه صار في فُرجته وفضائه، وحيِّزه، والفضاء “الخالي” الواسعُ من الأرض”[16].
المكانُ اصطلاحًا وفلسفةً:
المكانُ في تصوّر الكنديّ:
هذا في ما يتعلّق باللّغة، وقدْ وجدْنا اهتمامًا بالغًا، وعنايةً مركّزةً على هذه اللّفظة الّتي هي عنوانٌ وجوديٌّ، إذ أهميّته كامنةٌ في عنوانيّته هذه، أمّا الفلاسفة العرب، فلقد وقفوا عن المكان وقفةً مُطوّلةً عميقة، من هؤلاء الفلاسفة، نعرض لثلاثةٍ فقط، هم: الكنديُّ، وإخوان الصّفا، وأبو حيّان التّوحيديّ.
أمّا الكِنديُّ فإنّه قبل أن يشرح مذهبه في مسألة المكان ـ راح يعرِضُ تاريخ الخوض في المكان لدى من سبقوه، وانطلاقًا من الغموض الّذي خلُص الرّجل إلى أنه يطبع المسألة رأى الكنديّ سبب ظهور اتّجاهيْن في فلسفة المكان، الأوّل: ينفي وجود المكان. والثّاني يقرّ بوجوده، وهو مذهب أفلاطون “Platon” وأرسطو طاليس، وقد أخذ الكِندِيّ به[17]، وعلى ذلك له دليلان، يقوم الدّليل الأوّل الموسوم: الجسم والمكان، على “أنّه إذا زاد الجسم أو نقُص أو تحرّك، فلا بدَّ أن يكون ذلك في شيء أكبرَ من الجسم، ويحوي الجسم، ونحن نسمّي ما يحوي الجسمَ مكانًا”[18]، وهو ما يُدعى في الثّقافة الإسلاميّة التّحييز، وهي فكرةٌ عقَدِيّة فلسفيّةٌ، قبل أن تنتمي إلى أيِّ مجال، وهي مظهرٌ مِن مظاهر تأثّر الفلسفة العربيّة الإسلاميّة بالفلسفة اليونانيّة. وأمّا الدّليلُ الثّاني الّذي يسوقه “الكنديُّ” انتصارًا للفكرة أفلاطون وأرسطو طاليس، فإنّه الدّليل الموسومُ: ثباتُ المكان، وهو عنده (أي المكان) ثابت لا يفسُد، وليس يرتفِعُ مِن الوجود إذا غادره الجسم المتمكّن فيه، ولذلك يسوق لنا مثالاً عن ذلك قائلاً: “وذلكَ لأنّك ترى هواءً حيث يوجد خلاءٌ تارةً، وترى الماء حيث كان الهواء تارةً أُخرى، وذلك لأنّه إذا دخل الماءُ خرج الهواء، لكنّ المكان مع هذا يوجدُ ولا يفسُدُ أيُّ واحدٍ منهما”[19].
المكانُ في تصوّر إخوان الصّفا:
وحين ننتقل إلى إخوان الصّفا: فإنّنا لا نجد خلافًا ـ من حيث المنطلقاتُ ـ عمّا أرساه الكنّديّ إذ كلا الطّرْحين مستمدٌّ من الأرسطاليسيّة فكرته عن المكان، ويمكن حصرُ طرح “إخوان الصّفا” في مفهومين اثنيْن، هما المكانُ والخلاءُ، وقبل أن يعرض لنا إخوان الصّفا موقفهم من المكان، عرضوا لموقف الجمهور منه إضافة إلى الفلاسفة الآخرين، ومن ثمّة فهو عند الجمهور وِعاءٌ يتمكّن فيه الجسم، مثلا الماءُ مكانُه الكوزُ الّذي هو فيه، اما عند الفلاسفة فالموقف مختلفٌ، فمنهم من يتصوّرُ أنّ المكان جوهر، ومنهم من يتصوّر أنّ المكان عَرَض.[20]، فهو إذن ذلك “الفصل المشتَركُ بين السّطح الحاوي وسطح المحوى”[21]، وعلى ذلك وبناءً عليه، يعرضون رأي أرسطو طاليس للمكان فحدُّه أنّه “كلُّ موضِعٍ تمكّن فيه المتمكّنُ، وهو نهاياتُ الجسم”[22].
يصلُ إخوان الصّفاُ إلى موقفٍ يرى نفيَ الخلاء أساسًا، وموقفا، سواءً داخلَ العالم أو خارِجه، وهو تبنّ للموقف الأرسطوطاليسيّ ، ويجيء ذلك خلال فصلين من الرّسائل الطّبيعيّة، الأوّل خاصّ بنفيهم وجود خلاء في العالم، ومثالهم في العلاقة بين الأجسام الطّبيعيّة في العالَم، “طبقات البصل”[23] الّتي لا يوجد بين طبقاتهَا فراغٌ ولا خلاءٌ إلاّ فصلٌ مشتَرك وهميّ[24]، وحجّتهم في ذلك منطقيّةٌ رياضياتيّة تقوم على أنّ “معنى الخلاء هو المكانُ الفارغُ الّذي لا متمكّنَ فيه، وبما أنّ المكان صفةٌ مِن صفاتِ الأجسام لا يقوم إلاّ بالجسم الواحد، ولا يوجد إلاّ معه”[25]، ومن خلال ذلك، فلا يوجد مكانٌ لا متمكّن فيه قطُّ إذن[26].
المكانُ في تصوّر أبي حيّان التّوحيديّ:
وحين نتحدّث عن المكان عند “أبو حيّان التّوحيديّ” نقول يجيءُ خوْضُ أبي حيّان في مسألة المكان ضمن كتابه المقابسات، خلال المقابسة الحاديةِ والتّسعين، والنّاظرُ خلال كتابي الفيلسوفين اللّذين سبقا، وغيرهما وهم كثير، يجدُ أنّ مسألة المكان لدى أبي حيّان، تجيء خلال سؤال الماهية، “ما؟” الّذي يشملُ أشياء لا حصر لها، وهذه مجموعةُ حدود ومصطلحات جمعها “التّوحيديّ” ووعاها، من خلال مجلس شيخه” أبو سليمان المنطقيّ”، وهي الّتي أعاد “التّوحيديّ” كتابتها بأسلوبه المتأدّب المتفلسف، ليكون سؤال المكان، “ما المكان؟”، ويأتي جواب التوحيديّ بأنّه “حيثُ التقى الأفُقَان، المحيطُ، والْمُحاطُ به، وهو أيضا ما بين سطح الجسم الحاوي، وانطباقه على الجسم المحويّ”[27]،.
و بهذا نخلُصُ إلى أنّ التّوحيديَّ لا يخرُج عن الكنديّ والفارابي، حين يتحدّث عن المحيط والمحاط به، ولا يخرج عن أرسطو طاليس، وهو ما جاء عند الكنديّ، والفارابيّ، وإخوان الصّفا وابن سينا[28].
وخلالَ هذا وغيره يتجلّى ما لِلْمكان من أهميّةٍ في التّراث العربيّ الإسلاميّ، ولذلك كان هذا وغيره من أهمّ القضايا الّتي أخذها الفلاسفة العرب والمسلمون عن اليونان، وزادُوا عليها وعْيًا وإدراكًا لمسائل “الزّمان” و”المكان” و”البرودة” و”الحرارة” و”العقل”، وغيرها.
ما المكانُ؟
انطلاقًا ممّا سبق، وممّا سيأتي، يمكنُ لنا القولُ إنّ المكان ـ الّذي نحنُ في معرِض الحديث عنه والخوض فيه ـ لم يكن يومًا مجرَّد وجودٍ ماديّ نركنُ فيه إليه، إنه ذلك الوجود الّذي يستوعبنا بكلّ حركاتنا وسكناتنا، أيْ أنّه ذلك الجسمُ الّذي نحويه ويحْوِينا، وإنه تلك الجزئيّة الّتي يرفضُ لا وعيُنا التّنازل عنها، حين يُسْلمها إلى الحُضور كّلما عنّ له. وإذا كان عنصر المكان جزئيّة في النّصّ السّرديّ عاديّة، في ما قبل البنيويّة, فإنّه قد شهد اهتمامًا بالغًا منذ أن رجحت كفة النّسق ومقولتُه، أي منذ أن صار المكان ـ كغيره ـ بنيةً دالّةً لا تعريفُ قرارًا على مستوى الدّلالات والرّمزيّات والمعنى، ومن ثمّة أضحى التّعامل مع البنية المكانيّة تعامُلاً استشكاليًّا، إن على مستوى المصطلح، أو تمثُّلاته، خصُوصًا حين يتعلّق الأمرُ بالمقابل العربيّ الّذي وقف في كثير من الأحيان بين مصطلحيْ ، ” Space ” الأنجليزيّة، و” Espace ” الفرنسيّة، إذ انحصرت التّرجمة بين “الفضاء” ،إشارةً إلى السّعة والفراغ الممتدّ، استنادًا إلى تعاليم السّيميائيّات الّتي تلحّ على مقولات الانفتاح والسّيميوزيس، وبين ترجمته إلى “الحيز.. “[29]،الّذي يشير إلى معطيات المكان في ضيقه ومحدوديّته، وهو المستلهَمُ من عناصر النّصّ في ظلّ الطّروحات البِنيويّة، وهذا لا يلغي أن نذكر أنّ المكان قد قوبل ـ أجنبيًّا أيضًا بمصطلح “Le lieu”، كما جاء في كتاب “لوري تريفينوف” “Iouri Trifonov” الموسوم: “Le temps et le lieu, roman” أو بمصطلح “Location””بُقعة” وذلك “للتّعبير عن المكان المُحدّد لوقوع الحدث”[30].
بين الفضاء والمكان الرّوائيّيْن:
يمكن القولُ إنّ “الفضاءالروائيّ والمكان الروائيّ مصطلحان بينهما صلة وثيقة وإنْ كان مفهومهما مختلفاً.[31]، إن لم نقلْ ـ على رأيِ البعضِ ـ إنّهما اسمان لمسمّى واحد،فالمكان الروائيّ حين يُطلَق من أيّ قيد يدلُّ على المكان داخل الرواية، سواء أكان مكاناً واحداً أو أمكنة عدّة. ولكننا حين نضع مصطلحَ المكان في مقابل مصطلح الفضاء بغية التمييز بين مفهوميهما فإنـنا نقصد بالمكان، المكانَ الروائيَّ المفردَ ليس غير، ونقصد بالفضاء الروائي أمكنةَ الرواية جميعها. بيد أن دلالة مفهوم الفضاء لا تقتصر على مجموع الأمكنة في الرواية، بل تتسع لتشمل الإيقاع المُنظِّم للحوادث التي تقع في هـذه الأمكنة، ولوجهات نظر الشخصيات فيها. ومن ثَمَّ يـبدو مصطلح الفضاء أكثر شمولاً واتساعاً من مصطلح المكان”[32]، وهو في الأخير هُوِيّةٌ مِن هويّات الفضاء الرّوائيّ، على تعبير “حسن نجميّ” في “شعريّة الفضاء الرّوائيّ.
إنّها ـ إن صحّ التّعبير ـ أسماءٌ تتعدّدُ، وتتعدّدُ معها دلالاتُها اتِّساعًا وضيقا، أيًّا كانت مكانًا أو حيِّزًا أو فضاءً، فهي ليس تخرجُ أو تنصرفُ عن دلالة الإطار أو الموضع الذي يعيش عليه الإنسان، وهو ذلك الموضعُ الّذي يسكنُ ذاكرة الإنسان ويأسرُ خياله[33]، وهو ما يذهب إليه سيزا قاسم حين تقول: “المكانُ الّذي يأسر الخيال لا يمكن أن يبقى مكانًا لا مُبالِيًا خاضِعًا لأبعادٍ هندسِيًّا وحسبُ، بل هو مكانٌ عاش فيه النّاسُ ليس بطريقةٍ موضوعيّة، وإنّما بكلّ ما للخيال من تحيُّزات”[34]وإنّه لا يقف عند هذا الحدّ، بل يتعدّاه فيتسع ليستوعب كلّ ما يمكنُ تسميته مكانًا أو مكمنًا من صحراء وغابات ووسائل نقل، ورُكْح مسرح وقاعة سينما، أي كلّ ما يرتبطُ بأنشطته وحياته[35]، ومن ثمّة فإنّ الحديث عن المكان لهو حديثٌ عن الوجود، أي الوجود الإنسانيّ، وعلى ذلك فـ”السّؤال عن المكان مرتبطٌ في الواقع بالسّؤال عن الوجود الإنسانيّ، هذا الوُجود الّذي تحقّق دوْمًا في ظلّ مكانٍ حيثُ كان رَحِمُ الأمّ هو المكان الأوّل الّذي مورست فيه الحياة بشكلٍ أو بآخر، ثمّ جاء المهْدُ، ثمّ البيت، ثمّ الشّارع، ثمّ المدرسة، ثمّ المدينة أو القرية، ثمّ أمكنةٌ أخرى يكونُ آخرها القبر”[36]،
إذن يستحيل المكان صورةً ظاهرة عن الوجود الإنسانيّ، ويصيرُ التّعاطي معه هو تعاطِيًا فينومينولوجيًّا مع ذات الإنسان. وموضوع هذا الوجود الّذي قد يكون منتهاه القبر ـ واقعًا ـ ويتجاوزه الرّوائيّ أو المبدع ـ بشكل عام ـ متخيَّلاً، ومن ثمّة فالتعاملُ مع كل عناصر العمل السّرديّ هو تعامل مترَاوَحٌ بين واقعٍ وخيال، دون أن نغفل أن هذه العناصر ستصير مجرّد تيمات يُدلّ بها على ما يحاوله فعل السّرد من إنتاجٍ ،للدّلالاتِ، ذلك “أنّ القرية غيرُ القرية وغير المدينة، والسّجن والبئر غير السّاحة وبيت العائلة، ولكلّ مكانٍ من هذه الأماكنِ أن يحمل دلالاته وسياقاته”[37].
المكان في العمل السّرديّ:
ينخرط عنصرُ المكان أساسًا من أسس العمل السّرديّ وعناصره مختلفًا عن الزّمان ثبوتًا وتغيّرًا، إحاطةً ومحاولة إحاطة، ولكن “يمكن القوْلُ إنّ المكان ـ بالمعنى الفيزيقيِّ ـ أكثرُ التصاقًا بحياة البشر، من حيثُ أنّ خِبرةَ الإنسان بالمكان وإدراكَه له يختلفان عن خِبرته وإدراكه للزّمان، فبينما يُدركُ الزّمانُ إدْراكًا غير مُباشر من خلال فعله في الأشياء ،فإنّ المكان يُدركُ إدراكًا حِسّيًّا مُباشِرًا يبدأ بخبرة الإنسان لجسده: هذا الجسد هو “مكان” ـ أو لنقل بعبارة أخرى “مكمن” ـ القوى النّفسيّة والعقليّة والعاطفيّة… للكائن الحيّ[38]، ليس هذا فحسب، بل إنّنا “لا نغالي إذا قلْنا إنّ المكان هو العمود الفقرِيُّ الّذي يربِط أجزاء الرّواية ببعضِها البعض، ولو حاولْنا أن نستعيد في ذاكرتنا الرّواياتِ الّتي قرأْناها لتذكّرنا معها تلك الحركة الحيويّة النّشيطة لساكني الأحياء والبيوت الشّعبيّة الّتي تجعلُها بيوتًا كأنّها بلا جُدران، نعرف عنها وعن ساكِنيها كلّ شيء، ولَتذكّرنا أيضا تلك البيوت الفخمة العتيقة المتميِّزة بحجارتِها الواسعة والمتعلّقة وألوانِها القاتمة، وستائرها الكثيفة كالجدران”[39]، ومن ثمّة يستمدّ الفضاء والمكانُ قيمته باعتباره الأرضيّة المشتركة الّتي تلتقي فيها وعليها الأحداث والشّخوص، وكلُّ مكوّنات العمل السّرديّ وأجزائه وعناصرِه.
أهميّة المكان في الرّواية وضروراتُه:
يمكننا القولُ بعد إمعان نظرٍ في الدّراسات الّتي عُنيت بالمكان أو الفضاء المكانيّ، أنّ اهتمام الرّوائيّين أو الباحثين في السّرد قد انصرف قبل كلّ شيء إلى الزّمن، خصوصًا مع رواية البنيويّة الّتي عدّت مسألة كسر الخطيّة الزّمانيّة فتحًا جديدًا، و من ثمّة ـ كما يقول “جون ويسجربر” “Jean Weisgerber”:”فقد كان الزّمنُ الرِّوائيُّ موضوعًا للعديد من الدّراسات، وهذا ليس بمُستغرب لأنّ الزّمن، زمن الخطاب وزمن القراءة، هو العامل الأساسيّ لوجود العالم التّخييليّ نفسِه، في البداية كان الزّمن فكانت له الأسبقيَّةُ، في الأدب، على الفضاء الرّوائيِّ المعروض، وذلك لأنّ هذا الأخير لا يمكنه أن يتحقّقَ إلاّ في الوقت الّذي نشرعُ فيه بالكتابة أو القراءة”[40] .
من خلال هذا يمكن أن نستدرك فنقول إنّه وإن كان التّباين بين العنصر موجودًا فإنّ شيئُا من التّلازم الوجوديّ موجودٌ بينهما، ـ روائيًّا أو سرديًّا على الأقلّ، ومن ثمّة “يُعدُّ الحيِّزُ من المشكلات المركزيّة في العمل السّرديّ، وخصُوصًا في الرّواية حيث إنّ هذه الكتابةَ تختلف عن سواها … برسم الحيّز، وغرس الزّمن فيه، أو تعويم الزّمن في الحيّز… وعلى الرُّغم من أنّهما متلازمان لا يفترقان، ومتفارقان لا يتزايلان، فإنّ جمهور الدّارسين ومحلّلي الرّوايات يميّزون بينهما على سبيل التيسير الإجرائيّن وإلاّ فلا حيِّز بلا زمان، ولا زمان بلا حيّز، ولا يجوز ان ينفصل أحدهما عن صنوه في العمل السّرديّ”[41]
يشي هذا الكلام وغيره ممّا يندرج في ذات السّياق أنّ اعتبار المكان لم يولدْ في إطار نظريّاتيّ يؤسّس لنظريّة تُعنى بالفضاء المكانيّ، وخلاصةُ ما أُنتج “مسارٌ للبحث ذو منْحنًى جانبيّ غير واضح، وقد مثّل هذا التّوجّه الأكثر حيويّةً “غاستون باشلار” “Gaston Bachelardـ على رأي “هنري ميتران” “Henri Mitterand” الّذي يرى في “باشلار” رائدًا “عندما قام في شعريّة المكان”* بدراسة القيم الرّمزيّة المرتبطة بالمناظر الّتي تتاح لرؤية السّارد أو الشّخصيّات سواءً في أماكن إقامتهم كالبيت والغرف المغلقة أو الأماكن المنفتحة، الخفيّة أو الظّاهرة، أو المركزيّة .. وغيرها من التّعارضات الّتي تعمل كإطارٍ يتّضح فيه تخيّل الكاتب والقارئ معًا”[42].
يتجلّى خلال هذا أن الفضاء المكانيّ قد اكتسب قيمته باعتباره وافدًا جديدُا إلى صعيد الملفوظات الحكائيّة، انطلاقًا من العناية الفلسفيّة الأدبيّة الّتي انطلقت من الجانب الوجوديّ والفينومينولوجيّ والجماليّاتيّ وهنا يتمّ استدعاء ثلاثة أسماء فلسفيّة على الأقلّ ممثّلةً في “ديكارت” و”ليبنتز” و”باشلار” غير أنّ أوّل من عُني بالمكان مكوّنًا سرديًّا من منظور نقديّ هو المنظّر السوفيّيتيّ “يوري لوتمان” “Youri Lotman” الّذي عُنِي بإبراز الطّريقة الّتي يتمّ خلالَها تقديم الرّواية وضْعَ الإنسان أمام محيطه المادّي المجسدن[43]، من خلال ذلك تتجلّى قيمة الفضاء المكانيّ و أهميّتُه، فهو ـ إن صحّ التّعبير ـ الإطار أو الحاضنُ الّذي يضمّ بين أركانه عناصرَ العمليّة السّرديّة / الرّوائيّة جميعِها. غير أنّ الباحثين يفرّقون بين ضربيْن من المكان، أو بين مكانين، الأوّل هو: Lokal والثّاني هو: Raum “أمّا الأوّل فهو ذلك المكان المخصّص الّذي يُضبطُ خلال الإشارات الاختباريّة كالقياسات والأعداد… إلخ، وأمّا الثّاني فهو الفضاءُ الدِّلاليُّ الّذي يتأسّس على الأحداث ومشاعر الشّخصيّات في الرّواية، ومن ثمّة وبناءً على هذه التّمييزات … استطاع “هيرمان ميير” “H.Meyer” إبراز الدّور المهمّ والأساسيّ الّذي يلعبه الفضاءُ في بناء التّخيّل الرّوائيّ”[44].
من خلال هذا يتجلّى أنّ مسألة المكان مسألةٌ سرديّة فنيّة جماليّة. وهي في الوقت ذاته مسألة طوبوغرافيّة، قوامها التّركيز على أهميّة المكان من جهاتٍ عدّة، وهذا ما حاول البحث فيه كثيرٌ من الباحثين منهم “جورج بولي” “George Poulet”، فقد درس المكان لذاته بمعزلٍ عن الخوض في تحليل الرّوابط الّتي تجمع بين مكوّن الفضاء الرّوائيّ وبين كلّ الأنساق الطوبولوجيّة المتعدّدة في أيّ عملٍ، وبعيدًا عن كلّ المكوّنات الحكائيّة خلال الفضاء البروستيّ ـ نسبة إلى مارسيل بروست ـ وحيث لم يوفّق “جورج بولي” في ما أشرنا إليه استطاع تبيان أهميّة المكان في رواية “البحث عن الزّمن الضّائع”[45].
إنّ هذا وغيرَه يدْفعُنا دفْعًا إلى أن نطرح سؤالاً مهمًّا وهو: أين تتجلّى أهميّة المكان في العمل السّرديّ؟ أو تكمن جماليّته؟ وللجواب على هذا السّؤال نقرّ بدايةً أنّ أهميّة المكان ليست تنبعثُ من تفرُّده بل من انصهاره مع العناصر الأخر الّتي هي بمثابة عناصرَ حكائيّة سرديّة، ومن ثمّة يمكن الخلوص إلى أنّ “الحال أنّ المكان لا يعيش منعزِلاً عن باقي عناصر السّرد وإنّما يدخل في علاقات متعدّدة مع المكوّنات الحكائيّة الأخرى للسّرد كالشّخصيّات والأحداث والرّؤيات السّرديّ… وعدم النّظر إليه ضمن هذه العلاقات والصِّلات الّتي يقيمها يجعل ُ من العسير فهمُ الدّورؤ النّصيِّ الّذي ينهض به الفضاءُ الرِّوائيُّ داخلَ السّرد”[46].
وبالتّالي فإنّه ليس يصلح حديثٌ عن عنصر الفضاء أو غيره إلاّ على أساسِ أنّه عنصرٌ حكائيّ بكل ما تعنيه الكلمةُ من معنًى، وهو ما تمليه الشّعريّة الجديدة الّتي تبحث عمّا يمكنُ تسميتُه ب “شعريّة السّرد” “poétique de la prose “[47]، وعلى هذا فإنّ شيئًا من شعريّة السّرد أن يجعل من الفضاء مكوّنًا حكائيًّا محكومًا ببعض الضّرورات السّرديّة ، باعتبار أنّ للمكان شقّيْن واقعيًّا وخياليًّا ، والفضاءُ ثلاثةُ فضاءات: فضاءٌ نصيٌّ وفضائيٌّ حِكائِيٌّ وفضاءٌ واقِعيّ.
وإنّ خصوصيّة الفضاء الحكائيّ والفضاء النّصّي ليشيان بأنّ المكان “ليس عنصرًا زائدًا في الرّواية، فهو يتّخذُ اشكالاً ويتضمّنُ معانِيَ عديدة، بل إنّه قد يكون في بعض الأحيان هو الهدف من وجودِ العمل كلّه”[48]، خصُوصًا إذا وُجِد لدى روائيّ متمكّنٍ من أدواته الّتي تُحيل هذه العناصرَ بنيةً واحدةً كُبرى كأنّها أفرغت إفراغًا، ونشأتْ مكتملة، فقد يكون المكان أو الفضاءُ مساعِدًا على تطوير بناء الرّواية، وحمّالاً لرؤية البطل، وممثّلاً لمنظور المؤلّف، ما دام كلّ مكان حكائيِّ ذا دلالةٍ، وبعدٍ أيًّا كان، وإنّ كنّا نجد “تبايُنًا بين الروائيـين العرب في بناء الفضـاء الروائي.
فقد أخفق بعضهم في ربط الأمكنة بالحوادث ومنظور الشّخصيّات أو وجهات نظرها. والنتيجة الواضحة لهذا الإخفاق هي الاكتفاء بتقديم مكان جامد لا حياة فيه. ونجح روائيون آخرون في أن يجعلوا الأمكنة الروائية متكاتفة تؤثّر في الحوادث وتتأثّر بها، وتسهم في تطور الشخصيات التي تحلُّ فيها أو تخترقها. والروائي، في حالي الإخفاق والنجاح، يُقدِّم المكان الروائي بوساطة الوصف في الغالب الأعم، لأن هذا الوصف هو وسيلة اللغة في جعل المكان مُدْرَكَاً لدى القارىء. وقد يلجأ الروائي إلى وسائل أخرى غير الوصف في تقديم المكان الروائي. بيد أنه في الوسائل كلها مطالب بأن تُفضي أمكنته الروائيـة إلى فضاء يحيط بها ويُنظِّم حركتها ويجعلها أكثر عمقاً وإيحاءً من دلالاتها المكانيّة الضَّيِّقة”[49]،
من خلال هذا يتجّلى من الأمور الّتي تعطي للمكان أهميّةً انّ الطرائق الفنيّة الجماليّة هي الّتي تجعل الرّوائيّ الجيّد قادرًا على الانطلاق من المكان خلوصًا إلى فضاءٍ أرحب وأوسع، ينقل اللّغة من إطار مباشر إلى أطرٍ إيحائيّة دلاليّة رحيبة فمن “المعروف أن المكان الروائيّ هو المكان اللفظيّ المتخيَّل؛ أي المكان الذي صنعته اللغة انصياعاً لأغراض التخييل الروائيّ وحاجاته. وهذا يعني أن أدبيّة المكان، أو شعريّته، مرتبطة بإمكانات اللغة على التعبير عن المشاعر والتصورات المكانيّة، مفضيةً إلى جعل المكان تشكيلاً يجمع مظاهر المحسوسات والملموسات، ومكوِّناً من مكوِّنات الرواية يؤثِّر فيها ويتأثَّر بها.
وإذا كان الوصف قادراً على تقريب المكان من القارىء، تبعاً لرسمه صورة بصريّة تجعل إدراك المكان بوساطة اللغّة ممكناً، فإن هذا الوصف مجرد تمهيد لاختراق الشخصيات المكان بوجهات نظرها الخاصة، ومحاولتها بناء فضاء روائيّ يضبط إيقاع الأمكنة الروائيّة التي اخترقتها الشخصيات وتفاعلت معها”[50].
ومن ثمّة فإنّ ما يحكم عنصر الفضاء اللغويّ هو اللّغة وحدها، إن ينشأ خلالها وحدَها، فهو فضاءٌ متخيَّلٌ لا علاقته بالواقع كغيره من العناصر الحكائيّة الأخرى وهذا يجعل الواحد منّا يخلُصُ إلى أنّ “الفضاء الرّوائيّ، مثل المكوّنات الأخرى للسّرد، لا يوجد إلاّ من خلال اللّغة، فهو فضاءٌ لفظيّ “Espace Verbal” بامتياز، ويختلف عن الفضاءاتِ الخاصّة بالسّينما والمسرح أيْ عن كلِّ الأماكن الّتي نُدركُها بالبصر أو السّمع ، إنّه فضاءٌ لا يوجدُ إلاّ من خلال الكلمات المطبوعة في الكتاب، ولذلك فهو يتشكّلُ كموضوعٍ للفكر الّذي يخلقه الرّوائيُّ بجميع أجزائِه ويحمّله طابِعًا مُطابِقًا لطبيعة الفنون الجميلة و لمبدإِ المكان نفسِه”[51]،
إنّ هذا ليفضي إلى أنّ للرواية عالَمها الخاصّ، ومكوّناتِها الخاصّة، ممّا يجعلنا نقول إنّه ما في الواقع من الرّواية إلاّ الأسماء، إنّها أسماءُ كالأسماء غير أنّها خاصّة ليست تتطابق مع ما هو خارج الرّواية “فالنّصّ الرّوائيُّ يخلق عن طريق الكلمات مكانًا خياليًّا له مُقوِّماتُه الخاصّة وأبعادُه المتميِّزة”[52]، بناءً على هذا تضحي المكوّنات الرّوائيّة مكوّناتٍ ورقيّة قياسًا على قول “بارث” “Roland Barth” “إنّ الشّخصيّات كائناتٌ ورقيّة”.
الخاتمة:
انطلاقًا من هذا يكون بإمكاننا أن نخلص إلى أنّ “المكان ظاهرة لاحد لها، فكما تنطوي على غرفة صغيرة، تتســع حتّى تشــم العالم بأســره؛ المكان بنيــة دالة في عالم الخارج، وعندما يدخل النصّ الســرد يغدو علامة ســيميولوجية، وهو يشكل داخل الرواية، لوناً إيقاعياً متناغماً مع سائر الألوان الإيقاعيّة المترتّبة على الشّخصيّات والأحداث”[53].
ينضاف إلى هذا أن من القضايا الّتي تجلّي أهميّة المكان أنّه خادِمٌ للدّراما ورافدٌ مِن روافدِها المهِمّة، إنّه في الرّواية “خديمٌ للدّراما، فبمجرّد الإشارة إليه يعني أنّه قد جرى فيه أمرٌ ما، ومجرّد ذكرِه يجعلُنا ننتظِرُ حدوثَ واقعةٍ من الوقائع، فلا وجود لمكان لا يكون شرِيكًا في الحَدَث”[54]
قائمة المصادر والمراجع
1 ـ الأزهريّ، التّهذيب، تح: عبد السّلام محمّد هارون، ج5، الدّار المصريّة العامّة للتّأليف، مصر، د.ت
2 ـ ألبريس، الاتّجاهات الأدبيّة في القرن العشرين، تر: جورج طرابيشي، منشورات عويدات، بيروت، ط1، 1965.
3 ـ إخوان الصّفا، الرّسائل، مج2، دار صادر، بيروت، 1957.
4ـ أبو البقاء، الكُليّات، مؤسّسة الرّسالة، بيروت، ط2، 1998
5 ـ بول ريكور، من النّصّ إلى الفعل ـ أبحاثُ التّأويل ـ، تر: محمّد برّادة، حسان بورقية، منتدى مكتبة الاسكندريّة، مصر، ط1، 2001.
6 ـ حسن بحراويّ، بنية الشّكل الرّوائيّ ـ الفضاء ـ الزّمن ـ الشّخصيّة، المركز الثّقافيّ العربيّ، الدّار البيضاء، المغرب، ط2، 2009.
7 ـ حسن مجيد العبيدي، نظريّةُ المكان في فلسفة ابن سينا، دار الشّؤون الثّقافيّة العامّة، بغداد، 1987
8 ـ أبو حيّان التّوحيديّ، المقابسات، تح: محمد توفيق حسين، بغداد، 1970
9 ـ دليلة زغودي، الفضاء المفارق في رواية “ذاكرة الجسد”، مجلّة الواحات للبحوث والدّراسات، جامعة غرداية، الجزائر، ع18، جوان2013.
10 ـ سمر روحي الفيصل، الرّواية العربيّة ـ البناءُ والرّؤيا ـ اتحاد الكتاب العرب، دمشق، سوريّة، 2003.
11 ـ ابن السيّد البطليوسي، المثلّث، تح: صلاح الدّين الفرطوسيّ، دار الرّشيد، بغداد، 1981، ص173.
12 ـ سيزا قاسم، بناء الرّواية ـ دراسة مقارنة في ثلاثيّة نجيب محفوظ ـ، مكتبة الأسرة، القاهرة، مصر، 1978
13 ـ شارل كريفل، المكان في النّصّ، نقلاً عن نبيلة بونشادة ، بنية النّصّ السّرديّ في رواية ـ غدا يوم جديد ـ لعبد الحميد بوهدّوقة، (رسالة ماجستير)، قسم اللغة العربيّة، جامعة قسنطينة، 2005.
14 ـ عبد العزيز شبيّل، الفنّ الرّوائيّ عند غادة السّمّان، دار المعارف للطّباعة والنّشر، تونس، ط1، 1987
15 ـ عبد الملك مرتاض، في نظريّة الرّواية ـ بحث في تقنيّات السّرد ـ عالم المعرفة، الكويت، ديسمبر1998
16 ـ فتحية كحلوش، بلاغة المكان ـ قراءة في مكانيّة النّصّ الشّعريّ ـ دار الانتشار العربيّ، بيروت. ط1، 2008
17 ـ الكنديّ، رسائل الكِنديّ الفلسفيّة، ج2، تح: عبد الهادي أبو ريدة، مصر، 1953.
18 ـ مجموعة من الباحثين، جماليّات المكان، دار عيون، الدّار البيضاء، المغرب، ط2، 1988.
19 ـ محمّد علي التّهانويّ، كشّاف اصطلاحات الفنون، مج1، طبعة نيكال، كلكتة، الهند، 1862، ص298.
20 ـ ابن منظور: لسان العرب، مج 13، مادّة: مكَنَ ، دار صادر بيروت، د، ت،ص414.
21 – F.V.Rossum Guyon.Critique du roman.Ed Gallimard.1970
22 – George Poulet. L’espace Prousstien. Ed. Gallimard . 1963.
23 – Georges MatoréL’Espace humain, La Colombe, Paris 1962
24 – Jean Weisgerber, L’espace romanesque Ed L’age d’homme.1978
25- Les espaces subjectifs – introduction a la sémiotique de l’observateur, HACHETTE ,1989.
26 – Révue de l’Université de Bruxelles, 2/3, 1971
[1]ـ بول ريكور، من النّصّ إلى الفعل ـ أبحاثُ التّأويل ـ، تر: محمّد برّادة، حسان بورقية، منتدى مكتبة الاسكندريّة، مصر، ط1، 2001، ص25.
[2] ـ المرجع السّابق، ص26 ـ 27.
[3]ـ حسن بحراويّ، بنية الشّكل الرّوائيّ ـ الفضاء ـ الزّمن ـ الشّخصيّة، المركز الثّقافيّ العربيّ، الدّار البيضاء، المغرب، ط2، 2009، ص25.
[4]ـ المرجع نفسه، ص30.
[5]ـ دليلة زغودي، الفضاء المفارق في رواية “ذاكرة الجسد”، مجلّة الواحات للبحوث والدّراسات، جامعة غرداية، الجزائر، ع18، جوان2013، ص27.
[6]ـ ألبريس، الاتّجاهات الأدبيّة في القرن العشرين، تر: جورج طرابيشي، منشورات عويدات، بيروت، ط1، 1965، ص17.
[7]ـ نقلاً عن: دليلة زغودي، الفضاء المُفارق في رواية ذاكرة الجسد، ص27.
[8]ـ ابن منظور: لسان العرب، مج 13، مادّة: مكَنَ ، دار صادر بيروت، د، ت،ص414.
[9]ـ المكان نفسه، الصّفحة نفسها.
[10]ـ أبو البقاء، الكُليّات، مؤسّسة الرّسالة، بيروت، ط2، 1998، ص332
[11]ـ الأزهريّ، التّهذيب، تح: عبد السّلام محمّد هارون، ج5، الدّار المصريّة العامّة للتّأليف، مصر، د.ت، ص95.
[12]ـ ابن منظور، لسان العرب، مج13، ص44.
[13]ـ ابن السيّد البطليوسي، المثلّث، تح: صلاح الدّين الفرطوسيّ، دار الرّشيد، بغداد، 1981، ص173.
[14]ـ انظر: الأزهريّ، التّهذيب، ج15، ص404.
[15]ـ محمّد علي التّهانويّ، كشّاف اصطلاحات الفنون، مج1، طبعة نيكال، كلكتة، الهند، 1862، ص298.
[16]ـ ابن منظور، لسان العرب، مج13، ص157.
[17]ـ حسن مجيد العبيدي، نظريّةُ المكان في فلسفة ابن سينا، دار الشّؤون الثّقافيّة العامّة، بغداد، 1987، ص33.
[18]ـ الكنديّ، رسائل الكِنديّ الفلسفيّة، ج2، تح: عبد الهادي أبو ريدة، مصر، 1953، ص28.
[19]ـ المصدر السّابق، الصّفحةُ السّابقة .
[20]ـ انظر: حسن مجيد العبيدي، نظريّة المكان في فلسفة ابن سينا، ص35.
[21]ـ إخوان الصّفا، الرّسائل، مج2، دار صادر، بيروت، 1957، ص12
[22]ـ نقلاً عن المصدر نفسه، ص387.
[23]ـ انظر: المصدر نفسه، ص28.
[24]ـ انظر: المصدر نفسه، الصّفحة نفسها.
[25]ـ المصدر السّابق، الصّفحة السّابقة.
[26]ـ انظر: حسن مجيد العبيديّ، نظريّة المكان، في فلسفة ابن سينا، ص35.
[27]ـ أبو حيّان التّوحيديّ، المقابسات، تح: محمد توفيق حسين، بغداد، 1970، 358.
[28]ـ انظر: حسن مجيد العبيديّ، نظريّة المكان، في فلسفة ابن سينا، ص37.
[29]ـ حول ما يتعلّق بمصطلح “الحيّز” يقول الدّكتور “عبد الملك مرتاض” في كتابه: “في نظريّة الرّواية، منتصرًا لمقولة الحيّز” ـ وإن كان كلامه سيطول،: “لقد خُضْنا في أمر هذا المفهوم، وأطلقنا عليه مصطلح “الحيّز” مُقابِلاً للمصطلحيْن الفرنسيّ والإنجليزيّ (Espace, Space ) في كلّ كتاباتِنا الأخيرة. وقد حاولْنا أن نذكر في كلّ مرّة عرضْنا فيها لهذا المفهوم علّةَ إيثارنا مصطلح “الحيّز” وليس “الفضاء” الّذي يشيعُ في الكتابات النّقديّة العربيّة المعاصرة. ولعلّ أهمّ ما يمكنُ إعادةُ ذكره، هنا، حتّى لا نكرّرُ كلَّ ما قرّرناهُ مؤن ذي قبل، أنّ مصطلح “الفضاء” من منظورِنا على الأقلّ، قاصرٌ بالقياس إلى الحيِّز؛ لأنّ الفضاء من الضّرورةِ أن يكون معناه جارِيًا في الخَوَاء والفراغ؛ بينما الحيّز لدينا ينصرفُ استعمالُه إلى النُّتوء، والوزن، والثّقل، والحجم، والشّكل…. على حين أنّ المكان نريد ان نقِفَهُ في العمل الرّوائيّ، على مفهوم الحيِّز الجغرافيِّ وحدَه، ولا يكادُ النّقاد الغربيّون يصطنعون مصطلح “المكان” إلاّ عَرَضًا، ولدلالات خاصّة، وعبر حيّزٍ ضيّقٍ من نشاطهم؛ أمّا المصطلحُ الشّائعُ والّذي يُعنْوِنُون به كتُبَهم ومقالاتِهم فإنّما هو الحيِّزُ بالمقابل الأجنبيّ الّذي ذكرناه. (Espace Space) بالفضاء في حال، والمكان في حال أخرى… وقد رأيْنا أنّ جمهرةَ الكتاباتِ الجادّة إنّما توقّفتْ لدى الحيِّزِ بالمفهوم الّذي ذهبْنا إليه، على الرّغم مِن أنّ التّمييزَ بين حيِّزٍ وآخر يظلُّ مطروحًا للنِّقاش…. وقد يتحوّلُ الحيِّز لدى بعض الكُتّاب الفرنسيّين إلى رؤيةٍ حيث قد يقال: “رؤية الحيّز” ) (Vision de l’espaceعلى غرار قول بعض الايديولوجيّين “Vision du monde” وكأنّ الحيِّز، بهذا المفهوم ينتقلُ من مجرّد مكانٍ ضيّق أو واسعٍ إلى رؤيةٍ فنيّة…. إنّ الرّوائيّ قد لا يكون مُفتقِرًا إلى كلّ هذا العناء حين ينظر إلى العالَم نظرةً فلسفيّةً مجرّدة، فمن الأوْلى أن يُسخِّر حيّز اللّغة، ونشاط الذّهن، وكفاءة العقل، عِض تسخير رسمِ أحيازٍ ممتدّةٍ لاهثةٍ تضطربُ فيها الشّخصيّات، إنّ الحيّزَ لا ينبغي له أن يدلَّ إلاّ على ما يدُلُّ عليه معناه ؛ وهو الفسْحُ للشّخصيّات لكي تتحرّكَ في مساحةٍ معيّنةً إن كانت جغرافيّة ) وهذا مكانٌ ، في الحقيقة، وليس ينبغي أن يُطلقَ عليه لا حيّز ولا فضاء( عبد الملك مرتاض، في نظريّة الرّواية ـ بحث في تقنيّات السّرد ـ عالم المعرفة، الكويت، ديسمبر1998، ص121 ـ 127.
[30]ـ سيزا قاسم، بناء الرّواية ـ دراسة مقارنة في ثلاثيّة نجيب محفوظ ـ، مكتبة الأسرة، القاهرة، مصر، 1978، ص106.
[31]ـ « Dessiner l’espace de subjectivité dans le discours requiert des choix et des limites. De quel sujet s’agit-il ? et aussi , de quel espace ? pour le « sujet »,on se limitera au sujet observateur , et a son vis-à-vis, l’informateur ; pour des raisons stratégiques et théoriques a la fois, il ne semble pas opportun de vouloir englober d’un seul regard et d’une seule définition le sujet du discours, ce qui reviendrait en quelque sorte a postuler implicitement son unicité et son homogénéité….. »Jacques. Fontanille, Les espaces subjectifs – introduction a la sémiotique de l’observateur,HACHETTE ,1989,p04.
[32]ـ سمر روحي الفيصل، الرّواية العربيّة ـ البناءُ والرّؤيا ـ اتحاد الكتاب العرب، دمشق، سوريّة، 2003، ص72.
[33]ـ انظر: فتحية كحلوش، بلاغة المكان ـ قراءة في مكانيّة النّصّ الشّعريّ ـ دار الانتشار العربيّ، بيروت. ط1، 2008، ص 17
[34]ـ المرجع السّابق، والصّفحة السّابقة.
1ـ «Notes sur la représentation de l’espace dans le roman contemporain», Révue de l’Université de Bruxelles, 2/3, 1971, p. 153.
2 ـ Georges Matoré, un certain univers qui représente l’élément statique: celui-ci peut être constitué de personnages secondaires et surtout de l’étendue dans laquelle se déroule l’action. Cette étendue ou cet espace sont remplis et limités de toutes sortes d’objets. La présence de l’espace est donc indispensable, quoiqu’implicite dans le cas où l’écrivain se refuserait à en tenir compte sous forme de descriptions. (Telles les nouvelles de J. D. Salinger qui reposent essentiellement sur le dialogue conférant une présence physique aux objets et aux personnes dont on parle: le milieu romanesque est rendu par une impression globale produite sur le lecteur. En somme, c’est un milieu évoqué plutôt que décrit.) ,L’Espace humain, La Colombe, Paris 1962, p. 29
[36]ـ فحية كحلوش، بلاغة المكان ـ قراءة في مكانيّة النّصّ الشّعريّ ـ ، ص 17 ـ 18.
[37]ـ مجموعة من الباحثين، جماليّات المكان، دار عيون، الدّار البيضاء، المغرب، ط2، 1988، ص23.
[38]ـ المرجع نفسه، ص 59.
[39]ـ عبد العزيز شبيّل، الفنّ الرّوائيّ عند غادة السّمّان، دار المعارف للطّباعة والنّشر، تونس، ط1، 1987، ص46.
[40]ـ نقلاً عن: حسن بحراوي، بنية الشّكل الرّوائيّ ـ الفضاء ـ الزّمن ـ الشّخصيّة، ص 25.
[41]ـ عبد الملك مرتاض، في نظريّة الرّواية، ص128.
[42]ـ حسن بحراوي، بنية الشّكل الرّوائيّ، ص 25.
[43]ـ Jean Weisgerber, L’espace romanesque Ed L’age d’homme.1978.pp 9-10.
[44]ـ F.V.Rossum Guyon.Critique du roman.Ed Gallimard.1970.p 61.
[45]ـ George Poulet. L’espace Prousstien. Ed. Gallimard . 1963.
[46]ـ حسن بحراويّ، بنية الشّكل الرّوائيّ ، ص26.
[47]ـ Tzvetan Todorov, The poetics of prose, translated from french by Richard Howard….
[48]ـ حسن بحراوي، بنية الشّكل الرّوائيّ، ص33.
[49]ـ سمر روحي الفيصل، الرّواية العربيّةـ البناءُ والرّؤيا ـ ص 72.
[50]ـ المرجع السّابق، ص73.
[51]ـ حسن بحراويّ، بنية الشّكل الرّوائيّ، ص27.
[52]ـ سيزا قاسم، بناء الرّواية، دار التّنوير، بيروت، 1985، ص 74.
[53]ـ سمر روحي الفيصل، الرّواية العربيّةـ البناءُ و الرّؤيا ـ ص 251
[54]ـ شارل كريفل، المكان في النّصّ، نقلاً عن نبيلة بونشادة ، بنية النّصّ السّرديّ في رواية ـ غدا يوم جديد ـ لعبد الحميد بوهدّوقة، (رسللة ماجستير)، قسم اللغة العربيّة، جامعة قسنطينة، 2005، ص82.