الغذاء الحلال في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية
Halal Food in Light of Islamic Sharia Provisions
أ.د. ماهر خضير (رئيس المحكمة العليا الشرعية، فلسطين، عضو رابطة الجامعات الإسلامية)
Prof. Dr. Maher Khudair (President of the Supreme Sharia Court – Palestine, Member of the Association of Islamic Universities)
الحمد لله رب العالمين القائل في القرآن الكريم (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ )([1]) فأحل حلاله وحرم حرامه وسكت عن أشياء رحمة بالعالمين. والصلاة والسلام على سيد الحامدين والشاكرين محمد صلى الله عليه وآله وأصحابه أجمعين وبعد؛
يعتبر الغذاء ذات أهمية كبيرة في حياة كل كائن حيّ وخاصة الإنسان الذي يبحث عنه وينتقي أطيبه ويبذل الجهد لتوفيره.
ولقد حث الإسلام على التغذية الصحية ووضع لها الضوابط والأحكام الشرعية ومعرفة الحلال والحرام فيها وفي ذلك قال تعالى (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ)([2]) ويُقصد بالطيّبات ما اعتبرته النفس طيبًا واشتهته([3]).
وقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا)([4]) أي تناولوا وكلوا كل ما ينبت من الأرض سواء كانت ثمارًا أو أعشابًا منها مباحة إلا إن كان فيها ضررًا كالسم والتراب او ما كان مسكرًا أو نجسًا.
وقد حثّنا رسولنا الكريم ( صلى الله عليه وسلم) على تناول الغذاء الصحي الحلال فقال (صلى الله عليه وسلم):- ( من أراد أن يؤتيه الله حفظ العلم فليكتب هذا الدعاء في إناءٍ نظيف بعسل)([5]) أي لتقوية الذاكرة.
وقال في موضعٍ آخر (ما ملأ ابنُ آدمَ وعاءً شرًّا من بطنِه حسْبُ ابنِ آدمَ أُكلاتٌ يُقمْنَ صلبَه فإن كان لا محالةَ فثُلثٌ لطعامِه وثلثٌ لشرابِه وثلثٌ لنفسِه)([6]).
ومن هذا المنطلق فقد أرشدت الشريعة الإسلامية إلى مواطن الحلال والحرام في الغذاء وحثّت على تناول الحلال وأمرت بالابتعاد عن تناول الحرام.
وحثت ونصحت على تناول الحلال وقالت هو كل ما يجوز التغذي به ووفق ضوابط وأحكام الشريعة الإسلامية سواء كان من الحيوانات أو الأسماء أو النباتات بحيث لا يشمل ما حرّمته الشريعة الإسلامية وأن يكون مقبولًا صحيًّا وأن لا يتم اعداده بآليات أو اجراءات غير مقبولة شرعًا([7]).
ونهت وأمرت بالابتعاد عن تناول الحرام كالذي يُسكر أو فيه نجاسة أو مضر صحيًا أو تم إعداده بآليات وإجراءات محرمة
فقال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ)([8]).
وجه الدلالة: حرم الله سبحانه وتعالى على المسلمين كل ما ذكر في الآية كالميتة التي ماتت بغير ذكاة شرعية ما عدا ميتة السمك والجراد كما قال (صلى الله عليه وسلم):- (أحلت لكم ميتتان ودمان، فأما الميتتان، فالحوت والجراد، وأما الدمان، فالكبد والطحال))[9](
فالشريعة الإسلامية قد حددت الغذاء الحلال ووضعت الضوابط والأحكام بصورة واضحة وكذلك بينت الغذاء والحرام وسنزيد فيها هنا في هذه المداخلة على النحو الآتي:
الغذاء الحلال والحرام:
أولًا: من القرآن الكريم:- وردت كثير من الامثلة على الغذاء الحلال إلا ما استثني منه ومعلوم أن الأًصل في الأشياء الإباحة، وأذكر بعضًا منها على النحو الآتي:-
- قال تعالى:- (قل لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا)([10])
- بينت الآية القرآنية بداية أن مناط الحلال والحرام هو الوحي وأنه كان في الغذاء في قوله تعالى.
- أمر الله سبحانه وتعالى بالإخبار أنه لا شيء محرمًا إلا غير المذكورات في التحريم أي حصر الحرام فيها إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير ووصفها بالرجس وزاد عليها المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وفي ذلك ذكر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) تحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير وتحريم الحمر الأهلية))[11](
- قوله تعالى (وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ)([12])
وجه الدلالة:
التفضيل في الزراعة وانتاج الثمار منها قال سعيد بن جبير([13]): الأرض الواحدة يكون فيها الخوخ والكمثرى والعنب الأبيض والأسود وبعضها أكثر حملًا من بعض وبعضه حلو وبعضه حامض وبعضه أفضل من بعض وأوسع الأطعمة وأكثرها طيبًا الثمار والحبوب.
وأن الطيبات التي أحلها الله تعالى أكثر مما حرمه، وما حرِّم من الأطعمة كان لسبب عارض أو لسبب ملازم المحرم، فالميتة حرمت بشكل دائم مؤبد ولا يحل الأكل منها إلّا حال الضرورة كالخوف والهلاك.
فمعلوم أن الأصل في الأطعمة والأشربة الإباحة وهي تشتمل على ثلاثة أنواع، أمّا النوع الأول: النباتات وتشمل ما كان حبًا كالأرز والقمح والخضار والفواكه وكله حلال.
النوع الثاني: الحيوانات وتشمل البرية والبحرية والطيور وهي حلال إلا ما تم استثناؤه.
النوع الثالث: السوائل كالماء والعسل والحليب فهي حلال إلا ما تم استثناؤه، فقال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)([14]).
ثانيًا: الحلال والحرام من الغذاء في السنة النبوية
- وهو ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) أنه كان يأكل البطيخ بالرطب ([15])، وهذا يؤكد على خصال البطيخ وكذلك الرطب وما ورد في الأثر ( عليكم بالبطيخ فإن فيه عشرة خصال هو طعام وشراب وأشنان وريحان يغسل المثانة ويغسل البطن وينقي البشرة)
- قول الرسول ( صلى الله عليه وسلم):- ( سمن البقر وألبانها شفاء ولحمها داء)([16])
- كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) لا يعيب طعامًا إلا ما استثني في التحريم حيث روى أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال: ( ما عاب رسول الله ” صلى الله عليه وسلم” طعامًا قط إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه)([17]).
ومن هنا فان الشريعة الإسلامية قد حثّت على الغذاء الحلال وبينت فوائده وأنواع وضوابطه وحذرت من الغذاء الحرام وبينت الأسباب التي تصب في مصالح الإنسان وعليه فإننا ندعو المصانع والشركات والتجار الى الإنتاج الغذائي الحلال والنظر الى المعايير الشرعية التي تنظم المنتجات الحلال وكذلك تجار المواد الغذائية وأدعو وسائل الإعلام بكل أنواعها لتوعية المجتمعات ببيان فوائد الغذاء الحلال والتنبيه على مضار الغذاء الحرام.
[3] سيد سابق: فقه السنة- بيروت- مؤسسة الرسالة، ط1، ص412-413
[4] سورة البقرة آية (168)
[5] أخرجه ابن الجوزيّ في الموضوعات: ابن حجر العسقلانيّ: لسان الميزان 8/188
[6] لراوي : المقدام بن معدي كرب | المحدث : محمد جار الله الصعدي | المصدر : النوافح العطرة | الصفحة أو الرقم : 323| التخريج : أخرجه الترمذي (2380)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (6769)، وابن ماجه (3349)، وأحمد (17186) واللفظ له، خلاصة حكم المحدث : حسن، ينظر: https://dorar.net/hadith/sharh/74753
[7] براه أيمن شلتوتي: الطعام والشراب في القرآن الكريم – موقع موضوع، رابط:- www.mawdoo3.com
[8] سورة المائدة آية (3).
[9] أخرجه ابن ماجه، حديث رقم (3314)، وأحمد في مسنده حديث رقم ( 5723).
[10] سورة الأنعام آية (145)
[11] الحمر الأهلية: لحوم الحمر أي لحوم الحمير والحمر الأهلية غير الوحشية وهي الحمير التي تعيش بين الناس، موقع إسلام ويب، الرابط:- www.islamweb.net
[12] سورة الرعد آية (4).
[13] محمد بن جرير الطبريّ: جامع البيان في تأويل آي القرآن، ط1، ص 283، ج4، دار القلم للنشر والتوزيع.
[14] سورة البقرة آية (29).
[15] ذكره السيوطي في الجامع الصغير 6916 وهو صحيح.
[16] أخرجه بن عدي في الكامل، الذهبي: ميزان الاعتدال 3/553.
[17] رواه البخاري والترمذيّ.