مداخلة الدكتور عثمان حسن عثمان ـ جامعة المغتربين/ السودان، بالمؤتمر الدولي الحادي عشر لمركز جيل البحث العلمي حول التعلم بعصر التكنولوجيا الرقمية والذي نظمه الاتحاد العالمي للمؤسسات العلمية بالتعاون مع جامعة تيبازة في طرابلس لبنان أيام 22 و23 و24 أبريل 2016، ولقد نشرت هذه المداخلة بسلسلة أعمال المؤتمرات الصادرة عن مركز جيل البحث العلمي بشهر أبريل 2016 بالصفحة 79.
(إضغط هنا لتحميل كل كتاب المؤتمر).
مقدمة:
بدأ الحديث يتصاعد في الأوساط العلمية والأكاديمية عن مجتمع المعرفة، وهو المجتمع الذي يقوم على انتاج المعرفة وتوظيفها بهذه الدرجة أو تلك، وهو حديث مشروع في خضم النقلة الحاصلة بتطور التقنية الرقمية، والتى باتت شائعة الاستخدام في المجتمعات وفي كل المستويات، الأمر الذي أفضي إلى فهم، وفكر، ووعي جديد وبالنتيجة حدوث تغير جوهري في بنية المعرفة الإنسانية. أخذت تلك الحقائق تفرض نفسها أمام كل وجود وفي أي مكان.. وكان لارتباط المعرفة بتطور التقنية وأدواتها، أن أصبحت التنمية على مختلف أشكالها تتوقف على المعرفة، وبما أن مجتمعاتنا العربية تتطلع إلى تحقيق التنمية فإن هذه التطورات تمثل التحدي الجدي أمامها. 
وقام هذا التطور التكنولوجي على منظومة علاقات مركبة ذات تأثيرات متبادلة شادت مجتمع المعرفة وبات من الضروري التعرف عليها، ونأمل في ذلك من خلال تناولنا بالبحث موضوع التعلم الإلكتروني عن بعد، لكونه يطلعنا على حقيقة أن تطور المعرفة في ظل التقنية الرقمية يمثل ثورة كونية جديدة، ويوضح أن علاقة الإنسان بالوسائط التقنية غيرت مفهوم المعرفة، وتدعيم ذلك بعرض وصفي للتعلم الإلكتروني عن بعد من زاوية التعليم الإلكتروني، وزاوية التدريب الإلكتروني لإظهار دور التعلم الإلكتروني في بناء المعرفة، ثم تحليل الجوانب المهمة لاقتصاد المعرفة بوصفة شرطا مهما لإقامة مجتمع المعرفة، وكل ذلك يساعد في إضاءة الأسس المطلوبة لقيام مجتمع المعرفة، وأخيرا رسم أفق جديد من واقع المعرفة التى امتلكها الباحث من خلال معالجة موضوع البحث.
ثورة كونية جديدة
منذ منتصف القرن الماضي بدأت ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصال في الاشتعال للدرجة التي اضفت طابعاً جديداً على حياة المجتمعات، وذلك للأدوار المهمة التي أصبحت تلعبها التكنولوجيا في الحياة المعاصرة واستطاعت بفعل تطورها المتسارع إحداث تبدلات رئيسة على مناح الحياة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والبيئية. فإن الطفرات الكبيرة التي تحققت في مجال تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات وصفت بأنها “ثورة””[1]“، وغيرها من الأوصاف مثل عصر الوسائط والمعلومة الكونية، أو العصر العددي، أو العصر الرقمي، أو عصر المعرفة”[2]“. أدت هذه التطورات لظهور ما يعرف بمجتمع المعرفة القائم على انتاج المعرفة ونشرها وتقاسمها في أي مكان وإدارتها على نحو يسهم في تنمية المجتمعات وتطويرها”[3]“.
خلق هذا التطور فجوة معرفية بين البلدان التى تفجرت فيها تلك الثورة واستفادت من التطور التقني والتكنولوجي، وغيرها من البلدان التى تبتعد بهذه الدرجة أو تلك من خطف ثمار التطور التقني والتكنولوجي. أقتضى ذلك بالضرورة استحداث ما يعرف بإدارة المعرفة والتى تظهر بوضوح في اتجاه إدارة الحكومات عبر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أو بما يسميه البعض بالحكومة الإلكترونية، هذه الإدارة يناط بها رفع كفاءة العاملين، وزيادة الانتاج، وسرعة الحصول على المعلومات، وخفض التكاليف، والتعرف على كم المعرفة التي يحتاجها المجتمع والسبل اللازمة لنقلها وإنمائها. وكان لتطور التكنولوجيا في الحياة المعاصرة الدور الحاسم في انماء المعرفة لدى كثير من المجتمعات بفضل توظيفها في عمليات التنمية بعامة.
زودت ثورة المعلومات والاتصالات الإنسان بقدرات هائلة على الفعل والتأثير السريع عن بعد بواسطة شبكات الاتصال، والتعلم. فإن التقنيات الرقمية اتاحت التفكير والعمل على نحو كوكبي وبصورة عابرة للقارات والمجتمعات والثقافات”[4]“.
يتوقف الانتاج المعرفي لهذا العصر على عوالم جديدة ذات أهمية افتراضية وأثيرية عبر الشبكات، والشاشات وسائر المنتجات الإلكترونية، لكونها تشكل عالم آخر متحكم في الواقع ومعطياته عبر أنساق المعلومات، وأنظمة الأرقام التى تجوب الفضاء، وبالتالي أصبحت المعلومة الأساس للتفكير، والعمل، والبناء، وامتلكت الخصائص التالية:
1/ أنها ذات طابع كوني
2/ أنها متاحة للجميع للإسهام في انتاجها واستثمارها ونقلها وتداولها
3/ أنها تخلق امكان أن يتعامل الناس بعضهم البعض بوصفهم وسطاء لا أوصياء”[5]“
وبالتالي أسهمت المعرفة في تغيير الرؤية ونمط العلاقات وأصبحت مقياس للقوة والتفوق لإحداث التطور والتقدم.
وعلى ذلك تعزز دور التعليم عن بعد في عملية التعليم وأصبح دوره فعالا لدي عديد من المجتمعات وبخاصة التعليم الجامعي الذي يعد أحد الأعمدة الرئيسة لقيام مجتمعات المعرفة، فإنه بعد قيام الجامعات الافتراضية وجامعات الشراكات والمكتبات الافتراضية وغيرها أصبح التعليم عن بعد يمثل أحد أهم مظاهر مجتمع المعرفة”[6]“.
لذا تشعبت اتجاهات المعرفة وتكاثرت في هذا العصر تصديقا لما تنبأ به عالم الاجتماع دانييل بل بأن المعرفة في هذا العصر تمثل القوة الرئيسة الدافعة للتطور الاقتصادي وهي الفكرة نفسها التي تبناها الفيلسوف الفرنسي جان ليوتار بأن المعرفة في الوضع الحداثي تتخذ شكلا مجزأ بشكل متزايد، متخلية عن دعاوي الحقيقة، أو المعقولية وهو ما وصف بانهيار الروايات الكبرى، ومن ثم يصح القول أننا نحيا في أزمنة جديدة”[7]“.
الإنسان والوسائط .. معنى جديد للمعرفة
يمكننا افتراض أن العالم اليوم يتشكل عبر الأسافير غير محدودة السرعة للوصول لكل إنسان عبر وسائط التقنية الحديثة وبجهود الفاعلين الجدد المشتغلين عليها، مما أدى لتغيير بنية المعرفة ومفاهيمها.
استخدم الإنسان الوسائط الإلكترونية في التعلم والمعرفة وجري التعلم عن بعد بعديد الوسائط سمعية وبصرية مثل الأقراص أو الفيديو أو الشرائح … الخ، وتقديم تلك البرامج عبر مسيرة طويلة من التطوير المستمر لها بدءاً من الإذاعة والتلفزيون، وصولا إلى الكمبيوتر حيث خطى التعلم الإلكتروني عن بعد خطوات كبيرة نتيجة توظيف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وبذلك أصبح المتعلم ليس فقط يتلقى الخدمات التعليمية في المكان والزمان المناسبين له، بل أيضا يضمن عملية التفاعل بينه والمعلم أو بين المتعليمين أنفسهم عبر شبكة الأنترنت وتلك المؤسسات الإفتراضية المتزامنة أو غير المتزامنة وفق صيغ كثرة من بينها:
ـ المؤتمرات المرئية والمسموعة
ـ النقاش المباشر على الهواء
ـ الكتب الإلكترونية
ـ البريد الإلكتروني
ـ القمر الصناعي
هذه الوسائط الحديثة جرت عبرها عمليات التعليم والمعرفة وبتكاليف أقل من النظم التعليم التقليدية، وبالتالي وفرت للدولة والمجتمع مبالغ طائلة، وفتحت فرص التعلم لمختلف فئات المجتمع. ويتطلب في الوسائط المستخدمة للتعليم الالكتروني عن بعد أن تستوفي عدة أمور:
1/ أن تبني البرامج على استراتيجية واضحة لتحقيق الأهداف وأن تبنى النظم بصورة تمكن من تنفيذها.
2/ تحديد الوسائط المناسبة لنوعية البرامج التعليمية التى تحقق الهدف من التعليم تضمن التغذية الراجعة والمراجعة لكل العناصر وفق نظم الجودة.
3/ أن تتأكد المؤسسة من أن التقنية المستخدمة ملائمة لطبيعة وأهداف البرنامج ونابعة منها.
4/ توفير البيئة التعليمية المناسبة.
5/ التأكد من استيفاء التفاعل بين الدارسين والمشرفين.
6/ اعتماد وسائط وفقا لقدرة الدارسين لتدعيم أهداف العملية التعليمية والأخذ في الاعتبار مدى التباين في استخدامها من قبل الدارسين.
7/ الحاجة إلى التدريب في استخدام الوسائط وتحقيق معرفة مناسبة لاستخدام التقنيات وتقديم المساعدة للدارسين باستمرار.
8/ بحث فرص التعاون والتفاعل مع المؤسسات التي لها تجارب ناجحة .
9/ امتلاك المؤسسة للتقنية والأدوات المطلوبة لبرامج التعليم عن بعد تضمن الجودة وتوفر القدرة للمحافظة على عدم اختلال المعايير الأكاديمية وتوفير الوسائط المناسبة للدارسين.
بهذا المعنى يعد التعلم الإلكتروني داعم أساسي للتنمية البشرية المستدامة وذلك بدفعة المعرفة من خلال تسهيل الوصول إليها والاستزادة منها من قبل جميع الناس بمختلف أعمارهم ومستوياتهم وتخصصاتهم، وتشمل المعرفة البيانات والمعلومات والنظريات والمبادئ والبحوث والتجارب وغيرها، فالتعلم الإلكتروني يفسح المجال للإلمام بالخبرات والمهارات وتنويعها من خلال التغلب على قيود المسافة والزمن لتحقيق التواصل وزيادة الفاعلية التى تضع على طريق الإبداع والابتكار والإثارة.
وذهب النقاد المعاصرين نتيجة لما يقوم به الكمبيوتر من عمليات تعبر عن الفهم والشرح والتفسير وغيرها إلى ربط تعريف المعرفة بالفعل حيث يعرفها نانوكا بأنها ” الإيمان المحقق الذي يزيد من قدرة الوحدة أو الكيان على العمل” بمعني أنها تعبر عما نمتلكه من معلومات ونلاحظ هنا أن المعرفة بدت تعرف بما تؤديه وليس بما أنها كذلك اكتشاف للحقيقة.
ثم تناسلت التعريفات القائمة على موضعة المعرفة خارج الذات في وثائق، وممتلكات، ومغتنيات، ومنتجات، ونظم، وعمليات تمتد من الفرد إلى المجتمع بمختلف هياكله وخزنها، وينظر ضمن هذا الأفق للمعرفة بوصفها الأفكار والفهم الذي يتكشف في سلوك تلك الكيانات لتحقيق أهدافها وانخراطها العملي، فأصبحت الحدود الفاصلة بين المعرفة فعل الذات العارفة، والمعلومات والبيانات يكاد تكون معدومة.
فإن منطق وسائط العصر الحديثة أسر المعرفة في إطار الممكنات التجريبية، والعملياتية، وما يتوفر من معلومات، وفهمها وإمكان تطبيقها في إطار الخبرة، وهذا هو تعريف سنيبر ولينورد للمعرفة وكذلك قاموس أكسفورد، أما باترسون تعد المعرفة في نظره ” معلومات تم تحليلها وتفسيرها وملاءمتها مع مجموعة من المعلومات الحالية للوصول إلى دراية وبصيرة جديدة وتفهم متعمق لموضوع ما” وعلى ذلك تكون المعرفة كما سبقت الإشارة مضمنة في الفرد، وفي المنظمة، وفي المجتمع، كما في الأضابير، والأرشيف، والوثائق، بمختلف أشكالها.
إذن كان للتطور الهائل على الصعيد المادي وتقنية المعلومات وحجم تأثيرها الكبير على أوجه الحياة الاقتصادية والاجتماعية والرمزية أكسب المعرفة دلالات جديدة تمددت في عالم الخبرة بمكوناته المتكثرة والمتدفقة فأول ما تنصرف إليه دلالات المعرفة في عصرنا الحالي هو المنظمة حيث أصبح النظر لعلاقة المعرفة بالعمل وهياكله، وهو الفضاء الجديد للمعرفة وأجمل تقرير المعرفة العربي الثالث كل تلك التعريفات في أن المعرفة هي “نتاج معالجة المعلومات للوصول إلى أفكار ومفاهيم ونظريات.. وتتضمن الوعي والفهم والتفسير والتنظير””[8]” نلحظ هنا أن المعرفة تتجاوز مجرد المعلومات في اطار عمليات الخبرة القائمة على التعليم والبحث.
هنا يمكننا بلورة التحول الأبستمولوجي الحاصل على صعيد المعرفة من كونها معرفة كيفية قائمة تملي جماليات الأشياء وتقابلاتها وتمثُلاتها ومظاهر تناسقها الأزلي تتولد من علاقة بين الذات والموضوع، إلى نمط من المعرفة قائم على إعمال العقل بمعناه الحسابي والكمي استنادا إلى تطورات العلم والمعرفة العلمية باعتبار المعرفة العلمية استجابة للتقنية وخضوع لها، ومن ثم فإن المعرفة في خدمة التقنية بتوظيفها إلى تحقيق النجاعة والفاعلية والسيطرة على الإنسان وعلى الطبيعة. وبالتالي أصبح تعريفنا الأنسب للمعرفة بحكم تدفق المعارف علينا من كل جانب بفضل الوسائط التقنية الحديثة هو سؤال أنفسنا ما الذي لا نعرفه؟ ولقد أفرزت البنيات المعرفية المتولدة على هذا النحو الجدل بين المعرفة والمعلومة عن تمايز منظومتين تسعيان للاستفادة من المعرفة التقنية وتوظيفها هما المنشأة الرأسمالية وجهاز الدولة البيروقراطي. حيث أصبحت المعرفة تقوم على المعلومة وبنوك المعلومات، والأدمغة الإلكترونية، مستخدمة وسائط التقنية الرقمية والشبكات التي غيرت علاقتنا بالمعرفة.
وبالتالي انبنت علاقة بين الأفكار والوسائط وأصبح لا فاعلية للأفكار بدون الوسائط وتقنياتها، فالإنسان عارف لأنه صانع وأصبحت صناعته الحواسيب والتقنيات التى توصف بالذكاء، نعني هنا أن المعرفة أصبحت صناعة، والأمر كذلك أصبحت الوسائط الشرط الذي يسمح للأفكار أن تتحول إلى قوة فاعلة، فأنظمة الفكر لم تعد مفصولة عن مرتكزاتها التقنية وفي الوقت نفسة الوسائط هي نتاج للأفكار، كما أصبح بمقدور الوسائط قراءة المعطيات وتحليها وكانت تلك العملية يقوم بها الإنسان فقط وأوصل ذلك إلى الدعوة بفكرنة الوسائط وتقننة الأفكار”[9]“
التعليم الإلكتروني عن بعد:
بدأ ظهور التعليم الإلكتروني في بادي الأمر عبر الإذاعات سواء كان تلك الإذاعات التى خصصت برامج للتعليم عن بعد مثل هيئة الإذاعة البريطانية BBC، أو برامج التوعية التي ابتدرتها منظمة الصحة العالمية عبر الإذاعات المحلية في عديد من الدولة لنشر الوعي الصحي والبيئي ثم ظهرت الإذاعات التعليمية التي تقدم برامج تعليمية متكاملة ومخصوصة لغرض التعليم إلى أن ظهر التلفزيون الذي أعطى دفعة قوية للتعليم الإلكتروني، وبالتالي ذاع استخدام الوسائط الأخرى مثل أشرطة الكست والتسجيلات الصوتية والفيديو والشرائح التعليمية والسينماء وغيرها، وصولاً إلى مرحلة الحاسوب والإنترنت وبلوغ نشاط التقنية الرقمية مداه الأوسع.
وهناك تعريفات عديدة للتعليم عن بعد ونذكر منها تعريف دوهمن بأنه ” شكل من أشكال الدراسة الذاتية المنظمة يقوم فيها فريق من المربيين بعمليات إرشاد الطلاب، وتقديم المواد التعليمية لهم، وتأمين ومراقبة نجاحهم، ويتم ذلك عن بعد عن طريق وسائط يمكنها تغطية مسافات طويلة”، وتعريف مايكل مور بأنه “طريقة من طرائق التدريس التي يكون فيها السلوك التعليمي منفصلا عن السلوك التعلمي، ويتضمن اتصالاً بين المعلم والمتعلم عبر أجهزة وأدوات ميكانيكية والكترونية وغيرها”، تؤكد هذه التعريفات على أهمية الوسائط في عملية التواصل بين المعلمين والمتعلمين وبوجود مؤسسة منظمة.
تطور التعليم الالكتروني بدرجة كبيرة جدا في السنوات الأخيرة للدرجة التى تجعله بحسب بعض التوقعات النمط الأكثر إقبالاً للتعليم في المستقبل، نظراً لميزاته غير المقيدة بحدود الزمان والجغرافيا في التفاعل عبر وسائط متعددة للتعليم، لقد جعلت التقنيات الإلكترونية المكان هو محل العرض ويتوقف عليها وبالتالي تتغير الأمكنة بتغيير التقنية، بينما أصبح الزمان الحالي زمن الحضور الكلي. فإن عدم التقيد بالمكان أو الزمان في عملية التفاعل بين الطالب والأستاذ من خلال شبكة الإنترنت سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر على اعتبار أن المادة العلمية قد تقدم بشكل نصي ،أو صوتي، أو مرئي من أي مكان يوجد فيه الأستاذ ويتلقاها الطالب في أي مكان. إذن يتمتع التعليم الجامعي عن بعد بمرونة عالية ويوفر البدائل تلبية لحاجات سوق العمل المتجددة للكوادر المدربة والمؤهلة لما امتاز به من مزايا تتمثل في:
1/ تكافؤ الفرص التعليمية وتحقيق المساواة بين المواطنين لتوفر الفرصة لمن فاتهم الالتحاق بالتعليم لظروف شخصية أو اقتصادية أو اسرية أو وظيفية أو لبعد المكان، وبذلك تم تجاوز مشكلات التعليم التقليدية القائمة على محدودية الاستيعاب.
2/ الاستجابة للطلب الاجتماعي للتعليم الجامعي وإتاحة الفرصة لاكتساب المهارات.
3/ الاستجابة لمتطلبات التنمية من توفير الكوادر البشرية المدربة تلبية احتياجات سوق العمل.
4/ زيادة فرص التعلم والتدريب والنمو المهني للموظفين والعمال.
5/ زيادة الرصيد المعرفي”[10]“.
6/ سهولة الوصول الى المادة العلمية في أي وقت مما يقلل الخوف والقلق لدي بعض الطلاب.
7/ نشر ثقافة التقنية بما يساعد في خلق مجتمع المعرفة.
8/ تأكيد مفهوم التعليم والتدريب للجميع مدي الحياة والذي يتيح فرصة التدريب ورفع المهارات في مجال الاختصاص أو الدخول لمجالات عمل جديدة حسب ما يتطلبه سوق العمل”[11]” .
وبالتالي للتعلم الإلكتروني بيئة تشمل المتعلم والمعلم والمكتبة ومركز التعلم والتفاعل في مواقف التعلم ويحدث هذا التفاعل عن بعد بين أطراف العملية عبر شبكات المعلومات والتواصل ويحتاج التعلم الإلكتروني إلى استخدام تقنيات وتكنولوجيات مختلفة حسب شكل وطبيعة التعليم المطلوب، فإن تطور وسائل التقنية المستمر وبسرعة كبيرة يعزز باستمرار الدور الذي يلعبه التعليم الإلكتروني في المستقبل ويسهم كل ذلك في بناء المعرفة في المجتمع.
لذا يعبر التعليم الإلكتروني عن بعد عن منظومة تقدم البرامج التعليمية أو التدريبية للمستفيدين في أي زمان أو مكان عبر وسائط الاتصال الحديثة وأنظمة تقنية المعلومات التى توفر بيئة تعليمية تفاعلية متعددة المصادر سواء كان ذلك بطريقة تزامنيه داخل فصل دراسي أو غير تزامنيه عن بعد من خلال التعليم الذاتي أو التفاعل بين المعلم والمتعلم.
فإن التعليم الإلكتروني المتزامن يتم على الهواء مباشرة بوجود المتعلمين في نفس الوقت أمام الأجهزة لإجراء المناقشة أو المحاضرة أو المحادثة بين الطلاب أنفسهم أو بينهم وبين المحاضر ومميزات هذا النوع:
1/ حصول المتعلم على تغذية راجعة فورية.
2/ قلة التكلفة.
3/ عدم الذهاب إلى مقر المدرسة.
4/ نقل المادة العلمية والامتحانات وتبادلها بين المعلم والمتعلم في نفس زمن تدريس المادة.
بينما التعليم الإلكتروني غير المتزامن برغم كونه لا يضمن تغذية راجعة فورية لكنه يتميز بالآتي:
1/ المادة بمصادرها وخطة التدريس وبرامج التقييم موضوعة في الموقع التعليمي يجدها المتعلم متى ما دخل على الموقع وفي الوقت الذي يناسبه بإتباع التعليمات المحددة .
2/ يتم التواصل عبر الوسائل البريد الإلكتروني الأقراص المدمجة C.D وغير ذلك وبالتالي حصول المعلومات للمتعلم في الوقت الذي يناسبه.
3/ إمكان إعادة دراسة المادة والرجوع إليها عديد المرات.
إذن التعليم عن بعد يوفر للدارس فرصة التحرر من قيود التعليم التقليدي ويفسح المجال أمام مزيد من الفرص كما يوفر للدولة تحقيق ديمقراطية التعليم وايجاد فرص تعليم لمزيد من الدارسين وفرص لتحقيق التعليم والتدريب للراغبين والذين لم تتوفر لهم الفرص.
وبالتالي يمثل أحد الحلول لتخطي العقبات لكل الراغبين في التعلم في أي مكان وأي زمان بفضل تطور التكنولوجيا ووسائل الاتصال وذلك يرصف المسير لبناء مجتمع المعرفة بإيجاد الإنسان القادرة على التعامل مع التقنية والتفاعل معها في تحصيل المعارف وتوظيفها. و تتمثل متطلبات التعليم الإلكتروني عن بعد في الآتي:
1/ توفير بيئة تقنية متطورة من وسائل الاتصال من شبكات وأجهزة وبرمجيات ذات جودة عالية ووجود حاسب خادم Server لتخزين المعلومات.
2/ التوفر على كفاءة في استخدام الحاسوب والبرامج من كل الأطراف.
3/ إنشاء برامج فعالة لإدارة العملية التعليمية من تسجيل الطلاب ومتابعتهم وتقيمهم.
4/ توفير المواد التعليمية على مدار الساعة.
5/ التطوير المستمر للمناهج والمواد التعليمية الإلكترونية.
6/ توفر بيئة قانونية وإدارية ومالية ونظام جودة.
7/ توفر سعة موجة كبيرة للاتصال بشبكة الإنترنت”[12]“
أما بخصوص معايير الجودة في التعليم الجامعي الإلكتروني عن بعد يمكن القول: تقر أوساط عديدة من بينها البنك الدولي بصعوبة اتخاذ المعايير والمقاييس المعتمدة في تقييم التعليم التقليدي القائم على الحرم لتقييم جودة وفعالية المقررات لنمط التعليم عن بعد القائم على الاتصال المباشر أو غيره هذا من جهة، ومن جهة أخري يقرون بأن عمليات الاعتماد وعمليات التقويم ضرورية للتأكيد بأن المقررات والبرامج التعليمية والشهادات التي تمنحها الجامعات الإلكترونية تستوف المواصفات الأكاديمية والمهنية المعمول بها، وذلك لأن الاهتمام أصبح منصبا بصورة أساسية على كفاءة المتخرجين”[13]“. لذلك فإن المعايير المتعارف عليها في التعليم التقليدي والمصادق عليها من قبل منظمة المعايير الدولية ISO لم ترتق إليها بعد معايير التعليم الإلكتروني عن بعد والتى لم تزل مجرد مواصفات ومقاييس وإرشادات لذا قدم البك الدولي مبادرة أقترح فيها لتقييم جودة برامج التعليم على الانترنت تتضمن العناصر التالية:
1/ الدعم المؤسسي ويتضمن الأمن، والأداء الإلكتروني، ونظام لدعم بني التعليم عن بعد.
2/ تنمية المقررات وتتضمن: إرشادات لمعايير الحد الأدنى في تنمية المقرر وتصميمه، مراجعة المواد المصممة دورياً، والتزام الطلاب بالتحليل والتمثيل والتقويم.
3/ التعليم والتعلم ويتضمن: تفاعل الطالب مع الكلية، وتغذية إرجاعية بناءة، التعليم في طرائق البحث.
4/ بنية المقرر وتتضمن: معلومات واضحة عن المقرر، ومواد مكتبية كافية.
5/ دعم الطالب ويتتضمن: معلومات كاملة عن البرامج والخدمات، تدريب توجيهي للبحث عن المعلومات، الإجابة الدقيقة عن تساؤلات الطالب.
6/ دعم الكلية ويتتضمن: المساعدة التقنية في تنمية المقرر، التدرب على التعليم على الخط المباشر.
7/ التقويم والتقدير ويتضمن: تقويم فاعلية التعليم والتعلم ، ومراجعة المخرجات”[14]“.
يبدو جليا أن مجتمعاتنا في حاجة ماسة إلى احداث نقلة نوعية للتفاعل مع الحياة الرقمية ويرتبط ذلك أولا بحقل التعليم والتعلم الالكتروني وإمكان تحقيقه في أي مكان وأي زمان ليقدم الخدمة لأعداد كبيرة جدا في المجتمع العربي ولمجموعات ربما لم تتح لها الفرصة في أنظمة التعليم التقليدي.
فإن إدارة المعرفة في مجتمعنا العربي لازالت بحاجة للكثير من الجهود برغم ما بذل في بعض البلدان في هذا الميدان ، ولازالت معظم المؤسسات التعليمية تفتقد الدعم الفني والتدريب والبرامج الجيدة والأسس التي يستند إليها التعلم الإلكتروني. فإن الارتباط بين تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والحاجة إلى التعلم مدى الحياة يوجب الاهتمام أكثر بضرورة التعلم الإلكتروني بل ليس من خيار. لقد أظهر قياس المهارات المعرفية والوجدانية والاجتماعية والقيم والبيئات التمكينية، النقص الكبير، وعدم جاهزية الأجيال العربية الجديدة للولوج إلى مجتمع المعرفة”[15]”
فإن تكوين مجتمع المعرفة يقوم على توفر أرضية من العوامل والمقومات الثقافية والبيئية والمعرفية التي تساعد في انتاج المعرفة وتوظيفها بشكل مناسب. لأن تقرير المعرفة العربية أثبت وجود فجوة معرفية كبيرة في البلدان العربية بالنظر إلى مستوى التعليم والمناهج والاستثمار في التعليم والبحث العلمي”[16]” لذلك تفرض الضرورة على البلدان العربية تبني مناهج تنموية مبتكرة. ويحتاج ذلك إلى كثير من العمل استنادا إلى ما أشار إليه تقرير المعرفة العربي الثاني “أن المنطقة العربية تستورد وتستهلك نواتج المعرفة دون أن تنتجها””[17]“.
التدريب الإلكتروني عن بعد:
جانب آخر مهم من التعلم الإلكتروني وهو التدريب الإلكتروني في مجتمع المعرفة وهو يعني تقديم البرامج التدريبية والتعليمية عبر الوسائط الإلكترونية بأسلوب متزامن أو غير متزامن استناداً إلى مبدأ التدريب الذاتي أو بمساعدة مدرب، ويمكن تعريفه أيضا على أنه عملية تدريبية عبر الإنترنت لعرض وتقديم الحقائب الإلكترونية أو التفاعل مع المتدربين. ويتطلب التدريب الإلكتروني في مجتمع المعرفة الآتي:
1/ تشجيع المتعلمين وهو ضمان عملية التدريب.
2/ القدرة على مسايرة المتطلبات الاقتصادية دائبة التغير.
3/ تهيئة مكان التدريب بكافة وسائل التقنية المطلوبة.
لهذا تزايد الاهتمام بالتدريب الإلكتروني في العديد من دول العالم لما حققته التقنية من اسهام في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ودفع ذلك باتجاه تبني استراتيجية لتطوير المجتمعات على نحو يسهم في تنمية عناصر القوة المادية والبشرية في الدولة في ظل اقتصاد يقوم على المعرفة، ويقلل الكلفة بوجود المدرب مفصولا بمسافة جغرافية عن المتدرب، وتجري العملية عبر وسائط الاتصال الحديثة، ويحصل المتدرب كل الفائدة دون الحاجة للتواجد في منطقة التدريب وبالتالى تلقي التدريب في الوقت الذي يناسبه وبالمثل يقدم المدربين المادة التدريبية دون التواجد في موقع واحد مع المتدربين، ويمكن ذلك المدرب من تكييف برنامجه حسب ظروفه ويخلق علاقة تفاعلية بين المدربين والمتدربين. ويستفيد من التدريب الإلكتروني مجموعة أشخاص لا يتبعون منشأة تعليمية بالمعنى الدقيق وإنما هم مشتغلون في هيئات ومؤسسات ومنظمات مختلفة في المجتمع رسمية أو غير رسمية، بهدف بناء الكوادر وتطوير القدرات وامتلاك أدوات بحث للحصول على المعلومات وبناء معرفتهم، وإعدادهم للحياة في مجتمع المعرفة”[18]“.
أما مطلوبات الجودة في التدريب الإلكتروني تتحدد بتوفير محتوى تدريبي وفق معايير عالمية وتطوير البرامج التدريبية باستمرار من قبل مختصين. لأن تكنولوجيا المعلومات والاتصال تمثل عاملاً رئيسا من عوامل النمو وأحد أهم العوامل في زيادة الإنتاج.
اقتصاد المعرفة:
منذ العام 2003م أكدت قمة مالطا للمجالس الاقتصادية والاجتماعية على ضرورة تعبئة أكبر قدر من الموارد وإصلاح نظم التعليم من أجل النهوض باقتصاد المعرفة، ونشر تعلم تكنولوجيا المعلومات، حدد الإتحاد الأوروبي في مؤتمر لشبونة اقتصاد المعرفة بوصفه أحد الأهداف الإستراتيجية للألفية الجديدة لأنه الأكثر تنافساً وقدرة على تحقيق النمو الاقتصادي المستدام، وتحسين فرص العمل من حيث الكم والجودة وإحداث تماسك اجتماعي أقوى. وأهم سمات اقتصاد المعرفة :كثافة المعرفة، وكثافة استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصال، والنظر للمعرفة بوصفها منتج اقتصادي، وتزايد المشتغلين بالمعرفة، وزيادة تأثير المعرفة على القطاعات الاقتصادية، وظهور إدارة المعرفة، والابتكار والتجديد، ونقل المعرفة”[19]“.
يوصف اقتصاد المعرفة بأنه محرك التنمية ومفتاح الابتكار والتنافسية ويخلق فرص عمل جديدة ويتطلب هذا بطبيعة الحال ايجاد مهارات معرفية أكثر حداثة تدعم النظم الاقتصادية وتوفر فرص العمل مما يتطلب دمج سياسة العمل مع السياسات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية وسياسة التعليم والتدريب. هناك شروط لابد من توفرها لقيام اقتصاد المعرفة منها:
1/ الاستثمار في التعليم العالي بغرض توفير الكوادر المؤهلة.
2/ وجود بيئة استثمارية جيدة.
3/ وجود مجتمع مدني قوي وفاعل.
4/ وجود مؤسسات مقتدرة.
5/ فك الارتباط بين المعرفة والسياسة.
6/ الحد من الرقابة الإدارية والأمنية المقيدة لإنتاج المعرفة ونشرها.
7/ الحد من الاقتصاد الخفي والعمل غير النظامي.
8/ تحسين السياق المؤسسي والقانوني الإداري وتقييم الكفاءات.
9/ تحديث الأطر القانونية للحكومات والدول بقيام دولة القانون وتقييم تقدمها بانتظام.
10/ التأكيد على أهمية تكافؤ الفرص بإيجاد دور أكبر للمرأة وتدريبها وفقا لاحتياجات سوق العمل وإزاحة حواجز المعرفة بين الرجل والمرأة وتعد هذه أولوية استراتيجية للمجتمعات التي تعاني عجزاً تنموياً.
11/ اقرار الشراكة والتعاون والحوار منهجا للمؤسسات.
وعلى هذا الأساس يقدم اقتصاد المعرفة بوصفه نموذجا للنمو والتنافسية للدول والمؤسسات وقوة رافعة جديدة تزيد من سرعة التحول إلى العمل التنموي المشترك، وبالتالي هو اقتصاد جديد تزيد فيه الإنتاجية بفضل دينامية الخلق والمعرفة، ومن أولوياته التعاون والحوكمة وذلك بتبني قيم المشاركة والتعاون، وتأسيس قاعدة معرفية مشتركة :الكتابة، القراءة، تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، اللغات الأجنبية.
على ذلك تظهر أهمية اقتصاد المعرفة للدول النامية والاستفادة من ثورة تقنية المعلومات والاتصالات مما يوجب أن تكون هذه الدول أحد مكونات مجتمع المعرفة العالمي، وبالتالي ضرورة بناء شبكات تحقق اقتصاد المعرفة من جهة، وتبادل المعلومات واستيعاب أحدث تطورات عالم المعرفة من جهة أخرى”[20]“، من خلال عديد من الخطوات والإجراءات أهمها:
ـ بناء استراتيجية تدفع الاقتصاد القائم صوب اقتصاد المعرفة لقدرته على تخطي التحديات التي تواجهها هذه دول.
ـ تحقيق الفهم المعمق بما يجري في العالم والتحاور الموضوعي معه لتحقيق التعاون وبناء الشراكات.
ـ بناء النسيج الاجتماعي والتشريعي على نحو يغتني بثقافة المساواة وتكافؤ الفرص.
ـ تأكيد أهمية دور المجتمع المدني في ترسيخ قيم مجتمع المعرفة.
فإن اقتصاد المعرفة يبني دولة المؤسسات والقانون، ويمتلك شروط التدريب عالي التقنية، ويحقق العدالة وتكافؤ الفرص. وتلك هي الشروط المطلوبة في مجتمع المعرفة وبالتالي فإن مجتمع المعرفة يستند أساسا إلى البنى التكوينية لاقتصاد المعرفة.
ومؤشر اقتصاد المعرفة طبقا للبنك الدولي يتضمن أربعة مرتكزات وهي: الحوافز الاقتصادية، النظام المؤسساتي، التعليم والموارد البشرية والابداع ، تقنية المعلومات والاتصال، في حال البلدان العربية يشير تقرير التنمية الإنسانية الشاملة لعام 2003م لأوضاع المعرفة في البلدان العربية بالقول “هذه العملية بشقيها من نشر للمعرفة وانتاجها تعتريها تنشئة تكبح الفكر وتتسم بالتسلط والتذبذب والحماية الزائدة بصورة تؤثر سلبا على عملية نمو الاستقلال والثقة بالذات والكفاءة الاجتماعية والقدرة على التفكير””[21]” يشير ذلك إلى حالة التخلف الثقافي في البلدان العربية في مجال اكتساب المعرفة ونشرها وانتاجها على عكس ما يجري في العالم من نشؤ ثقافة جديدة، وعلى الرغم من أن التقرير أشار إلى التوسع الكمي في مجال التعليم خلال النصف الثاني من القرن العشرين ظل التعليم متواضعا مقارنة ببعض الدول حيث لم يزل معدل الأمية مرتفعا خاصة وسط الإناث ونوعيته رديئة جدا، وبالتالى لم يحقق التعليم أهدافه الأساسية في تحسين حياة الناس ورفع قدرة المجتمعات وأعتبر التقرير قضية التعليم من أخطر التحديات التى تواجهها الدول العربية. وبهذه المناسبة أشار التقرير إلي أن معظم وسائل الإعلام خاضعة لإشراف الدولة، ضعف حركة الترجمة برغم ما لها من دور مهم في نشر المعرفة ، وضعف انتاج البحث العلمي وضعف الانفاق عليه ، وغياب الدعم المؤسسي ، وفقر البيئة المحفزة على الإبداع العلمي، وضعف الروابط بين مؤسسات البحث العلمي، ، وعدم الاستثمار في مجالات الإبداع العلمي والتطوير.
مجتمع المعرفة:
بدأ الاهتمام بمجتمع المعرفة مع تسعينيات القرن الماضي وعقدت لذلك مؤتمرات ونقاشات أبرزها مؤتمر برشلونة 1995م الذي أمن على أهمية الشراكة والتعاون لنشر المعرفة، وبضرورة العمل على تنمية الموارد البشرية، وضرورة وجود استراتيجية اقتصادية ومعرفية تحقق التعاون المثمر وبذلك يتم الاسهام في بناء مجتمع المعرفة، والذي يعبر عن حصيلة الثورات التقنية حيث يأخذ العقل والبحث العلمي دور الريادة ويعلي من قيم الحريات والعدل والمساواة والديمقراطية”[22]” .
ولا يقل أهمية دور الفكر ومؤسسات التعليم المختلفة في خلق مجتمع المعرفة من خلال التنوير ورسم المسارات الصحيحة بتعميق الوعي وتخطي المشكلات والتخلص من العادات السيئة لإحداث التغيير.
إذن اكتساب المعرفة واستيعابها وهضمها واستخدامها ونشرها وتطويرها كل ذلك يجعل المجتمع أكثر قدرة وكفاءة على تحقيق التنمية المستدامة بكل مناحيها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، و يعطى هذا دورا لمراكز التدريب في كافة مراحل التعليم ، وبناء تعليم يرتق إلى مستوي إركاز أسس متينة للمعرفة، وكذلك دور الإعلام في تعزيز وتنمية الروح المعرفي. ويقود ذلك في نهاية المطاف إلى انتاج وتوليد المعرفة، من خلال اعداد الأجيال وتأهيلها وتأتي الإرادة السياسية وحشد الموارد والطاقات في مقدمة الخطوات للسير في طريق بناء مجتمع المعرفة”[23]“.
وينحصر مفهوم مجتمع المعرفة في أنه المجتمع الذي تلعب فيه المعلومات والاتصالات الدور الكبير لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية لأن المعلومات أصبحت عامل حاسم في النشاط اليومي للأفراد والمؤسسات والهيئات والمنظمات، وأن شبكات التواصل أصبحت ضرورية للتواصل داخل المجتمع، وبالتالي المعارف والمهارات هي مفتاح النجاح وأهم مظاهر مجتمع المعرفة للأسباب الآتية:
ـ مجتمع المعرفة يمتلك القدرة على مسايرة التطور الثقافي العالمي وتطور التقنية.
ـ يحتاج بنية إلكترونية عالية الجودة في مجال التدريب الإلكتروني تتناسب مع احتياجات مؤسسات الدولة والمجتمع.
ـ أن يحقق النظام التدريبي تكافؤ الفرص في اكتساب المعرفة والمهارات.
ـ تحقيق الشراكات وبنائها محليا واقليميا ودوليا.
ـ وضع البنيات بحيث يكون التعليم للجميع.
ـ تزامن تطوير التعليم والتدريب ، بجانب الخدمات الأخرى المعلوماتية والبحوث والوسائط المتعددة وغيرها يمثل الأساس للنمو والتنافسية ويقتضي ذلك تشجيع الاستثمار وبناء المشروعات.
ـ الاهتمام بالمعرفة في كافة المجالات بما يؤدي إلى زيادة الانتاجية والقيمة المضافة.
انعكس ذلك من خلال الاجتماع الثاني لوزراء الدول الأورومتوسطية في القاهرة في 2008م حول مجتمع المعرفة أو المعلومات من خلال التركيز على أهمية مجتمع المعلومات، والتعليم العالي، والعلوم والبحوث والتطوير من أجل تحسين التنافسية، وخلق فرص عمل جديدة، وتعزيز الشراكات مما يودي إلى بناء مجتمع المعلومات.
مجتمع المعرفة بهذا المعني والذي أصبحت تنوب فيه الأدمغة الإلكترونية الإنسان هدم المساحة الفاصلة في المجتمع التقليدي بين عمل الفكر والعمل اليدوي حيث أصبح الوسيط الإلكتروني يلعب الدور الحاسم لأن النشاطات المتعلقة بالمعرفة من انتاجها ونشرها واستخدامها وخزنها لم تعد من مهمة المختصين وإنما المعرفة أصبحت إمكان مفتوح للفاعليين الاجتماعيين في مختلف الحقول وعلى اختلاف مستوياتهم فأصبحت السلطة لتقنية المعلومات التى صنعت واقعا جديد يقوم على الحوسبة والأعلمة والرقمنة. لسبب الشراكة في استخدام الوسائط.
إذن اقامة مجتمع المعرفة يتطلب تعزيز فعالية السياق التنظيمي لإنتاج المعرفة بما يحقق الابتكار والإدارة الفعالة لنقل التقنية لتوطينها ببلداننا واستيعابها في النسيج الاجتماعي لتوليد معارف وتقنيات جديدة تحقق الكفاءة الانتاجية والتنمية الإنسانية.
على ذلك تبلور الرأي بأهمية قيام مجتمع المعرفة وظهرت رؤية استراتيجية لإقامة مجتمع المعرفة في البلدان العربية تضمنها تقرير التنمية البشرية لعام 2003م وتلخصت في أهمية إطلاق الحريات وضمانها من خلال الحكم الرشيد ونشر التعليم وتوطين العلم وبناء القدرات وإحداث التطوير الثقافي والمجتمعي، والتحول نحو نمط انتاج المعرفة طبقا لشروط البنية الاقتصادية والاجتماعية الخاصة، وتأسيس نموذج معرفي عربي أصيل يوصف بالاستنارة والانفتاحية يتحرر من محاولات توظيف الدين ايديولوجيا، والنهوض باللغة العربية، وإثراء التنوع الثقافي ودعمه، قد تمثل هذه الاستراتيجية خطوة ضرورية نحو خلق مجتمع المعرفة وفق رؤية عربية معاصرة.
خاتمة: نحو أفق جديد
ـ إن توظيف التكنولوجيا واستخدامها شرط لازم لبناء المعرفة في المجتمع، وعملية توظيف تلك المعارف هو الطريق الأوحد لتحقيق التنمية. لذا لم يعد التفكير أو العمل نشاط مقفل داخل أسوار البيئات والمجتمعات المحلية، وانما أصبح عملية كونية عابرة للثقافات ولا تحدها الجغرافيا نتيجة للآفاق الواسعة التى فتحتها التقنية الرقمية في التواصل داخل المجتمع الإنساني، حيث أصبح العالم الإفتراضي هو المحرك الأول لحياة الناس المعيشة في غالب الأمكنة، والناسق لها بواسطة المعلومات المبثوثة عبر الأثير للجميع، الأمر الذي زاد الوعي وعمقه لدى شرائح واسعة في المجتمعات العربية وبعديد من القضايا والموضوعات. ويضع ذلك نظرية الدولة القائمة في البلدان العربية وأشكال التنظيمات المدنية والسياسية في المحك، إما التغيير والتحول إلى موقع المشارك فيما يجري من أحداث أو الممانعة والبقاء في موقع الخاضع لسطوة المعرفة والبقاء في حال التخلف.
ـ التعلم الإلكتروني عن بعد يعد أحد أهم العوامل الداعمة لعمليات التنمية لأنه يحقق المعرفة ويسهل الحصول عليها وينميها ويطورها لكل الناس في مختلف ميادين انتاج المعرفة، أنه يزيد القدرات وينمي المهارات ويعزز فرص الإبداع والابتكار، مما يدفع باتجاه مجتمع المعرفة والذي يحتاج بناءه إلى تهيئة الظروف البنيوية الداعمة لنشر التعلم الإلكتروني بكل صورة والتوسع فيه وتطويره باستمرار لتحقيق المواكبة للذي يجري في العالم.
ـ لقد اكتسبت المعرفة أبعاد ودلالات جديدة تتمدد في عالم الخبرة بمكوناته المتكثرة وفي كل ما يتصل بنشاط الانسان وجهده من خلال تطوير المفاهيم والنظريات وتحقيق الفهم والوعي والقدرة على التفسير لإنتاج الحقائق استنادا إلى تطور العلم والمعرفة من خلال استخدام وسائط التقنية الرقمية والأخذ باتجاه تطوير البحث العلمي وتغيير المفاهيم السائدة والتى من شأنها ابطاء عملية التفاعل والتحول نحو مجتمع المعرفة.
ـ اصبحت المعرفة صناعة تتم عبر الوسائط التقنية التى تنوب عن الانسان فيما يقوم به من تحليل وفهم وتفسير، ويستمد فكر الإنسان قوته ومتانته من قدرته على الابداع في ايجاد تلك الوسائط في عملية جدلية خلاقة بين الإنسان والوساط التقنية. إذن الأهمية الاستثنائية يجب أن توجه لإنتاج المعرفة وذلك بتعلم المناهج والمهارات المؤدية لذلك وليس فقط مجرد الاستمرار في نقل المعرفة واستهلاكها حال البلدان العربية فهي مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتوفير الشروط المادية والمعنوية التى تمكن من عمليات الإبداع بالتحرر من كافة أشكال القيود التى تكبل العقل من القيام بوظيفته في التفكير والإطلاع على تجارب الآخرين والاستفادة منها وإعادة انتاجها.
ـ من الضرورة جداً التحول نحو اقتصاد المعرفة وذلك بتطوير القدرات والمهارات المعرفية وبوضع استراتيجية تحقق الدمج بين سياسة العمل التى تفتح فرص عمل جديدة وتحقق التنافسية، وسياسة المجتمع المدني الحقيقي القائمة على قيم العدل والمساواة وتكافؤ الفرص، وسياسة التعلم الذي يستثمر تقنية المعلومات والاتصال ومربوطة بحاجيات المجتمع في التنمية والنهوض، وسياسة الدولة القائمة على الديمقراطية والقانون والحرية، مما يفضي لمجتمع الشراكة والتعاون بحيث يمكن تحقيق التنمية الشاملة المستدامة، هذا على اعتبار أن اقتصاد المعرفة يمثل احدي البنى التكوينية الرئيسة لمجتمع المعرفة ناتج الثورة التكنولوجية الحديثة والذي يأخذ فيه العقل والبحث العلمي موقع الصدارة ويقر الحرية والمساواة والديمقراطية وكافة المكتسبات التى تقوم على المعرفة بمعناها المعاصر.
ـ مجتمع المعرفة هو مجتمع الشراكة الحقيقية بين كافة مكوناته في ضروب المعرفة المختلفة العالمة منها أو القائمة على الجهد العضلي، لأن وسائط التقنية الذكية المنتشرة هدمت كل الفواصل بين الناس حيث اصبحت المعرفة امكان مفتوح للشراكة كل بحسب اخصاصة وطبيعة نشاطه في توظيفها ونشرها وانتاجها …. الخ فإن سلطة تقنية المعلومات خلقت واقعا جديدا بمعنى الكلمة، طال الحياة في أدق تفاصيها فتهشمت أشلاءً كثير من الأفكار والتصورات والمفاهيم: النخبة، والوصاية، واللغة، الهوية، والتنشيئة الإجتماعية، والقيم، والثقافة وغيرها كل شئ اختلف ولم تعد الأشياء كما كانت.
قائمة المراجع:
ـ ابراهيم سعيد البيضاني. أهمية التعلم الإلكتروني في زيادة الإنتاج المعرفي. أعمال (المؤتمر الدولي الأول حول التعليم عن بعد). الخرطوم: جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا،2014م
ـ البنك الدولي. بناء مجتمعات المعرفة.. التحديات الجديدة التي تواجه التعليم العالي. القاهرة، 2003م.
ـ اليونسكو. من مجتمع المعلومات إلى مجتمع المعرفة. 2005م.
ـ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي. تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003م.. نحو إقامة مجتمع المعرفة،.
ـ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. تقرير المعرفة العربية للعام 2012م.. إعداد الأجيال الناشيئة لمجتمع المعرفة،.
ـ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. تقرير المعرفة العربية للعام 2014م.
ـ علي حرب. العالم ومأزقه.. منطق الصدام ولغة التداول. ط:2. الدار البضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2007م.
ـ علي حرب. حديث النهايات.. فتوحات العولمة ومأزق الهوية. ط:3. بيروت: المركز الثقافي العربي، 2008م.
ـ محمد سالم جدور. التعليم الجامعي الإلكتروني عن بعد. الواقع والتحديات. أعمال (المؤتمر الدولي الأول للتعليم عن بعد) الخرطوم: جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا،2014م.
ـ محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي.ما بعد الحداثة.. تجلياتها وانتقاداتها. الدار البيضاء: توبقال للنشر، 2007م.
[1] اليونسكو. من مجتمع المعلومات الى محتمع والمعرفة ،2005م. ص7
[2] برنامج الأمم المتحدة الإنمائي .تقرير المعرفة العربية للعام 2014م.
[3] برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. تقرير التنمية الإنسانية العربية،2003م. ص39
[4] علي حرب. حديث النهايات .. فتوحات العولمة ومأزق الهوية. ط:3. بيروت: المركز الثقافي العربي، 2008م . ص9
[5] على حرب . حديث النهايات. ص10 /11
[6] البنك الدولي . بناء مجتمعات المعرفة ، 2003م
[7] محمد سبيلا وعبدالسلام بنعبد العالي. ما بعد الحداثة..تجلياتها وانتقاداتها. الدار البيضاء: توبقال للنشر، 2007م. ص60/61
[8] تقرير المعرفة العربية للعام 2014م . ص29
[9] على حرب . حديث النهايات. ص128 ومايليها
[10] محمد سالم جدور. التعليم الجامعي الإلكتروني عن بعد.. الواقع والتحديات. أعمال (المؤتمر الدولي الأول للتعليم عن بعد) الخرطوم: جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، 2914م. ص84
[11] اليونسكو . من مجتمع المعلومات إلى مجتمع المعرفة. ص80
[12] محمد سالم جدور. مرجع سابق ص84
[13] البنك الدولي مرجع سابق ص37
[14] المرجع نفسه. ص135/136
[15] برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تقرير المعرفة العربية للعام 2012م ص7
[16] تقرير المعرفة العربية للعام 2014م
[17] تقرير المعرفة للعام 2012م
[18] ابراهيم سعيد اليبضاني. أهمية التعلم الإلكتروني في زيادة الإنتاج المعرفي. أعمال(المؤتمر الدولي الأول حول التعليم عن بعد) مرجع سابق. ص126 ومايليها
[19] تقرير المعرفة العربية للعام 2014م ص31
[20] علي حرب. العالم ومأزقه..منطق الصدام ولغة التداول. ط:2. الدار البضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2007م. ص107
[21] تقرير التنمية الإنسانية الشاملة للعام 2003م
[22] تقرير المعرفة للعام 2014م
[23] المرجع نفسه