المناهج التربوية في لبنان: واقع وتقويم
الدكتورة ليال الرفاعي
الجامعة اللبنانية/ معهد العلوم الاجتماعية- الفرع الأول والثالث
مداخلة ألقيت خلال مؤتمر تطوير الأنظمة التعليمية العربية، طرابلس / لبنان 22 و23 مارس 2019
المناهج التربوية تعكس دوماً صورة المجتمع الذي تنشأ فيه وتعبر عن المرحلة الزمنية التي عايشتها ، فتعكس ايديولوجيا النظام السياسي القائم، ووجهة نظر واضيعها ، وتؤمن استمرارية هذا النظام، من ناحية القيم والتوجهات والمفاهيم التي يسعى الى زرعها في الجيل الجديد. ذلك أن بناء الدولة
لا يمكن أن يتم بدون بناء مواطن يحمل سلوكيات مرغوب فيها، بهدف خلق علاقة سوية بين المواطنين من جهة وبينهم وبين الدولة من جهة أخرى.
يستدعي التطرّق لموضوع المناهج التعليمية في لبنان الى عودة موجزة لتاريخ التعليم بمراحله المختلفة . فلبنان كان تابعاً للدولة العثمانية، من ثم نظام الانتداب الفرنسي، الى أن تأسس لبنان الكبير بدستوره واستقلاله، القائم على اساس التعايش بين مجموعة من الطوائف في اطار صيغة سياسية/اجتماعية ارتضاها جميع الاطراف.
بعد ثلاث سنوات من الاستقلال (1943) تم اصدار مناهج جديدة، استمر العمل فيها حتى تأسيس المركز التربوي للبحوث والانماء واصدار مناهج أخرى في الاعوام 1968 و 1970 و 1971 حيث بقيت متداولة فترة طويلة، بسبب ظروف الحرب التي مرّ بها لبنان، الى أن تم تعديلها بإصدار المناهج التربوية الحديثة 1998-1999. ولا تزال سارية المفعول حتى يومنا هذا.
قبل تأسيس المركز التربوي للبحوث والانماء لم يكن هناك قسم للتخطيط التربوي في وزارة التربية، بل كان هناك لجنة للتخطيط التربوي تهتم بالشؤون المتعلقة بتطوير التربية بالتعاون مع مصلحة الابحاث التربوية في الوزارة نفسها. لكن ألغيت هذه المصلحة، لصالح المركز التربوي للبحوث والانماء، الذي تم انشاؤه في نهاية عام 1971. وقد ارتبط هذا المركز مباشرة بوزير التربية الوطنية وهو يمارس عليه سلطة الوصاية، وقد أعطي المركز قدراً كبيراً من الاستقلال المالي والاداري وألحقت بهذا المركز جميع دور المعلمين والمعلمات التابعة للمديرية العامة للتربية الوطنية آنذاك .
يناط بالمركز التربوي مهام عديدة ، من تخطيط تربوي واحصاءات ، تقييم نتائج ، دراسة المناهج ، نمط أسئلة الامتحانات، انتاج الكتب المدرسية ، الاهتمام بالابنية ، والتجهيزات، اعداد أفراد الهيئة التعليمية ، كما ويهتم المركز التربوي بكل ما يتعلق بالاساتذة والطلاب في دور المعلمين والمعلمات من تجهيزات ووسائل تعليمية ودوات تدريبية ودراسات واحصاءات … وغيرها الكثير من المهام الموكلة الى المركز التربوي للبحوث والانماء.
في لبنان يقوم المركز التربوي للبحوث والانماء بإعداد المناهج وتطويرها بإشراف وزارة التربية والتعليم، يؤلف الكتب المدرسية بحسب الخطوط العريضة للسياسة التربوية. ونفّذ المركز آخر عملية تطوير للمناهج اللبنانية نفّذت عام 1997 وأصبحت عملية تغييرها أمراً محتوماً بعد أعوام من وضعها وتنفيذها، وبعد استنزاف المناهج القديمة في شكل افقدها رونقها ومضمونها.. وحداثتها وذلك لتتلاءم مع الحداثة وتفتح آفاق المستقبل أمام الجيل القادم، خاصة بعدما أصبحت المشاكل التي
يعاني منها القطاع تفوق كل تصوّر.
لا بد من الاشارة الى أن المرسوم رقم 10227 قد اعتبر هذه المناهج قيد الدراسة المستمرة من قبل المركز التربوي للبحوث والانماء، بحيث تجري اعادة النظر فيها كل أربع سنوات على الاقل إلاّ أنّ ذلك لم يحدث.
لجان متعددة لبنانية وأجنبية وخاصة فرنسية، أشرفت وشاركت في تنفيذ المناهج الصادرة 1997، وهي عبارة عن هيئة للتخطيط والمتابعة ، شاركت فيها مجموعة من المؤسسات التربوية الخاصة والرسمية والجامعية ، والهيئة الاستشارية، شملت ممثلين عن جهات رسمية محلية واجنبية وجامعات خاصة، ولجنة للاعداد والتدريب. تضمنت هذه اللجنة مديري بعض المراحل وبعض الجهات الرسمية في الوزارة ولجنة التقييم والامتحانات. أي انحصرت بممثلين عن الجهات الرسمية في الوزارة وعناصر من مؤسسات تربوية خاصة، أما لجان التأليف فقد تم اختيار اعضائها من رؤساء الاقسام في المركز التربوي للبحوث والانماء وممثلين عن القطاع الخاص والرسمي ومجموعة من المنسقين.
تشكلت لجان التأليف من منسق عام ومقرر عام كلفوا بمهمة الاشراف على اللجان بحسب المواد والسنوات ، وتم تعزيز التنسيق الافقي والعمودي بين اللجان على مستوى المادة الواحدة بهدف تأمين التدرج في مضامين المادة الواحدة وبينها وبين مضامين سائر المواد بهدف تعزيز الخدمة المتبادلة بين المواد وتلافي التكرار في المضامين.
مؤسسات عديدة رسمية وخاصة، من مدارس وجامعات من مختلف الانتماءات والاطياف، بالاضافة الى مصرف لبنان ونقابة المعلمين، وبالطبع المركز التربوي للبحوث والانماء والمفتشية التربوية والمديرية العامة للتربية، قاموا بتقييم هذه المناهج، بعدما تم توزيع نسخة أولية عن مناهج التعليم العام، على بعض هذه المؤسسات التربوية، مُرفقة بإستمارة تكشف نقاط الضعف في المناهج ليتم على ضوئها ادخال التعديلات الملائمة ومن ثم اقرار المناهج بشكلها النهائي.
كان من المفترض أن تتم المرحلة التجريبية للمناهج على عينة من المدارس، لكن وتلافياً لارباكات قد تقف في طريق خطة النهوض أو أي تغيير في الظروف السياسية، تم تجريب هذه المناهج في جميع المدارس، كسنة تجريبية، على أساس اعادة النظر فيها في السنوات اللاحقة، وهذا ما لم يحصل بالشكل المطلوب، اذ تم تعديل بعض الثغرات الفاضحة، أو ايقاف العمل ببعض المحاور، بعدما تجلى للمسؤولين أنها لا تتناسب مع الوقت المحدد لها، أو القيام بتصحيح بعض الاخطاء المطبعية على أبعد تقدير.
تبيّن بعد عملية التطبيق، أنّ مضمون المناهج لم يساهم في تعزيز حالة الاندماج الاجتماعي عند المتعلمين بل على العكس من ذلك ساهمت هذه الكتب في تأجيج النزاع الطائفي المناطقي بشكل عميق، الأمر الذي أدى الى تباعد في المواقف والاتجاهات السياسية- الوطنية.
كل ذلك فرض الحاجة الملحة لاصدار مناهج جديدة تواكب العصر والتطورات، وتساهم في تعزيز الاندماج الاجتماعي، والشعور بالانتماء والمواطنية في نفوس الاجيال الصاعدة، وترميم ما أفسدته الحرب الاهلية. أدرك مجلس الوزراء اللبناني هذه الخطورة وأصدر مرسوم رقم 10227 في 8 أيار 1997 يقضي بضرورة وضع خطة نهوض تربوية لإقرار مناهج تعليم عام جديدة، لكل مراحل التعليم ما قبل الجامعي بما يعزز الانتماء والانصهار الوطنيين.
توجهات عديدة حملتها خطة النهوض التربوي، في ما يتعلق بمساهمة التعليم في الاندماج الاجتماعي، وذلك في التوجهات الاستراتيجة للتربية والتعليم في لبنان للعام 2015 الذي صدر عن وزارة التربية والتعليم العالي، المركز التربوي للبحوث والانماء، عام 2000. وها نحن أصبحنا على مشارف العام 2020 ولم يطبّق الا البعض من هذه التوجهات وما زال البعض الاخر معلقاً بانتظار الظروف المناسبة لتطبيقها، ومن هذه التوجهات:
- توحيد مادتي التربية الوطنية والتاريخ ، بطريقة التعليم التفاعلي والعمل التعاوني، ما يتطلب تمكين الاساتذة وتعليمهم المهارات اللازمة، وتأمين المستلزمات المادية لتطبيق المطلوب. لكن مرّ أكثر من خمسة عشر عاماً على اصدار المناهج وهذا التوجه، وبخاصة ما يتعلق بمادة التاريخ، في جزء منه حبراً على ورق.
- تعزيز الاندماج الاجتماعي، والاعتراف بالاخر، وبالتنوع الطائفي والمناطقي، وزيادة الوعي بأهمية العيش المشترك، والحفاظ على الهوية الوطنية، مستندين في ذلك على مواد العلوم الانسانية، وخاصة الاجتماعية منها. هل استطاعت كتب علم الاجتماع القيام بهذه المهمة؟
- أهمية تدريب المعلمين، كحجر زاوية في عملية بناء المناهج وتطويرها، سعياً الى تفعيل دور التعليم في الاندماج الاجتماعي. من خلال جمع المعلمين من كل المناطق والاطياف في كلية التربية، وتدريبهم على الاساليب التفاعلية والديناميكية. الى اي درجة كان تدريب الاساتذة كافياً في كلية التربية ومترجماً لهذا الهدف؟
- تحسين وضع المؤسسة التربوية لزيادة أهميتها في عملية التنشئة الاجتماعية، وذلك عبر اطالة اليوم الدراسي، وتفعيل الانشطة الصفية وغير الصفية، وتعزيز قيام الروابط الطلابية وروابط الهيئات التعليمية. فكم مدرسة استطاعت انجاز هذه التوجهات؟
- الدفع بالعملية التعليمية لتتلاءم مع حاجات سوق العمل، وترشيد النفاق على التعليم، بهدف التخفيف من حدة التفاوت في الفرص الدراسية، وخلق أرض خصبة لاندماج الاجتماعي. هل خفف هذا التوجه من حدة البطالة؟ هل تراجعت هجرة الشباب وخاصة الادمغة منهم وأصحاب الاختصاصات؟
- التأكيد على دور وسائل الاعلام المساهم في تعزيز الاندماج الاجتماعي، بنشر ثقافة وطنية، تعزز التفاعل بين الشباب من مختلف المناطق والطوائف، وصولا” الى الاعتراف بالاخر وبالتنوع الثقافي وأهميته. لكن لم نعرف أي وسائل اعلام منها؟ الطائفية، أم المذهبية، أم التي تسعى جاهدة الى نشر الفتنة، أم المرتهنة للتوجهات السياسية؟
تحديات عديدة واجهت خطة النهوض التربوي، منها الموروث مما تركته الحرب على البنى التحتية والفوقية للتعليم ، ومنها تحديات ناتجة عن التطور التكنولوجي والعولمة وما فرضته من مساحات اقتصادية تجاوزت الحدود والمسافات، اختلفت معها مقاييس العلم والابحاث العلمية، ما يفرض على كل مجتمع اعادة ترتيب أولوياته، واتخاذ خياراته التي تسمح له بإثبات وجوده في العالم والا كان مصيره التقوقع والتهميش.
العجز في السياسات الاجتماعية التنموية، مازاد من انتشار البطالة بجميع اشكالها، مما دفع بالقوى العاملة الشابة الى الهجرة، ما يستدعي التأهب والسرعة في محاولة للانفتاح على العالم عبر تصورات تنموية جديدة ومدروسة، وتصويب في الخيارات الاستراتيجية، حفاظاً على الرأسمال البشري من أجل التنمية.
ايجابيات المناهج التربوية:
ايجابيات المناهج التربوية الجديدة كانت محدودة لكنها أساسية ويمكن أن تُعتمد كقوام لبناء مستقبلي، مع الاستفادة من كل الانتقادات التي طالتها والتي سنعرضها لاحقا”، واعتماد نهج تربوي واضح المعالم والافاق هدفه بناء الانسان الذي هو “ثروة لبنان الحقيقية التي نحرص عليها أشد الحرص” ومن خلالها يعود لبنان فيطلّ بجدارة على عالمه العربي، وعلى العالم الاوسع، فما هي أبرز هذه الايجابيات؟
- شكلت الكتب تطوراً لافتاً من ناحية الشكل والمضمون والاخراج؛ فالكتب القديمة لمناهج سنة 1964 كانت في معظمها مستوردة من فرنسا. أما الكتب التي صدرت بين عامي 1968 و 1971 فلم تكن ذات نوعية جيدة، كما غلب عليها طابع الترجمة عن كتب أجنبية مع العلم أن الكتب الحالية ذات نوعية أفضل. الا أن الاسئلة كثيرة ما تزال مثارة حول مدى أصالتها ودرجة تعبيرها عن البيئة اللبنانية والعربية وتراثها.
- توحيد الاهداف التربوية والتعليمية لجميع اللبنانيين ولأول مرة في تاريخ لبنان.
- ادخال التكنولوجيا والكمبيوتر الى المناهج التربوية بالاضافة الى ادراج موضوعات متعلقة بالبيئة والصحة ، وموضوعات اخرى مستجدة ولها القدر الكبير من الاهمية التربوية.
- تشييد مدارس جديدة في المحافظات كافة، وتأمين بعض المختبرات وأجهزة الكمبيوتر وتجهيزات لمواد الفنون في بعض
المدارس، على أن تستكمل تلك التجهيزات.
- استحداث مواد جديدة في المنهاج كمادة علم الاجتماع والاقتصاد والتكنولوجيا والمعلوماتية كذلك وادخال اللغة الثانية.
- الابتعاد عن التلقين والتركيز في بعض محاور التعليم على أن يكون التلميذ محور العملية التربوية .
- تفعيل عمل كلية التربية وتنظيم دورات للاساتذة في دور المعلمين والمعلمات في المناطق كافة.
- مرونة الهيكلية الجديدة من خلال ربطها بمختلف مستويات التعليم وفروعه، من مرحلة الروضة والثانوي الى التعليم المهني والتقني الى التعليم الجامعي.
العقبات التي واكبت عملية اعداد المناهج وتطبيقها:
- من أهم السلبيات التي شابت المناهج التربوية المنعوتة بالحديثة، أنها جاءت منقولة عن كتب أجنبية، فرنسية في معظمها، ما ينفي عنها طابع الحداثة ويضفي عليها الصفة النقلية فأضحت على شكل مقالات مترجمة.
- لم تخضع المناهج للتجريب بشكل دقيق قبل اصدارها ، للتأكد من صلاحية هذه المناهج في التعاطي مع الواقع الاجتماعي ومع حاجات التلميذ.
- الوقت الضاغط الذي استوجب سرعة في العمل، مما خلق مجموعة من الثغرات التنظيمية والتنسيقية والتطبيقية.
- توكيل مهمة تأليف كتب المناهج التربوية بالنسبة المئوية المرتفعة الى اساتذة في الجامعة ذوي خبرة طويلة في الدراسات النظرية ولا يملكون خبرات تعليمية واقعية خصوصاً في المراحل المتوسطة والثانوية بدل اسناد المهمة الى اساتذة مخضرمين في التعليم، على غرار ما حدث في تأليف المناهج التربوية في فرنسا على سبيل المثال. ما انعكس ضعفاً في المستوى والتنسيق بين كتاب وآخر، من ناحية، وبين فصل وآخر ومحور وآخر في الكتاب الواحد من ناحية ثانية.
- التنسيق غير الكافي بين مختلف الاجهزة المعنية بالعملية التربوية من ارشاد وتفتيش وتوجيه دراسي ومهني ونفسي، وذلك كون التقدم الذي أنجز على صعيد المناهج لم يُستكمل في باقي الادارات التربوية، مما أوجد تقاطعاً سلبياً في مهام كل منها.
- طغيان هاجس تأمين التوازن الطائفي والسياسي وكذلك ارضاء بعض الفعاليات ومراكز القوى افقد عملية تشكيل لجان تأليف الكتب المدرسية في المركز التربوي للبحوث والانماء الكثير من الشفافية، ولم تعتمد فيه أسس واضحة، بل جرى تغليب الاستنساب والاعتبارات الخاصة، غير الموضوعية، وهذا لا ينفي بالطبع وجود كفاءات مشهود لها في اللجان المذكورة، غير أن هذه اللجان ضمت أيضاً من لا يتمتع بالكفاءة المطلوبة.
- صدور المناهج عن المركز التربوي بشكل مجتزأ، حيث بدأت أولاً بالظهور ثم ظهر دليل المعلم، وتباعاً ظهرت الوسائل والاهداف والاساليب ووسائل التقييم، ما أوجد ارباكا واضحا وضعفاً في المواءمة بين الكتب من جهة، والدليل والوسائل وغيرها من الادوات التربوية من جهة أخرى.
- دليل المعلم المساعد لم يقدر على مساعدة الاستاذ، وفي معظم المواد التعليمية، بدل أن يكون مرجعاً اساسياً في يد كل معلم، انحسر دوره باعطاء حلول واجابات لبعض المسائل والانشطة المطروحة في نهاية فصول ومحاور بعض المواد. وبطبيعة الحال هذا الامر يساعد على ازدهار تجارة الكتب التي تعالج نماذج لاسئلة طرحت، أو قد تطرح في الامتحانات الرسمية علماً أن هذه الكتب قد يكون لها تأثير ضار على تعلم التلاميذ، نظراً لكونها تروج لفكرة الاسئلة المنمطة.
- التركيز على تعلم لغة أجنبية ثانية لا مبرر له لوجود ضعف متأصل في تعلم اللغة الام واللغة الاجنبية الاولى، وذلك في فترة قصيرة نسبياً مقابل فترات أطول سابقة لم تفِ بالمطلوب لتعلم اللغة والتقويم فيها ان كانت عربية أو أجنبية. وهذا ما دفع أحد مديري المركز التربوي للقول أن ثمة “مبالغة في بعض الاهداف كتلك المرتبطة باللغة الاجنبية الثانية أو اللغة الثالثة التي يستعملها التلميذ ، ابتداءً من السنة السابعة ، اذ كلنا يعرف كيف أن التلميذ يمضي أكثر من اثنتي عشرة سنة ، في تعلم لغة أجنبية واحدة بمعدل ست ساعات أسبوعياً ، اضافة الى دراسة مواد اخرى كالرياضيات والعلوم بهذه اللغة ، ولا يستطيع اتقانها ، فكيف له أن يتقن لغة أجنبية أخرى اذا درسها ساعتين أسبوعياً في المرحلتين المتوسطة والثانوية ، خصوصاً في غياب عنصر أساسي لتعلم أي لغة أجنبية، وهو وجوده في بيئة تستعمل هذه اللغة ! خاصة في المدارس الرسمية والبيئات الفقيرة.
- النقص في أعداد الكادر التعليمي المدرّب والكفؤ، والعقبة الاهم كانت عدم وجود مدربين أكفاء، ومعدّين خصيصاً لتأهيل المعلمين واجراء دورات تدريبية على هذه المناهج.
- تراكم المعلومات وكثافتها في المناهج. كثرة المواضيع وعدد الدروس في المواد كافة وعدم تكافئها مع عدد الحصص، ما دفع مركز البحوث الى ايقاف العمل في بعض المحاور والفصول بشكل غير مدروس.
- وجود عبارات مضطربة ومصطلحات صعبة، وفوضى في توزيع الدروس وهذا ما شكا منه مجموعة كبيرة من الاساتذة وحتى من اللجان المؤلفة للمناهج.
- اتساع الهوة بين هدف المناهج تكوين انسان عاقل وبين الواقع القائم على الطائفية والمناطقية المتجذرة بين الاسر والعائلات والمناطق والطوائف.
- غلب على المناهج وخاصة في العلوم الانسانية والاجتماعية الطابع النظري التلقيني، البعيد عن امتلاك المعرفة، بما يتناسب مع نظام الامتحانات الرسمية والتي تعتبر احدى ثغرات النظام التربوي في لبنان.
- غياب مادة الاجتماع عن الصفوف المتوسطة، مع العلم أنها من المواد المهمة في تكوين شخصية التلميذ وتوعيته على المحيط الذي يعيش فيه وعلى المشكلات التي يمكن أن تواجهه أو يتعرض لها (تدخين، طلاق، فقر، عمالة أطفال، تسرب مدرسي، مراهقة…)
- قطعت المناهج اللبنانية الصلة بالواقع وتجاهلت القضايا المطروحة من معاناة الناس نذكر بها الضمان الاجتماعي وطائفية الاحزاب ودخول الاعلام في التوجهات الطائفية بحجة أن التلميذ في هذا العمر غير قادر على استيعاب هذه
القضايا.
- جالت هذه المناهج فوق المجتمع اللبناني ولم تلامس مشاكله فكانت مناهج محافظة بمعنى أن المحافظ يستر عادة الامور الخلافية، ويتكلم بالعمومية والمناهج الجديدة تتجنب حتى المرحلة الثانوية مصطلحات من الخبز اليومي للحياة السياسية أو الثقافية في لبنان ، هناك طوائف بل عائلات روحية … من يقرأ مواد الاجتماعيات والتربية الوطنية لا يعرف ابداً أن في لبنان طوائف ومشاكل.
- اجراء صفقات مشبوهة تمت بين المركز التربوي من جهة، وبعض دور النشر الخاصة من جهة أخرى، أدت الى خسارة المركز مبالغ طائلة جرى تحميلها لأهالي التلاميذ من خلال رفع أسعار الكتب المدرسية للمدارس الخاصة.
- –حوالي ثلث الطلاب يتعلمون في المدارس الرسمية ويستخدمون كتباً انتجها المركز التربوي للبحوث والانماء، أما باقي التلاميذ فيتلقون التعليم في المدارس الخاصة، والتي ترك لها الحق في استخدام الكتب الوطنية والاجنبية المتوفرة في السوق.
- فجوة بين التعليم الخاص والتعليم الرسمي، فاللبناني مفتون بكل ما هو أجنبي وخارجي، ويصل ذلك أحياناً الى درجة الانفلاش وضياع الهوية الوطنية، ومن المعروف أن ثمة مدارس متقاربة جغرافياً رسمية وخاصة تبدو كأنها منتمية الى عوالم مختلفة.
- صعوبات مالية وقفت أمام عملية اصدار المناهج ومتابعة تطبيقها في بعض المدارس الرسمية كونها لا تمتلك الوسائل التربوية والتجهيزات الملائمة من أبنية ومختبرات …. لم يسأل من وضع المناهج، هل الصفوف والابنية، والوسائل التربوية، وعدد التلاميذ، في بعض المدارس، يسمح بتطبيقها؟ ففي بعض المناطق تعاني المدارس من الاكتظاظ، ومن الفقر في امتلاك الوسائل التربوية والمساحات اللازمة لسير العملية التربوية بشكل ناجح.
العقبات التي واجهت صدور المناهج التربوية:
- لا يخفى على أحد بأن التوازن الطائفي في اختيار وتعيين المدراء والموظفين والاساتذة والمدرّبين في وزارة التربية والتعليم العالي أصبح أمراً مكشوفاً، رغم ما يسببه هذا الاستنساب من هدر لبعض الطاقات الكفوءة، واستبدالها بأخرى يمكن أن تكون أقل منها كفاءة وتساهم في تراجع التعليم الرسمي.
- عملية اعداد الاساتذة في كلية التربية، عبارة عن مكاسب شخصية لبعض الجهات من خلال عملية التعاقد، بحيث لا تؤدي هذه العملية ما هو مطلوب منها بشكل يفيد المعلم ويساعده في مسيرته التعليمية، اذ يوجد ضعف تربوي لدى بعض المدربين الى درجة أن منهم من كان يقرأ المقررات قراءة عليهم، ونفس الابحاث، والمشاريع المطلوبة من الاساتذة تتناقل بين المتدربين مداورة . فالدورات التي خضع لها الاساتذة لم تقدّم شيئاً يُذكر، ولم تساعد في امتلاكهم التقنيات والطرائق بشكل فعّال، فكان التلقين هو السائد والنظريات التي في معظمها غير قابلة للتطبيق هو ما تلقاه الاساتذة. لدرجة تحولت
معها دورات كلية التربية الى عملية هدر للوقت اضافة الى ما كبدته للوزارة من تكاليف باهظة.
- أما التفتيش التربوي فهو الجهاز المنافس على أرض الواقع لجهاز الارشاد والتوجيه، حيث نلاحظ تواجده في لقاءات الارشاد أكثر من تواجده في المدارس، فالتفتيش التربوي هو أحد الاجهزة الضرورية لتوجيه العمل التعليمي وترشيده. انه البوصلة الضرورية لقيادة سفينة التعليم بالاتجاه الصحيح، لكن الى أي درجه يؤدي هذه المهام في الواقع؟ وقد تم اجراء مباراة باشراف وزارة التربية والتعليم العالي وتنفيذ مجلس الخدمة المدنية لتعيين عدد من المفتشين التربوي بهدف سد الثغر الحاصل الا أنهم لم يتمّ تثبيتهم وفق مرسوم محدد ليتمكنوا من ممارسة مهامهم على أرض الواقع وذلك بسبب عجز الدولة عن تأمين التكاليف المادية.
- استحداث جهاز الارشاد والتوجيه مهمته مراقبة عمل المدرسين ومتابعة أنشطتهم، التنسيق بين اساتذة مواد الاختصاص في المدارس الرسمية لتحسين طرائق التدريس، واعداد لقاءات تربوية في بعض المدارس، وهذا ما لا يحصل الا مرة واحدة سنوية في حال تم اجراء هذه اللقاءات، وتكون عبارة عن لقاءات غير فعالة بسبب عدم حضور القسم الكبير من الاساتذة، خاصة وأن الحضور غير الزامي.
- فعادة ما يقتصر التدريب على مجموعة نفسها في كل مرة، مما يؤثر بشكل كبير على نتائج الامتحانات الرسمية، وهذا ما يبدو جلياً في عملية التصحيح ، من تفاوت بين تلميذ واخر في معرفة قواعد وسبل الاجابة عن الاسئلة التي تخضع لتعديلات سنوية لا يعلم بها العدد الاكبر من الاساتذة، خاصة أساتذة التعليم الخاص.