نظرية الذات لكارل روجرز Carl Rogers’s self-theory
اشريف مزور، مفتش تربوي لمادة الفلسفة، أكاديمية فاس – مكناس، المغرب
ChrifMezour, Educationalinspector/Philosophy, Academy of Fes-Meknes
مقال نشر في مجلة جيل العلوم الانسانية والاجتماعية العدد 65 الصفحة 127.
ملخص:
غرضنا من هذا المقال الحديث عن نظرية الذات عند روجرز، فأساس الشخصية عنده يتمثل في رغبة الإنسان في تحقيق إمكاناته، إنه في الواقع يمتلك شخصية قادرة على التحكم في الذات، أضف إلى ذلك فالفرد يصبح كائنا اجتماعيا بفضل رغباته، وبكيفية لا يتصورها المرء. فلا يوجد وحش في أعماق الإنسان، بل داخل الإنسان يوجد الإنسان. بيداغوجيا يجعلنا هذا الأمر نفهم بأن طريق العلم والمعرفة لا يقتصر على ما هو فصلي، وإنما الغرض الأساس هو كيف يدمج المتعلم ما تعلمه في المدرسة في وضعيات عدة لمعالجتها والتكيف معها، إن المدرسة بهذا المعنى مجتمع صغير يتعلم فيه الفرد الانسجام وأيضا التميز والإبداع.
الكلمات المفتاحية: تحقيق الذات/الشخصية/الصحة النفسية/التعلم.
Abstract:
Our purpose of this article is to talk about Rogers’s self-theory, the basis of his personality is the desire of man to realize his potential, that he actually possesses a personality of self-control, in addition to that an individual becomes social being by virtue of his desires, and in a way that one cannot imagine. There is no monster in the depths of man, rather, within man there is man. Pedagogically speaking, this makes us understand that the path of science and knowledge is not limited to what is quarterly, but the main purposes how the learn reintegrates what he has learned in school in several situations to deal with address and adapt to it, the school in this sensei’s a small community in which the individual learns harmony, as well as excellence and creativity.
key words: Self-realization/Personality/Psychological-health/Learning.
تقديم :ترجع شهرة روجرزRogers (1902 – 1987) إلى الأسلوب العلاجي غير المباشر الذي اسماه “العلاج المعقود على العميل” Client-centeredtherapy، ومن المعلومات التي حصلها روجرز خلال علاجاته تلك، توصله إلى نظرية في الشخصية مفادها أن الإنسان له دافع واحد مهيمن، وهذا الدافع هو تحقيق إمكانات وقدرات الإنسان. ومن أبرز الدلائل على أهمية روجرز في علم النفس المعاصر أنه انتخب عام 1946 رئيسا لجمعية علم النفس الأمريكية (APA)، ومن أهم كتبه “العلاج المعقود على العميل” الصادر سنة 1951، ثم “تكون الشخص” الذي أصدره سنة 1961.
ينتمي روجرز إلى ما يسمى بعلم النفس الإنساني كقوة ثالثة إلى جانب التحليل النفسي والسلوكية؛ يحاول الاهتمام بتنمية القوى والإمكانات الموجودة عند الإنسان، ومن أبرز رواده ماسلو وروجرز. نشأت هذه المدرسة في الخمسينيات من القرن الماضي كرد فعل ضد نظريات السلوكية والطاقة النفسية لأنهما خفضتا من قيمة إنسانية الإنسان، فالفرويدية تنتقد(بفتح القاف)لاعتقادها بأن السلوك محكوم بدوافع فطرية حيوانية، وتنتقد السلوكية لانشغالها بالبحث في عالم الحيوان وبوجهات نظرها الميكانيكية في الشخصية. ومعلوم أن القائلين بنظرية تحقيق الذات كثر، يستلهمون آراء روسو في خيرية الطبيعة الإنسانية ونبلها، ولهذا راحوا يركزون أبحاثهم على الطرق التي تسهل تحقيق الذات وتوفر الحرية للنمو والتعبير عن القوى الذاتية، ورأوا أن عدم الاستواء النفسي يحدث عندما تقف العوائق والمشكلات أمام السعي والتقدم للتعبير عن المنازع الطبيعية، وقد اتجه ماسلوMaslow إلى التركيز على قوانا الداخلية الفريدة، أما روجرز فاهتم بالعوائق التي تعترض سبيل تحقيق الذات.
أ- تحقيق الذات وبناء الشخصية
اشتق روجرز نظريته “تحقيق الذات” من خلال دراساته على الأسوياء وعلى المرضى (علاجاته المعقودة على العميل)، وهذه التسمية تمثل جزءا من رأيه في الشخصية الإنسانية، حيث يضع مسؤولية التغيير على عاتق العميل (المسترشد) أكثر من وضعها على عاتق المعالج (كما تفعل مدرسة التحليل النفسي)، ويفترض روجرز أن الإنسان يستطيع شعوريا وعقلانيا أن يتحكم في نفسه، وأن يتحول من الأساليب غير المرغوبة في الفكر والسلوك إلى الأساليب المرغوبة، وهو لا يعتقد أن الناس محكومون بالقوى اللاشعورية، أو بخبرات الطفولة المبكرة، ذلك أن الشخصية في نظره تتشكل بأحداث الحاضر وبرؤيتنا لهذه الأحداث([1]).
بالنسبة للعلاج المعقود على العميل، فهو نظام للعلاج النفسي يقوم على أساس الافتراض القائل بأن الفرد أو العميل هو الأقدر على حل مشكلاته، وأن على المعالج أن يخلق جوا علاجيا يتسم بالدفء والتسامح، بحيث يشعر المريض بالحرية في مناقشة مشكلاته، مما يمكنه من الاستبصار بها، وفي العلاج المعقود على العميل يقوم المعالج بدور غير مباشر، ولا يتدخل إلا بالتشجيع والتعليقات البسيطة على ما يرويه العميل ([2]). جدير بالإشارة أن روجرز طور نظريته في الشخصية من خلال عمله العلاجي مع المرضى النفسيين، وأكد أنه بإمكاننا أن نتعرف ونختار اتجاهاتنا الصحيحة في الحياة من خلال تجاربنا، وقد سمى مدخله العلاجي في بداية الأمر بالعلاج المتمركز حول العميل، ولكنه وسع في نظريته لاحقا ليؤكد جوانب غير إكلينيكية للمريض من حيث إشراكه لوالديه والتربية والعلاقات الشخصية في تشكيل شخصية الفرد، لذا غير اتجاهه نحو مسمى أكثر اتساعا، وهو العلاج المتمركز حول الشخص ([3])(person-centeredtherpy).
تدور أبحاث روجرز حول تنمية شخصية الإنسان، والشخصية هي تكامل جميع المميزات الفردية في منظومة فريدة تحدد محاولات الفرد للتكيف مع محيط متغير باستمرار وتتحدد بها، والكلمة المفتاح الأولى في مفهوم الشخصية هي تفرد الفرد، أما الثانية فهي ثبات أو ديمومة سمات الشخصية ومميزاتها عبر الزمان والأحوال ([4]). تتلخص نظرية روجز في الشخصية بما دعاه بمفهوم الذات، وعرفه بأنه مجموعة معتقدات الشخص عن طبيعته وصفاته الفريدة وسلوكه النمطي، وتتضمن الذات إجابة عن سؤالين: من أنا؟ ما الذي أقدر عليه؟ إن الذات “تكوين معرفي منظم للمدركات الشعورية والتصورات والتقييمات الخاصة بالذات، يبلوره الفرد ويعتبره تعريفا نفسيا، حيث يتكون مفهوم الذات من أفكار الفرد الذاتية المحددة لكينونته الداخلية والخارجية”([5]).
يعتقد روجرز أن القوة الدافعة الأساسية عند الإنسان هي تحقيق الذات، ورغم أن الدافع نحو تحقيق الذات فطري، إلا أن التعلم والخبرات التي يتعرض لها الفرد تؤثر على هذا الدافع، وعلاقة الطفل بأمه علاقة مهمة، لأن من شأنها أن تؤثر على الشعور بالذات، وعندما ترضي الأم حاجة الطفل إلى الحب والتي يسميها روجرز بالاهتمام الإيجابي، فإن الطفل ينشأ غالبا على شخصية سوية ([6]). بتعبير آخر إن ميول الفرد لتحقيق الذات تعمل بانسجام لإشباع قدراته الفطرية، إذ يتطلب ذلك دعما بشكل إيجابي من المربين واهتماما بالطفل خلال مراحل نموه المختلفة، من خلال تقديم طرق توجيهه من الآخرين (الوالدين، المربين) الذين يستطيعون إشباع هذه الحاجات الملحة.
تؤكد نظرية الذات عند روجرز على أن أساس الشخصية يتمثل في رغبة الإنسان في تحقيق إمكاناته، يقول: ” يتضح بأن الفرد يفصح عن حقيقته بإخضاعه للعلاج. فهو في المقام الأول جسم بشري بكل ما يعنيه ذلك من مظاهر الغنى المرتبطة بهذا الوضع. إنه في الواقع يمتلك شخصية قادرة على التحكم في الذات، أضف إلى ذلك فالفرد يصبح كائنا اجتماعيا بفضل رغباته، وبكيفية لا يتصورها المرء. فلا يوجد وحش في أعماق الإنسان، بل عوض ذلك نقول: يوجد الإنسان داخل الإنسان وهذا ما استطعنا أن نتوصل إليه ونثبت صحته”.[7] وغير بعيد عن ذلك يقول: “رغم وجود اتجاهات مختلفة في الثقافة الغربية، إلا أنها تؤكد على أهمية الأفراد. وما يؤكد ذلك، هو أن فلسفة التربية على حقوق الإنسان والحق في أن يقرر الإنسان مصيره بنفسه هي العناصر التي يتم التنصيص على التقيد بها”([8]).
يعني التحقيق الكامل للشخصية أن يعيش الأفراد في توافق تام مع أنفسهم ومع الآخرين، لكن التحقيق الكامل لهذه الإمكانات يعتمد على الجو الذي يعيش الفرد في ظله، ويأمل روجرز أن يعكس هذا الجو تقبلا إيجابيا غير مشروط، يحظى فيه الأفراد بالقيمة والاحترام والحب لما هم عليه بالفعل، وليس لشيء آخر. وقد وجد روجرز لسوء الحظ أن معظم الناس يربون فيما يبدو في جو قوامه التقبل الإيجابي المشروط، حيث يعطى القبول من أجل أنواع معينة من السلوك وليس من أجلها جميعا؛ فعندما تجعل الأم بذل الحب لطفلها مشروطا بما ينتهجه من سلوك لائق، فإن الطفل سوف يتدخل اتجاه الأم، ويكون ما اسماه روجرز “إشراطات الجدارة” condition of worth، وفي هذا الموقف يشعر الطفل بذاته في ظل شروط معينة، ويحاول أن يتجنب تلك التصرفات التي تؤدي إلى غضب الأم أو عدم رضاها، ونتيجة لهذا كله فيما يرى روجرز، فإن الذات لا يسمح لها بالنمو الكامل، لأنه لا يتاح لها بالتعبير عن كل مظاهر جوانبها([9]). فحنان الوالدين ومحبتهما لا تكون إلا إذا تصرف الطفل ضمن شروط معينة، وهذا ما يجعله يقوم بمراجعة مشاعره الحقيقية لكي يكون كما يريد له الآخرون أن يكون، فتتكون له مشاعر زائفة تحل محل مشاعره الأصيلة، وعندما يضطر الطفل إلى المزيد من المراجعات بقيم توحى من الآخرين، يتزايد الصراع وخداع الذات، فيصبح الفرد عنيفا قلقا مهددا وغير آمن، ولهذا يقترح روجرز في أسلوبه العلاجي النفسي مساعدة الشخص على إعادة تنظيم خبراته بعد فحصها وحذف ما لا ينسجم مع مفهومه لذاته في أجواء آمنة تيسر هذه المراجعة لمفهوم الذات وهضم الخبرات المتصارعة معها([10]).
يمكن القول إذن، أن الذين يعيشون الذات بدقة بما فيها من تفصيلات وقدرات وتخيلات ونواقص يكونون في طريقهم الصحيح إلى تحقيق الذات، أما الذين تتشوه خبراتهم عن أنفسهم فإن نموهم يعاق ([11]). هدف تحقيق الذات في نظر روجرز هو الوصول إلى أعلى مستوى للصحة النفسية، وهي حالة يسميها “كمال الوظيفة”، والفرد كامل الوظيفة يتميز بالانفتاح على كل الخبرات والتجارب، ويميل إلى أن يعيش في كل لحظة من وجوده، كما يتميز بإحساس بالحرية في الفكر والعمل، هذا إلى جانب قدر كبير من الابتكارية([12]). في هذا الصدد يقول: “أنا متيقن بأن الشخص قادر على اكتشاف مدى ثقته في اعتقاداته وأفكاره الخاصة، فضلا عن ردود أفعاله، وفي نفس الوقت يكتشف بأن دوافعه الأساسية والعميقة ليست هدامة أو كارثية. إلى جانب ذلك، فهو في حاجة إلى مواجهة الحياة بناء على قدراته الذاتية وعلى أساس قاعدة متينة. فبقدر ما يتعلم الثقة في نفسه بشكل أصيل، يغدو أكثر قدرة على الثقة في الآخرين: زوجته وابنه. علاوة على قبول المعتقدات والقيم الخاصة والفريدة التي يؤمن بها أولئك الأشخاص”([13]).
بنى روجرز نظريته “تحقيق الذات” من خلال عدة مفاهيمية قوية نذكر من بنيها:
- مفهوم الكائن العضوي الذي هو الفرد ككل.
- مفهوم المجال الظاهري الذي هو مجموع الخبرات الفردية أو الخبرة في كلياتها وليس في جزئياتها.
- مفهوم الذات، وهي ذلك الجزء من المجال الظاهري الذي يتكون من مركب من الإدراكات والقيم المتعلقة بالذات أو الأنا أو الفرد كمصدر للخبرة والتصرف ([14]).
- ويتميز الكائن العضوي في رأي هذه النظرية بالخصائص التالية:
- أنه يستجيب ككل منظم للمجال الظاهري لإشباع حاجاته المختلفة.
- إن الدافع الأساسي لهذا الكائن العضوي هو تحقيق ذاته وصيانتها والرقي بها.
- إما أن يتمثل خبرته تمثلا رمزيا فتصبح شعورية، وإما أن ينكر على نفسه هذا التمثل فتبقى الخبرة لا شعورية، أو أن يتجاهل هذه الخبرة[15].
- وتشمل مدركات الفرد ما يلي:
- المدركات التي تحدد خصائص الذات كما تنعكس إجرائيا وسلوكيا في وصف الفرد لذاته كما يتصورها هو، ويطلق على هذا مفهوم الذات المدركة (الواقعية).
- المدركات والتصورات التي تحدد الصورة التي يعتقد بأن الآخرين في المجتمع يتصورونها، ويتمثلها الفرد خلال تفاعله الاجتماعي وعلاقاته مع الآخرين، ويطلق على هذا مفهوم الذات الاجتماعية.
- المدركات والتصورات التي تحدد المثالية للشخص أي ما يرغب أن يكون عليه، وهذا هو مفهوم الذات المثالية([16]).
ب- الصحة النفسية في نظرية روجرز
يرى روجرز أن تحقيق الفرد للصحة النفسية يعتمد على مدى تطابق ذاته الواقعية مع ذاته المثالية، وعلى مدى تطابق خبراته الذاتية مع الواقع الخارجي، فكلما أحدث الفرد انسجاما (قدرة على التعامل مع الواقع) بين ذاته وبين المحيط الخارجي، كلما أصبح أكثر تكيفا واتزانا في سلوكه. تبعا لذلك، من الممكن تغيير شخصية الفرد عن طريق تغيير مدركاته أي مفهومه لذاته. في هذا الصدد، من المفيد الإشارة إلى أن الخبرة بصفتها كل ما يقع في نطاق الوعي والشعور هي الركيزة التي تبنى عليها الشخصية، حيث بالخبرة التي يكتسبها الإنسان في مسيرة الحياة، وبالقوى الفطرية التي ولد مزودا بها، يبدأ في تكوين مفهوم عن ذاته، ويظل يناضل ليحافظ على هذا المفهوم، فإذا كان الفرد يظن في نفسه أنه ذكي فسيسعى لأن يكون باستمرار في مستوى هذه الصورة، وإذا كان يعتقد أنه رياضي فسيظل يجد لتحقيق هذه الصورة، إنه الاجتهاد من أجل تحقيق الذات، وعندما يتناغم مفهوم الفرد لذاته مع قابلياته الموروثة، فإنه يغتني ويقرر لنفسه ما الذي يتمنى أن يفعله، وما الذي يتمنى أن يكونه بالرغم من أنه قد لا يتطابق في ذلك مع من يحيطون به. بيد أن الفرد يصبح أكثر اكتمالا إذا ما نشأ في جو إيجابي غير مشروط، أي أن يعامل بدفء واحترام وقبول ومحبة بصرف النظر عن مشاعره واتجاهاته ومسالكه الخاصة[17].
حاصل القول، فأسباب نمو السلوك المضطرب هي:
- عدم التطابق بين العالم الشخصي (العالم كما يدركه الفرد) والعالم الخارجي (العالم كما هو).
- عدم التطابق بين الذات المدركة (الواقعية) والذات المثالية.
- الصراع بين الذات والكائن العضوي، فيشعر الفرد بأنه مهدد وقلق، ويصف روجرز الشخصية الإنسانية باثنين وعشرين قضية نورد بعضا منها([18]):
- يوجد كل فرد في عالم دائم التغير من الخبرة، وهو مركز هذا العالم.
- للشخص نزعة واحدة وهي أن يكافح لتحقيق الكائن الحي الذي يحيا الخبرة ليحافظ على نفسه ويزيد من قيمتها.
- أفضل موقع لفهم التصرف هو من خلال الإطار المرجعي الداخلي للفرد نفسه.
- يعبر الفرد عن خبراته رمزيا أو يتجاهلها أو يشوهها عندما لا تتفق مع بنية ذاته.
- تتكون بنية الذات نتيجة للتفاعل مع البيئة وخاصة التفاعل اليومي مع الآخرين.
- يراجع الفرد نظامه القيمي بشكل دوري في ضوء إدراكه للمزيد من الخبرات ومدى تقبله لها في بنية الذات لديه.
- نمو الذات يساعد الفرد على مواجهة مواقف الحياة اليومية الصعبة.
يتأسس الإرشاد النفسي عند روجرز على خطوات، يقول: ” دعوني أشرح ما أقصده بقولي إن الهدف الذي يستهدفه الفرد، ويعتبره أجدر من غيره، وكذا الغاية التي يسعى إليها عن علم أو لا شعوريا، هي أن يصبح هو نفسه، بمعنى يتطابق مع ذاته. فعندما يقصدني شخص مضطرب بفعل تظافر مجموعة من الصعوبات، أجد بأنه من المفيد جدا أن أحاول بناء علاقة معه، والتي من خلالها يشعر بالأمان والحرية. إن هدفي من ذلك هو فهم الطريقة التي يفكر بها داخل عالمه الخاص الداخلي، كما أنني أعمل على تقبله كما هو، وأن أخلق مناخا مناسبا للحرية، والذي يستطيع عبره أن يصول بتفكيره وشعوره ووجوده في جميع الاتجاهات”([19]). نلخص ذلك فيما يلي:
- الاستكشاف والاستطلاع: أي تعرف مصادر قلق المسترشد وتوتره، وتحديد الجوانب السلبية والإيجابية في شخصيته لتوظيفها في تحقيق أهدافه.
- توضيح وتحقيق القيم: يساعد المرشد المسترشد في زيادة فهمه وإدراكه لقيمه الحقيقية بهدف تعرف التناقض فيما بينها، والكشف عن أسباب التوتر الناجم عن اختلاف قيمه عن الواقع.
- المكافأة وتعزيز الاستجابات: يوضح المرشد مدى التقدم أو التغير الإيجابي ويقويه لدى المسترشد كخطوة أولية للتغلب على مشكلاته الانفعالية.
وككل نظرية، فأطروحة روجرز في بناء الشخصية لها إيجابيات، وتعتريها سلبيات:
من إيجابيات تصور روجرز ونظريته:
- تحترم الإنسان وإرادته وتنظر إليه نظرة إيجابية، وأنه مدفوع بدافع داخلي للمحافظة على نفسه وتطويرها على العكس من النظرة السلبية لفرويد.
- تتناسب مع الأسلوب الديمقراطي في الحياة.
- علاجها سريع إذا ما قورن بالمدرسة التحليلية كما أنها سهلة وبالإمكان تعلم
- طريقتها العلاجية.
- تعمل على توفير مناخ نفسي آمن يساعد العميل على البوح بمكنوناته. يقول روجرز: ” في حالة علاقة آمنة وسليمة مع العميل الذي يكون العلاج معقودا عليه، وفي حالة غياب أي تهديد فعلي أو ضمني للذات، فبمقدوره الإفصاح عن المظاهر المختلفة لتجربته كما يشعر ويحس بها في الواقع، وكما يفهمها عبر أجهزته الحسية والباطنية وذلك دون تشويهها أو المساس بها، بشكل يجعلها متلائمة مع مفهوم الذات الحالية”([20]).
- تؤكد على ضرورة معرفة توجهات العميل الإنسانية والفكرية والعامة قبل العمل معه على مستوى المشاعر والخبرات.
أما سلبيات النظرية فنجملها في:
- تهمل عملية التشخيص، رغم إجماع معظم طرق الإرشاد على أهميتها.
- تراعي الإنسان على حساب العلم والحقيقة، إذ إن الفرد هو مصدر المعلومات الوحيد، والمهم هنا هو كيف يرى العميل المشكلة لا كما هي حقيقة.
- تترك العنان للمسترشد، مما قد يدفعه إلى الغوص في دوامات ومتاهات ولا يصل إلى حل محدد.
إبستيمولوجيا لا أحد يجادل في كون تصور روجرز المعروف بتحقيق الذات ينتمي إلى ما يسمى بعلم النفس الإنساني كقوة ثالثة تهتم بتنمية القوى والإمكانات الموجودة عند الإنسان بعد التحليل النفسي والسلوكية؛ وكرد فعل ضدهما لأنهما خفضتا من قيمة إنسانية الإنسان؛ فالتحليل النفسي الفرويدي انتقد لاعتقاده بأن السلوك محكوم بدوافع فطرية حيوانية، وتنتقد السلوكية لانشغالها بالبحث في عالم الحيوان وبوجهات نظرها الميكانيكية في الشخصية، في حين تركز نظرية روجرز حول الشخصية على الطرق التي تسهل تحقيق الذات وتوفر الحرية للنمو والتعبير عن القوى الذاتية، نحن إذن أمام تفكير يحاول إعادة الاعتبار للإنسان بعدما تم تجريده من خصائصه مع الفرودية والسلوكية. بجانب ذلك تكمن قيمة تصور روجرز في كونه باشر تحليلا لشخصية الإنسان بطريقة علمية والدليل على ذلك هو اعتماده على بالعلاج المتمركز حول العميل، ولكنه وسع في نظريته لاحقا ليؤكد جوانب غير إكلينيكية للمريض من حيث إشراكه لوالديه والتربية والعلاقات الشخصية في تشكيل شخصية الفرد، لذا غير اتجاهه نحو مسمى أكثر اتساعا، وهو العلاج المتمركز حول الشخص. ونتيجة لذلك باتت نظريته تعتمد في الطب النفسي لفعاليتها على مستوى الصحة النفسية والحد من أسباب السلوك المضطرب؛ فالفرد يصبح أكثر اكتمالا إذا ما نشأ في جو إيجابي غير مشروط، أي أن يعامل بدفء واحترام وقبول ومحبة بصرف النظر عن مشاعره واتجاهاته ومسالكه الخاصة…
تربويا تفيدنا نظرية روجرز في عدة مسائل نذكر منها:
- تحترم الإنسان وإرادته وتنظر إليه نظرة إيجابية، وأنه مدفوع بدافع داخلي للمحافظة على نفسه وتطويرها على العكس من النظرة السلبية لفرويد. بالنسبة للعلاج المعقود على العميل، فهو نظام للعلاج النفسي يقوم على أساس الافتراض القائل بأن الفرد أو العميل هو الأقدر على حل مشكلاته، وأن على المعالج أن يخلق جوا علاجيا يتسم بالدفء والتسامح، بحيث يشعر المريض بالحرية في مناقشة مشكلاته، ويقوم المعالج بدور غير مباشر، ولا يتدخل إلا بالتشجيع والتعليقات البسيطة على ما يرويه العميل، هذه المسألة تسهم في فهم لم تركز التربية الحديثة على محورية المتعلم في بناء معارفه بنفسه على غرار العميل والمسترشد الذي يستطيع تحمل مسؤولية في حل مشكلاته.
- تتناسب مع الأسلوب الديمقراطي في الحياة، وبالتالي تتعامل مع خصوصية كل حالة حلى حدة، ومن ثم تفيد في الاهتمام بمسألة الفروق الفردية بين المتعلمين تربويا وكذا الذكاءات المتعددة.
- تؤكد على ضرورة معرفة توجهات العميل الإنسانية والفكرية والعامة قبل العمل معه على مستوى المشاعر والخبرات. في هذا المستوى تفيدنا نظرية روجرز في الاهتمام بتمثلات المتعلمين لا لمحاربتها ولكن للاشتغال عليها من أجل بناء معرفة جديدة من مكتسباته، فالقطيعة لا تمارس مع الفراغ ولكن مع ما يعرفه التلميذ، ومنه تكون المعارف الجديدة على صلة حية بمعيش التلميذ. إن ميول الفرد لتحقيق الذات تعمل بانسجام لإشباع قدراته الفطرية، إذ يتطلب ذلك دعما بشكل إيجابي من المربين واهتماما بالطفل خلال مراحل نموه المختلفة، من خلال تقديم طرق توجيهه من الآخرين (الوالدين، المربين) الذين يستطيعون إشباع هذه الحاجات الملحة.
- تتكون بنية الذات عند روجرز نتيجة للتفاعل مع البيئة وخاصة التفاعل اليومي مع الآخرين. وبالتالي يراجع الفرد نظامه القيمي بشكل دوري في ضوء إدراكه للمزيد من الخبرات ومدى تقبله لها في بنية الذات لديه. فينتج عن ذلك أن الفرد يستطيع مواجهة مواقف الحياة اليومية الصعبة. تربويا هذه المسألة تجعلنا نفهم بأن طريق العلم والمعرفة لا يقتصر على ما هو فصلي، وإنما الغرض الأساس هو كيف يدمج المتعلم ما تعلمه في المدرسة في وضعيات عدة لمعالجتها والتكيف معها، إن المدرسة بهذا المعنى مجتمع صغير يتعلم فيه الفرد الانسجام وأيضا التميز والإبداع. يفترض أن تلعب القيم في المدرسة دور المحفز المسرع للتعلمات، لأنها تعطي معنى للمدرسة وللتعلمات ذاتها، ناهيك عن وظيفتها المجتمعية، بحيث تتيح قيم المواطنة وحقوق الإنسان الرفع من قدرات المتعلم العرضانية، وخصوصا منها السوسيو-وجدانية، إعداده ليتقبل التعايش مع الآخرين ويتسامح إزاء الاختلاف وينخرط في العمل الاجتماعي التضامني الهادف.
قائمة المراجع :
- ربيع محمد شحاتة، 2004، تاريخ علم النفس ومداركه، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة.
- رحو جنان سعيد، 2005، أساسيات في علم النفس، الدار العربية للعلوم، بيروت.
- زغلول عبد الرحيم وآخرون، 2012، مدخل إلى علم النفس، دار الكتاب الجامعي، الإمارات العربية المتحدة.
- وقفي راضي، 2014، مقدمة في علم النفس، دار الشروق للنشر والتوزيع، الأردن.
- Rogers ( C.), 1980, A way of being. Houghton Mifflin company, Boston.
- Rogers (C.), 1961, on becoming a person: a therapist’s view psychotherapy. Western behavioral sciences institutes, California.
[1]– ربيع محمد شحاتة، 2004، تاريخ علم النفس ومداركه، القاهرة، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، ص. 372.
[2]– المرجع نفسه، ص. 374.
[3]-زغلول عبد الرحيم وآخرون، 2012، مدخل إلى علم النفس، دار الكتاب الجامعي، الإمارات العربية المتحدة. ص. 411.
[4]– وقفي راضي، 2014، مقدمة في علم النفس، دار الشروق للنشر والتوزيع، الأردن، ص.568.
[5]– زغلول عبد الرحيم وآخرون، مدخل إلى علم النفس، مرجع سابق، ص.411.
[6]– ربيع محمد شحاتة، ، تاريخ علم النفس ومداركه، مرجع سابق، ص.373.
[7]-Rogers, C. (1980). A way of being, Boston. Houghton Mifflin company, p. 105.
[8]-Ibid, pp. 183.184.
[9]-Ibid, p. 373
[10]– وقفي راضي، مقدمة في علم النفس،مرجع سابق، ص.602.
[11]-المرجع نفسه، ص. 601.
[12]– ربيع محمد شحاتة،تاريخ علم النفس ومداركه، مرجع سابق، ص.373.
[13]– Rogers, C, A way of being, Boston. Houghton Mifflin company,op. cit p. 325.
[14]– رحو جنان سعيد،2005، أساسيات في علم النفس، الدار العربية للعلوم، بيروت،ص.323.
[15]– المرجع نفسه، ص. 313.
[16]– زغلول عبد الرحيم وآخرون،مدخل إلى علم النفس، مرجع سابق، ص. 412.
[17]– وقفي راضي، مقدمة في علم النفس،مرجع سابق، ص. 602.
[18]– زغلول عبد الرحيم وآخرون، مدخل إلى علم النفس، مرجع سابق، ص.412-413.
[19]-Rogers, C. (1961). on becoming a person: a therapist’s view psychotherapy. California, Western behavioral sciences institutes, pp.108- 109.
[20]-Ibid, p. 76.