قضية السرقات العلمية في منظور أخلاقيات الباحث العلمي وبرامج إعداده


قضية السرقات العلمية في منظور أخلاقيات الباحث العلمي وبرامج إعداده

The Plagiarism issue in the view of the ethics of the scientific researcher and programs for the best qualification

جيهان علي الدمرداش، كاتبة وناقدة أكاديمية، جامعة الإسكندرية—مصر

Gihan Ali Eldimardash, Alexandria University – Egypt, Arabic Supervisor at the ministry of education- Kuwait

ورقة منشورة   كتاب أعمال مؤتمر تمتين أدبيات البحث العلمي ديسمبر 2020  في   الصفحة 175.

   

Abstract:

Plagiarism is an ethical problem that has clearly spread in Arab universities and scientific research centers in our present time. There are many considerations and reasons. At the forefront of those reasons are the lack of preparation and the moral, scientific and cultural qualification of the researcher Technological advancements and modern technology have contributed to its spread. The World Wide Web has made it easy to access various research studies, electronic books, and other sources of knowledge without prior permission from their owners .It became easy to infringe on the intellectual ownership of others with plagiarism and transfer The research paper sheds light on the importance of preparing researchers scientifically, culturally and ethically in university education and postgraduate studies and educating them about the dangers of this scourge in order to limit its spread. The research paper presented a forward-looking vision by presenting a set of recommendations and proposals aimed at improving the future of scientific research and curbing the phenomenon of plagiarism.

Keywords: plagiarism – Scientific Research – Qualification of the Scientific Researcher – Arab Universities

 

الملخص :

السرقات العلمية مشكلة أخلاقية تفشت بشكل واضح في الجامعات العربية ومراكز البحث العلمي في عصرنا الحاضر لاعتبارات وأسباب عديدة يعد ضعف الإعداد والتأهيل الأخلاقي والعلمي والثقافي للباحث في مقدمة تلك الأسباب ، وقد ساهم التقدم التكنولوجي والتقنية الحديثة في انتشارها فقد يسرت الشبكة العنكبوتية الاطلاع على مختلف الأبحاث والدراسات والكتب الالكترونية وغيرها من مصادر المعرفة دون إذن مسبق من أصحابها ، وأصبح من السهل التعدي على الملكية الفكرية للآخرين  بالسطو والنقل ، وتسلط الورقة البحثية الضوء على أهمية إعداد الباحثين علميا وثقافيا وأخلاقيا في مرحلة التعليم الجامعي ومرحلة الدراسات العليا وتوعيتهم بمخاطر تلك الآفة من أجل الحد من انتشارها ، وقدمت الدراسة رؤية استشرافية من خلال تقديم مجموعة من التوصيات والمقترحات تهدف إلى تحسين مستقبل البحث العلمي والحد من ظاهرة السرقات العلمية.

الكلمات المفتاحية : السرقات العلمية – البحث العلمي- تأهيل الباحث العلمي- الجامعات العربية.

مقدمة:

     السرقات العلمية آفة أخلاقية تفشت بشكل واضح في المجتمعات المعاصرة، وإن كانت لها إرهاصاتها التاريخية عبر العصور؛ فقد كتب عنها النقاد العرب القدامى في اصطلاحات متعددة، تبدأ بالانتحال، وتنتهي بالسرقة المباشرة، فهي في النهاية من صور انتهاك قواعد البحث العلمي، أو بالأدق هي الوجه الأسود للتأليف.

   ولا شك أن هناك معالجات كثيرة لقضية السرقات من اتجاهات ورؤى متعددة، ومن المهم طرح هذه القضية -في رأينا -من وجهة نظر قضية إعداد الباحث العلمي، بمعنى أن الباحث الذي يسرق، يفتقد أمرين: الأول: أخلاقيات البحث العلمي النزيه. الثاني: الإعداد السليم فكريا ومنهجيا ومعرفيا.

وستسلط الورقة البحثية الضوء على مفهوم السرقات العلمية وأبرز صور الانتهاكات الفكرية في العصر الحديث الذي يتسم بالانفتاح الثقافي الناتج عن الثورة في مجال التواصل عبر الشبكة العنكبوتية والتي تعد سلاحاً ذا حدين فقد يسرت مصادر البحث العلمي وهيأت الظروف  للارتقاء به ، ولكنها على صعيد آخر ساهمت في  تيسير سبل السرقات  واتساع مجالاتها وصعوبة اكتشافها في عصر يتسم  بالانفجار المعرفي والتوسع اللامحدود في مجالات البحث العلمي ، لذا يجب التصدي لتلك الآفة الخطيرة ومحاربتها وفق آليات قانونية و أخلاقية  تحفظ حق المؤلف وتصون الملكية الفكرية مع ضرورة التخطيط لبناء جيل من الباحثين الأكاديميين المؤهلين علمياً وخلقياً لممارسة البحث العلمي – لا سيما – وأن بعض الممارسات المنافية لأدبيات البحث العلمي يُعزى سببها بشكل رئيسي إلى الجهل بتقنيات البحث العلمي وتراجع المستوي الأكاديمي للباحث.

والإشكالية التي تناقشها هذه الدراسة هي ظاهرة السرقات العلمية في -عصرنا الحالي- تشكل معوقاً أساسياً في مسيرة البحث العلمي مما يتطلب تضافر الجهود بين المؤسسات الأكاديمية والتشريعية للحد من هذه الآفة الخطيرة ، والدراسة ستتناول أهمية إعداد الباحث العلمي وتأهيله أخلاقياً وعلمياً وفكرياً من أجل محاربة تلك الظاهرة ، وإعداد جيل من الباحثين الأكاديميين المؤهلين للمساهمة بدور فاعل في مسيرة البحث العلمي .

  وتنطلق الباحثة من فرضية مؤداها أن السرقة العلمية لا يمكن أن يقوم بها باحث أيا كانت درجته العلمية إلا لافتقاده أخلاقيات البحث العلمي، وضعف تكوينه العلمي. وهذا لا يعني التغاضي عن أمور أخرى، من مثل شيوع الانتهازية والواسطة، والصمت عن التجاوزات العلمية، وفساد بعض الأوساط الأكاديمية.

ومن أجل ذلك تطرح الباحثة جملة من الأسئلة، أبرزها ما مفهوم السرقات العلمية؟ وما وسائلها في حياتنا الأكاديمية المعاصرة؟ وما أسباب لجوء الباحثين -خاصة من حاملي الدكتوراه- لها؟  وهل يتم التركيز على أخلاقيات الباحث العلمي في مراحل الجامعية الأولى، وكذلك في الدراسات العليا (برامج الماجستير، والدكتوراه، وما بعد الدكتوراه)؟  وكيف يمكننا تلافي هذا القصور في الإعداد العلمي والمعرفي في جامعاتنا؟

أملا في تحقيق هدف الدراسة المتمثل في مناقشة قضية السرقات العلمية وآثارها، في ضوء منظور واقعي حول تغييب أخلاقيات البحث العلمي ومهاراته في المقررات الأكاديمية العربية، على مستويات عديدة، آخرها برامج الدراسات العليا في الجامعات من أجل التوعية بمخاطر القضية والتركيز على ترصين قواعد البحث العلمي في المؤسسات الأكاديمية والبحثية المختلفة ، وتقديم ما يمكن من توصيات ومقترحات تسهم في الحد من انتشار تلك الآفة.

وستكون خطة الدراسة متناولة عددا من المحاور، حيث تبدأ بمفهوم السرقات العلمية وأبرز صورها في حياتنا العلمية العربية، ثم تناقش العلاقة بين المستوى الأكاديمي للباحث وانتشار السرقات العلمية، والآثار الناجمة عن تفشي تلك الظاهرة، وصولا إلى توصيات مقترحة لمحاربة تلك الآفة على مستوى المقررات الجامعية والدراسات العليا.

  أما منهجية البحث والنقاش، فهي المنهج الوصفي التحليلي للوقوف على أبعاد القضية في إعداد الباحث العلمي، ثم المنهج الاستشرافي لتقديم رؤية مستقبلية وتحقيق معالجة جذرية للقضية.

1- مفهوم السرقات العلمية وأبرز صورها في حياتنا العلمية العربية:

    قضية السرقات فضية لها إرهاصاتها التاريخية عبر العصور؛ فقد كتب عنها النقاد العرب القدامى في اصطلاحات متعددة، تبدأ بالانتحال، وكان “ابن سلام الجمحي” ([1])من أوائل النقاد القدامى الذين كانوا لهم السبق في مناقشة القضية والوقوف على خطورتها على الشعر الجاهلي، وعرض الجاحظ”([2])لها في كتابه  ” الحيوان ” ، فالقضية لها عمقها التاريخي ولكننا لسنا بصدد الوقوف على ذلك في تلك الدراسة وإنما ما تستهدفه هو بيان مفهوم السرقات في حياتنا العلمية العربية في عصرنا الحالي.

والذي نقصد به “كل شكل من أشكال النقل غير القانوني في المنشورات والبحوث العلمية والرسائل والمذكرات الجامعية. كما يُمكن تعريفها أيضًا بأنها إعادة عمل الآخرين دون إشارة للمُنشأ ، أي إعادة مصطلحات أو أفكار الآخرين والسطو على مجهوداتهم واستغلال إنتاجهم الفكري دون إشارة إلى صاحبها الأصلي.”([3]) ،كأن يقوم الباحث بانتحال بحث سابق لأحد الباحثين و وضع اسمه عليه ، أو نقل بضع المحاور البحثية أو القضايا او الفقرات من بحث سابق ، وبعبارة أخرى هي “تقديم عبارات أو جمل أو أفكار أو عمل شخص آخر على أنه عمل الباحث الخاص فضلاً عن استخدام عمل الآخرين من دون الإشارة لهم أو تقديم العمل على أنه جديد وأصيل في الوقت الذي هو مشتق بناء على عمل سابق”([4]) إذن السرقات العلمية هي انتحال لعمل الآخرين دون استئذانهم أو الاعتراف بملكيتهم الفكرية وحقوقهم كأصحاب للعمل، وذلك يقودنا للتساؤل، ما المقصود بالملكية الفكرية؟

عرّفت المنظمة العالمية للملكية الفكرية World Intellectual Property Organization  (WIPO)   الملكية الفكرية أنها “إبداعات العقل من اختراعات ومصنفات أدبية وفنية وتصاميم وشعارات وأسماء وصور مستخدمة محمية قانونا بحقوق منها البراءات وحق المؤلف التي تمكّن الأشخاص من كسب الاعتراف أو فائدة مالية من ابتكارهم أو اختراعهم، ويرمي نظام الملكية الفكرية من خلال إرساء توازن سليم بين مصالح المبتكرين ومصالح الجمهور العام إلى إتاحة بيئة تساعد على ازدهار الإبداع والابتكار.”([5]) والتعدي على الملكية الفكرية يعد انتهاكاً للقانون ، وهذا الانتهاك قد يكون بالسطو على العمل كاملاً أو السطو على جزء منه أو عبارات أو دراسات إحصائية وجداول و رسوم بيانية وغير ذلك مما يتضمنه البحث العلمي ، أو الدراسة البحثية.

وفي عصرنا الحالي -عصر المعلومات والانفجار المعرفي – أصبحت المواد العلمية من أبحاث وكتب إلكترونية ومقالات وبرمجيات متاحة أمام الجميع عبر المنتديات والمدونات والمواقع الإلكترونية العلمية والثقافية المختلفة ، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي في مختلف التخصصات ، ويسهل أمام أي دارس أو باحث نقل ما يريد دون إذن مسبق من المؤلف أو صاحب الدراسة ودون التزام بقواعد وأسس البحث العلمي التي تلزم الباحث بضرورة الإشارة إلى المرجع وتوثيقه في هوامش بحثه ثم إدراجه ضمن قائمة المصادر والمراجع التي استند إليها في دراسته وغير ذلك من أصول البحث العلمي التي ينبغي على أي باحث الالتزام بها وعدم الإخلال بأي منها والتي تفقد البحث أصالته و جدته.

  هذا، ومن صور الانتهاك والتعدي على الملكية الفكرية في عصر المعلوماتية – أيضاً – السرقات عن طريق الترجمة ؛ فقد يسرت الشبكة العنكبوتية سبل الوصول إلى المراجع الأجنبية بشتى لغات العالم ، وأصبح بمقدور الباحث التجول داخل أعرق المكتبات العالمية بالضغط على أحد محركات البحث ، ثم تحميل ما يشاء من كتب إلكترونية ودراسات وأبحاث و دوريات يشعر أنها ذات أهمية في مجتمعه ، ثم يقوم بترجمة محتواها إلى لغته الأم وينسب لنفسه ما تشتمل عليه من أفكار وابتكارات ظناً منه أن هذا الأمر يصعب كشفه في مجتمعه ، وقد  ساعد توفر المعالجات الآلية في مجال الترجمة والتي سهلت ترجمة البحوث العلمية من لغة إلى لغة أخرى آلياً على انتشار هذا النوع من السرقات ؛ حيث إن الترجمة الآلية حققت نجاحاً كبيراً في الآونة الأخيرة .

2- العلاقة بين المستوى الأكاديمي للباحث وانتشار السرقات العلمية :

ومن أهم الأسباب التي أدت إلى تفاقم آفة السرقات العلمية في المجتمعات العربية -في عصرنا الحالي – ضعف التكوين الثقافي والعلمي للباحثين الأكاديميين وطلاب الدراسات العليا في جامعتنا ، فالدارس عند التحاقه بالجامعة يكتفي بما يقدمه له أساتذته من مقررات دراسية تعتمد في أغلبها على التلقين ثم الحفظ واسترجاع المعلومات لاجتياز الاختبارات ، وهذا لا يكفي لتكوين شخصية تمتلك الوعي الثقافي الذي يربطها بالمعارف والمجالات العلمية المختلفة و ربما يعود السبب الرئيسي في ذلك إلى العزوف عن القراءة والاطلاع على مصادر المعرفة المختلفة ” فمن المظاهر التي تسترعي الانتباه وتثير التساؤل العريض ما نراه من ضعف الإقبال على القراءة ، وما نشهده من زهد بها لدى الجمهرة الكبرى في مختلف سنى العمر ؛ فهم في معظمهم لا يعرفون متعة القراءة ولا يشعرون بالحاجة إلى التنقيب في كنوز الكتب .” ([6])ويعزى ذلك إلى العديد من الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية إلى جانب القصور الواضح في المناهج التعليمية وغياب آليات ومناهج التدريس الحديثة.

لذا نلاحظ ذلك الخلل في التكوين الثقافي لخريجي الجامعات العربية ويمكن القول إن ” خريج الجامعات في العالم العربي اليوم تقتصر ثقافته على بعض المعرفة النظرية في مجال التخصص فقط ،وقد يكتفي بالأصول العامة للتخصص دون التعمق في جزئياته لذا نجد أن هذا البعض يجهل الكثير من المعلومات خارج إطار تخصصه ويفتقر إلى المعلومات العامة التي يحتاجها الإنسان دائماً في الحياة.”([7]) مما يعني أن خريج الجامعة والذي يُعَد مشروع باحث علمي لا يمتلك الخليفة الثقافية الملائمة والتي يمكن على أساسها أن يبدأ أولى خطواته في مسيرة البحث العلمي.

     والأمر لا يقتصر فقط على ضعف التكوين الثقافي بل وضعف التكوين العلمي والفكري أيضاً الذي يعود بالطبع إلى واقع التعليم العالي في الجامعات العربية والذي يعاني من الخلل المتفاقم نتيجة لضعف الموارد الاقتصادية في معظم البلدان العربية مما يؤدي إلى اكتظاظ قاعات الدراسة بأعداد من الدراسين تفوق طاقتها الاستيعابية ؛ حيث ” تم تحويل الجامعة العربية الى مؤسسة تدريس نمطية وليس إلى مؤسسة تعليمية توفر المعرفة اللازمة لمواجهة تحديات العلم المعاصرة، من خلال اتباع الشكل التقليدي للمناهج، الذي لايزال متدني المستوى في نوع المعرفة المقدمة، والوسائل التقليدية المعتمدة في طريقة التعليم، والاختبارات والتقييم وحتى الانتساب. إن الاعتماد على الوسيلة الحفظية، كوسيلة وحيدة للتعلم، وعدم الاهتمام بالوسائل البصرية والسمعية والتكنولوجية الحديثة، وغياب تفاعل الطلاب، من خلال المشاركة الواسعة، والنقاش والنقد، وتوفير متطلبات استفزاز الروح الإبداعية لدى الطلبة، أدى إلى تحويل معظم عملية التعليم، إلى واجب حفظي (لكمّ) من المعلومات، تسمح للطلاب بتجاوز سنوات الدراسة.”([8])

وهذا يعني أن أغلب مخرجات التعليم الجامعي في المجتمعات العربية تقدم لسوق العمل من ناحية خريجين يفتقرون إلى الممارسة التطبيقية التي تمكنهم من الانخراط في سوق العمل والتعامل بشكل فاعل مع واقع مشكلاته ، ومن ناحية أخرى تقدم لمؤسسات البحث العلمي الباحثين غير المؤهلين للمساهمة في النهوض والارتقاء بمسيرته ، وهذا يفسر لنا سبب تراجع نسبة مشاركتنا كدول عربية في براءات الاختراع والبحوث العلمية على الرغم من أننا نمثل  “حوالي 25 % من سكان العالم. ولكن في 2012،  بلغ إسهام دول العالم العربي الإسلامي في براءات الاختراع العالمية نسبة %1.6، و%6 من المنشورات الأكاديمية، و%2.4 من نفقات الأبحاث العالمية فقط.. كما حاز ثلاثة أشخاص فحسب من دول منظمة التعاون الإسلامي على جائزة «نوبل» للعلوم، ولا نجد في هذه الدول سوى 12 جامعة مصنَّفة بين أفضل 400 جامعة على مستوى العالم، ولا نجد أي جامعة ضمن أفضل 100 على مستوى العالم.”([9])

ولا شك أن الجامعات العربية تواجه تحديات صعبة في عصر التقدم التكنولوجي الهائل وتحديات العولمة الذي جعل دور الجامعات ” يتجاوز الشأن الأكاديمي إلى الدراسات التخصصية والبحثية بهدف تأهيل الخريجين للمشاركة في حل المشكلات التي تواجه مؤسسات الدولة كافة وبخاصة القطاع الصناعي والإنتاجي والخدمي.”([10])  ومن المعوقات التي تعاني منها الجامعات العربية غياب الرؤية والاستراتيجية الواضحة في مجال البحث العلمي ومحدودية التمويل الاقتصادي وفقدان المراكز البحثية للتنظيم والقدرة على توحيد جهود الباحثين وتحقيق التعاون وتبادل الخبرات فيما بينهم من خلال إنشاء قاعدة بيانات أو بنك معلومات يوثق إسهاماتهم البحثية ،والأمر يزداد تقعيداً بالنسبة لطلاب الدراسات العليا والذين هم بحاجة إلى برامج تأهيلية خاصة يتم من خلالها تدريبهم على أصول وأسس البحث العلمي الرصين إلى جانب البرامج التأهيلية الأخرى التي تتناسب وتخصصاتهم المختلفة والتي تحرص عليها الجامعات العالمية حيث “يمضي طلبة الدكتوراة في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو تسعة أشهر في برامج “بيست”، للتدرُّب في مجالات معينة، مثل الإدارة، والتشبيك، وإجراء المقابلات، ويتم توزيعهم في مجموعات تعمل معًا لاستكشاف الأهداف المهنية.”([11])

    فالعمل الجماعي ضمن فريق عمل من الباحثين من الركائز التي تعين على تضافر الجهود البحثية وتقلل من الأعباء الثقيلة التي يتكبدها الباحث والتي قد تدفعه إلى تجاوزات تصل به إلى انتهاك حقوق الآخرين بالسرقات العلمية ، ولذلك تحرص المؤسسات البحثية والجامعات العالمية على ترسيخ مفاهيم العمل التعاوني والفريق البحثي عند طلاب الدراسات العليا.

“يدرس ديفيد جولان ـ عميد الدراسات العليا في كلية الطب بجامعة هارفارد في بوسطن، ماساتشوستس ـ كيفية ترسيخ العمل الجماعي بعمق أكبر في الخبرة المكتسبة في كليات الدراسات العليا. ويقول: «لقد عملنا على فكرة جعل الطلاب يشكلون فرق عمل، قبل تقديمهم طلبات الالتحاق بكلية الدراسات العليا»، ومن الممكن عندها أن يعملوا على المشروع كفريق، طيلة فترة تدريبهم، وربما يتم اختبارهم معًا أيضًا.”([12])

وهذا الفكر المستنير نفتقده في جامعاتنا ومؤسساتنا البحثية فمن المهم ترسيخ مفاهيم العمل الجماعي وتوزيع الأدوار وتكوين فرق بحثية تتبنى قضية معينة ،فالعمل ضمن الفريق يساهم من تخفيف الأعباء وتنوع المصادر وتبادل الخبرات والثقافات وإثراء الفكر والتغلب على المعوقات ،وبالتالي يتجاوز الباحث العلمي المشكلات التي قد تدفعه إلى التعدي على جهود غيره ربما سعياً منه لتجاوز معضلة بحثية تواجهه.

 لذا على الجامعات العربية إعادة النظر في المحتوى الدراسي للدارسين والباحثين خاصة في مرحلة الدراسات العليا من خلال بناء خطط دراسية على أسس علمية ومنهجية تربط الباحث بأساليب البحث العلمي الحديثة وتساعد على إلمامه بالأصول والأساسيات التي تُكون قاعدة يرتكز عليها في مسيرته البحثية وتربطه بمصادر المعرفة المختلفة إلى جانب التدريب على العمل التعاوني من خلال تشكيل الفرق البحثية.

وإلى جانب الاهتمام بالتكوين العلمي والفكري ينبغي أيضاً الحرص على تنمية الوعي بأخلاقيات البحث العلمي والشروط والقواعد الأخلاقية التي ينبغي أن يتحلى بها الباحث ولابد أن يتم إدراج ذلك ضمن المقررات الجامعية ثم يتم التأكيد عليها والتوسع في ترسيخها في مرحلة الدراسات العليا حتى يتأصل في نفس الباحث مفهوم الأمانة العلمية ويكون الالتزام بها بوازع من الضمير وليس فقط خوفاً من القانون  والجزاء ، وقد حرصت الكثير من الجامعات على إصدار الكتيبات والمنشورات التي تتناول أخلاقيات البحث العلمي؛ حيث ورد في كتيب “أخلاقيات البحث العلمي” الصادر عن جامعة المجمعة من صفات الباحث العلمي : ” احترام الملكية الفكرية لدى الآخرين وهي من مظاهر الأمانة العلمية فلا ينسب الباحث ما لغيره لنفسه بل عليه أن يبين صاحب ذلك الرأي.”([13]) وينبغي إدراج مثل هذه الكتيبات والمنشورات ضمن المقررات الدراسية حيث أن بعض الممارسات الخاطئة قد تكون بدون قصد بسبب الجهل بآليات البحث العلمي وعدم الوعي بمخاطر السرقات العلمية والعقوبات المترتبة عليها .

   وإن كانت الدراسة ركزت على مشكلة ضعف التكوين العلمي والفكري والأخلاقي للباحث في مرحلتي التعليم الجامعي ثم الدراسات العليا وعلاقة ذلك بمشكلة السرقات العلمية، فالأولى أن يكون لدينا وعي بخطورة وصول هذه الآفة إلى طبقة الأساتذة الجامعيين وأعضاء هيئة التدريس ، ولا نستطيع أن ننكر وجود بينهم من يفتقدون إلى النزاهة والموضوعية في الإشراف على البحوث العلمية بل تجرأ بعضهم على الانتحال والسرقة من بحوث الآخرين ، وربما يعود ذلك إلى جملة من الأسباب تعود إلى ضعف الحوافز المالية التي تقدم للأساتذة الباحثين في مقابل الجهد الكبير المبذول في مراحل إعداد البحوث العلمية والتكلفة المادية التي يتحملها الباحث في أثناء ذلك ، إلى جانب ارتباط شروط وأحكام الترقي بما يقدمه عضو هيئة التدريس من بحوث جامعية أو يشرف عليها ، مما قد يدفع البعض إلى الوقوع في التجاوزات سعياً وراء المنصب أو الترقية. ومهما كانت الدوافع والأسباب فهي لا تعفي الأستاذ الجامعي من فداحة الجرم فهو إلى جانب أنه باحث علمي عليه أن يتحلى بأخلاقيات البحث العلمي فهو يمثل النموذج والقدوة لطلابه من الباحثين مما يجعله يتحمل مسؤولية أخلاقية أعظم أمام نفسه وطلابه والمجتمع .

3-الآثار الناجمة عن تفشي تلك الظاهرة:

هذه الآفة الخطيرة لها العديد من الآثار السلبية سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات نوجزها فيما يأتي:

-اختلال منظومة القيم في المجتمع :

السرقات العلمية يترتب عليها وصول من لا يستحق سواء كان أستاذا جامعياً ترقى إلى مكانة لا يستحقها أو باحثاً تقلد وظيفة لا يناسبها ،ووصول من يفتقدون الأمانة العلمية إلى مناصب ووظائف تتطلب مؤهلات خاصة لأصحابها سيترتب عليه حدوث خلل في منظومة القيم مما يفقد الطلاب والباحثين الدافعية نحو الجد والاجتهاد والإخلاص في العمل والتحلي بالصبر والأمانة وغير ذلك من القيم الأخلاقية.

  • إعاقة مسيرة البحث العلمي الجاد:

لا شك أن الانتحال أو السرقة يمثل عائقاً أمام مسيرة البحث العلمي ويهدد استمرارها فبدلاً من أن تكمل جهود الباحثين بعضها البعض في سلسلة من الدراسات التي تنهض بنواحي المعرفة المختلفة سيتوقف الأمر عند حدود النقل والانتحال الذي لن يضيف جديداً.

  • تفاقم مشكلات المجتمع :

الدراسات البحثية ينبغي أن تنطلق في الأساس من واقع احتياجات المجتمع أو تكون من أجل البحث عن حلول لمشكلات محددة يعاني منها المجتمع وهذا هو الدور الحقيقي للبحث العلمي وتوقف مسيرته يعني أن تبقى المشكلات بلا دراسة ولا علاج فتتردى الأوضاع على مستوى كافة قطاعات الدولة التي يوكل إلى البحث العلمي مهمة حل مشكلاتها.

  • التأخر عن مواكبة الانفجار المعرفي والتقدم التكنولوجي العالمي:

السرقات العلمية تعني عدم وجود الباحثين الأكفّاء القادرين على الاستفادة من التقدم العالمي المذهل والمشاركة فيه بدور فاعل مما يعني المزيد من التأخر عن اللحق بمسيرة الانفجار المعرفي في شتى فروع العلم والمعرفة.

  • غياب الدور المؤثر للجامعات والمراكز البحثية كمؤسسات علمية في نهضة المجتمع :

الجامعات والمراكز البحثية يقع على عاتقها مسؤولية إخراج جيل من الباحثين القادرين على التعامل مع واقع مجتمعاتهم ، وعلاج مشكلاته والارتقاء بأنظمته ، وانتشار تلك الآفة يعني تراجع تلك المؤسسات العلمية عن الاضطلاع بدورها المنوط بها في خدمة المجتمع.

4- توصيات مقترحة لمحاربة تلك الآفة على مستوى المقررات الجامعية والدراسات العليا:

البحث العربي يلعب دوراً أساسياً في نهضة وتقدم الشعوب ، وما نعانيه في واقعنا العربي اليوم يعود بشكل أساسي إلى عدم الاهتمام بالبحث العلمي وإعداد الكوادر التي تحمل مشاعل النهضة في مختلف الميادين والمجالات وتقدم الدراسة رؤية استشرافية لمستقبل البحث العلمي من خلال تقديم مجموعة من التوصيات التي قد تساهم في القضاء على مشكلة السرقات العلمية أو الحد منها مما يمكن أن يُسهم في تحسين مستقبل البحث العلمي في العالم العربي ونوجز تلك التوصيات فيما يلي:

  • ترسيخ مبادئ وأخلاقيات البحث العلمي في نفوس الباحثين وتوعيتهم بخطورة انتهاكها ، وإدراج ذلك ضمن المقررات الدراسية في مرحلتي التعليم الجامعي والدراسات العليا.
  • الحرص على التأهيل العلمي والثقافي المناسب للباحثين من خلال بناء برامج دراسية تنطلق من استراتيجيات واضحة وبُناءً على خطط دراسية مدروسة.
  • تحديث آليات ومناهج التدريس والتقويم في الجامعات والبعد عن الحفظ والتلقين والاهتمام بالجوانب التطبيقية التي ترتقي بمستوى الباحثين.
  • إنشاء قاعدة بيانات تضم قائمة بالبحوث العلمية وموضوعاتها وأسماء المشرفين عليها تكون مرجعاً للباحثين وتيسر الكشف عن التعدي على الملكية الفكرية.
  • الاستعانة ببرامج الكشف عن الانتحال والسرقة الحديثة ومواكبة كل جديد يطرأ عليها.
  • وضع عقوبات رادعة لمنتهكي الملكية الفكرية ،وينبغي أن يكون هناك ميثاق موحد لجميع الجامعات العربية يشتمل على أخلاقيات البحث العلمي والعقوبات الرادعة لمن يتعدى عليها حيث إن قوانين العقوبات تختلف في شدتها من بلد لآخر.
  • العمل على تنمية القدرات الإبداعية ورعاية الموهوبين من الباحثين لينطلقوا في مسيرة البحث العلمي كقدوة ومثل يحتذى بهم .
  • الربط بين المؤسسات الأكاديمية والجامعات وبين المراكز والمؤسسات المجتمعية الأخرى حتى تكون الدراسات التي يقوم بها طلبة الدراسات العليا واقعية وذات صدى في المجتمع وتحمل طابعاً تطبيقياً يجنب الباحث اللجوء إلى النقل والتكرار.
  • إعداد برامج خاصة بأعضاء هيئة التدريس يمكن من خلالها تطوير المسار الأكاديمي وتدريبهم على استخدام الأدوات التقنية لجعل التعليم الجامعي أكثر فاعلية مما ينهض بمستوى الطلاب والباحثين.

المصادر والمراجع:

أولا: الكتب والدوريات العلمية

  • خضر ،عبد الفتاح ، أزمة البحث العلمي في العالم العربي، خضر عبد الفتاح ، أزمة البحث العلمي في العالم العربي ،سلسلة دراسات تصدر عن مكتب صلاح الحجيلان للمحاماة والاستشارات القانونية، الرياض، السعودية، 1992، ط3، حقوق النشر والتوزيع الإلكتروني محفوظة لكتب عربية ،kotobarabia.com
  • الرويلي ،نواف عبد الله ، واقع التعليم الجامعي وتحدياته في بعض الجامعات السعودية، مجلة الجوف للعلوم الاجتماعية، المجلد 1، العدد 1 ، 2014م/1435هـ .
  • السيد ،منى توكل ، أخلاقيات البحث العلمي، جامعة المجمعة ، كلية التربية بالزلفى، 2013م/1434هـ.
  • الشريف، محمد موسى، الطرق الجامعة للقراءة النافعة ، دار الأندلس الخضراء ، ط 6، 2004. نقلاً عن مجلة المعلم العربي العدد الأول والثاني، السنة 15،
  • محمد ،فؤاد قاسم ،عبد المجيد غسان حميد، العطراني سعد سابط جابر ، محمد نصري صالح،2015، رصانة المجلات والنشر العلمي، وزارة التعليم والبحث العالي، جمهورية العراق .

المواقع الإلكترونية: ( تاريخ الدخول 15 / 12/ 2020)

  • موقع المنظمة العالمية للملكية الفكرية(WIPO)  https://www.wipo.int/about-ip/ar/index.html
  • كيف نؤسس لنظام دكتوراه أفضل، موقع مجلة .nature الطبعة العربية ،

https://arabicedition.nature.com/

  • موقع مجلة .nature الطبعة العربية قسوم نضال وأسامة أطهر ،إحيــاء جامعــات العالـم الإسـلامـــي. منشور في ديسمبر 2015. https://arabicedition.nature.com/journal/2015/12/526634a#ref7
  • التعليم الجامعي في الدول العربية، موقع أكاديمي ، واقع ومقارنات07/03/2016 https://acadyme.wordpress.com
  • ياسين، طالب ، جريمة السرقة العلمية وآلية مكافحتها في الجامعة الجزائرية في ضوء القرار الوزاري 933 ،الملتقى المشترك حول الأمانة العلمية، 2017 مركز جيل للبحث العلمي، لبنان، الرابط http://jilrc.com/wp-.pdf

[1] ) محمد بن سلام بن عبد الله بن سالم الجمحي أبو عبد الله البصري كان من أهل الفضل والأدب من أهم مؤلفاته كتاب “طبقات فحول الشعراء الجاهليين والإسلاميين” توفي على الأرجح سنة232هـ

[2] ) أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب بن فزارة الليثي الكناني البصري (159 هـ-255 هـ) أديب عربي كان من كبار أئمة الأدب في العصر العباسي، من أشهر مؤلفاته البيان والتبيين وكتاب الحيوان والبخلاء .

[3] ) د. ياسين، طالب، جريمة السرقة العلمية وآلية مكافحتها في الجامعة الجزائرية في ضوء القرار الوزاري 933 ،الملتقى المشترك حول الأمانة العلمية، 2017 مركز جيل للبحث العلمي، لبنان، الرابط http://jilrc.com/wp-.pdf      تمت الزيارة يوم 15/12/2020:

[4] ) محمد ، فؤاد قاسم ، وحميد، عبد المجيد غسان ، والعطراني، سعد سابط جابر ، وصالح، محمد نصري ،2015، رصانة المجلات والنشر العلمي، وزارة التعليم والبحث العالي، جمهورية العراق ، ص 9  .

[5] ) موقع المنظمة العالمية للملكية الفكرية(WIPO)         https://www.wipo.int/about-ip/ar/index.html

تمت الزيارة بتاريخ 15/12/2020 .

[6] )الشريف، محمد موسى، الطرق الجامعة للقراءة النافعة ، دار الأندلس الخضراء ، ط 6، 2004 ص 45 . نقلاً عن مجلة المعلم العربي العدد الأول والثاني، السنة 15،  1962 ، ص 26 و27 .

[7] ) خضر ،عبد الفتاح، أزمة البحث العلمي في العالم العربي ،سلسلة دراسات تصدر عن مكتب صلاح الحجيلان للمحاماة والاستشارات القانونية، الرياض، السعودية، 1992، ط3، ص 69 ‘حقوق النشر والتوزيع الإلكتروني محفوظة لكتب عربية ،www.kotobarabia.com

[8] ) التعليم الجامعي في الدول العربية: واقع ومقارنات07/03/2016 https://acadyme.wordpress.com/

تمت الزيارة بتاريخ 16/12/20 20

[9] ) قسوم، نضال وأطهر، أسامة ،إحيــاء جامعــات العالـم الإسـلامـــي. منشور في ديسمبر 2015. https://arabicedition.nature.com/journal/2015/12/526634a#ref7

تمت الزيارة بتاريخ 16/12/2020

[10] )الرويلي، نواف عبد الله ، واقع التعليم الجامعي وتحدياته في بعض الجامعات السعودية، مجلة الجوف للعلوم الاجتماعية، المجلد 1، العدد 1 ، 2014م/1435هـ ، ص 2 . تمت الاطلاع من خلال موقع مناهل https://platform.almanhal.com/

تمت الزيارة بتاريخ 16/12/2020

[11] ) كيف نؤسس لنظام دكتوراه أفضل، مجلة .nature الطبعة العربية،https://arabicedition.nature.com/

تمت الزيارة بتاريخ 16/12/2020

[12] ) المرجع السابق .

[13] ) السيد، منى توكل ، أخلاقيات البحث العلمي، جامعة المجمعة ، كلية التربية بالزلفى، 2013م/1434 هـ ، ص 17.


Updated: 2021-03-27 — 10:05
JiL Scientific Research Center © Frontier Theme