قضية الإبداع الأدبي لدى نقاد العهد المريني: في ضوء تراثها النقدي القديم


 

 

قضية الإبداع الأدبي لدى نقاد العهد المريني: في ضوء تراثها النقدي القديم

Literary creativity The case of literary creativity among the critics of the Marinid era: in light of its ancient critical heritage

د.عبد الجليل شوقي، أستاذ باحث، المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين لجهة كلميم واد نون ـ المغرب

Dr. Abdeljalil CHAOUKI, Research Professor, Regional Center for the metiers of Education and Training –  Guelmim Oued Noun region

مقال نشر في  مجلة جيل الدراسات الادبية والفكرية العدد 68 الصفحة 105.

 

      الملخص:

  تعتبر قضية الإبداع الأدبي بالنقد المغربي القديم بصفة عامة، وعلى العهد المريني بشكل خاص، من القضايا التي تناولتها الدراسات الحديثة، بمختلف المناهج، نظرا لأن هذه الحقبة التاريخية والأدبية من أكثر الحقب المغربية تطورا على جميع المستويات، وفي هذه الحقبة استوت مدرسة أدبية متطورة بالغرب الإسلامي، بحيث أنها امتاحت من تراثها النقدي والأدبي والفلسفي، وكذا من المدارس الغربية القديمة (اليونانية والرومانية…)، لتستوي -بذلك- نظرية مغربية في تناول قضية الإبداع الادبي، انصهرت فيها الجهود التراثية العربية والغربية بفهم مغربي، وتسعى هذه الورقة العلمية لإبراز ملامح تشكل نظرية أدبية مغربية في ضوء التراث النقدي القديم.

كلمات مفاتيح الإبداع الادبي، النقد الأدبي، التراث العربي، العهد المريني.

Abstract :

 The issue of literary creativity in the ancient Moroccan criticism in general, and the Marinid era in particular, is considered one of the issues dealt with in modern studies, with various approaches, given that this historical and literary era is one of the most developed Moroccan eras at all levels, and in this era a sophisticated literary school in the Islamic West , As it was removed from its critical, literary and philosophical heritage, as well as from the ancient Western schools (Greek and Roman …), thus settling a Moroccan theory in dealing with literary creativity, in which Arab and Western heritage efforts fused with a Moroccan understanding, and this scientific paper seeks to highlight the Arab component Ancient in this literary theory.

Key words : Literary creativity, literary criticism, Arab heritage, Marinid era.

  المقدمة

لقد اختلفت آراء نقاد بني مرين في قضية الإبداع الأدبي، باختلاف فهمهم للشعر: مفهوما وماهية وطبيعة ووظيفة، وكذلك باختلاف صلتهم بالتراث النقدي لدى العرب والغرب اليوناني على وجه الخصوص، وباختلاف صلتهم بالمعارف العلمية التي وصلت إليهم منذ القديم، في إطار الفهم الذي يجعل من الخطاب شعرا وخطابة.

وتسعى هذه الورقة العلمية لتناول مفهوم الإبداع الأدبي على العهد المريني[1] في ضوء التراث النقدي العربي القديم، باعتباره قضية برزت في التراث النقدي المغربي منذ نشأته، وتطورت بشكل لافت على العهد المريني، لتوافر ظروف تاريخية وعلمية، ونتاج لتطور علوم أخرى إلى جانب النهضة الأدبية: الفلسفة والرياضيات وباقي العلوم الحقة والمشارب المعرفية، فاستفادة النظرية الأدبية من هذه العلوم والمعارف ووظفتها في فهم الأدب ونقده، وظهرت مدارس نقدية مختلفة باختلاف انفتاحها على التراث العربي والغربي، وباختلاف الذهنيات التي رافقتها.

وفي هذا الصدد قسمنا هذه الورقة العلمية إلى المحاور التالية:

  • المقدمة
  • مفهوم الإبداع الادبي
  • الإبداع الأدبي: المصطلح والمفهوم
  • ظروف وبواعث الإبداع الأدبي
  • الإبداع الأدبي بين الطبع والصناعة
  • الإبداع الأدبي بين الذاتية والموضوعية
  • الخاتمة

مفهوم الإبداع الأدبي

يواجه الناظر في مفهوم الإبداع الادبي ” بمصطلحات كثيرة غير محددة ولا منضبطة مثل الإلهام والصنعة، والطبع والتكلف، والتنقيح والتثقيف، كما يواجه في نفس الوقت باستخدام هذه المصطلحات في أكثر من موضع، وبأكثر من معنى، بحيث تختلط الأمور في كثير من الأحيان، ويبرز التناقض ظاهرا بين النصوص عند بعض النقاد. بل عند الناقد الواحد أحيانا”[2]؛ وفيما يلي بعض التعاريف المعجمية الاصطلاحية:

في التراث المعجمي العربي؛ يقول ابن منظور(تـ711هـ): “بدع الشيء يبدعه بدعا وابتدعه: أنشأه وبدأه”[3]، ويقول ابن فارس(تـ395هـ): “قولهم أبدعت الشيء قولا وفعلا لا عن سابق مثال، والله بديع السموات والأرض”[4]. ويقول الزمخشري(تـ538هـ): “أبدع الشيء وابتدعه: اخترعه. ويقال أبدعت الركاب إذا كلت، وحقيقته أنها جاءت بأمر حادث بديع … ومن المجاز أبدعت حجتك إذا ضعفت”[5].

من خلال هذه النصوص المعجمية؛ الإبداع هو: إحداث شيء على غير مثال سابق، وبلا احتذاء واقتداء، ولا يفرق بين الإبداع والابتداع والاختراع.

 ويعرف الشريف الجرجاني(تـ816هـ) الإبداع بقوله: “إيجاد الشيء من لا شيء وقيل الإبداع تأسيس الشيء عن الشيء والمخالف إيجاد شيء من شيء قال الله تعالى: “بديع السماوات والأرض” وقال خلق الإنسان. والإبداع أعم من الخلق ولذا قال بديع السموات والأرض وقال خلق الإنسان ولم يقل بديع الإنسان”[6]، ويفرق بين الإبداع والابتداع بقوله: “إيجاد شيء غير مسبوق بمادة ولا زمان كالعقول وهو يقابل التكوين لكونه مسبوقا بالمادة والأحداث لكونه مسبوقا بالزمان والتقابل بينهما تقابل التضاد إن كانا وجوديّين بأن يكون الإبداع عبارة عن الخلو من المسبوقية بمادة والتكوين عبارة عن المسبوقية بمادة ويكون بينهما تقابل الإيجاب والسلب إن كان أحدهما وجوديا والآخر عدميا، ويعرف هذا من تعريف المتقابلين”[7].

استند الشريف الجرجاني إلى الآية القرآنية: “بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ”[8]، في فهمه للإبداع، وفرق بين الإبداع والخلق، على اعتبار أن الإبداع والابتداع إلى درجة التضاد، فالإبداع ضد الابتداع، لأن الأول إيجاد شيء من العدم، وأما الثاني فهو إيجاد الشيء من الكائن.

وأما في المعاجم الحديثة، ولا سيما “المعجم الوسيط” نجد: “بدعه –بدعا: أنشأه على غير مثال سابق، فهو بديع … وابتدع الشيء: بدعه … والإبداع عند الفلاسفة: إيجاد الشيء من عدم، فهو أخص من الخلق”[9]؛ ومن هنا يبدو أن فهم هذا المعجم يوافق فهم الشريف الجرجاني، في كون الإبداع إيجاد شيء من لا شيء، وكذلك في عدم تفريقه بين الإبداع والابتداع، ويناقضه في كون الإبداع أشمل من الخلق، بحيث يرى أن الإبداع أخص من الخلق.

وأما في الدراسات والبحوث الحديثة: فإنه لا يوجد اتفاق من قبل مختلف الباحثين على تعريف واحد للإبداع، ولعل ذلك يرجع إلى محاولتهم صياغة تعاريف خاصة بكل واحد منهم، يؤكد من خلاله وجهة نظره “المختلفة في التعامل مع هذا المفهوم”[10]. وإذا حاولنا تلخيص جهود هذه البحوث والدراسات من وجهة نظر معرفية نجد أنها قد تبنت الاتجاهات الأساسية التالية:

  1. إن دراسة الإبداع نظريا ينبغي أن تقوم على كثير من المنظومات العلمية، وبصورة خاصة المنظومات التي تتعلق بالإبداع؛
  2. إعداد المظاهر المكونة للإبداع بروح متفائلة بإمكانية تربية القدرات المبدعة؛
  3. التوجه من الشرح والتفسير إلى المظاهر الاستكشافية المكونة في التعليم ولدى فرق البحث، وذلك بالإفادة من التجارب المتراكمة في العالم وفق منظور بنائي نقدي؛
  4. ارتباط بعض الدراسات بالمفهوم العام للتوجه الاشتراكي من أجل تطوير الشخصية المبدعة وتكوينها”[11].

هذا الجانب من الإبداع يخص الجانب التربوي منه، وإما في جانبه الأدبي، فإنه يهم –بالإضافة إلى الشعر- كل الأجناس الأدبية من رواية وقصة وغيرها، وإن كان الشعر هو الذي خُصَّ بالإبداع في التراث النقدي العربي. فلقد “ساد في خطابنا الفكري والنقدي والأدبي، الموروث والمعاصر، تغليب الأدبي في الإبداع على ما سواه، بل إن حظ الشعر في الأدبي كان الغالب في الموروث، وفي جانب كبير من المعاصر”[12].

لقد كان للفلاسفة دورا كبيرا في تناول مفهوم الإبداع، سواء في الدراسات القديمة أو الحديثة، ويمكن تلخيص المعاني التي وضعها هؤلاء الفلاسفة لهذا المصطلح في:

الأول: تأسيس الشيء عن الشيء؛ أي تأليف شيء جديد من عناصر موجودة سابقة كالإبداع الفني، والإبداع العلمي، ومنه التخيل المبدع في علم النفس.

والثاني: إيجاد الشيء من لا شيء كإبداع الباري سبحانه، فهو ليس بتركيب ولا تأليف، وإنما هو إخراج من العدم إلى الوجود. وفرقا بين الإبداع والخلق، فقالوا: الإبداع إيجاد شيء من لا شيء، والخلق إيجاد شيء من شيء لذلك قال الله تعالى: “بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ”[13]، ولم يقل بديع الإنسان، بل قال خلق الإنسان، فالإبداع بهذا المعنى أعم من الخلق.

والثالث: إيجاد شيء غير مسبوق بالعدم، ويقابله الصنع، وهو إيجاد شيء مسبوق بالعدم، قال ابن سينا في الإشارات: “الإبداع هو أن يكون من الشيء وجود لغير متعلق به فقط، دون متوسط من مادة أو آلة أو زمان. وما يتقدمه عدم زماني لم يستغن عن متوسط”[14].

الإبداع الأدبي لدى نقاد بني مرين: المصطلح والمفهوم

بعد هذا التناول اللغوي والاصطلاحي لمفهوم الإبداع، ننتقل إلى دراسة علاقة الإبداع بالنقد الأدبي من ناحية المفهوم، وحضوره باعتباره قضية في التراث النقدي الأدبي المريني.

الواقع أن “ثمة علاقة وثيقة  بين الإبداع والنقد، إذ لا يمكن أن نجد أدبا دون نقد كما لا يمكن أن نجد نقدا دون إبداع، بل نستطيع القول بكل ثقة إن في أعماق كل مبدع يكمن ناقد، وأن لم يمارس النقد على أدب غيره، إذ من المؤكد أنه يمارس النقد على أدبه تصحيحا وتشذيبا وصقلا، دون أن يعني في كثير من الأحيان أنه يمارس فعالية نقدية”[15]. وقد كان لهذه القضية حضور في التراث النقدي العربي القديم عامة، والتراث النقدي المريني على وجه الخصوص، فكيف تلقى الناقد المريني هذه القضية ودرسها؟

اختلفت آراء نقاد بني مرين في قضية الإبداع الأدبي، باختلاف فهمهم للشعر: مفهوما وماهية وطبيعة ووظيفة. وكذلك باختلاف صلتهم بالتراث النقدي لدى العرب والغرب اليوناني على وجه الخصوص.

ولعل أول ما يصادفنا في هذا الصدد هو كيف فهم الناقد المريني مصطلح الإبداع، قبل أن يوظفه في أتون النص النقدي. ومن هذه الفهوم اللغوية نذكر:

  • البديع غير المسبوق: إيجاد شيء عن غير سابق، والتعبير عن معنى بطريقة غير مسبوقة، والإتيان بمعنى غير مسبوق، والإتيان بقصيدة غير مسبوقة في بابها لفظا ومعنى وأسلوبا؛
  • يقول الشريف السبتي: “وما سمعت في هذا المعنى أعذب لفظا، وأبدع عبارة من قول مهيار الديلمي مولى الموسويين:
خَرقن خروقا لنا في السجُّـــوف جعلن العيون، عليها وقــوعا[16]

وظف هذا الناقد كلمة “أبدع” للتعبير عن “العبارة البديعة غير المسبوقة والتي لم يسمع بمثلها من ذي قبل”.

  • يقول-كذلك- صاحب الحجب المستورة: “ولأبي الحكم مالك بن المرحل في قصر الليل:
وعشية سبق الصباح عشـــاءها قصرا، فما أمسيت حتى أسفـرا
مِسْكِيَّة لبست حلًـــــى ذهبية وجلا تبسمُها نقابا أحمــــرا
وكأن شهب الرَّجْمِ بعض حُليــها عثرت به من سرعة فتكسَّــرا

البيت الأخير بديع المعنى”[17].

  • يذهب خالد بن عيسى البلوي(تـ780هـ) إلى أن الإبداع يكون في القصيدة كاملة بلفظها ومعناها، موظفا “الإبداع” بمعناها اللغوي، يقول: “وصلنا إلى رأس (وادي العقيق) وتراءت لنا بعد البعاد أعلام ذاك الفريق، وهناك أنشدت الأصحاب الحاضرين ما أنشدني تجاه الكعبة المشرفة لوالده شيخنا جمال الدين أبو إسحاق إبراهيم بن شهاب الدين أبي الثناء محمود ابن سليمان الحلبي وهي قصيدة ضربت في الإبداع بسهم مصيب وربت من البيان في روض يانع ومرعى خصيب ونصها:
وصلنا السرى وهجرنا الديـــارا وجئناك نطوي  إليك القفـــارا[18]
  • الاختراع؛
  • يقول أبو الوليد بن الأحمر (تـ807هـ): “وكانت العيون أبدا إلى المخترع منه طامحة، وإلى رؤية ما نجم من محاسنه لامحة، والأنفس بقبول حفظه سامحة. وكان في هذا العصر الذي أنا فيه من يأتي في نظمه بالبديع ويوفيه. من محب متغزل، ومادح للمطلوب مستنزل، سنحت لأهله نصيحتي وسمحت بعمله قريحتي”[19]، فهذا الناقد يرى أن الإبداع يكون بالاختراع، ولهذا يسمى الشعر لديه “بالمخترَع” كناية على مصدره، ثم جاء بكلمة “البديع” ليوضح أن هذا المخترع هو من البديع غير المسبوق، فيكون بهذا لم يفرّق بين الشعر البديع والشعر المخترع، وألمح إلى بعض من سماته: فالشعر المخترع البديع هو الذي تطمح إلى حفظه النفوس، أي تتأثر به وتتذوقه، وهو كذلك الشعر الذي يطرق الأغراض المعروفة: الغزل والمدح.
  • يقدم الشريف السبتي فهمه “للاختراع” بكونه الإبداع الذي لم يسبق إليه من خلال هذا النص النقدي: “يقول عنترة:
وخلا الذباب به يغنــــي وحده هزجا، كفعل الشــارب المتنكب
غرد يحـــــك ذراعه بذراعـــــــــــــــــــــــه فعل المكب على الزنــاد الأجذم

وهذا التشبيه من مخترعات عنترة التي لم يسبق إليها”[20]، فالاختراع –إذا- لدى الشريف السبتي هو السبق إلى التشبيهات باعتبار التشبيه أسلوبا بلاغيا وصورة شعرية، وما الشعر إلا صور؛ وفرَّق بين مصطلحين: “الاختراع” و”الإتباع”، وهما مصطلحان مختلفان، إذ الاختراع يكون قبل الإتباع، يقول: “اسكت فإن أحسنت الاختراع فما أسأت الإتباع”[21]، فالاختراع يعني طرق المعاني غير المسبوقة، و”الإتباع” السير وراء الاختراع ومحاكاته والقول على منواله، فيتم تناول تلك المعاني المخترعة مرة أخرى، ولهذا نجد في الدراسات الأدبية والفنية أن الاتباعية هي: “مذهب المحاكين لمذاهب المتقدمين”[22].

وبالرجوع إلى التراث النقدي العربي القديم، يقول أبو هلال العسكري(تـ395هـ): “ومن حسن الإتباع أيضا قول إبراهيم بن العباس حيث كتب: إذا كان للمحسن من الثواب ما يقنعه، وللمسيء من العقاب ما يقمعه، ازداد المحسن في الإحسان رغبة، وإنقاذ المسيء للحق رهبة. أخذه من قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يجب على الوالي أن يتعهد أموره، ويتفقد أعوانه، حتى لا يخفى عليه إحسان محسن، ولا إساءة مسيء. ثم لا يترك واحدا منهما بغير جزاء؛ فإن ترك ذلك تهاون المحسن، واجتزأ المسيء، وفسد الأمر، وضاع العمل”[23].

 يتفق كل من الشريف السبتي والعسكري على أن الإتباع يمكن أن يكون فيه إحسان، وذلك إذا كان المتَّبَع في غاية الجودة والاختراع: (بلاغة علي بن أبي طالب)، فحسن الاختراع يشفع للإتباع، وإن كان هذا الأخير هو تعطيل للإبداع.

يفرق ابن الخطيب (تـ776هـ) –كذلك- بين مصطلحين لهما علاقة بمصطلح الإبداع: الاختراع والابتداع، يقول مترجما لأبي بكر يحيى بن بقي: “رب الصنعة ومالكها، وناهج الطريقة المثلى وسالكها، جاء على قدر، وأخذ نفسه ورد البدائع وصور، فنظم دررها أسلاكا وأدوارا نحو الإحسان أفلاكا، أكثر فأجاد، وتقلد ذلك الصارم المحلى والنجاد، بما اخترع فيه من الشعر وابتدع فما نكل عن عجز ولا ارتدع وكثرة توشيحه وإحسانه في تنميق الكلام وتوشيحه، دل على اتساع ذرعه في المحاسن وركوب جادته، وجودة تصوره للمعاني ووفور مادته وله شعر أجاد فيه التشبيه والتعريف والتنبيه”[24]، فالابتداع في اللغة هو الإتيان بالبدعة من الشيء، وهي ما استحدث في الدين وغيره[25]، والاختراع هو إنشاء الشيء وابتداعه[26]، فهذا الترادف لدى ابن الخطيب هو ترادف لغوي بالأساس مع العديد من المصطلحات الأخرى: الطبع والصنعة، الاختراع، التوليد، الابتداع، وترك التقليد.

مما سبق، وظف نقاد بني المريني مصطلح “الإبداع الأدبي” والمصطلحات التي تقاسمه نفس المعنى، توظيفا لغويا في توصيفه لعملية الإبداع الشعري. والسؤال الذي يُطرح بعقب هذه الخلاصة المركزة: هل اكتفى الناقد المريني بهذا الفهم اللغوي للإبداع الأدبي؟ وهل تناول هذا المفهوم تناولا ينم عن وعي تام بقيمته؟ من خلال تشريح بواعث الشعر، والأسس النفسية للإبداع؟ ولحظاته وأحوال مبدعه؟

ظروف وبواعث الإبداع الأدبي

يرى ابن الخطيب(تـ776هـ) أن للإبداع الأدبي ظروفا تساعد على غزارته، ولا تظهر عبقرية ونبوغ المبدع إلا من خلال توافرها، يقول عن الوزير أبي بكر بن عيسى الداني ابن اللبانة(تـ507هـ): “وهاك من رائق توشيحه ما يشهد بسبقه، ويريك في جو الإبداع وميض برقه”[27]، ويورد قصة تبرز ما ذهب إليه من أن البيئة والجو يساعدان المبدع على الإجادة في الإبداع، يقول عن أبي عبد الله المكودي: “شاعر لا يتعاطى ميدانه، ومرعى بيان رقَّ غضاه وأينع سعدانه … دعوناه إلى مجلس أعاره البدر هاله، وخلع عليه الأهيل غلاله، وروض تفتَّح  كمامه، وغما عليه غمامه، وكأس أنس تدور فتتلقى نجومها البدور. ولما ذهبت المؤانسة بخجله، وتذاكر هواه ويوم نواه، حتى خفيا حلول أجله، جبلنا للمذاكرة زمامه، واستسقينا منها أغمامه، فأمتع وأحسب، ونظر ونسَّب، وتكلم في المسايل، وحاضر بطُرَف الأبيات وعيون الرسايل حتى نشر الصباح رايته، وأطلع النهار رايته”[28]، فبعد أن كان هذا الرجل ساكتا خجولا، تحول إلى متكلم مبدع، وذلك من خلال خطوات رصدها ابن الخطيب في: 1- جو المجلس، 2- أنس المجالسين، 3- دفعه هذان العنصران إلى المذاكرة، 4- تدفق العلوم والمعارف والأشعار إلى المجالسين، 5- الإمتاع في الإبداع وهي الغاية المنشودة.

على الرغم من وعي ابن الخطيب بتفسير الإبداع الأدبي، وتحديده لأحواله ولحظاته من خلال هذه الحكاية، إلا أنه لا يرتقي إلى جهود ابن خلدون(تـ808هـ) في التنظير للإبداع الأدبي: تفسيرا وتحديدا، من خلال دراسة لحظاته وأوقاته وبواعثه، وأحوال المبدع:

فقد أشار ابن خلدون إلى وجود لحظات تكون فيها النفس أكثر استعدادا للقول، على خلاف غيرها من  اللحظات، حيث تكون أقل عطاء وأقل جودة؛ يقول عن لحظات قول الشعر: “وخير الأوقات لذلك أوقات البكر عند الهبوب من النوم وفراغ المعدة ونشاط الفكر”[29]، فهذه اللحظات يكون فيها الإبداع أيسر من غيرها، لكن ليس معناه أن المبدع بالضرورة قائل في هذه اللحظات، فعليه تخيّر هذه الأوقات، وطلب الإبداع فيها، فإذا “استصعب عليه بعد هذا كلِّه فليتركه إلى وقت آخر ولا يكره نفسه عليه”[30]. وبالإضافة إلى العامل الزمني، فقد أشار ابن خلدون إلى عامل المكان الذي يسهل عملية الإبداع، يقول: “لا بد من الخلوة واستجاد المكان المنظور فيه من المياه والأزهار وكذا المسموع لاستنارة القريحة باستجماعها وتنشيطها بِمِلاَذِّ السّرور ثم مع هذا كلّه فشرطه أن يكون على جِمام ونشاط فذلك أجمع له وانشط للقريحة أن تأتي بمثل ذلك المنوال”[31].

لقد حاول ابن خلدون دراسة قضية الإبداع دراسة نفسية، نقّب من خلالها في ثنايا نفس المبدع، باحثا عن الآليات الدقيقة التي تحرك جذوة الإبداع فيها، ذلك لأن “قضية الإبداع الأدبي أو الخلق الأدبي بصفة عامة تستند إلى ركائز نفسية قبل استنادها إلى المقومات الفنية والجمالية إذ أن هذه الأخيرة لا توجد أصلا إلا بوجود الفن، أما الأولى فلا يوجد الأدب أو الفن إلا قائما على رصيد منها”[32]. وعلى الرغم من تمكنه من مباحث الفلسفة –كما تشهد دراساته في المقدمة- فإنه لم يتوفق بالشكل المطلوب في دراسة قضية الإبداع الأدبي دراسة نفسية مفصلة تغوص أكثر في أعماق نفس المبدع، لتحلل العمليات والآليات والبواعث النفسية.

كما تناول ابن خلدون قضية أخرى من قضايا تفسير الإبداع الأدبي لدى المبدع، وهي قضية بواعث الإبداع، وذلك بالاستناد إلى جهود ابن رشيق القيرواني، يقول صاحب المقدمة: “وربما قالوا إن من بواعثه العشق والانتشاء ذكر ذلك ابن رشيق في كتاب العمدة”[33]، وبالرجوع إلى كتاب “العمدة” نجد أن صاحبها  يفسر هذه الظاهرة بالاعتماد على تراث من سبقه، يقول: “وقال بعضهم: من أراد أن يقول الشعر فليعشق فإنه يرق، وليرو فإنه يدل، وليطمع فإنه يصنع”[34]، هكذا يرى ابن خلدون -بالاستناد إلى التراث العربي- أن من بواعث الإبداع العشق والانتشاء، وهو فهم قديم توارثه النقاد إلى أن وصل إلى العهد المريني على هذه الحال.

ويطالعنا العبدري (تـ700هـ) برأي مخالف لما ذهب إليه ابن خلدون؛ يعارض ربط الإبداع الشعري بوقت من الأوقات حينما يكون الباعث هو العشق، بل ويرى أن هذا الربط هو من دواعي ضعف هذا الإبداع، وذلك لأنه يرى أن قوة باعثه لا تتخير الأوقات، فالحب القوي يكون دائم الهيجان طوال النهار، يقول في رحلته معقبا على بيت شعري[35] للأديب أبي علي حسن بن علي بن عمر القسنطيني المعروف بالفكون (توفي أوائل القرن السابع): “لأن الهيمان لا يتخيَّر الأوقات، وما أضعف حبًّا لا يهيج إلا مرة في اليوم، وإنما هي للإلصاق؛ أي: هذا يشتاق في وقت الغروب إلى الغدو، وذلك في وقت الشروق إلى العشي، شوقا من هذا إلى الشرق، ومن ذاك إلى الغرب”[36].

وبمقارنة هذه الجهود بما جاء في النقد العربي القديم؛ نجد أن عمدة ابن رشيق(تـ456هـ) من بين أهم المصادر التي استند إليها ابن خلدون في فهمه للإبداع الأدبي من هذه الزاوية، يقول: “ذكر ذلك ابن رشيق القيرواني في كتاب العمدة وهو الكتاب الذي انفرد بهذه الصناعة وإعطاء حقِّها ولم يكتب فيها أحد قبله ولا بعده مثله”[37]، وبالرجوع إلى جهود هذا الناقد في عمدته، نجده يورد نصّا لابن قتيبة(تـ276هـ) حول لحظات وأوقات الإبداع الشعري: “قال ابن قتيبة: وللشاعر أوقات يسرع فيها أُتِيُّهُ، ويسمح فيها أَبِيُّه: منها أول الليل قبل تغشى الكرى، ومنها صدر النهار قبل الغذاء، ومنها يوم شرب الدواء، ومنها الخلوة في الحبس والمسير”[38]. ويستند ابن رشيق –كذلك- في صوغ أفكاره هذه إلى جهود أبي تمام (تـ231هـ) والتي أوردها في هذا النص: “ومما يجمع الفكرة استلقاء الرجل على ظهره، وعلى كل حال فليس يفتح مقفل بحار الخواطر مثل مباكرة العمل بالأسحار عند الهبوب من النوم، لكون النفس مجتمعة لم يتفرق حسُّها في أسباب اللهو أو المعيشة أو غير ذلك مما يعيبها، وإذ هي مستريحة جديدة كأنما أنشئت نشأة أخرى، ولأن السَّحر ألطف هواء، وأرق نسيما، وأعدل ميزانا بين الليل والنهار، وإنما لم يكن العشي كالسحر –وهو عديله في التوسط بين طرفي الليل والنهار- لدخول الظلمة فيه على الضياء بضد دخول الضياء في السحر على الظلمة، ولأن النفس فيه كالّة (مريضة) من تعب النهار وتصرفها فيه، ومحتاجة إلى قوتها من النوم متشوقة نحوه؛ فالسحر أحسن لمن أراد أن يصنع، وأما لمن أراد الحفظ والدراسة وما أشبه ذلك فالليل”[39]. وقد أورد ابن رشيق العديد من الحكايات للعديد من الشعراء العرب يبرز فيها أحوالهم أثناء الإبداع[40]. وهي تُجمِع على وجود أوقات خاصة للشعر تختلف من شاعر لآخر، وإن كان الأغلب فيها هو وقت السحر، وتختلف كذلك طقوس الشعراء في ذلك؛ فمنهم يتقلب في صهريج ماء مثل أبي تمام[41]، ومن يتقلب في الرمضاء مثل جرير[42]، ومنهم من يقول الشعر وهو مخمور مثل أبي نواس[43]، وغيرهم.

وقضية أوقات وأحوال الإبداع من القضايا التي تناولها التراث النقدي العربي قبل ابن رشيق القيرواني الذي اعتمده ابن خلدون؛ فمن أهم هذه الجهود نذكر ما أورده أبو هلال العسكري (تـ395هـ) في صناعتيه: “واعمله (الشعر) مادمت في شباب نشاطك؛ فإذا غشيك الفتور، وتخوَّنك الملال فأمسك؛ فإن الكثير من الملال قليل، والنفس مع الضجر خسيس؛ والخواطر كالينابيع يسقى منها شيء بعد شيء، فتجد حاجتك من الريّ، وتنال أَرَبَكَ من المنفعة. فإذا أكثرت عليها نضب ماؤها، وقلّ عنك غناؤها”[44]. ويذهب ابن الأثير –كذلك- المذهب نفسه بقوله: “واعلم أيها المنتصب لهذه الصناعة، أنه يجب عليك إذا أردت أن تؤلف شيئا من الكلام، منثورا كان أو منظوما، أن تأخذ من نفسك، ساعة نشاطك وفراغ بالك، وإجابتها لك، فإن قليل تلك الساعة أجدى عليك مما يعطيك يومك بالكد والمطاوعة”[45]. وهذه الأفكار يبدو أنها مستمدة من رسالة بشر بن المعتمر (تـ220هـ) التي أوردها العسكري في صناعتيه[46]، وكذلك ابن رشيق في العمدة[47].

وأشار كذلك ابن رشيق إلى تخير الشاعر العربي القديم للأمكنة المحفزة للإبداع، فهذا الفرزدق كان “إذا صعبت عليه صنعة الشعر ركب ناقته، وطاف خاليا منفردا وحده في شعاب الجبال وبطون الأودية والأماكن الخربة الخالية فيعطيه الكلام قياده”[48].

واعتمد حازم القرطاجني (تـ684هـ) على رواية للبحتري لإبراز قضية أزمنة وأمكنة الإبداع لدى الشاعر العربي، يقول: “قال أبو عبادة الوليد بن عبيدة البحتري: “كنت في حداثتي أروم الشعر. وكنت أرجع فيه إلى طبع. ولم أكن أقف على تسهيل مأخذه ووجوه اقتضائه حتى قصدت أبا تمام وانقطعت فيه إليه واتّكلت في تعريفه عليه. فكان أول ما قال لي: “يا أبا عبادة تخيّر الأوقات وأنت قليل الهموم صفر من الغموم، واعلم أن العادة في الأوقات أن يقصد الإنسان لتأليف شيء أو حفظه في وقت السحر، وذلك أنَّ النفس قد أخذت حظّها من الراحة وقسطها من النوم”[49]. يبدو أن حازما ارتكز  على وصية أبي تمام لتفسير الأسس النفسية للإبداع الأدبي، يقول محمد أديوان: “من خلال الوصية السابقة يتضح لنا بجلاء أن الشروط النفسية الذاتية والمادية والموضوعية التي تحدث عنها حازم قد كانت معروفة لدى النقاد والشعراء القدماء، بيد أن صياغة حازم لهذه الشروط صياغة جديدة، في إطار تصور فلسفي عميق للعملية الشعرية جعلت إشارته إلى هذا الجانب من مقومات العمل الشعري تتسم بنبرة خاصة لا نجدها عند أبي تمام، مهما حاولنا التقريب بين كلام هذا الأخير في وصفته السابقة وبين ما يقوله حازم في الموضوع نفسه”[50].

بناء على ما سبق: يتضح أن الناقد المريني بقي حبيس آراء القدماء في قضية أحوال ولحظات وبواعث الإبداع الأدبي: بشر بن المعتمر، وابن قتيبة، وأبي تمام، والبحتري، وابن رشيق، ولم يحاول التفسير والتطوير، خلاف ما فعله حازم قبله، الذي تحدث بشكل مفصل عن مهيئات القول الشعري وبواعثه[51].

وإذا رمنا البحث عن بواعث الإبداع في ثنايا النقد الغربي القديم، وخصوصا لدى اليونان، نجد أن أرسطو أشار إلى هذا الموضوع في مصنفه، لكن جهوده –هذه- تبقى بعيدة عما جاء به النقاد المرينيون والعرب القدماء قبلهم، يقول أرسطو: “ويبدو أن الشعر –على العموم- قد ولّده سببان، وأن ذينك السببين راجعان إلى على الطبيعة الإنسانية. فإن المحاكاة أمر فطري موجود للناس منذ الصغر، والإنسان يفترق عن سائر الأحياء بأنه أكثرها محاكاة، وأنه يتعلم أول ما يتعلم بطريقة المحاكاة. ثم عن الالتذاذ بالأشياء المحكية أمر عام للجميع”[52].

مما سبق، يتضح الفرق بين مذهب أرسطو ومذهب النقاد العرب، وإن كان من شراح أرسطو من الفلاسفة المسلمين من ذهب مذهبه، دون أن نرى تأثر النقد المريني بفهمهم، يقول صفوت عبد الله الخطيب: “ونستطيع أن نقول إن الفارابي يتميز بين غيره من الشراح بهذا النضج النقدي في قضية إبداع الشعر والأسس التي يتركز عليها، أما ابن رشد فإنه يتابع ابن سينا وكلاهما يتابع أرسطو في تناول المسألة”[53].

الإبداع الأدبي بين الطبع والصناعة

  1. الإبداع الأدبي طبع؛

لقد تنبه الناقد الأدبي العربي القديم إلى القول الأدبي عامة، والقول الشعري خاصة، شأنه شأن كل النقاد في الأمم الأخرى، فسعى إلى تفسيره وفهمه، متسائلا: كيف يستطيع الأديب صياغة هذا القول بهذه الطريقة المستفزّة للنفس؟ ولماذا تهتز النفس لسماعه من غير روية ولا فكر؟

كانت هذه الأسئلة منطلق الوعي بقضية الإبداع الأدبي، وظلت حاضرة لدى النقاد، متجددة بتطور مباحث النقد الأدبي؛ فانقسم النقاد في هذه القضية إلى فئات؛ منها فئة ترى أن الإبداع الأدبي هو طبع في النفس البشرية، يقول ابن عبد الملك المراكشي في ترجمته لأحمد بن محمد بن صابر القيسي(تـ662هـ): “كان تام العناية بشأن الرواية ضابطا لحديثه يقظا سريا فاضلا شديد التهمّم بالعلم على الإطلاق وحبب إليه طلبه من صغره… وكان وافر الحظ من الأدب شاعرا مطبوعا محسنا نظم الشعر في صغره وهو بالمكتب وبرع فيه وفي الكتب ومن نظمه:

وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْــيَا عَلَى الحُرِّ حَاسِـدٌ يَكِيدُ وَيَنْــوِي جَاهِدًا أَنْ يُنَاوِيه
يَرَى أَنَّهُ مَا إِنْ يَعُدْ وَلاَ يَــــرَى مَسَــاوِيهِ حَتَّى أَنْ يَعُدَّ مَسَاوِيه
فَلاَ تَعْجَبُوا مِمَّنْ عَوَى خَلْفَ ذِي على لِكُلِّ عَلِيٍّ فِي الأَنَــامِ مُــــــعَاوِيَّـه”[54]

على الرغم من غياب أي تحليل نقدي لديه لمفهوم “الشاعر المطبوع”، واكتفائه بهذا الحكم الانطباعي، فإن هذا النص يثبت لنا وجود هذا المفهوم النقدي لدى نقاد بني مرين. بالإضافة إلى مفاهيم أخرى لها علاقة بمفهوم الطبع، ومنها: “جودة الطبع”، يقول ابن عبد الملك مترجما لأحمد بن عبد الله بن الحسن الأنصاري (تـ652هـ): “وشعره كثير في طريقة الزهد والحكم وما يشبه ذلك وينْعدُّ منه ولم يكن يسامح نفسه بالأخذ في نظم بيت نسيب فما فوقه وكان فيه جيد الطبع”[55]. لكن على الرغم من هذه الأحكام الانطباعية التي ترى الشعر “الجيد الطبع”، و”الشاعر المطبوع” دون أن تبرر ذلك أو تحلل هذه الأحكام، فإن السؤال المطروح: ماذا يقصد الناقد المريني بالشعر جيد الطبع والشاعر المطبوع؟

لقد طرح الناقد المريني هذا السؤال في معرض تأصيله للأدب عامة والشعر خاصة، فوجدناه ينظر إلى المسألة من ثلاث زوايا: الشعر طبع، والشعر صنعة، والشعر طبع وصنعة.

تساءل النقاد أنصار الطبع عن مصدره، فتباينت التفسيرات والإجابات؛ فقد ربطه ابن البناء المراكشي(تـ721هـ) بالبيان باعتباره ملكة ربانية، تجري في القول ودلالته، وفي الكلمة وسحرها، الشيء الذي يوحي إلى المصدر الإلهي للإبداع، يقول: “وعلى الجملة فصناعة البديع ترجع إلى صناعة القول ودلالته على المعنى المقصود، ومستندها علم البيان، وهو شيء يفيضه الحق من عنده على الأذهان ويشهد به العقل الصريح لاستفادة من إنسان، إنما يحصل من المخلوقين التنبيه على العلم الذي علَّمه الله خلقه. قال تعالى: ” الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ”[56]، وقال تعالى: “يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ”[57][58]. يرى هذا الناقد أن القول –من حيث هو بيان- إلهي المصدر، يمكن أن يكون في شكل إلهام، يتفاضل فيه الشعراء، يشرق لدى بعضهم ويغيب لدى آخرين.

وفي الصدد نفسه؛ يقول ابن عبد الملك المراكشي(تـ703هـ) بعد أن يعرض لمحاولات بعض الشعراء معارضة بيتي الحريري[59]:

سِمْ سِمَة تَحْسُنُ آثَــــــــــــــــــــــــــــــــــــــارُهَا وَاشْكُرْ لِمَنْ أَعْطَى وَلَوْ سِمْسِمَـه
وَالمَكْرُ مَهْـــمَا اسْطَعْتَ لاَ تَأْتِهِ لِتَقْتَنِي السُّؤْدَدَ وَالمَكـــــــــــــــــــــــــــــــــــــْرُمَـــــه

“فقد وضح بهذا كله أن الحريري هو الذي دان له الاختراع للبدائع والإنشاء، وأن براعة معْلمِه مُعْلِمَة أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، -ولله هو- فلقد نصحت إشارته وزجرت مناهضيه..”[60]، فهذا المترجم يرى –كذلك- أن الإبداع هو فضل من الله يؤتيه من يشاء، وينزعها ممن يشاء.

وفي اتجاه آخر؛ يسير خالد بن عيسى البلوي، حيث يرى أن مصدر القول الشعري هو الإلهام الذي ينبثق من المحيط، يقول: “قال (يقصد الأمير ابن يغمور) لي: أجز هذا البيت[61] فارتج عليَّ زمانا، إذ دخل نوتي من المركب فقال لبيك، فألهمني كلامه فقلت: (فأجاب القلب لبيك أنا..) فاستحسن ذلك ووصلني”[62]، يربط البلوي بين الإلهام ومحيط الشاعر، خلاف ما ذهب إليه المراكشيين: ابن عبد الملك وابن البناء في اعتبار المصدر الميتافزيقي الإلهي.

ويسير ابن الخطيب في الاتجاه نفسه، معتبرا أن مصدر الإبداع يكون من بيئة الشاعر، باعتبارها عاملا أساسيا في تكونه منذ الصغر، ولا سيما إذا كانت بيئة بدوية. يقول مترجما لأبي البقاء خالد بن عيسى البلوي (توفي قبل 780هـ): “فايز من الإبداع بكل مطلوب، ومستهل أسماع وقلوب، وفصيح بأدبه، وفي البداوة حسن غير مجلوب”[63].

إذا كان كل من ابن البناء والبلوي وابن الخطيب في نصوصهم السابقة حددوا مصدر الإبداع في نوعين: إما من مصدر ميتافيزيقي أو من بيئة الشاعر؛ فإن ابن الخطيب في نص آخر جعل مصدره معلَّقا غير محدد، يقول في ترجمة أبي عبد الله المكودي: “شاعر لا يتعاطى ميدانه، ومرعى بيان رقَّ غضاه وأينع سعدانه، يدعو الكلام فيهطع لداعيه، ويسعى في اجتلاب المعاني فتنجح مساعيه”[64]، لم يحدد هذا الدارس مصدر الكلام والمعاني ومن أين يُسْتدعى ويُسْتجلَب، لكننا نعرف أن الرجل يقرن الشعر بالسحر[65]، وهو ما يعني أن ثمة قوى خفية تجلب هذه المعاني وتستدعي هذا الكلام، يقول –مثلا- في جيش التوشيح مترجما لأبي بكر يحيى السرقسطي(تـ529هـ): “أفصح عن السحر في مقاله”[66].

لكن دعوة الكلام ليست دائما مجابة، كما أن تلك القوى الخفية لا تجود دائما على المرء، وإذا حصلت الإجابة فقد تختلف سرعة الإجابة من شاعر إلى آخر، يقول ابن عبد الملك المراكشي: “وقد تعاطى جماعة من الشعراء تذييل بيتي الحريري المذكورين[67] بما كان سكرتهم عنه أَصْوَن لافتضاحهم وأستر، وإخلادهم إلى الحضيض العجز عن مساماته في أوج إجادته أولى بهم وأجدر، فمن مطيل غير مطيب، ومجيب فكره في استدعاء ما ليس بمجيب”[68]، وأحيانا تكون الإجابة، لكنها إجابة لا ترضي الشاعر، لأنها لم تأت بالشعر الجيد، يقول ابن الخطيب مترجما  للشيخ أبي عبد الله بن ورد: “لودن حلبة الآداب، وسنور عبد الله بيع بقراط لما شاب، هام بوادي الشعر مع من هام، واستمطر منه الجمام، فجاء بأبيات أوهن من بيت العنكبوت نسجا، ومقاصد تبين قصدا ولا نهجا”[69].

يتضح من خلال هذه النصوص النقدية، أن النقاد ناقشوا قضية مصدر الإبداع الشعري، فكانت آراؤهم مختلفة ومتكاملة، ترى أنه إما أن يكون من مصدر إلهي، أو من إلهام توحي به ظروف البيئة، أو توحي به قوى خفية، وأن الشاعر يقوم باستدعاء هذا الإبداع من هذه المصادر، فتارة تكون له الإجابة، وفي أخرى تمتنع.

لقد شغلت قضية مصدر الإبداع الشعري النقاد والأدباء العرب القدماء، منذ العهد الجاهلي؛ فنسبوه إلى قوى خارجية مثل الشياطين والجن باعتبار ذلك إلهاما، وبالرجوع إلى التراثين الأدبي والنقدي العربيين، نجد أن مفهوم الإبداع الشعري ارتبط بدلالة الإلهام “بوصفه الحالة التي يكون فيها الفنان تحت تأثير ورود سيل من (الأفكار المجهولة المصدر)، يتلقاها دون جهد يذكر، ويعمد إلى إخراجها من حيّز الخفاء إلى العالم الخارجي، بوساطة أدواته التي يستخدمها”[70]، وأما في العصر الإسلامي، فقد تناول المتصوفة الإبداع من خلال إيمانهم بأن بعضا من تصرفاتها تُستمَد من مصدر إلهي، باعتبار ذلك منحة إلهية أو إشراق أو جبلة أو فطرة، يقول الإمام الغزالي(تـ505هـ): “وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري، غريزة وفطرة من الله وضعتا في جبلتي، لا باختياري وحيلتي، حتى انحلت عني رابطة التقليد”[71]، فالقول لدى هذا المتصوف هو فطرة مصدرها إلهي، لا يختارها هو بنفسه، الشيء الذي يجعله أبعد عن التقليد.

وهذا المصدر الإلهي للبلاغة والبيان، نجده –كذلك- لدى النقاد العرب القدماء، يقول أبو هلال العسكري(تـ395هـ): “أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة، وأول آلات البلاغة جودة القريحة وطلاقة اللسان. وذلك من فعل الله تعالى؛ لا بقدر العبد على اكتسابه لنفسه واجتلابه لها”[72].

ويسمي الجاحظ هذا المصدر الخفي بـ: “البديهة والارتجال”، يقول الجاحظ (تـ255هـ): “وكل شيء للعرب إنما هو بديهة وارتجال وكأنه إلهام، وليس معاناة أو مكابدة، ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام أو إلى رجز يوم الخصام، فتأتيه المعاني إرسالا، وتنثال عليه الألفاظ انثيالا”[73].

وبالرجوع إلى النقد اليوناني القديم، نجد أن قضية الإلهام قد شغلت نقاده؛ يرى أفلاطون (تـ347ق.م) أن الإبداع الأدبي إلهام إلهي، تفيض به الآلهة على الشعراء المطبوعين مثل هوميروس، يقول: “إني أرى ذلك يا أيون، وسوف أمضي لأفسر لك ما أتصور أنه علة ذلك فالموهبة التي تملكها، موهبة الحديث عن هوميروس بطريقة بارعة، ليست فنا، ولكنها كما قلت منذ هنيهة من الإلهام، فهناك قوة إلهية تحركك”[74]، ويتضح فهم هذا الفيلسوف اليوناني للإبداع باعتباره إلهاما تفيض به الآلهة على الشعراء ما قاله في محاورة فيدروس وسقراط:

  • “سقراط: ولكن ألم يحدث لك يا عزيزي فايدروس ما حدث لي من هذا الحال الإلهية؟
  • فيدروس: حقا يا سقراط، فلم نعتد أن نراك مأخوذا بهذا الفيض من البلاغة.
  • س: فلتنصت لي وتصمت، إذ يبدو لي أن المكان ممتلئ بروح إلهي، ولا تعجب إذا رأيتني قد أخذت بسحر الحوريات كلما تقدمت في الحديث فالواقع أن ما أقوله ليس إلا شعراء “ديثورامبيا”.
  • ف: ما أصدق قولك؟
  • س: ألا تدري أنك المسؤول عن ذلك؟ ولكن لتستمع إلى ما يلي: فإن من المحتمل أن تفلت مني تلك الحال التي أشعر بقدومها فهو يأتي بأمر من عند الإله، أما ما يجب علينا الآن فهو أن نعود إلى الحديث الموجه إلى الفتى”[75].

خلاصة القول: إن الناقد المريني يقسم مصادر الإبداع الأدبي إلى ثلاثة أنواع:

  • المصدر الإلهي أو الميتافيزيقي؛ متأثرا بجهود من سبقه من عرب وعجم، لكنهم تجاوزوا الفهم اليوناني والصوفي لمفهوم “الإلهي”، وربطوا الإبداع بالبيان الإلهي، فأصبح لديهم ذلك المصدر الخرافي: من شياطين وآلهة وكل ما هو غيبي؛ مصدرا ربانيا مرتبطا باللغة وإعجازها.
  • المصدر الواقعي؛ يتمثل في محيطه؛ وهو فهم شائع لدى العرب وغيرهم.
  • المصدر المجهول؛ متأثرا بأسلافه العرب.

وعلى الرغم من تعدد هذه المصادر، تبقى موهبة المبدع هي الأساس الذي يتفاضل فيه المبدعون، وتفسر التفوق والتميز لديهم. وقد كان لبعض النقاد المرينيين وقفة عند مسألة “الموهبة”:

لم يفسر ابن عبد الملك المراكشي ما الذي جعله يرى أن ابن زهر الطبيب (تـ591هـ) يتفوق على أقرانه في قول الشعر، واكتفى بالقول: “كان بارع النظام فائق التوليد والاختراع، بّذ أهل زمانه في النظم الذي اختص أهل الأندلس باختراعه المعروف بالترشيح، لا يقاومه أحد من أهل الأندلس في ذلك كله عندهم”[76]، فهذا التميز الذي جعل ابن زهر يفوق أهل زمانه من الأندلسيين في الشعر، لا يعود إلى براعة النظم أو جودة التوليد والاختراع فحسب، لأن ذلك مُتاح أمام أقرانه، وعلم مشاع بين أهل زمانه، ولكن يتعلق الأمر بالموهبة الفنية التي تمكنه من التوسل بهذه الأساليب، لخلق ذلك التميز والتفوق، وتجعله لا يُقاوم ولا يُجارى.

وفي سبيل تفسير هذه الظاهرة (الموهبة)، جعل ابن الخطيب الموهبة الفنية إرثا يرثه الشاعر عن أسلافه، ووضح ما أشكل على ابن عبد الملك في عرضه لشاعرية ابن زهر، فوجد أن الموهبة لديه متأصلة عن أسلافه من الشعراء المبدعين، يقول في ترجمته: “بدر أشرق منتهاه. وراقت في المجد التليد سيماه، وتبوأ من السؤدد أجل محل وأسماه. وأبدع في التوشيح وأغرب، وسهل السنين إلى المعارف وقرب. فجاء توشيحه يرف رونقه ويشف ألقه مع سهم في الطلب وافر. وطبع فيه غير متنافر، لسلفه السابقة التي لا ينكر إبداعها وإعجازها. وجده أبو العلا اختص بالدولة اليوسفية وانفرد فيها بطب ملكها، حتى اشتهر لذلك بتملكها، فأعلت مجلسه وأدنته. واقتطعته ما شاء من الرفعة واستنته”[77]، بل ويرى هذا الدارس، أن الشاعر –أحيانا- قد يفوق أسلافه في الإبداع، فتكون الموهبة عنده أقوى وألمع؛ يقول مترجما للوزير الكاتب أبي عبد الله ابن الوزير الحكيم ذي المعارف أبي الفضل ابن شرف: “أي حبر متفلسف، مهتد في طرق البديع غير متعسف، له حكم خوالد، وأمثال شوارد، بارع الشعر مفلق، طالع في أفق الإجادة متألق، وله فيه، مقدمة من أبيه، جرى على سنته واستن سنته، وقد فضل على أبيه طبعا، قصد بشعره المتقدمين من الملوك …”[78]. لكننا وبعقب هذه الأفكار التي تربط الموهبة الفنية بالبعد الوراثي، نتساءل عن مدى وجاهة هذا الربط تاريخئذ؟

بالرجوع إلى نص نقدي للشريف السبتي، نجده يخالف ابن الخطيب في فهمه، فقد نفى أي ربط بين الموهبة والوراثة، يروي لنا هذا الشارح حكاية تنفي صحة هذا الربط بقوله: “لما ولي طاهر بن عبد الله بن طاهر خرسان، جعل الشعراء يهنئونه وفيهم تمام بن أبي تمام فانشده:

هنّـَـــــــــــــــــــــــــاك رَبُّ النَّاسِ هَنَّــــــاكَا، مَا مِنْ جَزِيلِ المُلْكِ أَعْطَـــاكَا
قَرَّتْ بما أُعْطِيتَ، يَا ذَا الحِـــجَا وَالْبَأْسِ وَالإِنْعَامِ عَيْـــــــــــــــــــــنَـــــاكَا
أَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِــــــــــــــــــــــمــَا نِلْتَـــــهُ، وَأَوْرَاقَ الْعُودُ بِجــــــــــــــــــــــــــــــَدْوَاكَـــــا

فاستضعفت الجماعة شعره وقالوا: يا بعد ما بينه وبين أبيه! فقال طاهر لبعض الشعراء أجبه، فقال:

حَيَّـــاكَ رَبُّ النَّاسِ حَيَّــاكَا، إِنَّ الـــذي أَمَّلْتَ أَخْطَـــاكَا

فقال تمام، أعز الله الأمير، إن الشعر بالشعر ربا، فاجعل بينهما رضخا من الدراهم حتى يحل لي ولك. فضحك وقال: إلاَّ يكن معه شعر أبيه فمعه ظرف أبيه، أعطوه ثلاثة آلاف درهم”[79].

اختلف نقاد بني مرين –من خلال هذه النصوص- في قضية ربط الموهبة بالوراثة[80]، وانقسموا  -في ذلك- إلى فئتين على الأقل: مجموعة تعتبر أن العامل الوراثي مساعد على تفجر الموهبة الفنية، ومجموعة أخرى ترى أن لا دخل لهذا العامل فيها.

وبالرجوع إلى النقد القديم، نجده تطرق إلى قضية الموهبة الفنية باعتبارها “قوة الطبع التي يحظى بها الشاعر، والعبقرية التي يلازمها الإبداع”[81]، فهذا بشر بن المعتمر يقول: “إذا لم تتعاط قرض الشعر الموزون، ولم تتكلف اختيار الكلام المنثور، لم يعبك بترك ذلك أحد؛ فإن أنت تكلفتها ولم تكن حاذقا مطبوعا، ولا محكما لشأنك، بصيرا بما عليك ولك؛ عابك من أنت أقل منه عيبا، ورأى من هو دونك أنه فوقك. فإن أنت ابتليت بأن تتكلف القول وتتعاطى الصنعة، ولم تسمح لك الطباع؛ فلا تعجل، ولا تضجر، ودعه بياض يومك أو سواد ليلك، وعاوده عند نشاطك وفراغ بالك؛ فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة إن كانت هناك طبيعة، أو جريت في الصناعة على عِرْقٍ، فإن تمنَّع عليك بعد ذلك من غير حادث شغل، ومن غير طول إهمال؛ فالمنزلة الثالثة أن تتحول عن هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك”[82]، فهذا الناقد يرى أن الموهبة الفنية ضرورية للشاعر في قول الشعر، وإذا افتقر إليها فلا سبيل له إلى الشعر، وإن أراد تكلف ذلك فلا بأس، لكن إذا حاول ولم تسمح له الطباع، وحاول مرة أخرى مع كل الظروف المساعدة على القول، ولم يفلح، فالأفضل له أن يتركه. وهذا الرأي أورده ابن رشيق القيرواني في عمدته، وكأنه يتبناه.

وبمقارنة جهود نقاد بني مرين بما لدى النقاد العرب القدماء، نجدهم درسوا هذه المسألة بعمق أكبر، وذلك من خلال تناولهم للموضوع في علاقته بالعامل الوراثي.

وأما في التراث النقدي الغربي، فنجد أن أفلاطون يقر “لأيون” بالموهبة، ويربطها بالإلهام، فهي فيض إلهي يشرق على الشعراء، يقول: “إني أرى ذلك يا أيون، وسوف أمضي لأفسر لك ما أتصور أنه علة ذلك، فالموهبة التي يملكها، موهبة الحديث عن هوميروس بطريقة بارعة، ليست فنا، ولكنها كما قلت منذ هنيهة من الإلهام، فهناك قوة إلهية تحركك”[83]، وأما أرسطو فإنه يرى أن الموهبة تكون فطرة، لكنها مدعومة بالدربة والصناعة، فهوميروس هو شاعر موهوب لديه، يقول عنه: “ولكن هوميروس يبدو هنا –كما امتاز في سائر الأمور- صائب النظر إما صناعة أو فطرة”[84]. وتبقى أفكار أفلاطون أقرب إلى ما ذهب إليه بعض النقاد المرينيين، فيما يتعلق بربط الموهبة بالإلهام الإلهي.

إذا كان هؤلاء النقاد المرينيون يرون أن الإبداع الأدبي هو طبع، فإن آراء أخرى لهم ولغيرهم تراه صناعة مثل باقي الصناعات. فما المقصود بالصناعة في الإبداع الأدبي؟ وكيف وظف الناقد المريني هذا المصطلح؟ وكيف تلقاه؟

  1. الإبداع الأدبي صناعة؛

ربط العبدري بين مصطلحات: الصناعة والتصنع والتكلف، فالصناعة إذا داخلها التكلف أصبحت –لديه- تصنعا. يقول معلقا على القصيدة الشقراطية[85]: “قلت: أبدع هذا الناظم –رحمه الله- فيما نظم، وشرَّفَ هذه القصيدة بقصده الجميل وعظَّمَ، فراقت معنى ومنظرا، وشاقت حِسًّا ومخبرا، فهي كما وصفها أبو عبد الله المصري حين قال: يئست من معارضتها الأطماع، وانعقد على تفضيلها الإجماع، فطبقت أرجاء الأرض، وأشرقت منها في الطول والعرض. على أنه –رحمه الله- قد أكثر فيها لأجل الصناعة التصنُّع، وتكلف منها ما هو بعيد المرام شديد التمنع. واعترض في كل معنى عرض، وربما أغرق النَّزع فخالف الغرض”[86]، فإذا كان الشقراطيسي (تـ466هـ) قد رام الصناعة الشعرية بغرض الجودة، فقد سقط في التصنع والتكلف، وإذا “تدَخَّل (التصنع) فسدت الموهبة واهتزت الصناعة. لذلك فالعبدري يميز بشدة بين (التصنع) و(الصناعة) باعتبار الأول تمحلا يسيء، والثاني مطلبا يحسن للنفس والشعر معا. والمصطلحان وإن كانا يرجعان إلى أصل واحد في الاشتقاق إلا أنهما عند التوظيف داخل شبكة اللغة الإبداعية، يتبرأ أحدهما من الآخر عند العبدري الشاعر، لهذا فالصناعة تقنية ونظام مطلوب لكن إذا تجاوز بها صاحبها حدودها إلى الخروج عن قابلية النفس والذوق، والصدور عن العفوية والطبع، أضحت تصنعا ممقوتا لأنه يسيء إلى الطبع نفسا وإلى الفن شعرا، وإلى النقد مقوما يحمي الشعر من تطاول الشاعر على طبيعته الفنية فيحترم الشعر ويبالغ في صياغته فيخرج إلى التمحل”[87]، والفرق بين التصنع والتكلف “أن الأول يرتبط بالتقنية فهو يخنق المعنى الشعري ويعقد الصورة الفنية بالمبالغة في توظيف الأصباغ والألوان والصور التي تصدم الحس بدلالتها، بينما الثاني –التكلف- يرتبط بالنفس فيتجاوز الطبع وشفافية اللغة وقطف الصور والأخيلة بدون افتعال، وبسهولة وسلاسة وانفتاح لغوي مضيء”[88].

وإذا كان اهتمام العبدري أكبر بمصطلحي التصنع والتكلف؛ فإن ابن خلدون اهتم بمصطلح الصناعة، وعرفها بقوله: “هي ملكة في أمر عملي فكري وبكونه عمليا هو جسماني محسوس. والأحوال الجسمانية المحسوسة فنقلها بالمباشرة أَوْعَبُ لها وأكمل، لأن المباشرة في الأحوال الجسمانية المحسوسة أتم فائدة والملكة صفة راسخة تحصل عن استعمال ذلك الفعل وتكرُّره مرَّة بعد أخرى حتى ترسخ صورته. وعلى نسبة الأصل تكون الملكة. ونقل المعاينة أوعب وأتم من نقل الخبر والعلم. فالملكة الحاصلة عن الخبر. وعلى قدر جودة التعليم وملكة التعلم يكون حذق المتعلم في الصناعة وحصول ملكته”[89]، يربط هنا بين الصناعة والملكة الحاصلة على تكرار استعمال الفعل، ويفرق في الصنائع بين ثلاثة أنواع بقوله: “وتنقسم الصنائع أيضا إلى ما يختَصُّ بأمر المعاش ضروريا كان أو غير ضروري وإلى ما يختص بالأفكار التي هي خاصية الإنسان من العلوم والصنائع والسياسة. ومن الأول الحياكة والجزارة والنجارة والحدادة وأمثالها. ومن الثاني الوراقة وهي معاناة الكتب بالانتساخ والتجليد والغناء والشعر وتعليم العلم وأمثال ذلك. ومن الثالث الجندية وأمثالها”[90]، ووفقا لهذا التصنيف نجده –في فصل دراسة صنعة الشعر- يقارن هذه الصناعة بباقي الصنائع، وهو بهذا يعتبر أن صناعة الشعر هي صناعة مثل باقي الصنائع، تحتاج إلى الملكة والفطرة، وتتحسن بالدربة والتعليم والممارسة، وكأنه ينحو نحو القول بتكامل الطبع والصنعة.

مما سبق؛ يبدو أن الوعي النظري بهذه المصطلحات واضح لدى كل من العبدري وابن خلدون، وهو وعي ينعكس لدى العديد من النقاد المرينيين في تحليلهم للنصوص الشعري، فوجدوا أن الشعراء كانوا يتخيرون الأساليب التي تجوِّد إبداعه، من خلال اطلاعه على تراثهم الأدبي ومصادره، الشيء الذي يساعدهم على اكتساب طرق القول، ومعرفة الأساليب:

يرى ابن خلدون أن عمدة ابن رشيق من أهم هذه المصادر، يقول: “وبالجملة فهذه الصناعة وتعلُّمها مستوفى في كتاب العمدة لابن رشيق وقد ذكرنا منها ما حضرنا بحسب الجهد ومن أراد استيفاء ذلك فعليه بذلك الكتاب ففيه البُغْيَة من ذلك”[91]، فلن يتأتى ضبط قوانين الصناعة الشعرية إلا بالأخذ بأسباب الثقافة، والإلمام بالعلوم، دون أن يعني ذلك أن تصبح القصيدة قطعة علمية، يقول: “الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارها والأخذ من كل علم بطرف يريدون من علوم اللسان أو العلوم الشرعية من حيث متونها فقط وهي القرآن والحديث إذ لا مدخل لغير ذلك من العلوم في كلام العرب إلا ما ذهب إليه المتأخرون عند كلفهم بصناعة البديع من التورية في أشعارهم وترسُّلهم بالاصطلاحات العلمية فاحتاج صاحب هذا الفن حينئذ إلى معرفة اصطلاحات العلوم ليكون قائما على فهمها”[92].

ويوصي ابن الأحمر (تـ807هـ) الشعراء بتعلم علم البديع، واللغة العربية، والعروض، وعلم القوافي، وعلم البيان، حتى يتمكنوا من زمام راية الأدب، يقول: “فلنشرع في بعض ما يتعلق به (يقصد الشعر) من علم البديع؛ من تجنيس وترصيع وغير ذلك مما يندرج تحته. فمن ملك زمام ذلك فهو المقدم لحمل راية الأدب، ومن كان خليا منه فباعه في الإجادة لا محالة قصير، إذ لم يتمتع من ذلك بقليل ولا كثير. ولا بد للشاعر من معرفة اللغة العربية، فإن كان قاصرا عنهما كان شعره دون من يكون بها عالما لا محالة …ولا بد من معرفة العروض، وعلم القوافي… ولا بد أيضا للشاعر من معرفته (يقصد البيان)، وهو أربعة أشياء: الكناية والاستعارة والتمثيل والإشارة”[93]. فهذه العلوم ضرورية للشاعر الذي يروم الصناعة الشعرية.

ويمكن التفريق بين شاعرين؛ أحدهما متمكن من العلوم والمعارف، والآخر لم ينل منها حظا، فهذا ابن عبد الملك المراكشي (تـ703هـ) بعد اطلاعه على شعر ابن عميرة (تـ658هـ) يجد أن صاحبه متضلع من العلوم، متمكن منها، يقول: “وكان يملح كلامه نظما ونثرا بالإشارة إلى التواريخ ويودعه إلماعات بمسائل علمية منوعة المقاصد تشهد بتمكنه في المعارف على تفاريقها كقوله وهو مما استفتح به مخاطبه:

يَا غَائِبًا سَلَبَتْـــنِي الأنسَ غيبتُه فَكَيْفَ صَبْرِي وَقَدْ كَابَدْتُ بَيْنَهُمَا”[94]

وبعد أن يقف هؤلاء الدارسون على بعض مظاهر الصناعة لدى الأدباء، يقترحون آليات تساعد على تجويد الإبداع، ومنها: الاهتمام بالقافية، وحسن توظيف الأساليب البلاغية، وحفظ أشعار القدماء والسير على منوالها:

  • ولما كانت القافية من أهم أركان الشعر؛ وجدنا أن النقاد أوصوا بحسن صناعتها، حتى يكون الشعر جيدا، بل ويرى كل من ابن البناء المراكشي وابن خلدون أن حسن صناعة البيت الشعري تكون في صناعة القافية، يقول المراكشي: “لأن الصنعة إنما هي في القافية لا في حشو البيت”[95]، ويضيف ابن خلدون في الصدد نفسه: “وليكن بناء البيت على القافية من أول صوغه ونسجه بعضا ويبني الكلام عليها إلى آخره لأنه إن غفل عن بناء البيت على القافية صَعُب عليه وضعها في محَلِّها فربما تجيء نافرة قلقة”[96].
  • كما ألح الناقد المريني على حسن استعمال الأساليب البلاغية، واختيار ما يناسب المقام منها، فهذا الشريف السبتي يثني على حازم لحسن استعماله لأسلوب التضمين، من خلال تضمينه لقصيدة امرئ القيس، يقول: “وقد أحسن أبو الحسن حازم في تضمينه جميع قصيد امرئ القيس، وصرف معانيها إلى مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن أبدع ما له فيها قوله:
نَبِيُّ هُدًى، قَدْ قَـــالَ لِلْكُفْرِ نُورُهُ “أَلاَ أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلاَ انْجَلِـي”
تَلاَ سُوَرًا مَا قَوْلُهَا بِمُعَـــــــــــــــــــــــــــارِضٍ “إِذَا هِيَ نَصَّتْهُ وَلاَ بِمُعــَـــــــــــــــــــــــــطَّـــلِ”

وهذا البيت وما بعده نهاية في حسن التضمين لأنه صرف البيت عن المعنى الذي أراد امرؤ القيس إلى معنى آخر شريف، فحاز قصب السبق في هذا الباب”[97]، ويرى السجلماسي أن الناقد العربي كان يدعو المبدع إلى حسن استخدام الأساليب البلاغية، حتى يكون شعره في أحسن صناعة وأجودها، ويروي في منزعه حكاية المتنبي مع أحد النقاد الذي عاب عليه إساءته استخدام أسلوب التناسب، يقول: “حُكِيَ أنه لما أنشد الطيب المتنبي سيف الدولة قصيدته الميمية التي أولها:

عَلَى قَدْرِ أَهْلِ العَزْمِ  تَأْتِي العَـزَائِمُ (وَتَأْتِي عَلَى قَدْرِ الكِرَامِ المَكَارِمُ)

وقد غص المجلس بالعلماء والشعراء والأدباء وجهابذة النقد، فلما أتى على آخرها استحسنها الحاضرون جميعا، فقال أحدهم: “إنها لحسنة لولا أن فيها شيئا” قال سيف الدول: “وما ذلك الشيء؟” قال: “إنه لما قال فيها:

وَقَفْتَ وَمَا فِي المَوْتِ شَكٌّ لِـوَاقِفٍ كَأَنَّكَ فِي جَفْنِ الرَّدَى وَهْوَ نَـائِمٌ
تَمُرُّ بِكَ الأَبْطَالُ كَلْمَــــــــــــــــــى هَزِيمَـــةً وَوَجْهُكَ وَضَّاحٌ وَثَغْرُكَ بَـــــــــــــــــاسِــمٌ

ولو ركب عجز البيت الأول على صدر الثاني، وعجز الثاني على صدر الأول لكان أحسن في صناعة الشعر”[98]، ويرى هذا الناقد كذلك أن إيراد مطابقات كثيرة في بيت شعري واحد دليل على قوة الشاعر، يقول: “وأهل هذه الصناعة يعدون إيراد مطابقات كثيرة في البيت الواحد من التبريز وفرط المقدرة”[99].

  • يرى ابن خلدون أن ثقافة الشاعر لا تقتصر –فقط- على اكتساب العلوم، ولكن كذلك تتمثل في حفظ أشعار العرب القدماء وروايتها، وأعتبر ذلك من أول شروط إحكام الصناعة، يقول: “واعلم أن لعمل الشعر وإحكام صناعته شروطا أولها الحفظ من جنسه أي من جنس شعر العرب حتى تنشأ في النفس ملكة ينسج على منوالها ويُتَخَيَّر المحفوظ من الحر النقي الكثير الأساليب، وهذا المحفوظ المختار أقل ما يكفي فيه شعر شاعر من الفحول الإسلاميين مثل ابن أبي ربيعة وكثيِّر وذي الرمة وجرير وأبي نواس وحبيب والبحتري والرضي وأبي فراس (…) والمختار من شعر الجاهلية ومن كان خاليا من المحفوظ فمن قلَّ حفظه أو عُدِم لم يكن له شعر وإنما هو نظم ساقط واجتناب الشعر أولى بمن لم يكن له محفوظ ثم بعد الامتلاء من الحفظ وشحذ القريحة للنسج على المنوال يقبل على النظم وبالإكثار منه تستحكم ملكاته وتَرْسَخ وربما يقال إن من شرطه نسيان ذلك المحفوظ لتمحى رسومه الحرفية الظاهرة إذ هي صادرة عن استعمالها بعينها فإذا نسيها وقد تكيفت النفس بها انْتُقِشَ الأسلوب فيها كأنه منوال يؤْخذ بالنَّسج عليه بأمثالها من كلمات أخرى ضرورة”[100]، يشرح ابن خلدون هنا ضرورة حفظ الأديب لأدب من سبقه في الجنس الذي يروم الكتابة فيه، حتى تنشأ لديه ملكة الكتابة، ثم يحدد شروطا للمحفوظ المختار بأن يكون من الحر النقي الكثير الأساليب، وأن يكون للفحول من الشعراء (في حالة الشعر) من الإسلاميين والجاهليين. ويرى كذلك أن ملكة الكتابة تبدأ بعملية الحفظ، ثم يليها النظم، إلا أنه يشترط أن ينسى الشاعر ما حفظه حتى لا يكون مقلدا لمن سبقوه، وأن يسعى فقط لتنمية ذوقه وفق خصائص شعرهم وسماته الفنية والجمالية، وبذلك يصقل موهبته الفنية. لأن هذا النسيان من شأنه أن يحقق له “شيئين متلازمين، وهما: أولا ترسيخ فكرة المنوال والمثال الأعلى للشعر الجيد في ذهن المبدع. ثانيا تمكين المبدع من اكتساب أسلوب خاص به ضمن مجموعة من الأساليب الممكنة ووفق المعيار والإطار العام الذي رسمه الشعراء والنقاد الأوائل والذي لا ينبغي تجاوزه والخروج عليه”[101].

من خلال ما سلف: يرى الناقد المريني أن من شروط قوة الصناعة الشعرية؛ الاستعانة بالمصادر التي تُنظِّر للأساليب البلاغية، والاطلاع على العلوم المساعدة على الإبداع، بل ويدعو إلى حسن توظيف هذه الأساليب، لأن ذلك دليل على نبوغ الشاعر وقدرته على الإجادة. وهذه الأفكار المتعلقة بقضية الصنعة لدى النقاد المرينيين مستمدة من التراث الأدبي والنقدي العربي:

  • إن الارتباط بين التصنع والتكلف من الارتباطات الموجودة في التراث النقدي الأدبي العربي القديم، فقد آخذ القاضي الجرجاني (تـ366هـ) في وساطته على أبي تمام (تـ231هـ) تكلفه في شعره. ومفارقته الطبع، وتكلفه هذا ناتج عن مبالغته في الصناعة اقتداء بالأوائل، يقول: “فإن رام أحدهم الإغراب والاقتداء بمن مضى من القدماء لم يتمكن من بعض ما يرومه إلا بأشد تكلف، وأتم تصنع؛ ومع التكلف المقت، وللنفس عن التصنع نُفرة، وفي مفارقة الطبع قلة الحلاوة وذهاب الرونق، وأخلاق الديباجة (…) وربما كان ذلك سببا لطمس المحاسن؛ كالذي نجده كثيرا في شعر أبي تمام، فإنه حاول من بين المحدثين الاقتداء بالأوائل في كثير من ألفاظه، فحصل منه على توعير اللفظ، فقبح في غير موضع من شعره، فقال:
فَكَأَنَّمَا هِيَ فِي السَّمَاعِ جَنَـــادِلٌ وَكَأَنَّمَا هِيَ فِي القُلُـوبِ كَوَاكِبُ”[102]

فأبو تمام قام بتقليد الأوائل في التقنية، لكنه لم يستطع ذلك إلا بتكلف شديد، فجاء شعره  -كما يرى الجرجاني- ممقوتا قليل الحلاوة، ويرى أن التصنع ركب لغته التي جاءت رديئة، وعرة الألفاظ، قبيحة المعاني، وهذه الأفكار وجدنا لها صدى لدى العبدري، فكلاهما يرى أن الصنعة الشعرية يركبها التصنع والتكلف حينما يسعى الشاعر إلى القول في طبقة أعلى منه، تاركا طبعه، محاولا تقليد من هو أشعر منه، والفرق بينهما أن العبدري يرى أن هذا التصنع يكون متى تكلف الشاعر الاقتداء بمن هو أشعر منه؛ دون تحديد سواء كان سابقا أو لاحقا أو معاصرا، في حين أن القاضي الجرجاني كان أكثر تدقيقا في اعتبار التصنع ينتج عن تقليد الأوائل بالضرورة، وليس المحدثين، وكأنه يقر أن الأوائل أكثر تقدما في قول الشعر من المحدثين.

  • إن تعريف ابن خلدون للصناعة هو تفسير وتدقيق وتوسيع لتعريف الفارابي (تـ337هـ) لها، إذ يقول: “الصناعات كلها هيآت وملكات واستعدادات، وليس هي خلوا من نطق، وأعني بالنطق العقل الخاص بالإنسان”[103]. فالصناعة لدى الفارابي ملكة واستعداد فطري في الإنسان، تتطور وتتحسن بالدربة والاحتكاك باستخدام العقل الإنساني، وهو بهذا يوافق ابن خلدون على أن الصناعة ملكة وفطرة، تتطور بالتعليم والثقافة.
  • يؤكد بعض النقاد العرب القدماء على أهمية الثقافة في تجويد صنعة الشعر، وأن الطبع غير كاف. يقول ابن طباطبا العلوي (تـ322هـ) في عياره: “وللشعر أدوات يجب إعدادها قبل مراسه وتكلف نظمه. فمن تعصَّت عليه أداة من أدواته، لم يكمل له ما يتكلفه منه، وبان الخلل فيما ينظمه، ولحقته العيوب من كل جهة. فمنها: التوسع في علم اللغة، والبراعة في فهم الإعراب، والرواية لفنون الآداب، والمعرفة بأيام الناس وأنسابهم، ومناقبهم ومثالبهم، والوقوف على مذاهب العرب في تأسيس الشعر”[104]، فهذه الأدوات تسعى لجعل الشعر خاليا من العيوب، متسلقا أعلى مدارج الجودة والإتقان. وذهب ابن الأثير (تـ639هـ) أكثر من ذلك، حين اعتبر أن كل واحد يمكن أن ننسبه للعلم الذي يتقنه: النحوي، والعروضي…إلخ، إلا الكاتب فإنه لا يجوز نسبه إلى أي علم، لأنه مطالب باكتساب كل هذه العلوم. وفي الوقت نفسه يعود ويقول إن هذه الآلات مهما كثرت لدى المبدع فإنها لا تغني عن الطبع الجيد، يقول: “اعلم أن صناعة تأليف الكلام من المنظوم والمنثور تفتقر إلى آلات كثيرة. وقد قيل: ينبغي للكاتب أن يتعلق بكل علم، حتى قيل: كل ذي علم يسوغ له أن ينسب نفسه إليه، فيقول فلان النحوي، وفلان الفقيه، وفلان المتكلم، ولا يسوغ له أن ينسب نفسه إلى الكتابة، فيقال: فلان الكاتب. وذلك لما يفتقر إليه من الخوض في كل فن. وملاك هذا كله الطبع، فإنه إذا لم يكن ثمَ طبع فإنه لا تغني تلك الآلات شيئا”[105]. ويؤكد ابن رشيق في عمدته هذا التوجه الرامي إلى دعوة المبدع للأخذ بكل العلوم: “والشاعر مأخوذ بكل علم، مطلوب بكل مكرمة؛ لاتساع الشعر واحتماله كلَّ ما حمل: من نحو، ولغة، وفقه، وخبر، وحساب، وفريضة، واحتياج أكثر هذه العلوم إلى شهادته، وهو مكتف بذاته، مستغن عما سواه، ولأنه قيد للأخبار، وتجديد الآثار”[106]؛ ويعكس حازم فكرة ابن الأثير التي تؤكد على أهمية الصناعة من خلال توظيف الأساليب البلاغية، إلى جانب ضرورة وجود الطبع الجيد، بقوله: وظنه أنه لا تحتاج في الشعر إلى أكثر من الطبع، وبنيته على أن كل كلام مقفى موزون شعر، جهالة منه: أن الطباع قد تداخلتها من الاختلال والفساد أضعاف ما تداخل الألسنة من اللحن؛ فهي تستجيد الغث وتستغث الجيد من الكلام ما لم تقمع يردّها إلى اعتبار الكلام بالقوانين البلاغية، فيعلم بذلك ما يحسن وما لا يحسن”[107].
  • تناول النقد الأدبي العربي القديم قضية الحفظ والرواية، واعتبرها -كذلك- من شروط حسن صناعة الشعر، فقد سئل رؤبة بن العجاج(تـ145هـ) “عن الفحل من الشعراء، فقال: الراوية، يريد أنه إذا روى استفحل”[108]، وقال يونس بن حبيب (تـ182هـ): “وإنما ذلك (يقصد رواية الشعر) لأنه يجمع إلى جيد شعره معرفة جيد غيره، فلا يحمل نفسه إلا على بصيرة”[109]، وقال الأصمعي (تـ216هـ): “لا يصير الشاعر في قريض الشعر فحلا حتى يروي أشعار العرب، ويسمع الأخبار، ويعرف المعاني، وتدور في مسامعه الألفاظ”[110]، ويرى حازم القرطاجني أن حفظ الأشعار هو مهيِّئ من مهيَّئات قول الشعر، يقول: “والمهيِّء الثاني موجّه إياه لحفظ الكلام الفصيح وتحصيل المواد اللفظية والمعرفة بإقامة الأوزان”[111]. فالحفظ والرواية لدى رؤبة والأصمعي وحازم شرطان من شروط الفحولة في الشعر والإجادة في النثر كما وجدنا ذلك لدى ابن خلدون.
  • تناول كل من الجاحظ وابن رشيق –كذلك- مسألة نسيان المحفوظ قبل ابن خلدون، يقول الأول: “إذا صارت في الصدور (يقصد المحفوظات) عمَّرتها وأصلحتها من الفساد القديم فتحت للسان باب البلاغة ودلت الأقلام على مدافن الألفاظ وأشارت إلى حسان المعاني”[112]، فالأشعار عندما تحفظ لا تنسى كلية، ولكن يبقى منها في الصدر ما يدل على الألفاظ الجليلة، والمعاني الجزيلة. وفي هذا المعنى يقول ابن رشيق: “وليأخذ نفسه بحفظ الشعر والخبر، ومعرفة النسب والأيام؛ ليستعمل بعض ذلك فيما يريده من ذكر الآثار، وضرب الأمثال، وليعلق بنفسه بعض أنفاسهم ويقوى بقوة طباعهم”[113]، يبدو أن ابن رشيق توسع في هذه المسألة حتى شمل المحفوظ لديه بالإضافة إلى إبداع السابقين، حفظ الأخبار والآثار والأنساب والعلوم.

الإبداع الأدبي بين الذاتية والموضوعية

إذا كانت قضية الإبداع الأدبي قد أثارت مسألة الطبع والصنعة، ولم تكن الآراء موحدة فيها سواء لدى النقاد المرينيين أو لدى النقاد القدماء، فإن هذه القضية أثارت –كذلك- مسألة: الذاتية والموضوعية في الإبداع الأدبي، وهي مسألة طُرحت منذ القديم ولازالت تطرح حتى يومنا هذا في مباحث النقد الأدبي الحديث، وإن أخذت مسميات أخرى أحيانا مثل: “الحقيقة العلمية والحقيقة الفنية”[114] وغيرها.

يأخذ كل من العلم والفن على عاتقه مهمة “تفسير الوجود ومحاولة إدراك حقائقه وتفهم أسراره، فإن العلم يتخذ لهذه المهمة وسائله المعروفة التي لا تعتمد ما في الإنسان من تباين وفردية، وإنما تعتمد على ما لديه من أدلة موضوعية وبراهين يختبر بها صحة الافتراضات أو خطئها. كما أن المعرفة العلمية سبيلها العقل، ونحن ندرك الحقائق العلمية إما بإحدى الحواس الظاهرة أو باستدلال عقلي يسير في خطوات ينتقل من المقدمات إلى النتائج ويستعان فيه بالبرهان والدليل. أما المعرفة الفنية أو إدراك الفنان للحقائق، وتفهمه للأسرار، ومحاولة تفسيره للوجود، فيتم بطريقة أخرى لا يكتفي فيها بالاستدلال العقلي أو الاستعانة بالحواس الظاهرة وإنما عن طريق الحدس الذي ينكشف فيه الحجاب بين الذات المدركة والموضوع المدرك”[115].

إن مسألة “الذاتية والموضوعية” و”مسألة العلم والفن” تخرجان من مشكاة واحدة، أو هما حلقتان في سلسلة تطور هذه القضية، فقد ابتدأ النقد الأدبي القديم بوجود نقاد ذاتيين؛ يطرحون آراء نقدية دون أن تكون لديهم القدرة على تبريرها فيما سمي “بالنقد الذوقي”، ثم بعد ذلك تسلحوا بآليات نقدية مكنتهم من نقد موضوعي. ويرى بعض الدارسين أن جمهور “نقاد العرب موضوعيون يرون للجمال صفات حقيقية فيه، وهم في أحكامهم عليه، يبنون هذه الأحكام على ما يعرفونه من تلك الصفات، ويجتهدون في الكشف عن أسباب الجمال إن أدركوا الجمال بأذواقهم، ولم يكونوا قد وصلوا إلى الكشف عن أسبابه”[116]، وهذه الموضوعية في الأحكام النقدية لدى العرب “هي التي كان لها أثرها في نشأة علوم البلاغة”[117].

وفي النقد الأدبي على العهد المريني؛ تناول نقاده هذه المسألة من خلال مجموعة من المصطلحات التي جاءت موزعة في ثنايا مصنفاتهم، وهي مصطلحات توحي إما بذاتية[118] الأدب أو موضوعيته، ومن أهمها: الذوق، واللذة، والعقل، وما شاكلها.

  • الذوق؛

خصص ابن خلدون فصلا كاملا[119] لتناول مسألة “الذوق”، بين الذاتية والموضوعية في عملية الإبداع، وعرفها بـ: “حصول ملكة البلاغة للسان. وقد مر تفسير البلاغة وأنها مطابقة الكلام للمعنى من جميع وجوهه بخواص تقع للتراكيب في إفادة ذلك. فالمتكلم بلسان العرب والبليغ فيه يتحرى الهيئة المفيدة لذلك على أساليب العرب وأنحاء مخاطبتهم وينظم الكلام على ذلك الوجه جُهْدَه فإذا اتَّصلت مقاماته بمخالطة كلام العرب حصلت له الملكة في نظم الكلام على ذلك الوجه وسهل عليه أمر التراكيب حتى لا يكاد ينحو فيه غير منحى البلاغة التي للعرب وإن سمع تركيبا غير جار على ذلك المنحى مجَّته ونبا عنه سمْعُه بأدنى فِكْرٍ، إلاَّ بما استفاد من حصول هذه الملكة”[120]، فالذوق –إذا- هو ملكة البلاغة التي يكتسبها الإنسان، في شكل أساليب، يستنبطها فتصبح مرجعا له، يوظفها في القول الشعري، ويتذوق ما يسمعه على منوالها.

بعد أن قدم ابن خلدون تعريفه للذوق؛ انطلق إلى تمحيص رأي التراث النقدي العربي بقوله: “ولذلك يظن كثير من المغفَّلين ممَّن لم يعرف شأن الملكات أن الصواب للعرب في لغتهم إعرابا وبلاغة أمر طبيعي. ويقول كانت العرب تنطق بالطبع وليس كذلك”[121]، فبهذا النقد اللاذع، نجده ينفي أن يكون الذوق أمرا ذاتيا، ويميل إلى القول بكونه سلوكا موضوعيا، يتشكل لدى المبدع بالصناعة والدربة والمران، يقول: “إنما هي ملكة لسانية في نظم الكلام تمكنت ورسخت فظهرت في بادئ الرأي أنها جبلّة وطبع. وهذه الملكة كما تقدم إنما تحصل بممارسة كلام العرب وتكرّره على السمع والتفطن لخواصِّ تراكيبه وليست تحصل بمعرفة القوانين إنما تفيد علما بذلك اللسان ولا تفيد حصول الملكة بالفعل في محلِّها”[122]، من خلال هذا النص يبرز مفهومه للذوق باعتباره من دواعي الإبداع الموضوعي في النقط التالية:

  • تبدو ملكة الذوق في الظاهر أنها طبع وجبلَّة وموهبة.
  • ملكة الذوق تحصل بالممارسة وتكرار كلام العرب، وتفَطُّن خواص التراكيب البلاغية، وهذا يصدق على من ولد في بيئة العرب وحصلت لديه هذه الممارسة منذ صغره، فالذوق حكم موضوعي يتوسل بالقواعد العربية الموروثة. الشيء الذي يعني أن صاحب الذوق لا بد له من الثقافة والمعرفة السابقة. والممارسة والتكرار هما اللذان يؤسسان لقوانين البلاغة، بل وقد يُدْخِلان ما ليس منها إليها.
  • لا تحصل ملكة الذوق لمن نشأ خارج البيئة العربية، وإن كان قد نبغ في اكتساب القوانين البلاغية، فالأعاجم “الداخلين في اللسان العربي الطارئين عليه المضطرين إلى النطق به لمخالطة كالفرس والروم والترك بالمشرق وكالبربر بالمغرب فإنه لا يحصل لهم هذا الذوق لقصور حظهم في هذه الملكة”[123].
  • ملكة الذوق ليست ملكة وراثية في البلاغة العربية، وإنما تحصل “بالممارسة والاعتياد والتكرر لكلام العرب”[124]، فالأعجمي يمكن أن تحصل له هذه الملكة بشرط أن لا يخالط اللسان العجمي أولا، وأن يولد ويتربى بين العرب، يقول: “وإن فرضنا أعجميا في النسب سلم من مخالطة اللسان العجمي بالكلية وذهب إلى تعلم هذه الملكة بالحفظ والمدارسة فرُبَّما يحصل له ذلك لكنه من الندور”[125].

هكذا يبدو أن مفهوم الذوق لدى ابن خلدون يميل إلى الحكم الموضوعي المؤسس على قواعد وقوانين، تشبع بها الناقد منذ ولادته، وصقلها “بالممارسة الطويلة للشعر وحفظ أشعار العرب، وذلك لخلق تعبير خاص يستعين به الشاعر في إبداعه، والناقد في حكمه، وقد حدد لهذا التعبير حددوا خاصة ترفض أن يكون الوزن والقافية، العنصرين الوحيدين في بنية القصيدة العربية”[126]، ولهذا نجده يعتبر الذوق أهم ملكة يجب أن تتوفر في الناقد، وأنها الفيصل الأول في نقد الشعر: قبولا ودفعا. ويسمى صاحب هذه الملكة بـ: “الناقد البصير”[127]، الذي يحق له أن يحكم في جودة الشعر بقوله: “ولهذا كان شيوخنا رحمهم الله يعيبون شعر أبي بكر بن خفاجة شاعر الأندلس لكثرة معانيه وازدحامها في البيت الواحد كما كانوا يعيبون شعر المتنبي والمعري بعدم النسج على الأساليب العربية كما مرَّ فكان شعرهما كلاما منظوما نازلا عن طبقة الشعر والحاكم بذلك هو الذوق”[128].

وبالرجوع إلى جهود القدماء، نجد أن الناقد العربي قد اهتم بدراسة الذوق في النقد والإبداع معا، إما بالتصريح في نصوصهم النقدية، أو بالتلميح الذي يمكن تلمسه فيها: يرى ابن طباطبا العلوي (تـ322هـ) والقاضي الجرجاني (تـ366هـ) أن الذوق طبع في الشاعر، ومن توفر فيه هذا الطبع لا يحتاج إلى دربة وممارسة، وهما بهذا الرأي يختلفان عما جاء به ابن خلدون؛

يقول صاحب العيار: “الشعر كلام منظوم، بائن عن المنثور الذي يستعمله الناس في مخاطباتهم، بما خصّ به النظم الذي إن عدل عن جهته مجَّته الأسماع، وفسد الذوق، ونظمه معلوم محدد، فمن صحَّ طبعه وذوقه لم يحتج إلى الاستعانة على نظم الشعر بالعروض التي هي ميزانه، ومن اضطرب عليه الذوق لم يستغن من تصحيحه وتقويمه بمعرفة العروض والحذق به، حتى تعتبر معرفته المستفادة كالطبع الذي لا تكلف معه”[129]. فهذا الناقد يقرن بين الطبع والذوق ويعتبرهما أساس الإبداع الأدبي، وأما القاضي الجرجاني، –وإن كان لم يذكر مصطلح “الذوق”- فإن كلامه يوحي إلى أن الرجل يرى أن الذوق هو طبع قبل أن يكون دربة وممارسة، يقول: “الشعر علم من علوم العرب يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء ثم تكون الدربة مادة له وقوة لكل واحد من أسبابه فمن اجتمعت له هذه الخصال فهو المحسن المبرز”[130].

وبالمقابل نجد أن كلا من الآمدي (تـ370هـ) وابن الأثير (تـ630هـ) يعتبران أن الذوق يكون بالدربة والممارسة، فالأول يربط بين الدربة والطبع، يقول: “وهو علة ما لا يعرف إلا بالدربة ودائم التجربة وطول الملابسة. وبهذا يَفْضُلُ أهل الحذاقة بكل علم وصناعة من سواهم ممن نقصت تجربته، وقلت دربته، بعد أن يكون هناك طبع فيه تقبل لتلك الطباع وامتزاج بها، وإلا فلا. ثم أَكِلُكَ بعد هذا إلى اختيارك، وما تقضي عليه فطنتك وتمييزك”[131]، وأما ابن الأثير (تـ630هـ)، فإنه لم يشر إلى علاقة الذوق بما هو ذاتي أو بالطبع، ويرى أن الذوق هو دربة وإدمان، يقول: “إن مدار علم البيان على حَاكِم الذوق السليم، الذي هو انفع من ذوق التعليم، وهذا الكتاب وإن كان فيما يلقيه إليك أستاذا، وإذا سألت عما ينتفع به في فنه قيل لك هذا! فإن الدُّربة والإدمان أجدى عليك نفعا، وأهدى بصرا وسمعا، وهما يريانك الخبر عيانا، ويجعلان عُسْرَك من القول إمكانا، وكلّ جارحة منك قلبا ولسانا”[132].

كما ورد مصطلح الذوق عند بعض النقاد العرب القدماء مرادفا للعديد من المصطلحات الأخرى: القريحة، والفطنة، والتمييز والذكاء، فقد سماه أبو يعقوب السكاكي (تـ626هـ) بـ”سلامة الفطرة واستقامة الطبيعة، وعرفه البابرتي بقوله: الذوق وهو مزيد ذكاء تعرف به المعاني الخفية بقرائن الأحوال، وإن كانت غير برهانية، وسماه التفتازاني التأمل الذوقي”[133].

ملاك القول؛ إن ابن خلدون (تـ808هـ) وابن عبد الملك المراكشي (تـ703هـ) يريان أن الذوق ملكة تجمع بين الطبع والممارسة، وأن الأول منهما قد درس هذه المسالة بعمق أكبر مقارنة مع النقاد العرب القدماء، فكانت بعضا من آرائها موافقة لآرائهم، وأخرى مخالفة لها.

  1. اللذة؛

من المصطلحات التي تطرحها مسألة الذاتية والموضوعية في الإبداع الأدبي مصطلح: “اللذة”، وقد ناقشه النقاد المرينيون في ثنايا مصنفاتهم. وليس المقصود هنا باللذة ما يعتري المتلقي بعد سماعه للشعر أو الأدب عامة، أو كما قالت ألفت كمال الروبي بخصوص مهمة الشعر وعلاقتها باللذة: “إن مهمة الشعر تكون بناء على ذلك إما بتأثير فقط، بمعنى أن يهدف الشعر إلى تحقيق اللذة أو الإمتاع فحسب، وإما أن تتجاوز ذلك التأثير الانفعالي إلى التأثير في سلوك المتلقي وأفعاله”[134]؛ ولكن نقصد بها ما يدفع الشاعر أو الأديب إلى القول، فهي إذن دافع من دوافع الإبداع الأدبي، والذي من خلاله تترجح ذاتية أو موضوعية هذا الإبداع لدى الناقد المريني.

تناول السجلماسي مصطلح اللذة باعتبارها دافعا من دوافع الإبداع الأدبي، يقول في أسلوب الاكتفاء بالمقابل: “القول المركب من أجزاء فيه متناسبة، نسبة الأول منها إلى الثالث كنسبة الثاني إلى الرابع، أو ما كانت النسبة فيه كنحو ذلك، فاجتزئ من كل متناسبين بأحدهما القطع الدلالة مما ذكر على ما ترك… وهذا النوع بالجملة هو من القول الجميل ذي الطلاوة والبهجة والماء والعذوبة، الجزل المقطع. الغريب المنزع، اللذيذ المسموع، لما بين أجزائه من الارتباط، لما للنفس الناطقة من الالتذاذ بإدراك النسب والوصل بين الأشياء، ثم بإبراز ما في القول من ذلك على الفعل، وبالشعور به. فلذلك توفَّر عليه من المزية ما تراه يباين به سائر النظوم”[135]، في هذا النص يميز السجلماسي بين نوعين من أنواع اللذة: اللذة الحاصلة لدى المتلقي للقول الشعري حين قال: “اللذيذ المسموع”، ثم اللذة الحاصلة لدى المبدع حين قال: “لما للنفس الناطقة من الالتذاذ”، ثم بعد ذلك يفسر العلاقة القائمة بين اللذتين، فاللذة الأولى (لذة التلقي) ناتجة عن شيئين: الأول وهو الارتباط بين أجزاء القول، وهذا عامل جمالي شكلي لحصولها، والثاني هو اللذة الثانية عينها (لذة الإبداع) والناتجة عن إدراك المبدع للنسب والوصل بين الأشياء، ثم تحويل هذا الإدراك إلى شعور أي إلى إبداع.

ويذهب ابن البناء المراكشي إلى أن المبدع يجد لذة في استخدام بعض الأساليب في إبداعه. منها –مثلا- الطباق، ويفسر ذلك، بقوله: “فلا يجمع في المتناسبة بين المتنافرين، لأنهما بمنزلة الأول، والرابع، والثاني، والثالث، اللذين لا تناسب بينهما. ومتى جاء الجمع بين ضدين فلمعنى آخر لقصد البيان، فإن بضدها تتبين الأشياء، وهو المسمى طباقا، ولما تجد النفس في ذكرهما مجموعتين من اللذة”[136]، فالنفس مبدعة كانت أو متلقية تجد لذة في ذكر الأشياء المتضادة، ولما كان الطباق هو الجمع بين ضدين، كان ألذّ لها. ويفسر هذا الناقد مفهوم اللذة بقوله: “لأن اللذة التقاء الضدين. ألا ترى أن من أصابه العطش فإن الري لما كان ضده كان إذا شرب الماء وجد له لذة لملاقاة العطش الري، ثم لا يزال الري يستحكم والعطش يضمحل إلى كمال الري وذهاب العطش، فكيف عن الشرب. وإنما كانت اللذة أعظم ما كانت عند الالتقاء، ثم لم تلبث أن أخذت تضعف قليلا قليلا حتى تبلغ الري، فتخلص لذته وتنقضي ولو تمادى في الشرب بعد ذلك لانقلب اللذة ألما. فموضع اللذة موضع الالتقاء من الضدين، فتتمثل النفس ذلك في القول، والاعتدال في اجتماعهما، فتستطيبه”[137]، يفسر ابن البناء اللذة بأنها التقاء الضدين، أو هي لحظة التقاء الأضعف بالأقوى، وزمن اللذة هو ابتداء  مغالبة الأضعف للأقوى، حتى إذا استويا انتهت، وإذا واصل الأضعف مغالبته للأقوى، وانقلب الأضعف إلى الأقوى، والأقوى إلى الأضعف، فتنقلب -مع ذلك- اللذة ألما. ولأن النفس المبدعة تحب الطيب من القول، فإنها تحرص على أن تظل في زمن اللذة، أي زمن ما قبل تعادل الضدين.

ملاك الأمر؛ يفرق ابن البناء المراكشي بين نوعين من اللذة: لذة التلقي ولذة الإبداع، ويرى أن هذه الأخيرة تنتج عن التقاء ضدين، وأن زمنها هو ما قبل تعادل الضد مع ضده، فإن تعادلا انقضت، وإذا غالب هذا الضد ضده انقلبت اللذة ألما.

 وعند السجلماسي، فهي لذة “أسلوبية ونفسية ووجدانية”[138]، ترتبط ببعض الأساليب البلاغية مثل الطباق والتشبيه والاستعارة…:

  • لذة أسلوبية تخص المبدع، “لارتباطها بالنصوص البليغة التي تتميز بأساليبها الغريبة والخفية والمخالفة للمألوف مثل أساليب التقديم والحذف والإبهام والتفسير والالتفات والأسلوب الحكيم والكناية وغيرها”[139]؛
  • ولذة نفسانية ترتبط بالمتلقي العادي، “ولا تغفل دوره المتميز في تقبل تلك الأساليب ونقدها من خلال ما تحدثه في نفسه من أثر ووقع بسبب ما تظهر له في البداية من غرابة وإبهام وخروج عن المألوف فتجعله قلقا متوترا، ليزول قلقه وتوتر بعد ذلك بإدراكه للمعاني الغريبة والمبهمة بواسطة القرائن التي تتضمن التراكيب الكلامية فتتلذذ نفسه بذلك”[140]؛
  • ولذة وجدانية تخص المتلقي “العالم”، “لارتباطها بالذوق الوجداني السليم الذي يتأمل التراكيب الكلامية، ويستكشف خبايا المعاني ويدركها حتى وإن كان لا يستطيع وصفها، إنها لذة المتلقي العالم”[141].

وبالرجوع إلى التراث اليوناني؛ نجد أن هذه القضية بُحِثت في معرض الحديث عن مهمة الشعر بين المتعة والمنفعة، فإذا كان أفلاطون يرى جانب المنفعة في الشعر، فإن أرسطو وجد أن مهمة الشعر هي الإمتاع. ولسنا بصدد تناول موضوع “اللذة” من هذا الجانب في التراث النقدي، وإنما سنحاول تلمس هذا الموضوع من حيث هي “لذة الإبداع”، أي اللذة التي تكون دافعا للمبدع؛ يقول أرسطو: “ولنسلم بأن اللذة هي حركة للنفس من نوع معين، إنها رجوع تام ومحسوس إلى الحالة الطبيعية، وأن الألم هو ضد هذا، وإذا صح أن هذا هو تعريف اللذة فمن الواضح أيضا أن ما يحدث هيأة مؤقتة سريعة الزوال في النفس كما ذكرنا، يكون لذيذا، وما يفسدها أو يحدث فيها حالة مضادة يكون مؤلما… وكذلك فإن المحبين يلذ لهم دائما أن يتكلموا عمن يحبونهم وأن يرسموا لهم صورة، وأن يؤلفوا أشعارا. لأنه بهذه الوسائل كلها يتوهمون أن الشخص المحبوب حاضر”[142]، فاللذة –لديه- هي أن ترجع النفس إلى حالتها الطبيعية؛ وهي حالة العادة التي تحب أن تكون عليها مثل الرفاهية، الراحة، الشبع… فإذا خرج عنها، أحس بالألم الناتج عن التعب والجوع والخوف… ويرى أرسطو أن اللذة دافع من دوافع الإبداع، تدفع المحبين إلى التكلم عن أحبابهم أو رسم صورهم، وتأليف الشعر فيهم.

الخاتمة

تعددت المفاهيم والمصطلحات المرتبطة بقضية الإبداع الأدبي لدى نقاد بني مرين، واختلفت باختلاف فهمهم للشعر، وتنوعت بتنوع الخلفية المعرفية والأدبية والنقدية التي امتاحوا منها؛ وتعددت بتعدد الذهنيات التي أثرت فيهم، سواء ما تعلق منها بما هو عربي أصيل أو بما هو يوناني قديم.

ومن خلال هذه الورقة العلمية، يبدو أن النظرية الأدبية للإبداع لدى نقاد بني مرين قد استوت من خلال تلقي الجهود الأدبية واللغوية والنقدية القديمة، وصهرها وفق فهم محلي يستحضر خصوصية الغرب الإسلامي، ويتفاعل مع مختلف العلوم والثقافات التي راكمتها الإنسانية.

لائحة المصادر والمراجع:

القرآن الكريم برواية ورش عن نافع

المراجع العربية:

  1. الزمخشري، جار الله، أساس البلاغة، مطبعة دار الكتاب، ط2، 1972م.
  2. بدوي، أحمد، أسس النقد الأدبي عند العرب، دار النهضة، (د.ط)، القاهرة، (د.ت).
  3. الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق وشرح عبد السلام هارون، مكتبة خانجي، ط7، القاهرة، 1418هـ/1998م.
  4. البلوي، خالد بن عيسى الأندلسي، تاج المفرق في تحلية علماء المشرق، تحقيق الحسن السايح، صندوق إحياء التراث الإسلامي المشترك بين المملكة المغربية والإمارات العربية المتحدة، (د.ط)، (د.ت).
  5. ابن الأثير، الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور، تحقيق مصطفى جواد وجميل سعيد، منشورات المجمع العلمي العراقي، (د.ط)، بغداد، 1375هـ/1956م.
  6. ابن الخطيب، السلماني، جيش التوشيح، حققه وقدم له وترجم لوشاحيه هلال ناجي، أعد أصلا من أصليه محمد ماضور، مطبعة المنار، (د.ط)، تونس، (د.ت).
  7. خليفة، عبد اللطيف محمد، الحدس والإبداع، دار غريب، القاهرة، 2000م.
  8. ابن عبد الملك، أبو عبد الله محمد بن محمد المراكشي، الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة، السفر الأول، الجزء الأول: تحقيق محمد بن شريفة، دار الثقافة، (د.ط)، بيروت، (د.ت).
  9. ابن عبد الملك، أبو عبد الله محمد بن محمد المراكشي، الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة، بقية السفر الرابع: قدم له وحققه وعلق عليه إحسان عباس، دار الثقافة، (د.ط)، بيروت، (د.ت).
  10. ابن عبد الملك، أبو عبد الله محمد بن محمد المراكشي، الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة، السفر السادس: قدم له وحققه وعلق عليه إحسان عباس، دار الثقافة، (د.ط)، بيروت. (د.ت).
  11. العبدري، أبو عبد الله محمد، رحلة العبدري، حققها وقدم لها علي إبراهيم كردي، قدّم لها شاكر الفحام، دار سعد الدين للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، دمشق، 1419هـ/1999م.
  12. الشريف السبتي، أبو القاسم محمد، رفع الحجب المستورة عن محاسن المقصورة، تحقيق وشرح محمد الحجوي، مطبعة فضالة، (د.ط)، المحمدية، المملكة المغربية، 1418هـ/ 1997م.
  13. ابن البناء، المراكشي، الروض المريع في صناعة البديع، حققه رضوان بنشقرون، دار النشر المغربية، (د.ط)، الدار البيضاء، 1985م.
  14. أبو دينا، نادية عبده عوض، وإبراهيم، أحمد عبد اللطيف، سيكولوجيا الإبداع، كلية التربية، جامعة حلوان، 2000م.
  15. المكاوي، مليكة، الشعر ونقده عند عبد الرحمان ابن خلدون، دكتوراه في الآداب مرقونة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس بالرباط، موسم: 2009/2000م.
  16. حمود، ماجدة، علاقة النقد بالإبداع الأدبي، منشورات وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية، دمشق، 1997م.
  17. ابن رشيق، أبو الحسن القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تحقيق وتعليق محمد محي الدين عبد الحميد، دار الرشاد الحديثة، (د.ط)، الدار البيضاء، (د.ت).
  18. ابن طباطبا، محمد العلوي، عيار الشعر، شرح وتحقيق عباس عبد الساتر، مراجعة نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، (د.ط)، بيروت، 1402هـ/1982م.
  19. سليمان، نبيل، في الإبداع والنقد، دار الحوار للنشر والتوزيع، ط1، اللاذقية، سوريا، 1989م.
  20. أرسطو، في الشعر، نقل أبي بشر متى بن يونس القنائي إلى السريالي إلى العربي، حققه مع ترجمة حديثة ودراسة لتأثيره في البلاغة العربية شكري محمد عياد، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1386هـ/1967م.
  21. العشماوي، محمد زكي، قضايا النقد الأدبي بين القديم والحديث، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، (د.ط)، بيروت، 1979م.
  22. أديوان، محمد، قضايا النقد الأدبي عند حازم القرطاجني، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، جامعة محمد الخامس بالمملكة المغربية، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، الدار البيضاء، 2004م.
  23. ابن الخطيب، كتاب التاج المحلى ومساجلة القدح المعلى، ضمن كتابة ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب، ، تحقيق محمد عبد الله عنان، مكتبة الخانجي، المطبعة العربية الحديثة، ط1، القاهرة، 1401هـ/1981م.
  24. الشريف، السبتي، كتاب التعريفات، مكتبة لبنان، طبعة جديدة، بيروت، 1985م.
  25. العسكري، أبو هلال، كتاب الصناعتين، تحقيق علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، طبعة المكتبة العصرية، 1986م، صيدا، لبنان.
  26. ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين، لسان العرب، دار صادر، ط1، بيروت، 1410هـ/1990م.
  27. ابن الأثير، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، قدمه وحققه وعلق عليه: أجمد الحوفي وبدوي طبانة، دار نهضة مصر للطبع والنشر، (د.ط)، القاهرة، (د.ت).
  28. عسو، عمو، المصادر النقدية والبلاغية العربية إبان الغزو المغولي: مناهجها وقضاياها، أطروحة لنيل الدكتوراه في علوم البلاغة والنقد الأدبي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس بالرباط، السنة الجامعية: 1997/1998.
  29. مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، مكتبة الشروق الدولية، جمهورية مصر العربية، ط4، 1425هـ/2004م.
  30. ابن فارس، أبو الحسين أحمد، مقاييس اللغة، تحقيق وضبط عبد السلام محمد هارون، دار الجيل، ط1، 1411هـ/1991م.
  31. ابن خلدون، المقدمة، ضبط المتن ووضع الحواشي والفهارس خليل شحادة، مراجعة سهيل زكار، دار الفكر، ط2، بيروت، 1408هـ/1988م.
  32. الطاهر، علي جواد، مقدمة في النقد الأدبي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 1979م.
  33. الغازي، علال، مناهج النقد الأدبي بالمغرب خلال القرن الثامن للهجرة، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، الدار البيضاء، 1420هـ/1999م.
  34. السجلماسي، أبو محمد القاسم، المنزع البديع في تجنيس البديع، حققه علال الغازي، مكتبة المعارف، ط1، الرباط، 1401هـ/1980م.
  35. الغزالي، أبو حامد، المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزة والجلال، حققه وقدم له: جميل صليبا وكامل عياد، دار الأندلس، (د.ط)، بيروت، 2003م.
  36. القرطاجني، أبو الحسن حازم، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تقديم وتحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، ط3، بيروت، 1986م.
  37. الآمدي، الحسن بن بشر، الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري، تحقيق السيد صقر، دار المعارف، ط4، (د.ت).
  38. الفارابي، الموسيقى الكبير، تحقيق عبد الملك خشبة، دار الكتاب العربي، (د.ط)، القاهرة، (د.ت).
  39. صبحي، تيسير، الموهبة والإبداع: طرائق التشخيص وأدوات المحوسبة، دار التنوير العلمي للنشر والتوزيع، ط1، عمان، 1992م.
  40. ابن الأحمر، أبو الوليد إسماعيل، نثير الجمان في شعر من نظمني وإياه الزمان، حققه وقدم له محمد رضوان الداية، مؤسسة الرسالة، ط1، بيروت، 1396هـ/1976م.
  41. عوض، لويس، نصوص في النقد الأدبي: اليونان، دار المعارف، القاهرة، 1965م.
  42. الروبي، ألفت كمال، نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين من الكندي إلى ابن رشد، دار التنوير للطباعة والنشر، ط1، بيروت، 1983م.
  43. عثمان، عبد الفتاح، نظرية الشعر في النقد العربي القديم، مكتبة الشباب، (د.ط)، (د.ت).
  44. الخطيب، صفوت عبد الله، نظرية حازم القرطاجني النقدية والجمالية في ضوء التأثيرات اليونانية، مكتبة نهضة الشرق، (د.ط)، القاهرة، 1983م.
  45. يزن، أحمد، النقد الأدبي في القيروان في العهد الصنهاجي، مكتبة المعارف، ط1، الرباط، 1985م.
  46. القاضي الجرجاني، أبو الحسن علي بن عبد العزيز، الوساطة بين المتنبي وخصومه، تحقيق وشرح: محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي، المكتبة العصرية، ط1، بيروت، 1427هـ/2006م.

 

المراجع المترجمة:

  1. أرسطو، الخطابة، ترجمة عبد القادر قنيني، إفريقيا الشرق، (د.ط)، الدار البيضاء، 2008م.
  2. أفلاطون، محاورة أيون، نصوص النقد الأدبي: اليونان، لويس عوض، دار المعارف، القاهرة، 1965م.
  3. أفلاطون، محاورة فايدروس أو عن الجمال، ترجمة وتقديم أميرة حلمي مطر، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، (د.ط)، القاهرة، 2000م.

 

المجلات:

  1. قاسمي، محمد، مصادر التفكير النقدي والبلاغي عند ابن خلدون، مجلة فكر ونقد، العدد: 101، أبريل 2009، دار النشر المغربية، الدار البيضاء.
  2. شرف، محمد ياسر، إلهام الخلق الفني، مجلة فصول، المجلد 10، العددان 1و2، غشت 1991م.

 

 

[1]  الدولة المرينية: بعد مائة واثنين وخمسين سنة من عمرها، آلت دولة الموحدين  في الغرب الإسلامي إلى الزوال، وذلك من أول ظهور المهدي إلى مقتل آخر خلفائهم: الخليفة أبي العلاء إدريس الواثق بالله المعتمد عليه الملقب بأبي دبوس(تـ668هـ)، وخلف سقوطها ظهور أربع دول: الدولة الحفصية بتونس التي استقلت عن المغرب سنة 627هـ/1230م؛ والدولة الزيانية لبني عبد الواد بتلمسان، حيث ظهرت سنة 663هـ؛ والدولة المرينية بفاس، ظهرت ظهورا حقيقيا سنة 668هـ/1269م، وكان سقوطها بعد وفاة آخر ملوكها أبي سعيد عثمان بن أحمد بن أبي سالم(ت823هـ)؛  ومملكة غرناطة بالأندلس، وهي آخر ثغر للمسلمين بها، وقد حكمها بنو الأحمر عام 635هـ/1238م مع تملك الغالب بالله لها وانتهت مع تسليم أبي عبد الله الصغير مفاتيح المدينة إلى الإسبان سنة 897هـ. وقد عرفت الدولة المرينية بالغرب الإسلامي طفرة علمية أطبقت شهرتها الآفاق، وقد اتضح ذلك من خلال التراث الذي خلفته.

[2] عثمان، عبد الفتاح، نظرية الشعر في النقد العربي القديم، مكتبة الشباب، (د.ط)، (د.ت)، ص:50.

[3]   ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين، لسان العرب، دار صادر، ط1، بيروت، 1410هـ/1990م، مادة: ب.د.ع.

[4]  ابن فارس، أبو الحسين أحمد، مقاييس اللغة، تحقيق وضبط عبد السلام محمد هارون، دار الجيل، ط1، 1411هـ/1991م، مادة: ب.د.ع.

[5]   الزمخشري، جار الله، أساس البلاغة، الزمخشري أساس البلاغة، مطبعة دار الكتاب، ط2، 1972م، مادة: ب.د.ع.

[6] السبتي، الشريف، كتاب التعريفات، مكتبة لبنان، طبعة جديدة، بيروت، 1985م، ص:6.

[7]  نفسه، ص:5.

[8] سورة البقرة، آية: 117

[9]   مجمع اللغة العربية، بجمهورية مصر العربية، المعجم الوسيط، مكتبة الشروق الدولية، ط4، 1425هـ/2004م، مادة “ب.د.ع، ص:45.

[10]   خليفة، عبد اللطيف محمد، الحدس والإبداع، دار غريب، القاهرة، 2000م، ص:34.

[11]   صبحي، تيسير، الموهبة والإبداع: طرائق التشخيص وأدوات المحوسبة، دار التنوير العلمي للنشر والتوزيع، ط1، عمان، 1992م، ص:27.

[12]   سليمان، نبيل، في الإبداع والنقد، دار الحوار للنشر والتوزيع، ط1، اللاذقية، سوريا، 1989م، ص:9.

[13] – سورة البقرة، آية: 117.

[14]- خليفة، عبد اللطيف محمد، الحدس والإبداع، ص:35.

[15] –  حمود، ماجدة، علاقة النقد بالإبداع الأدبي، منشورات وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية، دمشق، 1997م، ص:5.

[16] –  الشريف السبتي، أبو القاسم محمد، رفع الحجب المستورة عن محاسن المقصورة، تحقيق وشرح محمد الحجوي، مطبعة فضالة، (د.ط)، المحمدية، المملكة المغربية، 1418هـ/ 1997م، ج1، ص:233.

[17] –  نفسه، ج1، ص:361.

[18] –  البلوي، خالد بن عيسى الأندلسي، تاج المفرق في تحلية علماء المشرق، تحقيق الحسن السايح، صندوق إحياء التراث الإسلامي المشترك بين المملكة المغربية والإمارات العربية المتحدة، (د.ط)، (د.ت).، ج2، ص:7-8.

[19] –  ابن الأحمر، أبو الوليد إسماعيل، نثير الجمان في شعر من نظمني وإياه الزمان، حققه وقدم له محمد رضوان الداية، مؤسسة الرسالة، ط1، بيروت، 1396هـ/1976م، ص:20-21.

[20] –  الشريف السبتي، رفع الحجب المستورة، ج3، ص:1039.

[21] –  نفسه، ج2، ص:529.

[22] –  المعجم الوسيط، ص:81.

[23] –  العسكري، أبو هلال، كتاب الصناعتين، تحقيق علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، طبعة المكتبة العصرية، 1986م، صيدا، لبنان. ص:214.

[24] –  ابن الخطيب، السلماني، جيش التوشيح، حققه وقدم له وترجم لوشاحيه هلال ناجي، أعد أصلا من أصليه محمد ماضور، مطبعة المنار، (د.ط)، تونس، (د.ت)، ص:2.

[25] –  المعجم الوسيط، ص:43.

[26]-  المعجم الوسيط، ص:228.

[27] –  ابن الخطيب، جيش التوشيح، ص:59.

[28] –  ابن الخطيب، السلماني، كتاب التاج المحلى ومساجلة القدح المعلى، ضمن كتابة ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب، تحقيق محمد عبد الله عنان، مكتبة الخانجي، المطبعة العربية الحديثة، ط1، القاهرة، 1401هـ/1981م، ص:409.

[29] –  ابن خلدون، عبد الرحمان، مقدمة ابن خلدون، ضبط المتن ووضع الحواشي والفهارس خليل شحادة، مراجعة سهيل زكار، دار الفكر، ط2، بيروت، 1408هـ/1988م. ص:790.

[30] –  نفسه، ص:790.

[31]-  نفسه، ص :790.

[32] –  الخطيب، صفوت عبد الله، نظرية حازم القرطاجني النقدية والجمالية في ضوء التأثيرات اليونانية، مكتبة نهضة الشرق، (د.ط)، القاهرة، 1983م، ص:81.

[33] – ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، ص:791.

[34] – العمدة، ج1، ص:212.

[35] –  البيت هو: فهذا بالغدو يهيم غربا       وذاك يهيم شرقا بالعشي

[36] –  العبدري، أبو عبد الله محمد، رحلة العبدري، حققها وقدم لها علي إبراهيم كردي، قدّم لها شاكر الفحام، دار سعد الدين للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، دمشق، 1419هـ/1999م، ص:103.

[37] –  ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، ص:790.

[38] –  ابن رشيق القيرواني، أبو الحسن، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تحقيق وتعليق محمد محي الدين عبد الحميد، دار الرشاد الحديثة، (د.ط)، الدار البيضاء، (د.ت)، ج1، ص:208.

[39] –  ابن رشيق، العمدة، ج1، ص:208.

[40] –  نفسه، صص:206 – 210 وغيرها.

[41] –  نفسه، ج1، ص:209.

[42] – نفسه، ج1، ص:209.

[43] –  نفسه، ج1، ص:207.

[44] – العسكري، كتاب الصناعتين، ص:133.

[45] – ابن الأثير، الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور، تحقيق مصطفى جواد وجميل سعيد، منشورات المجمع العلمي العراقي، (د.ط)، بغداد، 1375هـ/1956م، ص:21.

[46] –  العسكري، كتاب الصناعتين، ص:134.

[47] –  ابن رشيق، العمدة، ج1، صص:212-213.

[48] –  نفسه، ج1، ص:207.

[49] –  القرطاجني، أبو الحسن حازم، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تقديم وتحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، ط3، بيروت، 1986م، ص: 203.

[50] –  أديوان، محمد، قضايا النقد الأدبي عند حازم القرطاجني، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، جامعة محمد الخامس بالمملكة المغربية، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، الدار البيضاء، 2004م، ص:79.

[51] –  يقول حازم: “لما كان الشعر لا يتأتى نظمه على أكمل ما يمكن فيه إلا لحصول ثلاثة أشياء، وهي: المهيئات والأدوات والبواعث، وكانت هذه المهيئات تحصل من جهتين: 1-النشء في بقعة معتدلة الهواء، حسنة الوضع، طيبة المطاعم، أنيقة المناظر، ممتعة من كل للأغراض الإنسانية به علقه. 2-والترعرع بين الفصحاء الألسنة المستعملين للأناشيد المقيمين للأوزان” (المنهاج، ص:40)، ثم قسم بواعث قول الشعر إلى: “أطراب وإلى آمال. وكان كثير من الإطراب إنما يعتري أهل الرحل بالحنين على ما عهدوه ومن فارقوه، والآمال إنما تعلق بخدَّام الدول النافعة” (المنهاج، صص:41-42).

[52]-   أرسطو، في الشعر، نقل أبي بشر متى بن يونس القنائي إلى السريالي إلى العربي، حققه مع ترجمة حديثة ودراسة لتأثيره في البلاغة العربية شكري محمد عياد، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1386هـ/1967م، ص:36.

[53] –  الخطيب، صفوت عبد الله، نظرية حازم القرطاجني النقدية والجمالية، ص:85.

[54] –  المراكشي، أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الملك، الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة، السفر الأول، الجزء الأول: تحقيق محمد بن شريفة، دار الثقافة، (د.ط)، بيروت، (د.ت)، صص:437-438.

[55] –  نفسه، السفر الأول، القسم الأول، ص:142.

[56] –  سورة الرحمان، آية :2.

[57] –  سورة المائدة، آية: 4.

[58] –  المراكشي، ابن البناء، الروض المريع في صناعة البديع، حققه رضوان بنشقرون، دار النشر المغربية، (د.ط)، الدار البيضاء، 1985م، ص:88.

[59] –  المراكشي، أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الملك، الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة، بقية السفر الرابع: قدم له وحققه وعلق عليه إحسان عباس، دار الثقافة، (د.ط)، بيروت، (د.ت)، ص:49.

[60] –  نفسه، بقية السفر الرابع، ص:53.

[61] –  البيت هو: لاح بدرا وتثنى غصنا     فحكى الشمس سناء وسنا.

[62] –  البلوي، تاج المفرق، ج2، ص:50.

[63] – البلوي، كتاب التاج المحلى ومساجلة القدح المعلى، ص:372.

[64] –  نفسه، ص:409.

[65] –  يتضح ذلك في كتابه: السحر والشعر.

[66] – ابن الخطيب، جيش التوشيح، ص:147.

[67] – البيتان هما:

سم سمة تحسن آثـــــــــــــــــــــــــــــارهــــــا واشكر لمن أعطى ولو سمسمه
والمكر مهـما استطعت لا تأته لتقتنــــــــي الســــــــــــــــــــؤدد والمكرمــــه

[68] –  المراكشي، الذيل والتكملة، بقية السفر الرابع، ص :49.

[69] –  ابن الخطيب، الإكليل الزاهر فيمن فضل من نظم التاج من الجواهر، ضمن كتابه “أوصاف الناس في التواريخ والصلات”، ص:124.

[70] –  شرف، محمد ياسر، إلهام الخلق الفني، مجلة فصول، المجلد 10، العددان 1و2، غشت 1991م، ص:38.

[71] –  الغزالي، أبو حامد، المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزة والجلال، حققه وقدم له: جميل صليبا وكامل عياد، دار الأندلس، (د.ط)، بيروت، 2003م، ص:81.

[72] –  العسكري، كتاب الصناعتين، ص:20.

[73] –  الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق وشرح عبد السلام هارون، مكتبة خانجي، ط7، القاهرة، 1418هـ/1998م، ج3، ص:28.

[74] –  أفلاطون، محاورة أيون، نصوص النقد الأدبي: اليونان، لويس عوض، دار المعارف، القاهرة، 1965م. صص:18-19.

[75] – أفلاطون، محاورة فايدروس لأفلاطون، أو عن الجمال، ترجمة وتقديم أميرة حلمي مطر، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، (د.ط)، القاهرة، 2000م، ص:50.

[76] –  المراكشي، أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الملك، الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة، السفر السادس: قدم له وحققه وعلق عليه إحسان عباس، دار الثقافة، (د.ط)، بيروت. (د.ت)، ص:399.

[77] –  ابن الخطيب، جيش التوشيح، ص:196.

[78] –  نفسه، ص:97.

[79] –  الشريف السبتي، رفع الحجب المستورة، ج3، صص:896-897.

[80] –  تناولت الدراسات النفسية والتربوية الحديثة هذا الموضوع بشكل أعمق: يرى تيسير صبحي-وهو واحد من المهتمين بهذه القضية- أن المورثات (الجينات) تلعب “دورا سلبيا يعيق نمو قدرات الفرد الذهنية ويحول دون تطورها فتكون النتيجة شكلا من أشكال الإعاقة أو أكثر. وقد تلعب المورثات دورا إيجابيا في تشكيل الموهبة. ولا يجوز أن نفهم من ذلك أن الموهبة نتاج عوامل وراثية فقط؛ وإنما هي أقرب إلى أن تكون نتاج التفاعل الديناميكي بين العوامل الوراثية والعوامل البيئية”(الموهبة والإبداع، ص:22)؛ ثم أعطى خلاصة مركزة لنتائج أهم الدراسات والأبحاث التي تناولت الموضوع: “لم يتوصل العلماء والباحثون حتى الآن إلى الجزم بدور كل من العوامل الوراثية والعوامل البيئية في تحديد القدرات الذهنية. وهم ينقسمون بصدد ذلك إلى ثلاث مجموعات هي: المجموعة الأولى، وتؤكد أن الدور الرئيس هو للعوامل الوراثية فقط؛ والمجموعة الثانية، وتؤكد أنه للعوامل البيئية. أما المجموعة الثالثة فهي ترى أن مجموعتي العوامل البيئية والعوامل الوراثية هي على الدرجة نفسها من الأهمية والتأثير”(الموهبة والإبداع، ص:24).

[81] –  يزن، أحمد، النقد الأدبي في القيروان في العهد الصنهاجي، مكتبة المعارف، ط1، الرباط، 1985م، ص:157.

[82] –  العمدة، ج1، ص:214.

[83] –  عوض، لويس، نصوص في النقد الأدبي: اليونان، دار المعارف، القاهرة، 1965م، صص:18-19.

[84] –  ارسطو، طاليس، في الشعر، ترجمة شكري عياد، ص:62.

[85] –  القصيدة لأبي زكرياء يحيى بن علي الشقراطي التوزي (تـ466هـ)، وهي من واحد وثلاثين ومائة بيتا (131)، وأولها:

الحمد لله منا باعث الرســـــل هدى بأحمد منَّا أحمد السبــــــــــل
فويل مكة من آثـار وطأتـــــه وويل أمِّ قريش من جــــوى الهَبَل
أم اليمـــامة يوم منه مصطلح وحلَّ بالشام شـــؤْم غير مرتحــل

 أنظر: رحلة العبدري، ص:133.

[86] –  العبدري، رحلة العبدري، ص:133.

[87] –  الغازي، علال، مناهج النقد الأدبي بالمغرب خلال القرن الثامن للهجرة، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، الدار البيضاء، 1420هـ/1999م، ص:104.

[88] –  نفسه، ص:104.

[89] –  ابن خلدون، المقدمة، ص:501.

[90] –  نفسه، ص:502.

[91] –  نفسه، ص:792.

[92] –  نفسه، ص:763.

[93] – ابن الأحمر، نثير الجمان، صص:51-52.

[94] –  المراكشي، الذيل والتكملة، السفر الأول، القسم الأول، ص:152.

[95] – ابن البناء، المراكشي، الروض المريع، ص:160.

[96] –  ابن خلدون، المقدمة، ص:791.

[97] –  الشريف السبتي، رفع الحجب المستورة، ج2، ص:551.

[98] – السجلماسي، أبو محمد القاسم، المنزع البديع في تجنيس البديع، ص:521.

[99] – نفسه، ص:379.

[100] –  ابن خلدون، المقدمة، ص:790.

[101] –  قاسمي، محمد، مصادر التفكير النقدي والبلاغي عند ابن خلدون، مجلة فكر ونقد، العدد: 101، أبريل 2009، دار النشر المغربية، الدار البيضاء. ص:69.

[102] –  القاضي الجرجاني، الوساطة بين المتنبي وخصومه، أبو الحسن علي بن عبد العزيز، تحقيق وشرح: محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي، المكتبة العصرية، ط1، بيروت، 1427هـ/2006م، صص:25-26.

[103] –  الفارابي، الموسيقى الكبير، تحقيق عبد الملك خشبة، دار الكتاب العربي، (د.ط)، القاهرة، (د.ت)، ص:193.

[104] –  العلوي، محمد ابن طباطبا، عيار الشعر، شرح وتحقيق عباس عبد الساتر، مراجعة نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، (د.ط)، بيروت، 1402هـ/1982م، ص:10.

[105] –  ابن الأثير، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، قدمه وحققه وعلق عليه: أجمد الحوفي وبدوي طبانة، دار نهضة مصر للطبع والنشر، (د.ط)، القاهرة، (د.ت)، ص:38.

[106] –  ابن رشيق، العمدة، ج1، ص:196.

[107] – القرطاجني، حازم، منهاج البلغاء وسراج الادباء، ص:26.

[108] –  ابن رشيق، العمدة، ج1، ص:197.

[109] –  ابن رشيق، العمدة، ج1، ص:197.

[110] –  نفسه، ج1، ص:197.

[111] –  القرطاجني، حازم، منهاج البلغاء وسراج الادباء، ص:41.

[112] –  الجاحظ، البيان والتبيين، ج4، ص:24.

[113] –  ابن رشيق، العمدة، ج1، ص:197.

[114] –  العشماوي، محمد زكي، قضايا النقد الأدبي بين القديم والحديث، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، (د.ط)، بيروت، 1979م، ص:1.

[115] –  العشماوي، محمد زكي، قضايا النقد الأدبي بين القديم والحديث، صص:6-7.

[116] –  بدوي، أحمد، أسس النقد الأدبي عند العرب، دار النهضة، (د.ط)، القاهرة، (د.ت)، ص:103.

[117] –  نفسه، ص:93.

[118] –  يرى علي جواد الطاهر أن “الذاتية مشتقة من الذات التي هي جذرها بمعنى المرء إذ يقف لدى نص ينطلق في الإعراب عن موقفه من ذاته هو، مما يحس به ويشعر من جمال أو قبح، فيستحسن تبعا لإحساسه الشخصي أو يستقبح، لا يهمه الآخرون، ولا تهمه القواعد والقوانين وخبرات التاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس وأي شيء آخر غير ما يتركه النص في نفسه من أثر وانطباع. وما يثيره فيه من انفعال… وحكمه في ذلك فردي كما ترى، وقد نشأ النقد أول ما نشأ ذاتيا… والموضوعية نقيض الذاتية تعني في جذرها الخارج عن النفس، وهي أن يزاول الناقد مهمته بتجرد وكأنه غريب عن النص، فلا دخل لإحساساته الشخصية وما يحبه هو في النص وما لا يحبه، وهي على هذا ليست عريقة في التاريخ، ولا بد أنها دخلت النقد الأدبي منتقلة إليه من العلم الصرف (في القرن التاسع عشر)”. انظر كتاب: مقدمة في النقد الأدبي، علي جواد الطاهر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 1979م، ص:341.

[119] –  سماه: في تفسير الذوق في مصطلح أهل البيان وتحقيق معناه وبيان أنه لا يحصل للمستعربين من العجم.

[120] –  ابن خلدون، المقدمة، ص:775.

[121] –  ابن خلدون، المقدمة، ص:775.

[122] –  نفسه، ص:775.

[123] –  نفسه، ص:776.

[124] –  نفسه، ص:777.

[125] –  نفسه، ص:777.

[126] –  المكاوي، مليكة، الشعر ونقده عند عبد الرحمان ابن خلدون، دكتوراه في الآداب مرقونة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس بالرباط، موسم: 2009/2000م، ص:212.

[127] – ابن خلدون، المقدمة، ص:796.

[128] –  نفسه، صص:791-792.

[129] –  العلوي، ابن طباطبا، عيار الشعر، ص:9.

[130] –  القاضي الجرجاني، الوساطة، ط1331هـ، ص:19.

[131] – الآمدي، الحسن بن بشر، الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري، تحقيق السيد صقر، دار المعارف، ط4، (د.ت)، ج1، ص:411.

[132] –  ابن الاثير، المثل السائر، ج1، ص:35.

[133] –  عسو، عمو، المصادر النقدية والبلاغية العربية إبان الغزو المغولي: مناهجها وقضاياها، أطروحة لنيل الدكتوراه في علوم البلاغة والنقد الأدبي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس بالرباط، السنة الجامعية: 1997/1998، ج2، ص: 472.

[134] –  الروبي، ألفت كمال، نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين من الكندي إلى ابن رشد، دار التنوير للطباعة والنشر، ط1، بيروت، 1983م، ص:125.

[135] –  السجلماسي، المنزع البديع، ص:195.

[136] –  ابن البناء، المراكشي، الروض المريع، ص:111.

[137] –  نفسه، ص:111.

[138] –  عسو، عمو، المصادر النقدية والبلاغية العربية، ج2، ص:483.

[139] –  نفسه، ج2، ص:483.

[140] –  عسو، عمو، المصادر النقدية والبلاغية العربية، ج2، ص:483.

[141] –  نفسه، ج2، ص:483.

[142] – أرسطو، الخطابة، ترجمة عبد القادر قنيني، إفريقيا الشرق، (د.ط)، الدار البيضاء، 2008م، ص:64.


Updated: 2021-03-22 — 17:36
JiL Scientific Research Center © Frontier Theme