دور غلاء المعيشة والفقر في زيادة حدة الثورات الاجتماعية في أقطار الوطن العربي


 

دور غلاء المعيشة والفقر في زيادة حدة الثورات الاجتماعية في أقطار الوطن العربي

The role of high cost of living and poverty in increasing the intensity of social revolutions in the Arab countries

Dr. Raed Yacoub  & Dr. Iyad Amawi/ Al-Quds Open University ,Palestine

د. رائد يعقوب •  د. إيّاد عماوي/جامعة القدس المفتوحة، فلسطين

مقال منشور في  مجلة جيل العلوم الانسانية والاجتماعية العدد 77 الصفحة 105.

   

ملخص:

تسعى هذه الدراسة التعرف إلى دور غلاء المعيشة والفقر في زيادة حدة الثورات الاجتماعية في أقطار الوطن العربي. استخدم الباحثان فيها المنهج التحليلي باستخدام المعلومات المتوفرة مسبقا، ومن ثم عملا على تحليلها لتقديم تصور نقدي لدور غلاء المعيشة والفقر في زيادة حدة الثورات الاجتماعية. توصلت الدراسة إلى عدة نتائج أهمها: أن غالبية الثورات العربية قادها الشباب، وأن ظاهرة الفقر وغلاء المعيشة ليست مستوطنة في أقطارنا العربية، بل تعود بالأساس إلى فشل الأنظمة العربية في تحقيق تنمية حقيقية، وهناك استغلال متواصل لجميع الموارد المادية والبشرية التي تمتلكها الدول العربية لصالح الأنظمة السياسية الحاكمة، ففساد الأنظمة السياسية العربية على اختلافها هو الذي هيأ الشعوب العربية إلى اللجوء إلى الشارع، احتجاجاً على الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعيشونها، كما أن تبعية الأنظمة العربية إلى بلدان الاستعمار الأجنبي جعل اقتصادها مرهوناً بمتطلبات تلك البلدان على حساب مواطنيها.

الكلمات المفتاحية: غلاء المعيشة، الفقر، الثورات الاجتماعية، الوطن العربي.

Abstract:

 This study aims to identify the role of high cost of living and poverty in increasing the intensity of social revolutions in the Arab countries. Both researchers used analytical approach depending mainly on a previously available information, and they worked on analyzing this information to provide a critical perception regarding the role of high cost of living and poverty in increasing the intensity of social revolutions.  The study reached several conclusions, the most important of the results, that, most of the Arab revolutions were led by young people, the phenomenon of poverty and the high cost of living is not endemic in our Arab countries but is mainly due to the failure of Arab regimes to achieve real development, and there is continuous exploitation of all material and human resources possessed by the Arab countries for the benefit of the ruling political systems. Corruption of various Arab political regimes is main cause that forced Arab people to take refuge in the street, in protest the difficult living conditions in which they live, moreover, subordination of the Arab regimes on the foreign colonialization countries has made their economy dependent on the requirements of those countries at the expense of Arab citizens.

Key words: High cost of living, poverty, social revolutions, the Arab world.

مقدمة:

تتماثل غالبية الأنظمة السياسية العربية _للأسف_ بعدم قدرتها على الاستفادة من الإمكانيات المادية والبشرية الكثيرة المتوافرة في وطننا العربي، فهي تلجأ إلى استنزاف الموارد المحلية، وتسخيرها لمصالحها الخاصة على أساس ملكيتها لها دون باقي الشعب، وذلك من أجل تدعيم حكمها السياسي والعسكري وفرض سيطرتها الكاملة على كل مناحي الحياة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية … وغيرها. هذا خلق تباعد اجتماعي وطبقي كبير بين فئات المجتمع الواحد. فهناك صاحب السلطة الغني بمال الشعب الذي يملك غالبية الدخل القومي للدولة، وبالمقابل نجد المواطن العربي البسيط الذي لا يملك إلا القليل المتوافر له بعد استغلال كل القطاعات الاقتصادية المهمة في الوطن العربي.

فبرغم من الثروات البشرية والمادية الهائلة التي تتمتع بها دول المنطقة فإن النظم العربية أخفقت في تحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية ولا تزال قطاعات واسعة من الشعوب العربية تعاني الأمية والبطالة وتدني مستويات الدخل وغلاء المعيشة وغياب الخدمات والمرافق، كما أن الفجوة بين الطبقات والمناطق في الدولة الواحدة في اتساع مستمر، وقد أدى تفاقم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وتفشي الفساد بشكل واسع، واستئثار نخب ضيقة مرتبطة بالسلطة بعوائد التنمية إلى تزايد حالة السخط السياسي والاجتماعي، وظهور حركات احتجاجية على نطاق واسع في العديد من الدول العربية[1].

وقد ضاعف فساد الأنظمة العربية من الآثار السلبية لضعف الاقتصاديات، الأمر الذي أدى إلى تزايد الاحباطات، وهيأ المجتمعات العربية للانتفاضة في أي لحظة، خاصة أن معظم الدراسات تؤكد على الارتباط القوى بين الوضع الاقتصادي والثورات الشعبية وبالتالي هناك علاقة مباشرة بين الضغوطات الاقتصادية والثورات الشعبية[2].

وفي هذا الإطار تنطلق الفرضية الاجتماعية في تحليلها لظاهرة العنف من مسلمة مفادها أن العنف هو حالة اجتماعية، تنتج داخل المجتمع، وبالتالي هناك سعي لفهم الاختلالات الاجتماعية التي أدت إلى العنف. وعليه فإن الثورات العربية كانت نتيجة القمع والفساد والفقر والبطالة وارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية والجهد الضعيف الذي بذلته الحكومات لحل هذه المشاكل. كل هذه المشاكل وغيرها كانت سبباً في الثورات، علماً أنها تكفي لوحدها لإثارة الثورة في دول أخرى وأزمنة أخرى، ومن ثم نستطيع القول أن الانفجار كان محتماً[3].

فهيمنة النخب الحاكمة على مجتمع المال والأعمال في الدول العربية، كان سبباً في انتشار معدلات البطالة في تلك المجتمعات، وقد أدى ذلك إلى تنامي مشاعر الاشمئزاز بين العديد من المواطنين العرب لوجود الثروات في أيدي القلة في المجتمع، فالظلم المتزايد والفقر المنتشر في الكثير من المناطق كان سبباً لمعاناة المواطنين من فقر مدقع، وبالتالي تدهور القدرة الشرائية للفرد، والتضخم المالي المتزايد المتمثل في ارتفاع الأسعار وعجز الميزان التجاري بسبب تصاعد الواردات وانخفاض الصادرات، أدى إلى انخفاض القدرة الشرائية للفرد.

وهذا أدى إلى بروز مشكلة الغلاء المعيشي والفقر في الوطن العربي، وما نتج عنها من ثورات احتجاجية، وهذه المشكلات لا تختلف في الواقع عن باقي المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي أخذت تطرح نفسها بقوة خلال السنوات القليلة الماضية، بمعنى أنه لا يجب النظر إليها كمشكلة طارئة يمكن القضاء عليها أو على الأقل التغلب عليها إلى فترات طويلة نسبياً ببعض الإجراءات السطحية أو التدابير الجريئة، فجميع هذه المشاكل كل مترابط بعضه بالبعض الآخر، ويتطلب مواجهتها مواجهة للأرضية نفسها التي تنمو عليها، أي البنية الاجتماعية والاقتصادية في الوطن العربي وسياسة الحكومات التي تكرس هذه البنية. وبعبارة أخرى لا يمكن لتلك المشاكل من فقر وغلاء معيشة، أن تجد حلول صحيحة إلا داخل سياسة اقتصادية واجتماعية شاملة ومتكاملة تستهدف إحداث التغييرات اللازمة والممكنة في تلك البنية، وما عدى ذلك فهو من سبيل المسكنات التي وإن تركت آثار فذلك إلى أمد قصير، ولا تلبث بعده هذه المشاكل أن تطل برأسها ثانية بنفس الأشكال أو أشكال جديدة مختلفة، آخذة في الغالب طابعاً أكثر حدة من السابق[4].

  ولا يمكن اعتبار الفقر هنا حدثاً طارئاً، أو اعتبار ثورة الجياع حراكاً بسيطاً، فالجوع قادر على إحداث تغييرات ربما لا تستطيع أي مبادئ وثورات تحرر إحداثها، لأن الجوع هو ثورة في وجه حياة أقسى من الموت، فإذا لم يستطع النظام أن يطعم تلك الأفواه الجائعة فربما تكون الضربة القاضية لعرشه المتهاوي منذ سنوات. وربما يصبر الإنسان على الظلم من أجل لقمة عيشه والحفاظ على أولاده وعائلته، وهذا ليس معيباً، فقدرات الناس متفاوتة في مواجهة الاستبداد والظلم، لذلك نُسمِّي الثائرين من أجل حريتهم وكرامتهم أبطالاً، ولو كان الأمر سجية أي إنسان أن يثور ولا يحتمل الاعتداء على حريته وكرامته لما كان في الأمر بطولة، ولما حدث الاستبداد أصلاً. وثورة الجياع هي ثورة حق، بل هي من أكثر الثورات تعبيراً عن حقوق الإنسان، إذ إنها ثورة للبقاء، وثورة من أجل العدالة حتى لو لم تصرح بذلك، لأن وجود العدالة يعني عدم وقوع الثورة[5].

ومن هنا جاءت هذه الدراسة لتبحث في الأسباب الحقيقية التي أدت إلى قيام الثورات الاحتجاجية على الأنظمة السياسية في كل الأقطار العربية، ومحاولة اقتراح آليات للحد من الفقر وغلاء المعيشة فيها. فبعد الاطلاع على كثير من هذه الثورات الاحتجاجية، وجدنا الشبه الكبير بينها، والمتمثل في الوضع الاقتصادي المتردي للمجتمعات العربية الناتج عن فساد الأنظمة العربية واستغلالها الكبير للقطاعات الاقتصادية والسيطرة على السوق والمشاريع الاستثمارية، ورفع الأسعار للسلع الرئيسية. مما أدى إلى ارتفاع نسبة الفقر عند غالبية أفراد المجتمع العربي، وخاصة لدى الشباب الذين فقدوا الأمل بالحصول على عمل يوفر لهم الحياة الكريمة، ودفعهم إلى الشارع احتجاج على حياتهم المعيشية السيئة.

أهمية الدراسة ومبرراتها:

    تكمن أهمية هذه الدراسة بأهمية الموضوع الذي تتناوله في البحث والدراسة والمتعلق بالتعرف على دور غلاء المعيشة والفقر في زيادة حدة الثورات الاجتماعية في أقطار الوطن العربي، على اعتبار أن الفقر وغلاء المعيشة أصبحا سمة من سمات الدول العربية الغنية منها والفقيرة، فنجد فئة قليلة (الطبقة العليا)، تسيطر على الاقتصاد والسوق ومقدرات الشعب، وتعيش في رفاهية وبذخ كبيرين. بينما غالبية الشعب من الطبقة الوسطى والطبقة الدنيا تعيش في فقر مدقع، ولا يكفي القليل من الراتب أو الأجر الذي يحصلون عليه مقابل عملهم على تأمين حياة كريمة لهم ولأسرهم، نتيجة ارتفاع الأسعار في جميع مظاهر الحياة. لهذا أصبحت الجماهير العربية لا تستطيع أن تتحمل هذا الاستغلال البشع، وهي على أتم الاستعداد للمشاركة بأي ثورة يمكن أن تغير من واقع الفقر الذي أصبح جزء من حياتهم.

وقد أظهر تقرير الأمم المتحدة وشركائها عام ” 2017التقرير العربي حول الفقر متعدد الأبعاد” والذي شمل واقع الفقر في إحدى عشر دولة عربية، أن الفقر بمختلف أبعاده هو من أكبر التحديات التي تواجهها المنطقة العربية والعالم، والقضاء عليه هو الهدف الأول لخطة التنمية المستدامة لعام .[6]2030

كما أظهرت دراسة للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان عام  2008أن ظاهرة ارتفاع أسعار السلع والبضائع، وخاصة السلع الأساسية كالأغذية، من أكثر الهموم الرئيسية التي تؤرق كاهل السكان في قطاع غزة، الذين يعانون من تدهور خطير في مداخيلهم وتدني قدرتهم الشرائية[7].

ومن هذا المنطلق فإننا نحدد أهمية الدراسة بما يلي:

1 – تحديد دور غلاء المعيشة في زيادة حدة الثورات الاجتماعية في أقطار الوطن العربي.

2 – تحديد دور الفقر في زيادة حدة الثورات الاجتماعية في أقطار الوطن العربي.

3– اقتراح آليات للحد من الفقر وغلاء المعيشة في أقطار الوطن العربي.

إشكالية الدراسة:

  يمكن تحديد الإشكالية على أنها مجموعة من المشاكل والملاحظات والأسئلة التي يطرحها الباحث قصد تحديد مجال بحثه، وبناءً عليه فإننا لاحظنا ارتفاع شدة الاحتجاجات الشعبية ضد أنظمة الحكم في غالبية الدول العربية، لتصل في بعضها إلى ثورة حقيقية غيرت من الأنظمة القائمة بشكل أو بآخر. ويعود ذلك إلى الارتفاع الكبير للأسعار بشكل ملحوظ ودائم، ما أدى إلى ارتفاع غلاء المعيشة، وضعف القدرة الشرائية عند غالبية أفراد مجتمعنا العربي، وهذا بدورة زاد من نسبة الفقر في دولنا العربية، ووضع شرائح كبيرة من السكان تحت خط الفقر.

وبناءً على ذلك فإننا نطرح الأسئلة الآتية:

1 – ما دور غلاء المعيشة في زيادة حدة الثورات الاجتماعية في أقطار الوطن العربي؟

2 – ما دور الفقر في زيادة حدة الثورات الاجتماعية في أقطار الوطن العربي؟

منهج الدراسة:

  اعتمد الباحثان على المنهج التحليلي لملاءمته لطبيعة الدراسة، والذي يتطلب استخدام الحقائق أو المعلومات المتوفرة مسبقا، ومن ثم العمل على تحليلها لتقديم تصور نقدي للحالة أو الظاهرة موضوع الدراسة، والمتمثلة في “دور غلاء المعيشة والفقر في زيادة حدة الثورات الاجتماعية في أقطار الوطن العربي”.

مصطلحات الدراسة:

غلاء المعيشة: تعرف قواميس اللغة غلاء المعيشة أنه “ارتفاع تكاليفها”، والمقصود هنا هو ارتفاع تكاليفها بنسب تزيد عن ارتفاع دخول المواطنين مما يخلق فجوة بين المدخولات والمصروفات (تعريف إجرائي).

الفقر: هو العوز والحاجة أو انعدام وانخفاض الدخل الفردي والقومي مقارنة بالدول المتقدمة وهو الجوع العام الذي لا يجد معه الفرد إشباعاً للحاجات الجسمية والنفسية والاجتماعية وهو زيادة الحاجات الأساسية عن الموارد المتاحة[8].

الثورات العربية، أو الربيع العربي أو ثورات الربيع العربي : هي حركات احتجاجية سلمية ضخمة انطلقت في بعض البلدان العربية خلال أواخر عام 2010 ومطلع 2011، متأثرة بالثورة التونسية التي اندلعت جراء إحراق محمد البوعزيزي نفسه، وكان من أسبابها الأساسية انتشار الفساد والركود الاقتصاديّ وسوء الأحوال المَعيشية، إضافة إلى التضييق السياسيّ والأمني وعدم نزاهة الانتخابات في معظم البلاد العربية[9].

الدراسات السابقة:

دراسة غماري[10] (  2014)، بعنوان: “الثورات العربية بين اليد الخفية والتفكك الاجتماعي: التفسير السياسي والاجتماعي”، حاول الباحث في هذه الدراسة أن يقدم رأياً في الأسباب التي أدت إلى الانتفاضات غير المتوقعة للشعوب العربية، بمقارنته التفسير السياسي (أسطورة اليد الخفية)، بالاجتماعي، متبنياً التفسير الاجتماعي الذي مفاده أن السبب الحقيقي في قيام الاضطرابات، يعود إلى التفكيك المنهجي الذي مارسته الأنظمة الشمولية على مجتمعاتها، حيث أفرغت كل المؤسسات الاجتماعية الفاعلة من قيمتها، محولة مجتمعاتها إلى ملك شاغر، يمكن لأي مغامر أن يتلاعب به كيفما يشاء. وقد قدمت الدراسة مختلف أشكال التفكك الاجتماعي التي مارستها الأنظمة الشمولية على مجتمعاتها، تفكيك حوّل هذه المجتمعات إلى كيانات قابلة للانفجار في أي وقت.

دراسة عبد السلام[11] 2014))، بعنوان: “أسباب قيام ثورات الربيع العربي”، وقد هدفت الدراسة إلى الوقوف على ماهية الثورات وما هي مراحلها وماهي القوى المحركة لها في المجتمعات العربية، كما هدفت إلى التعرض للأسباب السياسية والاقتصادية التي أدت إلى قيام ثورتي مصر وتونس. وتوصلت الدراسة إلى إن العامل الاقتصادي المتمثل بالبطالة وتدني المستوى المعيشي وغيرها، لم يكن العامل الوحيد في الثورتين التونسية والمصرية بل هو أحد العوامل، وإن نسبة تأثير هذا العامل تختلف من قطر إلى آخر، ما يعني إن الثورة سواء في تونس أو في مصر لا يمكن حصرها في عامل واحد، بل هي نتيجة لجملة من العوامل. كما توصلت الدراسة إلى أن الاختلاف ما بين الثورة التونسية والمصرية ما هو إلا اختلاف شكلي، والثورة كانت حتمية نتيجة التردي في أوضاع كل الشعوب العربية.

دراسة خروب[12] (2013)، بعنوان: “أثر ارتفاع الأسعار على زيادة حدة الثورات الاحتجاجية من وجهة نظر النقابات والاتحادات العمالية في مدينة قلقيلية”، هدفت الدراسة التعرف على أثر ارتفاع الأسعار على زيادة حدة الثورات الاحتجاجية في الوطن العربي، وتحديد أثر الثورات الاحتجاجية الناتجة من ارتفاع الأسعار على أمن واستقرار المواطنين ورفاهيتهم الاقتصادية وتوعية المجتمع في معرفة حقيقة ما يحدث على الساحة الفلسطينية ودعم الأفراد الذين لم يستطيعوا التعايش مع ارتفاع الأسعار والتعامل مع المشكلة على محمل الجد. وقد أظهرت نتائج الدراسة أن ارتفاع الأسعار كان له تأثيراً كبيراً في زيادة حدة الثورات الاحتجاجية لدى المواطنون الفلسطينيون ودفعهم نحو الاحتجاج على الحكومة الفلسطينية.

دراسة عبد الشافعي2012) [13])، بعنوان: “الثورات العربية: الأسباب والدوافع والمآلات”، وقد سعت الدراسة إلى بحث الأسباب والمحددات والدوافع التي تقف وراء موجة الثورات والانتفاضات والحركات الشعبية التي شهدتها المنطقة العربية خلال عام2011م، والتي دخل معها العالم العربي حقبة سياسية جديدة، تميزت بعودة الإرادة الشعبية بعد قرون من اختطافها من جانب الطبقات الحاكمة، واستبدالها بشرعيات بديلة. وفي إطار تحليل مسارات تلك الثورات والاحتجاجات وأنماط الاستجابة الرسمية لها اعتمدت الدراسة منهج الارتباط: الذي يقوم على مبدأ أن هناك تداخلاً شديداً بين العوامل الداخلية والعوامل الخارجية في تشكيل الأحداث السياسية التي تشهدها الأطراف التي تتكون منها النظم الإقليمية والدولية، وتقسم الدراسة الثورات والاحتجاجات إلى عدة مستويات أساسية، كما بينت ثورات إسقاط النظام كما حدث في تونس ومصر وليبيا واليمن، والثورات التي تتأرجح بين إصلاح النظام وتغييره كما في سوريا والبحرين، والاحتجاجات المحدودة والاحتواء السريع، كالذي شهدته كل من دول: الكويت وسلطنة عمان والمملكة الأردنية الهاشمية، والعراق، والمملكة العربية السعودية والجزائر، وموريتانيا. وتحاول الدراسة تقديم السيناريوهات المحتملة لمستقبل هذه الأحداث وتأثير كل منها على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في دول المنطقة، فترى انه من المحتمل أن تدور الصراعات السياسية سواء في المرحلة الانتقالية أو بعدها بقليل حول القضايا الحياتية والمعيشية، بدرجة أكبر من القضايا الفكرية والأيديولوجية. في ظل تركيز الثورات على إنهاء الدكتاتورية والفساد وتوفير الحقوق الأساسية ورفع مستويات المعيشة المادية وتعزيز قدر أكبر من الحرية والعدالة والديمقراطية.

دراسة شحاته ومريم[14] (2011)، بعنوان: “محركات التغيير في العالم العربي”، حاولت فيها الباحثتان إلقاء الضوء على أهم الدوافع المحركة للقوى السياسية والاجتماعية المختلفة للثورة، والتي تمثلت بالطفرة الشبابية، والتهميش الاقتصادي والاجتماعي، وغياب الحريات السياسية، وتراجع عوامل الاندماج الوطني، وتصاعد دور قوى خارجية وإقليمية. وتفيد الدراسة بان تراجع الدور الاقتصادي والاجتماعي للدول العربية أثر سلباً على قطاعات كبيرة واسعة كانت تعتمد بشكل كبير على دعم الدولة، ما أدى إلى تزايد مظاهر الفقر والتهميش، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء بشكل ملحوظ، ما تسبب في تصاعد حدة الاحتجاجات المطالبة بمحاربة الفساد والغلاء وتحسين الظروف المعيشية للأفراد.

دراسة سلامة[15] 2011)) بعنوان: “عصر الثورات العربية الأسباب والتداعيات”، توصلت الدراسة إلى ثلاثة أسباب رئيسة كانت وراء اندلاع الثورات الشعبية في البلدان العربية، وهي باختصار: غياب الديمقراطية، والذي كان يعني سيطرة الحزب الواحد والرئيس المخلد الذي يورث الحكم لابنه من بعده، وانسداد الأفق السياسي الذي كان يحرم الجماهير من حقها في المشاركة السياسية، مع ممارسة القمع والتنكيل وتكميم الأفواه، وثاني الأسباب هو: تردي الأوضاع العربية على نحو خطير في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الأمر الذي كان يعني انتشار البطالة والفقر والتخلف واتساع الهوة بين العالم العربي والعالم الخارجي حضاريا وتقنيا، والسبب الثالث: كان فساد الأنظمة وغياب العدالة الاجتماعية، بشكل غير مسبوق وغير محتمل، حيث نشأ تحالف طبقي حاكم دأب على امتصاص دماء وعرق الشعوب واستغلالها، في الوقت الذي كان ينهب ويسرق ويراكم الثروات، بينما الناس تتضور جوعاً وقهراً.

التعقيب على الدراسات السابقة:

أعادت بعض الدراسات السابقة قيام الثورات الاحتجاجية في عالمنا العربي إلى العامل السياسي، المتمثل بغياب الديمقراطية وتعزيز الأنظمة الديكتاتورية حكمها في كثير من الدول العربية، وما نتج عن ذلك من تفكك البناء الاجتماعي وظهور كثير من المشكلات في اغلب الدول العربية، كما ذهبت له دراسة غماري ((2014، ودراسة الشافعي 2012))، ودراسة شحاتة ومريم 2011)).

في المقابل يرى آخرون أن الأسباب الحقيقية للثورات العربية يعود إلى العامل الاقتصادي، والمتمثل بارتفاع البطالة وتدني المستوى المعيشة كما ذهبت له دراسة عبد السلام 2014)). وفي هذا الإطار ركزت دراسة خروب 2013)) على أن غلاء المعيشة هو العامل الأهم لقيام الثورات الاحتجاجية.

بينما تعيد هذه الدراسة قيام الثورات العربية إلى عاملي الفقر الذي يؤرق العائلات العربية والمنتشر في جل الأقطار العربية، وغلاء المعيشة المصاحب له الناتج عن استغلال الطبقة الحاكمة المسيطرة على مقدرات الشعب وأمواله، وما ترتب عليهما من قيام الاحتجاجات والثورات العربية التي قادها الشباب ضد الأنظمة العربية المستبدة، والتي ما زالت إلى الآن في الكثير منها.

محاور الدراسة الرئيسة:

أولاً: دور غلاء المعيشة في زيادة حدة الثورات الاجتماعية في أقطار الوطن العربي.

 يعيش الوطن العربي في غالبية أقطاره حالة من التردي الاقتصادي الناتج عن عجز الأنظمة العربية الحاكمة النهوض باقتصاد مجتمعاتها، نتيجة لسوء الإدارة والاستفادة من الموارد المادية والبشرية المتوافرة فيها بكثرة. فقد شهدنا الكثير من الخطط والاستراتيجيات الاقتصادية الغير ناجحة التي اتبعتها تلك الأنظمة الحاكمة، والتي أدت إلى زيادة الفقر والمديونية العالية لتلك الدول، ولتعويض هذا العجز الاقتصادي لجأت الحكومات إلى مال الشعب، فقامت بخفض الدعم الغير مدروس عن السلع الرئيسية، واعتماد سياسة رفع الأسعار على جميع المنتجات الاقتصادية وخاصة الأساسية منها.

وبهذا أصبح تزايد الأسعار ظاهرة مركبة متعددة الأوجه تتحدد ملامحها في عجز فئة معينة من الناس –على اتساعها– من تحقيق المستويات الدنيا من الاحتياجات الأساسية كالرعاية الصحية والاجتماعية والتعليمية بالإضافة إلى عجز القدرات المختلفة للمشاركة في عمليات التنمية وجني ثمارها. ولعل هذا يشير إلى أن الأزمات الاقتصادية أصبحت لها عواقب وخيمة في المجتمع، ويُلاحظ أيضاً أن ارتفاع الأسعار ترافق معه زيادة في عمليات السطو المسلح على البنوك وتزايد عمليات السرقة والتسول والعنف والقتل لسداد الاحتياجات المختلفة[16].

وكثير ما ترجع الأنظمة العربية ارتفاع الأسعار إلى ما يعانيه الاقتصاد العالمي اليوم من مشكلة الارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار إلى سياسات الاحتكارات التي تمارسها _الشركات متعددة الجنسيات والشركات الرأسمالية والصناعية المتقدمة والمنتجين وكبار المزارعين_ كأداة تصحيحية لإعادة توزيع الدخل لصالح الطبقات الرأسمالية وذلك على حساب الفقراء وذوي الدخول المنخفضة وبهذا الارتفاع المستمر في الأسعار، فإن الأرباح والعوائد التي يحصل عليها أصحاب رؤوس الأموال ومالكي وسائل الإنتاج يتم تمويلها مباشرة من قبل الفقراء الذين يتحملون أعباء الأسعار وأخطاء السياسات الاقتصادية للدولة أثناء اندلاع الأزمات المالية والنقدية، ويرافق ذلك أثاراً اجتماعية كارتفاع معدلات الفقر وسوء مستويات المعيشة واتساع حدة التفاوت في الأجور والدخول بين الشرائح الاجتماعية[17].

وبهذا يكون الغلاء هو المؤشر الاقتصادي لارتفاع معدلات الاستغلال الطبقي في المجتمع العربي. فهو يعني ارتفاع أرباح الطبقة المسيطرة اقتصاديا وسياسيا، ويعني توسعها في استغلال أكبر لفئات اجتماعية أوسع. ومن الواضح أن كل وضع سياسي واجتماعي مؤات للقوى المسيطرة يدفعها لشن هجوم اقتصادي واسع على الفئات الشعبية الفقيرة، وذلك لتدعيم سيطرتها السياسية، وتعزيز هجماتها القمعية والعدوانية كما حصل في فترات مختلفة من التاريخ. هكذا فان كل ارتجاج أو تراجع في ميزان القوى السياسية للحركة الرافضة، ولقوى الممانعة الملتصقة بالجماهير، خاصة الفقراء منهم، يقابله هجوم اقتصادي للقوى الطبقية المستأثرة بالحكم، كأداة لاستغلال الطبقات والفئات الاجتماعية الأخرى التي تعيش دائما على هامش مجتمع الأسياد[18].

وتأتي بعد ذلك الجوانب التي تشكل الترجمة الاجتماعية للسياسة الاقتصادية المتبعة وللتركيب الاقتصادي العام في الوطن العربي لتكون قنوات أخرى لتضخيم ارتفاع الأسعار ولتنتقل بهذا الارتفاع من مجرد ارتفاع في الأسعار إلى مشكلة غلاء حادة. هذه القنوات تتمثل بشكل خاص في الطرق المتبعة في توزيع الدخل القومي وتوزيع العبء الضريبي والاستفادة من شتى الخدمات الاجتماعية[19].

 كما تزداد المشكلة تعقيدا في البلدان التي تعتمد بصورة شبه كاملة على الواردات في تلبية احتياجاتها من الغذاء والدواء، كالبلدان العربية. إذ أن موجات الغلاء شكلت أحد أهم الأسباب التي أدت إلى تدهور المستويات المعيشية، وبالتالي تحولها إلى احتجاجات في هذه البلدان. وإذا كانت البلدان العربية قد وقفت عاجزة أمام ارتفاع الأسعار بسبب تواضع مواردها المالية واعتمدت بصورة أساسية على المساعدات الخارجية[20].

    ففي غالبية الأقطار العربية تشير الأحداث إلى استمرار ارتفاع مستويات أسعار العديد من السلع الاستهلاكية بطريقة لا تتناسب وقدرات الفئات الاجتماعي، التي ترى أنها تقع في دائرة الاستغلال اللامتناهي من قبل الحكومات العربية الغير جادة بتحقيق تنمية شاملة في جميع جوانب المعيشة للمواطن العربي، حتى يبقى مرهون بوجوده لها. وفي نفس الوقت قامت هذه الحكومات برهن جميع مقدرات الدولة للغرب الاستعماري من اجل أن تسمح له بالبقاء في الحكم الاستبدادي.

وقد أكد الباحث خليفة المحرزي المستشار في مركز الحوار للدراسات والبحوث أن الظروف الاقتصادية السيئة التي يعاني منها المجتمع ستلقي بظلالها على أفراد المجتمع. فارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية وغيرها من المواد في الأسواق ستؤدي إلى مشكلات اجتماعية وشخصية عديدة تطال معظم أفراد الأسرة وتعمل على زعزعة الاستقرار النفسي والعاطفي لديه، وأشار إلى أن سوء التغذية والمسكن السيئ يؤثر على سلامة الفرد من الناحية الفيزيقية والنفسية وقدرته على التكيف الاجتماعي[21].

   وتتنوع الآثار الاجتماعية للغلاء وتأثيره على المجتمع، حيث ينعكس هذا الأمر على كل مناحي الحياة ويعمل على بروز العديد من الظواهر السلبية التي تطال كل أفراد المجتمع. فلو تفحصنا الواقع الاجتماعي للدولة لوجدنا كيف كان لزيادة أسعار المواد الاستهلاكية آثار اجتماعية ملحوظة للعيان تمثلت ببعض الممارسات التي انعكست على الأنماط السلوكية لأفراد المجتمع[22].

    وبهذا أضعف ارتفاع الأسعار في كل مناحي الحياة الحلم عند الكثير من الجماهير العربية بالحصول على حياة اجتماعية كريمة تلبي جميع حاجاتهم الآنية، وتنمي لهم حلم أفضل بالمستقبل داخل وطنهم. لكن الواقع المرير الذي يعيشونه مع الارتفاع الحاد للأسعار المتزايد الذي جعل من حياتهم جحيماً لا يمكن تحمله، إضافة إلى قلة الدخل والرواتب الزهيدة التي يحصلون عليها من حكوماتهم والتي تضعهم بشكل آلي دون خط الفقر، جعلهم أكثر إحباطا واستعداداً للثورة على الطبقة الحاكمة التي تهتم فقط في مصالحها دون بقية الشعب، لهذا لجئوا إلى الثورة كحل أخير من اجل التخلص من الحياة المعيشية الصعبة.

آليات التغلب على ارتفاع الأسعار:

الواقع المعيشي الصعب الذي تعيشه الأقطار العربية دفع الجهات المختصة: الأكاديمية والإعلامية والخبراء والمعنيين بضرورة الاهتمام بمعالجة تلك المشكلات ورصد تلك التداعيات الناتجة عن هذه الظاهرة وما نتج عنها من صراعات دامية في (سوريا وليبيا واليمن…وغيرها)، وتفكك البناء الاجتماعي بين مكونات مجتمعاتنا العربية، وتدمير الحياة الاقتصادية وزيادة البطالة والهجرة وضعف الثقة بالنظام الحاكم.

  لهذا كان لا بد من إزالة التأثيرات السلبية المترتبة أو التي سوف تترتب على ارتفاع الأسعار التي من شأنها أن تضعف حركة النمو الاقتصادي في الأقطار العربية أو على الأقل تسهم في بطئها، وهي في حاجة إلى تدخل عاجل من الجهات المسؤولة في تلك الدول باعتبار أن الاستقرار الاجتماعي يمثل ضمانة لاقتصاد مزدهر عماده عجلة إنتاج سريعة الدوران، تديرها الأيدي البشرية المؤهلة والقادرة على الابتكار والتطوير[23].

    فالمعالجة الجدية لمشكلة الغلاء لا تسقط من حسابها أكثر التفسيرات رواجا هذه الأيام للأسباب التي أدت إليها. فهي تأخذ بعين الاعتبار، بل تنطلق من ارتفاع الأسعار في الخارج هو أساس مشكلة الغلاء في بلداننا العربية، كما عليها أن تأخذ بعين الاعتبار وجهة نظر ثانية تؤكد على الأسباب الداخلية والتي تحصرها عموما في وجود الاحتكار وتعدد السماسرة والوسطاء التجاريين الجشعين. لكن هذه التفسيرات كما يروج لها حاليا، إما أنها تأتي لتغطية مواقف محض تبريرية (رد الغلاء إلى أسباب خارجية)، وإما أنها تبقى سطحية وجزئية لا تذهب إلى جذور المشكلة (الاحتكار وكثرة السماسرة والوسطاء). وفي الحالتين تقود إلى حلول تطفو على سطح المشكلة وتبقى قاصرة عن معالجتها بصورة فعالة[24].

    وإن مواجهة مشكلة الغلاء تضعنا في الواقع، وجها لوجه أمام المشكلة الاقتصادية والاجتماعية بتكاملها في الوطن العربي. وعلى وجه التحديد أمام المسألة المركزية في هذه المشكلة التي تكمن في هيمنة إنتاج الخدمات داخل الاقتصاد الوطني، وما يتفرع عن هذه المسألة المركزية من مسائل أساسية أخرى مثل ضعف مجالات الإنتاج السلعي: الزراعة والصناعة وإلحاقهما بمجال إنتاج الخدمات نفسه، حيث تم إلحاق الاقتصاد العربي بمجمله بحاجات الخارج والتقلبات التي تحدث فيه، هذا دون أن ننسى انعدام التوازن في مجالات توزيع الدخل والاستفادة من شتى الخدمات الاجتماعية[25].

ففي دراسة للجامعة العربية 2009 خلصت إلى مجموعة من الإجراءات من أجل الحد من مشكلة غلاء الأسعار في عالمنا العربي من أهمها تخفيض الرسوم الجمركية على سلعة الحبوب إلى أدنى مستوياتها، بجانب تعزيز الدعم الحكومي للغذاء. والعمل على تنفيذ مشاريع تنموية وخدمية لتحسين الظروف المعيشية للسكان ومجابهة التحديات البيئية من الفقر وتوفير فرص العمل. وزيادة المخزون الاحتياطي من السلع الاستراتيجية، مع زيادة السعات التخزينية لصوامع الحبوب[26].

وكذلك اتخاذ بعض الإجراءات الخاصة مثل مراقبة الأسعار، وإصدار قوانين لدعم الإنتاج الزراعي، وتنشيط المؤسسات الاستهلاكية الحكومية وفتح الأسواق الشعبية لتوفير السلع الغذائية بأسعار مناسبة، إضافة إلى تنشيط جمعيات حماية المستهلك. وفي جانب سياسة الإنتاج الزراعي تسعى الحكومات العربية إلى تحسين مستويات الإنتاجية في المشاريع الزراعية القائمة، بجانب التوسع في إنتاج المحاصيل الغذائية الرئيسية وإقامة المشروعات الزراعية المشتركة كما هو الحال بالنسبة للمشروعات الزراعية المشتركة بين السودان وكل من الأردن والسعودية وسوريا ومصر.

   وهنا يجب أن نؤكد على أهمية التكامل الاقتصادي العربي من أجل الخروج من الحياة المعيشية الصعبة، وعدم رهن اقتصادنا وشعوبنا لبعض الدول العربية التي تسعى جاهدة من أجل فرض سيطرتها وهيمنتها عليها بما تملك من مال يتم توظيفه في تغذية النزاعات والصراعات الداخلية من خلال دعم أطراف النزاع. ولو وجه هذا المال إلى تحسين وتطوير الاقتصاد لتغير وقعنا الاقتصادي العربي الهش، ولأصبحنا من أكثر الدول استقراراً وجذباً للاستثمارات العملية التي سوف تنقل أقطارنا لصفوة الدول المتقدمة.

ثانيا: دور الفقر في زيادة حدة الثورات الاجتماعية في أقطار الوطن العربي.

تعاني الأقطار العربية من مستويات عالية من الفقر عند غالبية سكانها وفئاتها الاجتماعية، وفي نفس الوقت تشهد ارتفاعا كبيراً في معدلات غلاء المعيشة المتزايد، الذي جعل المواطنين العرب لا يحصلون على أدنى متطلبات الحياة الكريمة التي تحفظ لهم كرامتهم، وتحقق لهم أمنهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الغائب عنهم نتيجة تحولهم إلى أداة أو شيء يمتلكها ويستغلها الحكام العرب وعائلاتهم ومن والاهم من أصحاب الطبقة العليا، من أجل زيادة ترفهم وبذخهم بمال غير مالهم.

ونتيجة لهذا الوضع السيئ الذي تعيشه الأقطار العربية من فقر وغلاء معيشة وما صاحبها من تدني مكانة الإنسان العربي، تداعت الشعوب العربية إلى الثورة والتمرد على النظم الحاكمة بكل مسمياتها من أجل رفع الظلم المتأصل في طبيعة الأنظمة العربية الديكتاتورية، فلجئوا إلى شوارع المدن العربية، مطالبين بحقهم في العيش بكرامة داخل مجتمعاتهم. وترتب على ذلك دخول كثير من الأقطار العربية في عملية تغيير النظم القائمة أو في صراعات دامية ما زالت إلى الآن تحصد أرواح الكثير من أبناء هذا الشعب المستضعف.

وبهذا تعد ظاهرة الفقر واحدة من أهم المعضلات التي واجهتها المجتمعات والحكومات خاصة العربية منها، وفي القديم ارتبطت الفقر بفقدان الموارد والحروب التي تؤدي إلى الاستعباد والقهر ، واليوم أصبح الفقر من أكثر المشاكل التي تواجه المجتمعات العربية، لما ترتب عليه من انهيار كثير من الأنظمة العربية، والتي رأت أن الاستغلال المتواصل لمواردها ولشعبها، يجعل من حياتهم مرهونة في بقاء هذه الأنظمة والحفاظ عليها وحتى تقديسها، متناسية أن الظلم المتواصل للشعب وحرمانه من الحياة الكريمة، سيدفعه في النهاية إلى القضاء على هذه الأنظمة المستبدة، من أجل تحقيق مستوى معيشة ومستقبل أفضل.

ولا يمكن اعتبار الفقر حدثاً طارئاً في أقطارنا العربية، أو اعتبار ثورة الجياع حراكاً بسيطاً، فالجوع قادر على إحداث تغييرات ربما لا تستطيع أي مبادئ وثورات تحرر إحداثها، لأن الجوع هو ثورة في وجه حياة أقصى من الموت، فإذا لم يستطع النظام أن يطعم تلك الأفواه الجائعة فربما تكون الضربة القاضية لعرشه المتهاوي منذ تسع سنوات[27].

وثورة الجياع في بلداننا العربية هي ثورة حق، بل هي من أكثر الثورات تعبيراً عن حقوق الإنسان، إذ إنها ثورة للبقاء، وثورة من أجل العدالة حتى لو لم تصرح بذلك، لأن وجود العدالة يعني عدم وقوع الفاجعة. وإن الذين يقودون حراك الناس اليوم من أجل لقمة العيش هم أفضل ممَّن يسكت حتى يموت قهراً وذلاً، وإن ثورةً تمت من أجل الخبز لقادرة أن تحمل في رغيفها كل القيم التي تقاتل من أجلها الثورات، وستمنح فرصة جديدة عند من يريدون القتال والثورة من أجل مبادئهم ليعودوا من جديد، لكن هذه المرة معهم حجة بالغة وهي الأمعاء الخاوية والبطون الجائعة، يستطيعون بها حشد الناس وقيادة حراكهم من أجل كلّ القضايا جملة واحدة[28].

ففي دراسة للبنك الدولي 2015 أظهرت نتائجها أنه من منظور البيانات الاقتصادية وحدها، ما كان ينبغي أبدأ أن تحدث ثورات الربيع العربي عام 2011. فالأرقام من العقود السابقة تعطي صورة مشرقة: للمنطقة حقَّقت تقدما مطردا نحو القضاء على الفقر المدقع، وتعزيز الرخاء المشترك، وزيادة معدلات الالتحاق بالتعليم، وخفض أعداد الجوعى ووفيات الأطفال ووفيات الأمهات. وكانت الإصلاحات تمضي قدما، ومعدل النمو الاقتصادي معتدلاً[29].

لكن في أواخر عام 2010 وأوائل عام 2011، نزل ملايين المواطنين إلى شوارع مدن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مطالبين بالتغيير، وبدأ الشارع العربي يتحدَّث عن وضع لم تكن المؤشرات الكمية القياسية تنبَّأت به. وخلصت نتائج الدراسة إلى أن تنامي وانتشار مشاعر عدم الرضا عن مستويات المعيشة، والمنعكسة في نتائج المسوح التي ركزت على تصورات المواطنين لا في البيانات الموضوعية، هو السبب الرئيسي في الانتفاضات. فالمواطن العادي ولاسيما من أفراد الطبقة المتوسطة يشعر بإحباط بسبب تدهور مستويات المعيشة نتيجة لنقص فرص العمل في القطاع الرسمي، وسوء الخدمات العامة، والافتقار إلى آلية لمساءلة الحكومية[30].

فمثلاُ لم تكن دوافع ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير في مصر عام 2011، سياسية فقط. بل كانت الأوضاع المعيشية والاقتصادية والاجتماعية من أهمّ محركاتها. ويمكن أن نلاحظ هذا الأمر ببساطة من خلال قراءة الشعارات التي رفعها المتظاهرون حينها، والمتمثلة في (عيش – حرية – عدالة اجتماعية – كرامة إنسانية). والمتأمل لهذه الشعارات يرى أن الفقر في حد ذاته لا يؤدي إلى الثورات، لكنّ الخلل في توزيع ثروات الأوطان ومواردها على المجتمع هو ما يحرك الغضب في الصدور والذي يتحول، مع مرور الوقت وكثرة الضغوط إلى يأس يرى في الثورات سبيلاً للخلاص[31].

وهنا كانت ثورات الشباب العربي القائمة على خلفية عوامل الفقر والاضطهاد والتهميش ومصادرة الحريات الشخصية والعامة، هي ثورات واعدة، في ظل مجتمعات عربية تشكل فيها التركيبة السكانية الشبابية أكثر من 50%، وتجري في عالم منفتح على مصراعيه، تسقط فيه قيمة الأجهزة الأمنية والمخابراتية القمعية والتقليدية، مهما بلغت من قوة وكيد، وهو عالم الحقبة الالكترونية المعلوماتية، والذي يعبئ أذهان الشباب بقيمة البديل الأفضل، ويسهل اندماجهم في مجموعات فاعلة وايجابية، وخاصة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ويضع تجارب الشعوب المتقدمة أمام نصب أعين الشباب الثائر، مما يشكل لديهم دافعية اكبر للفعل الثوري والاستمرار به، ويسهم بدوره في رسم ملامح ذات فردية واجتماعية افتراضية متقدمة مفعمة بالعطاء مقابل الذات المهشمة من قبل قوى الاستبداد[32].

ولا شك أن الفقر آفة قاتلة ومدمرة من آفات العصر، فهو لا يؤدي إلى العوز المادي والحرمان فقط، وإنما يؤدي إلى المرض والجهل، وعدم توافر الغذاء الجيد، أو المسكن الملائم أو التعليم المناسب، فضلاً عن أنه يسبب الشعور بالمذلة والإهانة، كما يشعر صاحبه بفقدان الثقة بالذات أو النفس ويدفعه بالشعور بالسخط والحقد الاجتماعي والتفكيك الأسري، لما يسببه الفقر من الحرمان، فإنه ينمي شعور الحقد الطبقي والصراع وخاصة تجاه الأغنياء في المجتمع وإذا كان الفقر يهدد الصحة فإنه يضعف من الكفاءة والإنتاجية للفرد وبذلك يقلل من الإنتاج القومي الذي هو عصب الاقتصاد[33].

وتكمن خطورة الفقر في تأثيراته السلبية على المجتمع في نواحي الحياة المختلفة الصحية والتربوية والثقافية والاجتماعية فإليه يعزى ثلثا مشاكل المجتمع التي تقض المضاجع وتؤرق البيوت وتدمي القلوب وتشعل النفوس هما وكمدا لذلك كله اعتبر الفقر عدوا للإنسان كونه يمثل دافعا قويا لا يمكن بالسهولة إيقافه يدفع الإنسان إلى فعل أي شيء ولو كان مشينا ومجرما لتلبية متطلباته والحصول على احتياجاته الضرورية التي لا يمكن أن يستغني عنها كتعويض للحرمان الذي عاشه بسبب هذا الفقر الذي يخيم فوق حياته فالفقر هو مولد الثورات والجريمة[34].

وبسبب التداعيات المستمرة للغلاء أصبح الفقر يأخذ مفاهيم ومسميات مختلفة لتعدد مؤشراته وتداعياتها فأصبح يعرف بأنه عدم القدرة على تحقيق حد أدنى من مستويات المعيشة والمتطلبات الاقتصادية والاجتماعية وذلك للارتباط القوي بين المؤشرات الاجتماعية وانتشار الفقر الذي يُعزى بصفة أساسية لانخفاض الدخل والذي يترتب عليه نقص الطعام وسوء التغذية مع تدني مستوى الخدمات الاجتماعية كالصحة والتعليم والثقافة بالإضافة إلى تدني أو انعدام المشاركة السياسية المجتمعية[35].

وفي هذا الإطار يشير تقرير الأمم المتحدة 2017 إلى ارتفاع معدلات الفقر المدقع على الصعيد الإقليمي، إذ تبلغ نسبة عدد الفقراء فقراً مدقعاً13.4 % 38.2) مليون)، أما النسبة التي أظهرها دليل الفقر المتعدد الأبعاد للفقر المدقع فهي 6.6 في المائة. أما على مستوى الفقر الذي يتضمن ايضاً الفقر المدقع، فهي أعلى بكثير. فتبلغ نسبة عدد الفقراء في البلدان العشرة التي شملتها الدراسة نحو 40.6 في المائة 116.1) مليون)، بينما يبلغ دليل الفقر المتعدد الأبعاد 20.6 في المائة. ويبلغ المتوسط الإقليمي لشدة الفقر (مؤشر شدة الفقر) نحو 50 في المائة لكل من الفقر المدقع والفقر. وصنفت الدول العشر التي شملتها الدراسة ثلاث مجموعات استناداً إلى معدلات الفقر فيها. فبالنسبة للفقر المستشري، تشمل المجموعة الأولى البلدان ذات المستويات المنخفضة للغاية للفقر المدقع والفقر، وتضم الأردن وتونس والجزائر ومصر. أما المجموعة الثانية فتشمل المغرب والعراق، وفيها مستويات منخفضة من الفقر المدقع ومتوسطة من الفقر. أما المجموعة الثالثة فتضم بقية البلدان الأقل نمواً، أي جزر القمر وموريتانيا والسودان واليمن، ولديها مستويات متوسطة ومرتفعة من الفقر المدقع والفقر[36].

ومن خلال هذه الدراسة نلاحظ أن الأقطار العربية على اختلافها، قد تأثرت بشكل أو بآخر بمستويات الفقر المتعدد الذي طال شرائح كبيرة منها، وحرمها من أبسط مقومات الحياة الذي يسمح لها بالعيش في مجتمعها دون انتظار تلقي المساعدات والمشروط من الجهات المختلفة، التي تسعى جاهدة بربط هؤلاء الفقراء بها، حتى لا يلجئوا إلى الثورة عليها، مدفوعين بطموحهم بالحصول على مستقبل أفضل، ومعيشة يتوافر فيها جميع حاجاتهم الأساسية والكمالية.

آليات التخلص من الفقر كحل للثورات الاحتجاجية:

مكافحة الفقر والقضاء عليه هي عملية متكاملة مستمرة يجب أن يشارك فيها الجميع، من خلال وضع خطط واستراتيجيات عملية قابلة للتطبيق والتنفيذ تتناسب وواقعنا العربي وإمكانيتنا المتوافرة، بحيث تضمن حياة كريمة وتكافلا اجتماعياً ناجحاً واستقراراً اقتصادياً، وصولاً إلى القضاء على الفقر وتحقيق التنمية المنشودة.

فالفقر قنبلة اجتماعية موقوتة حيث تتفاقم الآثار الضارة والسلبية للفقر إذا رافقها مظاهر اجتماعية سلبية أخرى كضعف العدالة الاجتماعية، واستشراء الفساد، وقصور الخدمات الاجتماعية وغير ذلك وعندها يصبح الفقر كالقنبلة الموقوتة التي قد تنفجر في ظروف معينة لتأخذ شكلاً من أشكال التململ الاجتماعي والصدام مع السلطة أو بين شرائح وفئات من المجتمع على خلفية أسس غير إنسانية، ذلك أن الفقر يثير في النفس البشرية الأسوأ من خصائصها وسماتها[37].

وبهذا يعد الفقر آفة كبيرة في حياة الأمم ومصيبة عظيمة تجتاح الشعوب وبلاء شديد تسقط في هاويته السحيقة المجتمعات، ولكن مع ذلك فإن الخلاص منه ممكن وتجاوز مشكلاته مقدور عليها إذا توافرت رغبة حقيقية من قبل الجهات الحاكمة والمسئولة عن إدارة حياتنا، بالعمل على النهوض بمجتمعاتها في جميع مجالات الحياة التي تهم شعوبها، دون التفات إلى مصالحها الضيقة والمتمثلة بالحفاظ على كرسي الحكم بأي سبيل كان، حتى لو كان على حساب شعوبها البسيطة والمقهورة.

والجدير بالذكر أن الفقر ليس مستوطنا في المنطقة العربية، بل هو نتيجة لظروف تاريخية وسياسية واقتصادية أدت، في ظل غياب التخطيط السليم والإدارة القائمة على المنهج العلمي العصري، إلى تراجع في النمو الاقتصادي، ومن ثمَّ إلى خلل في الوضع الاجتماعي، أدى بدوره إلى تفاوت في مستويات المعيشة. وأسفر هذا التراجع عن تعثر في مواكبة التطور الاقتصادي والتنمية، ولاسيما في البلدان العربية الأقل قدرة وثروة، والتي استطاعت أن تخرج من دائرة الفقر، ولكنها لم تحرز تقدماً قوياً على مسار التنمية[38].

والفقر هنا ليس نقصاً في الدخل فحسب بل هو تهميش لطبقة كبيرة في المجتمع وحرمانها من الحد الأدنى من الحاجات الضرورية التي تضمن لها المشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية وتتشابك مشكلة الفقر مع قضايا كثيرة معاصرة كلها تتعلق بقضايا التنمية الاقتصادية فالفقر عملياً نقيض لعملية التنمية الشاملة.

ومن هنا أصبح واضحاً الاهتمام الكبير بمفهوم الفقر وأسبابه ومظاهره وآثاره وعلامة ذلك بتوزيع الثروة في المجتمع وطرق الحصول عليها، وقد تزايد الاهتمام بضرورة القضاء على الفقر بعد اختتام القمة العالمية للتنمية الاجتماعية في كوبن هاغن عام 1995م والتي دعت إلى التزام عالمي بمكافحة الفقر وإزالة آثاره، بحيث تم وضع خطط عالمية ومحلية لمحاربة الفقر بجميع أشكاله، وحتى بداية التسعينيات ظل العالم ينظر إلى الفقر على أنه الحرمان المادي. وكان أسلوب مكافحة الفقر في ذلك الوقت يعتمد على النمو الاقتصادي سوف يؤدي تلقائياً إلى القضاء على الفقر، ثم أخذ مفهوم الفقر يتسع ليأخذ نظرة أكثر شمولية تعتبر أن الحرمان المادي هو أحد عناصر الفقر، وتعترف بوجود مظاهر أخرى للفقر وهي عدم إمكانية الفرد من الوصول إلى موارد مهنية مثل التعليم والتدريب والوضع الصحي الجيد وفرص العمل المناسبة والأجور المرتفعة التي توفر الحياة الكريمة. فمثلاً ينتشر الفقر في الأراضي الفلسطينية حيث يعاني المجتمع الفلسطيني من مختلف أنواع الفقر والحرمان كما أن هناك فئات من المجتمع تعاني من الهشاشة والتي تجعلها معرضة للفقر، مما يعاني منه الشعب الفلسطيني من فقر وحرمان يرتبط بشكل أو بآخر بالاحتلال الإسرائيلي[39].

إن مكافحة الفقر يجب أن تستهدف استئصال الفقر من الجذور، عبر تمكين كافة أبناء المجتمع، وفي مقدمتهم الغالبية الاجتماعية من الفقراء من الحصول على فرص متكافئة لتملك رأس المال، ومن ثم تمكينهم من الحصول على نصيب متكافئ من الدخل الوطني وتعزيز برامج المشاريع الصغيرة[40].

وبهذا يكون مكافحة الفقر ليس بالأمر العسير، إذا توفرت الإرادة الحقيقية من قبل أصحاب القرار، وشارك بها المجتمع المحلي بمؤسساته وأفراده. من خلال تبني البرامج والسياسات الإنمائية التي تتناسب وأقطارنا العربية، وتمويل المشاريع الصغيرة التي تشرف عليها الحكومة وتراقبها، والعمل على رفع الحد الأدنى للأجور بما يتناسب ومستويات المعيشة في أقطارنا العربية، وتعزيز الاستثمار في جميع القطاعات الإنتاجية، وتوفير فرص العمل لجمهور الشباب، والحد من نسب البطالة، وتشجيع المواطن العربي العودة إلى استثمار وزراعة الأرض من خلال دعم الصناعات الريفية وفتح السواق العالمية لها… الخ.

نتائج البحث:

خرج البحث بمجموعة من النتائج أهمها:

1– غالبية الثورات العربية التي شهدها العالم العربي ابتداء من تونس إلى بقية الدول العربية قادها الشباب تحت مسمى “ثورة الربيع العربي”، ثم التحق بها العديد من الأحزاب السياسية والفئات المجتمعية. وكان السبب الرئيسي لها هو غلاء المعيشية الكبير، الذي لا يتناسب مع المستوى المتدني للدخل لتلك الدول، وما ترتب على ذلك من زيادة الفقر وارتفاع نسب من يعيشون دون خط الفقر.

2– من الملاحظ أن ظاهرة الفقر وغلاء المعيشة ليست مستوطنة في أقطارنا العربية، بل تعود بالأساس إلى فشل الأنظمة العربية في تحقيق تنمية حقيقية، والقدرة على نقل المجتمع من حالة الفقر إلى حالة الرفاهية، التي تطمئن الشعوب العربية بمستقبل معيشي أفضل، يحفظ لهم كرامتهم وأمنهم الاجتماعي.

3– الاستغلال المتواصل لجميع الموارد المادية والبشرية التي تمتلكها الدولة لصالح الأنظمة السياسية الحاكمة بغض النظر عن مسمياتها، حيث أصبحوا مالكين فعليين لجميع مقدرات الوطن وللدخل القومي للدولة. باعتباره حق مكتسب لهم ولعائلاتهم، دون بقية المجتمع، ينفقوه على ملذاتهم وشهواتهم وفتنهم، وهذا ما زاد من فقر المجتمع ومن سخط الشعوب العربية على هذه الأنظمة الاستبدادية القمعية.

4–تبعية الأنظمة العربية إلى بلدان الاستعمار الأجنبي الحديث والمتمثل بالولايات المتحدة الأمريكية، سعيا منها للحفاظ على وجودها في الحكم، وجعل اقتصادها مرهون بالمتطلبات الأمريكية التي لا تنتهي من خلال دفع مليارات الدولارات (كجزية) من قبل الدول الخليجية النفطية، التي كانت تعد سابقاً دول غنية. بينما الدول التي يغلب عليها طابع الفقر عند غالبية شعوبها فإنها أرهنت سيادتها واقتصادها وشعبها وتاريخها خدمة للمخططات الاستعمارية في المنطقة والمتمثل في دعم الكيان الصهيوني على حساب الدولة الفلسطينية والشعوب العربية المقهورة. وهذا ما نشهده من خلال تسارع قطار التطبيع مع الكيان الغاصب في فلسطين، مقابل الحصول على حفنة قليلة من المال كما حصل مع السودان والمغرب.

5– الثورات العربية التي شهدتها الأقطار العربية منذ عام 2011 وقادها الشباب العربي، لم تنجح في تحقيق أهدافها المتمثلة بتوفير فرص حياة أفضل، وتحويل الأنظمة السياسة اتجاه تبني الديمقراطية كأسلوب للإدارة والمعيشة. بل للأسف تعزز حكم العسكر المدعومين من الاستعمار الأمريكي والإسرائيلي. وبهذا أثبتت كل تلك التجارب أن أي اتجاه نحو التغيير، لا يجب أن يغير النظام السياسي المستبد فقط، بل يجب أن يحدد الأسس القانونية والإدارية لشكل النظام الوطني الجديد، القائم على الكفاءات البشرية الإدارية والعلمية القادرة على الانطلاق بالمجتمع نحو تحقيق اقتصاد كبير ينافس أكبر الاقتصاديات العالمية. وهذا بدوره سوف يرفع من الناتج القومي المحلي للدول العربية، وبالتالي سيعمل على تحسين المستوى المعيشي لجميع فئات المجتمع العربي وخاصة الشباب منه، وإنهاء حالة الفقر الذي أصبح جزءاً من حياة الكثير من أبناء وطننا العربي.

6– فساد الأنظمة السياسية العربية على اختلافها هو الذي هيأ الشعوب العربية إلى اللجوء إلى الشارع، احتجاجاً على الأوضاع المعيشية الصعبة ، وعلى محاربة ارتفاع الأسعار الذي لا ينتهي، وزيادة نسبة البطالة في المجتمع بصورة عامة والشباب بصورة خاصة، رافق ذلك ضعف الاستفادة من الموارد المحلية وقتل القطاع العام لمصلحة القطاع الخاص، وتسخير الاقتصاد الوطني لفئة قليلة جشعة من أصحاب الطبقة العليا الذين لا يهتمون إلا بزيادة رأس مالهم بغض النظر عن الأسلوب الذي يتبعونه من احتكار للسلع والرشوة.

7 – استنزفت الحكومات العربية المواطن البسيط من خلال تبنيها الكثير من القوانين العقيمة التي تزيد من فقرهم وبؤسهم وخضوعهم، فوضعت استراتيجيات غير ملائمة لتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية وسياسية تناسب جميع الشعوب العربية. فأصبح المجتمع العربي يمتاز بفئة قليلة تملك الموارد، وغالبية الشعب يعيشون ظروف اقتصادية صعبة جعلتهم يعيشون تحت خط الفقر، الذي حرمهم من العيش بكرامة في مجتمعاتهم. مما أدى إلى اتخاذهم أصعب القرارات وهو محاولة اللجوء إلى العالم الغربي بشتى الوسائل القانونية وغير القانونية.

8– التشابه الكبير في أسباب الثورات العربية على الأنظمة السياسية المستبدة، والمتمثل بالاستغلال الكبير والبشع للمواطن العربي البسيط، من خلال تبني الحكومات سياسة ارتفاع الأسعار كأساس لرفد ميزانية الدولة بالأموال، الأمر الذي أدى إلى زيادة حدة الفقر عند كثير من أبناء الوطن العربي.

توصيات البحث:

خرج البحث بمجموعة من التوصيات أهمها:

1– ضرورة العمل على تغيير الأنظمة العربية على اختلاف مسمياتها، لكونها السبب الحقيقي في حياة الفقر والبؤس الذي يعيشه المواطن العربي.

2– تغيير الأنظمة العربية لا يجب أن يكون هو الهدف النهائي لهذه الثورات العربية، بل العمل على توجيه الثورات العربية إلى تبني النظام الديمقراطي القائم على الكفاءات العلمية والمهنية المتخصصة كأساس للنظام السياسي الحاكم.

3– تبني الحكومات الديمقراطية خطط واستراتيجيات قادرة على تحقيق نمو اقتصادي حقيقي في جميع الأقطار العربية، مما سيرفع من المستوى المعيشي لأفراد المجتمع وبالتالي انخفاض نسب الفقر بدرجة كبيرة.

4– العمل على تحسين الوضع الاقتصاد العربي من خلال الاستفادة الفاعلة من الموارد المادية والبشرية التي تتوافر فيها بكثرة ، وليس من خلال سياسة رفع الأسعار غير المدروسة.

5– جعل الإنسان العربي هو محور الانطلاق بالاقتصاد العربي نحو العالمية.

6– عدم رهن اقتصادنا العربي بالتبعية للاقتصاد الغربي القائم على سياسة فرض التبعية على جميع اقتصاديات العالم النامي لمصلحته الخاصة.

7– عدم تمكين السياسيين والبرجوازيين والعسكريين والتجار الجشعين من التحكم بمصير وحياة الشعوب العربية من خلال استغلال الاقتصاد لصالحهم.

قائمة المراجع:

  1. الأمم المتحدة وشركائها، 2017، التقرير العربي حول الفقر متعدد الأبعاد، مطبوعات الأمم المتحدة الاسكوا، بيروت، لبنان. https://www.unescwa.org/ar/publications
  2. أحمد، حلا، 2019، التداعيات الاجتماعية لظاهرة ارتفاع الأسعار في مصر، المعهد المصري للدراسات. https://eipss-eg.org
  3. البنك الدولي، 2019، احباطات الطبقة المتوسطة أجّجت ثورات الربيع العربي.

https://www.albankaldawli.org/ar/news/feature/2015/10/21/middle-class-frustration-that-fueled-the-arab-spring

  1. جامعة الدول العربية، 2009، تداعيات ارتفاع الأسعار العالمية للمواد الغذائية الأساسية وتأثيرها على مستوى معيشة المواطن العربي. http://www.aoad.org/publications/risingpricesfood.pdf
  2. الجندي، داع الإنصاف، 2016، “توزيع خريطة الفقر في مصر دليل على غياب العدالة الاجتماعية”.
  3. الحسن، عبد الله، 2005، الفقر في فلسطين سياسته ومكافحته، كلية الدراسات العليا جامعة النجاح، نابلس، فلسطين.
  4. خروب، حنان، 2013، أثر ارتفاع الأسعار على زيادة حدة الثورات الاحتجاجية من وجهة نظر النقابات والاتحادات العمالية في مدينة قلقيلية، مشروع تخرج غير منشور، إشراف د. رائد يعقوب، جامعة القدس المفتوحة.
  5. رشوان، حسين، 2007، الفقر والمجتمع – دراسة في علم الاجتماع، الإسكندرية، مصر.
  6. الرضيع، حسن، 2014، ظاهرة ارتفاع الأسعار في الأراضي الفلسطينية: الأسباب والتحديات وسبل العلاج، مجلة دنيا الوطن. https://www.alwatanvoice.com/arabic/news
  7. الزبيدي، نجيب محمد، 2013، الفقر مولد الثورة والجريمة، صحيفة الثورة. http://althawrah.ye/archives/322089
  8. سلامة، عبد الغني، 2011، عصر الثورات العربية الأسباب والتداعيات، الحوار المتمدن، عدد 3332، ص 10-47.
  9. شحاتة، دينا، 2011، ومريم وحيد، محركات التغيير في العالم العربي، مجلة السياسة الدولية، العدد 184، المجلد 46، ص 10 – 17.
  10. صالح، عامر، 2019، قراءة نفسية اجتماعية في آفاق ثورات الشباب في العالم العربي، مقالات ودراسات وابحاث اجتماعية المجتمعات الجزائرية والعربية. https://sites.google.com/site/socioalger
  11. طاحون، زكريا، 2007، الإنسان المعاصر صانع الأزمات، سلسلة صوت البيئة، القاهرة، ص148.
  12. الطنطاوي، السيد، 2008، ارتفاع الأسعار ينشر الأمراض الاجتماعية، صحيفة البيان.
  13. عبد السلام، آية، 2014، أسباب قيام ثورات الربيع العربي، المركز الديمقراطي العربي. https://democraticac.de/?p=1393
  14. عبد الشافعي، عصام، 2012، الثورات العربية: الأسباب والدوافع والمآلات، مجلة البيان.
  15. العبسي، احمد، 2020، ثورة الجياع … هل يستطيع الفقر تغيير المعادلة، صحيفة حبر، عدد 338. https://hibrpress.com
  16. العسومي، محمد، 2020، معالجة ارتفاع الأسعار، مجلة الشرق.

 https://al-sharq.com/opinion/04/09/2011

  1. عيسى، محمد، 2010، المشروعات الصغيرة والمتوسطة بوصفها إحدى آليات خفض الفقر في البلدان العربية، مجلة بحوث اقتصادية عربية، العدد 50. https://iefpedia.com/arab/?p=21590
  2. العيسوي، عبد الرحمن، 2009، تحليل ظاهرة الفقر، جامعة الإسكندرية، مصر.
  3. غماري طيبي، 2014، الثورات العربية بين اليد الخفية والتفكك الاجتماعي: التفسير السياسي والاجتماعي، حوليات: مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية/ جامعة البلمند، العدد 15، ص 7 – 23.
  4. المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، 2008، ظاهرة ارتفاع الأسعار في قطاع غزة، فلسطين. https://www.pchrgaza.org/ar/?p=6830
  5. المصري، سلوى، تشخيص الفقر في الأردن، عمان، 2002.
  6. الوجداني، 2008، سعيد، الغلاء وارتفاع الأسعار، جريدة هيسبرس. https://www.hespress.com/opinions/6369.html
  7. ويكيبيديا، الربيع العربي،2012. https://ar.wikipedia.org/wiki

[1] دينا شحاتة، ومريم وحيد، 2011، محركات التغيير في العالم العربي، مجلة السياسة الدولية، العدد 184، المجلد 46، ص 11.

[2] طيبي غماري،2014، الثورات العربية بين اليد الخفية والتفكك الاجتماعي: التفسير السياسي والاجتماعي، حوليات: مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية/ جامعة البلمند، العدد 15، ص 18.

[3] المرجع نفسه، ص9.

[4] سعيد الوجداني،2008 ، الغلاء وارتفاع الأسعار، جريدة هيسبرس.

[5] احمد العبسي، 2020، ثورة الجياع … هل يستطيع الفقر تغيير المعادلة، صحيفة حبر، عدد 338.

[6] الأمم المتحدة وشركائها،2017، التقرير العربي حول الفقر متعدد الأبعاد، مطبوعات الأمم المتحدة الاسكوا، بيروت، لبنان.

[7] المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، 2008، ظاهرة ارتفاع الأسعار في قطاع غزة، فلسطين.

[8] حسين رشوان،2007، الفقر والمجتمع – دراسة في علم الاجتماع، الإسكندرية، مصر.

[9] ويكيبيديا،2012 ، الربيع العربي.

[10] طيبي غماري،2014، مرجع سابق، ص 7-23.

[11] آية عبد السلام،2014، أسباب قيام ثورات الربيع العربي، المركز الديمقراطي العربي.

[12] حنان خروب،2013، أثر ارتفاع الأسعار على زيادة حدة الثورات الاحتجاجية من وجهة نظر النقابات والاتحادات العمالية في مدينة قلقيلية، جامعة القدس المفتوحة.

[13] عصام عبد الشافعي، 2012، الثورات العربية: الأسباب والدوافع والمآلات، مجلة البيان.

[14] دينا شحاتة، 2011، ومريم وحيد، محركات التغيير في العالم العربي، مجلة السياسة الدولية، العدد 184، المجلد 46، ص 10 – 17.

[15] عبد الغني سلامة، 2011، عصر الثورات العربية الأسباب والتداعيات، الحوار المتمدن، عدد 3332، ص 10-47.

[16] حلا أحمد، 2019، التداعيات الاجتماعية لظاهرة ارتفاع الأسعار في مصر، المعهد المصري للدراسات.

[17] حسن الرضيع، 2014، ظاهرة ارتفاع الأسعار في الأراضي الفلسطينية: الأسباب والتحديات وسبل العلاج، مجلة دنيا الوطن.

[18]سعيد الوجداني، 2008، مرجع سابق.

[19] سعيد الوجداني، 2008، مرجع سابق.

[20] محمد العسومي، 2020، معالجة ارتفاع الأسعار، مجلة الشرق.

[21] السيد الطنطاوي، 2008، ارتفاع الأسعار ينشر الأمراض الاجتماعية، صحيفة البيان.

[22] المرجع نفسه.

[23] السيد الطنطاوي، 2008، مرجع سابق.

[24] سعيد الوجداني، 2008، مرجع سابق.

[25] المرجع نفسه.

[26] جامعة الدول العربية، 2009، تداعيات ارتفاع الأسعار العالمية للمواد الغذائية الأساسية وتأثيرها على مستوى معيشة المواطن العربي.

[27] أحمد العبسي، 2020، مرجع سابق.

[28] المرجع نفسه.

[29] البنك الدولي، 2015، احباطات الطبقة المتوسطة أجّجت ثورات الربيع العربي.

[30] المرجع نفسه.

[31] داع الإنصاف الجندي، 2016، “توزيع خريطة الفقر في مصر دليل على غياب العدالة الاجتماعية”.

[32] عامر صالح، 2019، قراءة نفسية اجتماعية في آفاق ثورات الشباب في العالم العربي، مقالات ودراسات وابحاث اجتماعية المجتمعات الجزائرية والعربية.

[33] عبد الرحمن العيسوي، 2009، تحليل ظاهرة الفقر، جامعة الإسكندرية، مصر.

[34] نجيب محمد الزبيدي، 2013، الفقر مولد الثورة والجريمة، صحيفة الثورة.

[35] زكريا طاحون، 2007، الإنسان المعاصر صانع الأزمات، سلسلة صوت البيئة، القاهرة، ص148.

[36] الأمم المتحدة وشركائها،2017، مرجع سابق.

[37] سلوى المصري، 2002، تشخيص الفقر في الأردن، عمان، ص23-24.

[38] الأمم المتحدة وشركائها،2017، مرجع سابق.

[39] عبد الله الحسن، 2005، الفقر في فلسطين سياسته ومكافحته، كلية الدراسات العليا جامعة النجاح، نابلس، فلسطين، ص 2.

[40] محمد عيسى، 2010، المشروعات الصغيرة والمتوسطة بوصفها إحدى آليات خفض الفقر في البلدان العربية، مجلة بحوث اقتصادية عربية، العدد 50، ص 104.


Updated: 2021-09-07 — 16:34
JiL Scientific Research Center © Frontier Theme