جماليات التشكيل البلاغي في الحديث النبوي الشريف


   

جماليات التشكيل البلاغي في الحديث النبوي الشريف

The aesthetics of the rhetorical structure in the Prophet’s ” Hadith”

الأستاذ الدكتور محمد بوسعيد، جامعة محمد بوضياف بالمسيلة/ الجزائر

Dr.Mohamed Boussaid,Mohamed Boudiaf  Universety of  M’sila/Algeria

مقال منشور في  مجلة جيل الدراسات الادبية والفكرية العدد 66 الصفحة 9.

    ملخص:

   تعد ظواهر التشكيل البلاغي في الحديث النبوي من أغنى الفاعليات التعبيرية بخصائها المتميّزة. إنها بُنى حيّة غنية تعكس بلاغة الحديث النبوي الذي توفرت فيه كل مقومات الإبداع؛ من حيث تمثيل المعاني، وجمالية الأسلوب، واعتماد نظام المجاز والبديع، واستثمار وظائفهما اللغوية والدلالية من أجل تأسيس نص متفرد، تلتقي فيه مظاهر الإفهام والإقناع والتوجيه، وملامح الإيجاز والإبانة والتوضيح، وكل وسائل تمكين المعنى في النفس.

   الكلمات المفتاحية: التشكيل البلاغي، الحديث النبوي، البيان، البديع، الإقناع ، التأثير.

Summary                                                                                                                      

  The aspects of the rhetorical structure in the prophet’s hadith are among the richest expressions with their distinctive characteristics. It is a rich living structure that reflects the eloquence of the prophetic hadith, in which all elements of creativity were present, in terms of the representation of meanings, the beauty of style, the use of metaphor and Al Badiie, and the investment of their linguistic and semantic functions in order to establish   the singularity of the text, in which the conditions of comprehension, persuasion, brevity and clarity, and all means of explicitly meaning are gathered

Keywords:  rhetoricl structure, prophet’s hadith, Al Bayan, al Badiie, persuasion.

 

تقديم:   لا شك أن البيان النبوي الشريف يمثل قمّة الإبداع البشري، في بلاغة القول وجمالية الأداء، لأنه يجري بطبعه وفق قوانين العربية، وأساليبها في التعبير، ويسير على نسق واحد يمنحه التفرد والاطراد والديمومة ؛ فمنشؤه تربية ربانية، وبيئة لغوية نقية تربى في أحضانها النبي صلى الله عليه وسلم، ورسالة  خالدة  أمر بتبليغها بأرقى مستويات الأداء اللغوي لفظاً وصوتاً ودلالة.

   والحديث عن جماليات النص النبوي الشريف يعني البحث في خصائصه البلاغية وسماته الأسلوبية، لأن الجمال من أبر مميّزات بلاغة النص النبوي. هذا النص الذي ظل مفتوحاً للبحث والتنقيب، كثرت حوله المصنفات والشروح، وتوسع الدارسون في استدعاء شواهده وتحليلها، وأكدوا أنّه سيظل كذلك بفعل القراءة المتجددة، حتى أصبح حضوره في الحقل البلاغي والنقدي يمثل بالإضافة إلى مطلبه الشرعي، مطلباً جمالياً ومعرفياً، وذلك أن الكلمة النبوية بإيقاعها الموسيقي، ودلالتها السياقية، لها قدرة على تصوير الحدث وملابساته تصويراً دقيقاً يعز نظيره.

   وتأسيساً على ما سبق نحاول في هذه المقاربة تتبع جوانب من جماليات التشكيل البلاغي  في  النص النبوي الشريف، على ضوء ما تقدمه البلاغة الجديدة من آليات تحليل الخطاب، في شتى تمظهراته الفنية والدلالية من خلال المحاور الآتية.

   أولا: البلاغة العربية والبلاغة الجديدة

   تشغل البلاغة العربية فضاء متميّزاً في الحقل الديني والأدبي والمعرفي، فقد ترعرعت في جو ديني، غايته الأساسية فهم الإعجاز القرآني، على نحو ما ذهب إليه ابن خلدون”…اعلم أنّ ثمرة هذا الفن، إنما هي فهم الإعجاز من القرآن”(1).

   إن ارتباط البلاغة العربية بالنص القرآني منحها امتداداً معرفياً واسعاً،  شمل كافة  مدونات علوم  العربية، بأبعادها الدينية واللغوية والفلسفية والجمالية كالنحو والصرف والدلالة والمنطق،  ومباحث الأصول والتفسير. ولعل هذا ما جعل حازم القرطاجني يعتبر البلاغة العربية بحراً يصعب الوصول إلى نهايته “كيف يظن إنسان أن صناعة البلاغة يتأتى تحصيلها في  الزمن  القريب، وهي البحر  الذي لم يصل أحد إلى نهايته مع استنفاد الأعمار”(2)

   واكتسبت البلاغة عمقاً استراتيجيا في ظل علاقتها بإنتاج النصوص الأدبية في شتى تمظهراتها الجمالية والدلاليـة، كونها تشتغل على انجاز النص الذي هو جوهر العملية الأدبية، والذي يوظف بدوره الصورة .

الفنية للتبليغ والتأثير، إنها “نظام من القواعد، تقوم مهمّته على التوجّه في إنتاج النص الأدبي، وهي نظام

يتحقق في النص، تؤثر على القارئ بإقناعه، أو تؤثر على المتلقي في عملية الاتصال الأدبي”(1).

   وهذه الأهمية جعلت طائفة من المحدَثين العرب تسعى إلى تجديد الدرس البلاغي بعلومه الثلاثة “البيان والمعـاني و البديع” أمثال: أمين الخولي، ومحمد عبد المطلب، ومحمد العمري وغيرهم. وتركزت جهودهم علـى تمثل منجزات علوم اللغة الحديثة واستثمار معطياتها لكشف ملامح النص ودراسة ظواهره البلاغية ليكون أكثر تداولاً، وبفضل جهودهم تحرر الدرس البلاغي من الصيغ المحفوظة والقوالب الجامدة، وانفتح على معطيات الدرس اللغوي الحديث ومرجعياته.

أما في الغرب فقد عادت البلاغة في العصر الحديث إلى صدارة المشهد الأدبي، تحت “مسمى البلاغة الجديدة”، وكانت هذه العودة محاولة لإعادة قراءة البلاغة القديمة، واستثمار معطياتها لتحليل الخطاب، وتصنيف الصور البلاغية والمحسنات البديعية، حتى أصبحت عدة حقول معرفية تتبنى الظاهرة  البلاغية بوصفها  استعمالا خاصاً للغة، وبذلك اكتسبت بعداً  تداولياً، نظراً للتداخل الشديد بين  البحوث اللغوية والبلاغية والأسلوبية.

   وظهر مصطلح البلاغة الجديدة في نهاية خمسينات القرن الماضي على يد الباحث بيرلمانPerelman  واللسانية البلجيكية تيتيكاTyteca  في كتابهما” الوجيز في الحجاج : البلاغة الجديدة “حيث نجد رلان بارت R.Barthes  يدعو إلى إعادة التفكير في البلاغة الكلاسيكية بمفاهيم بنيوية “ينبغي إعادة التفكير في البلاغة الكلاسيكية بمفاهيم بنيوية، وسيكون – حينئذ- من الممكن  وضع بلاغة عامة، أو لسانية  لدوال التضمين، صالحة للصــوت المنطوق، والصورة والإيماء”(2).

   لقد أعادت التحولات التي شهدتها الحقول المعرفية -على اختلافها وتنوعها – إلى تموضع  البلاغة  ومركزيتها ضمن آليات بناء الخطاب، وتحليل أبعاده اللغوية والدينية والفلسفية، حتى غدا النـص الأدبي حقلاً يستوعـب أقصى حد ممكن من التقاطعات والتجاذبات المعرفية مؤسسة “نهضة البلاغة حديثا منصبة على استرجاع البعد المفقود في تجاذب بين المجال الأدبي ( حيث يهيمن التخييل ) والمجال الفلسفي المنطقي، واللساني (حيث يهيمن التداول)” (3).

   إن الدراسات الحديثة تؤكد عودة البلاغة تحت اسم”البلاغة الجديدة “وتموضعها في بناء أنساق الخطاب ببعديه التخييلي والتداولي، منطلقة من منهجية معرفية تجمع بين القديم والحديث، إذ بات جلياً  أن  لا تواصل دون بلاغة، ولا بلاغة دون حجاج يجسد علاقة المتلقي بالمبدع ضمن  تقنيات  معينة، حيث يحاول كل منهما إقناع الآخر، وهذا يشكل سياق حجاجي في منظور بيريلمان وتيتيكا “موضوع نظريــة الحجاج هو درس تقنيات الخطاب التي من شأنها أن تؤدي إلى التسليم بما يعرض عليها من أطروحات ، أو تزيد في درجة التسليم”(1).

   لقد أصبحت البلاغة في  المنظور الحديث – بوصفها استعمالاً خاصاً للغة- مـن  أهـم آلـيات تحليـــــــــل الخطاب، وسعت إلى بناء كيان معرفي جديد يجمع بين معطيات البلاغة القديمة والبلاغة الجديدة، معتمدة على المناهج والنظريات اللغوية الحديثة التي تشترك في الاستعمال التواصلي للغة، حـتى أدى التداخل بـــين البحوث اللغوية والبلاغية والأسلوبية “إلى صعوبة تمييز ما هو نصي ممّا هو غـير نصي، إذ أنّها  كلهـا تعـنى بالمضمـون، وإن  كانت تتواصل إليه بطرق مختلفة، حتى أدوات هذه المناهج تتداخل بشكل يدعـو  إلى الدهشة، وصار الربط بين مستويات اللغة من صوتية وصرفية ونحوية ودلالية سمة مشتركة، وإن أضيـــــــــف إليها المستوى الدلالي الذي هو جزء أصيل منها”(2).

   وإذا كان للبلاغة علاقة وطيدة بإنتاج النص، وأن التيارات والمدارس الأدبية والنقدية الحديثة فسحت لها المجال في تحليل بنيات النص، واستكشاف دلالاته المضمرة، وستظل تمارس عملية  الحفر  في معمارية النص، وتتقاطع مع آليات كثير من الحقول، فإن البيان النبوي الشريف أحق بالدراسة لعلاقته الشديدة بالبلاغة وتحليل الخطاب، إذ يعد من أبرز النصوص التي كان للتشكيل البلاغي أهم  دور في التعبير عن المقاصد والغايات النبوية، كما أنه  يعدّ من أهم مصادر العلماء في تأصيل معالم البلاغة العربية، وبناء قواعدها.

   ثانياً: بلاغة الحديث النبوي

حاز البيان النبوي أسمى درجات الكمال البشري، وكان مضرب المثل في الفصاحة والبلاغة، فمنتجه أفصح العرب قاطبة، يستمد خطابه ممّا يوحى إليه{ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى* عَلَّمَهُ شَديدُ الْقُوَى*”(3).

    وبالرغم من أنّ الله سبحانه وتعالى خصَّ النبي صلى الله عليه وسلم بمزايا كثيرة، فإنه لم يفخر بواحدة منها، إلاّ البيان. يقول يحي بن حمزة العلوي:” الرسول صلى الله عليه وسلم مع ما أعطاه الله من العلوم الدينية، وخصه بالحكم والآداب الدنيوية فلم يفخر بشيء من ذلك، فلم يقل أنا  أفقه الناس ولا  أعلم الخلق بالحساب والطب، بل افتخر بما أعطاه الله من علم الفصاحة والبلاغة، فقال صلى الله عليه وسلم: أنا أفصح من نطق الضاد”(4).

 إنّ النص النبوي الشريف خرق لغة العرب العادية، وحقق أعلى مستويات التواصل اللغوي، لأنه يضـع المتلقي ضمن أولوياته، حيث يظهر جمال النص في الأثر الذي يتركه  في  السامع، وحيث  تتأســـــــس الدلالة على الوضوح والبساطة والتفاعل، وهذا ما تركز عليه البلاغة الجديدة التي ترى أن نجاح التواصل يتوقف على مدى تقبل المتلقي للمحتوى المعرفي لخطاب المؤلف والاقتناع به.

    وإذا كان المشروع البلاغي الجديد يسعى إلى الكيفية التي يتم بها التواصل مع المتلقي، أو ضمان وجود جمهور متقبل، فإن البيان النبوي في منظور الجاحظ قد تضمن معايير جودة الخطاب، من  حيث  صدق المضمون والتواصل الناجح، وحقق كل شروط التلقي الجيد، في مراعاته لمستويات السامعين، وتراوحه بين البسط والقصر، وبعده عن التكلف، وخلوه من العيوب التي تؤثر علـى حسن الأداء، ممّا يعني أن المتلقي يمثل معياراً هاماً في تلقي محتوى الرسالة. يقول الجاحظ في وصف البيان النبوي: “هــو الكلام الذي قلّ عدد حروفه، وكثر عدد معانيه، وجلَّ  عن الصنعة، ونزّه عن التكلف، وكان كما قال  الله تبارك وتعالى: قل يا محمد “وما أنا من المتكلفين”… استعمل المبسوط في موضع البسط، والمقصور في موضع القصر، وهجرَ الغريبَ الوحشيَّ، ورَغِبَ عن الهجين السُّوقي، فلم ينطقْ إلاَّ عن  ميراثِ  حكمةٍ، ولم يتكلمْ إلاَّ بكلام قد حُفَّ بالعصمة…وهو الكلام الذي ألقى اللهُ عليه المحبَّة، وغشّاهُ بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الإفهام، وقلّة عدد الكلام”(1)  .

   لقد كان التأثير في المتلقي نفسياً، وإقناعه فكرياً، من أهم الآليات التي استند إليها العلماء في دراســــة الخطاب النبوي، فلا بد من مراعاة سياقات وأحوال متلقي النص، لكي يحدث التفاعل بين بنية النــــــــص والمتلقي” إنّ الشيء الأساسي في قراءة كل عمل أدبي هو التفاعل بين بنيته ومتلقيه، لهذا السبب نبّهت نظرية الفينومينولوجيا بإلحاح إلى أن دراسة العمل الأدبي يجب أن تهتم ليس فقط بالنص الفعلي بل كذلك وبنفس الدرجة بالأفعال المرتبطة بالتجاوب مع النص”(2) .

  إن بلاغة النص النبوي تنبع من عظمة الرسالة، وهي ليست كبلاغة النصوص الأدبية، ومن ثمّ لا يمكـــن التعامل معه كأي نص، لأنه بيان رباني لا يعبر عن ذات فردية تستغل الصورة لإثارة المتعة الفنية والعاطفيـة فقط، بل تستعين بها لإبراز المضمون الديني والمعرفي “والنبي صلى الله عليه وسلم يصور لا لكي يعبر عــــن ذات فردية وهي تعتمل الصور، بل المقاييس النفسية التي أولع بها نقادنا المعاصرون مطلوبة لا عند المبدع، بل في حال التلقي حيث الاتساع وعمق الدلالة وتنشيط الوجدان الديني، وأنه صلى الله عليه وسلم خير من يتلقى معلومات المشاهدات الحسية، لأنه نبي تُطوى له الأرض وتأتيه المعلومات والخبرات من غير أن يطلبها، وتلك عناية ربانية لسيرورة الدعوة إلى الله، من خلال كلمات نبوية تتأسس بجمال البيان الإلهي حيث يسعى الكون كلّه في عالم الشهود إلى الأفضل الأجمل، وهذا ما يرتضيه الشرع  من جلب القلوب إلى الجمال والحق والخير”(1) .

   فالبلاغة النبوية دينية المنبت، عربية المصدر، قليلة الحروف، جليلة المعاني والمقاصد، بعيدة عن التكلف والتمحل، نمت في أحضان كتاب الله، وتشرّبت معانيه، وهي ليست مجرد أخبار وأقوال، بل أبنية لغويــــــــــة جميلة، تهدف إلى إمتاع المتلقي  وإقناعه، وتغيير معتقداته ونظام حياته، بأسلوب يجري على نسـق قوانـــــين العرب في الفهم والتبليغ، وطرائقهم في التركيب من تقديم أو تأخير أو حذف أو زيادة أو انزياح.

   لقد تهيأ للنص النبوي كل شروط النص المتميز دلالة وأسلوباً، وكان مصدراً من مصادر التلقي البلاغي والأسلوبي، لما يختزنه من مجاز واستعارة وتمثيل وكناية وغيرها من فنون البلاغة، باعتبار اللغة المجازية أكثـــــــر حيوية من غيرها على نقل الأحوال والمقامات، واستبطان المعاني والدلالات “التعبيرات الرشيقة، كما يقول أرسطو، تنشأ عن المجاز، وعن نوع من التمويه يدركه السمع فيما بعد، ويزداد إدراكاً  كلما ازداد علما ، وكلما كان الموضوع مغايراً لما كان يتوقعه، وكأن النفس تقول:” هذا حق وأنا التي أخطأت” (2).

   وضمن هذا السياق نحاول محاورة طائفة من التشكيلات البلاغية والمجازية التي شكلت حضوراً قوياً في بناء النص النبوي، وتقديم وجه من وجوه بيانه صلى الله عليه وسلم الثري  بمدلولاتــه  الخلقيـة  والمعرفيـــــــــــــة والجمالية. فهو وإن خاطب العرب بلغتهم وعلى مذاهبهم، فإنه أفصحهم بياناً، وأكثرهم إقناعاً، وأشدهم تأثيراً، وأبعدهم عن التكلف “يختار لأمته أحسن الألفاظ وأجملها وألطفها، وأبعدها من ألفاظ أهل الجفاء والغلظة والفحش، فلم يكن فاحشاً ولا متفحشاً، ولا صخاباً، ولا فظاً، وكان يكـره أن يستعمـل اللفــــــــــظ الشريف المصون في حق من ليس كذلك، وأن يستعمل اللفظ المهين المكروه في حق من ليس من أهله”(3) .

   وإذا كان سدلن في عرضه  لآراء سيسرو  “Cicero” ذكر ثلاثة أساليـب للخطيب: المتدني  والمتوسط والرفيع…الأسلوب الواضح للدليل، والأسلوب المتوسط للمتعة، والأسلوب الرفيع للإقناع، وفي الأسلوب الأخير تكمن القوة الكاملة للخطيب”(4)، فإن الأسلوب النبوي يعد أنموذجاً فريداً، لكونه يشتمل على كل خصائص القول البليغ من إيجاز وإفهام وإبانة وإقناع ووضوح، وجلّ وسائل تمكين المعنى في النفس، وهي خصائص تطرد في كل حديث مؤسسة لتفرده وتميّزه.

  وبلاغة النص النبوي لا تقتصر على التشكيل البلاغي والفني، وإنّما تتعداه إلى فضاء المعنى وامتداداته، فقد أوتي صلى الله عليه وسلم “الكلمَ الجوامعَ للمعاني”(5)، وألفاظه المفردة “جامعة للمعاني المقصودة على إيجازها واختصارها. وجل كلامه جار هذا المجرى”(6) .

   وتدخل معاني الحديث النبوي ضمن ما يسميه عبد القاهر الجرجاني المعاني العقلية التي تقابلها المعاني التخييلية، والتي يكون أكثرها مُنتزعاً “من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وكلام الصحابة رضي الله عنهم، ومنقولاً من آثار السلف الذين شأنهم الصدقُ، وقصدهمُ الحق”(1) .

   ومن الطبيعي أن يدخل الخطاب النبوي الشريف في قسم المعاني العقلية التي يشهد العقل  بصحتها، لأن الغاية منه غاية تعليمية شرعية، وتأتي الوسائل البلاغية ممكنة لهذه الغاية. فالرسول صلى الله عليـــــه وسلم يحرص دائما في خطابه على إفهام السامع وتمكين المعنى في نفسه، وتلك من أهم مقاصد القــول البليغ الذي يجمع بين الإقناع والإمتاع، محققاً أعلى درجات التناسب بين الموضوع والأسلوب.

   والبحث في بلاغة الحديث النبوي بحث في الآليات البلاغية التي أُدي بها هذا البيان الرفيع، والمرتكزات التي تقوم عليها تراكيبه وصوره وهيئات بنائه، من تشابيه واستعارات وكنايات وبديع، لأن التعبير بالصورة أبلغ من التعبير العاري منها، فهي وجه من أوجه إثبات المعنى وإقامة الدليل عليه ” لو أنّ رجـلاً أراد  أن يضرب لك مثلاً في تنافي الشيئين، فقال: هذا وذاك هل يجتمعان؟ وأشار إلى ماء ونار حاضرين، وجدت لتمثيله من التأثير ما لا تجده إذا أخبرك بالقول فقال: هل يجتمع الماء والنار؟ وذلك الذي تفعله المشاهدة من التحريك بالنفس، والذي يجب لها تمكين المعنى في القلب إذا  كانت مستفادة من العيان، ومتصرفـــــــــة حيث تنصرف العينان”(2) .

   وما تجدر الإشارة إليه أن الصورة في الخطاب النبوي ينبغي أن ينظر إليها على أنها صورة حقيقية يلجــأ إليها لتمكين المعنى في النفس، دون تكلف أو مبالغة أو زينة مقصودة لذاتها، فهي وجـه مـن وجوه إثبات المعنى وإقامة الدليل عليه، والتعبير عنه بتقنيات بيانية متنوعة كالتشبيه والاستعارة والكناية والمجاز، وهــــــذه هي أهم أنماط الصورة التي يتوخى البحث الكشف عنها في الخطاب النبوي.

   التشبيه:

   يعد التشبيه من وسائل تبليغ المعنى وتمكينه في النفس، فهو آلية تستعمل “في التعبير عن المعاني، ونقل الأفكار وإمتاع النفوس بالصور والأخيلة، وفخامة أمـره في فنون البلاغـة، وتقريـب الكلام  إلى الأذهــــــــــــان والسمو به من أرض الواقع إلى فضاء الخيال”(3).

   يشغل التشبيه حيزاً  واسعا في البحث البلاغي قديماً وحديثاً، لما  لـه من قدرة علـى تكثيــف المعـــــــــاني، وإجلاء الحقائق، فهو يرتبط بالمنحى الجمالي للخطاب، ولذا افتتن العرب بالتمثيل، واحتاجوا ” لضـرب الأمثال، واستحضار العلماء المثل، والنظائر، شأن ليس بالخفي في إبراز خبيّات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، حتى يريك المتخيل في صورة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب  كأنه مشاهد، وفيــــــــــه تبكيت للخصم الألد، وقمع لسورة الجامح الأبي، ولأمر ما أكثر  الله في  كتابه المبين، وفي سائـر كتبــــــــه أمثاله، وفشت في كلام رسول الله عليه السلام. وكلام الأنبياء والحكماء”(1) .

   والمتصفح لمتون البلاغة العربية تذهله كثرة اهتمام أهل البلاغة بالتشبيه، وبدوره في الإبانة عن المعنى ،  فالجاحظ وهو من مؤسسي النشاط البلاغي تحدث عن التشبيه في  مواضع متفرقـة مـن البيان والتبيـين ، وعقد موازنة بين تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم “الناس كلهم سواء كأسنان المشط” وقول الشاعر:

سواءُ كأسنان الحمار فلا ترى     لذي شيبة منهم على ناشئ فضلا

   وخلص من هذه المقارنة إلى أن هناك فرقاً واضحاً بين التشبيهين، وأنه بفضل التشبيه يسمو كلام على آخر “وإذا حصلت تشبيه الشاعر وحقيقته وتشبيه النبي صلى الله عليه وسلم، وحقيقته عرفت فضل  ما بين الكلامين”(2) .

   إن تشبيه صورة بأخرى تماثلها، في أبعادها النفسية والفكرية يمثل مظهراً من مظاهر تجسيد الواقع فنياً، ورسم صورة بديلة عنه تقوم على المشابهة “والمثل يضرب غالباً عبر مظهرين اثنين، القصصي والتصويري ، فإذا كان الأول يضفي على النص طابعاً سردياً يدفع بالمتلقي إلى  معايشة أجواء الواقع بكل  أبعــــــــــــــــــاده الزمانية والمكانية وحيثيات الحدث، فإن الثاني يفضي إلى مشاهدة نماذج من الناس والأشياء من خــــلال الطابع التصويري الذي يرسم ملامح صورة طافحة بغنى دلالاتها، يطلق عليه الصورة التمثيلية، وهي تقوم أساساً على عنصر المثل في بنائها الجمالي وتشكيلها الفني”(3) .

  إن الحديث النبوي الشريف بلغ الغاية في توظيف التشبيه في مهمته التعليمية، إذ كان التشبيه بكـــــــل تجلياتـه الحسية والمعنوية من أبرز وسائل التبليغ في الحديث “لما فطر عليه صلى الله عليه وسلّم من معرفـــة عناصر التأثير في البيان، وأوجه الجمال  في اللسان، فجاء حديثه النبوي  من البلاغة العالمية في موضــــــــــع تتطلع نحوه الأبصار، وتتقاصر دونه الأعناق”(4).

    وقد جاء التشبيه في البيان النبوي متنـوعاً في بنيتـه، عفوياً في صياغته، يستجيب لمقامات السامعين، وأحوال المخاطَبين، محققاً مقاصد الشرع  بأوجز لفظ، وأجمل بيان، ومن أنواعه: التشبيه المفرد، وهو ما كان طرفاه مفردين، كقوله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان”…أن تعبدَ اللهَ كأنَّكَ تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراكَ”(5).

وهذا التشبيه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلّم. فإذا علم المسلم أن الله يـراه، فإنه يخلص في عبادته، ويجتهد في أدائها على أكمل وجه ظاهراً وباطناً، إيماناً بدوام مراقبة الله له” لأنا لو قدرنا  أن أحدنا قام  في عبادة وهو يعاين ربــه سبحانه وتعالى لم يترك شيئا ممّا يقدر عليه من الخضـوع والخشوع وحسن السمت، فكأن المقصود اعبد الله في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان”(1).

   فالصورة التشبيهية هنا بينت حقيقة الإحسان، مستخدمة أداة التشبيه “كأن” التي تفيد دلالة القرب من الله، والفعل المضارع الذي يفيد حضور العبادة واستمرارها، بدوام رؤية الله للعبد ومراقبته له في كل حال. وفعل الرؤية هنا ليس المراد به الرؤية الحقيقية، وإنما الرؤية القلبية، لأن الطبيعة البشرية غير قادرة على رؤية الله عياناً، ولذلك استخدمت أداة التشبيه “كأنك” لتقريب المعنى للمتلقي، لأن ثمّة معاني لا ينجلي مدلولها في النفس، ولا يتمكن في الوجدان والحس إلاّ عن طريق الصورة.

   ومن أنواع التشبيه في البيان النبوي تشبيه الجمع “وهو تعدد المشبه به دون المشبه”(2)، ويعد هذا النوع “مظهراً من مظاهر الاستيعاب والتقصي لعناصر المشابهة، فضلا عن قوّة الملاحظة والبراعة في الجمع بـــــين الأشياء المناسبة والقدرة على نظمها في سلك قصير”(3)  ومثاله ما رواه عبد الله ابن عمر: “أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: كُنْ في الدّنيا كَأنّكَ غَريبٌ أو عابرُ سبيلٍ”(4).

   وفي هذه الصورة وصف لحال المقيم في الدنيا، المغتر بنعيمها، وهي حـال تشبه حـال الغريـب أو  عابـــــر السبيل. فالصورة تجسد دلالات نفسية تهز وجدان المتلقي، وتقلل رغبته في الدنيا، كما تقل رغبة الغريب أو عابر السبيل في المكان الذي ينزل فيه، وتجسد أيضاً مدى  حنو النبي  صلى  الله عليه  وسلم علـــــــــى أصحابه، وحرصه على إسداء النصح والتوجيه لهم كما يتجلى في عبارة ” أخذ بمنكبي”، وكأنه صلى الله عليه وسلم أحس أن الصورة تحتاج إلى بيان أوضح، لأن الغريب قد يقيم في دار الغربة  ويتخذها وطناً، فلجأ إلى تأكيد الدلالة وتقويتها بتشبيه ثان “عابر سبيل”، وهو مَنْ انقطع به الطريق ولم يجد ما يتبلغ به فهو في حاجة إلى الصدقة، ومن كانت هذه حاله فهو أشد غربة من الغريب.

   ومن هنا تبدو أهمية التشبيه في توجيـه السلوك البشري، وتعميـق الدلالـة، عـن  طريـق  التمثيـل الحســــــــي  للمعاني الذهنية، فالصورة ” أداة فطرية لإظهار صورة ذهنية عند المتكلم لا يـرى التعبير عنها  كافياً  في تصويرها ـ في صورة أشد وضوحاً، وأكمل أطرافاً، يريد قياسها ومطابقتها لها تقرير المعنى وتأكيد الدلالة.

فمن الأشياء ما  لا تكمل دلالته، ولا  تتمكن في النفس صورته، ويملك الحس والوجــدان مدلولــه،  إلاّ بإخراجه هذا المخرج التصويري الذي تتعاون قوى النفس من فكر وخيال في إحكامه وبث الحياة فيه”(5) .

  ويعد التشبيه البليغ من أروع صور البيان النبوي الشريف، وتكمــن جماليتــه  في تكثيــف  المعــنى، عـــن طريـق حذف بعض عناصر الصورة، وتقريب صورة المشبه من المشبه به، ولذا عــدّ أعلى مراتب التشبيه.      ومثالــه قوله الله صلى الله عليه وسلم: “الطُّهور شطر الإيمان، والحمد لله تمـلأ الميزان، وسبحـان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء”(1).

   فـ”الصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء” سياقات تشبهية بليغــة حذفــت منها الأدوات وأوجــــــــه الشبه، فتساوت الأطراف، وسقطت بينها الحدود والفواصل، وكأنها شيء واحد. وهذا  ما ينشط المتلقي ويفسح أمامه مجال البحث عن  الصفات المشركة التي جعلت الأدنى يساوي أو يقترب مـن الأعلـى رتبـــــــة منه. فالنور يهدي  الإنسان إلى الطريق الصحيح، ويجنبه الوقوع  في المهالك، والصلاة  تهديه إلى ســـــــواء السبيل، وتجنه غواية الشيطان، ولذلك شبهت بالنور، لأن النور يضيء الوجود، والصلاة تضيء الوجدان. ولمّا كان البرهان هو الحجة القاطعة التي يثبت بها الإنسان براءته في ساحة القضاء فينجو  من العقوبــــــة ، فكذلك الصدقة تحاج عن صاحبها يوم القيامة، وتنجيه من النار، وهي دليل على صحة إيمانه. ولما كان الصبر على النوائب والمصائب ممّا يشق على النفس شبهه الرسول صلى الله عليه وسلم بالضياء، لأن بالصـبر تنجلي الكرب وتنكشف.

   وتبدو جمالية الصورة في ارتكازها على عنصري النور والضياء، كونهما يقعان في مجال الإبصار دائما، ممّا يؤكد حضورهما في النفس في أغلب الأوقات. يقول عبد القاهر الجرجاني: “إنّ ممّا يقتضي كونَ الشيء على الذّكر وثبوت صورته في النفس، أن يكثر دورانه على العيون، ودوام تردُّده في مواقع الأبصار، وأن تدركه الحواس في كل وقت أو في أغلب الأوقات”(2) .

   وكان التشبيه التمثلي من وسائل إيضاح الدلالة وتكثيفها في بنية الخطاب النبوي الشريف، وهو  ما  كان وجه الشبه فيه مركباً  أو منتزعاً من أمور متعددة حسياً  أو عقلياً، وهو من أهم  آليات  توضيـح  الحقائــق للنفس ” لأن هذه الوسيلة أقرب إليها، وهي بها أنس ولها أمل، ولاسيما أن الرسالة التي جاء بها البيان النبوي تجديد للقيم، وتعديل للمفاهيم وتعريف بأنماط من المعاني، لا يسيغها العقل الدارج  على ضدها إلاَّ مأخوذاً بقهر العاطفة وتأثر الوجدان، يثنيانه ليعيد النظر ويختبر الدليل، وإنما يهزها فيهز العقل ليخلي مكانه إلى مكان جديد ذلك التصوير المقنع، الذي ينتجه المتكلم بكل قوى نفسه، ليسكن أغوار نفس صاحبه “(3).

روى النعمان بن بشير “مثل المؤمنين في توادِّهِمْ وتَراحُمِهِم وتَعاطُفهم، مثلُ الجَسدِ إذَا اشْتكىَ

منه عُضْوٌ، تداعى لهُ سائِرُ الجَسدِ بالسَّهر والحمى”(1) .

   إن في هذا الحديث تبيان لما ينبغي أن تكون عليه حياة المؤمنين من تواد وتراحم وتعاطف، ولتفعيل  هذه القيم وتجسيدها في حياة المؤمنين لجأ الرسول صلى الله عليه وسلم  إلى هذا التمثيل الحسي النادر، وهو تفاعل أعضاء الجسد وانسجامها وتماسكها حسياً ووجدانياً، فإذا  ألَمَّ بأحدها أَلَمٌ  أثر على بقيـــــــة الأعضاء، فتداعت له بالسهر والحمى. فالصورة مشكلة من عناصر التواد والتراحم والتعاطف، التي  لا  تتم المحبة والتواصل إلاّ بها جميعا، فهي الإطار الذي تتحقق فيه الأخوة الإيمانية في  أسمى  مراتبها.

وقد اختـار النبي صلى الله عليه وسلم ألفاظ هذه الصورة بعناية تامة، وذلك دليل على  فصاحته  وامتلاكه لناصية القوال، وطواعية اللغة له للتعبير عن المراد “فأما التراحم فالمراد به: أن يرحم بعضهم بعضاً بأخوة الإيمان لا بسب شيء آخر، وأمّا التواد فالمراد به: التواصل الجالب للمحبة  كالتزاور  والتهادي. وأمّـا التعاطف فالمراد به: إعانة بعضهم بعضا كما يعطف طرف الثوب عليه ليقويه”(2) .

   ومن مزايا البلاغة النبوية في هذه الصورة، أن الإيمان يشبه الجسد، والتفاف المؤمنين حوله وتمسكهم به يشبه تماسك الأعضاء، لأن الإيمان أصل والتكاليف فروعه، وأي خلل يصيب الفروع يؤثر على الأصول. كما أنّ السهر من  لوازم الحمى التي تنهك البدن، وتقلل من فاعليته، وفي ذلك إشارة  قوية إلى  أهمية الملامح النفسية والسلوكية في تشكيل الصورة “فالإنسان هو الذي تستعار منه الملامح النفسية والسلوكية للأشياء، تعدّ أعضاؤه منفردة من الجمادات، فقد أسبغ البيان النبوي عليها صفات آدمية، وقد أضيفت الشكوى إلى هذا العضو  المصاب، وهذا الإسناد جعله واعياً يحمل الأنات عن صاحب العضو، ولكن التشخيص  يتضح أكثر في الحركة الجسمانية الحسية بعـد حركة الشكوى النفسية، ذلك  أن الأعضـــــــــــــــاء الصحيحة تهرع إلى هذا المصاب وتشاركه في آلامه ممّا يجسم التكافل الاجتماعي في الإسلام، وننظر بعد هذا فنجد العضو الجامد شاكياً ومتلهفاً وسهران”(3).

   لقد وظف الرسول صلى الله عليه وسلم بنية التشبيه للتعبير عن مقاصد الشريعة، بصور فنية جسدت ملامح التناسق الجمالي بين  الدلالة والعبارة، محققاً  أعلى دراجات الإقناع  والتأثير التي جعلت التشابيه تنزاح عن التقريرية والمباشرة، وتعبر عن فضاء رحب ينطوي على أبعاد فنية وجمالية، لأن المضامين الرفيعة تحتاج دوماً إلى سياقات جمالية موحية.

   الاستعارة: الاستعارة من أهم وسائل الأداء الجمالي في الخطاب النبوي الشريف، لما لها من قدرة على تكثيف المعنى، وتعميق الاستجابة بين المبدع والمتلقي، وذلك بخرق  قوانين  اللغة والانزياح  بها عـن  مألـوف  الخطاب، تأسيساً لجمالية النص، حيث تتعدد مستويات الصياغة وتتشابك، ويكون لنص مزية  على آخر، وهو ما يثير الدهشة في المتلقي، ويفتح أمامه أفق الانتظار” متى أريد الدلالة على معنى  فترك أن يصرح به ، ويذكر باللفظ الذي هو له في اللغة، وعمد إلى معنى آخر فأشير به إليه، وجعل دليلاً عليه، كان للكلام بذلك حسن ومزية لا يكونان إذا لم يصنع ذلك، وذكر بلفظه صريحاً”(1).

   إن غياب أحد ركني الدلالة في الاستعارة يحرك الذهن لالتقاط الدلالة الغائبة، ولذا كانت الاستعارة في العرف البلاغي معنية أكثر من غيرها بإنتاج الدلالة، لأن البحث عن  الدلالة الغائبة أو  المفقودة  يحقــــــق شعرية النص حسب منظور جان كوهن ” لكي تحقق القصيدة شعريتها ينبغي أن  تكون دلالتها مفقودة  أولاً، ثم يتم العثور عليها، وذلك كله في وعي القارئ”(2) .

   وتتأسس الاستعارة على مبدأ التماثل الذي يسمح بالتطابق بين اللغة العادية واللغة الإيحائية، أي بناء دلالة جديدة من بنى تقليدية، إنها انتقال “من المطابقة إلى اللغة الإيحائية، انتقال يتحقق بفضل استدارة كلام معين يفقد معناه على مستوى اللغة الأولى، لأجل العثور عليه في المستوى الثاني”(3).

   وليس غرضنا إعادة ما قاله البلاغيون عن الاستعارة، وإنما تحليل نماذج استعارية  في بنية النص النبوي، بوصفها دالة إيحائية ممكنة للخطاب التعليمي التوجهي للرسول صلى الله عليه وسلم. وتنهــض فاعليــــــــــــــــــة الاستعارة في الخطاب النبوي على التجسيم والتشخيص، لغرض التأثير على السامعين، وتوجيههم تربوياً وأخلاقياً وعقدياً. فعن عائشة رضي الله  عنها: ” أنّ بعض أزواج  النبي صلى الله عليه وسلم  قُلْنَ: أَيُّنَا أسرعُ بِكَ لُحُوقاً. فقال: أَطْوَلُكُنّ يَداً، فَأَخَذُوا قَصْبَةً يَذْرَعُونَهَا، وكانت سَوْدَةُ أَطْوَلُهُنَّ يَداً، فَعَلمنا بعدُ أنّما كان طولُ يدها الصدقةُ. وكانت أسْرَعنا لُحُوقاً به زينبُ، وكانتْ تُحب الصَّدقةَ”(4).

   وتكمن بلاغة التعبير الاستعاري أنه لم يسم امرأة بعينها، وإنما عبر عن الدلالة المضمرة بطول اليد ممّا جعل أذهان النساء تتجه إلى  المعنى الظاهر، ظناً منهن أنه يعني طول اليـد، ولكنه أراد  ما  وراءها  أو المضمر وهو الصدقة، لأن اليد هي وسيلة العطاء.

    ومن روائع الاستعارة قوله “مَنْ خرجَ مَنَ الجماعةِ قيدَ شِبْرٍ، فقد خَلعَ ربْقَةَ الإسلامِ مِنْ عُنُقِهِ  إِلاَّ أن يُراجعَ”(5) قال الطيبي :” قال القاضي: والرِّبْقُ- بالكسر- حبل فيه عدة ُعرى تشد به البُهَمُ، والواحدة من تلك  العرى رِبْقَة. شبه ذمة الإسلام وعهده بالربقة التي تجعل في أعناق البهائم، من حيث  إنّه يقيده فيمنعه أن يتخطى حدود الله ويرتع مراتع حرمانه. والمعنى: أن مَنْ فارق الجماعة بترك السنة، وارتكاب البدعة، ولو بشيء يسير نقض عهد الإسلام، ونزع اليد عن الطاعة”(1) .

   ولاشك أن الاستعارة هنا قد بيّنت أهمية ارتباط الإنسان بالدين، وممارسته في نطاق الجماعة، فهو ذلك الرباط الشامل الذي يحيط بالعبد ويشده إلى ربّه، فيظل ملتزماً به، دائراً في فلكه لاينفك عنه أبداً. فهذه الاستعارة توحي بشدة انتماء المسلم إلى  الجماعة لتحقق وجوده ومطالبه العقدية والحياتية، وخروجــــه عـن الجماعة يعد خروجاً عن الدين. وعلى هذا الأساس تكون فاعلية الاستعارة قد جسدت معنى التزام المسلم بالدين في إطار الوعي الجماعي، لأن التمويه الذي ينشأ عن  اللغة المجازية يحفز المتلقي  إلى البحث عــــن الأنساق المضمرة في بنية الخطاب.

   وعن أنس رضي الله عنه .قال : كان للنبي صلى الله عليه وسلم حادٍ يقال له : أنْجَشَة،  وكان  حسن الصوت. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم “رويدك يَا أنجَشَةُ، لا تكسر الْقَوَارير”(2).

   وهذه الاستعارة فيها من الطرافة والمتعة، ما يجعلها تنفذ إلى النفس في هدوء ولطف، لأنها تشـف عـما اتسمت به روح النبي صلى الله عليه وسلم من حس جمالي، يجسد رفقه بالنساء في الحضر والسفر،  لأن سرعة الإبل تزعجهن وتخيفهن وهنّ في الهوادج . والقوارير آنية الزجاج، والزجاج سهل الكسر،  ولــــــــذلك تضمن الحديث هذه الاستعارة التي تحمل دلالات الرفق والضعف والرحمة، وهي دلالات تستثير حـــــــــــــــس المتلقي وشعوره وتبعثه على البحث عن المعنى المضمر وراء أنظمة اللغة وشفافيتها، كما تجعله أكثر تقبلاً وإقتناعا بالمعنى، وشغفاً به، عندما يقف على ازياحها عن المألوف، وعدولها عن المعروف.

   إن هذه الصورة من أهم ملامح البلاغة النبوية التي تجمع بين إيجاز اللفظ، وغزارة المعنى “وهذه هي البلاغة النبوية التي تجمع بين الإيجاز العجيب والمعنى الغزير، فكل كلمة ينطق بها النبي الحبيب يكون لها  دلالة خاصة، وإيحاء عظيم وتصوير قوي  لخلجات النفوس، وخطرات الضمائر، حيث تكون  مصـورة  لمعناها  أكمل تصوير، وهو هنا- عليه الصلاة والسلام- يصور فكرة الرجال عن النساء وحبهم  لهن الذي  هو جبلة في النفس متمكنة لا تتغير أو تتزحزح مع مرور الزمن”(3) الكناية تشغل الكناية حيّزاً واسعاً في الخطاب الأدبي، باعتبارها من أهم أساليب التأثير، لما تنطوي عليه من حسن التصوير، وجمال التعبير وطرافته، لأنها تنحرف بالكلام عن طريقته، متجاوزة ظاهر المعنى إلى ما خفي منه، فيكون لإخفاء المعنى وراء ألفاظ اللغة، مزية بلاغية “الشيء إذا نيل بعد طلب له أو الاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه، كان نيله أحلى وبالميزة أولى، فكان موقعه من النفس أجل وألطف”(1).

   وقد اشتمل البيان النبوي على صور مخترعة من الكناية، جسّدت ما تؤل إليه الألفاظ من معاني، وما تؤديه من أغراض ومقاصد، فلا يوجد فيه لفظ إلاّ وله دلالة على حكم شرعي، أو خلق نبوي، أو سلوك تربوي كقوله صلى الله عليه وسلم عن تقدم كتابة مقادير الخلق”…رفعت الأقلامُ وجفّت الصحف”(2)، قال ابن رجب: “هو كناية عن تقدم كتابة المقادير كلّها، والفراغ منها من أمد بعيد، فإن الكتاب إذا فرغ من كتابته، ورفعت الأقلام عنه، وطال عهده، فقد رفعت عنه الأقلام، وجفّت الأقلام التي كتب بها من مدادها، وجفّت الصحيفة التي كتب فيها والمداد المكتوب به فيها، وهذا أحسن الكنايات وأبلغها”(3) .

   وفي الحديث دلالة قوية على أن مقادير الخلق سطرت بقلم البارئ سبحانه وتعالى في صحف  جفّ مدادها، فلا يصيب الإنسان إلاّ ما كُتب له فيها، ومهما حاول الناس أن يسوقوا له نفعاً أو ضراً  فلا يزيدوا على الذي قدّره الله له أو عليه.

    وتظهر جمالية الكناية في تشخيص المعنى وتكثيفه، لأن  إخفاء المعنى أفضل من الإفصاح عنه، وبه يسمو التعبير إلى قمّة الإبداع، وتكون له القدرة على تمثيل المعنى. فالخاصية الجمالية التي ميزت الأسلوب الكنائي في هذا  الحديث وجعلته في أعلى مستويات الإيحاء تكمن في طريقة اختيار  المفردات  المناسبة لبناء الصورة، حيث أسند الرفع إلى القلم، والجفاف إلى الصحف، للتعبير عن صفة غير مصرح بها “وكما أن الصفة إذا لم تَكُ مصرّحاً بذكرها، مكشوفاً عن وجهها، ولكن مدلولاً عليها بغيرها، كان ذلك أفخم لشأنها، وألطف لمكانها، كذلك إثباتك الصفة للشيء تثبتها له إذا لم تلقه إلى السامع صريحاً وجئت إليه من جانب التعريض الكناية، والرمز والإشارة، كان له من الفضل والمزية ، ومن حسن الرونق، ما لا يقل قليله، ولا يجهل موضع الفضيلة فيه”(4) .

   ومن أمثلة الكناية قوله صلى الله عليه وسلم في إطالة الغرة في الوضوء “فمن استطاع منكم أَن يطيل غُرَّتَهُ فَلْيَفْعل”(5).

   ففي هذا الحديث عدول عن التصريح إلى التلميح، لاستثارة القارئ واختبار ذكائه في اكشاف الدلالة الضمنية، أو المسكوت عنها، فهو يقوم بعملية بناء المعنى وتركيبه انطلاقاً من المعنى الصريح إلى  الضمني، وترك المضمر للقارئ ليكتشفه، وهو نور الوجه. ومعنى الحديث من استطاع منكم أن يغسل غرته ” بأن يوصل الماء من فوق الغرة التي تحت الحنك طولاً من الأذن إلى الأذن عرضاً وفيه باب  الاختصار،  وإنما اقتصر على ذكر الغرّة وهي مؤنثة دون التحجيل، وهو مذكر، لأم محل الغرة أِشرف أعضاء الوضوء، وأول ما يقع عليه النظر من الإنسان”(1) .

 ومن وظائف الكناية في الخطاب النبوي عدم التصريح بالمكني عنه تأدباً ستراً للعورات، وإخفاء للهنّات، وما يخدش الحياء، وهي من أهم وظائف الكناية ومقاصدها في القرآن الكريم والحديث النبوي. قال ابن حجر:” والكناية عن الأشياء التي يُسْتَحْيَ منها كثيرة في القرآن والسنّة”(2) .

   وكانت الوظيفة الخلقية من أهم ما ساق النبي صلى الله عليه وسلم الكناية لأجلها. روت عائشة “طلّقَ رجلٌ امرأتَهُ فتزوّجتْ زَوْجاً غيرَهُ فَطلَّقها وكانت معه مِثْلُ الهُدْبَة، فلم تَصلْ منه إلى شيءٍ تريده، فلم يلبث أن طلقها فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالتْ : يا رسول الله إنّ زوجي طلَّقني  وإنِّي  تَزوجْتُ  زَوجاً غَيْرَهُ، فدخلَ بي ولمْ يكنْ مَعَهُ إلاَّ مِثْلُ الهُدْبَة، فَلم يَقْرَبَني  إلاَّ هَنةً  وَاحدةً لم يصل منّي إلى شيءِ  فَأحِلُ  لزوجي الأول؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لاَ تَحلِّنَ لزوجكِ  الأول حتّى  يذوقَ  الآخَرُ عُسَيْلَتَكِ  وتَذُقي عُسَيْلَتَهُ”(3) .

   فالعدول عن التصريح إلى التلميح من أجمل صور الكناية في البيان النبوي الشريف، ومقاصده الخلقية، فقد كنّت هذه المرأة عن عدم مجامعة زوجها لها “مثل الهدبة”. قال ابن حجر: “الهدبة بضم الهاء وسكون المهملة بعدها موحّدة  مفتوحة  هو طرف الثوب  الذي لم ينسج، أرادت أنَّ ذَكرَهُ  يُشبه  الهُدبةَ  في  الاسترخاء وعدم الانتشار”(4)  فقد جسدت هذه الكناية حياء المرأة وخلقها، وعبرت بأدب رفيع عن حاجتها الغريزية، لأنها لم تنل شيئا ممّا تريده كل امرأة من زوجها، بأسلوب لا يخدش حياء ولا يفضح ستراً. وكانت إجابة النبي صلى الله عليه وسلّم في قمة الحياء”لا حتَّى يذوق عُسَيْلَتَك وتذوقي عُسَيْلَتَه”. إنها البـلاغة التي تليـق بأدب النبوّة، وسمو أخلاق أنبياء الله.

    وتبدو جمالية الكناية في ما تحمله عبارة “حتّى يذوق.. وتذوقي ” من دلالات، وكذلك ” عسيلتك. وعسيلته”، فهي من أجمل ما عبر به النبي الكريم عن اللذة الحاصلة عن عملية الاتصال الجنسي بـــــــــــين الرجل والمرأة. قال القرطبي: “وذوقُ العسيلة كناية عن الجماع تشبيهاً للذة الجماع بلذة العسل في الحلـو والاستمتاع”(5) .

    ولاشك أن هذا الأسلوب الكنائي يجعل المتلقي متشوقاً لمعرفة ما وراء ملفوظات: الهدبة والتــــــذوق والعسل وما علاقتها بالموضوع، ويظل متشوقاً حتى يصل  إلى  المراد من الكناية. كما أن لهذه الكناية وظيفة أخلاقية وهي الستر عمّا يستحى ذكره والتصريح به، وحكم شرعي وهو عدم رجوعها إلى زوجها الأول إلاّ بعد استمتاع الزوج الثاني بها.

   ونخلص إلى أن الصورة البيانية بجميع أنماطها من تشبيه واستعارة وكناية تؤدي أبعاداً دلالية وجمالية في بنية الخطاب النبوي، وتسهم في توجيه المتلقي وإقناعه، من خلال حثّه على اكتشافه الدلالة الضمنية، وذلك أن البيان النبوي قد خرق اللغة العادية، واستخدم آليات الصورة البيانية بجميع أنماطها استخداماً غير متاح لعامة الناس.

البديع يمثل البديع وجهاً من وجوه بلاغة الخطاب النبوي الشريف، إذ يعد من أغنى الفاعليات التعبيرية التي تمنح الكلام  إيقاعاً جميلاً يطرب الأذن، ويبهج النفس، لأن الإنسان بطبعه  يجد في  الأشياء  المتقابلة والمتضادة إحساساً جمالياً قد لا  يجده في غيرها، لما ينشأ عن  ذلك من  غموض  يحفز  وعي المتلقي، ويستشعره  بلـذة النص فيتفاعل معه.

    إنّ البديع يشكل عنصراً هاماً في بنية النص، وإنْ لم يكن غاية في حد ذاته، ولذلك أساء البعض به الظن واعتبره ترفاً أو زينة شكلية، في حين أنه مظهر من مظاهر التناسق الصوتي، والتأنق في أداء المعنى ، بوصفه “جزءاً من اللغة، هو ككل عناصر اللغة، لا يتخذ في الغالب، غاية في حد ذاته، وإنما يتخذ وسيلة لأغراض المتكلم، ومن ثمّ  لا  تعرف قيمته في كونه وسيلة للتعبير إلاّ بالقدر الذي تدرك معه أهمية التعبـير ذاته، وغايته”(1) ويحوي البيان النبوي شواهد رائعة من البديع، لها أثرها في توجيه القارئ للإمساك بدلالة النص، وبيان وظائفه الجمالية، تنفذ إلى العقل في رفق ولطف، وتضفي على النص ظلالا وارفة، ترتقي به إلى  أداء متميز يدركه العقل بسهولة ويسر.

   ويأتي البديع في البيان النبوي فطرياً يستدعيه السياق، وهو منزّه عــن التكلف والتمحل، ومتنوع منه: السجع والجناس والطباق.

   أولاً: السجع

   يشكل السجع ملمحاً أسلوبياً بارزاً في كلام العرب، لما ينتج  عنه من  توافق صوتي في  نهاية الجمل يشبه القوافي في الشعر. وهو لون من ألوان الموسيقى الداخلية ينتج عن “تقسيم الحدث اللغوي إلى أزمنة منتظمة ذات علامات متكررة وذات وظيفة وملمح جمالي “(2).

   وقد السجع استهوى الخطباء والبلغاء عبر عصور الأدب، ولم يجدوا حرجاً في توظيفه في كلامهم ما دام القرآن والحديث النبوي  يشتملان على نماذج رفيعة منه، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم، إلاّ سجع الكهان الذي يراد به إبطال الحق.

   وقد أشار والترج. أونج إلى أنّ السجع سمة من سمات الثقافة الشفاهية، لأنه يحفز الذاكرة على حفظ  النصوص واستعادتها على نحو فعال ” في الثقافة الشفاهية الأولية، عليك  لكـي تحـل  مشكلة  الاحتفاظ بالتفكير المعبر عنه لفظياً، واستعادته على نحو فعّال… إمّا في أنماط متوازنة الإيقاع، أو  في جمل متكررة، أو في كلمات متجانسة الأولى أو مسجوعة…أو في الأمثال التي يسمعها المرء باستمرار وتردد على الذهن بسهولة، وقد صيغت هي نفسها على نحو قابل للحفظ والتذكر السهل”(1).

   وأشار ابن جني إلى وظيفة السجع في التلقي والحفظ ” لو لم يكن  المثل مسجوعاً لم تأنس النفس به، ولا أنقت لمستمعه، وإذا كان كذلك لم تحفظه، وإذا لم تحفظه لم تطالب أنفسها باستعمال ما وضع له ، وجيء به من أجله”(2).

   وقد حوى البيان النبوي أجمل صور السجع، لما  له  من خاصية الإيقاع الصوتي التي تمنح الكلام بعـــداً فنياً لا يتعارض مع القيم الدينية التي رسختها السنة النبوية. والسجع في  الحديث نابع من إحساس النبي صلى الله عليه وسلم الفطري بأهمية البلاغة الصوتية في صياغة الجملة “السجع من الجوانب التي بلغت في أسلوب الحديث الشريف حداً رفيعاً من التميز وقوّة الأداء، لما تضمنته من خصائص بلاغية تتصل بقوة تمكن الألفاظ في مواضعها من جهة، وقوّة اتساقها مع  غيرها صوتاً  وأثراً من جهة ثانية، والقدرة  علـــــــى حسن تقسيم الجمل تقسيماً داخلياً تمثل الفاصلة المسجوعة مع غيرها في إطاره نهايات داخلية لكل جملة أو فاصلة، ممّا يتيح للذهن التوقف عندها، واستيعابها”(3).

   ومن صور السجع المرصع المؤثر في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: ” اللهمّ أَعْـطِ منفقاً خَلَفاً، وأعط ممسكاً تَلفاً”(4) .

    فأنت تلاحظ أن الألفاظ المتقابلة “منفقاً وممسكاً وخلفاً وتلفاً “متفقة في الوزن وأواخر الكلمات، وهذا التوازي أو تقطيع الفواصل له إيقاع مؤثر، ونغم شجي، ترتاح  له الأذن، وتنجـذب  إليـه النفـس،  علـــــــــى مستوى التركيب والصورة، فيكون له أبلغ الأثر في إيضاح الصورة وتجليتها من خلال التناغم الناشئ مــــن التساوي التام بين الفقرتين، أو الفاصلتين.

   وبنية السجع في الحديث قائمة- إلى جانب الاتفاق- على التضاد “خلفاً” و”تلفاً”، تدل الأولى على المدح، والثانية على القدح، ممّا يبشر المنفق بزيادة ماله، والممسك بتلف ماله، فيهرع المنفق إلى النفقة إذا تيقن أن خلفاً يعقبها، ويتجنب البخل إذا علم أنّ تلفاً يعقبه.

   والسجع في الحديث النبوي جار على مقتضى الطبع، يتطلبه السياق، لأن النبي الكريم لا يستخدم من السجع إلاّ ما يقوي المعنى، ويزيده وضوحاً، وتمكناً في النفس، وهو عمل بلاغي تستدعيه النفس والذهن “تقطيع المنثور من الكلام جملاً أو فقراً أو فواصل عمل بلاغي تقتضيه حالة النفس وحركة الذهن، وطبيعة التنفس، وهذا التقطيع وإن نشأ في اللغة على مقتضى الطبع فله فلسفة وهندسة وموسيقى، هنّ  عناوين علم البلاغة وبراهين فن  البليغ. فالهندسة والموسيقى، ملاكهما التلاؤم بين  أجزاء الفقر وفواصلها،  فإن كانت الفواصل متعادلة فهو التوازن، وإن كانت متماثلة فهو السجع…الازدواج على إطلاقه ، والسجع على تقييده يؤلفان الموسيقى في الأسلوب البليغ، منذ كان للعرب ذوق، وللعربية أدب، فليس الحال فيهما هي الحال في  سائر  الأنواع البديعية التي نشأت في الحضارة ونمت بالترف، وسمحت بالفضول، وفسدت بالتكلف، فالذين ينكرون على من يحسنون التأليف بين الأصوات والمزاوجة بين الكلمات والمجانسة بين الفواصل إنما ينكرون جمال البلاغة في دهر العروبة كله”(1) .

   ويعد السجع المتوازن من ألطف أنواع السجع وأحلاها في الأسماع، وقد استعمل بكثرة في الحديث النبوي الشريف كقوله صلى الله عليه وسلم: “شَرُّ النّاس:مَن أَكلَ وحدهُ، ومنع رِفْدَه، وجلد عبدَه”(2).

   فقد جاءت الفواصل متتابعة متساوية الوزن” أكل وحده” و”منع رفده” و “جلدَ عبده”، فأذن السامع عندما تلتقط الجملة الأولى، تتوقع الثانية المتشابهة النهاية، الأمر الذي يجعل السامع يجد لذة في  تواصــــل الجمل على هذا الإيقاع المتناغم وما يترتب عنه من جمال آسر، وأداء متميز، تبدو فيه كل فاصلة ترديداً لصوت الأخرى، وتأكيداً معنوياً لها في وقت واحد. فالتوازي تام في الفاصلتين من  حيث الوزن، وعـــدد الحروف، وهذا ما يسمى في عرف البلاغيين ” الموازنة الكلية، سبيلها في مؤاخاة الأقسام  ومكافأتها، أن توجد بينها أحد هذه العناصر: التوافق، التضاد، التكامل، الإجمال، والتفصيل، والتدرج”(3).

      ومن السجع المطرّف قوله صلى الله عليه وسلم في دعائه “اللهمّ إني أعوذ بك من النفاق، وسوء الأخلاق”(4), فلخطورة سوء الأخلاق تعوذ منه الرسول صلى الله عليه وسلم وألحقه بالنفاق، فتساوى معه في البشاعة. فلا شك أن تشابه لفظة النفاق ولفظة الشقاق في الحرف الأخير قد نشأ عنه جرس  صوتي مؤثر يستهوي المتلقي، وهو ما أضفى على النص جمالية لم تكن لتحدث بغيره، فالتفاعل اللفظـــــي  في السجع يتوسل بالإيقاع لتمكين المعنى.

 ثانيا:  الجناس

 الجناس من قيم الأداء الصوتي التي تجسد المعنى، وتسمو بالنص  إلى مستوى من  التأثير الفعّال، عبر استغلال طاقات اللغة الصوتية والدلالية، فتنشأ عن تكرار بعض الألفاظ وتناغمها أشكال  هندسية متوازية ومتوازنة ومتساوية تطرب الأذن، وتهز الوجدان، وتستثير الحس.

   وهكذا يصبح الجناس من وسائل الجذب والسحر اللغوي، ومن أكثر ألوان البديع حضورا في الخطاب العربي، ويقوم على تشابه الكلمتين لفظاً ومعنى، بتكرار لفظ ما تكراراً تاماً، أو تكرار بعض حروفه. فجمالية التجنيس تتأسس على تكرار بعض الكلمات المتجانسة، تكراراً عفـوياً يستدعيه المعـنى ” فإنك لا تجـد تجنيساً مقبولاً، ولا سجعاً حسناً، حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه، وساق نحوه، وحتى تجده لا تبتغي به بدلاً، ولا تجد عنه حولاً “(1) .

   وبنية الجناس في الحديث النبوي الشريف تقوم على استغلال عدد محدد من الألفاظ للتعبير عن  معاني معاني متعددة، بغية إحداث التأثير الوجداني والنفسي في المتلقي كقوله صلى الله عليه وسلّم ” من تعلم صرفَ الكلام لِيسْبِيَ به قلوبَ النّاس لم يقبلِ اللهُ منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلا”(2).

وهو من الجناس التام. ويعني صرف الكلام فضوله وزيادته عن الحاجة، وأراد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بـ ” صرف “ما يخالط الكلام من رياء وتصنع وكذب وتزيد عن الحاجة. أما “صرفاً” فأراد بها التوبة، أي من  كانت هذه حاله في صياغة الكلام لا يقبل منه توبة.

   وهذا التجانس الصوتي بين اللفظتين مع اختلافهما في المعنى، ينشأ عنه التباس في ذهن المتلقي، فيظن أن اللفظة الثانية توكيد للأولى،  في حين أنها تختلف عنها، وبعد  تأمل يكتشف  المفارقة بين الدلالتين ، ويدرك أهمية الجناس في تعميق المعنى، وإبراز الفروق الدلالية ” ظاهرة إبراز للفرق عـبر درجة قصـوى مـــــــــــن التشابه، أي  أنّه  تعميق للفرق عن طريق تعميق التشابه وعلى  محورين  مختلفين للفرق والتشابه،  الفرق الدلالي والتشابه الصوتي، ولأنه كذلك فإن الفجوة – مسافة التوتر أكثر حدّة وبروزاً، وهو أكثر خلخلة لبنية التوقعات لدى المتلقي”(3) .

   ومن الجناس قوله صلى الله عليه وسلم “اللهمّ أذقْتَ أولَ قُرَيشٍ نَكَالاً، فَأَذِقْ آخِرَهُمْ نوالاً “(4).

  إن اللفظة هي الرقم الصعب في عملية التشكيل اللغوي، وألفاظه صلى الله عليه وسلم ينابيع تتــــــــدفق  إيقاعاً وجمالاً، وإن كانت غايتها ترسيخ المعنى، فإنها لم تتخل عن تشكيلها الإيقاعي. وفي هذا الحديث  جناس ” نكالا ونوالا ” تماثلت فيه اللفظتان في الوزن واختلفتا في التركيـب، فأفـادت الثانية معـنى مغايـــــــــراً للأولى، فدلت الأولى  على  ما نال قريش من  شدّة العذاب في بداية  الدعوة الإسلامية  نتيجة  كفرها وعنادها وإعراضها عن الإسلام، ودلت الثانية على العطاء واللين، والسهولة، ونلاحظ كيف أدى توظيف الجناس إلى تغير الدلالة بما يوحي بالعزة والخلافة.

ثالثا الطباق:

الطباق هو الجمع بين الشيء وضده. والتضاد لا يعني التناقض والتنافر، بل الأداء المعنوي الجميل ، لأن النفس تجد متعة في تجاور المتضادات والمفارقات وتفاعلها، في شبكة من العلاقات، لأداء كثير من الوظائف والغايات.

  ويعدّ الحديث النبوي من  أبرز النصوص التي وظفت الطباق توظيفاً  ينسجم مع  مراده صلى الله عليه وسلم في خدمة المعنى، ومطابقة مقتضى الحال كقوله: ” أفضلُ الفَضَائل أن تصلَ مَنْ قَطعَكَ، وتُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وتَصْفَحُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ”(1).

   إن النبي صلى الله عليه وسلم له مقدرة على انتقاء الألفاظ التي تتسق مع الدلالة، وهو هنا يبين أفضل الفضائل عبر هذه المتضادات  المتشابكة التي تجسد الروابط  الإنسانية، في نسيج  لغوي عـــــزّ نظيره، وقد اختار أفعال المضارعة التي تعني التجدد والاستمرار، وهي”تصل وتعطي، وتصفح”. وكل فعل منها جسد المعنى الحقيقي بعمق، فليس من فضائل الأعمال أن ينغلق الإنسان على ذاته فتكون المعاملة بالمثل هي السلوك السائد، بل العكس. فلو اكتفى النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظ الصلة والعطاء  والصفح، فلا يكون لها نفس المفعول الذي أدته أضدادها، لأن النفس لا ترتاح إلى الشيء العادي، بل تهوى  المفارقة والانزياح الذي يفضل النسيج المفتوح، الذي يخترق المألوف ويحتاج إلى تأويل.

   والطباق في الخطاب النبوي يأتي عفوياً لا تكلف فيه، يقوم على جمالية اللفظ، ودقة المعنى، كقوله صلى الله عليه وسلم “خيرُ المالِ عَيْنٌ سَاهِرَةٌ لِعَيْنٍ نائمة”(2) .

    فتأمل كيف طابق بين الساهرة والنائمة، وتعني الساهرة عين الماء تسقي زرع صاحبها وهو نائم. وهذا من الطباق النادر الذي تفرد به البيان النبوي الشريف على مستوى الأداء والمضمون.

   والمقابلة من أنواع الطباق وداخلة فيه، وتكون من حيث عدد المتقابلات بين معنيين وأكثر مثل  قوله صلى الله عليه وسلم: “إنّها ستكون بعدي أثرة، وأمور تنكرونها” قالوا: فما تأمرنا؟ قال: “تؤدون الذي عليكم، وتسألون الذي لكم”(3).

فالمقابلة بين تؤدون وعليكم من جهة، وبين تسألون ولكم من جهة. ومن بلاغة المقابلة في هذا الحديث أنها جمعت بين حالين: حال أداء الحق المفروض على المسلم، وسؤال الحق الذي له، وما أجمل أن تقوم حياة الناس على مراعاة التوازن بين أداء الوجبات، وسؤال الحقوق!

   وفي الختام نصل إلى أن هذا البحث يسعى إلى:

   ـ الكشف عن أوجه التشكيل البلاغي في بنية الخطاب النبوي، وبيان ما يزخر به من ملامح دلالية وأسلوبية وجمالية، ضمن رؤية واسعة تعكس أهمية المكون البلاغي في البيان النبوي.

    ـ إن التشكيل البلاغي في البيان النبوي يعد من أغنى الفاعليات التعبيرية، لأنه صلى الله عليه وسلم  يدرك أهمية تأثير الصورة في المتلقي باعتباره المستهدف من كل بلاغ، وأنها ترمي إلى تحقيق الغرض الديني بآليات فنية تستثير الفكر والشعور، لتحقيق المقاصد الدعوية والإيمانية.

   ـ الصياغة البلاغية في الخطاب النبوي ليست مقصودة لذاتها، ولا ينبغي أن ينظر إليها كما ينظر  إلى أي نص أدبي يتجه البحث فيه إلى أحوال المرسِل في إمكانات إنتاج الخطاب، كون النبي صلى الله عليه وسلم يوحي إليه، ولا ينطق عن الهوى، أي أن جمال النص النبوي مستلهم من جمال النص القرآني.

   ـ إن البيان النبوي يعد أصلاً من أصول التأصيل البلاغي واللغوي، وقد نهلت المباحث  البلاغية واللغوية قديماً وحديثاً من كنوزه وأسراره الجمالية، فمنشؤه أفصح من نطق الضاد.

   ـ إثارة أسئلة حول بلاغة الخطاب النبوي، لعلها توجه المهتمين بدراسة السنة النبوية إلى دراسة هذا الجانب، دراسة جمالية تكشف عن آلياته التصويرية والدلالية، لأنه بلغ أقصى درجات التميز والكمال والاطراد الذي يجعله نمطاً فريداً بياناً وأسلوباً وإقناعاً.

أهم المصادر والمراجع:

ـ المعاجم:

أحمد مطلوب: معجم المصطلحات البلاغية وتطورها، المجمع العلمي العراقي1987م.

كتب التراث:

ـ ابن الأثير: المثل السائر، تحقيق أحمد الحوفي، وبدوي طبانة، ط2، دار الرفاعي، الرياض1403ه-1983م.

ـ ابن جني: الخصائص، ط4، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

ـ ابن حجر العسقلاني: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، دمشق 2013م.

ـ ابن رجب: جامع العلوم والحكم، مراجعة مكتب التحقيق بدرا الإمام مالك، الجزائر1432ه-2011م.

ـ الزمخشري: الكشاف، تحقيق عبد الرزاق المهدي،ط1،دار إحياء التراث العربي1417ه-1997م.

ـ القرطبي: الملهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم، تحقيق محي الدين ديب، وآخرين، ط2، دار ابن كثير1999

ـ عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز، تصحيح محمد عبدو، والشيخ محمد محمود الشنقيطي، ط2، دار المعرفة، بيروت 1422ه-2001م.

 أسرار البلاغة، راجعه وعلق عليه، عرفان مطرجي، ط1، مؤسسة الكتاب الثقافية، بيروت2006 م-1427ه

ـ يحي بن حمزة العلوي: الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم الإعجاز، مطبعة المقتطف، مصر 1332ه

ـ المراجع المترجمة:

ـ أرسطو: الخطابة، ترجمة وشرح عبد الرحمن بدوي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة 1980م.

جان كوهن: بنية اللغة الشعرية، ترجمة محمد المولى العمري، الدار البيضاء، المغرب1986م . ـ والتر أونج: الشفاهية والكتابة، ترجمة حسن عز الدين، عالم المعرفة، عدد182، فبراير 1994م . المراجع العربية: ـ أحمد حسن الزيات: دفاع عن البلاغة، مطبعة الرسالة، القاهرة (د.ت) . ـ أحمد ياسوف: الصورة الفنية في الحديث النبوي الشريف، ط2،دار المكتبي، سوريا 2006م . ـ كمال عز الدين السيد: الحديث النبوي من الوجهة البلاعية.ط1، دار إقرأ 1404ه- 1984م. ـ عبد الله المجذوب: المرشد إلى فهم أشعار العرب،ط1، مطبعة مصطفى الحلبي، مصر 1955م. ـ سيد قطب: التصوير الفني في القرآن، ط10، دار الشروق. ـ محمد العمري: البلاغة الجديدة بين التخييل والتداول،ط2، أفريقيا الشرق، المغرب2012م. ـ محمد رجب البيومي: البلاغة النبوية، الدار المصرية اللبنانية،ط2008،1.    

(1) ابن خلدون : المقدمة، ط3، دار الكتاب اللبناني 1967ص:1068.

(2) حازم القرطاجني: منهاج البلغاء، تحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة، ط3،دار الغرب الإسلامي،بيروت 1983م،ص:88.

(1) سعيد حسن بحيري: علم لغة النص، المفاهيم والاتجاهات، ط1،مكتبة لبنان ناشرون، الشركة المصرية – لونجمان1997م،ص:20.

(2) رولان بارت: البلاغة القديمة ، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، نشر الفنك للغة العربية، ص:5.

(3) محمد العمري: البلاغة الجديدة بين التخييل والتداول، أفريقيا الشرق، ط2، الدار البيضاء 2012، ص:12.

(1) عبد الله صولة: في نظرية الحجاج، مسكيلياني للنشر والتوزيع، ط1، تونس 2011م، ص:13.

(2) عيد بلبع: قراءات تداولية :البلاغة والتواصل، منتدى مجمع اللغة العربية، ص:3،www.m-a-arabia.com

(3) سورة النجم، الآيات 2-4.

(4) يحي بن جمزة العلوي: الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم الإعجاز، مطبعة المقتطف بمصر 1332ه، ج 1،ص:32-33

(1) الجاحظ: البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، ط4، دار الفكر بيروت ج 2، ص:17 .

(2) فولفغانغ إيزر: فعل القراءة، ترجمة حميد لحمداني، وجيلالي الكدية، مكتبة المنهل فاس – المغرب (د.ت)ن ص:12. (1) أحمد ياسوف: الصورة الفنية في الحديث النبوي الشريف، دار المكتبي، ط2، سوريا 2006، ص:105. (2) أرسطو: الخطابة، ترجمة وشرح :عبد الرحمن بدوي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة 1980م، ص:.226. (3) زاد المعاد ج 1، ص: 320-325. (4) عيد بلبع: المرجع السابق، ص:4. (5) ابن الأثير: المثل السائر، تحقيق أحمد الحوفي وبدوي طبانة،ط2، منشورات دار الرفاعي، الرياض1403ه-1983م،1/117 (6) المصدر السابق، ج 1 ، ص:119. (1) عبد القاهر الجرجاني: أسرار البلاغة، راجعه وعلق عليه: عرفان مطَرجي،ط1،مؤسسة الكتاب الثقافية،بيروت2006م-1427ه، ص:207 . (2) المصدر السابق، ص: 107. (3) غازي يموت: علم أساليب البيان:،ط2، دار الأصالة، بيروت 1983م، ص:183. (1) الزمخشري: الكشاف، تحقيق عبد الرّزاق المهدي، ط1، دار إحياء التراث العربي1417ه1997م،ج 1، ص:54. (2) الجاحظ: البيان والتبيين ج 2، ص:19 . (3) صالح ملا عزيز: جماليات الإشارة النفسية في الخطاب القرآني، دار الزمان، ط1، دمشق 2010، ص: 55. (4) محمد رجب البيومي: البلاغة النبوية، ص:237. (5) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، رقم الحديث 47  . (1) المنهاج في شرح صحيح مسلم، دار ابن حزم 1423ه، ص:99. (2) أحمد مطلوب: معجم المصطلحات البلاغية وتطورها، المجمع العلمي العراقي 1987م، 2/188 . (3) علي الجندي: فن التشبيه، ط2، مكتبة نهضة مصر 1952م، 2/147 . (4) أخرجه البخاري. (5) كمال عز الدين: الحديث النبوي الشريف من الوجهة البلاغية، ط1، دار إقرأ 1984م، ص: 144. (1) صحيح مسلم، كتاب الطهارة، رقم الحديث 333. (2) عبد القاهر الجرجاني: أسرار البلاغة، ص:135. (3) كمال عز الدين السيد: المرجع السابق، ص:144. (1) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة، رقم الحديث:4691. (2) ابن حجر العسقلاني: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ط1، دمشق 2013م،ج 18، ص:361. (3) أحمد ياسوف: المرجع السابق، ص:492-493. (1) عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز، ط3، دار المعرفة، بيروت 1422ه- 2001م،ص:.284 . (2) جون كوهن: بنية اللغة الشعرية، ترجمة محمد المولى العمري، الدار البيضاء –المغرب1986، ص:173. (3) المرجع السابق، ص:206. (4) صحيح البخاري، كتاب الزكاة، رقم الحديث: 1420. (5) رواه أبو داود والحاكم. (1) الطيبي: المصدر السابق. (2) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، رقم الحديث4415. (3) أحمد أحمد شكم: مباحث البيان النبوي في غريب الحديث والأثر، رسالة دكتوراه، ص 265-266. (1) عبد القاهر الجرجاني: أسرار البلاغة، ص:117. (2) صحيح سنن الترمذي، كتاب صفة القيامة، رقم الحديث:2440. (3) ابن رجب: جامع العلوم والحكم، إشراف ومراجعة مكتب التحقيق بدار الإمام مالك،ط2، الجزائر1432ه2011م،ص:267 . (4) عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز، ص: 204. (5) صحيح البخاري، كتاب الوضوء، رقم الحديث:163. (1) بدر الدين العيني: عمدة القارئ ج 2 ، ص:248. (2)  ابن حجر العسقلاني: فتح الباري بشرح صحيح البخاري ج 10 ، ص:368. (3) صحيح البخاري، كتاب الشهادات، رقم الحديث:2458. (4) المصدر السابق  ج 10، ص:584.

(5) القرطبي: الملهم  لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم تحقيق محي الدين ديب وآخرون، ط2، دار ابن كثير1999م، 2/234.

(1) الساحلي منى: التضاد في النقد الأدبي، منشورات قان يونس، ط1، بنغازي، ص:217.

(2) برتيل مالبرج: علم الأصوات، تعريب ودراسة عبد الصبور شاهين، مكتبة الشباب مصر 1985م، ص:199.

(1) والترج أونج: الشفاهية والكتابية، ت. حسن عز الدين، بتصرف، سلسلة عالم المعرفة، عدد182، فبراير1994، 94.

(2) ابن جني: الخصائص،ط4، الهيئة المصرية العامة للكتاب ج 1، ص:227.

(3) الخصائص البلاغية واللغوية لأسلوب الحديث الشريف، ص:144-145.

(4) أخرجه مسلم كتاب:(الزكاة)، باب: في المنفق والممسك، رقم 1010.

(1) أحمد حسن الزيات: دفاع عن البلاغة، مطبعة الرسالة، القاهرة(د.ت)ن ص: 114.

(2) أخرجه البخاري ومسلم.

(3) عبد الله الطيب المجذوب: المرشد على فهم أشعار العرب 2/208.

(4) أخرجه أبو داود كتاب الصلاة 2/91(1546) والنسائي كتاب الاستعاذة 8/264(5471).

(1) عبد القاهر الجرجاني: أسرار البلاغة، ص:21.

(2) أخرجه أبو داود (5006)، والبيهقي في شعب الإيمان (4974).

(3) كمال أبو ديب: في الشعرية، ص102

(4) أخرجه الترميدي في صحيحه، كتاب : المناقب، باب فضل قريش والأنصار، رقم 3917.

(1) مكارم الأخلاق للخرائطي، باب ما جاء  في الصدقة، رقم الحديث: 279.

(2) النهاية في غريب الحديث والأثر، والمجازات النبوي للشريف الرضي، ص:39.

(3) متفق عليه.

 
Updated: 2021-01-21 — 16:59
JiL Scientific Research Center © Frontier Theme