المقْوَلة ظاهرة معرفية: من التأسيس إلى التوسيع Categorization as cognitive phenomenon: from foundation to expansion


المقْوَلة ظاهرة معرفية: من التأسيس إلى التوسيع

Categorization as cognitive phenomenon: from foundation to expansion

ذ. أحمد جوهاري.  أستاذ الفلسفة بالتعليم  الثانوي . طالب باحث بجامعة ابن طفيل-القنيطرة

Ahmed Jaouhari Professor of Philosophy in Secondary Education. A student at the university of Ibn Tofail- Kenitra

مقال نشر في مجلة جيل الدراسات الادبية والفكرية العدد 55 الصفحة 115.

 

   

Abstract :

     In the middle of the last century, the concept of categorization knew a radical change after Wittgenstein had published a book entitled «  philosophical research », in which he tackled certain concepts such as «  language games » and «  family resemblance », which constituted  a turning point in human thinking at the level of language and logic. This was reflected on the theory of categories that was confined to Aristotelian logical thinking. It was no longer possible to adopt the criterion of the necessary and sufficient conditions that determine the affiliation of an element to the categorization, but rather the criterion of similarity between the elements of the categories as the principal determinant. In this way, the concept of family resemblance has been employed by cognitive psychologists and linguists to critique the foundations of the traditional theory of the categories, and to compensate it with a theory based on the concept of prototype, both in its original form with Eleanor Roche or in its expanded version with George Lakoff. On this basis, the categories can be studied as cognitive phenomenon by standing on three basic stations: the foundations stage with Wittgenstein, the constructions phase with Roche, and the expansion phase with Lakoff.

Key words: categories, family resemblance, prototype theory, idealized modal.

 

ملخص:

   عرف مفهوم المقْولة تحولا جذريا خلال منتصف القرن الماضي، بعدما أصدر فتجنشتاين كتاب” بحوث فلسفية”، تناول فيه بعض المفاهيم من قبيل: “الألعاب اللغوية” و”التشابه العائلي”، شكلت منعطفا في التفكير البشري على مستوى اللغة والمنطق، وانعكس ذلك على نظرية المقولة التي كانت رهينة التفكير المنطقي الأرسطي. فلم يعد بإمكان اعتماد معيار الشروط الضرورية والكافية الذي يحدد انتماء عنصر ما إلى المقولة، بل تم الاستناد إلى معيار التشابه بين العناصر التي تنطوي عليها المقولة، باعتباره المحدد الرئيسي. بهذا تم توظيف مفهوم التشابه العائلي من قبل علماء النفس المعرفي وأنصار اللسانيات المعرفية لنقد أسس النظرية التقليدية للمقولة، وتعويضها بنظرية تقوم على مفهوم الطراز سواء في صورتها الأصلية مع “اليانور روش” أو في صيغتها الموسعة مع “جورج لايكوف”. على هذا الأساس، يمكن دراسة المقولة كظاهرة معرفية من خلال الوقوف على ثلاث محطات أساسية: مرحلة التأسيس مع فتجنشتاين، ومرحلة البناء مع روش، ومرحلة التوسيع مع لايكوف.

الكلمات المفاتيح: المقولة، التشابه العائلي، نظرية الطراز، النموذج المؤمثل،

مقدمة:

     تشكل المقْولة[1] ظاهرة معرفية وخاصية بشرية، لا يمكن أن نتصور إنسان لا يُمقْول، فحتى الحيوانات لها القدرة على المقْولة، لكنها لا تتجاوز عالم الأشياء، في حين أن البشر يُمقْولون كل شيء في الطبيعة، بالإضافة إلى ما يرتبط بالمجتمع، وعالم الأفكار، والأعمال، والوجدان[2]. فليس هناك شيء غير قابل للمقولة، وهذا يعني أن المقْولة هي الطريقة التي نفكر بها أو هي الكيفية التي نتمثل بها العالم من حولنا ونكتسب بها المعلومات، وهذا يستوجب في نظر المختصين بالعلوم المعرفية إعادة النظر في مفهوم المقْوَلة الذي تعرّض للاختزال في البنية المنطقية وحدها، منذ أرسطو إلى حدود منتصف القرن الماضي. فقد كان ينظر إليها انطلاقا من الشروط الضرورية والكافية باعتبارها الشروط التي تسمح بانتماء عنصر ما إلى المقولة، وهذا الانتماء يتم وفق نظرية الصدق التوافقي، يأخذ فيها كل عنصر قيمة صادق أو قيمة كاذب. غير أن مع ظهور كتاب فتجنشتاين ” بحوث فلسفية “، وفي إطار حديثه عن “ألعاب اللغة” -وهي أساس نظرية المعنى القائمة على الاستعمال- وظف مفهوم “التشابه العائلي” من أجل نقد مفهوم الحدود المنطقية بين القضايا والمفاهيم. ليُدشّن بذلك مرحلة جديدة في البحث اللغوي والدلالي توّجت بظهور التداوليات اللسانية والتداوليات المعرفية، وغيرها من الأبحاث ذات الطبيعية المفهومية. وبذلك، أصبح الاهتمام بالجانب المعرفي متزايدا مقارنة بالجانب المعجمي، فقد ظهر جيل من الباحثين في العلوم المعرفية سواء في مجال علوم الحاسوب و الذكاء الصناعي، أو في علم النفس المعرفي، واللسانيات المعرفية، وغيرها من الأبحاث التي أعادت طرح سؤال؛ كيف يشتغل العقل البشري؟ وما الذي يحدث في أذهاننا عندما نفكر؟. وما دامت عملية المقْوَلة هاته أساس تفكيرنا، فقد كانت أهم القضايا التي تناولتها جميع الدراسات التي تتبنّي المقاربة المعرفية. لكننا سنقتصر في هذه الورقة على إبراز منطلقات المقاربة المعرفية مع “فتجنشتاين الثاني”، وننتقل بعد ذلك إلى تشخيص عملية المقولة لمعرفة الطريقة التي تبنى بها مع ” اليانور روش”، التي استثمرت نظرية الطراز من مجال علم النفس التجريبي في معالجتها للمقولة ومبادئها، ثم ننتهي ببحث آفاقها المعرفية مع لايكوف الذي فتح مجالا واسعا لدراسة ظاهرة المقْولة يأخذ بجوانب عدة؛ منها ما هو لساني وما هو فيزيولوجي/ عصبي.

  1. التصور التقليدي للمقولة:

      يتأسس التصور التقليدي للمقْولة على طريقة معينة لاشتغال الفكر البشري، تتحدد هذه الطريقة في مجموعة من المحددات، يلخصها “جورج لا يكوف” في أربع عناصر هي:

  • يتخذ الفكر البشري طابعا مجردا غير متجسد.
  • يأخذ الفكر معنى دقيق ومحدد، يتميز بالقدرة على البث في القضايا للتحقق من صدقها أو كذبها.
  • الفكر حساب رياضي ومنطقي.
  • للفكر بنية مماثلة لبنية الواقع.

      انطلاقا من هذه الفرضيات، تم التعامل مع المقْولة، من أرسطو حتى منتصف القرن الماضي، تعاملا يراعي الشروط الضرورية (منطقيا ) والكافية (ماديا)، بواسطتها نقرر انتماء عنصر ما إلى مَقُولة من المقولات أو عدم انتمائه إليها[3]، لأنها تسمح ببيان ما إن كانت عناصر المقْولة تشترك في نفس المقُولة[4]. فالنظرية التقليدية في المقْولة تنْبني على سؤال مركزي هو:” على أي أساس نقرر انتماء عنصر ما إلى مقولة ما؟ وبصيغة أخرى، على أي أساس تتم عملية المقْوَلة؟

     لقد شكل نموذج الشروط الضرورية والكافية منطلق العديد من الدارسين في مجال اللسانيات والمنطق، من خلال تناولهم للمفاهيم والقضايا؛ بحيث تم النظر إلى المقولات باعتبارها كيانات مجردة لها حدود معينة وواضحة، ولا تتخذ هذه الكيانات صفة المقُولة إلا من خلال تحديد صدقها أو كذبها، لتصبح بذلك المقولات الصادقة متكافئة منطقيا، والمقولات الكاذبة متكافئة، كذلك[5]. على هذا الأساس، لا يكون المرء إنسانا على نحو متفاوت يزيد أو ينقص، فإما أن يكون إنسانا أو ليس إنسانا. فهذه القضية بدون معنى ما لم نحدد صدقها أو كذبها.

       فانتماء عنصر معين إلى مقولة رهين باستيفاء ذلك العنصر لمجموع الشروط الضرورية والكافية، غير أن هذا المعيار لا يحقق فائدة إلا في إطار النظريات المعجمية التي تعطي للفظ معنى واحد ووحيد، كما لها فائدة كذلك، في إطار النظرية الأنطولوجية؛ بحيث إن انتماء الأشياء إلى مقوُلة ما، مؤسس على ما هو طبيعي يوافق ماهية الشيء؛ أي تطابق خصائص الشيء الضرورية والكافية والخصائص الواقعية، من جهة، ومطابقة عناصر المقولة ذات الخصائص نفسها مع مرجع المقُولة، من جهة أخرى[6].

  • صعوبات قائمة على التصور التقليدي:

      يواجه التصور التقليدي مجموعة من الصعوبات لكونه يسلم بقضيتين أساسيتين وهما: أولا: لكل كلمة دلالة واحدة محددة ودقيقة، ثانيا: انفصال المقولات بعضها عن بعض، يوافق انفصال الوقائع بعضها عن بعض، بمعنى أن هناك تناظرا بين كل مقُولة وواقعة، تناظرا واحد بواحد. إن قبول مثل هذه الأفكار يطرح إشكالات تتعلق بنموذج الشروط الضرورية والكافية، من أهمها عدم قدرتنا على التحقق من استيفاء كل عنصر من عناصر مقُولة ما لمجموع الشروط الضرورية والكافية المنوطة بالمقُولة المشار إليها أو عدم استيفائه لها[7]. ويطرح كذلك إشكال عدم قدرة نموذج الشروط الضرورية والكافية على وصف المقولات المبهمة خصوصا ما تعلق منها بالألوان والأنواع الطبيعية. وأخيرا، إن النموذج التقليدي لا يفسر لماذا يتم الإشارة إلى الأشياء الموجودة في الواقع، والمشتركة في خصائص معينة بلفظ واحد وليس بعدة ألفاظ. ومن ثم، عجزه عن تفسير غموض الإحالة خصوصا عندما يستخدم اللفظ الواحد للإشارة إلى أشياء مختلفة[8].

     أمام هذه الصعوبات التي واجهت نموذج الشروط الضرورية والكافية، ظهرت مجموعة من التوجهات تأخذ باعتبارات جديدة في تحديد المقولة، تقوم  بالأساس على التشابه العائلي[9]، والطراز[10]، والنماذج المعرفية المؤمثلة[11]، تتجاوز التصور المنطقي القائم على نظرية الصدق التوافقي.

  1. مرحلة التأسيس مع فتجنشتاين: التشابه العائلي:

     ارتبط مفهوم التشابه العائلي عند “فتجنشتاين” بسياق الحديث عن “ألعاب اللغة” والتي شكلت محور أساسي في فلسفته الثانية، بواسطتها أحدث تغييرا في التصورات المرتبطة بفلسفة اللغة والمنطق، توجت بظهور أبحاث تداولية ومعرفية مخالفة للتصورات التقليدية، مما انعكس ذلك على تصورنا للمَقْولة. وهذا ما دفع أغلب الباحثين إلى إعادة النظر في نموذج الشروط الضرورية والكافية القائم على وضع حدود صارمة بين المفاهيم والقضايا، وذلك باختزال اللغة إلى مجرد أسماء ومقولات توافق الأشياء الموجودة في الواقع توافقا منطقيا. غير أن فتجنشتاين في مؤلفه ” بحوث فلسفية” تجاوز النظرة الإختزالية- الصورية إلى نظرة تقوم على منطق الإبهام. هذا الأخير، يلغي الحدود الصارمة بين المقولات، ويقبل، بدلا من ذلك، بوجود تشابهات عائلية تنصهر فيها المقولات بشكل متفاوت[12]. وهذا يبيّن بجلاء أن المقولات عند فتجنشتاين ليست متكافئة بحسب عناصر المقُولة الواحدة، بل تقتضي وجود منظومة متراتبة ومتفاوتة بين المقولات، فهي ترتبط بعضها ببعض بطرق عديدة ومختلفة، فما يجعلنا نسمي مَقُولة ما ليس هو مجموع القواسم المشتركة بين عناصرها، بل هو التشابه الموجود بين عنصرين على الأقل من هذه العناصر في خاصية واحدة على الأقل[13].

    على هذا الأساس، يفقد نموذج الشروط الضرورية والكافية أهميته، ويكتسب مفهوم التشابه العائلي فائدته ونجاعته في تحديد النماذج المعرفية لإدراك طبيعة اللغة والعالم الخارجي[14]. وعليه، فالعلاقة بين المقُولة وما نتصوره لا يمر عبر التطابق بين المقُولة ووجود العناصر التي تنطوي عليها في الواقع، بل عبر علاقة المشابهة والقرابة التي ألفناها بين مقُولة ما والعناصر التي تدخل في إطارها. فقد نجد عناصر معينة تدخل في هذه المقُولة وفي مقُولة أخرى. من ثم، فالإشكال هنا لا يتعلق بضرورة دخول أو خروج عنصر ما داخل المقُولة، بل بدرجة التشابه الحاصل بين أحد عناصر المقُولة بالمقْولة. ويمكن أن نقيس درجة التشابه عن طريق البعد والقرب، وليس عن طريق الصدق والكذب، كما هو الحال في النموذج التقليدي. وبهذا تصبح الخصائص المشتركة بين العناصر التي تنطوي عليها المقولة عبارة عن تناظر قائم على التشابه العائلي، وليس مبنيا على مطابقتها لأشياء العالم. وهذا التناظر هو نفسه نجده لدى أفراد عائلة ما؛ فهناك سمات مشتركة من قبيل: البنية، قسمات الوجه، لون العينين، طريقة المشي، المزاج..الخ[15].

     لقد تصور فتجنشتاين الألعاب اللغوية بمثابة عائلة تجمعها جملة من التشابهات المختلفة والمتفاوتة دون أن يقر بوجود شيء يعد قاسما مشتركا بين أفراد العائلة أو خاصية ثابتة تجمع الأفراد جميعا[16]. والسبب في ذلك، يعود إلى أن الخصائص المشتركة متداخلة بعضها ببعض دون أن يتحدد بوضوح ما هو مشترك بينهما جميعا. من هنا، فالتشابه كما يتحدث عنه فتجنشتاين أبعد ما يكون من مفهوم الهوية المعتمد في التقليد الفلسفي[17] .

     لكن الإشكال الذي يطرح بصدد ما يعتبره فتجنشتاين تشابه عائلي، هو ما إذا كان قائما على الاشتراك في مجموعة أقل من السمات أو قائما على التاريخ الطبيعي لهذه السمات المشتركة (أو التشابهات) باعتبارها عائلة. والإجابة التي قدمها فتجنشتاين لهذا الإشكال تتضمن صيغتين أساسيتين يعتمدهما لتحديد درجة التشابه العائلي أو لحساب السمات المشتركة وهما[18]: صيغة قوية وأخرى ضعيفة، فإذا كانت هذه الأخيرة تقوم على التشابه العائلي الناتج عن وجود سمة مشتركة واحدة على الأقل، فإن الصيغة القوية تجعل التشابه العائلي قائما في حالة غياب سمة من السمات. فقد أكد فتجنشتاين على غياب أحد السمات في كل لعبة معينة، فهناك بعض اللعب ليس فيها تبادل الأدوار، ومنها ما ليس فيها تنافس، وأخرى ليس فيها ربح ..الخ. غير أن فتجنشتاين تارة يعتمد الصيغة القوية، وتارة أخرى يستند إلى الصيغة الضعيفة، وهذا يعني أن مفهوم التشابه العائلي مما يدخل في باب منطق الغموض (الإبهام) وليس ضمن المنطق الصارم؛ بحيث نجد غياب تام للحساب الدقيق، أو معيار يحدد بدقة حضور أو غياب سمة من السمات. والسبب وراء ذلك، هو أن السمات المشتركة تتغير عبر الزمن، منها ما يظهر ومنها ما يختفي، وهو ما عبر عنه بقوله “ما نعتبره اليوم ظواهر ملازمة للظاهرة “ك” سوف نستعملها غدا لا لتعريف “ك”، بل لتعريف “س””[19]. بمعنى أن ما نعتبره اليوم عوارض سنعتبره غدا معايير، الأمر الذي يفسر قياس درجة التشابه انطلاقا من التوافق الزماني، وليس من التوافق الفيزيائي. وهذا يستدعي في نظر فتجنشتاين الرجوع إلى التاريخ الطبيعي لاستعمال التعبير، فيكون قد أدخل معايير جديدة لتحديد دلالة اللفظ بناء على التصور الزماني والمكاني، ولا وجود لظاهرة لغوية خارج منطق الزمان والمكان[20]. وهذا يعني أن الحدود بين المقولات ليست ثابتة ومضبوطة، بل متغيرة بتغير الزمان والمكان.

     لقد فتح مفهوم التشابه العائلي آفاقا واسعة على تصورات تأخذ بما هو نسبي على مستوى تحديد معنى اللفظ واستعماله أو على مستوى تحديد المرجع المشار إليه. وبهذا، تم النظر إلى العناصر التي تنطوي عليها مقولة ما بحسب درجة انتمائه لها بناءا على مدى ابتعادها أو قربها من المقولة. وعليه، شكل موقف فتجنشتاين إزاء الألعاب اللغوية تأسيسا فعليا لتصورات تتبنّى المقاربة المعرفية للمقْولة، ونخص بالذكر هنا “إليانور روش” التي اعتمدت بشكل مباشر على مفهوم التشابه العائلي لبناء نظرية الطراز في المقْولة.

  1. مرحلة البناء مع إليانور روش ورفاقها:

     قدمت “إليانور روش” نموذجا طرازيا للمقْولة، ساهم في ظهور علم دلالة الطراز، وقد تم توظيف هذا العلم في تحليل المعنى يقوم على التداخل بين العلوم المعرفية واللغة أو ما يعرف اليوم “بالدلاليات المعرفية”[21]. من هنا أصبحت المقولة ظاهرة معرفية بامتياز، لأنها تشكل أساس لممارستنا المعرفية، وتحكم أنشطتنا الذهنية واللغوية. فقد أسست روش تصورها للمقْولة يتجاوز النموذج الأرسطي، أي نموذج الشروط الضرورية والكافية، وبهذا تم قلب التصور السائد حول الإنسان، والعالم، واللغة[22]. فقد استندت إلى مفهوم التشابه العائلي لتحدث ما يعرف ب”الثورة الروشية” تجاوزت من خلالها نموذج المقولة التقليدي، مؤسسة تصورها على نظرية الطراز، ناقلة بذلك مفهوم التشابه العائلي من الميدان الفلسفي إلى الميدان السيكولوجي[23]. وقد وضحت الأبحاث التي قدمتها روش حول الأنواع الطبيعية، والمقولات الصناعية، ومقولات الألوان، أن الانتماء إلى المقولة لا يرجع إلى الشروط الضرورية والكافية، فهناك مبدأ منظم يقوم على التشابه العائلي الذي يربط بين مختلف عناصر المقْولة، فليس ضروريا أن تلتقي عناصر المقْولة في مجموع الشروط الضرورية والكافية لتكوّن مقُولة.

1.3.  المستوى القاعدي لنظرية الطراز:

    استندت روش إلى نظرية الطراز كأساس لبناء تصورها للمقْولة، لأن نموذج الطراز في نظرها يشكل النموذج الأفضل للمقْولة[24]. غير أن هذا النموذج لا يقوم على وجود خصائص مشتركة واحدة، بل ينبني على سلمية داخلية متدرجة لتمثيل المقُولة، فلو قلنا: “التفاح” عنصر طرازي، فإن “الزيتون” يعتبر عنصر أقل تمثيلا للمقُولة، وبين هذين العنصرين هناك تفاوت وتدرج تصاعدي بحسب معيار التمثيل الذي تخضع له العناصر: مثل المشمش، والأناناس، والتين[25]. بحيث إن انتماء عنصر ما إلى مَقُولة ما يقوم على قاعدة متدرجة مماثلة للطراز، وعليه، يلعب الطراز نقطة مرجعية معرفية لمقولاتنا وأنساقنا التصنيفية، وهذا يفترض مسبقا أن الأفراد لهم القدرة الكافية لإثبات درجة المماثلة الطرازية[26].

     في هذا السياق، سعت روش إلى إثبات فرضية تقول إن المشابهة الإجمالية أساس نظرية الطراز، من حيث هي محور أساسي في المقولة، وبالاعتماد على مجموعة من التجارب في مجال الأنثروبولوجية المعرفية حول الأنواع الطبيعية والألوان توصلت إلى النتائج التالية:

  • تعتبر العناصر الطرازية أسرع من العناصر غير الطرازية في انتمائها للمقولة.
  • العناصر الطرازية أقرب إلى مدارك الأطفال.
  • للعناصر الطرازية نقط قوية للمرجعية المعرفية.
  • سهولة تصنيف العناصر الطرازية بمجرد انتمائها إلى مقولة ما[27].

  • المقولة العمودية:

     انطلاقا من هذه النتائج وما توصلت إليه “بيرلين”حول التصنيف المعجمي للنباتات، والحيوانات في مجتمع “التزنتال”، خلصت روش إلى تبني فرضيتين أساسيتين هما:

  • إن النظام الخارجي للمقولات هو نظام متدرج يقوم على قاعدة التضمين.
  • إن النموذج الأفضل داخل هذا النظام التدرجي هو النموذج القاعدي.

    غير أن روش اقترحت قانونا تصنيفا taxinomie جديدا يسمح بوضع تصنيف متدرج من الأسفل إلى الأعلى، تعرّف روش هذا القانون بقولها: “نظام تَكُون المقولات بمقتضاه مرتبطة بعضها ببعض، وذلك بتضمين الأقسام بعضها في بعض، وإدماج بعضها في بعض…فكل مقُولة تكون مدمجة في مقُولة أخرى”،[28] وقد حددت روش هذا السلم التراتبي في ثلاث مستويات:

  • المستوى الأعلى
  • المستوى القاعدي
  • المستوى الأدنى

     انطلاقا من هذه المستويات يمكن أن نصنف الأنواع الطبيعية للنباتات فنقول مثلا؛ أن النبات يشكل المستوى الأعلى، والشجر يمثل المستوى القاعدي، والتين يوجد في المستوى الأدنى. وهو نفس الأمر يمكن القيام به فيما يتعلق بالحيوانات والأشياء. لكن الملاحظة الأساسية، في هذا الإطار، هي أن المستوى القاعدي أكثر استخداما، لأنه يمتلك صفات دلالية مشتركة، وله القدرة على توجيه المعرفة المرتبطة بالمقْولة إما إلى الاتجاه الأعلى أو إلى الاتجاه الأسفل[29].

     لقد توصلت روش إلى نتيجة مفادها أن الخصائص المشتركة بين المستوى القاعدي والمستوى الأدنى تجتمع في خصائص كلية إجمالية مع المستوى الأعلى، وهذا يعني أن عناصر مقولاتنا تدرك باعتبارها جشطالتات متماثلة، فليس هنا مثلا شكل عام يعود إلى النبات، بل هناك شكل يعود إلى الشجر وشكل يعود إلى التين. من هن،ا يشكل المستوى القاعدي الأكثر ارتفاعا وتجريدا[30].

     على هذا الأساس، تؤكد روش أن المستوى القاعدي هو المستوى البارز في تلقي المقُولة، وما يجعلها كذلك هو أن الأطفال في سن الثالثة قادرين على مقْولة هذه الألفاظ، وهو ما يبيّن خطأ النموذج الأرسطي في عملية المقْولة، كما أن الأطفال يجدون صعوبة في مقْولة الألفاظ من مستوى أعلى، فهم يفضلون التصنيف بناءا على أسس معرفية مثل؛ الشكل أو اللون وإما على أساس الاشتراك في التواتر دونما حاجة إلى الاهتمام بالسمات العامة. ومن ثم، فالقدرة على المقْولة تبدأ أولا من المستوى القاعدي، ليتشكل فيما بعد المنطق العام للأقسام الأخرى. وهنا ينبغي التمييز بين القدرة على المقْولة والقدرة على التصنيف[31].

في هذا الإطار، يتميز المستوى القاعدي بعدة مميزات نجملها في العناصر الآتية:

  • غني من الناحية الدلالية: يعني أن المستوى القاعدي له القدرة على تحديد العناصر التي يصدق عليها من جهة، وتحديد المفهوم من جهة أخرى، والعلاقة بين المفهوم والماصدق هي علاقة معكوسة. فالقاعدة الدلالية تقول: كلما زاد الماصدق قل المفهوم، وكلما زاد المفهوم قل الماصدق[32].
  • يمتلك صلاحية إحالية قوية: يتمتع المستوى القاعدي بقدرته على إعطاء صلاحية شاسعة للإشارة، فسمة “الريش” مثلا لها صلاحية قوية لمقُولة “الطير”؛ بحيث إن جميع الطيور تقريبا لها ريش[33].
  • يختص بكونه جزء من منظومتنا المعرفية.

ويتحدد كذلك المستوى القاعدي من خلال  ثلاث سمات أساسية؛ وهي:

  • جزء من (مثل: الأزرار، المقبض، الذراع…)
  • الوظيفة ( من قبيل: للتثبيت، للسباحة، للصيد…)
  • سمات مزدوجة (مثل، أحمر، معطر…)[34].

2.1.3. المقولة الأفقية:

       تهدف روش من وراء هذا النوع من المقْولة إلى الكشف عن طريقة انتظام المستوى الواحد انتظاما يميز المقُولة من سائر المقولات المقابلة لها، إنه عبارة عن بحث في المقْولة الواحدة مثل مقُولة “الطير”، لمعرفة كيف ينضوي تحتها مختلف أفرادها على تفاضل بينهم، مشكّلة بخصائصها وسماتها تقابلا مع مقولات حيوانية أخرى. وهذا يعني أن للطراز مرجعية ذهنية في عملية المقْولة، ويتجلى هذا في الأهداف التي تحققها من قبيل؛ قدرة الطراز على التمييز بين العناصر الأخرى التي تنطوي عليها المقُولة، كما أنها تسمح بدخول كل عنصر إلى المقُولة بشكل متدرج ووفق ترتيب معين. على هذا النحو، يكون الطراز هو معيارا أساسيا لتقويم مدى انتماء عنصر ما إلى مقُولة ما، فهو إذن، معيارا تجريبيا وليس معيارا متافيزيقيا صوريا. وهذا ما قصدته روش بقولها: “إن للمقولات الطبيعية بنية داخلية مكوّنة طراز المقُولة، ومن عناصر غير طرازية يتدرج في ترتيبها من الأفضل إلى أقل تمثيلية”[35]. على هذا الأساس، حددت روش بعض خصائص المقْولة الأفقية في ستة عناصر[36]:

  • للمقْولة بنية طرازية داخلية.
  • إن درجة التمثيلية التي لعنصر من المقْولة تتناسب مع درجة انتمائه إليها.
  • إن الحدود بين المقولات والعناصر غامضة.
  • إن العلاقة التي تجمع بين عناصر المقولة مبنية على التشابه العائلي، وليست على الخصائص المشتركة بينها جميعا.
  • إن الانتماء إلى المقولة يقوم على أساس ربط عناصرها بالطراز بحسب درجة الشبه.
  • تتحدد درجة الانتماء إلى المقولة بشكل تركيبي، وليس تحليلي.

      من هذا المنطلق، يمكن اعتبار نظرية الطراز جوهر الخلاف بين نظرية المعنى المبنية على نموذج الشروط الضرورية والكافية، ونظرية المعنى المؤسسة على النماذج المعرفية بشكل عام، ونظرية الطراز بشكل خاص، على اعتبار أن الطراز هو المنظم للمقْولة في بعدها العمودي القائم على العلاقات الهرمية، والبعد الأفقي الذي ينظم العلاقات القائمة أفقيا بين عناصر المقُولة الواحدة، مبرزا في الوقت نفسه عدة تقابلات مع المقولات الأخرى[37].

    بناءا على ما سبق، يمكن القول إن الدراسة التي قدمتها روش كشفت عن أهم المبادئ التي تقوم عليها نظرية الطراز وهي مبادئ قاعدية مثل؛ المقْولة، والطراز، والمستوى القاعدي. وهي المفاهيم التي شكلت تغييرا جذريا على مستوى فهمنا للعالم، ولذواتنا ولغتنا. وتتمثل مساهمة نظرية الطراز المطبقة في مجال علم النفس المعرفي في فتح آفاق واسعة، انعكست على الدراسات الدلالية خصوصا على مستوى تحديد طبيعة الشروط المعتمدة في دراسة المعنى، والنحو والخطاب. ومن نتائجها تجاوز نموذج الشروط الضرورية والكافية، كما تجسدت مع أنصار الدلالة التأويلية من قبيل: “كاتز” و”فودور” والنحو التوليدي مع” تشومسكي، إلى نموذج طرازي تجسد مع أعمال “فيلمور” و”لايكوف” و”كليبر” و”تورنير”، وغيرهم. لكن هذه النقلة واجهت جملة من الصعوبات ارتبطت أساسا بمسألة “تعدد المعاني” polysémique، ولرفع هذا التحدي التجأت نظرية الطراز إلى توسيع مجالها تأخذ بعين الاعتبار جميع ظواهر اللغة الطبيعية في إطار ما يسمى بنظرية الطراز الموسعة.

  1. مرحلة التوسيع مع لايكوف، النموذج المعرفي المؤمثل:

    ارتبطت المقولة عند “لايكوف” بالنماذج المعرفية من قبيل؛ الاستعارة، والفهم، والتجربة المتجسدة، والبنيات اللاواعية، فالمقْولة عملية آلية وغير واعية، ولا يكون الوعي بها إلا في الحالات المشكلة[38]. كما أن المقْولة مرتبطة بالأشياء (المخلوقة والمصنوعة) وتهم الأفكار المجردة، والأعمال، والعلاقات الفضائية والاجتماعية…الخ. فلا يمكن لأي نظرية في المقْولة أن تنجح دون أن تقف عند جميع النماذج المعرفية[39]. وقد أدى هذا إلى تحول في بنية المقْولة، فقد أصبحت معارفنا تُنظّم عن طريق وسائل للمقْولة، تسمى النماذج المعرفية المؤمثلة[40]. يرى لايكوف أن للبشر القدرة على المقْولة وتكوين العناصر الرمزية، تنطلق من المفاهيم البسيطة والخطاطات التصورية إلى التمثيل عن طريق الإسقاط الاستعاري ما بين مجال المصدر (مادي) إلى مجال الهدف (مجرد). بهذا يستطيع المرء تكوين مقولات عامة ومفاهيم مركبة عبر تصنيفها وتحديد درجات عموميتها وخصوصيتها[41]. إن الإنسان يفهم الكون من حوله باعتماد نماذج معرفية مؤمثلة في جميع تشعباتها وأصنافها.

     يشتغل النموذج المعرفي في نظر لايكوف عندما يقوم الفرد بتنظيم معرفته بواسطة أبنية يطلق عليها النماذج المعرفية المؤمثلة القائمة على مجموعة من الخطاطات التي يفهم على إثرها الفرد هذا الكون؛ بحيث يأخذ كل عنصر داخل نموذج معرفي ما مقُولة تصورية في ارتباطه بشبكة من العقد والترابطات، تمثل كل عقدة مقولة تصورية، في تفاعلها مع العقد الأخرى من جهة، والنموذج المعرفي من جهة أخرى[42]. غير أن من النماذج المعرفية ما يكون مركبا يسميها لايكوف بالنماذج المجمّعة[43]، فتتركب النماذج  بعضها ببعض لإنتاج نموذج مجمّع من قبيل؛ نموذج” الأم”[44]. يعتبر نموذج “الأم” نموذجا مجمّعا ينتج عن تركيب عدد من النماذج من قبيل؛ “نموذج الإنجاب” و” الجيني”، و”نموذج الرضاعة” و”الرعاية”، و”نموذج الزواج”، وغيرها. غير أن هذا النموذج يرتبط بمجموعة من العقد الناتجة عن تطور العادات والعلاقات الاجتماعية؛  مثل “نموذج التبني” و”الأم البيولوجية” وعقد أخرى متعلقة بما تسمح به الهندسة الجينية من توليفات جديدة[45]. هكذا، يصبح نموذج” الأم” نموذجا جامعا لعدد من النماذج المعرفية الأخرى دون أن يطابقها جميعها، خصوصا ما تعلق بتوليفات استعارية أو مجازية من قبيل؛” أم الباب” و” العقدة الأم” و” العقدة الأخت”، وغيرها من النماذج المرتبطة بها ارتباطا استعاريا[46].

    إذا كانت النماذج المعرفية المؤمثلة بمثابة الأساس الذي تنطوي عليه المقْولة عند لايكوف، فإنه بذلك قد تجاوز نظرية المقْولة المعيار، فقد بيّنت هذه النماذج المعرفية قصور نظرية الطراز من جهة، وقصور نظرية الشروط الضرورية والكافية من جهة أخرى.

1.4. بنية النموذج المعرفي المؤمثل وأنواعه:

    يقوم النموذج المعرفي عند لايكوف على مبدأين أساسيين هما: الفضاء الذهني، والنماذج المعرفية التي ترتبط بالفضاءات الذهنية. في هذا الإطار، حدد لايكوف خمسة أنواع من النماذج المعرفية هي: الخطاطة، والبنية القضوية، والاستعارية، والكنائية، والرمزية.  النماذج الأربعة الأولى ذات طبيعة ذهنية تصورية، والخامسة تنشأ نتيجة ارتباط النموذج المعرفي بالبنية اللغوية، أما الأولى والثانية، فتقوم بتحديد البنية المعرفية لكليهما، والثالثة والرابعة تحدد عمليات الإسقاط. ويمكن أن نتوقف عند العناصر التي تحكم هذه النماذج المعرفية فيما يلي:

  • النماذج الخطاطية: تعمل هذه النماذج على إقامة بنية خطاطية منظورا إليها باعتبارها مفاهيم تدخل في تركيب مفاهيم أخرى.

ب- النماذج القضوية: تقوم هذه النماذج بتأسيس بنيات قضوية تطابق وحدات ذهنية لها ما يوافقها من الأشياء في العالم الخارجي. فالقضية تتضمن الموضوع والمحمول، و يمكن تمثيلها بواسطة خطاطة الكل- الجزء، ويمكن النظر إلى القضية في ترابطاتها المنطقية؛ أي على أساس خطاطة الوصل أو الفصل. ومن ثم، تنشأ القضايا المركبة انطلاقا من القضايا البسيطة، باعتماد طرق متعددة، كالتسوير، والنفي، والعطف، وغيرها[47].

ج- النماذج الاستعارية: تقيم الاسقاط الاستعاري من مجال المصدر ( محسوس) إلى مجال الهدف( مجرد). ومن ثم يتم اسقاط بنية النموذج المعرفي من المجال المصدر على بنية النموذج المعرفي المناسبة لها من المجال الهدف.

د: النماذج الكنائية: تقيم اسقاطا كنائيا، فبنية نموذج معرفي واحد في مجال واحد ما بين عنصرين أو قسمين، فيكون التعالق بينهما على نحو ” يقوم مقام” أو ينوب عن”[48]. فنقول مثلا “خرج المرسيديس دون أن يؤدي فاتورة الغسيل”.

ه- النماذج المعرفية الرمزية: تنشأ نتيجة وجود بنيات رمزية وهي نوعان: بسيطة ومركبة؛ الأولى ذات طبيعة جزئية مستقلة، أما الثانية ذات طبيعة جشطالتية إجمالية، تكون بنياتها غير مستقلة عن المعنى الكلي[49].

       هكذا، فالبنية الذهنية محددة بنماذج معرفية بشكل يناسب المقولات في الذهن، وإذا كانت النماذج المعرفية لها حدود واضحة، فالمقولات كذلك ذات حدود واضحة وثابتة، ومادامت النماذج المعرفية تقوم على أساس التدرج، فإن المقولات تخضع لنفس التدرج؛ بحيث يكون الانتماء إلى المقولات متدرجا. وأخيرا، يمكن القول إن قيام النماذج المعرفية على الاستعارة والكناية يسمح بقيام عنصر من المقولة مقام المقولة برمتها، ومنها ما لها بنية شعاعية تتشكل من نماذج معرفية، تنطلق من المركز إلى مقولات هامشية، ترتبط بذلك المركز. وتتحدد هذه الترابطات إما بواسطة التشابه العائلي أو عن طريق المماثلة أو بنماذج معرفية، باعتبارها جزء من نسقنا التصوري. غير أن الأنساق التصورية  تكون متجسدة بشكل مباشر أو غير مباشر، فالتجربة الجسدية والاجتماعية هي التي تبرر وجود المقولة ووجود النماذج المعرفية  في نفس الآن.

 

خاتمة:

    بناء على ما سبق، يتضح لنا أن مفهوم التشابه العائلي شكل ثورة حقيقية في مجال دراسة المقْولة، بحيث تغيرت نظرتنا للمقْولة بشكل جذري، ففي الوقت الذي كان ينظر إليها على أساس الشروط الضرورية والكافية، منذ أرسطو إلى منتصف القرن الماضي، أصبح ينظر إليها انطلاقا من نماذج معرفية ذات طبيعة سيكولوجية ولسانية. وبهذا، ساهم التشابه العائلي مع فتجنشتاين من نقل المقاربة التي تتناول المقولة من مجال الفلسفة والمنطق إلى مجال العلوم المعرفية، لتصبح بذلك المقْولة ظاهرة معرفية، وليست مجرد بناء فكري خالص ومستقل عن البنيات المعرفية الأخرى للإنسان من قبيل؛ البنيات التصورية، والذهنية، والتخيلية والبيولوجية، وغيرها. في نفس الوقت ساهمت المقاربة المعرفية للمقْولة في حل الاشكالات المرتبطة بنظرية المعنى والمعجم القائمة على وحدة الدلالة، وفتحت مجالا واسعا لدراسة ظواهر اللغة الطبيعية “كالاشتراك اللفظي” و “التعدد الدلالي”. ورغم هذا النجاح الذي حققته العلوم المعرفية في إعادة القضايا الفلسفية التقليدية إلى الواجهة وربطها بالطريقة التي يشتغل بها الفكر البشري، فإنها لم تسلم من النقد، وجهه عدد من الباحثين في مجال التداوليات اللسانية، خصوصا من قبل “موشلر” الذي اعتبر نظرية المقولة المبنية على التشابه العائلي، يصعب قبول نتائجها؛ بحيث إن أي شيء يمكن أن ينتمي إلى أي مقولة، فمفهوم التشابه العائلي يقترح فقط أن شيئا ما من أجل انتمائه إلى مقولة ما عليه أن يتقاسم على الأقل خاصية مع عنصر من عناصر المقولة. وعليه، تصبح كل أشياء العالم داخلة في هذه المقولة، وبالمثل يمكن أن توجد في كل المقولات الأخرى، ويمكن أن يؤدي هذا إلى غياب المقولة. غير أن الانتماء إلى المقولة لا يتم بطريقة تحليلية، وإنما بطريقة إجمالية يقوم على المشابهة الاجمالية، وهو مبدأ أساسي في المقاربات المعرفية التي تناولت ظاهرة المقْولة.

   المراجع والمصادر المعتمدة:

  • البوعمراني، محمد صالح، دراسات نظرية وتطبيقية، في علم الدلالة العرفاني، مكتبة علاء الدين صفاقص،2009 ،ط1
  • الزناد، الازهر، نظريات لسانية عرفنية، منشورات الاختلاف،الجزائر،2010،ط،1
  • صولة عبد الله، المقولة في نظرية الطراز الأصلية، ضمن حوليات الجامعة التونسية، العدد 46 2002
  • فتجنشتاين، لودفييج، تحقيقات فلسفية، ترجمة عبد الرزاق بنور، المنظمة العربية للترجمة، ط1، بيروت، 2007،
  • لايكوف، جورج، وجونسون مارك، الفلسفة في الجسد، الذهن المتجسد وتحديه للفكر الغربي، ترجمة، عبد المجيد جحفة، دار الكتاب الجديد المتحدة، ط1،2016
  • موشللر،جاك، ريبول،آن، القاموس الموسوعي للتداولية ، ترجمة مجموعة من الباحثين، باشراف عز الدين محجوب، دار سيناترا،تونس،2010.
  • Chauvire, Ch. Et Laugier, S., Lire les recherches philosophiques de Wittgenstein, Librairie Philosophique J. Vrin, 2° éd., Paris, 2009
  • Kleiber , G, La Sémantique du prototype : catégories et sens Lexical, P.U.F, 1990,
  • Lakoff,G, Women, Fire, and, dangerous things, Wath categories revel about the mind, the university of Chicago press, 1987

 

[1] -catégorisation

[2] – لايكوف، جورج، وجونسون مارك، الفلسفة في الجسد، الذهن المتجسد وتحديه للفكر الغربي، ترجمة، عبد المجيد جحفة، دار الكتاب الجديد المتحدة، ط، 1،2016 ص،55

[3] – Kleiber , G, La Sémantique du prototype : catégories et sens Lexical, P.U.F, 1990, p, 21

[4] – موشللر،جاك، ريبول، آن، القاموس الموسوعي للتداولية، ترجمة مجموعة من الباحثين، بإشراف عز الدين محجوب، دار سيناترا، تونس،2010ص،413

[5] – Kleiber,G, 1990, op , cit, p, 23

[6] – موشللر،جاك، و ريبول،آن، القاموس الموسوعي للتداولية، مرجع سابق،ص،414

[7] – المرجع نفسه، ص،415

[8] – المرجع نفسه، ص،415

[9] – Family resemblance

[10] -Prototype Theory

[11] – cognitive models Idealized

[12] – فتجنشتاين، لودفييج، تحقيقات فلسفية، ترجمة عبد الرزاق بنور، المنظمة العربية للترجمة، ط1، بيروت، 2007، ص،194

[13] – المرجع نفسه، ص، 170

[14] – المرجع نفسه، ص، 174

[15] – المرجع نفسه، ص، 172

[16] – Lakoff,G, Women  Fire and dangerous things, Wath categories revel about the mind, the university of Chicago press, 1987,p, 16

[17] – Chauvire, Ch. Et Laugier, S., Lire les recherches philosophiques de Wittgenstein, Librairie  Philosophique J. Vrin, 2° éd., Paris, 2009, p , 94.96

[18] – فتجنشتاين، تحقيقات فلسفية، مصدر سابق، ص،85

[19] – المصدر نفسه، ص،178

[20] – المصدر نفسه، ص،104

[21] – البوعمراني،محمد صالح، دراسات نظرية وتطبيقية، في علم الدلالة العرفاني، مكتبة علاء الدين صفاقص،2009،ط1، ص،7

[22] – المرجع نفسه، ص،8

[23] – المرجع نفسه، ص،64

[24] – Kleiber , G, La Sémantique du prototype , op , cit, p, 46,47

[25] – البوعمراني، محمد صالح، دراسات نظرية وتطبيقية، في علم الدلالة العرفاني، مرجع سابق، ص ، 25

[26] – Lakoff,G, Women Fire and  dangerous things, op, cit, p, 41

[27] – البوعمراني،محمد صالح، دراسات نظرية وتطبيقية، في علم الدلالة العرفاني، مرجع سابق، ص، 33

[28] – صولة عبد الله، المقولة في نظرية الطراز الأصلية، ضمن حوليات الجامعة التونسية، العدد 46 ،2002 ،ص،375

[29] – البوعمراني، محمد صالح، دراسات نظرية وتطبيقية، في علم الدلالة العرفاني، مرجع سابق،ص،44

[30] – المرجع نفسه، ص، 45

[31] – Lakoff,G, Women Fire and dangerous things, op, cit, p,49

[32] – البوعمراني، محمد صالح، دراسات نظرية وتطبيقية، في علم الدلالة العرفاني، مرجع سابق، ص، 49

[33] – المرجع نفسه، ص، 50

[34] – المرجع نفسه، ص،53

[35] – نقلا عن: صولة عبد الله، المقولة في نظرية الطراز الاصلية، مرجع سابق، ص، 384

[36] – Kleiber , G, La Sémantique du prototype , op, cit, p, 41

[37] – صولة عبد الله، المرجع نفسه، ص،385

[38] – Lakoff,G, Women Fire and dangerous things, op, cit p 6

[39] – الزناد، الازهر، نظريات لسانية عرفنية، منشورات الاختلاف، الجزائر،2010،ط،1،ص،172

[40] – Lakoff,G, Women Fire and dangerous things, op, cit, p,68

[41] – Ibid, p, 281

[42] – Ibid, p, 69,70

[43] – cluster models

[44] – الزناد الازهر، نظريات لسانية عرفنية، مرجع سابق،ص،174

[45] – المرجع نفسه، ص، 174

[46] – المرجع نفسه،ص، 174

[47] – Lakoff,G, Women Fire and dangerous things, op, cit, p, 285

[48] – الزناد الازهر، نظريات لسانية عرفنية، مرجع سابق،ص،175

[49] – المرجع نفسه، ص،177


Updated: 2019-10-20 — 17:45

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme