الرواية العربية والفضاء الإلكتروني، د.مصطفى عطية جمعة، كلية التربية الأساسية، الكويت.
بحث نشر بكتاب أعمال مؤتمر الرواية العربية في الألفية الثالثة ومشكل القراءة في الوطن العربي: الجزائر العاصمة 21-22|08|2016 ، ص 17. (للتحميل يرجى الضغط هنا)
ملخص البحث
يتناول البحث علاقة السرد الروائي العربي بالفضاء الإلكتروني، وكيفية تفاعل الأدباء العرب معه ، فيناقش الباحث في الجزء النظري علاقة الأدب بعالم الإنترنتالذي بات حقًا من حقوق الإنسان المعاصر ، ومن ثم يتطرق إلى الجانب التطبيقي ، وقد حصره في أشكال السرد الروائي على الإنترنت ، وأنماطه المختلفة مثل الرواية الفيسبوكية والرواية التكنولوجية ورواية علاقات الإنترنت وغيرها ، مناقشا الماهية والبنية والجماليات وأوجه الإضافة والتمايز عن الرواية التقليدية المطبوعة .
الكلمات المفتاحية :
– الرواية الورقية المعبرة عن علاقات الإنترنت .
– الرواية الرقمية .
مقدمة
يستهدف هذا البحث مناقشة علاقة السرد الروائي العربي بالفضاء الإلكتروني، وكيف تفاعل الأدباء العرب مع عالم الإنترنت بوصفه عالما موازيا لعالمنا المعيش، فيه من الشخصيات والرؤى وسبل التواصل والاتصال ما يختلف عن عالمنا الواقعي، وفي نفس الوقت يكمله ويضيف له ؛ على قناعة أن شبكة ” الإنترنت” ليست مجرد وسيلة اتصال، وإنما شبكة من الوشائج وسبيل للبوح وأوجه التلاقي الإنساني.
وقد تراوح تفاعل الأدباء العرب مع الشبكة العنكبوتية ، ما بين مكتفِ بنشر أعماله الورقية فقط ، أو من يضعها في موقعه الخاص على الشبكة ، ومن ثم يتلقى آراء القراء ، ويناقشهم مباشرة ، أو مَن يبدع من خلال عالم الإنترنت ذاته ، بحيث يدمج علاقاته على الإنترنت ضمن نسيجه الروائي ، لنرى شكلا جديدا من الكتابة، قوامه الصلة بين عالم الكاتب الحي الواقعي ، وعالمه الافتراضي الذي خلّقه بنفسه، وبنى وشائجه على عينه ، وتلقّى إشعارات القراء وتعليقاتهم ، حول ما يبدعه.
في ضوء هذا ، جاء هذا البحث ، مؤصلا في مطلعه لعلاقة الأدب بعالم الإنترنت الذي بات حقًا من حقوق الإنسان المعاصر ، وهو حق التواصل والاتصال والمعرفة ، مستعرضا الأجيال الجديدة التي ولدت وعاشت زمن الشبكة العنكبوتية، وأيضا الأجيال السابقة التي أوجدت لها مساحة على هذه الشبكة ، ونجحت في التواصل ، بل وكتبت إبداعات عن عالم الفضاء الإلكتروني .
ومن ثم يتطرق إلى أشكال السرد الروائي على الإنترنت ، وأنماطه المختلفة مثل الرواية الفيسبوكية والرواية التكنولوجية ورواية علاقات الإنترنت وغيرها ، مناقشا الماهية والبنية والجماليات وأوجه الإضافة والتمايز لبعض الروايات على سبيل المثال، وليس الحصر .
وتجدر الإشارة إلى أن الباحث حصر النقاش في السرد الروائي ، استجابة لمقتضيات المساحة المتوافرة في بحثه من ناحية ، وكي تتسع له مساحة التصنيف للسرد الروائي من ناحية أخرى ، آملا أن تستكمل أبحاث تالية ما انتهجه هنا، على مستوى الأشكال الإبداعية الأخرى ، وما أضافه لها الفضاء الإلكتروني ، وما أضافته هي لعالم الشابكة . فنحن مؤمنون أن الأـدب في أحد تعريفاته الأساسية مرآة للمجتمع والناس ، وتعبير عن نفسياتهم الفردية والجماعية في تواصلهم الحياتي .
الأدب والفضاء الإلكتروني :
لم يعد العالم قرية واحدة كما كان يقال مع وسائل الاتصال السلكية واللاسلكية والنشر الورقي قديما ، بل أضحى أشبه بالبيت الواحد ، يعيش الناس فرادى أو زرافات أو جماعات في غرفه ، يتواصلون مع بعضهم عبر الفضاء الإلكتروني ، على مدار اللحظة ، حتى باتت الأسرة الصغيرة التقليدية لا يتواصل فيها الأبناء مع آبائهم ، بقدر تواصلهم مع عالمهم الافتراضي ، ومن هنا ، يمكن القول ، إن الفضاء الإلكتروني عالم مواز لعالمنا ، قد يكون تعويضا نفسيا لدى طائفة ، واستغراقا لدى طائفة ثانية ، ومجرد سبيل من سبل التعارف أو الاتصال لدى طوائف أخرى ، ولكنه في النهاية كيان يقارب بين المتباعدين ، ويزوي جنبات الأرض في طياته .
وفي ضوء هذا الانفجار المعرفي والتواصلي ، علينا أن نتوقع أدوارا جديدة للأدب بوصفه مرآة عاكسة لما يجري في العالم حوله، وهو أيضا وسيلة من وسائل التعبير عما يدور في الذات ، فهناك الملايين الراغبين في متابعة المنجز الأدبي عبر الوسائط الإلكترونية ، ماداموا قد اتخذوه عالما ووسائل ليس يشابهها شيء آخر .
فلم يعد الحاسوب بأشكاله العديدة ( الأجهزة الثابتة والمحمولة وتكنولوجيات المعلومات والاتصال ) ؛ مجرد وسائل حديثة ، يمكن استخدامها فترة من الزمن ثم تجاوزها مع ظهور غيرها ، وإنما أصبح عالما بكل ما تعنيه الكلمة ، بعدما دخلت البرمجيات الحاسوبية في جلّ المبتكرات العلمية المعاصرة،مكونة أجيالا تقنية جديدة.
ومع ظهور الإنترنت كشبكة اتصال عالمية ؛ تشكّل ما يسمى ” عالم الفضاء الإلكتروني ” ، الذي أصبح بيئة افتراضية توازي العالم الواقعي بكل ما فيه من طرق تواصل واتصال تقليدية . فالفضاء الإلكتروني تنطبق عليه ما يسمى شروط الثورة العلمية ، التي هي سلسلة أحداث تطورية غير تراكمية ، ناتجة عن رغبة في استكشاف المزيد في الطبيعة وعالم الإنسان ، وتلبية مطالب جديدة للبشرية في مزيد من التفاعل وإذابة الحدود ، تقاعست عن تحقيقها وسائل الاتصال التقليدية ([1]).
وتطور المفهوم أكثر ، ليصبح هناك مصطلح ” عالمية الإنترنت ” ، الذي يعني معايير أربعة وهي : حق الإنسان في الحصول على التواصل باستخدام الإنترنت ، وفتح / تيسير الشبكة بدون حجب أو موانع ، وإتاحتها للجميع بوصفه حقا إنسانيا للتواصل دون تفرقة على أسس عرقية أو طبقية أو دينية أو اجتماعية أو سياسية .. إلخ ، وتكون حق رعايتها لجهات عديدة فلا تحتكره جهة ما ، وتتحكم في محتواه أو في إتاحته ومدى توافره للناس جميعا ([2]).هذه المعايير إن دلت على شيء فهي دالة على أن الشبكة العنكبوتية باتت حاجة أساسية إن لم تكن ضرورية ، لذا تم إدماجها ضمن منظومة حقوق الإنسان في مفاهيمها الجديدة ، التي ترصد ما يفتقده الإنسان كي يحيا حياة طبيعية ، ومنها الحق في الاتصال اللحظي ، والتواصل والتراسل ، والحصول على المعلومة ، دون موانع أو قيود ، تفرضها الحكومات أو التابوهات.
إن اللافت في قضية عالم الفضاء الإلكتروني ، أنه بعد مضي ثلاثة عقود على تطور بيئة الإنترنت وانتشارها ، واتسامها بالتنوع والتطور ، وأضحى هناك ملايين الشبكات التي تتألف منها ، ومليارات الصفحات والمواقع التي ملأت فضاءه ؛ انبثقت أشكال – لا حصر لها – من الترابط وأوجه الاتصال مع الحياة العامة والأكاديمية والتجارية والحكومية، وتجاوزت في ذلك النطاق المحلي إلى النطاق العالمي ، عبر مجموعة واسعة من تكنولوجيا كابلية ولاسلكية. كما تشمل الشبكة العنكبوتية -على وجه الخصوص – مجموعة واسعة من مصادر البيانات والمعلومات، والخدمات والتطبيقات، مثل الوثائق التشعبية “الهيبرتكست” الخاصة بشبكة الإنترنت العالمية وهي البنية التحتية لدعم البريد الإلكتروني وشبكات رصد الأقران و”إنترنت الأشياء” ، وأيضا الصلات الاجتماعية حول هذه البنية الأساسية. والتي تشكل بدورها مجموعة من المعايير السلوكية ([3])، بما يعني أن هناك حياة اجتماعية متكونة ، وذوات تؤثر وتتأثر بهذا العالم اللامتناهي ، وتعيش مع كائناته الإلكترونية ، بل وتقيم خطوطا وأطرا ووشائج معها .
لقد بات الفضاء لإلكتروني عالما هائلا ، فيه من سبل التواصل والتعايش والتلاقي والتفاعل والنقاش ، ما يستحيل الاستغناء عنه ، فضلا عن حظره أو التحكم في محتواه ، ومن ثم كان السؤال عن مدى علاقة الإنسان المعاصر بعالم الإنترنت، مع الأخذ في الحسبان أن البشر على وجه البسيطة مختلفون في تكوينهم وعلاقتهم بالإنترنت ، فالأجيال السابقة التي ولدت قبل ظهور الإنترنت لم تتعمق علاقتها كما يجب مع الأجيال الحديثة التي ولدت في العقد الأخير من الألفية الثانية وما بعده ، مع ظهور شبكة المعلومات الدولية ، وتعاملهم منذ نعومة أظفارهم مع التقنيات الرقمية بتطبيقاتها المختلفة ، في حياتها اليومية أو مدارجها التعليمية .
لذا ، فإن الباحثين يرصدون الآن ما يسمى بـ ” جيل الإنترنت ” الذي هو مختلف عن أي جيل سابق ، لأن أبناءه مغمورون في طوفان رقمي حتى إنهم يظنون أن ذلك جزء من الحياة الطبيعية فقد نشأوا في ظل الإعلام والاتصال الرقمي، فهم قوة محركة نحو تحول اجتماعي وثقافي وفكري في حياتنا ([4]).
فمن أهم المكتسبات التي نالها هذا الجيل : تصفح الإنترنت، والتقاط إحداثيات نظام تحديد الموقع العالمي (الجي بي إس)، والتقاط الصور، وتبادل الرسائل النصية. ويمتلك كل شاب تقريبًا جهاز آي باد، ولديه ملف شخصي على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل الفيس بوك، التي تتيح لأبناء جيل الإنترنت رصد أية حركة يقوم بها أصدقاؤهم طوال الوقت. لقد نضج جيل الإنترنت، ففي عام ٢٠٠٨ بلغ أكبر أبناء هذا الجيل ٣١ عامًا، وبلغ أصغرهم ١١ عامًا. وفي جميع أنحاء العالم نجدهم يتدفقون في أعداد هائلة إلى أماكن العمل والسوق وإلى كل موقع في المجتمع. إنهم يفرضون على العالم وجودهم الديموغرافي، ويستعرضون ذكاءهم الإعلامي، وقوتهم الشرائية، وأساليبهم الجديدة في التعاون والتربية والاستثمار، ونفوذهم السياسي([5]) . هذا عن جيل الإنترنت ، الذي ولد وعاش مع هذه الشبكة العملاقة ، وها هم أطفالنا يلعبون بأجهزة الحاسوب اللوحي منذ سنوات تفتحهم الأولى، أي قبل الالتحاق بأي شكل من أشكال التعليم النظامي ، ومن ثم يتعامل مع العالم حوله من خلال الشاشات المتعددة : الهاتف النقال ، الحاسوب ، التلفاز .
وعلينا أن ندرس أبعاد العلاقات الناشئة في الواقع الافتراضي ، التي حتما ستكون مختلفة عن الواقع الحقيقي ، ففي الفضاء الإلكتروني مستويات للتواصل ليس فيه المواجهة المباشرة ، ولا الاحتكاك الحي اليومي ، وإنما تواصل قد يكون فيه صراحة مطلقة أو إمعان في الكذب ، وما بينهما من درجات وإشارات وعلائق .
السرد الروائي في الفضاء الإلكتروني :
إن علاقة الأدب بالفضاء الإلكتروني متشابكة وممتدة، ولا يمكن ابتسارها في نشر الأعمال الأدبية في المواقع والوسائط الإلكترونية ، فسيصبح الفضاء الإلكتروني بهذا المفهوم مجرد وسيلة للنشر ، وإنما الفضاء الإلكتروني عالم جديد ، مواز وذو وشائج مع العالم الواقعي ، وقد أوجد في الوقت نفسه بنية تواصلية مختلفة في علاقاتها بين متابعيه ، تحتم علينا أن ننحي المفهوم التقليدي في دراسة الأدب وفق للعالم الواقعي الحياتي ، إلى دراسة الأدب وأشكاله التي عبرت بشكل أو بآخر عن العالم الإلكتروني ، أو التي تشكلت من خلال الفضاء الإلكتروني .
لقد صار الفضاء الإلكتروني – بوصفه وسيلة وعالما وواقعا موازيا – جزءا من تكوين النص ، فإذا كان المبدع يأخذ في حسبانه وسائل النشر المتاحة أمامه ، وحاجات القراء المتلقين ، فإنه بلاشك سيبدع ضمن هذه الدائرة ، التي ستؤثر على مجمل العملية الإبداعية تأليفا ، وتكوينا ، وتشكيلا ، وتلقيا ، وأيضا تواصلا ([6]).
وكان نتيجة ذلك ظهور واقعية جديدة تصوّر حياة هذا الإنسان الافتراضي، الذي بدأ في التَشَكُّل والظهور، وقد استمدَّت مشروعية وجودها من عنصرين رئيسين؛ أحدهما يتعلق بكائن مادي تحوّل إلى كائن رقمي افتراضي، والآخر يتعلق بالبيئة التقنية الافتراضية التي شكّلتها شبكة الإنترنت لنكون أمام واقعية افتراضية تمزج بين الإنسان والتكنولوجيا الرقمية ممثلة في صورة عالم الإنترنت ([7]).
كما أن مصطلح” واقع افتراضي” ذو دلالات كثيرة، منها : الوهم ، الخيال ،الاحتمال ، وهذه معانٍ موجودة في الإبداع منذ زمن، واليوم مع تطور الزمن وظهور التكنولوجيا، أصبح مدلولها الجديد أكثر ارتباطا بالتكنولوجيا الرقمية في اللغة العربية، وفي اللغات الأجنبية. ومن هنا التقى الواقع بالافتراض من خلال ما قدمته التكنولوجيا الرقمية، لتظهر فكرة الواقع الافتراضي، وهذا ما قد يستغربه كثيرون، ويتساءلون عن إمكانية التقاء الواقع الفعلي بالافتراضي في مصطلح واحد، بخاصة إذا كان مفهوم الافتراضي عندهم يدور في دائرة المحتمل والمتخيّل، ومن ثمّ غير الواقعي، لكنّ الحقيقة هي أن الافتراضي هنا هو ما يدور خارج الواقع، أي ليس عكس الواقع ([8]) ، فالافتراضي هنا علاقة ناشئة في الفضاء الرقمي التقني ، وليس في عالم التخيل ، فيسير الافتراضي مع الواقع ، وعكسه ، ويتلاقيان أيضا .
وإذا نظرنا إلى السرد الروائي وعلاقته بالفضاء الإلكتروني ، سنجد أنه يتخذ أشكالا متعددة للتعبير ، تكونت في ضوء علاقة المبدع بالفضاء الإلكتروني وعلاقة المتلقي له بهما أيضا، والتي يمكن رصدها في أشكال عديدة من السرد الروائي :
1 ) الرواية المنشورة في الفضاء الإلكتروني :
وهي الرواية التقليدية المألوفة طباعيا، والتي تم نشرها عبر صيغة الوسيط الرقمي ، فيسهل تحميلها من جديد، من قبل المتلقي ، وهو أيسر سبل النشر في عالمنا الآن ، فالقارئ أيا كان موقعه يستطيع الحصول على النص الأدبي ، من خلال ضغطة واحدة ، ومن ثم قراءته . يشترك في تلك الميزة الجيل القديم والجديد ، فقد حفلت مواقع المكتبة الإلكترونية بآلاف الروايات المحملة ، وظهرت مواقع إلكترونية تدير حوارا مباشرا بين المتلقي والمبدع من جهة ، وبين المتلقين أنفسهم من جهة ثانية ، ليكون حوارا حول الإبداع والنقد والانطباعات الأولى والمتعددة ، أي تواصل حي مباشر حول النص الإبداعي ، على مدار اللحظة ، متخطين الجغرافيا.
وتلك الفائدة الأولى للإبداع التي نتلمسها ونحن على عتبات الفضاء الإلكتروني ، لقد استطاعت هذه الوسيلة أن تفتح مجالا لانهائيا للنشر ، فلم تعد هناك أزمة نشر، بالمعنى المعهود للكلمة ، فلن يقع المبدع في إسار قيود النشر أو تحكمات الناشر ذاته ، أو العجز عن توفير دعم مادي للنشر ، فقد تم فك الحصار في هذا الشأن ، فالشكوى الآن من هذا الكم الهائل المنشور الذي يسبح فيه القارئ . وتكون الأسئلة المثارة في مستوى المطروح ، وكيفية متابعته ، وتمييز ما فيه .
كما تم تغيير عادات القراء أنفسهم، في التعامل مع النص من كونه ورقيا إلى وضعه الإلكتروني ، مما يتطلب مهارات فكرية وبصرية جديدة ، مع الأخذ في الحسبان أن هناك متعة لدى كثير من القراء في قراءة الكتاب الورقي واقتنائه .
2 ) الرواية المتكونة في الفضاء الإلكتروني :
وهي الرواية التي تكونت من خلال مبادرة من المؤلف ذاته ، أي كتب جزءا من نصه ونشره على أحد مواقع التواصل الاجتماعي ، ومن ثم تلقى آراء القراء ، وتفاعلهم مع النص المنشور ، فواصل كتابته ، حتى اكتملت روايته ، عبر حوار متدفق فاعل ، في تجربة فريدة جمعت المؤلف والقارئ لإنتاج النص . وفي عبارة أخرى : فإن المبدع اتخذ من الفضاء الإلكتروني ميدانا لتكوين النص السردي ، عبر التلقي المتتالي لوجهات نظر القراء لما يبدعه ، وإن جاء إبداعه مجزّءًا على مراحل.
وإذا كانت الأمثلة المقدمة تدليلا على هذا التوجه تتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي Social Media ، فإن المصطلح هنا ينصرف إلى كل أشكال التواصل التي تتيحها شبكة الإنترنت ، سواء في منتديات أو مواقع حوارية وما شابهها .
وتأتي تجربة الكاتب المغربي ” عبدالواحد استيتو ” ، في روايته زهراليزا ” أو ” على بعد مليمتر واحد فقط “، نموذجا لهذه الرواية ، وكما ينعتها المؤلف ذاته بأنها رواية فيسبوكية فـ ” هي أوّل رواية كتبت فصولها ونشرت مباشرة على فيسبوك، فصلا بعد فصل، وتعتبر بالتالي أول رواية عربية “فيسبوكية” ..” ([9]) .
ويوضح ” استيتو ” تعريفه للشكل الروائي الجديد الذي اختاره في مقال تنظيري حيث يقول : ” دائمًا أحاول أن أوضح وأفصل بين الرواية الرقمية التفاعلية والرواية الفيسبوكية، فالرواية الفيسبوكية هي رواية تكتب فصولها مباشرة على الموقع، ويتفاعل معها القراء وقد يشاركون في تغيير أحداثها أيضًا أحيانًا ” ، ويفصل الأسباب التي جعلته يصوغ روايته مراعيا حاجات قارئه : ” أدبيًّا، يختلف كتابة رواية فيسبوكية عن كتابة رواية كلاسيكية، فالقارئ الفيسبوكي قارئ ملولٌ، ولو سقط الكاتب في الإطناب فسيخسر قراء كثيرين، فالتلاعب بالأسلوب ونسيان الحبكة والشخصيات سيكون على حساب المتابعة. لهذا، فالتشويق والإثارة وعنصر المفاجأة مع نهاية كل فصل مطلوبان بشدة، وعندما أقول هذا فأنا لا أقصد أن تكون الرواية مبتذلة أو سطحية، بل فقط يفضّل أن يكون الأسلوب سهلا ممتنعًا ([10]).
لقد نشر المؤلف في البداية الفصل الأول على صفحته على الفيسبوك ، ومن خلال طريقة تفاعل القراء، دبت الحياة في روايته ، فكان يكتب فصلا منها كل يومين ، وينتظر آراء قرائه ، الذين ازدادوا يوما بعد يوم ، ولا يزال يعلن بوضوح أن متلهف لرأي القراء ، حتى أن العنوان الثانوي للرواية صاغه أحد قرائه ، واعتمد على تقنية استطلاعات الرأي لاستشارة القراء في حدثين مفصليين في الرواية؛ حيث ترك لهم حرية اتخاذ القرار في مصير البطل، وكانت نتيجة التصويت هي الحكم([11]).
فنحن أمام النص ، ثم تساؤلات المؤلف لقرائه . تفاعلَ القراء مع تساؤلاته وأحداث وشخصيات النص واقترحوا تعديلات أو إضافات ، ومنحوا الكثير للنص الأصلي ، فلو لم يكن التفاعل بهذا المستوى ربما كنا بصدد نص إبداعي آخر ، احتكر المؤلف كتابته ، ومن ثم طرحه على الجمهور ورقيا أو إلكترونيا في صيغة نهائية يندر تعديلها ، فنحن بإزاء نص سردي جديد ، إذا نظرنا إليه من منظور نظريات التلقي ، سنجد أن المتلقي صاغ النص بمعية المؤلف بشكل متصاعد .
تحكي رواية “زهرليزا” قصّة شاب طنجيّ اتخذ من الفيسبوك عالما له ، بل صاغ مفرداته من واقع هذا العالم ، يقول في مطلع الرواية :” الغرفة عالمُه والسقف سماؤه. يقضي هنا كل يومه، بل ونصف ليله. عاطلٌ هو، غير يائس وغير متفائل. يعتبر نفسه شخصا محايدا. لقد كفّ عن التفلسف منذ مدة. فقط يجلس ويُفسبك. يبحر في عالم الفيسبوك ليل نهار. يقتل الوقت. يقتله الوقت. لديه 2111 صديق لحد الآن لا يعرف عُشرهم لكنهم يؤنسون وحدته.. يملؤون فراغهُ الذي فرغ من كل شيء منذ تخرّج.. هكذا، مثل بالونة شككتها بدبوس فأصبحت كجِلد عجوز في الغابرين ” ([12])
الشخصية والأحداث نابعة من الفيسبوك ، فلا عجب أن يتوجه المؤلف نحو قرائه في الفيسبوك يتعرف آراءهم ، فالبطل يعاني البطالة والوحدة في عالمه الواقعي، وقد ملأ الفيسبوك عالمه الافتراضي : ينام ويصحو على تعليقات متابعيه ، هاربا من عالم واقعي مملوء بالفراغ ، لا معنى للشهادة الجامعية التي حصل عليها بعد عناء، فقد تساوى مع آلاف غيره من الجامعيين وغير الجامعيين .
ولأن الحاسوب ما هو إلا ضغطات على لوحة المفاتيح ، فيبدو أن حياة البطل صارت خاضعة للوحة المفاتيح ، فقد تغيرت بشكل كامل بعد أن تردّد لثانية واحدة في مسح إحدى مُتابعاته على فيسبوك ، هذا التردد سينتج عنه قبول ثمّ حبّ سيجمعه مع ذات الفتاة، قبل أن تتوالى الأحداث ، فتراجع سبابته “على بعد ملمتر واحد فقط” من مسح هذه الأخيرة سينتج عنه أحداث تجذب القراء إلى نهايتها . فالعنوان معبر عن جوهر الرواية ، فهو إن كان دالا على حركة مكانية ، ولكنه أيضا دال على زمن ، فالحركة في الفراغ – كمفهوم – إنما هي زمكانية ، والمعنى المقصود هنا أن البطل بمجرد تأخره مليمتر واحد عن الضغطة على مفتاح في جهازه ، فإن حياته تبدلت ، وولجها حب جديد من معلّقة عليه متحذلقة ، أخبرها عندما تقابلا في أحد المقاهي بسؤال : ” أتعلمين أنه لولا تردّدي لثانية واحدة، ومليمتر واحد، ما كنت لأكون هنا ؟ ” ([13]) ، إنه حب “فيسبوكي ” ، جعلته يقضي ليلة ” فيسبوكية ” بامتياز ، ” تفسبك ” بها مع أصحابه ثم حبيبته ، فـ ” العالم الفيسبوكي ” يفتح ذراعيه له كل لحظة ، وما عليه إلا المسارعة في إنهاء متطلبات جسده البيولوجية([14])، ليتفرغ لعالمه المترامي . ونلحظ إسراف المؤلف في تصريف لفظة ” فيسبوك ” فعلا ، ومصدرا ، ونعتا ، واسما منسوبا . ومعه ألفاظ أخرى من مقتضيات عالم الإنترنت مثل : الإلكتروني ، “الكي بورد ” ، العالم الأزرق ، المربع الفيسبوكي ، الفأرة / الماوس .. فيسوباثيون ، مزيج من الفيسبوكيين والسايكوباثيين. هذا الإسراف يأتي إمعانا في الانغماس في الفضاء الرقمي الفيسبوكي ، خاصة أنها ألفاظ دخلت في قاموس الشباب اليومي من رواد مواقع التواصل الاجتماعي .
تتطور العلاقة بين البطل خالد وحبيبته الفيسبوكية ” هدى ” ، لنعرف أنه كاتب قصصي حصل على ثلاثمئة وخمسين دولارا مقابل نشر أربع قصص له ، كما ندرك أن هدى ساعية تعاني من مشكلات مادية عديدة مع أسرتها ، حتى أن شبكة الكهرباء قطعت التيار عن شقتهم ، وتضطر للسفر إلى بلجيكا دون إخبار خالد ، ثم تخبره على الفيسبوك بسبب سفرها في أعقاب اكتشاف سرقة لوحة موناليزا من المتحف الوطني الأمريكي بطنجة . ونتعرف من خلال السرد أن هناك لوحتين للموناليزا ، الأولى الأصلية التي رسمها ليونارد دافنشي قابعة في متحف ” اللوفر” بباريس ، أما الثانية فهي لوحة اسمها «الموناليزا المغربية »، رسمها الفنان الاسكتلندي الشهير ” جيمس ماكباي ” ، وكان هذا هدف الدكتور «برنار جانسنز » في بلدة واترلو البلجيكية، الذي يمتلك فيلا صغيرة أنيقة هناك ، ويقيم بها ، وقد وضع عينيه على إحدى طالباته الطنجيات وهي ” هدى ” ، التي سبر أغوارها .
” وهدى كانت الأنسب، لقد اطلع على سيرتها وقام ببحث مطول عنها وعرف أي فتاة طموحة هي ،أي طاقة مدفونة بداخلها تنتظر الانفجار لكن قلة الإمكانيات تقمعها قمعا.. تذكر أيضا أنها كانت كثيرة الأسئلة. بعضها كان له علاقة بالدراســـــــــــة فعلا وبعضها الآخر أسئلة فضولية تشفّ عن رغبتها في تحقيق قفزات سريعة ناجحة بدل الانتظار مع كل هذا الجيش الطلابي([15]).
ومع ذلك يتواصل الحب بين خالد وهدى ، في الواقع وفي العالم الافتراضي، وتسير الأحداث في إطار مشوق ، حيث يكتشف خالد أن ” هدى ” شخصية خادعة، ويسعى في الوقت نفسه إلى إعادة اللوحة إلى متحف مدينته ” طنجة” التي أحبها ، وكان متيما بكل بقعة مكانية فيها . مات حبه لهدى بعدما اكتشف خداعها وأنها كانت عضوة بعصابة مختصة بالسرقات الدقيقة ، وقد حصلت على البراءة لعدم كفاية الأدلة ، فهي تعمل مع عصابة تعرف كيف تراعي القانون ، وتنفذ من ثغراته .
فقد اختار برنار عصابة لها مواصفات معينة : استأجر عصابة متخصصة في هذا النوع من السرقات، مقابل 150 ألف يورو.هذه العملية أخذت منه وقتا كبيرا جدا لأنه كان خائفا ومتوجسا من أن يضع رأسه تحت مقصلة هذه العصابات التي تعشق الابتزاز.. لكنه نجح أخيرا في إيجاد شخص يعرفه من بعيد عرّفه على شخص آخر قال إنه يثق به تماما. هذا الأخير، كان يرأس عصابة مكونة من ثلاثة أشخاص: بلجيكي وبولونيان، قال له أنهم يتقنون عملهم إلى درجة أنه لحدّ الآن لم يتم سوى ضبط واحد منهم فقط وبسبب خطأ فردي منه وليس في خططهم الجماعية ” ([16])
أحب ” خالد ” فتاة أخرى لقيها وهي ” الزهرة ” . كم كان ختام الرواية معبرا ، حيث يقول : ” شعرة واحدة.. ثانية واحدة.. حركة بسيطة.. كل هذه التفاصيل التي لا نلقي لها بالا، قد يكون لها – أحيانا كثيرة – تأثير كبير على حياتنا.. بل قد تغير حيواتنا إلى الأبد، وبشكل كامل. ترددّ على بعد ملمتر واحد قد يحول دفة مركب الحياة إلى اتجاه لم نكن نعلمه” ([17]). معترفا أن التردد قاده إلى ما قاده .
صحيح أن هذه الرواية بدأت وتكونت في عالم الفيسبوك ، ولكنها انتهت في عالم الواقع ، فالواقع هو الأساس ، وكم كانت الأحداث المتسارعة في لهفة كاشفة لزيف الإنترنت ، وخداع شخصياته ، فالمعايشة الحقيقية كافية لفهم النفوس .
لقد جاءت أحداث الرواية في قالب بوليسي ، وفصول قصيرة ، محققة المواصفات التي أرادها المؤلف في تنظيره ، مدركا حاجات قرائه ، وأنهم لا يطيقون قراءة المطولات السردية ، ويحتاجون إلى ما يشوقهم ، ولن يجد أفضل من الحبكة البوليسية ، التي تجعل قارئه في حالة تشوق دائم ، خاصة إذا انتهى كل فصل بشكل شيق يدفع القارئ إلى انتظار الفصل التالي له . وعلى الرغم من أن الرواية تجربة جديدة شكلا وتكوينا ، ولكنه تأثرت كثيرا بالتقنية السينمائية ، من خلال المشاهد الموصوفة بصرية ، وبها حوارات موجزة ، وفي نفس الوقت ، الوصف الدقيق المتسارع للأحداث ، وطبيعة مضمون الرواية ذاتها ، التي جاءت أشبه بالفيلم البوليسي ، وقلّ الغوص في أعماق الشخصيات ، وتحليل أبعادها النفسية ، وهذا يتطلب سردا مطولا ، لا يتناسب مع قارئ الفيسبوك الملول بطبعه .
3 ) الرواية الورقية المعبرة عن علاقات الإنترنت :
وهي الرواية الورقية التي صاغها مؤلفها معبرا عن علاقات نشأت وتكونت في عالم الإنترنت ، أي أنها تصوّر العالم الافتراضي الجديد بتقنياته المختلفة، راصدة العلاقة التي نشأت بين الإنسان وهذا الواقع، فهي من جانب ورقية، ومن جانب آخر افتراضية؛ لأنَّها صوّرت الشخصيات بتجاربها المتنوعة في واقع افتراضي لم يكن مألوفًا من قبل ([18]) ، في إبداع سردي يحلق ما بين الفضاء الإلكتروني حيث نشأت العلاقات وتفاعلت ، وما بين الواقع اليومي الذي جاءت منه الشخصيات ونمت .
ويقترب من الشكل السابق ، نماذج روائية فيها توظيف كلي على مستوى الموضوع نظريا ، مع إغفال الشكل التقني، حيث اهتمَّ هذا التوظيف بتقديم موضوع الإنترنت وعلاقته بالشخصيات في صورة سرد تقريري تقليدي عن طريق الراوي العليم أو الذاتي، أي أنَّ الموضوع افتراضي والشخصيات افتراضية، لكنّ شكل الرواية لا يختلف كثيرا عن الصورة التقليدية ([19]).
والمثال الحاضر هنا ” رواية في كل أسبوع يوم جمعة ” ([20]) للروائي المصري “إبراهيم عبد المجيد ” ، كُتِبت هذه الرواية خلال عامي 2007، 2008. وهي تتناول مجموعة صنعت موقعا على الإنترنت للتفاعل فيما بينها ، وهذا هو الإطار الافتراضي الذي تلاقت فيه المجموعة ، ومنه تعارفوا ، ووقفنا على أبعاد كل شخصية ، وقد اختاروا يوم الجمعة موعدا ثابتا لتلاقيهم ، فلا عجب أن يأتي عنوان الرواية معبرا عن هذا اليوم ، حاصرا زمن التقائهم الأسبوعي في يوم واحد أسبوعيا، فأسبوعهم يوم يروون فيه ما حدث خلال الأسبوع ، أو بالأدق سيكون فيه حدث مفارق في حياتهم كلها وليس في أسبوعهم . يعد الثنائى ” عماد ” وزوجته ” روضة ” هما محور النص، فقد دعت ” روضة ” لتشكيل الجروب من أجل التعارف والبوح، ونتعرف عبر الأسطر ، من خلال هذا الجروب تقتنص الرجال؛ لتشبع رغبتها في الجنس، ورغبة عماد زوجها المنغولى في الاستمتاع بالقتل في كل يوم جمعة من الأسبوع . ففي هذا اليوم ، يمارس عماد شهوته في تقطيع الجثث والإجهاز عليها.
ونصادف من خلال الجروب ، نماذج من شخصيات عديدة ، ونرصد العديد من التحولات التي طرأت على المجتمع عبر النماذج الشخصية المقدمة في الرواية.
سندرك عبر تقنية سرد ” الشات ” ، حقائق عن ثماني عشرة شخصية . أولهم “روضة ” الفتاة الجميلة ابنة عسكري بسيط ، يعمل مستخدَما عند الضابط الكبير ، والذي في الوقت نفسه يبحث عمن يمكن أن تهتم بابنه المريض بما يسمى “الشخص المنغولي ” ، وهو متواضع في الذكاء والقدرة . يقترح العسكري ابنته “روضة ” ،لتقوم بالمهمة المطلوبة ، وعندما يراها الضابط الكبير ، يزوجها بابنه ويخرجها بالمطلق من اهلها وعالمهم ، نظير بضعة آلاف من الجنيهات. وهكذا تجد “روضة ” نفسها، مع زوجها المنغولي هو سلوتها وأزمتها ، شخص مريض ، عاجز عن القيام بواجباته الزوجية ، فليس أمام الزوجة الشابة إلا عالم الإنترنت ، تتواصل به مع العالم لإشباع حاجاتها النفسية من حب ودفء ، وحاجاته الجسدية الجنسية.
أقنعت نفسها بداية أنها داخلة للتعلم وتجديد حياتها ، ولكنها في الواقع ، تدخل عالم الرجال وتسقط في علاقات جسدية محرمة ، وتألف المسألة تدريجيا ، وتتكرر الحالة . وفي إحدى المرات يختلف العشيق مع روضة وهما في منزلهما ، ويراه زوجها المنغولي فيقتله ، وبمساعدة روضة ، يقوم بتقطيعه وإلقائه بالنيل ويقيد الحادث ضد مجهول. المفارقة كامنة في شعور مرضي ، يظهر في نفس “روضة”، وزوجها المنغولي فهي تحصل على الجنس مع الشخص ، وزوجها يعيد ما قام به سابقا في فعل القتل ، لقد عرض المؤلف رؤية للشخص المنغولي ، بصورة صافية عن الجنس البشرى في مرحلة الوحشية ، عندما يتلذذ بالدماء ، وأعضاء الجسد الممزقة ، وكأنه يعرّي الإنسان ، عندما يكون من شهواته القتل .
من الشخصيات التي نجدها في الموقع ، ذلك المغامر الذي يتحرك في كل الفصول في البحر ليحصل على صيد وفير، وهناك أب فقدَ ولديه التوأم وهما يحاولان الهجرة غير الشرعية ، ويريد سلوى لحزنه المتراكم ، فيفضي في ” الشات ” كل ما في أعماقه . وهذه فتاة امتهنت الدعارة ، ثم صارت على قناعة أن الرجال لا يستحقون الحب ، ومن ثم دخلت في علاقات سحاقية . وذلك السائق المتقاعد الذي يبحث عن أناس يشاركهم جلسات الأنس والشراب . وأستاذ الجامعة الذي يحاول استثمار نفسه في هذه الاجواء لعله يحصل على صيد ثمين ، وهناك نساء تحت الطلب ، وهذا شخص متدين يرى العالم من زاوية الحلال والحرام كما يفهم الدين هو. وآخرون هم سيدخلون تباعا ، نعيش مآسيهم وآلامهم ، ونقرأ بوحهم وأمنياتهم .
تتطور الأحداث ، حيث تسقط ” روضة ” الصياد البحري ، لينعم بليلة جنس مجنونة معها ، ثم يصبح بين أيدي زوجها المنغولي ، الذي يتلذذ وهو يقطعه ، ويرميه في النيل . وتحاول سيدة صحفية مساعدة الأب الفاقد لولديه ولكنه يكون قد يأس هو زوجته من الحياة فيقرران الانتحار معا . تتحرك الصحفية أكثر ، فتتواصل مع السحاقية ، لتعيشا أياما جميلة ، وقد قررتا ألا يفترقا ، فكلتاهما كارهتان للرجل.
سنتعرف من خلال ” الجروب ” على القاع السفلي لمدمني المخدرات وأجواء حياتهم ، وانتشارهم في مجتمع يتعامل معهم بوصفهم قدر محتوم ، على قناعة أنه لا توجد سلطة تردعهم . كما سيدخل الموقع ، شاب أُدخِل السجن وفقد كرامته وظُلِم وخرج يحمل قضية ويناضل من أجل كرامة كل مسجون مظلوم ، كما ستتقاطع أقدار شخصيات عديدة ، فبعضهم يدخل ثم يسقط في حمأة الجنس والقتل ، وبعضهم يخرج قبل الأوان ،تنتهي الرواية ، بأن الجروب مستمر ، يستقطب ضحايا جددا ، وتتالى الجثث المهترئة في النيل ، وكلها ضد مجهول ، في إشارة إلى أن الجريمة مستمرة ، لا أحد ينتبه ، ولا سلطة تتحرك ، ولا أناس يرتدعون ، ولا قيم تبقى .
جاء بناء الرواية على مستويين متتاليين : الأول : مستوى أفقي ، تمثل في عرض شخصيات السرد ، وكأنه يقدم رؤية كلية لطبيعة الموقع / الجروب ، وما فيه من شخصيات وأفعال . المستوى الثاني : وهو تال ولاحق للمستوى الأول ، حيث التعمق رأسيا في حياة كل شخصية على حدة ، لنعرف تكوينها ، وما الأسباب التي جعلها تفضي لما أفضت إليه ، وكل هذا عبر البوح الحر المنفتح في ” الشات “، خاصة أن عنوان الرواية يوحي بالديمومة ، في ضوء أن الشخصيتين الرئيستين روضة وعماد ؛ استمرتا في أفعالهما ، وفي استقبال الجدد ، واللامبالاة بالقدامى .
لقد كان الإنترنت هنا ميدانا للتلاقي الافتراضي ، ثم الالتقاء الحي المباشر، سواء بإقامة علاقات محرمة تفضي إلى القتل ، أو تستمر بعيدا عن المجموعة ، أو تخرج من الموقع ، وتغرق في هموم الحياة . ولكن بلاشك ، فإن الشخصيات تعبر عن أزمة مجتمعية وسياسية وفكرية ونفسية : فردية وجماعية ، مجتمع متخبط ضائع، وإذا عنّ سؤال عن كم السوء الذي لمسناه في الرواية . فإن الجواب أنه منطقي ، فالجروب الافتراضي شارع خلفي للكشف ، ومن الطبيعي أن تبدو الشخصيات في عنفوانها وقسوتها وتبحث عن متعها وشهواتها المكبوتة بعيدا عن رقابة المجتمع الخارجي ، وقيود الذات نفسها عندما تكون وسط القريبين منها .
إن النص يكرس في جوهره التعدد والتنوع عبر بنية سردية ولغة تفاعلية تستند إلى البوح والتواصل وتعتمد على نبذ التمركز حول القوة الذاتية ؛ لتفتح حواراً وحكياً وسخرية كأنه يقدم شخوصه على مسرح هوائي غير متعين إلا من خلال شبكة غير مرئية ، وتتفاوت القضايا المطروحة فهي إما مغرقة في اليومي والعادي والشخصي ، أو قضايا جريئة تندفع باتجاه الجنس أو الشذوذ ورفض القمع ([21]).
وفي جميع الأحوال فإن السرد الروائي كشفَ ما يحدث على مواقع الشات بشكل عام ، حيث تتعرى النفوس وهي مستترة خلف أسماء مستعارة ، وهي تمارس شغبا وتمردا ورغبات تكتمها خوفا من رقابة مجتمعية ، أو أوضاع اجتماعية وعرفية .
4 ) الرواية الرقمية :
وفيها يتخذ المبدع – الذين يمكن وصفهم بالمبدع المصمّم – من بيئة الحاسوب والإنترنت مجالا للتصميم والتشكيل، فأصبح القرّاء أمام أشكال لا عهد لهم بها من قبل، أشكال تتماشى مع طبيعة التقنية الجديدة، ولا يمكن قراءتها إلا من خلال الحاسوب ، وهي أشكال سردية ؛ لأنَّها اعتمدت في نسيج تصميمها على عناصر السرد القصصي، وعلى رأسها الكلمة، لكنها لم تكتفِ بها بل أضافت إليها عناصر ومؤثرات أخرى تناسب وسيطها الجديد، من هذه النماذج التي تُعدُّ من البواكير الأولى للإبداع العربي في صورته الرقمية ([22]).
إذن الرواية الرقمية تتمايز عن الأشكال السردية الأخرى ، فهي أولا غير ورقية وإنما تقرأ على الحاسوب ، من خلال تحميلها مباشرة ، أداتها التعبيرية الكلمة ، والصورة ، والصوت ، والمؤثرات الحاسوبية البصرية والسمعية ، أي أنها مبنية على المنجز التقليدي للرواية ممثلا في السرد بالكلمات ، ثم ما يتيحه الحاسوب من إمكانات تقنية ، يوظفها المبدع في نصه . لذا ، فهي تحتاج إلى طراز خاص من المبدعين ، يمتلكون مهارات الحاسوب من ناحية ، والموهبة القصصية من جهة ثانية ، فمعلوم أن الشكل والمضمون وجهان لعملة واحدة ، فالمبدع يفكر في ضوء الأشكال المتيسرة له ، والقادر على استخدامها ، وإلا يصبح تفكيرا نظريا فقط .
ويشير ” محمد السناجلة ” أبرز مبدعي الرواية الرقمية إلى كونها رواية تقنية بالدرجة الأولى ، فهي مغامرة في الزمن الرقمي الافتراضي وفي المكان الرقمي الافتراضي وفي الواقع الرقمي الافتراضي، وحول اللغة في الرواية الجديدة، يرى السناجلة أيضا أن لغة الرواية التقليدية عاجزة عن الاستجابة لحاجيات نظيرتها الجديدة التي يجب أن تتحدد بسمات خمس: أولا: تجاوز اللغة المكتوبة إلى مكونات أخرى: صورة، صوت، مشهد سينمائي وحركة. ثانيا: على اللغة أن تكون شاهدة على أحداث الرواية في بُعديها المادي والذهني أي تعبر عنها وعن حركتها بشكل واضح؛ ثالثا ورابعا : على اللغة أن تكون سريعة بحيث لا تتجاوز المفردة فيها أربعة إلى خمسة حروف وعدد صفحات الرواية المائة صفحة، والجملة من ثلاث إلى أربع كلمات على الأكثر. خامسا: على الروائي تجاوز مجرد معرفة الكتابة إلى الإلمام بهذا القدر أو ذاك بمجموعة من البرامج الكفيلة بتحقيق النقطة الأولى، ناهيك عن استخدام الحاسوب التي تعد من نافلة القول ([23]).
الملاحظ في تنظير السناجلة أنه واع تماما لدور التقنيات الحاسوبية في بنية الرواية الجمالية ، فنصّ على تقليل الكلمات والأحرف وعدد الصفحات ، لأنه مدرك أن الصورة والصوت يغنيان عن كثير من المفردات ، التي يراكمها الروائي التقليدي في روايته ، وإن كنت أرى أن المنجز الروائي الرقمي للسناجلة لم يحقق طروحاته النظرية بشكل مبتكر ، فجهاز الحاسوب فيه من الإمكانات التقنية الكثيرة التي تمكّنه من إخراج نصه بشكل مبهر ، ولا بأس من الاستعانة بشخص تقني أو أكثر في الحاسوب، ليكون العمل بروح الفريق الثنائي أو الثلاثي ، فالمهم أن تتحقق الدلالة كاملة . خاصة أن هناك مبدعين في عالم الحاسوب يمكنهم رسم الصور الثابتة والمتحركة ، والإبداع الموسيقي والصوتي ، بعيدا عن استعمال الصور المتداولة ، والموسيقى المألوفة ، وساعتها سيكون النص مبهرا ، لأن الصور أو المرئيات المتحركة ستكون مصممة خصيصا حسب نص الكلمات ، ومعها أيضا الجانب الصوتي، وبالتالي تصبح الكلمات أشبه بالسيناريو ، ومعها ما يصوغ دلالاتها مرئيا وسماعيا . ونؤكد أن هذا يتطلب خبراء ومبتكرين في كل مجال حاسوبي ، ويمكن الاستعانة ببرامج المونتاج في هذا الصدد مع تطوير القدرات الفنية للروائي ذاته ليكون واعيا بأهمية التشكيل البصري والصوتي ، وساعتها ستكون رواية مختلفة نصا وشكلا ومؤثرات .
جدير بالذكر أن السناجلة راكم عددا من الروايات والأعمال التي تطور فيها فكريا وإبداعيا وتقنيا ([24])، كما أن لديه موقعا إلكترونيا ، يتواصل فيه مع قرائه ، ويضع فيه مجمل أعماله ، وأيضا مختلف الدراسات النقدية التي تناولتها .
وإذا أخذنا مثالا على عمله ، ويجدر بنا في هذا الصدد ، أن نتناول أحد أعماله وهو رواية ” شات ” ، ويأتي اختيارنا لها ، لأنها تعبر بجلاء عن رؤية السناجلة نحو إنسان الغد ، الذي سيكون إنسانا رقميا ، ويستعرض فيها رحلة الإنسان من الرمال والخيام إلى عصر الديجيتال والتفاعل عبر الإنترنت .
يأتي الفصل الأول معنونا بـ ” العدم الرملي” لنشاهد بصريا صورة لليل شديد الظلمة ، ومع بزوغ الشمس وانتشار أشعتها التي تتهادى على الصحراء الشاسعة في رمالها ، وكثبانها اللانهائية ، إنه مشهد في صحراء سلطنة عمان ، حيث يعمل بطل الرواية في إحدى الشركات متعددة الجنسيات ، وتصور الرواية جدب هذا الواقع وفقره ووحدة الإنسان الفرد أمام جبروت الرمال . ينتقل البطل من وجوده في العالم الواقعي إلى كينونة جديدة وهي الإنسان الرقمي العائش في المجتمع الرقمي الحديث ،وتتتابع المشاهد كلوحات مبهرة مع أنغام الموسيقى، برسالة جلية مفادها أن العالم الافتراضي هو الذي سيشكل مستقبل البشرية ، عندما يكون الحاسوب بكافة تقنياته هو المتحكم في حياتنا القادمة ، في رؤية تميل إلى المستقبلية في الأدب .
ولكننا نختلف معه بلاشك ، لأن الإنسان الحديث والمعاصر يشعر بالاغتراب الشديد ، أمام هجمة المدنية والعصرنة والآلية ، وهو محبوس في بنايات شاهقة ، وشقة ضيقة ، حياته العملية آلية ، ويومه يبدأ في الصباح الباكر، حين يغدو إلى عمله ، ويعود منهكا في نهاية اليوم ، فيخلد إلى النوم . يعاني من تمزق العلاقات الاجتماعية ، وسيادة المادية ، وتفكك العائلات الكبيرة ، ومعاناة الأسر الصغيرة ، وهذا لم يكن موجودا في حياة الصحراء ، التي كان الإنسان فيها سيدا لنفسه ، سعيدا بالانتماء القبلي ، حرا في توجهاته ، يشعر أنه يعايش الطبيعة وتعايشه ، بهواء نقي، وطعام صحي وإن كان بسيطا ، ونفس الأمر مع الإنسان العائش في الريف أو الجبال أو حتى الغابات ، فمن العبث أن يسقط الروائي في ثنائية متضادة بين الصحراء والرقمية ، وكأن الإنسان في تاريخه على الأرض ، عاش البداوة ثم الحضارة الحديثة فالعصر الرقمي ، وهذا لم يحدث من قبل ، فكم من الحضارات التي تتابعت على الإنسان ، وجلبت له السعادة ، وهذا لا يمنع من وجود تعساء وفقراء ومنكوبين ولكن أن نتخيل أن المستقبل السعيد لإنسان رقمي هو رؤية قاصرة.
وإذا ، نظرنا إلى باقي أحداث الرواية ، نجد أن بعد العدم الرملي ونغمات ” إس إم إس ” ، تنقلنا الأحداث في فصل بعنوان ” التحولات 1″ إلى بلدة عمانية اسمها صور، حيث نلج مع البطل “نزار ” إلى مقهى إنترنت في شارع فرعي شبه مظلم بالقرب من بنك مسقط الوطني . وهنا نجد النقلة المرادة من المؤلف من صحراء جرداء ، إلى عالم الإنترنت ، مما يوجد شعوراً لدى المتلقي أن الصحراء تحمل قيمة سلبية تتمثل في الوحدة والانزواء والضجر، ويحمل المكان الثاني قيمة إيجابية ، مع الأخذ في الحسبان أنه على الضدية في الفكر والإحساس ، خاصة أن البطل يتصل عبر الانترنت بالمرأة التي تؤنس وحدته في حياته الضجرة بفعل الإقامة في الصحراء، يدور حوار بينه وبين صاحب المقهى حول إيميل البطل على ياهو أم على مكتوب ياهو ، ومن ثم يستفسر منه عن: المعرف، وكلمة المرور ليتمكن من الدخول إلى الماسنجر ، ومحاورة المرأة التي يعشقها .
إن عنوان الفصل مباشر في دلالته ، كما أننا نجد أنفسنا أمام مستويين للغة أو بالأدق التعبير السردي ، فقد استخدم السارد لغة تقليدية ، أقرب إلى لغة السرد المكتوب لتصوير معالم الشخصية في عزلتها ، ثم انتقل بنا عبر لغة مزيج من الفصحى والعامية في حواره مع المرأة ، وهي عراقية الأصل، تسكن في أمريكا، ونلاحظ أننا بضغطات عديدة على الأيقونات في النص ، نقرأ الشات الدائر بين الاثنين ، وكيف أنهما في حالة من الانسجام الروحي والفكري .
ربما أراد الكاتب من مزج الفصحى بالعامية أن يعبر عن حقيقة ما يجري من حوارات في عالم الشات ، وما أكثر العاميات به ، ولكننا أمام نص أدبي ، يجدر به تفصيح التعبيرات ، وإغناء المفردات ، والتقليل من العامية ، فهو إبداع أدبي .
يدخل نزار بعد ذلك إلى موقع «مكتوب» ومنه إلى غرفة «السياسة» لنقرأ ألوانا من الصراعات الفكرية والاتجاهات السياسية ، التي تعصف بين أبناء العروبة، وتتحول بهم إلى مقاتلة وليس مناقشة . سنجد السارد ، ومن خلال بطله ” نزار” ، يدير حوارات عديدة ، مع شخصيات استقدمها خياليا من الواقع ، ونلاحظ بالطبع نوعا من التعسف الخيالي ، فلا يعقل أن تدخل شخصيات من مثل : ابن لادن، وصدام، وجيفارا، وامرأة مسلمة، وأخرى متحررة، ويبدو السارد حيادياً وهو يعرض آراء شخصياته . لقد تلاعب السارد بنا بين في واقعه الافتراضي ، فجعلنا نحاور شخصيات حية وميتة ، مما يفقد الرواية بعضا من إيهامها ، حتى ولو جرت في إطار متخيل ، فلو كان الحوار مع شخصيات تابعة لهذه الاتجاهات يكون أكثر إيهاما ، خاصة أن كل شخصية تقدم فكرها الخاص من خلال مفرداتها الشائعة .
أما نزار فينفرد ببناء غرفة خاصة للعشاق على غرار غرفة السياسة ، إلا أنه يعود خائباً من مملكة عشقه الرقمية ، فيأخذه الشوق إلى زوجه، وتكشف مراسلاتها الإلكترونية له عن إيمانها بالحب، فيستخدم في نهاية الرواية اللون الزهري المصحوب بموسيقى رومانسية؛ ليظهر عودة الحب الذي غاب عن حياته ، ولندرك في النهاية أن الحياة الرقمية ظل للواقع الطبيعي ، وتكون الرسالة جلية ، أساسها أن وجود مملكة البطل الحقيقية وهم متخيل . الملاحظ أن الرواية لم تحفل في ختامها بمصائر الشخصيات فظلت الشخصيات معلقة كما ألفيناها في السرد ، وتلك طبيعة شخصيات الفضاء الإلكتروني ، تبدأ وتنتهي على الشات ، لا نعلم الكثير عنها ، فحياتنا معها مجرد حوارات تمتد بعض الوقت : قليلا أو كثيرا ، ثم تنتهي .
وبالنسبة شخصية نزار فهي تعود بنا إلى واقعه حيث تسلم إشعار بفصله من الشركة، فيقرر بعده شراء مقهى الإنترنت الوحيد في دلالة على عشقه لمملكته المفترضة، فيشهد التصويت على بقائها مملكة للعشاق، أو تحويلها إلى جمهورية، فيخرج كل المصوّتين حتى نزار عبر خيار اللاحق ليحيل المتلقي إلى شاشة سوداء مظلمة لا نعلم من ورائها شيئا ، وتنتهي أحداث الرواية ، بنهاية مفتوحة ، تكرس العالم الافتراضي وتنتصر في ثناياها للعالم الواقعي الذي مهما تناءينا عنه وغرقنا في فضائه الإلكتروني ، فإننا في النهاية نحيا بأجسادنا وذواتنا في العالم الواقعي .
يلاحظ على إبداع السناجلة أنه مبدع بلاشك ، وقد سعى إلى تنظير تجربته في مقالات ودراسات وكتاب نظري ، وعدد من الروايات الورقية وأيضا الإلكترونية . ولكن تظل مجموعة من الأسئلة ، تتصل بجوهر تجربته ، فالملاحظ أنه يمكن طبع أعماله الإلكترونية في نسخ ورقية ، مع الاستغناء عن الجانب الصوتي دون تأثير، وتضمين الصور ، أي أن الصوت والصورة مجرد حلى مضافة ، وليست جزءا من بنية العمل السردي ذاته ، بحيث أننا لو أزلناها من النص ، تتأثر دلالته ، وترتبك أحداثه .
أيضا هناك أخطاء لغوية وإملائية عديدة في كثير من نصوصه ، وهذا عائد لعدم المراجعة اللغوية الدقيقة من قبل عين أخرى ، فالمبدع في النهاية مهموم بالإبداع ، وقد لا ينتبه للسقطات اللغوية ، بجانب سوء كتابة الكلمات وتنسيقها . أيضا فإن فكره الإبداعي والفلسفي يحتاج إلى المزيد من التعميق ، وقراءة أحوال الإنسان المعاصر وأزماته ، فليس الخلاص في الحياة الرقمية ، ولا في العيش بين الحواسيب والآلات وفي الناطحات ، وإنما السعادة كل مركب ، الجانب المادي جزء منها ، والثورة التقنية قد تكون يسرت على الإنسان الكثير ، ولكنه تظل في إطار كل ما هو مادي ، وتبقى الروح متخبطة .
خاتمة : يمكن أن نصل في ختام هذه الدراسة إلى جملة نتائج :
- لا يزال الكثير من المبدعين في السرد الرقمي أسرى الشكل على حساب المضمون ، فكثير منهم يبالغون في إطراء سردهم الرقمي ، على حساب ما يطرحونه من مضامين ، التي تقارب ما هو كائن في الإبداع الورقي، أو مطروح في الأفلام العربية أو الأجنبية ، دون التعبير عن خصوصية واضحة للفضاء الإلكتروني ، وما فيه من شخصيات تأثرت بالفعل بعالمه .
- إن التجربة العربية في التفاعل مع الأدب الرقمي لا تزال في بداياتها ، على الرغم من مرور ما يقارب عقدين على ظهور الروايات الرقمية وغيرها ، فالإبداع الرقمي في حاجة إلى المزيد من التراكم الإبداعي نصوصا وتجارب.
- إن الروايات الرقمية – في ضوء الاطلاع على كثير منها – تنقل الكثير مما يحدث من مواقف وأحداث وحوارات ، فصيحة كانت أو عامية ، وقد انساقت كثير من التجارب السردية إلى التعبير عن عالم ” الشات ” والمواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي ، وكلها تحفل بقصص حب وعلاقات وهمية ، وفضفضة عن مكبوتات نفسية وجنسية واجتماعية وثقافية ، وهو ما يجذب القارئ دون شك ، ولكن يظل المضمون ما بين التسطيح والعمق .
- لجأ العديد من مبدعي السرد الروائي في الفضاء الإلكتروني إلى تقنيات مشوقة ، مثل القالب البوليسي ، أو تخيل ” جروب ” مؤسس على رغبة في الجنس والقتل معا ، ونرى نماذج من شخصيات من الدرك الأسفل اجتماعيا، وقد اختيرت لتعبر عن تشوهات المجتمع في أشد حالات قبحه .
- من المهم فهم طبيعة الفضاء الإلكتروني ، فكثير من المبدعين يقفون على عتباته الممثلة في مواقع الشات أو التواصل الاجتماعي ، ولم يلجوا في عوالمه الفعلية الممثلة في الانفجار المعرفي والاتصالي والتقنيات والتطبيقات ومليارات الصفحات والمواقع . فهناك بشر استغرقتهم شبكة الإنترنت حتى ذابت شخصياتهم فيها ، وهناك من أبحر مع الفراشات الإلكترونية ، وتخيلوا أنفسهم مبحرين في خضم العالم الإلكتروني اللانهائي ، وغيرهم كثير .
المصادر والمراجع
أولا : الكتب :
– جيل الإنترنت : كيف يغير الإنترنت عالمنا ؟ ، دون تابسكوت ، ترجمة : حسام بيومي محمود ، دار كلمات عربية ، القاهرة، ط1 ، 2012م .
– حسام الخطيب، الأدب والتكنولوجيا وجسر النص المتفرع، المكتب العربي لتنسيق الترجمة والنشر، دمشق، ط1، 1996.
– حسام الخطيب، رمضان بسطاويسي، آفاق الإبداع ومرجعيته في عصر المعلوماتية، دار الفكر، دمشق، ط1، 2001م .
– رواية الواقعية الرقمية: تنظير نقدي، محمد السناجلة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2005 م .
– شات” رواية واقعية رقمية ، نشرت على موقع اتحاد كتاب الانترنت العرب عام 2005م .
– شعرية الفضاء الإلكتروني : قراءة في منظور ما بعد الحداثة ، د. مصطفى عطية جمعة ، دار شمس للنشر والإعلام ، القاهرة ، 2016م .
– على بعد مليمتر واحد فقط أو “زهرليزا ” ، عبد الواحد استيتو ، منشورات ومضة ، مدينة طنجة ، المغرب ، ط1 ، 2013
– في كل أسبوع يوم جمعة ، إبراهيم عبد المجيد ، إصدار الدار المصرية اللبنانية للنشر والتوزيع ، القاهرة ، ط3، 2010م .
ثانيا : المجلات والدوريات والرسائل الجامعية :
– الإنترنت وآليات السرد في نص : ” في كل أسبوع يوم جمعة ” ، د. أماني فؤاد ، موقع الحوار المتمدن-العدد: 4213 – 2013 / 9 / 12http://www.ahewar.org
– عالمية الإنترنت: وسيلة لبناء مجتمعات المعرفة وإعداد خطة التنمية المستدامة لفترة ما بعد عام 2015 ، وثيقة صادرة عن منتدى منظمة اليونسكو ، المنعقد 2 / 9 / 2013 م.
– “على بعد مليمتر واحد” والتجربة التفاعلية ، عبد الواحد استيتو ، مقال منشور على موقع : حكايا ، http://hakaya.co .
-موقع الكاتب عبد الوحد استيتو http://www.msahli.com/1mm/ وفيه مقاطع من الرواية وبعض تعليقات المؤلف .
– الواقعية الافتراضية في الرواية العربية ” في الفترة من 2001 حتى2013 ، د.محمد هندي ، رسالة دكتوراه غير منشورة ، كلية الآداب ، جامعة سوهاج ، 2015 م .
[1] ) شعرية الفضاء الإلكتروني : قراءة في منظور ما بعد الحداثة ، د. مصطفى عطية جمعة ، دار شمس للنشر والإعلام ، القاهرة ، 2016م ، ص33 .
[2] ) عالمية الإنترنت: وسيلة لبناء مجتمعات المعرفة وإعداد خطة التنمية المستدامة لفترة ما بعد عام 2015 ، وثيقة صادرة عن منتدى منظمة اليونسكو ، المنعقد 2 / 9 / 2013 ،ص2
[3] ) المرجع السابق ، ص3 .
[4] ) جيل الإنترنت : كيف يغير الإنترنت عالمنا ؟ ، دون تابسكوت ، ترجمة : حسام بيومي محمود ، دار كلمات عربية ، القاهرة، ط1 ، 2012م ، ص28 .
[5] ) السابق ، ص29 ، 30
[6] ) شعرية الفضاء الإلكتروني ، مرجع سابق ، ص59
[7] ) انظر تفصيلا : ” الواقعية الافتراضية في الرواية العربية ” في الفترة من 2001 حتى2013 ، د.محمد هندي ، رسالة دكتوراه غير منشورة ، كلية الآداب ، جامعة سوهاج ، 2015 ،ص33
[8] ) المرجع السابق ، ص38
[9] ) موقع الكاتب http://www.msahli.com/1mm/ وفيه مقاطع من الرواية وبعض تعليقات المؤلف .
[10] ) “على بعد مليمتر واحد” والتجربة التفاعلية ، عبد الواحد استيتو ، مقال منشور على موقع : حكايا ، http://hakaya.co
[11] ) المرجع السابق .
[12] ) على بعد مليمتر واحد فقط أو “زهرليزا ” ، عبد الواحد استيتو ، منشورات ومضة ، مدينة طنجة ، المغرب ، ط1 ، 2013
[13] ) السابق ، ص17
[14]) السابق ، ص8 ، 9 .
[15] ) السابق ، الصفحات : 109 ، 110 ، 111 .
[16] ) السابق ، ص112
[17] ) السابق ، ص143 .
[18] ) الواقعية الافتراضية في الرواية العربية ، مرجع سابق ، ص212 . منها: “بنات الرياض (2005) لرجاء الصانع، و”أبناء الديمقراطية (2006) لياسر شعبانَ، و”لعنة ماركيز (2007)، لضياء جبيلي، و”حرية دوت كوم” (2008)، لأشرف نصر، و” في كل أسبوع يوم جمعة (2009)، لإبراهيم عبدالمجيد”، و”حبيبي أون لاين (2009)، لأحمد كفافي، و”فتاة الحلوى (2010)، لمحمد توفيق، و”إيموز (2010) لإسلام مصباح، و”المصائر” (2011)، لياسر شعبان، و”أوجاع ابن آوى” (2011) لأحمد مجدي همام، و”إيميلات تالي الليل (2011)، نص مشترك لإبراهيم جاد، وكلشان البياتي .
[19] ) المرجع السابق ، ص244 . “شرف الله” لفتحي إمبابي، و”يا عزيز عيني” لحسام فخر، و”الغضب الضائع” لمازن العقاد، و”إمبراطورية المساخيط الفيساوية”، لمحمود طهطاوي، و”أجنحة الفراشة” لمحمد سلماوي”، و”فتاة سيئة” لشهد الغلاوين، و”طوق الطهارة”، لحسن علوان، و”طبول الحب”.. وغيرها.
[20] ) رواية في كل أسبوع يوم جمعة ، إبراهيم عبد المجيد ، إصدار الدار المصرية اللبنانية للنشر والتوزيع ، القاهرة ، ط3، 2010م .
[21] ) راجع : الإنترنت وآليات السرد في نص : ” في كل أسبوع يوم جمعة ” ، د. أماني فؤاد ، موقع الحوار المتمدن-العدد: 4213 – 2013 / 9 / 12http://www.ahewar.org
[22] ) الواقعية الافتراضية في الرواية العربية ، مرجع سابق ، ص311 .
هذا ، وتعود فكرة الرواية الرقمية أصدر ميشيل جويس Michael Joyce أول “رواية تفاعلية” في العالم، اسمها “الظهيرة، قصة” Afternoon, a story، وذلك في عام 1986، مستخدمًا البرنامج الذي وضعه بمعية جي. بولتر J. Bolter في عام 1984 وأسمياه المسرد Storyspace، وهو برنامج خاص لكتابة النص المتفرع، الذي يعدّ عماد الكتابة الإلكترونية، والذي لا تمكن كتابة “الرواية التفاعلية” دون استثمار معطياته، غالبًا، ثم ظهرت بعد ذلك برامج أخرى كبرنامج “الروائي الجديد” . الرواية التفاعلية، ويُطلق عليها في المصطلح الأجنبي Interactive novel، أو Hyperfiction، والمسرح التفاعلي Hyperdrama، والشعر التفاعلي Hyperpoetry، وسوى ذلك من الأجناس الأدبية الجديدة.
راجع للمزيد من التفصيل : حسام الخطيب، الأدب والتكنولوجيا وجسر النص المتفرع، المكتب العربي لتنسيق الترجمة والنشر، دمشق، ط1، 1996. وأيضا : حسام الخطيب، ورمضان بسطاويسي، آفاق الإبداع ومرجعيته في عصر المعلوماتية، دار الفكر، دمشق، ط1، 2001.
[23] ) رواية الواقعية الرقمية: تنظير نقدي، محمد السناجلة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2005 م ، ص94 ، 95
[24] ) أبرز أعمال محمد السناجلة في النصوص التفاعلية : “ظلال الواحد” أول رواية رقمية عربية عام 2001 . “شات” رواية واقعية رقمية نشرت على موقع اتحاد كتاب الانترنت العرب عام 2005 ، “صقيع” نشرت على موقع اتحاد كتاب الانترنت العرب عام 2006 ، كتاب “رواية الواقعية الرقمية” تنظير نقدي- اتحاد كتاب الانترنت العرب 2005، ظلال العاشق (التاريخ السري لكموش) رواية واقعية رقمية 2016 .
