واو القلب في اللغات الساميّة مقارنةٌ وتأصيل


 

واو القلب في اللغات الساميّة مقارنةٌ وتأصيل

جلال عبد الله محمد سيف الحمّادي، أستاذ اللسانيّات المشارك بجامعة تعز – الجمهوريّة اليمنيّة.

 مقال نشر في  مجلة جيل الدراسات الادبية والفكرية العدد  46   الصفحة 27.

 

 

ملخّص البحث:

          تتناول هذه الدراسة بالبحث ظاهرة من الظواهر اللغويّة الساميّة هي ظاهرة (واو القلب) التي تقلب زمن المضارع إلى الماضي وتقلب زمن الماضي إلى المضارع، وليس هدف الدراسة وصف الظاهرة، فقد أُشبعتْ هذه القضيّة بحثًا، ولكنّ هدفها الرئيسيّ التثبّت من صحّة الرأي الشائع القائل بحصر الظاهرة في حيّز اللغات الساميّة الشماليّة (الغربيّة الشرقيّة) وبنفي وجودها في سائر اللغات الساميّة، في ظلّ وجود رأيٍ آخر أقلّ شيوعًا يُعارض هذا الرأي ويدّعي وجودها في لغاتٍ ساميّةٍ أخرى خارج حيّز اللغات الساميّة الشماليّة، بل ويجعلها أصلًا فيها.

          وقد اثبتتْ الدراسة (بالأدلّة العلميّة) أنّ الرأي الثاني هو الأصوب، كما قدّمَتْ رؤيةً تأصيليّةً لهذه الظاهرة في اللغات الساميّة مضمونها: أنّ الظاهرة كانت موجودةً في اللغة الساميّة الأمّ، ثُمّ أصبحت من الظواهر اللغويّة المشتركة في اللغات الساميّة التي تفرّعتْ عن هذه اللغة الأُمّ.

*الكلمات المفتاحيّة: واو، قلب، لغات، ساميّة، مقارنة، تأصيل.

Abstract

This study deals with the phenomenon of Semitic language, which is the phenomenon of (wāw conversive or wāw consecutive), which fluctuates the time of the present to the past and the variability of the past tense to the present. The objective of the study is not to describe this phenomenon in the area of the Semitic languages because This issue has been fairy sufficient saturated with research. However, its main objective is to ascertain the validity of the common saying that the phenomenon is confined to the Semitic languages of the North (East-Eastern) and deny its existence in all other Semitic languages. Along with another less common opinion, which entirely opposes this opinion and claims existence in other Semitic languages away from the Semitic languages, but rather makes it a part of it.

The study has proved (by scientific evidence) that the second opinion is the most correct opinion. It also has presented a fundamentalist view of this phenomenon in the Smitic languages and its content that the phenomenon existed in the main Semitic language. And then became a common linguistic phenomena in the Semitic languages that sprang from this mothqer tongue.

  Keywords: wāw, conversion, languages, Semitic, comparison, rooting.

*المقدّمة:  

          يكاد الدارسون يُجمعون على: أنّ (واو القلب) التي تقلب زمن الماضي إلى المضارع وزمن المضارع إلى الماضي، هي خصيصةٌ لغويّةٌ لا تتجاوز مجموعة اللغات الساميّة الشماليّة الغربيّة، فضلًا عن البابليّة القديمة من الفرع الشمالي الشرقيّ عند بعضهم، وأنّها لا توجد في سائر لغات الأسرة الساميّة، يقول (إسرائيل ولفنستون): “ووجد في العبريّة صيغتان للماضي، الأولى هي العادية، مثل كتب وأمر (כתב  אמר)، والثانية مشتقّةٌ من المضارع مع إضافة واو العطف، مثل: (ויכתב  ויאמר): ويكتب ويأمر؛ حيث تدلّ على معنى:  كتب وأمر، وهذه الصيغة قديمةٌ جدًّا؛ فقد كانت معروفةً في البابليّة القديمة وفي الكنعانيّة العتيقة، وربّما كانت هي القنطرة التي تصل بين صيغة الماضي العاديّة وبين صيغة المضارع، وليس لهذه الصيغة أيُّ اثرٍ في اللغات الأخرى، كالعربيّة والسبئيّة والحبشيّة والآراميّة”([1]).

          ويقول (بروكلمان): “وتبدأ الحكاية في كلٍّ من العبريّة والمؤابيّة بالماضي، غيرَ أنّها تستمرّ بعد ذلك بالمضارع المجزوم jussiv  أحيانًا…مع واو العطف wa”([2])، ويقول (ربحي كمال): “وهذه الصيغة مألوفةٌ في الأساليب العبريّة القديمة، لا سيّما في العهد القديم، وليست مألوفةً في العبريّة الحديثة إلّا في بعض الأساليب القصصيّة”([3])، ويرى (إلياس بيطار) أنّها: “توجد في كُلٍّ من اللغة الأوغاريتيّة واللغة العبريّة”([4])، وتقول (سلوى غريسة): “هناك استعمالٌ خاصٌّ للواو في سفر التوراة يُقال له واو القلب،  وهي صيغة قديمةٌ جدًّا، إذ كانت مستعملةً في اللغتين البابليّة القديمة وكذلك في الكنعانيّة، وليس لهذه الصيغة من وجودٍ في اللغات الساميّة الأخرى…وليست مألوفةً في العبريّة الحديثة إلّا في بعض الأساليب القصصيّة”([5]).

          ويقول (رشاد الشامي): “تستعمل واو القلب أساسًا في لغة العهد القديم، وليس لها استعمالاتٌ في العبريّة الحديثة”([6])، ويقول (سيّد سُليمان عليان): “هذه الأداة خاصّةٌ بلغة العهد القديم، وقد يستخدمها كاتب في العصر الحديث في الكتابات الأدبيّة عندما يمزج في أسلوبه بين عصور اللغة، وبصفةٍ خاصّةٍ في القصص والروايات التي تحتوي على أحداثٍ متتالية في الزمن”([7])، ويرى (رمزي منير البعلبكي): “أنّ في اللغات الساميّة الشماليّة الغربيّة أداةً– هي الواو– تدخل على الفعل المضارع فتقلب زمنه إلى الماضي، كما تدخل على الفعل الماضي فتقلب زمنه إلى المضارع، وتُعرف هذه الأداة (وهي كثيرة الورود جدًّا في العبريّة، بل هي فيها عماد تركيب الجملة في رواية الأحداث) بـ(واو القلب) wāw conversive أو wāw consecutive ، وترد هذه الواو أحيانًا في الفينيقيّة والأوغاريتيّة أيضًا”([8]).

*هدف الدراسة:

          لمّا كان هذا الرأي قد صار بمثابة المسلّمة اللغويّة عند كثيرٍ من الدارسين، فقد جاءت هذه الدراسة؛ لإخضاع هذه المسلَّمة اللغويّة للدراسة والتحقيق، من خلال البحث عن أيّ أثرٍ لاستعمال (واو القلب) هذه في سائر اللغات الساميّة خارج الحيّز الجغرافيّ لمجموعة اللغات الساميّة الشماليّة الغربيّة مضافًا إليها البابليّة القديمة من الحيّز الجغرافيّ الشماليّ الشرقيّ.

          ولا تقتضي نسبة ظاهرة (واو القلب) إلى مجموعة اللغات الساميّة الشماليّة الغربيّة (بالضرورة) وجود ظاهرة (واو القلب) في جميع لغات هذه المجموعة، فالذي يظهر من جملة نصوص هذه النسبة أنّ هذه الظاهرة وُجِدَتْ في اللغات العبريّة والمؤابيّة والفينيقيّة والأوغاريتية فقط من الفرع الكنعانيّ ولم توجد في الفرع الآرامي بلهجاته المختلفة.

          كما يهدف البحث إلى تقديم رؤية تأصيليّة لظاهرة (واو القلب) بردّها إلى اللغة الساميّة التي استعملتها لأوّل مرّةٍ أو إلى اللغة السامّيّة الأم التي تفرّعت عنها سائر اللغات الساميّة.

*منهج الدراسة :

          اقتضت طبيعة الموضوع المدروس أن يكون منهج الدراسة هو المنهجَ المقارنَ؛ لأنّ ظاهرة (واو القلب) (بحسْب كثيرٍ من الدارسين) هي ظاهرةٌ ساميّةٌ تنحصر في حيّز أسرة اللغات الساميّة، ولمَّا كان الرأي الشائع الذي أشرنا إليه سابقًا يحصر الظاهرة في حيّز المجموعة الساميّة الشماليّة، فقد سعت الدراسة إلى رصد شواهد هذه الظاهرة في اللغات التي نُسبت إليها ابتداءً، ثُمّ سعتْ إلى البحث عن شواهد لهذه الظاهرة في مجموعة اللغات الساميّة التي حكم الرأيُ السابق بانتفاء وجود الظاهرة فيها ومقارنتها (إنْ وجدتْ) بالشواهد المرصودة في اللغات السابقة للوصول إلى الأصل الأوّل لهذه الظاهرة في اللغة الساميّة الأُمّ إن وُجِد هذا الأصلُ.

*وصف الظاهرة:

          امتلكت ظاهرة (واو القلب) حضورًا كبيرًا في اللغة العبريّة دون سائر مجموعة اللغات الساميّة الشماليّة التي تُنسب إليها هذه الظاهرة، على مستوى الاستعمال وعلى مستوى التنظير والوصف. ثُمَّ إنّ هذا الحضورَ على مستوى الاستعمال يكاد ينحصر (بالاستناد إلى النصوص السابقة وغيرها) في العبريّة القديمة ، ولا تكاد العبريّة الحديثة تستعمل (واو القلب) إلّا في بعض الأساليب القصصيّة.

          وعلى مستوى التنظير والوصف تفرّدت أدبيّات اللغة العبريّة بتقديم وصفٍ دقيق لظاهرة (واو القلب) لا نكاد نجد له مثيلًا في سائر اللغات التي نُسِبتْ إليها هذه الظاهرة، على النحو الآتي:

1- تدخل واو القلب على الفعل المضارع فتقلب زمنه إلى الماضي، يقول (برجشتراسر): “وقد حافظت العبريّة على استعمال المضارع بمعنى الماضي محافظةً واسعةً، نحو: wayyiḳbor، أي: فقبَرَ، وأكثر ما يكون ذلك بعد واو العطف([9])، كما تدخل على الفعل الماضي فتقلب زمنه إلى المضارع، يقول (ربحي كمال): “قد تأتي واو العطف قبل الفعل الماضي فتقلب معناه إلى المستقبل، وقد تأتي هذه الواو قبل الفعل المضارع فتقلب معناه إلى ماضٍ، وتسمّى عندئذٍ واو القلب”([10]).

2- لا تؤثّر (واو القلب) على صيغة الفعل، فالمضارع يظل مضارعًا والماضي يظلّ ماضيًا، والقلب المقصود هو قلب الزمن لا قلب الصيغة، يقول أحد الباحثين: “توجد في كُلٍّ من اللغة الأوغاريتيّة واللغة العبريّة (واو) تُسمّى واوَ القلب، تقلب معنى الفعل دون أن تغيّر صيغته، كأنّ تجعل معنى المضارع ماضيًا وهو ما يزال بصيغة المضارع، أو تجعل معنى الماضي مضارعًا وهو ما يزال بصيغة الماضي”([11]).

3- هذه الواو تعمل عمل (لَمْ) في اللغة العربيّة من جانبين:

- الأوّل: قلب زمن الفعل، غير أنّها تختلف عن (لَمْ) في أنّها تدخل على المضارع وعلى الماضي، في حين أنّ (لَمْ) في العربيّة تدخل على المضارع فقط([12]) .

- الثاني: جزم الفعل المضارع، غير أنّها تختلف عن (لَمْ) في أنّها تجزم الفعل المضارع الأجوف بحذف عينه، والمعتلّ الآخِر بالهاء بحذف لامه، في حين أنّ وظيفة الجزم أوسع في (لَمْ) كما سيأتي معنا لاحقًا. يقول (ربحي كمال) عن هذه الواو إنّها: “تعمل عمل(لم) النافية في العربيّة من حيث قلب معنى الفعل المضارع إلى ماضٍ، ومن حيث جزم الفعل الأجوف بحذف عينه…كما يظهر هذا العمل عند دخول واو القلب على فعلٍ معتلّ الآخر بالهاء؛ إذ تُحذف لامه”([13]).

          ويمثّل (ربحي كمال) للمضارع المجزوم بـ(واو القلب) بحذف عينه بالفعل : wayāqām/وَياقام: ويقوم، المشتقّ من: qām/قام yāqūm/يَقُوْم، وللفعل المعتلّ الآخر بالهاء بحذف لامه بالفعل: wayiben/وَيِبن: ويبني، المشتقّ من: bānāh/باناه: بنى  yibneh/يِبْنه: يبني([14]).

          وبمقارنة (واو القلب) في العبريّة بـ(لَمْ) الجازمة في اللغة العربيّة في الكفاءة الوظيفيّة، يتبيّن لنا الآتي:

1- تتفوّق (واو القلب) العبريّة على (لَمْ) العربيّة في كفاءة القلب؛ لأنّها تقلب المضارع ماضيًا وتقلب الماضيَ مضارعًا، في حين أنّ نظيرتها العربيّة تقتصر على قلب المضارع ماضيًا فقط.

2- تتفوّق (لَمْ) العربيّة على نظيرتها العبريّة في كفاءة الجزم، ففي حين تنحصر كفاءة الجزم لـ(واو القلب) العبريّة في حذف عين الفعل المضارع الأجوف وفي حذف لام الفعل المضارع المعتلّ الآخر بالهاء، تتفوّق عليها نظيرتها العربيّة في كفاءة الجزم؛ إذ يمتدّ تأثيرها الجزميّ ليشمل حذفَ الحركة من لام المضارع الصحيح الآخر (لم يُسافِرْ)، وحذفَ لام الفعل المضارع المعتلّ الآخر (لَمْ يدْعُ، لَمْ يقْضِ، لَمْ يَسْعَ)، وحذفَ النون من آخر الأفعال الخمسة (لَمْ يحضرا، لَمْ يحضروا، لَمْ تحضريْ)، بلْ إنّ تأثيرها الجزميَّ يظهر في حذف حركة لام الفعل المضارع وحذف عينه إن كان أجوفَ (لَمْ يقُلْ، لَمْ يبِعْ).

 4- تغيّر (واو القلب) حركات الفعل الذي تدخل عليه، يقول (رمضان عبد التوّاب): “وقد عرفنا من قبلُ أن الواو القالبة تغيّر من حركات الفعل الذي تدخل عليه”([15]).

5- يُشترط في (واو القلب) أن تباشر الفعل حتى تؤدّيَ وظيفة قلب الزمن، فإذا فُصِل بينها وبين الفعل بفاصلٍ، أصبحت الواو مجرّد حرف عطفٍ، وبقي الفعل على دلالته الزمنيّة الأصليّة، يقول أحد الباحثين: “لا تُفصل واو القلب عن فعلها بأيِّ فاصلٍ، وإذا فُصلا، صارت الواو حرفًا للعطف”([16])، مثل: wloʼ šāfaṭ šāmar ، بمعنى: حَرَسَ وحَكَمَ ، ويقول آخر: “وفي حالة وجود أيّ كلمةٍ أُخرى بين الواو وصيغة الفعل…ارتدّ معنى الفعل إلى الزمن الأصليّ له”([17]).

5- تُشكَّل (واو العطف) بالفتحة القصيرة (البتاح/a) أو الطويلة (القماص/ā)([18])، وليس هذا مقام تفصيل هذه القضيّة ؛ لأنّ حركة (واو القلب)  لا تأثير لها على ظاهرة قلب الزمن.

*شواهد (واو القلب) في اللغات الساميّة التي نُسبتْ إليها هذه الظاهرة:        

          في حيّز اللغات الساميّة الشماليّة الغربيّة نجد أنّ شواهد (واو القلب) في نصوص العبريّة القديمة (العهد القديم) لا تكاد تُحصى كثرةً، وقد وقفتْ الدراسة على كثيرٍ منها، ومن هذه الشواهد، ما يأتي: wayizkor ʼǎlohīm et noḥa، والمعنى: “وذكر (ويذكر) الرب نوحًا /سفر التكوين 8/1″([19])، ومثل: wayēḇk wibinyāmin bākāh، والمعنى: “فبكى وبكى أيضًا بنيامين /سفر التكوين 45/14″([20])، ومثل: wzāĸartī ’et brītī: واذكر ميثاقي)، ومثل: wayyišlah  par‘oh: وأرسل فرعون)([21]).

          أمّا في العبريّة الحديثة، فيقتصر استعمال (واو القلب) على بعض الأساليب القصصيّة كما مرَّ بنا، “وقد أُعجب النُّحاة العبريّون بهذه الواو، وحثّوا الأُدباء المُحدثين على استعمالها، وخاصَّةً في مقام الحكاية المتّصلة”([22]).

          وعن شواهد (واو القلب) في الأوغاريتيّة يقول أحد المتخصّصين: “وقد عرفت الأوغاريتيّة كثيرًا من الأمثلة عن هذه الواو:

  1. hm. Nt. l. w. llkt. ’mk.

إذا الحثّيّ أتى سوف أرسل (رسائل) إليك.

  1. ṯ bin . w. pdyn (m) . ʼiwrk.l . mit . Ksp . byd . Birtym (k ? u) nt . lnn . l (h) m . tṯṯbn . ksp . ʼiwrk . wtb . lunṯhm . (UT : 1006) .

(وكان “Iwrkl” قد افتداهم بمائة قطعةٍ فضّيّةٍ من البيروتيّين؟ لأنه لم يكن لديهم قريب. وعندما يعيدوا الفضة إلى “Iwrkl” يعودوا إلى شعبهم”([23]).

          أمّا اللغتان المؤابيّة والفينيقيّة (من الفرع الكنعانيّ)  والبابليّة القديمة (من الفرع الأكاديّ)، فلم تورد المصادر التي نسبت ظاهرة (واو القلب) إليها شواهد لها في هذه اللغات، ولم تقف الدراسة أيضًا على شواهد لها فيها في حدود المُتاح من مظانّ هذه اللغات.

          وأمّا الآراميّة بلهجاتها المختلفة (وهي الفرع الآخر من فرعي مجموعة اللغات الساميّة الشماليّة الغربيّة)، فلم تُنسب إليها ظاهرة (واو القلب) أصلًا إلّا في الرأي الذي تفرّد به (التونجيّ) كما سيأتي معنا، ومع ذلك فلم تقف الدراسة على هذه الظاهرة فيها في المتاح من مظانّها.

          والذي ينبغي التنبيه عليه (ههنا) أمران:

- الأوّل: إنّ عدم عثور الدراسة على شواهد لظاهرة (واو القلب) في اللغات الساميّة التي نُسبت إليها الدراسة، لا يعني (بالضرورة) عدم وجودها حقيقةً في هذه اللغات؛ لأنّ عدم الوجدان لا ينفي الوجود.

- الثاني: ليس هدفُ الدراسة إثباتَ وجود ظاهرة (واو العطف) في اللغات التي نُسبتْ إليها؛ فقد كفتنا عناءَ ذلك الدراساتُ التي اقتبسنا منها هذه الشواهد وهي دراساتٌ متخصّصةٌ لأعلامٍ متخصّصين في الدراسات الساميّة، ومن ثمّ يكون ذكرنا لبعض شواهد هذه الظاهرة في هذه اللغات من باب استكمال وصفها، لا من باب إثبات صحّة الحكم بوجودها فيها؛ لأنّ هذا خارج أهداف البحث التي تتمثّل في هدفين رئيسيّين هما:

1- التحقّق من صحة الحكم بنفي وجود ظاهرة (واو القلب) خارج حيّز اللغات الساميّة التي نُسِبتْ إليها.

2- تأصيل ظاهرة (واو القلب) في حيّز اللغات الساميّة.

          ويتحقّق الهدف الأوّل من خلال الإجابة على السؤال الآتي:

*ألا توجد ظاهرة (واو القلب) في غير المجموعة الشماليّة (الغربيّة –الشرقيّة) من اللغات الساميّة؟

         وفي سياق البحث عن إجابةٍ لهذا السؤال، وقفت الدراسة على رأيٍ مغايرٍ لأحد الباحثين فحواه: “أنّ واو القلب (أو التحويل) موجودةٌ في آثار النصوص الساميّة القديمة، وهذا يُثبت أنّها ليست عبريّةً خالصةً  بل يُرجّح أن تكون عربيّةً أو آراميَّةً، اقتبسها اليهود أثناء تدوين التوراة”([24]).

          إنّ هذا الرأي يمثِّل معادلًا للرأي السابق الذي تبنّاه كثيرٌ من الدارسين فيما يُشبه (التواتر) ، وهو جديرٌ بحمل صفة (الغريب) قياسًا على (الحديث الغريب) في مصطلح الحديث من حيث كون الراوي فيهما واحدًا؛ إذ لم أجدْ من تبنّى هذا الرأي غير الدكتور (التونجي)، غير أنّه، على غرابته وفرادته، يظلُّ رأيًا قائمًا بذاته لا ينبغي تجاوزه، بلْ يجب إخضاعه مع الرأي السابق للدراسة والتحقيق لمعرفة الصحيح منهما من الخاطئ.

          لا أبالغ حين أزعم أنّ جذور اهتمامي بهذا الموضوع تعود إلى مرحلة (البكالوريوس) من الدراسة الجامعيّة، ففي هذه المرحلة بدأ شغفي برصد الظواهر اللغويّة في المحكيّة اليمنيّة، وكان ممّا استرعى انتباهي حينها استعمال صيغة المضارع في بعض محكيّات محافظة تعز اليمنيّة في سياق الحديث عن أحداثٍ وقعتْ في الزمن الماضي، ولم أتنبّه وقتها إلى سبق هذه الأفعال بـ(واو القلْب)؛ لأنني لم أكن (حينئذٍ) قد عرفت هذه الواو ووظيفتها، فلمْ أُعِر الظاهرة الاهتمام الكافي الذي تستحقًّه.

          وفي مرحلةٍ تاليةٍ من مراحل التحصيل العلميّ (وهي مرحلة الماجستير) اهتديت إلى معرفةٍ كاملةٍ بـ(واو القلب) في سياق دراسة اللغة العبريّة، فبدأتُ أربط بين ظاهرة (واو القلب) في العبريّة وشواهدها في المحكيّة، وبتوسُّع القراءة في أدبيات اللغات الساميّة بدأت ملامح الظاهرة تتّضح ، وتكشّفتْ أبعادٌ جديدةٌ لها، وتعدّدت مصادرها في حيّز اللغات الساميّة ومحكيّاتها، على النحو الآتي:

*في اللغة العربيّة الفصحى:

          تُعَدُّ ظاهرة قلب الزمن إلى زمنٍ آخر من الظواهر المعروفة في اللغة العربيّة الفصحى، وتُدرس هذه الظاهرة فيها في أبوابٍ مختلفةٍ من أبواب النحو، يُهمّنا منها (باب العطف)، في موضوع عطف الفعل على الفعل، ويلخِّص (السيوطيّ) (ت911ه) ظاهرة قلب الزمن في الأفعال المتعاطفة بقوله: “وما عُطِف على حالٍ أو مستقبلٍ أو ماضٍ، أو عُطِف عليه ذلك، فهو مثلُه؛ لاشتراط اتِّحاد الزمان في الفعلين المتعاطفين، نحو: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ۗ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌالحج: ٦٣”([25]).

          ويُفصِّل (عبّاس حسن) (ت1979م) ظاهرة عطف الفعل على الفعل بقوله: “ويُشترط لعطف الفعل على الفعل أمران: أوّلهما: اتّحادهما في الزمن، بان يكون زمنهما معًا ماضيًا أو حالًا أو مستقبلًا، سواءٌ أكانا متّحدين في النّوع (أي : ماضيين أو مضارعين)، أم مختلفين…ومثال اتّحادهما زمانًا مع اختلافهما نوعًا: عطف الماضي على المضارع في قوله تعالى بشأن فرعون: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ۖ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ﱠ هود: ٩٨، فالفعل (أورد) ماضٍ، معطوفٌ بالفاء على الفعل المضارع (يقدُم)، وهما مختلفان نوعًا، لكنّهما متحدان زمانًا؛ لأنّ مدلولهما لا يتحقَّق إلّا في المستقبل (يوم القيامة).

          ومثال عطف المضارع على الماضي، قوله تعالى : “تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا”الفرقان: ١٠…ثانيهما: اتّحادهما إن كانا مضارعين في العلامة الدالّة على الإعراب (من حركةٍ أو سكونٍ أو غيرهما)، ويتبع هذا اتّحاد معنييهما في النفي والإثبات”([26]).

          ومن شواهد عطف المضارع على الماضي أيضًا، قوله تعالى :ﱡ الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ”الأنفال: ٥٦، يقول أبو السعود(ت982ه): “ثم ينقضون عهدهم عطف على عاهدت داخل معه في حكم الصلة، وصيغة الاستقبال للدلالة على تجدد النقض وتعدّده وكونهم على نيته في كل حال”([27]).

          ويشير (عباس حسن) إلى قضيّة تحويل زمن الفعل المعطوف إلى زمن المعطوف عليه بقوله إنّ: “الفعل الماضي إذا عُطِفَ على المضارِع، أو العكس، يجب أن يتحوّل نوع الزمن في المعطوف إلى نوع الزمن في المعطوف عليه، بحيث يتماثلان”([28]).

          من العرض السابق، نستنتج ما يأتي:

1- إنّ عطف الفعل المتحوِّل زمنُهُ في العربيّة الفصحى يكون بالواو أو الفاء أو (ثُمَّ)، في حين أنّ عطف هذا الفعل نفسه في العبريّة يكون بالواو العاطفة فقط المسمَّاة (واو القلب).

2- إنّ شرط عطف الفعل على الفعل في العربيّة الفصحى هو اتّحادهما في الزمن، في حين أن شرط هذا العطف في العبريّة هو وقوعهما في سياقٍ تاريخيٍّ واحدٍ هو زمن القصّ والحكاية، والحقيقة أنّ الشرط في اللغتين واحدٌ، فاتّحاد الفعلين في الزمن هو نفسه وقوعهما في سياقٍ تاريخيٍّ واحدٍ.

3- هذه الواو (في العربيّة الفصحى وفي العبريّة) هي واو العطف، وزادتْ العبريّة بأن سمّتها (واو القلب).

4- إنّ تسمية (واو القلب) في العبريّة جاءت من تشبيهها بأداة الجزم (لَمْ) العربيّة التي تُسمّى أداةَ (جزمٍ وقلبٍ)، وهي تعمل الجزم في المضارع مثلها، غير أنّ بينهما فروقًا في الكفاءة الوظيفيّة (الجزم والقلب) أشرنا إليها سابقًا([29]).

5- تتّفق (واو القلب) العبريّة و (واو العطف) العربيّة في أنّهما تقلبان زمن الفعل الذي تدخلان عليه، وتختلفان في أنّ (واو القلب) العبريّة تجزم المضارع الذي تدخل عليه، في حين أنّ (واو العطف) العربيّة تُلحق المضارع المعطوف الذي تدخل عليه بالحكم الإعرابيّ للفعل المضارع المعطوف عليه رفعًا ونصبًا وجزمًا.

*في العربيّة الجنوبيّة:

          لا تخلو لغة النقوش العربيّة الجنوبيّة (اليمنيّة القديمة) من ظاهرة قلب الزمن، وقد رصدتْ بعض الدراسات شواهد من هذه الظاهرة، يقول (بيستون): “إن سُبِق المضارع بالواو ، فقد يدلُّ أحيانًا على حالةٍ تكون نتيجةً لزمنٍ ماضٍ متقدِّمٍ أو مصاحِبةٍ لهذا الزمن ، كما في : ṣdq ‘ṯtr w’lmqh ḥghmy wyhṯb mwy ḏhbhw rymn wykn fnwtmfnwtm wḏyrm ḏyrm (R 3945/2) :أدّى لعثتر و’lmqh فروضهما بإعادة تنظيم نظام السقاية لأرضه الغرينيّة المسمّاة rymn، بحيث يكون لها مصارف بديلة وحقول غرينيّة”([30])، ويقول أيضًا: “ويمكن للمضارع (أيضًا) أن يُستعمل للدلالة على تسلسل القصّ في أحداث الزمن الماضي ، كما في: wbʽdhw fyḏbʼn bʽlyhmw mlkn : j 577/11 : ومن ثمّ شنَّ الملك حملاتٍ عسكريّةً ضدّهم، ويكثُر هذا الاستعمال في نقوش المرحلة الوسيطة، حيث يرد في أكثر من اثني عشر نصًّا، أمّا فيما عدا ذلك، فهو نادرٌ”([31]).

          من العرض السابق يمكن تسجيل النتائج الآتية:

1- إنّ قلبَ الزمن في العربيّة الجنوبيّة  قاصرٌ على صيغة المضارع فقط التي يُقلب زمنها من الحال إلى الماضي، يظهر ذلك من خلال الشواهد المرصودة لهذه الظاهرة فيها.

2- استعملت العربيّة الجنوبيّة لقلب زمن المضارع حرفي العطف الواو (كما في الشاهد الأوّل)، والفاء (كما في الشاهد الثاني)، ولعلّ ذلك بتأثير العربيّة الفصحى.

*في المحكيّات العربيّة:

1-في المحكيّة اليمنيّة:

          يشيع استعمال واو القلب في بعض مناطق من محافظة تعز اليمنيّة، ففي بعض قرى مديريتي (المَواسِط والشِّمايَتَيْن) من محافظة تعز، تسمع أحدهم يقول وهو يحكي قصّة شجاره مع أحدهم: سَفَخْتُوْهْ ويَقْتَلِبْ ويَرْجَعْ يَبْكِيْ (صفعته ويسقط على الأرض ويصير يبكي= صفعته وسقط على الأرض وصار يبكي)، ويقول أحدهم  دَخَلْ محمّدْ شِذَاكِرْ وْيَرْقُدْ (دخلَ محمّد ليذاكر ويرقد/ وينام= دخلَ محمّد ليذاكر ورَقدَ/ونامَ).

          وفي قرية (العرسوم) وبعض القرى المجاورة في مديريّة (التعزيّة)، وكذلك في بعض قرى مديريّة (شرعب السلام) من محافظة تعز أيضًا يقولون: وَسْرَحْ = وَأَسْرَحْ (سَرَحْتُ/ذهبتُ)، ويقولون: وَسْرَحْ وَرْجَعْ = وَأَسْرَحْ وَأَرْجَعْ (سَرَحْتُ وَرَجَعْتُ) = ذهبتُ ورجعتُ.

          نستنتج مما سبق ما يأتي:

1- تستعمل المحكيّة التعزّيّة (واو القلب) لعطف الفعل المضارع، ولا يوجد فيها عطفٌ للفعل الماضي.

2- تختصّ محكيّة (قرية العرسوم) وما حولها وبعض قُرى (شَرْعَب السلام) في محافظة تعز باستعمال (واو القلب) استعمالين مغايرين:

- الأوَّل: استعمالها مع الفعل المضارع ابتداءً دون عطفٍ على فعلٍ سابق، مع قلب زمن هذا الفعل إلى الماضي، كما في المثال الأوّل.

- الثاني: استعمالها عاطفةً لفعلٍ مضارعٍ على فعلٍ مضارعٍ دخلت عليه (واو القلب) أيضًا، وكلاهما، أي: المضارع المعطوف والمضارع المعطوف عليه زمنُهما منقلبٌ إلى الزمن الماضي، كما في المثال الثاني.

2-في المحكيّة القطريّة:

          يمثّل (جونستون) للفعل الماضي والفعل المضارع في اللهجة القطريّة بشواهد من ضمنها قولهم:

“يُوْم وُصَلْ الْمِدْفَعْ، وِيِتْمَكّنْ مِنْ الْمِدْفَعْ: عندما وصل إلى المدفع وتمكن من المدفع.

عَمَلْ زَيْنْ وِيَضْرُبِهْ : صنع صنعًا حسنًا وضربه .

حطّ المِسْمَارْ فـِ عَيْنْ الْمِدْفَعْ ويِكْسَرِهْ : وضع المسمار في عين المدفع وقام بكسره”([32]).

          ويعقِّب المؤلّف في الهامش بقوله: “إنّ التركيب المذكور في المثالين الأخيرين هو ممّا يُذكِّرُ باستعمال (واو التتابع) في العبريّة. هذان المثالان من ضمن قصّةٍ مستمِرَّةٍ”([33])، ويشرح المترجم مصطلح (واو التتابع) الذي ورد في تعقيب المؤلِّف بقوله: “واو التتابع: هي واوٌ تأتي في جملةٍ متعدّدة الأفعال، فيكون أوّل هذه الأفعال بصيغة الماضي وبقيّة الأفعال بصيغة المضارع، وهي موجودةٌ في العبريّة القديمة وليس لها وجودٌ في العبريّة الحديثة”([34]) .

          نستنتج مما سبق :

1- أنّ المحكيّة القطريّة تستعمل (واو القلب) في عطف الفعل على الفعل في سياق القصّ.

2- أنّ (واو القلب) في المحكيّة القطريّة تُستعمل في عطف المضارع على الماضي (فقط) بحسْب الشواهد التي رصدها (جونستون).

          ومن مجمل الشواهد المرصودة لاستعمال (واو القلب) في المحكيّات العربيّة ، يُلاحظ أنّ واو القلب فيها إنّما تُستعمل مع المضارع فقط فتقلب معناه إلى الماضي، ولم تقف الدراسة فيها على استعمال واو القلب مع الماضي لقلب معناه إلى المستقبل.

* تأصيل ظاهرة (واو القلب):

          أشرنا سابقًا إلى وجود رأيين في حقيقة استعمال (واو القلب) في اللغات الساميّة، يذهب الأوّل إلى القول: إنّ هذه الواو من خصائص اللغات الساميّة الشماليّة (الغربيّة والشرقيّة)، وأنّها تبرز أكثر ما تبرز في العبريّة القديمة، وأنّها لم تُستعمل في سائر اللغات الساميّة الأخرى، وهذا الرأي تبنّاه جمعٌ كثيرٌ من الدارسين.

          ويذهب الرأيُ الآخر الذي تبنّاه الدكتور (محمّد التونجي) وحده إلى القول: إنّ هذه الواو لها وجودٌ في النصوص الساميّة القديمة وإنها ليست عبريّةً خالصةً، بل هي ذات أصلٍ عربيٍّ أو آراميٍّ، وإنّ العبريّة أخذتها عن هذا الأصل في مرحلة تدوين التوراة.

          فالرأيُ الأوّل (إذنْ) يُرجع أصلَ ظاهرة (واو القلب) إلى اللغات الساميّة الشماليّة (الغربيّة والشرقيّة) ، ويُرجِّح انتماءها للعبريّة القديمة ضمن هذه المجموعة اللغويّة الساميّة ، والرأي الآخر يرجّح كونها إمّا عربيّةً أو آراميّةً.

          أمّا دراستنا هذه فتستبعد الأصل الآراميّ لهذه الظاهرة؛ فالرأي الأوّل لم ينسب هذه الظاهرة إلى الآراميّة أصلًا، والرأي الثاني الذي نسبها إليها لم يرفدْنا بشواهد لهذه الواو في اللغة الآراميّة ولم يقدّم أي دليلٍ علميٍّ يؤيِّد فرضيّته هذه.

          والذي نذهب إليه في تأصيل ظاهرة (واو القلب) في اللغات الساميّة، أنّها من المشترك الساميّ وأنّها كانت موجودةً في اللغة الساميّة الأُمّ، وقد ورثتها عنها مجموعةٌ من اللغات الساميّة، هي: العبريّة والأوغاريتيّة والعربيّة الفصحى والعربيّة الجنوبيّة وبعض المحكيّات العربيّة كالمحكيّة اليمنيّة والمحكيّة القطريّة كما ثبت لنا من خلال الشواهد المرصودة في هذه اللغات والمحكيّات العاميّة، كما يُحتمل أن تكون قد ورثتها عنها أيضًا سائرُ اللغات الساميّة وإن لم نجد لها شواهد في هذه اللغات.

          وبالاستناد إلى قانون النموّ والتطوّر اللغويّ نستطيع القول: إنّ اللغة العربيّة لم تكتفِ بأخذ (واو القلب) عن الساميّة الأم، بلْ طوّرتْ وسائل وأدواتٍ أخرى كثيرةً لقلب الزمن، على الوجه الذي بيّنّاه آنفًا.

*خاتمة البحث ونتائجه:

          من أهم النتائج التي خرجت بها الدراسة من مقاربة موضوع (واو القلب) في اللغات الساميّة، ما يأتي:

1-إنّ (واو القلب) ليست من خصائص مجموعة اللغات الساميّة الشماليّة (الغربيّة والشرقيّة)، بل هيّ ظاهرةٌ لغويّةٌ ساميّةٌ مشتركةٌ في اللغات الساميّة ومحكيّاتها.

2-اللغات الساميّة التي استعملتْ (واو القلب) وفيها شواهد مرصودةٌ عليها، هي: العبريّة والأوغاريتيّة والعربيّة الفصحى والعربيّة الجنوبيّة، فضلًا عن المحكيّتين اليمنيّة والقطريّة.

3-لم تُورد المصادر شواهد لواو القلب في البابليّة القديمة والفينيقيّة والمؤابيّة والآراميّة، ولم تقف الدراسة أيضًا على شواهد لها فيها في حدود المصادر المتاحة.

4-لاحظت الدراسة (من خلال الشواهد المرصودة) أنّ (واو القلب) تقلب زمن المضارع إلى الماضي والماضي إلى المضارع في كُلٍّ من اللغتين العبريّة والعربيّة الفصحى، وأنّ هذه الواو تقلب زمن المضارع إلى الماضي فقط في: الأوغاريتيّة والعربيّة الجنوبيّة وفي المحكيّتين اليمنيّة والقطريّة.

5-تؤدي (واو القلب) العبريّة و(واو العطف العربيّة) وظيفة إعرابيّةً في اللغتين العبريّة والعربيّة فقط، غير أنّ هذه الوظيفة الإعرابيّةَ في العبريّة تقتصر على جزْم الفعل المضارع المعطوف بها بحذف عينه إن كان أجوفَ، وبحذف لامه إن كان معتلّ الآخر بالهاء، في حين أنّ وظيفة (واو العطف) في اللغة العربيّة الفصحى إلحاقُ المضارع المعطوف بها بالمضارع المعطوف عليه في الحكم الإعرابيّ رفعًا ونصبًا وجزمًا، لكنّها لا تؤدّي وظيفة قلبَ الزمن في هذه الحالة.

6-جاءت تسميّة (واو القلب) في العبريّة من تسميّة (لَمْ) في العربيّة بأداة جزمٍ وقلبٍ فكلتاهما تقلب الزمن، غير أّنّ بينهما فروقًا في الكفاءة الوظيفيّة، فـ(واو القلب) العبريّة تتفوّق على نظيرتها العربيّة في كفاءة القلب، فهي تقلب الزمن الماضي إلى الزمن المضارع والزمن المضارع إلى الزمن الماضي، في حين تقتصر وظيفة (لَمْ) العربيّة على قلب الزمن المضارع إلى الزمن الماضي.

          وتحقق الأداة العربيّة (لَمْ) تفوّقًا على نظيرتها العبريّة (واو القلب) في كفاءة الجزم، ففي حين تقتصر الأداة العبريّة على جزم المضارع الأجوف بحذف عينه والناقص بحذف لامه إن كانت لامُهُ هاءً، تجزم (لَمْ) العربيّة المضارع الصحيح الآخر بحذف حركته، وتجزم المضارع الناقص بحذف حرف العلّة، وتجزم المضارع الأجوف بحذف عينه وحذف حركة لامه، وتجزم المضارع إذا كان من الأفعال الخمسة بحذف نونه.

7-شرط استعمال (واو القلب) لعطف الفعل على الفعل في العبريّة هو وقوعهما في سياقٍ تاريخيٍّ واحدٍ، وشرط هذا الاستعمال في العربيّة الفصحى هو اتّحادهما في الزمن، ومدلول الشرطين واحدٌ في اللغتين.

8-ابتكرت العربيّة الفصحى أدواتٍ جديدةً لقلب الزمن غير الواو منها (في باب العطف): الفاء وثُمّ، وأدواتٍ أخرى تُدرس في أبوابٍ مختلفةٍ من أبواب النحو العربيّ.

9-استعملت العربيّة الجنوبيّة لقلب زمن المضارع حرفي العطف (الواو والفاء)، ويبدو أنّها أخذتهما عن العربيّة الفصحى.

10-اختصّتْ محكيّة قرية (العُرْسُوْمْ) وما جاورها من قرى مديريّة التعزيّة، وكذلك بعض قرى مديريّة (شرعب السلام) في محافظة تعز اليمنيّة باستعمال (واو القلب) استعمالين خاصّين:

- الأوَّل: استعمالها مع الفعل المضارع ابتداءً دون عطفٍ على فعلٍ سابق مع قلب زمنه إلى الزمن الماضي.

- الثاني: استعمالها عاطفةً لفعلٍ مضارعٍ على فعلٍ مضارعٍ دخلت عليه (واو القلب) أيضًا، مع قلب زمن الفعلين إلى الزمن الماضي.

11-إنّ هذه الظاهرة أصيلةٌ في اللغة الساميّة الأمّ، أخذتها عنها اللغات الساميّة التي تفرّعت عنها.

 (مصادر الدراسة ومراجعها)

1-القرآن الكريم، برواية حفص عن عاصم.

2-إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم: أبو السعود محمّد بن محمد العمادي، دار إحياء التراث العربيّ، بيروت، لبنان، بدون طبعة وبدون تاريخ.

3-تاريخ اللغات الساميّة: إسرائيل ولفنستون، مطبعة الاعتماد، القاهرة، مصر، ط1، 1348ه-1929م.

4-التطوّر النحوي للغة العربيّة: برجشتراسر، ترجمة: رمضان عبد التوّاب، مكتبة الخانجي، القاهرة، مصر، ط4، 1423ه-2003م.

5-دراساتٌ في لهجات شرقيّ الجزيرة العربيّة: ت.م.جونستون، ترجمة وتقديم وتعليق: أحمد محمّد الضُّبيب، الدار العربيّة للموسوعات، بيروت، لبنان، ط2، 1983م.

6-دروس في اللغة العبريّة القديمة من خلال نصوص التوراة: سلوى غريسة، مركز النشر الجامعي، تونس، 2004م.

7-دروس اللغة العبريّة: ربحي كمال، مطبعة جامعة دمشق، سوريا، ط2، 1383هـ-1963م.

8-فقه العربيّة المقارن، دراساتٌ في أصوات اللغة العربيّة وصرفها ونحوها على ضوء اللغات الساميّة: رمزي منير بعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، 1999م.

9-فقه اللغات الساميّة: كارل بروكلمان، ترجمة: رمضان عبد التوّاب، مطبوعات جامعة الرياض، 1397ه-1977م.

10-في قواعد الساميّات العبريّة والسريانيّة والحبشيّة مع النصوص والمقارنات: رمضان عبد التوّاب، مكتبة الخانجي، القاهرة، مصر، ط2، 1403ه-1983م.

11-في النحو المقارن بين العربيّة والعبريّة: سيّد سليمان عليان، الدار الثقافية للنشر، القاهرة، مصر، ط1، 1423ه-2002م.

12-قواعد اللغة الأوغاريتيّة: إلياس بيطار، منشورات جامعة دمشق، 1411-1412هـ ، 1991-1992م.

13-قواعد اللغة العبريّة: رشاد الشامي، ط2، القاهرة، 1997م.

14-قواعد اللغة العبريّة: عوني عبد الرؤوف، الهيئة العامة للكتب والأجهزة العلميّة، مطبعة جامعة عين شمس، القاهرة، مصر، 1971م.

15-قواعد النقوش العربيّة الجنوبيّة (نقوش المُسند): الفرد بيستون، ترجمة: رفعت هزيم، مؤسسة حمادة للخدمات الجامعيّة، إربد، الأردن، 1995م.

16-اللغة العبريّة وآدابها: محمّد التونجي، دار الجليل للطباعة والنشر، دمشق، سوريا، ط2، 1983م.

17-النحو الوافي: عباس حسن، دار المعارف، القاهرة، مصر، ط3، 1966م.

18-همع الهوامع في شرح جمع الجوامع: جلال الدين السيوطيّ، تحقيق: أحمد شمس الدين، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، ط1، 1418ه-1998م.

([1]  ) تاريخ اللغات الساميّة: إسرائيل ولفنستون، مطبعة الاعتماد، القاهرة، مصر، ط 1، 1348ه-1929م: 16.

([2]  ) فقه اللغات الساميّة: كارل بروكلمان، ترجمة: رمضان عبد التوّاب، مطبوعات جامعة الرياض، 1397ه-1977م: 113.

([3]  ) دروس اللغة العبريّة: ربحي كمال، مطبعة جامعة دمشق، سوريا، ط2، 1383هـ-1963م: 126.

([4]  ) قواعد اللغة الأوغاريتيّة: إلياس بيطار، منشورات جامعة دمشق، 1411-1412هـ ، 1991-1992م: 187.

([5]  ) دروس في اللغة العبريّة القديمة من خلال نصوص التوراة: سلوى غريسة، مركز النشر الجامعي، تونس، 2004م: 60 ، 61.

([6]  ) قواعد اللغة العبريّة: رشاد الشامي، ط2، القاهرة، 1997م: 168.

([7]  ) في النحو المقارن بين العربيّة والعبريّة: سيّد سليمان عليان، الدار الثقافية للنشر، القاهرة، مصر، ط1، 1423ه-2002م: 85 ، 86.

([8]  ) فقه العربيّة المقارن ، دراساتٌ في أصوات اللغة العربيّة  وصرفها ونحوها على ضوء اللغات الساميّة: رمزي منير بعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، 1999م.: 250.

([9]  ) التطوّر النحوي للغة العربيّة: برجشتراسر، ترجمة: رمضان عبد التوّاب، مكتبة الخانجي، القاهرة، مصر، ط4، 1423ه-2003م: 26.

([10]  ) دروس اللغة العبريّة: ربحي كمال: 126.

([11] ) قواعد اللغة الأوغاريتيّة: إلياس بيطار: 187.

([12] ) يُنظر : قواعد اللغة الأوغاريتيّة: إلياس بيطار ، هامش الصفحة: 187.

([13]  ) دروس اللغة العبريّة: ربحي كمال: 241.

([14]  ) المصدر السابق: 241.

([15]  ) في قواعد الساميّات العبريّة والسريانيّة والحبشيّة مع النصوص والمقارنات: رمضان عبد التوّاب، مكتبة الخانجي، القاهرة، مصر، ط2، 1403ه-1983م: 118.

([16]  ) اللغة العبريّة وآدابها: محمّد التونجي، دار الجليل للطباعة والنشر، دمشق، سوريا، ط2، 1983م.: 117.

([17]  ) قواعد اللغة العبريّة: عوني عبد الرؤوف، الهيئة العامة للكتب والأجهزة العلميّة، مطبعة جامعة عين شمس، القاهرة، مصر، 1971م: 63.

([18]  ) المصدر السابق: 63.

([19]  ) في النحو المقارن بين العربيّة والعبريّة: سيّد سُليمان عليان: 87.

([20]  ) المصدر السابق: 87.

([21]  ) يُنظر: دروس اللغة العبريّة: ربحي كمال: 126، وللاستزادة من هذه الشواهد يُنظر: في قواعد الساميّات العبريّة والسريانيّة والحبشيّة مع النصوص والمقارنات: رمضان عبد التوّاب: ص/113، 114، 117، 118، 119، 120،  122، 124، 127.

([22]  ) اللغة العبريّة وآدابها: محمّد التونجي: 117.

([23]  ) قواعد اللغة الأوغاريتيّة: إلياس بيطار: 187.

([24]  ) اللغة العبريّة وآدابها: محمّد التونجي: 117.

([25]  ) همع الهوامع في شرح جمع الجوامع: جلال الدين السيوطيّ، تحقيق: أحمد شمس الدين، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، ط1، 1418ه-1998م: 1/36.

([26]  ) يُنظر : النحو الوافي: عباس حسن، دار المعارف، القاهرة، مصر، ط3، 1966م: 3/ 641-643.

([27]  ) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم: أبو السعود محمّد بن محمد العمادي، دار إحياء التراث العربيّ، بيروت، لبنان، بدون طبعة وبدون تاريخ: 4/30.

([28]  ) يُنظر : النحو الوافي: عباس حسن: 1/ هامش الصفحة: 59.

([29]  ) في الصفحة: 6،5 من هذا البحث.

([30]  )  قواعد النقوش العربيّة الجنوبيّة (نقوش المسند): الفرد بيستون، ترجمة: رفعت هزيم، مؤسسة حمادة للخدمات الجامعيّة، إربد، الأردن، 1995م: 34.

([31]  ) المصدر السابق: 34.

([32]  ) دراساتٌ في لهجات شرقيّ الجزيرة العربيّة: ت.م.جونستون، ترجمة وتقديم وتعليق: أحمد محمّد الضُّبيب، الدار العربيّة للموسوعات، بيروت، لبنان، ط2، 1983م: 314.

([33]  ) يُنظر: المصدر السابق: هامش الصفحة: 314. وكذلك التركيب المذكور في المثال الأوّل هو-أيضًا- ممّا يذكِّر باستعمال واو التتابع في العبريّة: يوم وُصَلْ…وِيِتْمَكَّنْ…

([34]  ) يُنظر: المصدر السابق: هامش الصفحة: 314 أيضًا.

 
Updated: 2018-12-06 — 14:37

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme