واقع السياحة الدولية في البلاد العربية / عادل الوشاني


 واقع السياحة الدولية في البلاد العربية.

د. عادل الوشاني.أستاذ مساعد. جامعة قابس، تونس.

    مقال نشر في مجلة جيل الدراسات السياسية والعلاقات الدولية العدد10 ص 93.

    ملخص الدراسة:

حاولنا خلال هذه الدراسة أن نتبيّن واقع السياحة الدولية في البلاد العربية، هل هي مدخل للتبادل المتكافئ أم آلية أخرى للهيمنة الغربية على البلاد العربية. هذه الإشكالية بالغة التعقيد و التشعب و من الصعب دراسة كل أبعادها في دراسة محدودة في كمّها، لذلك فقد توخينا منهاجية المشاهد المتفرقة ذات المضامين المختلفة و التي تعطي عند تركيبها في إطار واحد لوحة بحثية متجانسة و مقبولة الوضوح للأبعاد المختلفة للظاهرة المدروسة. المشهد الأول عالجنا فيه، سيميولوجيّا، المضامين الدلالية للصورة الإشهارية السياحية. المشهد الثاني درسنا فيه واقع التفاوض بين الحكومات الوطنية و الوكالات العالمية للسياحة، هل هو ندّيّ أم إملائي خضوعي؟.أما المشهد الثالث فقد بينا فيه انعكاسات الكم، أي عدد السياح،  على المناوايل التنموية السياحية في البلدان العربية….

الكلمات المفاتيح:

السياحة الدولية. الوكالات العالمية للسياحة. البلدان العربية. الاشهار السياحي. التبادل اللامتكافئ. التماس الثقافي…

أهداف الدراسة:

إن السياحة هي عنصر هيكلي هام في أغلب اقتصادات البلدان العربية، إنها قطاع لا مفرّ منه، و مع ذلك فهي بقيت مغيبة عن الاهتمامات البحثية و خاصة في مجال علم الإجتماع، ربما لارتباطها بشبكة من الإحراجات كالنمط التنموي و التبادل الدولي و علاقة الأنا بالآخر. لقد تعامل المتنفذون مع هذه الظاهرة على أنها اقتصادية بحتة، أما آثارها الثقافية و الاجتماعية و الحضارية فقد بقيت خارج حيز البرمجة و التخطيط و الحال أن هذه الآثار جديرة بالاهتمام لأنها تتصل بواحدة من أهم القضايا و هي التماس الثقافي و انعكاساته على هويتنا الحضارية. ضمن هذا الإطار العام تتنزل  هذه الدراسة، و هي تهدف إلى تجلية بعض آثار السياحة الدولية في البلاد العربية و من ثمة التنبيه الى أن التخطيط للقطاع السياحي و البرمجة له يجب أن يكون أكثر شمولية      و إحكاما بأن يراعي، إلى جانب الاعتبارات الاقتصادية، الاعتبارات الثقافية و الاجتماعية و الحضارية.

      تقديم

إن السياحة الدولية في البلاد العربية هي ظاهرة ذات وجه و قفا حقيقيين.يشمل الوجه حضورا للغرب في البلاد العربية مغايرا تماما لتجربتها التاريخية معه، فهو ليس مستعمرا يستنزف الطاقات و يستغل الخيرات و إنما هم سائح يستكشف البلاد و يتعرّف على العباد في إطار من التفاعل المباشر المتسم بالعفوية و الحرية و الانطلاق بلا إضمار سوء و بلا استعلائية و استكبار و إنما بندية و حتى بحميمية. إن التفاعل بين الثقافتين الغربية و العربية كما يصوره هذا المشهد متكافئ تماما بل و يتعداه الى نوع من الرومانسية التفاعلية بينهما، من هنا اعتبر البعض السياحة الدولية فرصة لا يجب أن تضيع للتقريب بين الثقافات و تمتين الحوار بينها. هذا المشهد الإيجابي تروج له الجهات المتغذية مصالحها من تغييب قفاه مثل تقرير منظمة السياحة الدولية و الاعلام الدعائي للوكالات العالمية للسياحة و حتى الاعلام الرسمي للبلاد العربية…هذا المشهد الواجهة يغيب كما أسلفنا القفا و يحول بالتالي دون عمق الرؤية لما يجري فماذا نقرأ في هذا القفا؟[1]

إن حدود الدراسة في كمها، مع أهمية الإشكالية المطروحة و تشعبها و تعقدها اضطرنا الى توخي منهاجية المشاهد المتفرقة ذات المضامين المختلفة و التي تعطي عند تركيبها في إطار واحد لوحة بحثية متجانسة و مقبولة الوضوح للأبعاد المختلفة للظاهرة المدروسة. و فيما يلي المشهد الأول و عنوانها:

  1. المضامين الدلالية للصورة الإشهارية السياحية: قراءة سيميولوجية.

إن الصورة الاشهارية لوجهة سياحية  معينة تحمل قيما محددة و هي تستقصد جمهورا معينا و تعمل على اثارة انفعالات معينة لديه. ان الهدف النهائي لهذه الصورة اقتصادي محض و يتمثل في تحفيز السياح على زيارة هذه الوجهة و تجييش نهم استهلاك معروضاتها و ذلك لتحقيق الربح و مراكمة الفائض …فخبراء الاشهار السياحي لا تعنيهم مضامين الصورة في حد ذاتها و إنما يعنيهم ما تثيره هذه المضامين من مشاعر و انفعالات محركة للإستهلاك و محفزة عليه .و بالتالي فإن مضامين الصورة ليست اعتباطية و إنما هي مختارة على أساس معرفة    دقيقة بالجمهور المستهدف و انتظاراته و رغباته و نزواته و توقع شبه مؤكد لردود فعله…هذه الفرضية اشتغلنا عليها من خلال معالجة سيميولوجية لثلاثين صورة إشهارية للسياحة في تونس( اخترناها من كتيبات الإشهار السياحي و المطويات الإشهارية للنزل و البطاقات البريدية carte postale…)حيث  قمنا بدراسة تحليلية تأويلية لبعض هذه الصور، و انتهينا إلى نتائج هامة نوردها وفق الضبط المنهجي التالي: نعرض كل مرة 3 صور على حده( نختارها قصديا، و لا نرى في ذلك خللا منهجيا باعتبار أنها تنتمي إلى نفس المنظومة الاشهارية) ثم  نحاول أن نرسمها بالكلمة و أخيرا نحلل مضامينها.

الصور الثلاث الأولى.

الصورة عدد1:

شاب بملامح عربية يراقص، في مرقص صاخب، سائحة مسنة رقصة تلاحمية…الجسد يلامس الجسد…

الصورة عدد2:

سائحة مسنة و شاب (خيّال) يمتطيان معا صهوة حصان، هي أمامه و هو وراءها …جسده ملتحم بجسدها…

الصورة عدد3:

مقهى سياحي عامر برواده، و من بين رواده شاب بملامح عربية بينة، يجالس سائحة مسنة…

هذه الصور الملمحة لعمق التفاعلات الحميمية و تداعياتها الممكنة تصيب حيث يجب الإصابة، إذ أنها تستجيب لانتظارات عدد ثقيل من  السائحات المسنات، فتعيد فتح أعماقهن الأنثوية في إغوائية المشهد المصوّر نفسه، و تعد بتلميحاتها الجنسانية باتصالية جنسية ترجّع روق الشباب و عنفوانه و ميعته Fleur de la jeunesse [2].

إن فنّيّي الإشهار السياحي، بما هم خبراء في الأحلام و الشوارد الرغبية،[3] يدركون جيدا احتياجات جمهورهم  و انتظاراته، حتى الساكن منها في اللاشعور، فيعملون على تحقيق هذه الانتظارات و الرغبات و النزوات         و الشوارد الرغبية في المشهد المصوّر، مما يعد بإمكانية تحقّقها بالفعل.إن الإشهار يعد بالاتصال                   و الاحتكاك و الحرارة و الرفاهة العاطفية و الحب المفرط و الجنس العميق و الانفاق الحسّي السخيّ…و هي قيم هجرت الميدان الاجتماعي الغربي الذي شهد حالة من التفتيت الذري  و الانفجار النووي الذي مسّ قلب حياته الاجتماعية[4]…و إن أمكنة أخرى و مجتمعات أخرى و أقواس زمنية نوعية أخرى مهيأة لتحقيق هذه الانتظارات و إشباع هذه الاحتياجات التي لم يعد ممكنا مجرّد انتظارها في الحياة الاجتماعية العادية، دعك من الاستجابة لها و إشباعها. إن هذه الأمكنة الأخرى و هذه المجتمعات الأخرى هي المجتمعات السياحية النامية و إن الزمن الأخر هو الزمن السياحي…و عليه فإن المجتمعات السياحية النامية ،خلال العطلة السياحية، تحقق للسياح الإشباع الذي صعب و بات متعذّرا و حتى غير ممكن  تحقيقه في مجتمعات الأصل.

و بخصوص المسنات فإن مجتمعاتهن، بما تمارسه من عبادة الشباب ضمن ما يسميه رولان بارط بالعنصرية الشابة، فإنهن ينزلقن ببطء خارج الميدان الرمزي، و تتقلص علاقاتهن الاجتماعية العاطفية، و تتنازل يوما بعد يوم قيمتهن الاجتماعية. إنهن يعشن حالة من التناقض الحاد و التدميري بين صورة الذات لديهن  و بين صورتهن عند الآخرين و هو ما يزعزع كيانهن. فهن بالنسبة إلى أنفسهن ذوات لها رغباتها و آمالها و طموحاتها أي لها مستقبلها، أما بالنسبة إلى الآخرين فهن ذوات بدون آفاق، تالفة و عديمة الفائدة، و ليس لها سوى ماضيها. هذا التناقض الحاد بين الصورتين عبرت عنه “سيمون دي بوفوار” بعمق منجرح بقولها “أنا أصبحت شخصا آخرا في حين أني مازلت أنا نفسي.[5]  في هذا الواقع الكارب و الملغي و المهمش للمسنات، تفتح آلة الإشهار السياحي لهنّ إمكانية واقعية لتحقيق التماسك الذّاتي وسط التدمير و ذلك بأن تروّج صورا إشهارية تعد و تبشّر باتصالية اجتماعية عاطفية رومانسية منكحية…يمكن أن تتحقق و لكن في أطر اجتماعية مغايرة حيث يضطر فيها الفقر الفقراء إلى تأمين معاشهم من اللاشيء و باستثمار كلّ شيء بما في ذلك طاقاتهم الحيوية          و عنفوانهم. إن هذه الصور تعيد بناء صورة الذات عند السائحات المسنات بما تؤكّد عليه من امكانية القيام بعمل رغائبي غرائزي على الجسد يعيد له الرونق و اليفاعة في زمن ذبوله و يبسه و ذهاب نضارته …

إننا هنا في سياق الطموح الحداثي و المقولة الشهيرة الشائعة “إفعل ذلك” ” Do it” و مضمون هذا الطموح أنه لكي تقضّي شيخوخة آمنة من كل تهديد، و لكي تطيل حياتك للحدّ الأقصى تناول هذه الفيتامينات و تلك الأملاح المعدنية و تلك الحبوب و هذه الأنواع من الأغذية و تلك الماكس إيبي Max Epi التي تحمي من الحوادث القلبية و هذه البيتاكاروتين التي تؤخر شيخوخة الخلايا[6] و مارس تلك الرياضة و تنفس بتلك الطريقة و افتح قوسين تنفتح لك فيها كل الممكنات و تمارس فيها كل ما تشاء بدون تحفظ اجتماعي و لا أحكام معيارية قيمية …  هذان القوسان هما رحلة سياحية إلى واحدة من البلدان الفقيرة حيث  البيئة الاقتصادية و الاجتماعية العامة هي بيئة إستجابية و إشباعية…و حيث يمثل الشباب، المحروم و المفقّر و المكبوت معا، مادة اجتماعية سهلة و مطواعة للتعويض و التفريغ و التصعيد و التحويل النزوي الغرائزي …إن علاقات منكحية حقيقية تتكوّن بين الشباب المرتاد للنزل و العاملين فيها و على هامشها و بين السائحات المسنات الباحثات عن التعويض. إن هؤلاء الشباب ينشدون من وراء كل اتصالية ممكنة و متاحة  مع السائحات، بما فيهن المسنات على قدر المساواة من حميمية التفاعل مع الشابات، الجنس و المال و العطايا و حتى الزواج المختلط المخول للهجرة إلى أوروبا، أي يبحثون عن حلول فردية لمغالبة الكبت الجنسي و التهميش الاقتصادي. أما تلك المسنات فإنهن ينشدن الحب و الجنس عند آخر سهل  و مطواع يغالبن به الإقصاء الاجتماعي و العاطفي.

و يتحقق التبادل و لكنه تبادل غير متكافئ، فما يجنيه هؤلاء الشباب هو عينه ما تخسره تلك السائحات المسنات و العكس صحيح. غير أنه سيان بين هذا الكسب و ذاك و بين هذه الخسارة و تلك. فجنسانية هؤلاء الشباب هي حب بدون حب، إذ لا يعايشون أثناءها ذواتهم كفاعلين إيجابيين و كمفعلين أحرار لطاقاتهم الحيوية، فهم مغتربون عن هذه الطاقات لأن هدفهم هو بيعها بأغلى ثمن ممكن، و من ثمة فإن إحساسهم بذواتهم أثناء هذه الجنسانية لا ينبع من نشاطهم كعشاق و كمتلذّذين و إنما ينبع من فعلهم التربحي. لقد أصبحت أجسادهم و حيوياتهم رأس مال يجب عليهم استثماره بنجاح من أجل أن يحققوا كسبا ماديا، و هذا ما ينحدر بهم إلى مستوى الشيء البضاعة، و يغربهم عن طبيعتهم الإنسانية، و مقابل هذا الاغتراب يكسبون من هذه الجنسانية الزائفة المال و حتى الثراء…أما السائحات المسنات فإن الجنس بالنسبة إليهن ليس حالة عاطفية انفعالية منشودة لذاتها، و إنما هو امكانية لتفعيل الشعور و إحياء الحس و إنعاش الجسد بعيدا عن مجتمع يلغي الشيوخ لحساب عنصرية شابة، و مقابل ذلك ينفقن أموالهن . فهل بحساب الربح و الخسارة يستوي من ينفق ماله لشراء حيوية الآخر  و شبابه مع من يبيعهما؟. بمعنى هل يستوي من يلغي ذاته في زمن انطلاقها نحو الاثبات مع من يثبت ذاته في زمن انطلاقها نحو الالغاء؟ لا يستويان …غير أنه التبادل اللامتكافئ ضمن المنطق الخضوعي الاستتباعي لسياحة الطلب.

هذه قراءتنا السيميولوجية لنص الصور الإشهارية الثلاث الأولى. و إذ نقول نصّا فلاعتقادنا بأن الصورة هي فعلا مثل النص تحتمل التفكيك و التركيب   و التحليل و التأويل، و هي مثله منفتحة على تعدد القراءات،    و أن بنيتها الدّلالية الكبرى ، بما تتضمنه من إيحاءات و علامات و رموز و دلالات، يمكن أن تتغير قراءتها من قارئ  إلى آخر…فيما يلي ثلاث صور/ نصوص، ثانية، نبحث عن معانيها و قصديات منتجيها.

الصور الثلاث الثانية:

الصورة عدد1            

صورة فوقية بانورامية لأحد النزل…بنيان هذا النزل  و هندسته أقرب إلى القصور الفخمة بالغة الترف لأصحاب النفوذ و السلطة و الجاه…حدائق غناء…مسابح …مرابض خيل…ملاعب تنس…ملعب صولجان…

الصورة عدد2:

مطعم في نزل …مأدبة banquet طويلة … أصناف طائلة من المأكولات البذخة و المشروبات الكحولية…عدد كبير من النّدل الذين  يرتدون زيا رسميا موحدا واقفين رهن الإشارة لتقديم الخدمات.

الصورة عدد3:

شاطئ ممتدّ …سياح في حالة استرخاء كامل  على أرائك استرخائية …أو على الأرض متمدّدين على بطونهم أو على ظهورهم …تحت مظلات شمسية كبيرة …يتسفعون في تلاش جسديّ هادئ و ناعم و عميق لا يشوبه همّ و لا يفسده كدر…

هذه الصور الكثيفة بالمعاني و المفعمة بالدلالات، قرأناها من زوايا دلالية مختلفة و ذلك لسبر أغوار دلالاتها فانتهينا إلى بنى دلالية متنوّعة و نظم تواصلية مختلفة يمكن قراءتها على النحو التالي:

  • قراءة أولى:

إن هذه الصور الحسّيّة اللّذّيّة الإستمتاعيّة تكثف الوعد بالمتعة و الرفاه  و الترف …أي تكثف صور الوجود  و الحياة و تبعد أفكار الموت و العدم. و هي موجهة إلى مستهلك ينتمي إلى ثقافة مادية ترفض فكرة الموت و تعمل على إخضاعه و كبت فكرته و إقصائه من الحضور في التفكير، لما يثيره من رهبة و رعب … و ذلك بتكثيف الحياة و العيش. كما تعد هده الصور بالرفاه الزائد و اللذة العارمة و النشاط الجامح … و هي جميعها ممارسات هدفها التلذذ الأكبر و الاستمتاع الأقصى و التنعّم الأفضل بالحياة و إشباع الحاجات المادية الغرائزية إلى ما لانهاية …كما تدعو إلى الإستسلام الكامل للذّات المادية و الإنصات الاشباعي الدّقيق لشهواتها و رغباتها و تهويماتها و شواردها و ذلك بغرض نفي الموت و تعميق الشعور بالحياة و الكينونة [7]و إعادة إنتاج الأمن الوجودي و تبديد القلق العائم المرتبط بعدم الثبات و النقصان …

إن الصورة  التي ترسمها هذه  الصور و الرسالة التي ترسلها هو أن هذه الحياة ليست مشفوعة بالضرورة بشيء آخر بعدها، و أنما هي الرحلة الوجودية الكاملة في مبتداها و منتهاها، و أن الجنة بما تعنيه من نعيم مطلق متجسد في الحدائق الغناء و في القصور الفارهة  المترفة و في نمط  الوجود القائم على البذخ و المتعة و الرفاه و الراحة و اللعب…إنما هي موجودة هاهنا في النزل و هي في متناول من ينزل بها. و حتى الآلهة موجودون ها هنا، و أن هذه النزل قصورهم و جناتهم .[8]

فالكثير من النزل تحمل أسماء الآلهة كإيزيس ربة القمر و الأمومة لدى القدماء المصريين، و تانيت الآلهة القرطاجية رمز الأمومة والخصب والنماء وازدهار الحياة و  أوزوريس إلاه البعث و الحساب عند قدماء المصريين،     و أوليس ملك أنتاكا الأسطوري، و تيليماك ابن أوليس،  و بينيلوب زوجة أوليس…

إن هذه  المعاني و الدلالات الثقافية المتصلة بالمسألة الروحية تخدم البعد الاستهلاكي السياحي كونها تتنزّل في سياق إشهاري. و لكن هذا السياق الاشهاري نفسه يتنزّل هو الآخر في سياق أوسع و هو السياق الثقافي لدول الاستقبال. و هنا ينفتح باب آخر للتحليل:

إن كثيرا من مجتمعات الاستقبال التي تروج فيها مثل هذه الصور الاشهارية ذات المعاني و الرسائل الثقافية المادية الزمنية هي مجتمعات ذات ثقافة روحية دينية تنظر إلى مسائل الحياة و الموت و الوجود و العدم نظرة مغايرة تماما. فالحياة في هذه الثقافة ليست هي رحلة الوجود برمتها و إنما هي مجرّد فاصل وجودي قصير، إنها مبتدى الرحلة فحسب تليها مرحلة الوجود البرزخي الذي هو الموت ، تليه مرحلة الوجود الآخروي، أي أن العدم في هذه الثقافة غير موجود.

إن معاني هذه الصور الإشهارية و دلالاتها تؤسّس قاعدة لعدم الاعتراف بالاختلاف الثقافي. فالقيم الروحية الدينية لبعض مجتمعات الاستقبال تغيّب لصالح القيم المادية الزمنية لمجتمعات الارسال. و الثقافة الروحية تمحى لصالح الثقافة المادية و في ذلك تخطّ لمفاهيم الاختلاف الثقافي و الخصوصيات الحضارية و الحق في الاختلاف و الإعتراف بالغيريّة…هذا المنطق المتخطّي يوفر إمكانه المنوال السياحي القائم على الطلب.

  • قراءة ثانية:

تعكس هذه الصور، فيما تعكس،  الممارسات  البذخية اللعبية التنعمية الاستمتاعية الترفّهية الرغيدة  التي يمكن أن يمارسها العامل الغربي أثناء العطلة السياحية، كما تعكس مجمل أجواء السيادة و النفوذ و الحظوة        و القدرة الاستملاكية  التي يمكن أن ينغمر بها  …و هي بطبيعة الحال ليست ممارسات هذا العامل في حياته اليومية الموصومة بالكدح و الكفاف، و لا هي أجواء معيشه اليومي  الموصوم بالخضوع الاقتصادي لأرباب العمل.

إن هذه الممارسات التي تعكس الحظوة و الجاه، و هذه الأجواء التي تعكس السيادة و النفوذ، تندرج ضمن إطار ما نسميه  بالتماهي الطبقي، أي أن يتمثلن العامل بالمنمطات السلوكية للطبقة البورجوازية فيستهلك علاماتها و رموزها  التي هي ليست علاماته و لا رموزه، و يعيش نمط عيشها الذي هو ليس نمط عيشه. إنه نوع من الانفصال الظرفي و المصطنع  عن الطبقة الأصلية و الإرتباط  الظرفي و المصطنع أيضا بالطبقة العلوية، و من ثمّة التنعّم  الإيهامي للذّات بوجاهتها الاجتماعية Prestige social و بقدرتها الإستملاكية ..انه نوع من التحايل على الواقع الضنك بواقع متخيّل رغيد. إن هذا التماهي الطبقي يعكس حالة من توكيد الذات و تعزيزها إلا أنه ليس صلبا لأنه توازن  وهمي يفنّده الواقع الصريح و الفصيح…إنه نوع من التعويض الظرفي لواقع الدونية و التغطية  المؤقتة عن العجز…

نحن هنا بإزاء واقع زائف يحرر الرغبة و يسمح بانطلاقها، و لكنه يحتويها و يفرّغها من محتواها الثوري   و حتى النقدي و يطرح إمكانية الاستجابة لها و إشباعها الكامل من خلال عالم الخدمات المختلفة و منها السياحة[9]…فتصبح العطلة السياحية بهذا المعنى آلية ذات نتائج نفسية هامة للتكييف مع الواقع و لخفض التوتر و تقليص الغبن و خفض الوعي بالإنجراح في المجتمع و القوة و المكانة[10]

لنذكر هنا أن  العامل الغربي محدود الدخل و الكادح…  يتعذّر عليه تماما أن يقضي عطلة سياحية في نزل مصنّف في واحدة من الدول الأوروبية، و لا حتى في بلده الأصل، إن المقاصد السياحية الراقية في الدول الأوروبية هي حكرا على الطبقات المحظوظة. و لكن هذا العامل بإمكانه أن يقضي عطلته السياحية في واحدة من الدّول النامية حيث أسعار الإقامة السياحية منخفضة جدا و في متناول الطبقات الشغيلة و حتى دون ذلك من العاطلين عن العمل الذين يحصلون على منحة بطالة. ذلك أن هذه الأسعار المنخفضة ليست سيادية و لا هي ناتجة عن تحكم وطني في الإقتصاد السياحي و إنما هي أسعار خضوعية ناتجة عن واقع إلحاق الاقتصاد السياحي للدول الغربية و تبعيته لها.

الصور الثلاث الثالثة.

الصورة عدد 1.

رجل من بيئة صحراوية …يغطّي رأسه بلحاف…يلف حول عنقه، كربطة عنق، ثعبانا من الأنواع الصحراوية بالغة الخطورة، و يمسك برأسه.. و ابتسامة مستهترة  بالخطر مرسومة على وجهه …

الصورة عدد 2.  

رجل يرتدي “كدرونا”(لباس صوفي تقليدي ثقيل )…يسير الهوينا حافي القدمين في طريق رملية (جادّة) محفوفة بالصبار و الهندي …و هو يقود جمله من خطامه …و على جانبي الطريق و أمامه تمتدّ الأرض على مدى الصورة خالية من كل مظاهر التعمير إلا من بعض الشجيرات المتنافرة …

الصورة عدد 3.

غرفة في أحد النزل …فيها كل المرافق من هاتف و تلفاز و هوائي و مكيّف و فراش وثير و مزهريات …تطل شرفتها على حديقة غنّاء يليها شاطئ البحر…

هذه الصور هي من إنتاج فنيي إشهار غربيين، و لا شكّ أن أهدافها الأساسية هي أهداف إشهارية إقتصادية تتمثل في تجييش نهم الإستهلاك  و توسيع قاعدة التسويق و من ثمة زيادة مراكمة الفائض. لكن الرسالة الإشهارية في حدّ ذاتها هنا مليئة بالمعنى الحضاري .إنها تبني علاقة بين آنويتين حضاريتين مختلفتين و هما الغرب و آخره (العرب هنا) و ترسم صورة للعرب عند الغرب تستغلها في التسويق السياحي.

ما هي صورة العرب لدى الغرب كما  ترسمها هذه الصور؟ و كيف يتم استغلالها في التسويق السياحي؟

تخفض هذه الصور الانسان  العربي إلى مستوى” المتوحش الطيب” Le bon sauvage الذي نوّه به جون جاك روسو ، كما تخفض بيئته الطبيعية إلى مستوى الطبيعة البكر الخالية من تشويهات التحديث.

هذه المضامين الحضارية البدائية تجيّش لدى السائح الغربي الوهم بإمكانية الهروب، و لو المؤقت، من ضغوطات نسق الحياة العصرية و إكراهاته، و تفتح له قوسا لرومانسية حالمة بإمكانية العيش في الماضي واقعا في أوج حسه، فالطبيعة العذراء، كما تظهرها هذه الصور، و الإنسان الغرائبي الطيب و البسيط، و نمط العيش السهل …هو الماضي بالنسبة للحضارة الغربية،و لكنه الحاضر بالنسبة لبعض الشعوب الأخرى، و تكفي بضع ساعات على متن طائرة للسفر العكسي إلى هذا الماضي حيث هذه الشعوب المتماهية مع الطبيعة و المتمادية مع الحيوان و التي لا تزال تصنع وجودها بأدوات عمل تقليدية و بسيطة…[11]

إن البنية التاريخية لهذا الإجتماع و هذه الثقافة تبدو، كما تظهرها هذه الصور، ثابتة و لا تطورية و بالتالي فهي في إيحاء من إيحاءاتها متحف حيّ من متاحف التاريخ البشري الذي لابدّ من زيارته لفهم السيرورة العامة للوجود البشري كيف كان و كيف أصبح…و لبناء المعرفة التاريخية إستنادا إلى المعايشة الذاتية، و للاستمتاع الفرجوي، و لمعايشة تجارب وجوديّة خصوصية و ثريّة بالحسّ المختلف…لكن لأن التفريط في مكاسب الحياة العصرية الغربية من مرافق و رفاه …ليس واردا على الإطلاق، لذلك ففي وسط هذه البيئة  الموغلة في بدائيتها ، تصور النزل على أنها الحامية الحضاريّة الزاخرة بكل المرافق إلي يحتاجها الانسان المتمدّن…

يبدو واضحا أن هذه المضامين تحجّم العرب إلى مستوى “البدائيين للعرض السياحي ” Des primitifs pour touristes [12]لكنها في المقابل تثمن الغرب إلى مستوى المتحضرين المستكشفين. و الحقيقة أنها لم تجانب القول العلمي حول الخصوصية البنيوية للعلاقة بين الأنا و الآخر. فلقد بيّنت الدراسات العلمية أن مجرّد تقسيم العالم الاجتماعي إلى جماعة مرجعية داخلية ( جماعة النحن )و جماعة خارجية (جماعة الآخر)، ينجم عنه تمييز في المعاملة و في تكوين صورة عن الآخر بحيث يصوّر على أنه أدنى في المكانة الاجتماعية و يعامل بالتالي بشكل أقل تفضيلا بالمقارنة بمعاملة الأفراد الذين ينتمون إلى الجماعة المرجعية ( جماعة النحن ). في هذا الإطار بين ميد Mead أن الأفراد الذين ينتمون إلى جماعة واحدة يكون لديهم شعور بالتمايز و الرفعة و التفوّق ، بمعنى أنهم يعدوّن أنفسهم أو جماعتهم أكثر تفوقا و أعلى مكانة من الجماعات الأخرى.[13]

في نفس هذا الاتجاه يذهب ميرتون Merton حينما يبين أن هناك علاقة قوية بين الولاء للجماعة الداخلية و الاتجاه السلبي نحو الجماعة الخارجية.[14]

و يؤكد علم العلامات الذي يبحث في المعنى القضية نفسها و لكن من منظور مختلف يتمثل في التقسيم بين الحد الذي تنسب إليه علامة و الحدّ الذي لا تنسب إليه علامة . فالعلامة تقوم بتحجيم الطرف المقابل        و الإشارة إليه على أنه محصور في فئة محددة لا يتعدّاها ، و هي فئة تختلف في خصائصها عند الطرف المقابل   و الذي يمثل الحالة الطبيعية أو المألوفة التي لا تحتاج إلى تفسير ذلك لأنه واضح بذاته.[15]

إن هذه الصور تحجم العربي و تراثه و جغرافيته إلى مستوى الفرجة  و التجربة الغرائبية القائمة على المخاطرة و المجازفة و الإستكشاف النكوصي، أي استكشاف الماضي حينما كان بسيطا حضاريا، و بدائيا إنسانيا،و ذلك من خلال مجتمع لا يزال يعيش الماضي في الحاضر. إننا بصدد صورة نمطية أي قالب جامد يتحكم في نظرة الغرب إلى العرب. و الحقيقة أنّ سياقا تاريخيا خصوصيا سمح بتشكل  هذه الصورة النمطية     و تبلورها. فمنذ عصر الاكتشافات الجغرافية و مطلع عصر التنوير الأوروبي، كان الفكر الغربي يعيش في عالم لا تشاركه في صنعه الحضارات الأخرى …و بقدر ما كان هذا الفكر يتقدّم في البناء الحضاري، كان ذلك مصحوبا لديه بشعورين: أولهما الشعور بأن اكتمال البناء الحضاري من الناحية المادية لا يمكن أن يكون إلا ضمن علاقة هيمنة على العالم الآخر. أما الشعور الثاني فإنه يتعلّق بالوعي بالذات الذي تكون لدى الغرب، و مضمون هذا الوعي أن أوروبا مركز الحضارة و الثقافة و العقل في التاريخ  ضمن هذا الشعور بمركزية الذات، صور الآخر العربي على أنه ينتمي إلى جنس آخر، و تشوب شخصيته القومية عيوب جسيمة كالكسل الفكري و العقم    و الخمول، أما حضارته فهي ضرب من ضروب الفلكلور و ثقافته بربرية تسودها المبالغات.[16]

يبدو أن الصور الاشهارية تعيد إنتاج الصورة النمطية، و عليه فإن مضامين هذه الصور الاشهارية تنتج في ذهننا فرضية نسوقها كالتالي:إن هذه الصور الدعائية للسياحة العالمية تكاد لا تجانب في مضامينها القول الاستشراقي ذا النزعة المركزية الاستعمارية، فالانسان لا يزال ذلك الكائن التراثي الشبقي الغرائبي، و التاريخ لا يزال سكونيا لا تطوريا، و التراث لا يزال بنية متأبدة لا ينفصل فيه الحاضر عن الماضي، و الأرض لا تزال خصبة بكرا…الإستشراق أغرى في الماضي بالإستعمار و حفّز عليه، و هذه الصّور تغري اليوم بالسياحة و تحفّز عليها …هذه المقاربة في حاجة إلى تعميق الفهم.[17]

  1. التفاوض اللامتكافئ بين الحكومات الوطنية و الوكالات العالمية للسياحة.

تسيطر وكالات السياحة العالمية سيطرة مطلقة على السوق العالمية للسياحة ، و هذا ما خول لها هيمنة و تنفذا على الدول المتمحور اقتصادها على السياحة، و خاصة الدول النامية. و لقد وصّف مبلغ هذه الهيمنة في تصريح جريء وزير للسياحة في إحدى هذه الدول بقوله “لنعترف أن وكالات السياحة العالمية تمسك بمخنقنا، فإذا لم نذعن مثلا لإملاءاتها بأن نخفض أسعارنا بما يناسب مصالحها فكلمة إلى اللقاء كافية تماما لكي تتحلل من اتفاقياتها معنا.”[18]

هذه الهيمنة المتضخمة ، لا يستنكف مقاولو السياحة العالمية أنفسهم من الإفصاح بممارستها. يقول  Jaques Maillotمدير شركة « Les nouvelles frontières »  “حينما تحاول إحدى شركات الطيران أن تفرض علينا أسعارها ، فإننا نقترح على حرفائنا أن يغيروا وجهتهم إلى شركة طيران أخرى”[19].

هذه الهيمنة يشرّعها حتى الإطار المؤسساتي الدولي للسياحة فقد جاء في نصوص المنظمة العالمية للسياحة أن منظمي السفر لا ينتظرون من الحكومات أن تقدّم لهم إعانات و إنما أن تنتهج سياسات تشجيعية إزاءهم.

ضمن هذا الإطار الهيمني يتنزل القطاع السياحي في أغلب البلدان النامية  و منه القطاع السياحي التونسي. فهذا الأخير مرتبط بنيويا بوكالات السياحة العالمية التي تحتكر حوالي 90% من سوقه [20]الأمر الذي خول لهذه الوكالات نفوذا متناميا في إدارة هذه السوق. و كثيرا ما يكون ذلك على  حساب المصالح الوطنية. ففي سنة 1973 مثلا أصرّت السلط السياحية التونسية، في إطار التفاوض مع الوكالة الألمانية Neckermann على التمسك بأسعار البيع وفق ما تقتضيه مصالحها، أي أن هذه السلط أرادت أن تعيد توزيع المرابيح بأن ترفع قليلا في النسبة العائدة إلى السياحة التونسية   و أن تخفض في المقابل في النسبة العائدة إلى هذه الشركة، فما كان من هذه الأخيرة إلا أن كبحت الإمدادات السياحية للسوق التونسية، و ذلك ضمن منطق تحكمي عقابي، و أربكته تماما بأن وجّهت إليه 12000 سائح فقط عوض 60000 كان متفق عليهم.و كان كساد كاسح للموسم السياحي في صائفة تلك السنة.

هذه العملية هي مؤشر دامغ على تخارج الاقتصاد السياحي للدول النامية التي تقيم سياحتها على أساس الطلب، و هي أيضا مؤشر على الارتباط البنيوي لهذا الاقتصاد بالاحتكارات الرأسمالية الغربية سواء في مستوى مرابيحه أو حتى في مستوى إدارته. و عليه فإن فشل هذه الدول في تحقيق مستويات ملائمة و متواصلة من التنمية السياحية  إنما يرجع إلى تبعيتها لهذه الاحتكارات الغربية.

   إن المزاعم المتفائلة لنظريات التطور الاقتصادي و توصياتها الملزمة التي تقول أن بمقدور العديد من دول العالم الثالث( وهي تضبط قائمة هذه الدول) أن تعتمد على القطاع السياحي لتجسر من خلاله الفجوة الاقتصادية بينها   و بين الدول المتقدّمة، و أنه بإمكانها من خلاله أن تحقق تنميتها الاقتصادية، هي مزاعم بعيدة عن التحقق و ذلك بإرادة و تخطيط الدول المتقدمة نفسها التي من مصلحتها  أن تحافظ  عل وضعها المتميز بالنسبة إلى الدول النامية، حيث تتحكم في المبادلات معها من حيث نوعيتها و حجمها و خاصة من حيث قيمتها، كما تتحكّم في الفوائض فتستأثر بالنصيب الأكبر منها لنفسها خالقة بذلك نوعا من التبادل الامتكافئ في إطار التقسيم الدولي غير العادل للعمل حيث تحتكر لنفسها إدارة السوق السياحية الدولية فيما تلزم الدول النامية باعتماد قطاع سياحي خضوعي على أساس الطلب و متخارج أي مرتبط ارتباطا بنيويا بالشركات الرأسمالية الغربية التي تمسك بمخنقه و تتحكم في ديناميكيته.[21]

  1. السياحة و معادلة العدد.                                                                            

إن الدول النامية التي انصاعت لتوجيهات و أوامر الدول المتقدمة و المنظمات الدولية التي تدور في رحاها،   و نزّلت القطاع السياحي في مركز اقتصادها، واعتمدته كقاطرة أساسية لتنميتها الاقتصادية… أسست كامل بنيتها السياحية على أساس كمي و ليس على أساس نوعي. حيث أخضعت كل مواردها و سخرت كل إمكانياتها لاستقطاب أكبر عدد ممكن من السياح، مراهنة بذلك على تحقيق أعلى نسبة ممكنة من المرابيح على أساس الكم و ليس على أساس الكيف .

إن معادلة الربح على أساس الكم فرضتها، في الحقيقة، الدول الغربية التي اصطنعت ،من خلال توصياتها الآمرة لهذه الدول، أقطابا سياحية ذات طاقة استيعاب واسعة و بأسعار رخيصة و منحدرة تستوعب كل طبقاتها الشعبية. بمعنى أن تهيئة هذه الدول لبنيتها السياحية و مختلف عملياتها التخطيطية لهذا القطاع كانت تراعي في تقديراتها و تضع في حساباتها أعدادا كبيرة من السياح الشعبيين، و أن الربح بالتالي سيكون على أساس الكم      و ليس على أساس الكيف.

إن الكم السياحي له تأثير تناسبي على مجتمعات  الاستقبال. فكلما ارتفع عدد السياح كلما كان التأثير السلبي على هذه المجتمعات، بغض النظر عن الربحية المادية.

فتأثير السياح يكون محدودا حينما يكون عددهم محدودا، و يزداد هذا التأثير و يتعاظم كلما ارتفع العدد،   و في مستوى معين من التزايد السياحي يصبح الحديث عن إرباك السياحة لمختلف قطاعات المجتمع و خاصة القطاع الثقافي.

فالسائح  حينما يزور بلد ما فإنه لا يحمل معه إلى هذا البلد حقيبته المحتوية على أشيائه المادية فحسب( من ملابس و هاتف و آلة تصوير  و غيره) ، و إنما يحمل معه، بالأساس، خصوصياته الثقافية و القيمية   و الجمالية و الذوقية و الفنية و الأخلاقية …إنه منظومة ثقافية بحالها تحل في بلد الاستقبال. حينما يكون عدد السياح محدودا فإن تواصلهم مع المجتمع المحلي يكون محدودا و يكون بالتالي تأثيرهم محدودا، فالعدد يساهم في ضبط التخريجات القيمية و السلوكية للسياح و تحديدها، ذلك أنهم يستشعرون نوعا من الرقابة المجهريّة المسلطة عليهم، كما يستشعرون الوضع الأقلي الذي هم عليه، فهم تلوينة ثقافية مغايرة و جنس اجتماعي مختلف في بيئة ثقافية اجتماعية متجانسة، لذلك نجدهم يحرصون قدر الإمكان على ضبط اختلافهم و الحدّ منه و التشبه  بالمنمطات السلوكية و حتى القيمية لمجتمع الإستقبال  و تقليدها.

حينما يرتفع عدد السياح إرتفاعا دالا فإن التواصل مع المجتمع المحلي يتوسع و يتكثف، و نتحدّث، من هنا فصاعدا، عن ظاهرة انتشار ثقافة السياح حيث تبدأ العناصر الثقافية لمجتمعاتهم المرجعية بالإنتقال إلى مجتمعات الإستقبال و التأثير فيها و حتى إحداث تغييرات فيها.

إن ارتفاع عدد السياح في مجتمع ما، يخلّص هؤلاء السياح من الشعور بالوضع الأقلي كما يخلصهم من الشعور بالرقابة، فعددهم مرتفع و دال ، الأمر الذي يحرّر تخريجاتهم القيمية و السلوكية فيتصرفون ملء حريتهم أو يكاد، و قد تكون هذه التخريجات ناشزة عن قيم مجتمع الاستقبال و منظومته السلوكية و حتى منافية لها، لكن هذا المجتمع يبدأ بتقبلها  و التسامح معها، فهي مرتبطة بمصدر كسبه، و الضرورات تبيح المحضورات. و في مرحلة متقدمة يبدأ بتقليدها و حتى بالتمثلن بها، و ذلك نتيجة التطبيع التراكمي مع المختلف و المغاير،  فهي مرتبطة، كما أسلفنا، بعمله أي بحقل تكسبه و بحقل تفاعله اليومي، و التكرار الكثيف يلطف المرفوض و يعوّد عليه. بالإضافة إلى أن متنفذي هذا المجتمع لا يضعون معايير و شروط  يضبطون بها سلوك السائح، لأن مركزية القطاع السياحي في اقتصادهم تنزل السائح ، كقيمة اقتصادية ،منزلة الأهمية القصوى، دعك من قيم المجتمع الأخلاقية و الثقافية، فهو ملك بالمعنى الاقتصادي للكلمة. و هو، من منظور تحقيق الربح و تأمين الفوائد،  دائما على صواب. ثم أن طبيعة العلاقة بين الدول النامية المستقبلة للسياح و الدول المتقدمة المرسلة لهم هي علاقة  إئتمار و خضوع و استجابة من جانب الدول النامية و هيمنة و إملاء و توجيه من جانب الدول المتقدّمة، و غير مسموح في إطار هذه العلاقة غير المتكافئة كبح حريات السائح و ضبطها…و إنما، بالعكس تماما،المطلوب هو تهيئة الظروف المناسبة الكاملة لهذه الحرية، و فسح المجال لها  و حمايتها و حتى تعديل البنية القيمية المحلية و تغييرها لتتجاوب معها  و تتناغم مع انتظاراتها و تستجيب لمتطلباتها.من هنا يمكننا الحديث عن تسييح مجتمعات الاستقبال، أي إخضاع مختلف بنياتها الثقافية و الاجتماعية و الذوقية و الفنية و القيمية لانتظارات السياح و رغباتهم  و ذوقياتهم…

ثمة مسألة أخرى تتصل بالعدد نوردها هنا، و تتمثل في الطابع الشعبي للسياح الوافدين إلى الدول النامية مع ارتفاع عددهم في مقابل عزوف و حتى رفض أغلب السياح الأثرياء زيارة هذه الدول.

فالفئات السياحية الشعبية لا يقلقها تماما أن تتواجد في بيئات سياحية شعبية و كثيفة العدد فهي، في بلدها، سليلة الشبيه الاجتماعي لهذه البيئات و ثقافاتها و ممارساتها. و بالتالي فإن العدد المرتفع يتناغم مع الطابع الشعبي لثقافتها و ممارساتها.

و أما الطبقة البورجوازية فهي ترفض أن تتواجد في بيئة سياحية كثيفة العدد حتى و إن كان رواد هذه البيئة من نفس مصدرها الاجتماعي، و لذلك فإن النزل عالية التصنيف التي تحل بها يكون عدد استيعابها محدود، كما ترفض رفضا قاطعا أن تتواجد مع الفئات الشعبية في نفس البيئة السياحية فذلك يسيء، فيما تعتقد، لقيمتها الإعتبارية و يجرح هيبتها، و يفقد انفصاليتها مضامين الاختلاف التفاضلي و الوجاهة، و يفسد الصورة التي رسمتها عن نفسها لدى الطبقات الشعبية كونها طبقة علوية استثنائية  high class لها فضاءاتها السياحية الخاصة التي ترتادها، كما لها ممارساتها الثقافية و الترفيهية الخاصة أيضا، و في ذلك تكثيف لصورة تكتّمية يغلب عليها الخيال أكثر من الواقع. كما يهدد الاحتكاك بالفئات الشعبية أمنها الشخصي، فهي تخاف الاختلاط الاجتماعي العفوي.

 

خاتمة

إن السياحة الدولية في البلاد العربية لا تندرج ضمن سياق تبدلي متكافئ بين البلاد العربية و البلاد الغربية  و إنما تندرج ضمن سياق هيمني غير متكافئ يمارس من خلاله الغرب الرأسمالي بآليات و أدوات متنوعة عمليات الاستنزاف و الاستغلال للبلاد العربية و ذلك بغرض تحقيق أفضلياته و مصالحه الحضارية و الاقتصادية و حتى النفسية الاجتماعية  على حساب أفضلياتها و مصالحها …إنه نوع من الاستنزاف البنيوي المتمادي بمنهجية دقيقة تنأى به عن المساءلة بما ترسم به من صورة إيجابية تماما تحشد لترويجها آلة دعائية عملاقة،   و أيضا بما يحققه من مكاسب للبلاد العربية هي الحد الأدنى الضروري لأعادة إنتاجه و ضمان ديمومته.[22]

[1] عادل الوشاني السياحة الدولية في البلاد العربية: حوار بين الحضارات أم مدخل آخر للهيمنة الغربية على البلاد العربية. ضمن مؤلف جماعي: الممارسة الثقافية في مجتمع المعلومات و الأإتصال ،  منشورا المركز الوطني للإتصال الثقافي، تونس ص 101، 2004.

[2] عادل الوشاني: أساسات علمية للظاهرة السياحية: التاريخ و الهوية و المناويل، مكتبة علاء الدين صفاقس، 2016، ص 56.

[3] إن الاشهار يشتغل غلى الرعبات المكبوتة و على التعويض كما يشتغل على صناعة الأحلام   و الإستجابة لها.أنظر:

Fabienne Baider, Marcel Burger et Dionysis Goutsos (dir),La communication touristique. Approches discursives de l’identité et de l’altérité, L’Harmattan, , Paris, 2004.

[4] دافيد لو بروتون :أنتروبولوجيا الجسد و الحداثة …مصدر مذكور سابقا ، ص 156

[5] Simone de Bouvoir : La viellesse , Gallimard , Paris 1970,P 130.

[6] Daniel Cohn- Bendit :Nou l’avons tant aimee la Revolution .Barrault ED,‎ 1986.

ورد في : دافيد لو بروتون :أنتروبولوجيا الجسد و الحداثة …مصدر مذكور سابقا ، ص 158

[7] برهان غليون: مجتمع النخبة،دار البراق للنشر، تونس ،1988، ص88.

[8] عادل الوشاني: أساسا علمية للظاهرة السياحية، مصدر مذكور سابق، ص 61.

[9] يذهب هاربرت ماركوز إلى أن  صناعات اللذة في المجتمع الصناعي تقوم بترشيد أحلام الإنسان الجنسية واستيعابها داخل إطار النظام القائم، فهي تطلق الرغبة الجنسية من عقالها ولكنها تُفرِّغ مبدأ اللذة من محتواه الثوري وتحتويه تماماً، إذ تطرح إمكانية الإشباع الكامل من خلال عالم الخدمات المختلفة مثل السياحة والنوادي الليلية وأحلام الإباحية. أي أن كل شيء يتم تدجينه، وضمن ذلك الرغبة الجنسية نفسها. أنظر: هاربرت ماركوز، الانسان ذو البعد الواحد،  ترجمة جورج طرابيشي، دار الآداب بيروت، الطبعة الثالثة، 1988

[10] علي زيعور: اللاوعــي الثقافــي و لغة الجســد و التواصــل غير اللفظــي في الذات العربيــة، دار الطليعة . بيروت،1991، ص 48

[11] عادل الوشاني: أساسات علمية للظاهرة السياحية، مصدر مذكور سابقا، ص 64.

[12] Bugnicourt (J) et al : Touristes_rois en  Afrique.Dakar-Paris .Enda-Karthala.1982.P120-121.

[13]  Mead G. H.: Mind, Self, and Society, ed. Charles W. Morris, University of   Chicago Press, 1934,P27.

[14]Merton R, Theory and Social Structure The free press New York 1986, P 335.

[15] السيد ياسين: الشخصية العربية بين صورة الذات و مفهوم الآخر، دار التنوير للطباعة و النشر، بيروت ، لبنان، 1983، ص 74.

[16] علي شعيب : الإستشراق و كتابة التاريخ، الفكر العربي المعاصر، عدد 70-71، مركز الإنماء القومي بيروت، 1989، ص 59.

[17] عادل الوشاني السياحة الدولية في البلاد العربية: حوار بين الثقافات أم مدخل آخر للهيمنة الغربية على البلاد العربية. مؤلف جماعي بعنوان الممارسة الثقافية في مجتمع المعلومات و الاتصال، منشورات المركز الوطني للإتصال الثقافي، تونس،  2005 ص 101_107.

[18] Fabre.P :Tourisme international et projets touristiques dans les pays en vois de développement, Paris, ministère de la coopération, Coll ,Méthodologie de la planification , 1979,p47.

[19] Le Monde du 8_5 1982(L.T) « Un voyagiste hardi »,par A.Faujas, CIT IN Aisner. P , Pluss. Op Cit, p113.

[20]  نور الدين ستهم: السياحة في تونس، سراس للنشر، 1994، تونس، ص 130.

[21] يفسر علماء مدرسة التبعية تخلف الدول النامية بطبيعة علاقتها بالدول المتقدمة و أنماط التبادل معها … أنظر دراسات كل من

 Samir Amin , André Gunder Frank , Fernando Cardosso , Paul Baran , Merrie Bolanzaz , Paul Sweezy , Johan Galtung , Celso Furtado , Charles Bettelheim , Arghiri Emmanuel

[22] عادل الوشاني السياحة الدولية في البلاد العربية: حوار بين الحضارات أم مدخل آخر للهيمنة الغربية على البلاد العربية. ضمن مؤلف جماعي: الممارسة الثقافية في مجتمع المعلومات و الأإتصال ،  منشورا المركز الوطني للإتصال الثقافي، تونس ص 101، 2004.


Updated: 2017-10-19 — 11:50

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme