نظرية الحضارة عند اسوالد اشبنجلر – مقاربة تحليلية في دورة الحضارة- Oswald Spengler Theory of Civilization- An analytical approach in the course of civilization-


نظرية الحضارة عند اسوالد اشبنجلر – مقاربة تحليلية في دورة  الحضارة-

بروال جمال/جامعة باجي مختار عنابة ، الجزائر

Oswald Spengler Theory of Civilization- An analytical approach in the course of civilization-

  مقال نشر في   مجلة جيل العلوم الانسانية والاجتماعية العدد 54 الصفحة 69.

 

    ملخص :

يهدف هذا المقال الى تسليط الضوء على بعض معالم نظرية التعاقب الدوري للفيلسوف الألماني اسوالد اشبنجلر، والتي تعد من ابرز النظريات الفلسفية المقاربة لموضوع الحضارة في التداول الفلسفي الغربي المعاصر، هذه النظرية التي استمد اشبنجلر  منطلقاتها من الواقع المعيش لأمته، حيث جعل منه مادة للبحث والفكر، ولعل هذا هو السبب الذي لفت إليه الأنظار، وجعل نظريته من أهم النظريات المفسرة للحضارة.

هذه الدراسة مقسمة بعد المقدمة الى ثلاث محاور أساسية:

المحور الأول وهو محور مفاهيمي، خصص لإبراز مفهوم دورة الحضارة، والمحور الثاني خصص لتقصي أهم الخصائص والمحددات لدورة الحضارة عند اشبنجلر، أما المحور الثالث والأخير وخصص لتحديد مسار الحضارة عند الفيلسوف.

لنخلص بعد هذه المحاور الى جملة من النتائج.

الكلمات المفتاحية: الحضارة، دورة الحضارة، مسار الحضارة، اسوالد اشبنجلر.

Abstract

     This article seeks to shed light on some of the distinguishing features of the theory of Historical Cycles designed by the German philosopher, Oswald Spengler. It is one of the most prominent, philosophical theories on civilization in contemporary, Western, philosophical deliberation. Spengler inspired the origin of his theory from his nation’s reality. He made it material for research and thought. Perhaps this is the reason that has attracted attention to his theory and made it one of the leading explanatory theories of civilization.

This study, apart from the introduction, is divided into three sections:

    The first section is a conceptual one. It is dedicated to highlight the role that civilization plays. The second section is devoted to investigate the core properties and determinants of civilization for Spengler. As for the third and last section, it determines the course of civilization according to the philosopher.

    At the end, we come at a number of results.

    Keywords: Civilization, civilization cycle, Civilization path, Oswald Spengler

 

مقدمة :

إن اغلب الفلاسفة والمفكرين يعتبرون أن التاريخ حتما بدأ بشخصين، لكن لم يمض زمن حتى اتسعت الشبكة الاجتماعية، فانقسم الى شعوب وقبائل متعددة الألوان والأجناس، ثم أضحت متنوعة المفاهيم والأفكار، وهو الأمر الذي اخرج بالفعل الإنسان من بدائيته الى مجال الألفة والتجمع وإبداع الحضارات. فالتاريخ الإنساني هو تاريخ الحضارات، حيث لا يمكن التفكير في تاريخ الإنسانية، دون التفكير والتأمل في ماض موغل في القدم، يمتد عبر أجيال وحقب طويلة، بدءا من الحضارات الشرقية القديمة، كالحضارة الفرعونية والبابلية والهندية والصينية مرورا بالحضارة اليونانية والرومانية وصولا إلى الحضارتين العربية الإسلامية والغربية.

ولذلك لا يخفى على أي دارس حصيف للفكر البشري، أن موضوع الحضارة يعد من بين الموضوعات التي استقطبت اهتمام الكثير من الدارسين والباحثين بمختلف تخصصاتهم و حقولهم المعرفية، كالمؤرخين وعلماء الحضارة عموما وفلاسفة التاريخ والحضارة على وجه الخصوص، وذلك لما له من صلة وطيدة بكينونة الإنسان، هذا الموضوع الذي يمكن عده من اعقد الموضوعات على الإطلاق، لسعة مجالاته، وتعدد أطرافه، ولذلك تم مقاربته من زوايا متعددة، والتي تمخض عنها انبثاق تعدد وتنوع الأطروحات والنظريات حول تفسيرها وفهمها سواء كان ذلك، من حيث مفهومها و خصائصها و مقوماتها، أو من حيث مسارها أو من حيث أسباب نشوءها ونهوضها وتطورها وكذا أسباب تدهورها وسقوطها، وذلك تبعا للأزمات التي تشهدها، فأزمة الحضارة تعد علامة ومؤشر السقوط وتوحي بانتهاء دورها، وهي لا تخص حضارة امة بعينها، بل هي قانون عام يسري على كل الحضارات الإنسانية…ولعل من بين أهم النظريات التي ظهرت في هذا الإطار، نجد نظرية الفيلسوف الألماني ازوالد اشبنجلر*، الذي اهتم بكيفية نشوء وتطور الحضارات، وكذا أسباب انهيار وسقوط الحضارة، وذلك في مؤلفه الشهير” تدهور الحضارة الغربية” هذا المجال الذي نصطلح عليه بـ” الدورة الحضارية” ولعل اهتمام اشبنجلر بهذا المجال من البحث في الحضارة لم يكن محل المصادفة، بل نابع من صلب واقع الحضارة الغربية التي عايشها، الذي جعله مادة للفكر والبحث، هذا الواقع الذي لفت أيضا أنظار كثير من الدارسين على غرار”جيامباتيستا فيكو” Giambattista Vico (1668-1774) و”ارنولد توينبي” Arnold Toynbee (1889-1975) و”ألبرت شفايتزر” Albert Schweitzer (1875-1965)”و”الفن توفلر” Alvin Toffler (1928-2016 ) وغيرهم، وجعل أيضا نظريته من أهم النظريات التي طرحت في موضوع الحضارة.

هذه الدراسة تستهدف إبراز المنظور الشبنجلري في تفسير الحضارة، وذلك بمعرفة أهم المعالم التي تميز نظريته عن بقية النظريات الأخرى، هذا من جهة، ومن جهة أخرى التعرف على الأسس والمقومات التي استند اليها في ذلك.

فالإشكالية الجوهرية التي يطرحها المقال هي: هل استطاع اشبنجلر أن يؤسس لنظرية تفسر الحضارة عبر التاريخ؟

هذه الإشكالية تطرح جملة من التساؤلات الفرعية وهي: ما المراد بالدورة الحضارية؟ كيف فسر اشبنجلر قيام وسقوط الحضارات؟ وهل يمكن القول بوجود حضارات متعددة أم حضارة عالمية واحدة؟ والى أي مدى يمكن اعتبار نظريته موضوعية؟ وهل يعد تفسيره أصيلا أم هو مجرد امتداد لرؤى وأطروحات سابقة معلنة أم غير معلنة؟

أولا: في دلالات المفهوم:

  • مفهوم الدورة:

مصطلح الدورة- كما ورد في معاجم اللغة العربية- اسم مصدر مشتق من الفعل دار وتحرك وعاد الى حيث كان،([1]) وجاء في لسان العرب لابن منظور أن الدورة” اسم مشتق من الفعل دار يدور واستدار يستدير بمعنى طاف حول الشيء، وإذا عاد الى الموضع الذي ابتدأ منه، ومعنى الحديث أن العرب كانوا يؤخرون المحرم الى صفر، وهو النسيء ليقاتلوا فيه، ويفعلون ذلك سنة بعد سنة، فينتقل المحرم من شهر الى شهر، حتى يجعلوه في جميع شهور السنة كهيئتها الأولى”([2])

أما مدلول المصطلح في اللغة الأجنبية(cycle) فنجده لا يختلف عن مدلوله في اللغة العربية، فهو كما ورد في معجم الأكاديمية الفرنسية اسم يعنى الدائرة أو الدورة، مثل دورة الشمس، والقمر([3]) وجاء في معجم لاروس، اسم يعني سلسلة الحوادث التي تتكرر وفق ترتيب محدد([4])، مثل دورة الفصول الأربعة، الحياة، القمر، الماء. إلا أن المصطلح،لم يعد حكرا على الظواهر الطبيعية بل امتد الى مختلف التخصصات والحقول المعرفية، إذ يعد بمثابة قانون بين فكرة التحول والنظام الذي تشهده ظاهرة أثناء حركتها سواء كانت طبيعية أم إنسانية.

لا شك أن التعريف اللغوي للدورة، له صلة بمفهومها الاصطلاحي، حيث  تعني مجموع المراحل والأطوار المتتابعة التي تشهدها الحوادث أثناء حركتها، سواء كانت هذه الحوادث إنسانية أو طبيعية، حيث تشهد نفس الانطلاقة والميلاد، لتصل الى الاكتمال والنهاية، لتعيد نفسها وفق نفس التراتب والصيرورة. وهذا ما ذهب إليه الجابري، حيث يقول في كتابه” مسألة الهوية العروبة والإسلام…والغرب” أن الحدوث – حدوث الظواهر والكائنات- دائري ضروري، ولذلك فإن كل ما يحدث، لا بد وأن يحدث بصفة دورية، فإذا كان من الضروري وجود شيء ما في هذه اللحظة، فإنه من الضروري كذلك أن يكون ذلك الشيء نفسه قد وجد من قبل، وإذا كان الشيء موجودا الآن فإنه من الضروري أن يوجد من جديد في المستقبل، ويتكرر هذا ما لا نهاية”([5]) فصفة الدورية في نظر الجابري لا تخص حوادث معينة، بل تشمل جميع الحوادث التي تحصل في الكون، فكل شيء في هذا الوجود يسير ويتحرك ويتغير ثم يختفي ليعود الى نفس النقطة التي انطلق منها ليشهد نفس الحركة من جديدة، وهذا ما ينطبق على الحضارة كظاهرة إنسانية التي هي مدار المقاربة.

إن هذه الحركة الدورية أفرزت التفكير في المستقبل( مستقبل الإنسان الفرد ومستقبل الشعوب والأمم) ومن ثمة التخطيط والعمل من اجله، والذي يكاد يكون السمة البارزة للعصر الحديث، الذي عرف انطلاقته في القرن السادس عشر الميلادي( النهضة الأوربية) لكن هذا لا يلغي اهتمام تفكير الإنسان بغدهم قبل ذلك التاريخ، إذ لا مناص من القول أن اهتمام الإنسان بمصيره بعد الموت اتخذ أشكالا مختلفة من ابسطها وأقدمها، كما يتجسم في تصرفات الفراعنة، حول موتاهم.

الى جانب هذا التعامل العامي مع قضية المستقبل في الحضارات القديمة، تصورات عالمة تربط مصير البشر، وبالتالي عالم الغد بحركات الكواكب ودورات الفلك في إطار رؤية للعالم تقوم على فكرة العود الأبدي(retour eternel) وذلك بناء على تصور دائري للزمان، قائم على ملاحظة ظواهر الكون، الأمر الذي استنتج منه القدماء أن الظواهر الكونية، بما فيها حياة الإنسان ومستقبله ومصيره ترتبط حتما بحركات الكواكب ودورات الفلك([6]).إن مصطلح الدورة، مبدأ أو قانون يشمل كل حوادث الكون، ففي البداية كان يفسر به ظواهر الطبيعة، ثم امتد شيئا فشيئا ليفسر به ظواهر المجتمع والحضارة، إذ لا تنفك هذه الأخيرة عن هذا القانون الكوني.

إن الحضارات الشرقية القديمة لا تنفك عن هذا القانون، فنجد في الهندوسية، اعتقاد فحواه أن الكون بأسره يمر وفق دورات متتابعة و طويلة، تبدأ بالصفاء والفضيلة، ثم تتبعها مرحلة تعرف نقصا في الفضيلة فيعم الشر ويقل الخير، ويسود النزاع والمرض، ثم يعود الكون فينبعث من جديد، فالكون يشهد دورات حتمية من الوحدة الى الكمال والتفرق والانحلال، الى الانبعاث من جديد، لتعيد نفسها، وفق نفس الحركة، هذه الحركة تابعة لتبدل الروح المطلقة الكبرى(براهما)([7]). كما نجد عند الصينين اعتقاد بوجود نظام كوني يسود كل ما يجري في الكون، يدعى بمصطلح (التاو)(tao) وهو يقوم عل مبدأين هما: (الين)(yin) وهي حالة السلب(الجمود والسكون) و(ينج)(yang) وهي حالة الإيجاب (النشاط والفعل) فالكون حركة مد وجزر دائمة، مثلها مثل حياة الأفراد والجماعات، خاضعين لتعاقب هاتين الحالتين، تعاقبا لا مفر منه([8]).

أما في الفلسفة اليونانية، فنجدها بدورها لم تبرح هذه الصفة الدورية، فـ “هيراقليدس” herakleitos (540-480 ق م) قال بالحركة الدائمة، فالتغير والحركة يمثلان سنة الكون، وسبب هذه الحركة الصراع، هذا الأخير الذي يؤدي الى تحول الأشياء، الى بعضها البعض، فمن أقواله المأثورة:” الشبه التاريخي موت الهواء ، والهواء يحي موت النار، والماء يحي موت التراب، والتراب يحي موت الماء، والحيوان يحي موت النبات، والإنسان يحي موت الاثنين، أي يعيش بموتهما([9])” كما نجد أفلاطونplaton (429- 347 ق م) الذي يرى أن التاريخ عبارة عن مجموعة من الدورات، لا بد من أن ينتهي بالانحلال والتفكك، فالشعوب والحضارات تنشأ ثم تنضج ثم تنحل، ولعل فكرة التعاقب الدوري حول الدولة، قد سبقت ابن خلدون، حيث نجد معالمها الأولى عند أفلاطون في جمهوريته، كما تتجلى في تطور الدولة أو أشكال الرئاسات، بدءا من رئاسة الحكم المثالي للفلاسفة، حيث الحكمة والفضيلة ونزعة العقل، ثم يبدأ هذا الحكم مع مرور بالتدهور، نتيجة وجود زيجات غير مناسبة، والتي ينتج عنها نسل ضعيف غير موهوب، لتسمو الروح العسكرية شأنها شأن حكم الارستقراطية العسكرية، ثم تبدأ نزعة حب التملك في الطغيان على حساب حب الشجاعة والحكمة فتنشأ حكمة ارستقراطية الأغنياء- الاوليغارشية- ثم يتطور الأمر الى نشوء الحكومة الديمقراطية حيث الأقلية تسعى للسلطة، فينتج عنها الفوضى والفساد، مما يؤدي الوصول الى الحكم الاستبداد الفردي، والذي يعد أسوءهم، لأنه يمثل الأنانية وحب التملك للفرد.

ونتيجة لهذا التدهور يؤدي منطقيا إلى التفكير في إقامة الدولة المثالية من جديد ويحكم الفلاسفة مرة أخرى، حيث تعود الدورة في الحدوث من جديد([10]).

لكن هذه النظرية بلغت قمتها عند الرواقيين(stoïcisme) الذي اعتبروا أن تاريخ العالم يعد مظهرا لللغوس (logos)، إذ العقل الكلي تقع بموجبه الأحداث الماضية والحاضرة والمستقبلية،  فتاريخ العالم في اعتقاد الرواقي، سلسلة لا نهاية لها، من الولادة الى الفناء، وكل موجوداته تنتج من هذه القوة العاقلة التي تتخلله([11]).

  • مفهوم الحضارة:

معنى الحضارة في اللغة العربية، لا يخرج عن دائرة الإقامة في الحضر، أي المدن والقرى، فهي نقيض البداوة، جاء في لسان العرب لابن منظور، أن مصطلح الحضارة يعني الإقامة في الحضر وهي خلاف البدو.([12]) وورد في المعجم الفلسفي لجميل صليبا، بقوله:” الحضارة تعني الإقامة في الحضر، بخلاف البداوة التي تعني الإقامة في البوادي”([13]) فالحضارة أريد منها ما يستتبع من الإقامة في الحضر، من تعاون وتآزر وتبادل للأفكار في مختلف ميادين الحياة، من علوم وعمران وثقافة ومعارف، وغير ذلك ما يتصل بتقدم الإنسان وترقيه في مختلف مناحي الحياة.

وفي اللغة الأجنبية، نجد لفظ الحضارة (civilisation) قد ظهر في اللغة الفرنسية عام 1734م (عصر الأنوار) وينحدر أصله من صفة (civilisé) (متحضر) في القرن السابع عشر، هذه الصفة تنحدر من الفعل (civiliser) في القرن الثالث عشر، المشتق من الظرف(civilement)  ومن الصفة(civil) (مدني، متحضر) في القرن الثالث عشر، المأخوذة بدورها من اللغة اللاتينية (civilité) وكذلك (cité) (مدينة، حاضرة) في القرن الحادي عشر، المأخوذة من (civitas)([14]) ثم تطور المصطلح في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وأصبح يعني حالة التحضر في مقابل التوحش والهمجية، فالمتحضر هو الذي يحمل الصفات المكتسبة والظواهر المميزة للعالم المتقدم الذي يمثله الإنسان الأوربي آنذاك، وبذلك أسس المفهوم على المركزية الأوربية، أي هيمنة أوربا على شعوب العالم في جميع المجالات، وأصبح التقدم العلمي والتكنولوجي معيار التمييز بين المجتمعات المتحضرة عن المجتمعات غير المتحضرة. ثم أن المصطلح، كما تذكر الموسوعات، ليس عريق الاستعمال، حيث أن قاموس الأكاديمية لم تستعمله، إلا ابتداء من 1835م، وتواصل الموسوعة، إن هذا المصطلح رغم تداوله، إلا انه بقي غامضا، الى درجة نجد البعض لا يميزون بين الثقافة والحضارة، مثل بعض فلاسفة الألمان، وهذا رغم اختلاف مجال كل واحد منهما، ولعل تعريف”ليتري”littré يعد أوضح وأدق تعريف لها.حيث عرفها بقوله:”الحضارة هي مجموع الآراء والعادات التي تنتج من الفعل المتبادل للفنون الصناعية والدين والفنون الجميلة والعلوم ([15])”.

يعرفها عبد الرحمان بن خلدون بأنها” نهاية العمران وخروجه الى الفساد، ونهاية الشر والبعد عن الخير”([16]) فهذا التعريف يشير الى المرحلة الأخيرة التي  بها الدولة أو المجتمع عندما تتفكك رابطة العصبية، وتضمحل تلك الرابطة التي توحد المجتمع وتساعده على بنائه. فالحضارة بالمفهوم الخلدوني مرادفة للمدنية، حيث تعني درجة من التقدم التي تبلغها المجتمعات، فـ” هي أحوال عادية زائدة على الضروري من أحوال العمران ، زيادة تتفاوت بتفاوت الرفه المادي([17])” إذ هي تتجسم في مختلف النظم السياسية وفي العلوم والصنائع والاختراعات على وجه العموم،  فهي تعد مرحلة من الرقي والنمو والنشاط التي تكون بعدها مرحلة الانهيار والانحدار والأفول، وهو المفهوم الذي يظهر أثره في تصور اشبنجلر لدورة الحضارة.

أما جميل صليبا فيميز بين معنيين: احدهما موضوعي(objective) والأخر ذاتي(subjective) الموضوعي ويطلق على جملة مظاهر التقدم الأدبي والفني والعلمي والتقني، التي تنتقل من جيل الى جيل آخر، في مجتمع واحد أو عدة مجتمعات متشابهة، كان نقول الحضارة الصينية أو الحضارة الأوربية. وبهذا المعنى فهي متفاوتة فيما بينها. أما المعنى الذاتي فهي تعني مرحلة سامية، من مراحل التطور الإنساني المقابلة لمرحلة الهمجية، والتوحش.

فالحضارة هي أرقى المراحل التي وصلت اليها امة من الأمم في نواحي حياتها وأنشطتها الفكرية والعلمية، من عمران وعلوم و معارف وفنون ومختلف المكتسبات.

يطلق اشبنجلر على دور الفتوة والإنتاج الروحي– دور الطفولة والشباب-أما الدور الثاني فهو دور الركود والإنتاج المادي، ويمثل مرحلة المدنية. فلفظ الحضارة يطلق على الدورين السابقين، واللذين تمر بهما كل حضارة إنسانية، حيث يعرفها في كتابه ” تدهور الغرب” بقوله:”إن الحضارة هي نفس بلغت التعبير عن ذاتها بأشكال محسوسة معقولة، لكن هذه الأشكال هي حية متفتحة وولود ويوجد رحمها داخل الكينونة  المصعدة للأفراد  والجماعات … ليست الحضارة شيئا عظيما فقط، بل إنها بكليتها شيء لا يماثله أي شيء آخر في هذا العالم العضوي، فهي النقطة الواحدة التي يسمو عندها الإنسان،  بنفسه فوق قوى الطبيعة ويصبح هو نفسه خالقا([18])”.

أما مواطنه البرت شفايتزر(1875-1965) يعرفها بقوله:” الحضارة هي التقدم الروحي والمادي للأفراد والجماعات والجماهير على السواء([19])”وهو تعريف استلهم من نقده للحضارة الغربية، جراء إفراطها في الجوانب المادية وإغفالها للقيم الروحية، فالحضارة تعد نقلة تقدمية في الفكر والسلوك وأسلوب التعامل مع الناس والأشياء.

هذه عينة من التعاريف التي استوقفتنا عند تحديدنا لمفهومها- إذ لا يمكن حصرها والتطرق اليها كلها- وهي تعاريف لها صلة وثيقة بدورة الحضارة.

  • مفهوم الدورة الحضارية:

نعني بدورة الحضارة تلك الأطوار والمراحل التي تمر بها حضارة أو مجتمع (أمة) أثناء حركته، حيث تبدأ بالنشوء والميلاد، ثم تنتقل الى الازدهار والنهضة وأخيرا لتعرف التدهور والسقوط، لتعيد كرتها من جديد، وفي مجتمع آخر ليس بالمجتمع الوليد، فالتاريخ الإنساني حلقات متسلسلة تشكل الحضارة إحدى وحداته، فهي في صيرورتها لا تسير في تقدم ورقي مستمرين، بل تجري إلى تأخر وانحطاط، حيث أنها تسلك دورات مستقلة، لكل منها مراحل تقدم ورقي ومراحل تأخر وانحطاط.([20]) فالحضارة تنتقل من الصيرورة الى الصير، وتنقل من عصر النمو والحركية والنشاط والفاعلية الى عصر ومرحلة السكون والجمود، أنها الموت يتبع الحياة([21]).

فالحضارة – حسب نظر اشبنجلر- في حركتها تتبع مراحل و أطوار معينة، شبيهة بمراحل الكائن الحي، حيث يصرح قائلا:” فكل شيء منظم، كادراك الولادة والموت والشباب والسن والعمر…إن العصور والمراحل والأوضاع والأشخاص تكرر ذاتها كنماذج حقيقية([22])”

إن مسرح التاريخ عند اشبنجلر، يتألف من حضارات عظيمة، تظهر كل واحدة منها من خلال فكرة بدائية في تربة إقليم ما، وتكون تلك التربة بمثابة الأم للحضارة، إذ تبقى مرتبطة بها طوال دورة حياتها، وتمثل تلك القوة روحا تصبغ كل مظاهر الحضارة بطابعها الخاص. فكل حضارة (ثقافة) تحمل إمكانات جديدة خاصة بها، تعبر عن نفسها من خلالها، هذا التعبير الذي ينشا، ثم ينضج وينحل، ولن يعود أبدا، لذلك لا يوجد فن أو رياضيات واحدة، أو علم واحد – كمظاهر للحضارة- فلكل حضارة فنها، وأدبها، وعلومها الخاصة، وان لكل علم أو فن، حياة محدودة مستقلة بذاتها، مشابهة لحياة النباتات والإزهار، وكما أن أزهار الحقول تنمو دون أن تعي هدفها وغايتها، فالحضارات تنمو دون أن تشعر بفكرتها أو غاياتها([23]).

إذا كان من القوانين الأساسية في فهم الأشياء، أنها تفهم بأضدادها، فدورة الحضارة يراد بها تلك الرؤية القائلة أن حركة الحضارة في تكونها ونموها ليست حركة صاعدة، تزدهر بالتراكم والانتقال دوما من قديم الى جديد، بل أن المسار الذي تتخذه كل حضارة دائري، وان الحركة نكوصية  تراجعية* (Régression ) .

وهذا يعني أن كل مرحلة تاريخية معينة (حضارة) ليست بالضرورة أكثر تقدما من سابقتها، كما يرى الفيلسوف الفرنسي الوضعي “أوجست كونت”Auguste Comte (1798-1857) في قانون الأحوال الثلاث، إذ التاريخ لا يسير في اتجاه تقدمي،  إلا بين طوري النشأة والتطور والازدهار(النضج)، أما ما بين هذا الأخير وطور التدهور، فهناك رجوع الى الوراء، وانحطاط.

إن مسار التاريخ ليس مسارا تقدميا للعقل البشري الى ما لانهاية، بل مساره دوري لعدد كبير من الحضارات، والتي يسري عليها ما يسري على الكائنات، حيث تنبت وتنمو ثم تنضج وتموت فتفنى، فالحضارة كالكائن الحي الذي يجتاز مراحل نموه الى إن يصل الى المرحلة التي لم يعد قادرا فيها على العطاء، فلكل حضارة طفولتها وشبابها وشيخوختها، وان شئنا قلنا إنها مثل أدوار السنة، إذ لكل حضارة ربيعها وصيفها، وخريفها وشتاءها.

إن الحضارة هي مرحلة من مراحل التطور والنمو والحيوية، فإذا ما وصل بها الأمر الى هذه المرحلة من صيرورتها فهي النهاية وبداية التدهور، فالحضارة هي القمة والشباب والربيع، ثم المدنية وهي تعني استنزاف الإمكانيات الحضارية كلها حتى لا يبقى منها شيئا، ليلي ذلك الانحطاط الذي يؤذن بأفول الحضارة وتلاشيها نهائيا،  ومن هنا جاء حكمه القاسي على الحضارة الغربية، بأنها في طريق الأفول أو الغروب، فهي في منظوره قد قطعت جميع أشواطها ولم يبق لها إلا مرحلة واحدة وهي الانحدار والأفول(الموت)، وهذا هو جوهر كتاب” تدهور الغرب”.

ثانيا: خصائص ومحددات الدورة الحضارية عند اشبنجلر:

إن دورة الحضارة عند اشبنجلر تحمل جملة من الخصائص والمحددات نذكر منها:

  • أنها دور بيولوجية:

 يرى اشبنجلر أن التاريخ يتكون من كائنات عضوية، هي الحضارات ن ليدحض المزاعم القائلة بوجود حضارة إنسانية واحدة، ليقرر ومن خلال اتفاق المؤرخين، إن الحضارة ككل لها وجود عضوي، فهي تشبه الكائن الحي تام الشبه، فتاريخ الحضارة، كتاريخ الإنسان والحيوان والنبات في زمانه وصورته ومدة حياته، فإذا كان سياق الحياة واحد بين الأفراد التي تدخل تحت نوع واحد، فللحضارات جميعا سياق واحد تسير عليه. يقرر اشبنجلر على انه لا يشك أحدا منا أن شجرة البلوط ، بعد أن بلغت من العمر ألف سنة، فانه لا يمكن أن تبدأ اليوم نفس النمو الذي بدأت به يوم أن كانت نبتة، لا بد للكائن العضوي من حد يقف عنده النمو، وهذا الحد يتوقف على الصورة الباطنية (الذاتية) للنبات أو الحيوان أو التاريخ أو الحضارة، الأمر الذي لا يسمح لنا القول بحضارة إنسانية تستمر في سيرها في خط أفقي ممتد وتاريخ عام([24]).

إن جوهر تفسيره للحضارة بيولوجي، كونه شبه الحضارة بالكائن الحي، إذ تشهد أطوارا ومراحل متتابعة، مثلما يشهدها الكائن الحي، حيث تبث الروح في بيئة مجتمع ما، كما تبث البذرة في تربة ما، هذه الروح تحمل إمكانات خلاقة تساعدها على صنع الحضارة، وهي إمكانات محصورة في فئة خاصة من الناس، هي فئة النبلاء، وهنا يظهر مدى التقاء اشبنجلر مع فلسفة نتشه، واغترافه من منابعها، حيث يقول “علمني نتشه موهبة الاستنطاق[25]“، فمثلما مجد نتشه في فلسفته النبلاء الارستقراطيين، مجد اشبنجلر في تفسيره للتاريخ والحضارة، وهنا يتضح البعد العرقي في تفسيره، ثم تبدأ هذه القيم في التدهور والسقوط، وبالضبط عند هيمنة قيم الديمقراطية، وهذا ما يتضح أيضا في “فلسفة العدمية” عند نتشه، والتي لا يقصد بها”اللاوجود” بل يقصد بها قيمة عدم تأخذها الحياة، أي يتم نفي وجودها والحط من قيمتها، كما تعني قيمة عدم تأخذها القيم العليا، إذ يتم إنكارها([26])”. فالحضارة لها دورتها، مثل الكائن الحي تبدأ من قيم النبلاء لتنتهي عند اجل مسمى، لا شيء يحدث مرتين في ذلك، حيث يقول” لكل حضارة إمكانياتها الخاصة للتعبير عن ذاتها، هذا التعبير الذي ينشأ وينضج وينحل ولن يعود أبدا([27])”

  • الدورة المقفلة والقطيعة بين الحضارات:

يقف اشبنجلر موقفا متميزا في تفسيره الحضاري، فإذا كان الفلاسفة المثاليين، يؤكدون على وحدة الحضارة والمسار التاريخي، وإذا كان معاصروه يؤكدون على أن الحضارة في تقدم وتطور مستمرين، فإن اشبنجلر ينفي هذين التصورين، ليؤكد أن كل حضارة لها شخصيتها المميزة لها، وفلسفتها الخاصة الى الحياة(weltanchang). هذا التمييز الذي يجعل التفاهم بين الحضارات أمرا عسيرا، أو أمرا غير ممكن على الإطلاق، لأنه يقرر أن الحضارات دوائر مستقلة عن بعضها البعض، إذ لكل حضارة ” فكرتها وعواطفها وانفعالاتها الخاصة، وإرادتها وشعورها وموتها الخاص بها…([28])” فقد تستعمل الحضارات نفس المفاهيم والكلمات والنظم، إلا أن معانيها تختلف من حضارة الى حضارة أخرى، فكلمة القانون والديمقراطية والنظام كلمات مشتركة، إلا أن مدلولاتها تختلف من حضارة الى حضارة أخرى، يجب على فيلسوف التاريخ كشف هذا الاختلاف انطلاقا من كشف مدلولاتها، كما يجب عليه كشف العلاقة المورفولوجية(التكوينية) التي تربط ربطا داخليا بين المعاني التي تحتويها الألفاظ والمصطلحات، التي تستعمل في كل الفروع الخاصة بهذه الحضارة([29]).

قادت هذه المقدمات اشبجلر الى الاعتقاد أن لكل حضارة(ثقافة) علومها وفنونها، مثلها في ذلك مثل الكائنات الحية، فلا يوجد فن واحد للتصوير الزيتي أو رياضيات واحدة، بل ذهب الى ابعد من ذلك الى كون أن لكل حضارة إنسانية عظمى”لغة سرية لشعورها بالعالم لا يفهمها إلا ذاك الشخص الذي ينتمي الى تلك الحضارة([30])”

إن اشبنجلر يدافع عن نسبوية مطلقة، بتأكيده أن الحضارات مستقلة تمام الاستقلال عن بعضها، فكل واحدة منها تكون وحدة أو دائرة مستقلة، وليس لها تاريخيا أي تواصل أو تفاهم أو تأثير متبادل، أو ليس بينها وبين غيرها إلا منافذ من نوع خاص لا تسمح بنفوذ شيء، إلا بما يتلاءم مع طبيعتها، لتهضمه وتتمثله، وتخلقه من جديد وفق طبيعتها، ذلك لأن طبيعة الكائن ليست على شاكلة واحدة، وبذلك فهو يقرر القطيعة بين الحضارات، وهذا في مقابل الطرح القائل بوحدة الحضارة الإنسانية.

  • التشكل الحضاري الكاذب:

 يقر اشبنجلر بوجود ظاهرة خطيرة في الصلة بين الحضارات، تلك الظاهرة التي يسميها بـ”التشكل الكاذب” وهو استعاره من علم المعادن، فهذا العلم يتحدث عن ظاهرة غريبة، تحدث في تكوين المعادن، وتلك هي أنه يحدث أن توجد بلورات معدن من المعادن في طبقة من الصخور، ثم يحدث لهذا الصخر تشققات يتسرب منها الماء، ليجرف الماء تدريجيا البلورات خارج مراقدها حيث تخلف وراءها تجاويف داخل الصخور، وعندما تحدث انفجارات أو ظواهر بركانية، تتدفق الكتل المنصهرة، وتشق طريقها داخل طبقات الصخر، فتتصلب وتتبلور الكتل المنصهرة  بدورها لا بشكلها الطبيعي لبلورتها، بل تظهر في ملء الأشكال الجوفاء في الصخر، التي خلفتها البلورات القديمة بفعل الماء، وهكذا تنشأ أشكال كاذبة ومشوهة يتناقض تركيبها الباطني وشكلها الخارجي، ويبرز نوع معين من الحجارة، وذو شكل غريب عن نوعها، وهذه الظاهرة هي التي يدعوها علماء التعدين بالتشكل الكاذب([31]).

طبق اشبنجلر هذه الظاهرة الطبيعية على تكوين الحضارات، محاولا من خلالها استبعاد أي اتصال وتأثير بين الحضارات، إذ لا يمكن لحضارة ما أن تشكل حضارة أخرى على صفاتها، حيث وجد اشبنجلر أن هناك حالات مشابهة لها تماما في صلة بعض الحضارات فيما بينها، أو في حالة تكوينها، والتي أطلق عليها مصطلح التشكل الحضاري الكاذب، الذي هو وصف لتلك الحالة التي تضطر فيه حضارات عريقة فقدت قوتها الخضوع والتلاؤم الظاهري مع الحضارة الغالبة ما دامت لا تستطيع أن تنمو معبرة عن طبيعتها الخالصة، ويظن الناظر الى السطح أن الحضارة المغلوبة على أمرها قد اختفت تماما، بينما هي في الحقيقة كامنة خلف القشرة الخارجية التي فرضت عليها.” فكل ما يتدفق من الروح الفتية لهذه الحضارة قد جرت صياغته في قوالب قديمة وهكذا يتصلب الشعور الفتي داخل إنجازات هرمة، وبدلا من أن يشب وينتصب مستندا الى قوته الإبداعية الخاصة نراه لا يستطيع غير كراهية القوة الجافة كراهية تتزايد لتصبح مروعة فضيعة”([32])

وفي هذا الحقد وتلك الكراهية يكمن أول شرط من شروط تحرير روحها الذي لا يكتمل ويتحقق خلاصها إلا بالقضاء على مظاهر التشكل الحضاري الكاذب الذي يتجلى في بعض ميادين الحياة الاجتماعية، وهو تشكل لا يشمل بالضرورة كافة مناحي حياة الحضارة، فقد يتحقق في بعض مظاهر وميادين حياتها، كما قد يكون شديدا  أحيانا وسطحيا في أحيان أخرى.كما لا يمكن تحديد امتداده الزمني، قد يطول قروناً وقد لا يطول، فهذا رهن بعوامل عديدة منها ما يتعلق بالحضارة موضوع التشكل الكاذب ومنها ما يتعلق بتلك التي فرضت وجوده عليها. وقد طبق اشبنجلر هذه الفكرة أو الظاهرة على نموذجين هما: الحضارة العربية والحضارة الروسية.

4-       التعاصر والتناظر بين الحضارات: اعتمد اشبنجلر بشكل أساسي على طريقة المقارنة بين الحضارات، وهي طريقة استقاها من احد فروع علم الأحياء(biologie)، وهو علم مقارنة الأحياء الذي يختص بمقارنة المخلوقات المتشابهة في مختلف الحيوانات، وهو ما يعرف بالتوافق والتماثل وقد أطلق اشبنجلر عليه في التاريخ اسم التعاصر. لقد تأثر اشبنجلر بالتمييز الذي وضعه علماء البيولوجيا بين المماثلة التي تعني التعادل أو التساوي الوظيفي، وبين التوافق أو التناظر في الهيئة و التركيب والوظيفة، وهذا يعني أن التوافق اشد وأعمق من التماثل، حيث أن كل جزء من أجزاء جمجمة الإنسان له ما يناظره عند باقي الحيوانات الفقرية، (و إن الزعانف الصدرية للسمكة وقوائم أجنحة وأيدي المخلوقات الفقرية الأرضية)، هي جميعا أعضاء متناظرة متوافقة، على الرغم من الاختلاف الذي بينها ، كما أن الرئة في الحيوان البري، يناظر كيس الهواء في الحيوان المائي، غير أن تلك الرئة (تماثل) الخيشوم عند الطيور، لان لهما وظائف متشابهة من حيث الاستعمال([33]). ادخل اشبنجلر هذه الفكرة في المنهج التاريخي وصاغها صياغة دقيقة في الجزء الأول من كتابه” تدهور الحضارة الغربية” حيث يقول:” إن البيولوجيا تستخدم اصطلاح مشاكلة الأعضاء(homology) كي نشير الى تعادل مورفولوجي،وذلك كي تميزه بضده أي اصطلاح المماثلة(analogy)الذي يرتبط بتعادل وظيفي(functional) وهذا التصور الهام قد أدركه غوته، ونحن سنترك لمنهاجنا في البحث التاريخي أن يمتصه أيضا([34])”  يتضح من هذا النص كيف استقى اشبنجلر فكرة التناظر(La symétrie) أو التعاصر(modernité) من البيولوجيا، وهذا ما يعمق ويجسد أكثر مدى أثر البعد البيولوجي في تفسيره للحضارة، كما يشير أيضا الى اثر مرجعيته وخلفيته الفكرية في منهجيته، حيث كان  يدرس الطبيعة، من خلال جمع ملاحظات متعددة في وحدة واحدة، تتمثل بماهية الطبيعة العضوية، واقتفاء بنفس الأسلوب الجيتوي- نسبة الى جوته-، حاول اشبنجلر دراسة تاريخ الحضارات  ذات الماهية الحيوية، لا الماهية الجامدة، حيث يعبر عن هذا الأمر قائلا:” إن ما دعاه جيته بالطبيعة الحية، هو تماما ما ندعوه هنا بتاريخ العالم”([35]). قادت هذه المماثلة الحضارية بـ”اشبنجلر” وبعد إجراء المقارنات بين الحضارات الإنسانية، الى القول بفكرة التعاصر أو المعاصرة، والتي رصد حادثين تاريخيين، لا تعيشان في وقت واحد، إلا أنهما تتناظران وتتطابقان، في كل شيء، وفي هذا الصدد يقول:” إنني اعني بكلمة معاصر، واقعيتين، يشغلان، تماما المركزين النسبيين ذاتهما، وذلك بالنسبة الى كل واقعة وحضارتها وهما يمتلكان اهميتين متساويتين متعادلتين.([36])”اعتمد اشبنجلر على مبدأ المقارنة واغرق في التشبيهات، في فهم وتفسير الحضارة، حيث أن مهمة فلسفة التاريخ، هي فهم البناء المورفولوجي(الشكل الخارجي)، إذ أن كل حضارة توافق في هيئتها وتركيبها مختلف الحضارات الأخرى، إذ تمر بفترات النشوء والازدهار والموت، وتشهد في مرحلة من المراحل ما تشهده حضارة أخرى من خصائص، من ظهور للتدين، الإصلاح الديني، التطهير، العقلانية، سيطرة الآلية والمدنية في مرحلتها الأخيرة.5-    رموز الحضارات وسيميائها:5-1- رموز الحضارات  لكل حضارة رمزها الأولي الذي تنطلق منه، وهو بمثابة المفتاح الحقيقي لفهم تاريخها، وسائر مظاهرها، من فنون وعلوم وآداب ونظم.فـكل ما في العالم الخارجي رمزا لمعن معين في العالم الحقيقي” كل ما هو موجود يشع بالرمز([37])” كما يرى اشبنجلر إذا للمكان أبعاد ثلاث، الطول والعرض والعمق، فالعمق يمثل البعد الأساسي قياسا للمكان، كونه يمثل انطباعا روحيا، وليس حسيا، “لأن العمق يرتبط بالتأمل، إما الطول والعرض، فيرتبطان بالحواس([38])”  ولما كان الرمز يرتبط بالمكان، فان ذلك الارتباط يجب أن يكون مع العمق، وان الشعور بعمق المكان في تصوره، شعور مشترك بين أبناء الحضارة الواحدة، ورمز المكان يعتمد على الشعور الذي يغزو جميع مظاهر الحضارة من (فن، وعقيدة وأدب وفلسفة…) وان كل الصور الإبداعية تعبر عن لغة الرمز الأولي، لا بطريقة الكلمات، بل بطريقة وجانية، تخاطب الشعور الوجداني، ولا تخاطب العقل أو الفهم([39]).كما أن لكل حضارة نظرتها الى العمق، وكل طريقة في النظر الى العمق، يعدها اشبنجلر رمزا خاصا لتلك الحضارة([40]). هذا وقد  بين اشبنجلر رموز العديد من الحضارات، وجعل لها أسماء وصفات، رمز الحضارة اليونانية(الابولونية) هو الحجم المادي المحسوس، ورمز الحضارة العربية(السحرية أو المجوسية) هو المغارة أو الكهف، ورمز الحضارة الغربية(الفاوستية) هو الفراغ أو اللامحدود.5-2- سيمياء الحضارات:كما اعتمد اشبنجلر في دراسة الحضارة وفهمها، منهجا جديدا شبيها بمنهج كوبرنيكوس، في علم الفلك هو المنهج العلاماتي السيميائي*، فالسيميائية عند اشبنجلر هي دراسة العلامات والإشارات التي تعبر عن روح الحضارة، وهي مرادفة للسمة وللعلامة، وان إدراك هذه السمات، هو الذي عناه اشبنجلر بالسيميائية،حيث نجده يقول” كل ما يحمل علامة الاتجاه والمصير، فإنما تنعت بالسيميائية([41])” . كما يرى اشبنجلر أن طرائق إدراك التاريخ غير طرائق إدراك الطبيعة، وهذا يتوافق مع تمييزه بين التاريخ والطبيعة، رغم أن هناك من لا يميز فيما بينها، فهناك مورفولوجيا خاصة بالتاريخ هي السيميائية، كما إن هناك مورفولوجيا خاصة للطبيعة هي المنهاجية، ويشبه اشبنجلر ظواهر التاريخ الثانوية(ملامحه الخارجية) بظواهر الإنسان الخارجية( سلوكه، خطواته، أسلوبه في النطق والكتابة)، ومعرفة الإنسان تستلزم معرفة كل الظواهر، غير إن السيميائية لا تجعل معرفة الإنسان تقتصر على كل هذه الظواهر فقط، بل تتعداها الى إدراك الحضارة التي ينتمي اليها الإنسان، “سيماءها، نطقها، أعمالها” وان تلك الظواهر مشابهة لظواهر الفرد الخارجية، فالسيميائية، تدرك الروح التي تقف خلف العلامات والظواهر الثانوية في الحضارة، أي تتخذ من ملامح الحوادث رموزا للروح  التي أملتها،  هذه الروح التي تطبع جميع مظاهرها وجوانبها بطابعها الخاص، كما تطبع روح الإنسان، مظاهره الخارجية بطابعها الخاص([42]).ثالثا: مسار الحضارة: يصنف اشبنجلر الشعوب الى ثلاث أصناف هي: شعوب سابقة للحضارة، وشعوب متحضرة، وشعوب ما بعد الحضارة. يطلق على الشعوب السابقة للحضارة بالشعوب الأولية، وهي شعوب اندفاعية، ليس فيها اتجاه ولا يهيمن عليها مصير، ثم تأتي الشعوب المتحضرة (الأمة) والتي تنشأ عندما تستيقظ فيها روح الحضارة، التي تكشف ذاتها في جميع جوانب الحضارة ومظاهرها، وتتطور حسب صورة الحضارة التي انشأتها، وهي تتميز عن الشعوب السابقة عن الحضارة، كون هذه الأخيرة هي شعوب عديمة الصورة، بينما الشعوب الحضارية تمتاز بأنها على صورة أو ذات صورة([43]). أما الشعوب ما بعد الحضارة (المتأخرة) فيطلق عليها شعوب الفلاحين، تتميز بالعقم وعدم الخصوبة، يصفها باللاتاريخية، كونها تفتقر الى وحدة الشعور بالمصير والتاريخ والوجود([44])إن اشبنجلر انتقد ظاهرة تصور التاريخ تصورا تطوريا كخط أفقي، كما تصوره أنصار التقدم والذي يمثله على رأسهم كوندروسيهNicolas de Condorcet  (1743- 1794 ) بنديتو كروتشي Benedetto Croce ( 1866-1952م)” بل تصور التاريخ انه مسرح يتألف من عدة حضارات عظيمة، وكل حضارة لها دورة حياتها، تبدأ بالميلاد(genèse) والنمو(croissance) ثم تتطور لتبلغ أوج ازدهارها(prosperity) لتشهد الانهيار والتدهور(décadence) والسقوط الحتمي(chute) أو الأفول.بما أن اشبنجلر اعتمد على التفسير االبيولوجي في فهم الحضارة، فهي في تطورها تشبه حياة الكائن الحي تمام الشبه، فهي تمتاز بنفس الصفات التي يحملها هذا الكائن، وبذلك فهي تمر بنفس مراحل حياة الإنسان، حيث نجده يقول:” إن كل حضارة تمر بمراحل العمر ذاتها، التي يمر بها الفرد الإنسان، فلكل حضارة طفولتها وشبابها وكهولتها وشيخوختها([45])” كما يعد اصدق تشبيه قدمه أيضا لحياتها بتعاقب فصول السنة،”الربيع، الصيف، الخريف، الشتاء” حيث أن للحضارة أدوارا مثل أدوار السنة، إذ أن لكل لدور من أدوارها الحضارة يقابله عصرا من عصور السنة، فربيع الحضارة يمثل طفولتها، وصيفها يمثل شبابها، وخريفها يمثل كهولتها، أما في الأخير فشتاءها يمثل شيخوختها. وسنتناول مراحل هذه الحضارة باقتضاب وفق العصور.  1- مرحلة ربيع الحضارة( الطفولة): إن الحضارة تبدأ في اللحظة التي تستيقظ فيها الروح بكل إمكانياتها وتبدأ في النضج والتشكل، ذلك أن الحضارة تظهر للوجود وهي تحمل صورة وجودها، فإذا أرادت أن تحقق صورتها فما عليه إلا أن تنظم ذلك الخليط الموجود على ارض الواقع،” ذلك أن الحضارة روح تكمن فيها القوى الخصبة المتوثبة للتحقق تخرج الى الوجود في بيئة خارجية في حالة فوضى مطلقة فتشيع النظام وتطبع ما حولها بطابعها([46])” فالمرحلة الأولى هي طور الفاعلية، إذ الحضارة في بداية حياتها لا تبالي بكل ما هو موجود، بل تحاول أن تثبت كيانها الخاص، عن طريق التحدي الذي تواجهه على ارض الواقع، بفضل الإمكانات الزاخرة التي تحملها في باطنها في بداية حياتها. هذه الفكرة لها اثر عميق في فلسفة ارنولد توينبي Arnold Toynbee (1889-1975)، إذ استلهم منها أسس نظريته”التحدي والاستجابة”*. إن اشبنجلر انطلق من فكرة هيغل القائلة بأن للحضارة روح، إلا انه لم يجعلها روحا واحدة، فهو يقسم التاريخ العالمي الى حضارات ولكل حضارة روحا أصيلة مستقلة بنفسها، تعبر عنها، وهي تختلف عن أرواح الحضارات الأخرى، إذ لكل منها صفة تخصها، فلا توجد حضارة عامة، بل لكل حضارة فلسفتها وتصوراتها.  إن فترة ربيع الحضارة تمثل مرحلة البطولة وما فيها من حياة الأساطير وشعر الملاحم، واتساع الخيال كفترة هوميروس في الحضارة اليونانية وفترة العصور الوسطى في الغرب، وامتلاك ديانة سحرية تعبر عن شعور جديد بالله والخوف من العالم وأساطير الأبطال الآريين في الحضارة الهندية والدين الهيليني بالنسبة للحضارة الكلاسيكية والكاثوليكية الألمانية بالنسبة للحضارة الغربية. فالدين يكتسي بعدا وأهمية كبرى في تفسير الحضارة ويمثل ربيع كل حضارة،” فالتطهير* تنقصه- في كل الحضارات- تلك الابتسامة التي أضاءت الدين وأثارته في ربيع الحضارة([47])” فروح الحضارة في دورها الأول روح دينية، فالإيمان هو الكلمة الكبرى التي ينطق بها الإنسان ضد الجزع الميتافيزيقي الذي يفرضه المصير([48]).كما يرى اشبنجلر أن الحياة السياسية والاقتصادية مبنية على النظام الإقطاعي الزراعي، وهو في نظره نظام ليس حكرا على الغرب وحده، بل يشمل كل حضارة، فالمجتمع مبني على الثنائية الطبقية هما: طبقة الملاك الإقطاعيون، وطبقة الفلاحين، الأولى طبقة مستغلة، وتشمل النبلاء وكبار رجال الكنيسة الكهنة، والثانية مستغلة ومحرومة من كل الحقوق، ويكاد أصحابها عديمي القيمة، فتشكيلة نمط علاقات الإنتاج هي التي تجعل المجتمع طبقيا، خاضعا لحكم طبقة نشطة هي النبلاء، ذات طموح ورغبة قوية في السيطرة والتوسع على حساب الغير. وبذلك يجسد دور الارستقراطية في صنع الحضارة، حيث يقول” لقد أمسى قدر الحضارة رهين قبضة النبالة”([49]).  2- مرحلة صيف الحضارة (الشباب):وهي المرحلة التي تعقب الإقطاع، والتي تعد المنعطف الذي تشهده كل حضارة،  حيث الانحراف عن الجانب القيمي، نتيجة بداية نفوذ رجال الدين على السلطة، وادعائهم بالوساطة بين الله والإنسان، الأمر الذي يجعل كل حضارة تشهد ظاهرة دينية في سيرورتها الخاصة، هي ظاهرة الإصلاح الديني، ومعناه رجوع الدين الى طهارة فكرته الأولى وصفائها، وليس من الضروري أن تنتهي حركة الإصلاح الديني الى قيام أديان جديدة، حيث يقول:” إن للإصلاح الديني المعنى ذاته في جميع الحضارات، ألا وهو العودة بالدين الى نقاء فكرته الأصلية وصفائها، ولا تخلو أية حضارة من الحضارات من مثل هذه الحركة([50])” في هذه المرحلة أيضا” تظهر القيادات الوثابة الطموحة، انه فصل ظهور وازدهار دولة المدنية في الحضارة الابولونية” اليونانية”، انه عصر النهضة وفن مايكل انجيلو الإيطالي وانتصارات غاليليو، وانه عصر أدب شكسبير في الحضارة الفاوستية([51])” كما تشهد سياسيا أيضا ظهور المدن والتنظيم السياسي، وهو في الوقت نفسه ثورة ضد الميثولوجيا، ويظهر فيه ذكاء نشط يدفع الدين الى الخلف، ويقدم شكلا علميا من الوعي. هذه المرحلة عموما يصل فيها التطور ذروته، حيث تنضج كل الإبداعات وتكتمل، كما يحدث ذلك تماما في فصل الصيف ، حيث تنضج الثمار.3- مرحلة خريف الحضارة (الكهولة): وهي مرحلة النضج الكامل للينابيع الروحية الثقافية وبداية البوادر الأولى للشيخوخة والإرهاق فيها الملكيات المركزة وفيها الفلسفة تتحدى الدين، والقيم السائدة باسم التنوير، إنها فترة السفسطائيين وسقراط وأفلاطون وأنها القرن الثامن عشر في أوربا حيث منتصف الخريف في موسيقى موزار وشعر غوته وفلسفة كانط. هي مرحلة سيادة العقل، وذكاء المدينة وذروة الإبداعية الصارمة، إنها عصر الانتشار، حيث ظهور مختلف النشاطات العقلية وخاصة الفلسفية منها، كما تعرف هذه المرحلة التدفق الكامل للينابيع الروحية وإرهاصات استنفاذها، مما يؤذن بهشاشة وضعف طاقتها، هذا العصر هو عصر المدن، وازدهار التجارة وتوسع الدول، وتحدي الفلسفة للدين، وتمجيد العقل ومنحه السيادة الكاملة، “فالحضارة تتبدل لتصبح عقلانية المدن، هذه العقلانية التي ستسيطر اليوم على الجانب الريفي من البلاد، فالرمزية العظمى تجف وتذوي وصخب من الأشكال فوق الإنسانية تموت وتفنى([52])” فالحضارة في هذه المرحلة تستنفذ كل إمكاناتها، فتصبح عاجزة عن الإبداع والابتكار، ليشدها الحنين الى مراحلها الذهبية الأولى، (الربيع والصيف) لشعورها بالفناء، حيث يقول اشبنجلر:” ثم وعقب هذه الحقبة ببعض زمن نرى الحضارة تصل الى الهشاشة وتشم عطر أواخر تشرينها(أكتوبر)([53])”وهكذا تدخل الحضارة في طورها الأخير وهو طور الانحلال والذي يتمثل في مرحلة الشتاء. 4- مرحلة شتاء الحضارة (الشيخوخة): وتمثل آخر مرحلة من مراحل الحضارة، ففي الشتاء تفقد الحضارة روحها المبدعة وتصبح مجرد مدنية، ويتوقع اشبنجلر في ظلها زوال الحضارة، لأنها قد لفظت آخر أنفاسها، وقدمت كل ما لديها من إمكانات، فالمدنية علامة من علامات السقوط والموت، لذا فهي تمثل نهاية لمسار الحضارة إنها المصير المحتوم الذي لا بد لكل حضارة من بلوغه، ولا يمكن للإرادة الإنسانية الوقف أمام تحققها.إن المدنية هي المرحلة النهائية من عمر الحضارة، إذ تشهد انحلال أخلاق الناس، حيث تسود الروابط المادية النفعية، وتتحجر قلوبهم ويختفي صوت وجدانهم، وذلك لسيطرة الأساليب المادية و التقنية على الحياة الإنسانية، ولا يقيمون وزنا للجوانب الروحية، ولا معيار إلا لمعيار المادة، فإنسان المدنية إنسان نفعي، حيث يقول: ” والإنسان في المدنية يضع نصب عينيه إشباع الحس هدفا له، ويقوم كل عمل بمقومات حسية تصب كلها في الجيب والبطن وما يشتق منهما، فإن المدنية عاطلة عن العظمة الحقيقية عقيمة لا مجال فيها للبناء الأصيل([54])”    كما تشهد سيطرة الاتجاهات اللادينية، ولا مجال للكشف والإبداع، أي الاتجاه الى الفكر والفن الذي يحقق التقدم والازدهار، بل الاهتمام منصب حول الغزو والفتح والعناية بالشؤون الاقتصادية والمادية، يقول اشبنجلر” لا يسكن المدنية العالمية شعب موحد الأصل نبت في تربة أرضه، بل يقطنها نوع جديد من القبائل الرحالة، حيث تتلاحم جماهيرها المائعة غير المستقرة وتلتئم وهؤلاء السكان الطفيليون معدمو التقاليد، مغرقون في الواقعية لا يدينون، يكنون احتقارا لابن الريف…وهذا ما يشكل خطوة واسعة نحو اللاأساسي أي نحو النهاية([55])” كما يرى اشبنجلر أن المدنية تشهد غياب قيم النبلاء – الارستقراطيين-من شجاعة وشهامة وفروسية ووفاء لتحل محلها سيادة القيم المادية والاقتصادية والعلمية، والتي هي علامة من علامات الضعف الحضاري، فإذا ما غاب الارستقراطيون عن الفعل التاريخي، وقف التاريخ عن التطور والحركة، بل يكون في حالة جمود وموت وزوال([56]).إن المشكلة الرئيسية في طور المدنية هي مشكلة أخلاقية، حيث تكون في طور الحضارة أخلاقا نظرية، وفي طور المدنية تتحول الى أخلاق عملية قائمة أساسا على المنفعة والكسب، وإقصاء تام للجوانب الروحية، وهنا يتفق مع ابن خلدون، حينما اعتبر أن الحضارة آخر مراحل المدنية والرفاهية،  بل هي بداية الانحدار،  فالحضارة عند ابن خلدون هي معاناة انتشار الترف والنعيم ومظاهر البذخ، الذي تسقط في ظله الدولة- كعنصر من عناصر الحضارة-  لأن هذا الوضع يؤدي إلى تفكك رابطة العصبية، فيكثر النفاق والشقاق وتسوء الأخلاق.خاتمة :استطاع اشبنجلر أن يقدم نظرية في تفسير الحضارة، وهي نظرية بيولوجية قائمة على فكرة التعاقب الدوري، حيث أن الحضارة في حياتها تمر بمراحل و أدوار تشبه تمام الشبه المراحل التي يمر بها الكائن الحي في حياته، من الميلاد والنمو والشباب والكهولة ثم الشيخوخة والموت، فهي تنطلق من اللحظة تستيقظ الروح بكل إمكانياتها وتبدأ في النضج والتشكل، ويوم تستنفذ هذه الروح جميع إمكاناتها، فيكون مصيرها الموت والزوال.كما شبه أيضا مراحل حياتها بتعاقب الفصول الأربعة للسنة، حيث تمثل مرحلتي الربيع والصيف طور الفاعلية والتقدم والنضج، والجوانب الغالبة في الحضارة هي الجوانب الروحي، أما المرحلتين الخريف والشتاء فتمثلان طور الجمود والتدهور، وذلك لما تحمله هاتين المرحلتين من انحراف عن القيم الأخلاقية والإسراف في المظاهر المادية، حيث سيطرة العقل والمادة في هاتين المرحلتين، وبذلك اعتبر اشبنجلر مرحلة المدنية هي المرحلة الأخيرة التي تصل اليها الحضارة، ويكون مصيرها المحتوم هو السقوط والأفول، لذا كان المصير حتمية عند اشبنجلر.عاش اشبنجلر في بيئة ثقافية متوترة، كانت فيها الثقافة الألمانية تواجه تحديات كثيرة، منها تحدي ازدهار الحضارة الغربية الانجلوسكسونية، وليبراليتها الفردية المفرطة، وتحدي التكنولوجيا وآلياتها، لذا فهو يعد مفكرا تشاؤميا، يتطلع الى غروب أصنام هذه الحضارة. فالحضارة الغربية وفق رؤية اشبنجلر حضارة عرجاء، تعيش حالة احتضار، وهذا بعد أن مرت بتقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، وتغييبها المطلق للدين أو القيم الروحية.إن طرح اشبنجلر الدوري والتشاؤمي للحضارة،لم يكن نابعا من فراغ، بل حاول أن يجد ما يؤيد طرحه في تاريخ الحضارات القديمة، نظرا لما تحمله من تشابه، إذ الحضارات القديمة مرت بنفس المراحل العمرية البشرية، لتمر الحضارة الغربية بالمراحل ذاتها، لتحل محلها قيام حضارة جديدة. هذا دون أن نغفل تأثره بالنظريات السابقة في التعاقب الدوري، وخاصة نظرية ابن خلدون حول قيام وسقوط الدول. ولعل لدراسة تاريخ الحضارات، ومعرفة مسارها، من شأنه أن يمكننا من النهوض بهذا الواقع المأزوم والمهزوم الذي تشهده معظم المجتمعات اليوم، وبالأخص المجتمعات العربية، وذلك بمعرفة دواعي القيام والسقوط، ولذلك يجب علينا العناية بدراسة الدورات الحضارية، وتخصيص مراكز بحث معمقة في هذا المجال، لعلنا نسلك طريق العروج نحو مدارج التقدم، وتفادي الكبوة الحضارية التي شهدها إنسان ما بعد الموحدين بتعبير مالك بن نبي.كانت نظرية اشبنجلر في الحضارة مصدر الهام لكثير من الفلاسفة والمؤرخين، كـ “ارنولد توينبي” و”البرت شفايتزر” و “قسطنطين زريق” و”مالك بن نبي” في الوقت نفسه كانت محل انتقاد واستهجان، كونه أسهب في أساليب التشبيهات والمقارنات أثناء تحديده لخصائصها ومقوماتها، الأمر الذي أبعده عن الحقيقة والعلم، حيث لا يمكن مقارنة ما هو  طبيعي بما هو إنساني، إذ لكل مجال محدداته وخصوصياته، هذا من جهة ومن جهة إفراطه في التركيز على القواسم المشتركة بين الحضارات، وإغفاله المطلق للخصوصيات التي تميز كل حضارة عن أخرى.هذا بالإضافة الى عجزه في التمييز بين الحضارات، حيث يعتقد أن الحضارة الفارسية والبيزنطية والسريانية والعربية هي حضارة واحدة اسمها الحضارة “المجوسية”، التي يعتقد بأنها تشكلت بتشكل الدول الهلنستية في الشرق.قائمة المراجع :

  1. اشبنجلر اسوالد، ت: أحمد الشيباني تدهور الحضارة الغربية، ج1 +ج2، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، ط1، 1964.
  2. ابن خلدون عبد الرحمان، مقدمة ابن خلدون، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، دار الفكر للطباعة والنشر بيروت د ع ، 2007.
  3. ابن منظور جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرم بن علي، لسان العرب، دار صادر، بيروت.
  4. بريتون رولان ، جغرافيا الحضارات، ت خليل احمد خليل، د د ، بيروت ، دع،
  5. بدوي عبد الرحمان، اشبنجلر، الكويت، وكالة المطبوعات،
  6. دولوز جيل، نتشة والفلسفة، ت: أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات، بيروت، ط3، 2001
  7. زناني احمد محمد ، علم التاريخ واتجاهات تفسيره اقتراب جديد، مكتبة الانجلو عصرية القاهرة، ط1، 2007 .
  8. زريق قسطنطين، في معركة الحضارة، دراسة في ماهية الحضارة وأحوالها، دار الملايين،بيروت،ط1، 1964
  9. سامي النشار مصطفى، من التاريخ الى فلسفة التاريخ قراءة في الفكر التاريخي عند اليونان، دار قباء للطباعة والنشر القاهرة دع، دت.
  10. شفايتزر البرت، في فلسفة الحضارة، ت: عبد الرحمان بدوي، دار الأندلس، د م، ط3، 1983.
  11. شيكو أمينة، مفهوم الحضارة عند مالك بن نبي وارنولد توينبي، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، دع، 1989.
  12. صليبا جميل، ج1، دار الكتاب اللبناني بيروت، ط1، 1978.
  13. عابد الجابري محمد، مسألة الهوية العروبة والإسلام …والغرب، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط4، 2012.
  14. محمود صبحي احمد، في فلسفة التاريخ، دار النهضة العربية، بيروت، د ع، 1994.
  15. محمد حسين محسن، طبيعة المعرفة التاريخية وفلسفة التاريخ، موكرياني للدراسات والنشر، العراق، ط1، 2012.
  16. مؤنس حسين، الحضارة دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطورها، عالم المعرفة المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت 1978
  17. Dictionnaire de l’académie française; éditions ebooks; France ; 5edition;1798
  18. Dictionnaire Larousse ; G G P Media Gmbh; Allemagne  2011 –

 

* اسوالد اشبنغلر  Oswald Spengler (1880- 1936) مؤرخ وفيلسوف ألماني، له اهتمامات بالرياضيات والعلم والفن،عرف بكتابه “انحدار الغرب” الذي نشر سنة 1918 وعنوانه  باللغة – الأصلية – الألمانية،  Der Untergang des Abendlandes ترجم الى اللغة الفرنسية بـ Le Déclin de l’Occident و الى اللغة الإنجليزية بـ The Decline of the West  وترجم إلى اللغة العربية بـ” تدهور الحضارة العربية” وهو كتاب يعرض فيه نظريته في الحضارة، القائمة على فكرة التعاقب الدوري، حيث جعل للحضارات عمرا محدوداً وأن مصيرها إلى الأفول، ولعله تأثر بما كتبه ابن خلدون في هذا المجال. إضافة الى  هذا انه قام فيه بتغطية كل تاريخ العالم.

[1]) المنجد في اللغة والأعلام، دار المشرق بيروت ط36، 1997ص 228.

[2]) جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرم بن علي ابن منظور، لسان العرب، حرف الدال المهملة، المجلد الخامس، دار صادر، بيروت، ص  323.

[3] – dictionnaire de l’académie française; éditions ebooks; France ;5 édition;1798 p829

[4] – dictionnaire Larousse ; G G P Media   Gmbh; Allemagne  2011page 203

[5]) محمد عابد الجابري ، مسالة الهوية والعروبة والإسلام ….والغرب، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط4،  2012، ص96.

[6]) نفس المرجع ص 97-98-99.

[7]) مصطفى سامي النشار، من التاريخ الى فلسفة التاريخ قراءة في الفكر التاريخي عند اليونان، دار قباء للطباعة والنشر، القاهرة،  دع، دت ص82.

[8]) قسطنطين زريق، في معركة الحضارة، دراسة في ماهية الحضارة وأحوالها دار الملايين، بيروت، ط1، 1964 ص180.

[9]) حسين مؤنس،  الحضارة دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطورها عالم المعرفة المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت 1978، ص 131.

[10]) احمد محمد زناتي، علم التاريخ واتجاهات تفسيره اقتراب جديد، مكتبة الانجلو عصرية مصر القاهرة ط1 ، 2007  ص 80-81.

[11]) مصطفى سامي النشار مرجع سابق ص 96-97.

[12]) ابن منظور، مصدر سابق،  حرف الحاء، المجلد الرابع، ص 148.

[13]) جميل صليبا، ج1، دار الكتاب اللبناني بيروت ، ط1، 1978 ص475.

[14]) رولان بريتون، جغرافيا الحضارات، ت: خليل احمد خليل،  د د، بيروت، دع،  1993، ص 19.

[15]) أمينة شيكو، مفهوم الحضارة عند مالك بن نبي وارنولد توينبي، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، دع، 1989، ص 18.

[16]) عبد الرحمان ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، دار الفكر للطباعة والنشر بيروت د ع ، 2007، ص 137.

[17]) نفس المصدر ص 405.

[18]) اسوالد اشبنجلر، ت: احد الشيباني تدهور الحضارة الغربية، ج1، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، ط1، 1964، ص48.

[19]) البرت شفايتزر، في فلسفة الحضارة، ت: عبد الرحمان بدوي، دار الأندلس، د م، ط3، 1983، ص 34.

[20])  قسطنطين زريق، مرجع سابق، ص289.

[21]) ازوالد اشبنجلر، ج1، مصدر سابق ص 87.

[22]) نفس المصدر، ص 40.

[23]) المصدر نفسه، ص 68-69.

* مصطلح  النكوص régression على خلاف مصطلح  التقدم progression ويعني في علم النفس التقهقر والارتداد في السلوك الى مرحلة سابقة من مراحل البناء والتكوين النفسي للإنسان، أما النكوص الحضاري فيعني عودة الحضارة  أو المجتمع الى الخلف، عوض التحرك تحو الأمام.

[24]) المصدر نفسه،ج1، ص 69.

[25]) المصدر نفسه، ج1،ص 38.

[26]) جيل دلوز، نتشه والفلسفة، ت، أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات، بيروت، ط3، 2001 ص190.

[27]) اسوالد اشبنجلر، المصدر نفسه،ص69.

[28]) المصدر نفسه ص 68.

[29]) حسين مؤنس، مرجع سابق، ص 305.

[30]) اسوالد اشبنجلر، نفس المصدر ص 329.

[31])  المصدر نفسه، ج2، ص 269.

[32]) المصدر نفسه، نفس الصفحة.

[33]) نفس المصدر ، ج1، ص 225- 226.

[34])  نفس المصدر ، ج1، ص 225.

[35]) نفس المصدر ص،ج1،  75.

[36]) المصدر نفسه،ج1، ص 226.

[37]) المصدر نفسه ، ج1، ص 308.

[38]) المصدر نفسه، ج1، ص 314-315.

[39])المصدر نفسه،ج1، ص 324-325.

[40]) المصدر نفسه، ج1،، ص 325.

* فالسيميائية التي هي علم من علوم اللغة التي تعنى بدراسة الإشارات، تسمى عند الأوروبيين بالسيميولوجيا، وعند الأمريكيين، بالسيميوطيقا، ويسميها العرب بالسيمياء، هذا العلم كان ولادته مزدوجة على يد السويسري  دي سوسير والأمريكي شارلز بيرس(مؤسس الذرائعية، التداولية).

[41]) نفس المصدر، ج1، ص 206.

[42]) نفس المصدر ، ج1، ص 207،208.

[43]) عبد الرحمان بدوي، اشبنجلر، الكويت، وكالة المطبوعات، 1982، ص 197.

[44]) اسوالد اشبنجلر المصدر نفسه، ج2، ص240-241

[45]) نفس المصدر ج1، ص218.

[46]) أحمد محمود صبحي في فلسفة التاريخ، دار النهضة العربية، بيروت، د ع، 1994 ص 227.

* ارنولد توينبي، مؤرخ وفيلسوف بريطاني، يعد أهم مؤرخ بحث في  مسالة الحضارات بشكل مفصل وشامل،  في موسوعته التاريخية الشهيرة المعنونة” دراسة التاريخ”والتي تتألف من اثنتا عشر مجلدا، انفق في تأليفها واحدا وأربعين عاما،  اشتهر بصاحب نظرية التحدي والاستجابة في تفسير الحضارة.

*التطهير أو البيوريطانية(puritan)مذهب مسيحي بروتستاني، ظهر في القرنين السادس والسابع عشر، يمثل خليطا من الأفكار الاجتماعية والسياسية واللاهوتية والأخلاقية، تستند تعاليمه الى الإيمان بالكتاب المقدس كمصدر وحيد للعقيدة الدينية، أي دون الأخذ بأقوال القديسين ورجال الكنيسة.

[47]) المصدر نفسه، ج1، ص 242-243.

[48]) عبد الرحمان بدوي، مرجع سابق، ص 222.

[49]) المصدر نفسه ج2 ص498.

[50]) المصدر نفسه ، ج2، ص 431.

[51]) محسن محمد حسين، طبيعة المعرفة التاريخية وفلسفة التاريخ، مؤسسة موكرياني للدراسات والنشر، العراق، ط1، 2012 ص 103.

[52]) اسوالد اشبنجلر، ج1، ص 377.

[53]) المصدر نفسه،ج1، ص219.

[54]) المصدر نفسه، ص ج1، ص16.

[55]) نفس المصدر ج1، ص 89.

[56]) نفس المصدر،ج2، ص514-515.


Updated: 2019-07-01 — 07:43

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme