نحو لسانيات معرفية نقدية؟ بيتر ستوكويل / ترجمة امحمد الملاخ


نحو لسانيات معرفية نقدية؟

بيتر ستوكويل[1]

ترجمة: امحمد الملاخ

جامعة القاضي عياض،الكلية متعددة التخصصات أسفي( المغرب)

مقال نشر في مجلة جيل الدراسات الادبية والفكرية العدد 44 الصفحة 27.

 

    ملخص الدراسة:

يبحث ستوكويل في هذه الدراسة حدود التقاء مقاربتين، الأولى تُعرف باللسانيات المعرفية والثانية تنتمي إلى المسمى التحليل النقدي للخطاب، ويروم الكاتب التوفيق بين المقاربتين في صيغة موحدة، بعد الإبانة عن حدود كل مقاربة على حدة. وذلك في اتجاه تطوير دراسة نقدية معرفية للخطاب.

 

Abstract

Stockwell examines in this study the limits of convergence of two-approach, the first known as cognitive linguistics and the second one belonging to the so-called  critical discourse analysis, the author aims to reconcile the two approaches in a uniform version, after expressing the boundaries of each approach.This is in the direction of developing a cognitive critical study of the discourse

   

المشهد العام للسانيات المعاصرة

بالعودة إلى الألفية الجديدة، من بين الحقول المعرفية السريعة التطور في اللسانيات المعاصرة نجد اللسانيات المعرفية والتحليل النقدي للخطاب. فكلا الحقلين حديثان ومبتكران، نسبيا. وكلاهما يزعمان أنهما يمنحان توجها جديدا جذريا في دراسة اللغة والتواصل. وهما يحققان هذا المسعى من خلال توسيع التصور التقليدي للغة باعتبارها مجالا يدرس لذاته. وكلاهما انبثقا من الدراسات البينية التي جعلت اللسانيات في صلب الاهتمام، ويتميز كلاهما بحماس روادهما، وبإحساسهم بعدم ملاءمة المقاربات الأخرى للغة. نتساءل من خلال هذه الدراسة عن مدى تقاسم التخصصين لأي أساس مشترك، وما إن كان بالإمكان التوفيق بينهما. ومن بين مسوغات هذا البحث السعي نحو استعمال المنهج المقارن من أجل إبراز المجالات الخاصة التي ينتمي إليها كلا التخصصين، وأيضا استثمار إجراء المقارنة لفحص بعض المزاعم المتبناة في كلا التخصصين.

تتجسد اللسانيات المعرفية بشكل أفضل في أعمال فوكونييFauconnier1994-1997 وجيرارتس Geeraert ومع كروندلارس Grondelaers 1994وباكما وجيبسGibbs1994وجونسونJohnson 1987 ولايكوف Lakoff وجونسون1980، 1999، ولايكوف 1987، ولانكاكرLangacker 1987، 1991، وسويتسرSweetser 1990، فوكونيي وسويتسر 1996، وتورنرTurner1987- 1991، ولايكوف وتورنر 1989 من بين آخرين. وتعتبر مقدمة أنجررUngererوشميد Schmid1996  جيدة، وإن كنت أزعم في هذه الدراسة حصول بعض المعرفة بالتخصص (لدى القارئ)، غير أنه لا مناص من تقديم بعض الأفكار المفاتيح. وهي كالتالي:

تتبنى اللسانيات المعرفية في وصفها للعلاقة بين العالم واللغة من جهة، والفكر من جهة أخرى، موقفا تجريبيا. وبالتالي ضد-موضوعي، ولهذا الموقف نتائج بعيدة المدى بالنسبة إلى مسائل الإحالة والعائد والإشارة والقوة التداولية والمقْوَلَة والمعْجَمَة والدلاليات المعجمية. والكثير من هذه النتائج بصدد التطور في الوقت الراهن. تقتضي إعادة التقييم الأساسية التي قدمتها اللسانيات المعرفية رفض الثنائية الديكارتية، وتوحيد الذهن والجسد، مع النظر إلى اللغة والفكر -والصياغة التصورية نفسها- باعتبارهما مجسدنين. تجد تجربة الجسدنة تحققا وظيفيا في البنيات الاستعارية (النماذج المعرفية المؤمثلة، واختصارا: ن م م) التي تتحقق في الاستعارات المشتركة والجديدة وفي العبارات. يقتضي التواصل المواضعاتي الاحتكام إلى نماذج معرفية مؤمثلة (قد تكون كلية) وخطاطات الصورة، من خلالهما نبنين فهمنا للعالم، ومن خلالهما نبنين تصورات جديدة. وهكذا تتكون معرفتنا بالعالم بواسطة ومن خلال هذه الاستعارات التصورية. إلى حد أن التصورات المجردة والجديدة تُفْهَم بشكل متشاكل من خلال تلك الاستعارات التصورية. كما أن سيرورةَ المقْوَلَةِ ذاتها تتشكل من خطاطات المستوى الأساس. وتُنَظَّمُ بكيفية تبرز آثارا طرازية. والوحدات من قبيل المقولات الشعاعية يمكن الحكم عليها باعتبارها مركزية أو هامشية، وتُصَنَّفُ استنادا إلى درجة “تمثيليتها”. لقد صاغت اللسانيات المعرفية قيودا بخصوص الترابطات الاستعارية، وغدا هذا الإطار قادرا على ملامسة حدوس الاستعمال اللغوي. ومن بين التطبيقات البينية المتعددة للسانيات المعرفية نجد المجال الفرعي المسمى بالشعريات المعرفية الذي يستكشف نتائج أفكار اللسانيات المعرفية في إطار التحليل الأدبي.

 (1989) وكالداسك يتجسد التحليل النقدي للخطاب في أعمال كل من بيرش

كولتهارد(1996)وفيركلاف (1989،1995، 1995 ب) وفاولر وهودج وكريس وتريو

 (1979)، فاولر (1981،1986،1991)، كريس هودج (1979)، هودج وكريس 1988)،تولان(1996) من بين آخرين. وبخصوص القضايا المفتاحية في التحليل النقدي للخطاب فهي كالتالي:

تعتمد المقاربة بشكل أساس على اللسانيات الوظيفية النسقية لدى هاليدايHalliday 1985، بغاية فحص بلاغة وإيديولوجية المؤسسات من قبيل الإعلام والحكومة والسياسيين وأجهزة التحكم والنصوص ذات التأثير الشعبي من الروايات الخيالية إلى اللوحات الإشهارية. لقد تطور التحليل النقدي للخطاب انطلاقا من حركة النقد اللساني لسبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، واتسع مداها إلى سيميائيات اجتماعية وتنويعات من مقاربات نقدية لمجموع شامل من الخطابات. يعتبر تحليل فيركلاف ذا توجه ماركسي ظاهر، حيث يشدد على مسؤولية الممارسة الأكاديمية في الكشف عن الإيديولوجيات الكامنة للمؤسسات المهيمنة والمتحكمة. يتأسس ذلك على إطار مستند إلى ثالوث تحليلي:

  • تحليل النص المنطوق والمكتوب
  • تحليل الممارسة الخطابية للفعل الإنتاجي والتأويلي
  • تحليل مموضع سياسيا للممارسة الاجتماعية (فيركلاف 1995أ: 133).

يعد التحليل النقدي للخطاب حليفا (تحديدا في عمل تولانToolan 1996) للتوجه الإدماجي (تبعا لهاريسHarris 1981، 1987). مما يعني أن أبعاد التجربة التواصلية من قبيل السياق وعلائق السلطة والمعرفة الخلفية لا توضع جانبا، كما هو الشأن مع اللسانيات التقليدية المبنية على أنساق القواعد، لكنها تعتبر جزء من دراسة كلية مدمجة.

تعتبر جذور وأسلاف اللسانيات المعرفية والتحليل النقدي للخطاب مسألة ذات دلالة. تتضمن اللسانيات المعرفية ممارسين بدؤوا باعتبارهم توليديين يشتغلون على النحو التوليدي التحويلي والكليات اللغوية في سبعينيات القرن العشرين. فبالرغم من دحض كثير من الكتاب الراهنين لتوجههم السابق، إلا أن البحث عن الكليات واللسانيات الكليانية والبحث عن البنيات التصورية ما زال توجها سائدا في اللسانيات المعرفية. غير أن هذا القلق الأوديبي تخْفُتُ حدته مع المنحى التطوري للتحليل النقدي للخطاب، فجذوره تمتد نحو الجناح اليساري في السياسة واللسانيات الوظيفية-النسقية، وما زال ذلك هو جدول أعمال كتاب هذا الاتجاه. ولقد أبان التحليل النقدي للخطاب عن اهتمام مستمر بالكشف عن الإيديولوجيات المحافظة والمعادية للديمقراطية في المؤسسات التحكمية، وفيالإعلام والنصوص ذات التأثير الشعبي. وإن كانت الأعمال اللاحقة للتحليل النقدي للخطاب قد أعادت مساءلة مسألة مدى صحة أو خطأ دراسة التحريفات النصية للواقع. وذلك استجابة لنقد نابع من التيار نفسه (من قبيل دراسة باترمانPateman 1981، ريتشاردسنRichardson 1987).

عموما، للسانيات المعرفية حلفاؤها في القارة الأوروبية و فيالولايات المتحدة، بينما تجد التحليل النقدي للخطاب شائعا بين الأكاديميين المشتغلينفي بريطانيا وأستراليا، وبالرغم من هذه الاختلافات الجغرافية والتاريخية لا نعدم نقاط التقاء على المستوى النظري.

  1. 2. مقارنة القضايا النظرية

 ثمة اهتمام مشترك بين اللسانيات المعرفية والتحليل النقدي للخطاب يتمثل في اقتراح البنيات العميقة التي تجعلها العبارات اللغوية ظاهرة ومكشوفة، فحيث يجري التركيز في التحليل النقدي للخطاب على كيف تكون الملفوظات الفردية والعبارات تعبيرا عن الممارسات الخطابية الإيديولوجية (من قبيل تحليل مقالات المجلات النسائية، وتقارير الجرائد وقوانين الجامعة… وهلم جرا). نجد اللسانيات المعرفية توجه اهتمامها نحو كيفيات تعبير الملفوظات والعبارات الفردية عن استعارات تصورية (نحو “يغلي إناءه”كمثال عن استعارة ” الغضب وعاء لسائل ساخن”). ويشدد التقليدان معا على مسألة مفادها أن المواضعات اللغوية ليست أمثلة للممارسة الاجتماعية فحسب، وإنما”يُشَكِّلُ” الاستعمال اللغوي الممارسة الاجتماعية (فيركلاف 1995 أ: 131). يسلط التحليل النقدي للخطاب اهتمامه على كيفية بنينة مؤسسات الهيمنة لتفكيرنا المواضعاتي، وتركز اللسانيات المعرفية على إبراز الاستعارات التصورية المتحكمة في الاستعمال اليومي.بالرغم من كون التحليل النقدي للخطاب ذا توجه تدخلي (يسعى إلى إبراز الوعي بالتحكم من أجل مقاومته نقديا)، ومن كون اللسانيات المعرفية تهدف إلى أن تكون وصفية المنزع (تسعى إلى أن تكون مجرد أداة ميتودولوجية قابلة للاستعمال بكيفيات إيديولوجية متنوعة)، غير أنه ما من سبب يمنع من استعمال الإجراءات اللسانية للسانيات المعرفية لخدمة التحليل النقدي للخطاب. ولنا عودة إلى هذه المسألة لاحقا.

كل من اللسانيات المعرفية (تحديدا لايكوف 1987) والتحليل النقدي للخطاب (فيركلاف 1995: أ) يعتبران توجها ضد-موضوعي للسلطة المؤسسة تصوريا للغة، وكلتا المقاربتين تشددان على التجربانية، غير أنه ثمة اختلاف في التعريف وفي تمثل مصطلح التجربانية. ففي اللسانيات المعرفية يستخدم المصطلح من أجل موضعة الصياغة التصورية في الجسد (لايكوف وجونسون 1980، 1999، لايكوف 1987، تورنر 1987، 1991)، والإعلاء من شأن التجربة المجسدنة في النماذج المعرفية المؤمثلة (ن م م). فمثلا المفهوم المجرد للزمن يجري تصويره كمقياس بشري ومكان ملموس، والمشاعر تُصَوَّرُ استعاريا بطريقة اتجاهية بواسطة حروف من قبيل “أعلى” و”أسفل” و”فوق” و”تحت” في علاقة بشروط أوضاع أجسادنا البشرية. فحيث إن المقولات والتصورات يتم تقاسمها بموجب النظام اللغوي نفسه الذي نشترك فيه، إلا أن الفرد يكون قد تعلم المواضعة بطريقة تجريبية، وإن كان ثمة عنصر مقترن بنظرية اجتماعية معينة يمكناستخلاصه من هذا الطرح،إلا أن التركيز يجري على الأفراد وعلى فضائهم الذهني المطبوع سلفا بالمواضعة الثقافية الصحيحة. يعد فهم التحليل النقدي للخطاب للتجربة أكثر دينامية وتفاعلية مقارنة بفهم اللسانيات المعرفية لها (ينظر تولانToolan 1996 وإشاراته بخصوص المشاكل التي تعترض اللسانيات المعرفية في تعاطيها مع الاستعارات الجديدة والمبتكرة، وأيضا ستوكويلStockwell 1999 بهذا الخصوص). لقد بيَّن تولان أن إقصاء اللسانيات المعرفية للنزعة الموضوعية لا يستقيم. يقول: “من الواضح أن إقصاءه (لايكوف) للنزعة الموضوعية المجردة ليس إقصاء للمقْوَلَة الجماعية نفسها، لكن بمثابة تشديد على الجذور المختلفة للمَقْوَلة (التجربة، في الجسد) وكذلك على نمط مختلف من المَقْوَلة (طرازي…  وليس مطلقا)، فباعتبارها إطارا ذهنيا مشتركا، تخضعالمَقْوَلة، بشكل حاسم، للمراجعة… ففي واقع الحال، قَدّم لايكوف “العنصر الأساسي في المَقْوَلة البشرية، بالنسبة إلى أشياء العالم بشكل مماثل لما قدمه النحو الكلي لدى تشومسكي بالنسبة إلى البنيات التركيبية للغات الطبيعية… ويسرد كتاب لايكوف (1987) مراجعات لما به تتحدد “العضوية في المَقْوَلة” (المقاييس المحدِّدة) إلا أنه لا يتخذ الخطوة الجذرية لمواجهة إمكانية أن تكون “العضوية” (المقولية) عرضية، تتنوع من حالة إلى أخرى استنادا إلى معايير قد تختلف من حالة إلى أخرى” (تولان 1996: 8-87).

ثمة تعارض بخصوص ما يمكن للتجريبانية أن تعنيه، وكيف يمكن إخضاعها لبحث ميتودولوجي استقصائي.

تعتبر النزعة الإدماجية مدار كتاب تولان بشكل أولي، وهو غير معني بشكل مباشر بالتحليل النقدي للخطاب، وفي الواقع هناك تماثلات بخصوص استعمال مصطلح الطرازات والمَقْوَلة في اللسانيات المعرفية والتحليل النقدي للخطاب. فالنماذج المعرفية المُؤَمثلة هي بنية معرفية تتراكم بشكل تجريبي وبالتالي فهي مفتوحة دائما على معلومات جديدة، وهي كذلك مقترنة بمجالات أخرى للمعرفة في شبكة، كما أنها مطلقة الحضور في النشاط المعرفي (أنجرير وشميد 1996: 9-48). والمصطلح صيغة جديدة (لايكوف 1987) لمصطلح الأطر وخطاطات المعرفة التي تطورت في أحضان البحث في الذكاء الاصطناعي في سبعينيات القرن العشرين. هكذا يربط فيركلاف التحليل النقدي للخطاب بهذه الأفكار، يقول: “من المفيد أن نفكر في الإيديولوجيا بدلالة الكيانات ذات المحتوى المتجسد في شكل سمات صورية متنوعة من قبيل الإطار أوالخطاطة أو المدونة، فمثل هذه المفاهيم لا تخلو من قيمة في هذا المقام” (شانك وأبلسون1977Schank and Abelson، فيركلافFairclough 1995 أ: 75).

لقد بلور فيركلاف (1989) في بواكر أعماله الأولى مصطلح “موارد الأعضاء”. و”موارد الأعضاء” ليست سوى بنيات معرفية تراكمية” يمتلكها الناس في رؤوسهم ويحتكمون إليها عندما ينتجون أو يؤولون نصوصا، بما فيها معرفتهم باللغة، تمثيلاتهم للعالم الطبيعي والاجتماعي الذي يقيمون فيه، قِيَمُهُم، معتقداتهم، مزاعمهم، وهلم جرا” (فيركلاف 1989: 24). من الواضح هنا أن مصطلح “موارد الأعضاء” عند فيركلاف هو نفسه الصيغة التجريبية للنماذج المعرفية المؤمثلة. ولقد سبق فيركلاف(1989: 10) أن أحال على مصطلح موارد الأعضاء باعتباره مجموعة من “الطرازات” ضمن فقرة معنونةبـ”علم النفس المعرفي والذكاء الاصطناعي” رابطا تلك البنيات الذهنية بالبعد المعرفي. يقول: “نعتبر موارد الأعضاء التي يحتكم الناس إليها في إنتاجهم وتأويلهم للنصوص ذات صبغة معرفية، بمعنى أنها موجودة في رؤووس الناس، غير أنها اجتماعية، مما يعني أن أصولها اجتماعية”. (فيركلاف: 1989:24). ما يحظىى باهتمام فيركلاف بالدرجة الأولى هو المظهر الاجتماعي، حيث يوظف انشغاله ذاك لدحض ما يجري التشديد عليه في اللسانيات المعرفية. يقول: “لا يفاجئنا عدم اهتمام علم النفس المعرفي والذكاء الاصطناعي بالأصول الاجتماعية وبدلالة موارد الأعضاء. سنزعم لاحقا أن الاهتمام بسيرورة الإنتاج والتأويل مسألة لامناص منها من أجل فهم التعالقات البينية للغة، بين السلطة والإيديولوجيا، وذلك لأن موارد الأعضاء محددة اجتماعيا ومصاغة إيديولوجيا، وإن كان “الحس المشترك” والطابع الآلي الذي يميزها يخفي هذا المعطى. يعتبر اللجوء الاعتيادي واللاواعي لموارد الأعضاء في تعاملاتنا الخطابية العادية آلية قوية لدعم علائق السلطة التي تنطوي عليها(موارد الأعضاء)” فيركلاف1989:11).

يلتقي النقد الذي صاغه فيركلاف في البداية مع ما دعت إليه اللسانيات المعرفية في تسعينيات القرن العشرين.وبيان ذلك أنه على المنوال ذاته الذي نظرمن خلاله فيركلاف(1989:91) إلى”الحس المشترك” باعتباره ‘ تطبيعا’ مع مجموعة من الافتراضات الإيديولوجية، وبالتالي لا تُدرك على أساس أنها إيديولوجية البتة (بحكم آلية التطبيع)، نظرت اللسانيات المعرفية، كذلك، إلى النماذج الثقافية باعتبارها استعارات تصورية مشتركة، تشتغل باعتبارها نظريات شعبية تبنين علاقتنا بالمجتمع (هولاند وكوينHolland and Quinn 1987). وإن حَرِص فيركلاف على مساءلة الاهتمامات المبكرة للسانيات المعرفية، يبدو لي أن مكمن الاختلاف مؤسس على تباين بؤرة الاهتمام، وهي إضافية ومكملة لا يرقى معها التباين إلى درجة الأطروحة المضادة. ويبدو أن فيركلاف يفضل إطارا يتم بموجبه تحويل الاهتمام من النماذج المعرفية المؤمثلة نحو النماذج المعرفية الإيديولوجية.

أشار فيركلاف إلى أن “الأطر والخطاطات والمدونات” كلها:”جزء من موارد الأعضاء تشكل إجراءات تأويلية … وتتقاسم خاصية كونها تمثيلات ذهنية متغيرة إيديولوجيا” (فيركلاف1989:158). ما يمكن أن يشكل جوهر المقارنة بين اللسانيات المعرفية والتحليل النقدي للخطاب هو الوعي بالإيديولوجيا،بالإضافة إلى وضعية التحليل اللساني باعتباره منهجا علميا أو التزاما نقديا. وإن كانت بعض الأعمال المنضوية تحت لواء الفرع المعرفي للسانيات المعرفية المسمى بـ”الشعريات المعرفية” (تورنرTurner 1987، 1991، لايكوف وتورنر1989Lakoff and Turner، دافيد فريمانD. Freeman 1993 أ، وفريمان1997M.H. Freeman) قد وجهت اهتمامها نحو التجلي الأسلوبي للاستعارات اللغوية، غير أن اللسانيات المعرفية عموما قد انشغلت أساسا بمسألة الترابطات الاستعارية الكامنة خلف العبارات الاستعارية. يعترف فيركلاف بِكَوْن الاستعارة مطلقة الحضور، وبالرغم من اهتمامه بالوظائف الإيديولوجية الكامنة غير أنه من خلال إطار اللسانيات النسقية قد أبدى اهتماما بالإيحاءات الإيديولوجية لمختلف الاختيارات الأسلوبية. يقول:”تعد الاستعارة أداة لتمثيل مظهر من مظاهر التجربة بواسطة مظهر آخر، وهي تنحصر في نمط من الخطاب تُقْرَنُ به عادة يتمثل في الشعر والأدب. لكن أي مظهر من التجربة يقبل التمثيل بواسطة عدد من الاستعارات، والذي يسترعي الاهتمام هنا هو العلاقة بين البدائل الاستعارية، لأن الاستعارات المتباينة تحمل ارتباطات إيديولوجية متباينة” (فيركلاف 1989: 119).

يبدو لي أن ثمة اختلاف في الممارسات الراهنة لكلا التخصصين، لكن ذلك ليس مدعاة كي نمايز بينهما، فكما يتبدى من خلال أعمال الشعريات المعرفية يمكن توظيف اللسانيات المعرفية بشكل موفق، لمناقشة التنوع الأسلوبي بصورةتتوافق مع التحليل النقدي للخطاب.

يكمن الاختلاف الأكثر إشكالية في نظرة كل من اللسانيات المعرفية والتحليل النقدي للخطاب لماهية تخصصيهما. تنظر اللسانيات المعرفية بشكل واضح لا غبار عليه إلى نفسها باعتبارها علما يصبو إلى استكشاف ظاهرة طبيعية متجسدة في اللغة، وإنتاج أفضل رصد ممكن راهن لاشتغال نظام تلك الظاهرة الطبيعية في الذهن. يزعم فريمان (1993 ب) أن اللسانيات المعرفية في ذاتها منهج وليست ميتودولوجيا؛ أي أداة خالية من أي افتراضات إيديولوجية كامنة، يمكن توظيفها لخدمة مجموعة من المقاربات الإيديولوجية. تفسر اللسانيات المعرفية التفاصيل المتعلقة بمجموعة من التأويلات مُقْصِية بعض القراءات التي تفتقر إلى أساس معرفي. لكن ليس بإمكانها الاختيار بين تأويلات مختلفة لكيفية تطبيق استعارة تصورية معينة. يؤكد فريمان في ارتباط بالتأويل الأدبي مايلي: “بطبيعة الحال لا وجود لتأويل مطلق وكامل لعمل أدبي، سواء أكان الدليل لصالح التأويل مصدره الاستعارة المعرفية أم أي شيء آخر. ولا وجود سوى لتأويلات محتملة، والتأويلات الصحيحة متفاوتة في سلمية صحتها”(فريمان 1993أ:17).

يكمن التحدي الذي صاغه فريمان في التساؤل بخصوص أي جزء من اللسانيات المعرفية إيديولوجي المنزع بشكل محايث. وبطبيعة الحال عندما ننظر إليها باعتبارها نظرية “خالصة”، حينئذ لا تملك إجابة عن هذا السؤال إلا بصيغة شديدة العمومية. بمعنى أن ثمة مسوغ إيديولوجي ضمني وراء اختيار ذلك الإطار المعرفي، غير أن الزعم أن اللسانيات المعرفية خالية من الافتراضات الإيديولوجية غير ذي أساس بحسب ظني. وهناك توافقات أساسية بخصوص استعمال مصطلحات من قبيل النماذج الثقافية والترابطات المواضعاتية للنماذج المعرفية المؤمثلة والطرازات المشتركة، وهلم جرا. والمنهج المشترك في أدبيات النقاش في اللسانيات المعرفية يتمثل في فحص العبارات المفردة بطريقة مفصولة عن المجتمع. وحتى إن لم تستبعد اللسانيات المعرفية البعد الاجتماعي، يبدو أن اهتمامها منصب على مسائل أخرى، وعمليا يعد ذلك اختيارا إيديولوجيا في ذاته. قد يصح القول إن ما يمكن اعتباره إيديولوجيا هو التطبيق وليس الإطار النظري، لكن بما أن الصيغة الوحيدة لمناقشة اللسانيات المعرفية لا تتحقق إلا بتطبيقها، فإننا بذلك لا نكون مسيئين للإطار إلا بشكل محدود جدا. وكما أشار إلى ذلك غروسGross(1997)، تسعى التخصصات الجديدة إلى المبالغة بخصوص نزوعها الراديكالي وجدتها وابتكاريتها، ومن المحتمل أن تكون اللسانيات المعرفية، بهذا الخصوص، ضحية دعايتها الخاصة.

لقد قدم فريمان (1993 أ) منظورا صارما وإن كان ملطفا في صيغته: “غالبا ما يتم نعتي بنعوت من قبيل شمولي وجوهراني. أحسب أن هذه المصطلحات تعني التعميم وتجاهل الخصوصيات التي لا تنسجم مع النظرية”. لقد تأسس عمل تشومسكي منذ البداية في النظرية اللسانية على دعائم هذا الخطأ… الذي بدونه لم يكن بالإمكان أن يحدث أي تطور في اللسانيات المعاصرة… ألم يكن تشومسكي ذلك “الشمولي” غير الثائب من البداية. لم تكن لأية نظرية من قيمة ما لم تكن قد بدأت شمولية وجوهرانية وكليانية، ثم بعد ذلك تشرع في تأهيل مزاعمها تدريجيا نحو مراتب أخرى مع تطور البحث” (فريمان 1993: 18).

من المؤكد أن السيرورة الموصوفة أعلاه هي الممارسة المعمول بها مؤسساتيا في العلوم (حيث يتنافس العلماء للحصول على تمويل ذاتي جيد). لكن لنقل إن هذا المنهج العلمي لا يصنع سوى علم سيء. من المؤكد أنه قد سجل تاريخ العلم انتقالا من إطار تفسيري إلى آخر، لأجل تحسين الإطار المعرفي. غير أنه لا مفر من خلفية إيديولوجية وحافز لممارسة العلم، مثلما هو الشأن بالنسبة إلى أي نشاط إنساني. ذلك ما يجعل الوثيقة الموالية المنتمية إلى اللسانيات المعرفية مثارا للاستغراب، يتعلق الأمر بتعليق لمحكم (مجهول) بخصوص ورقة اقترحها أحد زملائنا لندوة حول اللسانيات المعرفية. وإليكم تعليق المحكم: “يبدو أن الورقة الحاملة لعنوان “اللسانيات المعرفية والمقاربة الماركسية للإيديولوجيا” قد أخطأت طريقها. فمدارها نقد للسانيات المعرفية من منظور ماركسي، وقد يكون ذلك مناسبا لندوة لماركسيين يقدمون نقدا ماركسيا للأشياء. تجهل هذه الدراسة الفرق الجوهري بين اللسانيات المعرفية والماركسية، فاللسانيات المعرفية اشتغال علمي، إنها فرع من العلوم المعرفية. فهي ليست نظرية قبلية كما هو شأن الماركسية. ينبغي، ما دام الأمر متعلقا بندوة حول اللسانيات المعرفية، أن تكون الدراسة المناسبة متعلقة بالتحليل المعرفي للفكر الماركسي. وفي واقع الحال أن الملخص يجب أن يكون في ذاته موضوعا مهما يستوجب التحليل. الشيء الوحيد الواضح من الملخص (والذي اتضح منذ سنوات خلت) يتمثل في كون نتائج البحث التجريبي المحصلة حول الذهن في العلوم المعرفية، عموما، واللسانيات المعرفية، خصوصا، غير متوافقة مع الإيديولوجيا الماركسية. وليس ذلك مدعاة للاستغراب، فكما برهن على ذلك لايكوف وجونسون في كتابهما الجديد “الفلسفة في الجسد” فإن معظم الفلسفة الغربية غير متوافقة مع نتائج العلوم المعرفية. يمكن وضع ماركس جنبا إلى جنب مع كانط وأرسطو وديكارت. ومن وجهة نظر الإيديولوجيا الماركسية، تعد اللسانيات المعرفية مثالا “للوعي المزيف” ويشمل هذا الوصف كل ما يتعارض مع النزعة الماركسية، سواء أكان ذا دعامة علمية أم كان مفتقرا لها.

أقترح رفض الملخص. ويمكن تقديمه في ندوة خاصة بالماركسيين، أو جمعه مع دراسة تشتغل على النظريات الشعبية والاستعارات. إنها ندوة تجمع الملتزمين بقضايا اللسانيات المعرفية، ولا مكان لدراسات لا تنتمي إلى هذا الإطار. وما نقوله ليس الغرض منه تثبيط همم صاحب الورقة، بل دفعه للمزيد من فحص العلاقة بين اللسانيات المعرفية والماركسية بشكل مناسب”.

أن يكون الزعم بِكَوْنِ اللسانيات المعرفية علما، مدعاة لعدم إخضاعها لتحليل نقدي سواء أكان ماركسيا أم ما شاكل ذلك، هو زعم لا يستقيم. إن إدماج البعد الإيديولوجي المتضمن للعوامل الاجتماعية والمعرفية. لا يقلل من علمية التخصص. فالاستكشاف العلمي للظواهر الفيزيائية الطبيعية ليس مطابقا لاستكشاف السلوك الإرادي والوعي الإنساني. مما يجعل التعاطي مع الظواهر بشكل متماثل تعاطيا غير علمي.

ناقش فيركلاف فكرة كون التحليل النقدي للخطاب غير معني، بشكل مبسط، بمسألة الصحة والخطأ، فبدل هذه الثنائية القطبية المبسطة يحاجج لصالح مقاربة تحليلية محفزة سياسيا، لكنها واعية بالتزامها الخاص. وفي سياق سجاله ضد نظرية النقد ما بعد البنيوي، يزعم فيركلاف(1995 أ: 17) أن النظرية ما بعد البنيوية لا يمكن أن تكون نقدية حتى تتبنى منظورا للإيدولوجيا باعتبارها أداة يعاد من خلالها إنتاج العلاقات الاجتماعية للسلطة.

السؤال الأبرز يقترن بفهم ما الذي يعنيه الخطاب. ولقد كان فيركلاف حذرا (1989) في تعريفه للمصطلح، ليس فقط باعتباره أعلى في بينة الهرمية اللسانية، كما يذهب إلى ذلك سينكر وكوتهارد (1975)، ولكن بالمعنى الذي يستعمله ماكارثي وكارتر (1994) الذي بموجبه يقتضي “الخطاب” إعادة تقييم لـ”اللغة باعتبارها خطابا” في كل مستوى من مستوياتها. ويلخص فيركلاف محتويات تصوره على المنوال التالي:

  • خطاب (اسم مجرد): استعمال اللغة منظورا إليها باعتبارها ممارسة اجتماعية
  • حدث خطابي: تحقق استعمال لغوي ما، يُحلل باعتباره نصا، ممارسة خطابية، ممارسة اجتماعية
  • نص: لغة مكتوبة أو منطوقة يتم إنتاجها في حدث خطابي
  • الممارسة الخطابية: عملية إنتاج وتوزيع واستهلاك النص
  • التداخل الخطابي: تكوين النص بواسطة خطابات وأجناس مختلفة
  • خطاب (اسم كم): كيفية للتعبير عن تجربة دالة من منظور خاص
  • نوع: استعمال للغة مقرون بنشاط اجتماعي خاص
  • نظام الخطاب: مجموع الممارسات الخطابية لمؤسسة معينة، والعلاقات بين تلك الممارسات (فيركلاف 1995أ: 135).

إن النقطة الأساسية الفارقة بين اللسانيات المعرفية والتحليل النقدي للخطاب نتاج لمجموع التحديدات الاصطلاحية السالفة. فمعظم الممارسات التحليلية في إطار اللسانيات المعرفية تتمثل في لوائح من الجمل (يتم اختلاقها، غالبا، أو تستدعى من ذاكرة الكاتب)، فتوضع ضمن خطاطة من الاستعارات التصورية. وهناك نزوع واضح نحو تشييد مبادئ عامة وتعيين كليات لسانية معرفية وتأويلات قابلة لإعادة التطبيق والاستعادة ذات قيمة تفسيرية. والأمثلة المجسدة للإطار منتزعة من لغة الاستعمال الحالي، وذلك خلافا للتحليل النقدي للخطاب حيث يأخذ لغة الاستعمال الحالي (تكون في الغالب عبارة عن نصوص وليست جملا) كفرصة لنقد مؤسساتي خاص محدد في نقطة تاريخية مخصصة. تُقْرَن القيم التجريبية للمحتوى والمعرفة والاعتقاد بواسطة بعدين وصفيين في التحليل النقدي للخطاب، يتعلق الأمر بالقيم العلائقية للعلاقات الاجتماعية التفاعلية من جهة، والقيم التعبيرية للتقييم والذاتية من جهة أخرى (فيركلاف 1989: 2 -112). لا تغطي اللسانيات المعرفية البعدين المشار إليهما أعلاه والمتضمنان لسمات أسلوبية هامة من قبيل الصورية والصيغية.

  1. نقطة التقاء عملية

بعدما تم إبراز مكامن اختلاف الانشغالات، يمكن أن نجعل النقاش النظري أكثر تحديدا من خلال فحص التحليلات التطبيقية للسانيات المعرفية والتحليل النقدي للخطاب. لقد وظف كل من لايكوف وفيركلاف إطارهما المعرفي لتحليل التمثيل اللغوي للحرب والصراع في حرب الخليج الإيرانية في أوائل تسعينيات القرن العشرين.

يناقش فيركلاف(1995: 94-102) التغطية الصحافية البريطانية في يناير 1993 لحملة جوية قادتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا على العراق، مميزا بين تشكلات الخطاب في التقارير الصحفية التي تكون إما متوافقة أو استعارية. ويكون الاستعمال متوافقا: “عندما يستعمل الخطاب ليدل على أنماط التجربة التي اعتاد أن يدل عليها، بينما الاستعمال الاستعاري هو توسيع للخطاب كي يدل على نمط آخر من التجربة مغاير للذي اعتاد أن يدل عليه” (فيركلاف 1995 ب: 94). تمثل الفقرتان المواليتان للتشكل المتوافق والاستعاري على التوالي:

  • نسفت أكثر من مائة طائرة مواقع صواريخ عراقية، وتم ذلك الليلة الماضية، بعد أن نفذ صبر الحلفاء، وهكذا كُسِّرت أخيرا شوكة تحدي صدام حسين” (ديلي تلغراف) (فيركلاف 1995 ب: 95).
  • القضاء على الخطر المجنون: وأخيرا، قصفت طائرات الحلفاء جحيم صدام حسين. لقد دفع العراقي المجنون الغرب إلى أبعد مدى. لعب لعبة خطيرة وآن الأوان أن يدفع الثمن. لقد أرسل صدام حسين حملاته على حدود الكويت أربع مرات.
  • التهديد: لقد كان اعتزاز صدام بكون العراق خطط لاستعادة الكويت القشة التي قصمت ظهر البعير.
  • لا يمكن السماح لذلك الطاغية أن يتشبت بالسلطة بعد الآن. إنه إرهابي دولي، وتهديد مستمر للسلام. والمأساة أننا لم نتمكن آخر مرة من تصفيته.
  • هيا ياشباب لنقبض عليه” (سان) (فيركلاف: 1995 ب: 1-100).

يحدد فيركلاف في الفقرة الأولى المعجم- تركيب باعتباره مشكلا لخطاب الحملة العسكرية. لقد استعمل هنا بشكل متوافق، والاستثناء الوحيد هو الاختيار المعجمي المتمثل في الفعل “نسف” والمتوافق مع رصد روائي تخييلي لنشاط عسكري. وفي الفقرة الثانية نجد استعراضا “لخطاب الفتك الشديد” (فيركلاف 1995 ب: 101). وهنا تم تكثيف الخطابات، من بينها ما دل على الخطاب الشرعي (ينبغي أن يدفع الثمن) ورواية الحرب (ليُقْصَف وإلى الجحيم) ولغة أفلام  الويسترن الغربية (لنقض عليه، هيا يا شباب لنقبض عليه).

في التحليل الذي قدمه فيركلاف، وفي تحاليل أخرى عديدة، يترصد مسارات التمثيل الاستعاري لصدام حسين باعتباره تلميذا منحرفا، مستبدا، فتى مشاكسا يعاقبه آباء ساخطين، خَطَّاء غير ثائب (ليتم فرض الخطاب المسيحي على رئيس دولة إسلامية) ومجنونا.

فالتحليل المقدم رصد لساني دقيق يستند إلى جهاز هاليداي الاصطلاحي وإطار الوظيفية النسقية. ومدار اهتمام فيركلاف(1995 ب: 94) هو التشكيلات الاستعارية للخطابات، حيث يزعم بشكل مقنع أن التشكيلات الاستعارية “محفزة اجتماعيا، فبإمكان استعارات مختلفة أن تكون متوافقة مع اهتمامات ومنظورات مختلفة، وذات حمولة إيديولوجية مختلفة”.

تعد التفاصيل المرتبطة بالتحليل، عموما، ذات طابع وصفي، وإن كانت توظف لفائدة نقاش نقدي حول التمثيل الإعلامي. أنهى فيركلاف الفصل بالإشارة إلى أنه بإمكان المناقشة أن تلتزم باستعمال جهاز اصطلاحي متنوع وأطر لسانية أخرى. يقول بهذا الشأن: “توجد مصطلحات أخرى مكافئة تقريبا لـ”الخطابات” لكنها تنحدر من أطر نظرية وتقاليد مختلطة وهي مستعملة على نطاق واسع من قبيل الخطاطات والأطر والمدونات(من علم النفس المعرفي) والاستعارات” (فيركلاف 1995 ب: 101).

يعتبر الفارق ضئيلا بين كتابة فيركلاف ولايكوف وذلك في تعاطيهما مع الموضوع نفسه، سواءعلى المستوى التحليلي أم بالنظر إلى الهدف العام للتحليل.

لقد حَدَّد لايكوف في مقال معنون بـ”الاستعارة والحرب: نظام الاستعارات المستعمل لتبرير الحرب على الخليج” -وهو مقال تدوول بواسطة الفاكس سنة 1991 وروجع ونُشِرَ سنة 1992 وإن كنت أستعمل النسخة الأولى منه هنا-عددا من الاستعارات التصورية المستعملة بغرض شرعنة الحرب باعتبارها صفقة، أو باعتبارها توسيعا للسياسة، أو باعتبارها لعبة، أو باعتبارها حجاجا دائرا بين الشعوب وليس بين الدول. ولقد كان مدار الاهتمام في المناقشة حول عبارات فردية وليس حول نصوص كاملة. لكن على غرار المادة التي يستعملها فيركلاف، يستقي لايكوف مادته من التمثيلات الإعلامية ويتم التأليف بين عناصرها كي تشكل نسقا متسقا من الاستراتيجيات الاستعارية. وعلى منوالفيركلاف، يضع لايكوف نفسه في موضع المعارض للإيديولوجية المهيمنة التي تضفي الشرعية على الحرب. أشار لايكوف(1992) إلى أن قصة الحرب قد تم تقديمها استعاريا باعتبارها حكاية خرافية. فلأن الحكاية الخرافية نموذج معرفي مؤمثل فهي تصلح كمجال أساس قوي لإجراء عملية ربط maping استعارية. يعرض لايكوف، بشكل مختصر، إطارا سرديا مقتبسا من بروب (1970)، موظفا إياه في مناقشة عدد من السيناريوهات التي تقدمها وسائل الإعلام. من بينها “سيناريو الإنقاذ” حيث تبدو فيه الكويت ضحية،و يبدوالعراق شريرا، وتبدو الولايات المتحدة بطلة، و تبدو الجريمة اختطافا واغتصابا. و كذلك”سيناريو الدفاع عن النفس” حيث يبدو العراق شريرا والولايات المتحدة بطلا، لكن الضحية بمثابة تهديد بالقتل (قد يطال الصحة الاقتصادية)، وهذا وضع يستلزم المواجهة بالتعاون مع الحلفاء.

بالرغم من كَوْن المعالجة التي يقدمها كل من فيركلاف ولايكوف يتم الإقرار بانتمائها إلى إطارين، وهما التحليل النقدي للخطاب واللسانيات المعرفية، إلا أن الاختلافات في الممارسة التطبيقية ضئيلة. فثمة اشتغال على التفاصيل في الوصف اللساني الذي ينجزه فيركلاف، وإن كان التحليل الذي يقدمه ليس شاملا. بينما يناقش لايكوف الاستعارة التصورية التحتية، وإن كان ليس بالكيفية التي تجعل التحليل النقدي للخطاب على طرف نقيض. ويبدو على مستوى الممارسة أن ثمة تشابه بين اللسانيات المعرفية والتحليل النقدي للخطاب. والحال هنا أن الاهتمام منصب على استقصاء الخطاب الذي يرفع من شأنه، نظرا للاعتبار الإيديولوجي والسياسي الذي يحظى به.

وقبل أن نستمر في دراسة المزيد من النقاشات حول حرب الخليج، حري بنا أن ندرج في النقاش دراسة أنجزها شلتونChilton(1985،1986،1988) والتي قدمت توليفا بين أعمال التحليل النقدي للخطاب واللسانيات المعرفية في المجال السياسي. لقد طور شلتون مصطلح الاستنتاج الانتقائي لدى هوبزHobbs(1981)selective inferencingفي عملية الربط الاستعاريmetaphorical mappings، وذلك بهدف النظر إلى اللغة الاستعارية في مجال السياسة الدولية،باعتبارها تشتغل بطريقة التناسبات الرياضية التي تقرن بين مجالين معينين (تعود جذور هذا الضرب من الدراسات المستعملة هنا إلى البحث في الذكاء الاصطناعي، والذي يتناسب بصورة جيدة مع نموذج ترابطات النماذج المعرفية المؤمثلة في اللسانيات المعرفية).

يقول شلتون: “يوجد تناسب عندما تبرهن أو تقوم بحساب شيء من خلال إجراء عملية ربط بين مجموعة من الأشياء في مجموعة بأشياء مجموعة أخرى، حيث تقوم بحسابك أو ببرهنتك في مجال آخر، لتعود بعد ذلك إلى المجال الإشكالي الذي كان مدار اهتمامك في البداية كي تقيم فيه عملية الربط” (شلتون 1988: 63).

فعلى سبيل المثال، يحيل شلتون على دراسة غلين هوكGlenn Hook(1984) للإعلام في اليابان، في مرحلة أبدت فيها اليابان توجسا من زيارة سفن الولايات المتحدة التي من الممكن أن تكون حاملة لأسلحة نووية. وتم تمثيل هذا التوجس استعاريا باعتباره حساسية (مرضية). فالمصطلحات الاعتيادية للمجال الأساس هي المريض، الحساسية والطبيب. تُرْبَط بالمجال الهدف وعناصره: الشعب، والأسلحة النووية، والحكومة. تُنْتِج العلاقات الحملية بين هذه العقد (العناصر) عبارات مركبة،والتي تعتبر تعبيرا عن ترابطات بين الأطر: يبدي المريض رد فعل تجاه الحساسية، وهكذا يحقنه الطبيب كمية ضئيلة، حينئذ لم يعد المريض يبدي رد فعل تجاه الحساسية. ويتم الترابط على المنوال التالي: يبدي الشعب رد فعله تجاه الأسلحة النووية، وهكذا كانت الحكومة تدخلها بشكل تدريجي حتى لم يعد يبدي أي رد فعل. (شلتون 1986: 9)، فعندما تم الاشتغال من خلال هذه الخطاطة، كانت حصيلة ذلك نتائج سياسية فعلية، كان للاستعارة دور في بنينتها، تتلخص تلك النتائج في أنه ليس ثمة ضرر يمكن أن تلحقه الأسلحة النووية بالناس العاديين.

قام شلتون (1986) بالتوليف بين أطر تحليلية متعددة لمناقشة مسألة “نضالية” اللغة. لقد أحال على الأعمال المبكرة للتحليل النقدي للخطاب التي كانت بحوزته (كريس وهودج 1979، طومسون Thompson1984)، وكذلك مجموعة من الأعمال المبكرة في تقليد اللسانيات المعرفية (شانك وأبلسون 1977، لايكوف وجونسون 1980، وجونسون ليرد 1983). ولقد تبنى أعمالا من التداوليات (سورلSearle 1969، براون وليفنسونBrown and Levinson 1978، ومصطلح “الأفعال المهددة للوجه”)، وذلك بغاية وصف اللحظة التي يقدم فيها النص للقارئ تمثيلا إيديولوجيا معارضا، باعتبارها “لحظة خطابية حرجة”. وبإمكان كل من فيركلاف (1995ب) ولايكوف (1992) التعرف من خلال تحاليلهما على ما يَوَدُّ شلتون إبرازه. وأخيرا، قياسا على قطبي الاستعارة والكناية البنيويين عند ياكوبسون (1956)، يطرح شلتون قطبين وظيفيين للخطابات الإيديولوجية، ويتعلق الأمر بالنزعة الاستعارية metaphorismوالنزعة التلطيفية.Euphemism

فحيثما يشتغل الخطاب الإيديولوجي استعاريا يبني وضعية سياسية في نظام تمثيلي معقد، ومن ثمة لا يخلو من إكراه، فعندما يشتغل بشكل ملطف فإنه يجعل البدائل التأويلية صامتة، ومن ثمة يكون قمعيا. يشرعن الاستعمال الاستعاري وجهة نظر، أما الخطاب الملطف فيقوم على الإخفاء.

وبخصوص الموارد اللسانية التي بحوزة الخطاب الاستعاري، نذكر مايلي: التأطير، التوجيه، السرد. أما الموارد التي يتوفر عليها الخطاب الملطف فهي: البناء للمجهول والتأسيم والاستبدال المعجمي، وهلم جرا ( شلتون: 1986 : 15 ). من السهل ملاحظة كيف أن تحليل لايكوف (1992 ) يركز على المجموعة الأولى من السمات، بينما يتضمن تحليل فيركلاف ( 1995 ب) نقاشا مفصلا لمجموع السمات اللسانية الثانية المشار إليها أعلاه. ويمكن اعتبار عمل شلتون مزيجا من النزعة المعرفية والتحليل النقدي.

وأخذا بعين الاعتبار ما سلف ذكره، أعود إلى الحكاية الخيالية لحرب الخليج بحسب لايكوف( 1992 )، وذلك بغاية عرض ما يمكن أن تبدو عليه اللسانيات المعرفية النقدية في الممارسة. تعد السمات التالية مخصصة للحكاية الخيالية بناء على النموذج المعرفي المؤمثل الذي نملكه حولها (وبالاستناد كذلك إلى تجربتنا في قراءة الحكاية الخيالية باعتبار ذلك الطفل الذي كناه، وكذلك بالاحتكام إلى مقروئنا لأعمال من علم السرد إلى اللسانيات التعليمية) :

  • الافتتاح الرسمي ( كان يا مكان في قديم الزمان)
  • النهاية الرسمية ( وعاشوا في سعادة دائمة )
  • ذات ميزة تداولية مغايرة للخطابات المحيطة بها
  • حكاية الأطفال
  • تراجيديا محتملة/ فعل الشر
  • نهاية سعيدة
  • التموضع في سياق العصور الوسطى أو السياق الإقطاعي
  • مكون أمثوليallegorical
  • المظهر السحري ( سبب ونتيجة)
  • الحيوانات باعتبارها كائنات بشرية
  • البطل الصالح
  • الشرير / الوحش
  • الضحية البريئة / الفتاة في محنة
  • الخلفية المجتمعية

ارتباطا بتحليل لايكوف( 1992 ) لحرب الخليج المشار إليه أعلاه، شكلت الطريقةُ التي تُملأ بها العناصر المتحكمة في استعارة الحكاية الخرافية سيناريوهاتِ وعباراتِ معقدة مختلفة، فسيناريو الدفاع عن النفس الذي يهدد فيه الشرير بالقتل ( وفي استعارة فرعية ملحقة يعتبر النفط شريان حياة الدولة والفرد على حد سواء)، أضحى أقل شعبية مع تطور أزمنة الخليج، ما دامت العبارات المعقدة لهذا السيناريو تعيدنا إلى المجال السياسي حيث تسري عبارة مقايضة الأرواح بالنفط.

ولقد حل محل السيناريو السابق سيناريو المنقذ ( لايكوف 1992 ). وهنا تصير الكويت بمثابة الفتاة في محنة، لذلك أضحى من الملائم الحديث عن اغتصاب الكويت، لقد سُفِك دمها وصار غزوها بمثابة اختراق ( إيلاج). والعبارة المعقدة التي تعبر عن هذا الصنيع تتمثل في أنه أصبح سعي الولايات المتحدة نحو تحرير الكويت من العراق الشرير أمرامسوغا. غير أن ملأ خانات هذا السيناريو ليس هو جوهر المسألة، فمن أجل إجراء تحليل دقيق لاستعارة حرب الخليج كحكاية خرافية، يلزم فحص التفاصيل اللسانية وفق طريقة فيركلاف.

يمثل غزو الكويت في أغسطس 1990 البداية الرسمية للقصة. لقد اعتبرت معظم تقارير الجرائد والتعليقات وقرارات مجلس الأمن ذلك بمثابة نقطة انطلاق الأزمة الراهنة. وبداية صناعة العراق للشر، وهكذا يتم إبراز فعل الشر باعتباره بؤرة، والسبب الجذر لكل الاضطرابات اللاحقة، ويتم جلب الانتباه في مفتتح الحكاية نحو خبث المعتدي. ولا مشاحة في أن الحكاية الخرافية متميزة عن الخطاب المحيط، ويعتبر ذلك نتاج صيغة افتتاح ونهاية الحكاية، ففي الفصل الدراسي، عندما تُحكى حكاية تكون صيغة الافتتاح هي: ” كان يا مكان”، وتمكن هذه الصيغة الافتتاحية من جعل السرد اللاحق مستقلا تداوليا عن محيط الفصل الدراسي، وتتم استعادة ذلك المحيط بواسطة الصيغة الختامية: ”  وهكذا، عاشوا بعد ذلك في سعادة وهناء…” وتشكل كل من بداية الحكاية ونهايتها الحدود التي تشتغل ضمنها قواعد الاتساق والانسجام النصي. يظهر الاستقلال التداولي للحكاية في الاستعمال ” العادي” لأدوات التنكير المصاحبة للمركبات الإسمية ( في يوم من الأيام … كان هناك تنين…). وحتى وإن رُوِيَتْ هذه الحكاية مرات متعددة، ستظل الجملة الافتتاحية ثابتة، مستلزمة إحالة جديدة ( كوبنيكGopnik 1989 : 234 ).

وعندما تُنْسَخُ تلك السمة من ميدان الحرب، فهي تنحو نحو عزل مرحلة الحرب عن التاريخ المحيط بها. لقد كان سبب الحرب متمثلا في غزو العراق للكويت، غير أن وقائع سابقة عن هذه الحكاية قد حُجِبت ولم تُذْكَر من قبيل: نكث الكويت لوعدها بتمويل حرب العراق على إيران، أو زيادة الكويت في إنتاجها للبترول متجاوزة بذلك الحصة المخصصة لها في عملية الإنتاج، وذلك في سعيها نحو إفلاس العراق بخفض سعر البترول، أو سرقتها للنفط العراقي عن طريق الحفر الجانبي في حقل الرُمَيْلَة، أو المعاملة اللاإنسانية للعمال المهاجرين ( ومعظمهم من العراقيين) ( كل الإشارات المذكورة هنا وردت في : لايكوف 1992 ). وبالموازاة، وعلى الرغم من إشارة عدد من السياسيين المناهضين للحرب إلى المبيعات الغربية من الأسلحة للعراق، إلا أنه غالبا ما يتم التغاضي عن تلك الإشارة، على اعتبار أن ذلك لا صلة له بالوضعية الجديدة، لأن ذلك حصل قبل غزو العراق للكويت. كما تخدم النهاية الرسمية للاستعارة السردية تبرئة الحلفاء من أي لوم مرتبط بالكارثة البيئية، وما ترتب عنها من مجاعة وتشريد للأكراد والعراقيين اللاجئين الذين طردهم الجيش العراقي المهان من بلد دمرته القنابل. تقتضي الاستعارات الفرعية من قبيل: ” الضربات الموضعية ” و” الحصول على وظيفة” أن استسلام العراق سيضع حدا للمشكلة.

تعتبر الحكاية الخرافية قصصا موجهة للأطفال، لأنه غالبا ما يرويها الكبار للأطفال. تستند معظم تجربتنا مع الحرب إلى محكيات الصحفيين والسياسيين، غير أن من بين ما تستلزمه استعارة الحكاية الخرافية أن فهمنا طفولي مقارنة بفهم الخبراء والناضجين. وتزعم استعارة الحكاية الخرافية لنفسها مرتبة لا تقبل الطعن. وإن كانت تلك الصياغة تندرج بحسب فيركلاف( 1994 ب :94 ) في إطار ما يصطلح عليه بالاستراتيجية الخطابية الاستعارية، إلا أنها من فرط استعمالها يتم التطبيع معها، الشيء الذي يجعل إبطالها أمرا عسيرا. ويضفيذلك عليها وضوحا منقطع النظير، حيث تصير بمثابة استعارة تفسيرية، بتعبير غينتنرGentner( 1982 )، فيبدو مستعملها عقلانيا. وهكذا يبدو المتلفظ بتوظيفه لهذه السمات الأقل وضوحا، وإن كانت لا تخلو من إيحاءات غنية ( التموضع القروسطي، السحر والإنسان، الحيوان على النحو الوارد أسفله)، مستعملا لاستعارة معبرة تنقل غضبا مُبَرَّرا من الزاوية الأخلاقية.

ولقد كانت مسألة الحصول على نهاية سعيدة حاسمة في قبول الجمهور لإرسال الحلفاء لجيوشه إلى العراق. لكن لِنَعْلم، أن النهاية السعيدة حسب ما تحدده الاستعارة تتمثل في انتصار الحلفاء، ويعد انتصارهم تصورا شديد الاقتران بما تقتضيه الاستعارة، وإن كان معناه محصورا في الانتصار العسكري، وتمثل هذه النتيجة المجيدة ذروة الحكاية مصحوبة باستسلام العراق. وكما تمت الإشارة إلى ذلك سابقا، تشكل النهاية الرسمية للحكاية باعتبارها كيانا محتوى سلفا في بنية الحكاية إغلاقا لإمكانية استحضار الشوائب الناتجة عن الانتصار، من قبيل استمرار سيادة صدام وتدمير الكويت واحتمال هجمات إرهابية وكراهية العرب للغرب وهلم جرا. يُملأ السياق القروسطي والإقطاعي بشكل جيد عبر إدراك المِلكية كشرط مسبق للحديث عن الغزو والسرقة. كما يصير أمرا مقبولا بحسب استعارة الحكاية الخرافية كَوْن الحلفاء قد حاربوا من أجل استعادة المَلَكِيَّة إلى الكويت. ولقد كانت التصورات القروسطية من قبيل الشرف والمجد والحقيقة والحرية بارزة في خطاب السياسيين الحلفاء، كما استعملت الولايات المتحدة، بشكل خاص، الصراع من أجل الحق لتعديل الصورة غير العادلة التي تشكلت عنها في حرب الفييتنام. فعندما أعلن جورج بوش قائلا :” لقد تخلصنا من متلازمة الفييتنام، وذلك أفضل لنا”، فإنه رسم بذلك صورة مؤقتة للهزيمة، كما لو كانت مرضا عابرا أو عادة تم التغلب عليها. ( لايكوف : 1992 ).

يعد المكونالأمثولي للحكاية الخرافية سمة تسويغية أساسية تشير وتشرعن قراءة حرب الخليج باعتبارها حكاية خرافية. مثلما تسمح بتصور أخلاقي مبسط قائم على ثنائية الخير والشر التي يمكن انتزاعها من الأحداث السياسية المعقدة، وتتجسد تلك الثنائية في فكرة مفادها أن ثمة جانب يمثل الخير المطلق ومقابله يمثل الشر المطلق. وثمة عِبَر يمكن استخلاصها من قبيل عبرة :” لنتصدى للاستبداد”. وعلى ذلك المنوال، يسمح المكون الأمثولي للحكاية الخرافية بالنظر إلى مجال السياسات الدولية على أساس أنها تشتغل بالضوابط العامة نفسها التي تحكم ميدان لعبة ما أو قواعد إدارة المنزل. ولا يخلو هذا التصور من خطورة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالحديث عن الأسلحة النووية. ويقترح تصور الأمثولة بقوة أن ثمة عبرة وراء تلك الحرب، تشكل تلك العبرة خلفية للقول إن الجنود والطيارين الذين قُتِلوا لم يكن أبدا موتهم سدى.

يُنظر، عادة، إلى قوانين السبب والنتيجة في الحكاية الخرافية باعتبارها نتيجة للسحر، حيث يوضع نظام من التوقعات مختلف. ففي قصة حرب الخليج نُحِّيَّت جانبا المواضعات “العادية” للديبلوماسية والسياسات الدولية، وصارت قواعد أخرى جديدة تعمل بقوة، وهكذا صارت أمور من قبيل المجاملات الديبلوماسية واختراقات المجال الجوي والبحري الوطنييين والهجمات على المدنيين العُزَّل وتفجير وقتل الناس في المدن أمورا متوقعة في مجرى الحرب. هكذا، يُنْظَر إلى التفوق التكنولوجي للحلفاء ( غالبا، ما يتم تأطيره باعتباره ” سحرا تكنولوجيا”) كضرب من السحر.

من السمات البارزة في الحكاية الخرافية سمة الحيوانات الناطقة، وهكذا ترد بكثرة سمة استعارات الحيوان في حرب الخليج، فمن الثعابين إلى الأفاعي المخادعة والجينيرالات باعتبارهم طيورا حكيمة والقوات المسلحة باعتبارها آكلة ثعابين وباعتبارها صقورا وحمائم، وطارق عزيز باعتباره الكلبة الماكرة وجون ماجور باعتباره ” ثعلب الصحراء” ذا ” الشعر الأشقر”، وكل هذه الاستعارات تندرج في إطار استعارة الحكاية الخرافية لتسهم في التطبيع معها، مشكلة ” صيغة الحس المشترك” للأحداث.

4- تسويات لازمة

بالرغم من كون التحليل التطبيقي داخل نفس المجال سمح لمعالجات التحليل النقدي للخطاب وللسانيات المعرفية أن تكون متكاملة، إلا أن معظم النقد المنصب على التحليل النقدي للخطاب واللسانيات المعرفية قد ركز على المشكل الميتودولوجي المتعلق بتنظيرهما معا لمسألة الحقيقة والزيف في التمثيل النصي ( ينظر بهذا الخصوص : دوونزDownes 1993 وكروسGross 1997 في مجال اللسانيات المعرفية، وباتمانPateman 1981 ورشاردسونRichardson 1987 في مجال التحليل النقدي للخطاب). لقد بدت الأعمال المبكرة في التحليل النقدي للخطاب قائمة على تقديم نصوص وسائل الإعلام باعتبارها ” تحريفات” للوقائع الحقيقية، وهكذا كان سيكون شكل تركيبي معين ذا مصداقية تمثيلية لو وُظِف مقارنة بالشكل التركيبي المستعمل في الجريدة. وعلى سبيل المثال، تجري المقارنة بين البناء للمجهول ومقابله المبني للمعلوم، فتُعتبر بموجب المقارنة صورة المبني للمعلوم الصيغة الأكثر دقة لنقل الأحداث. من الواضح أن ” نزعة موضوعية” من هذا القبيل تقوض المقاربة. وإن كان رواد اللسانيات المعرفية يسمون ممارساتهم بسمة ” الأسطورة التجريبية” ( لايكوف 1987 ). وهكذا يشير فيركلاف إلى ذلك بشكل صريح في عمله الأخير في إطار التحليل النقدي للخطاب، يقول: ” بزعمنا أن الحدث الخطابي يشتغل إيديولوجيا، فإننا للوهلة الأولى لا ندعي بمقتضى ذلك الزعم أن الحدث الخطابي خاطئ، ولا نزعم كذلك أن ثمة موقعا مفضلا يجب انطلاقا منه صياغة أحكام الحقيقة والزيف. لكننا نزعم أن الحدث الخطابي يسهم في إعادة إنتاج علائق السلطة. ففي إطار منظور للتحليل الإيديولوجي من هذا القبيل، يخطئ الهجومُ على النقد الإيديولوجي هدفَه وذلك بسبب تفضيله المزعوم لادعاءات الحقيقة “( فيركلاف: 1995 أ :18(

يبدو أن كلا من التحليل النقدي للخطاب واللسانيات المعرفية يلتقيان حول هذه النقطة، وإن أمكن التوليف بين التخصصين، أو على الأقل أن يشتغلا بشكل تكاملي، فوجب على كل محاولة لتسوية الخلاف بينهما أن تتم في مستوى انعدام الاتساقات النظرية. ويبدو لي أن هناك العديد من المجالات التي يمكن انطلاقا منها الاستدلال على هذا الطرح.

فعلى سبيل المثال، بالرغم من أن عمل فيركلاف، وبشكل عام، متوافق بشكل صريح مع المنظور الماركسي للمجتمع والاقتصاد، فإنه ما من سبب يدعونا إلى عدم فصل مبادئ التحليل النقدي للخطاب عن هذا التوجه. ويعتبر ذلك أمرا ممكن التحقق على نطاق واسع، كما يتبين من خلال التعليق المقتبس أعلاه لفيركلاف( 1995 أ: 18 )، والذي يبيح للمنهج أن يستعمل ليس لخدمة ” الحقيقة”، ولكن لتعيين مختلف الممارسات الخطابية الإيديولوجية.

وثانيا، وإن كان التحليل النقدي للخطاب ذا صلة وطيدة بإطار التحليل النسقي الوظيفي لدى هاليداي، فإنه، ومرة أخرى، نقول ما من سببيدعو إلى ذلك. فها هو ذا فيركلاف يعترف بذلك، من خلال دعوته إلى ربط الحقل المعرفي بنظريته ( نظريةفيركلاف) الاجتماعية، يقول : ” تعتبر النصوص فضاءات اجتماعية تتوارد فيها سيرورتان اجتماعيتان أساسيتان بشكل متزامن: المعرفية  cognitionوتمثيل العالم من جهة، والتفاعل الاجتماعي من جهة أخرى. ومن ثمة يغدو المنظور التعددي الوظيفي للنص أمرا لا مناص منه” (فيركلاف 1995 أ:6 ).

يشير فيركلاف إلى أن استعمال التحليل النقدي للخطاب للسانيات النسقية الوظيفية ليس أكثر من مجرد مواضعة مؤقتة: ” يقتضي التحليل النصي مسبقا نظرية لغوية ونظرية نحوية، تتحدد مشكلة التحليل النقدي للخطاب في مسألة انتقاء ما يمكن عده مناسبا منها. لقد أحلت في مواضع شتى إلى كون اللسانيات النسقية ذات نقط قوة عديدة من منظور التحليل النقدي للخطاب… فبينما نعتبر اللسانيات النسقية نظرية مناسبة للاشتغال بها، إلا أنه وعلى المدى البعيد ينبغي على التحليل النقدي للخطاب كما استدل على ذلك كريسKress( 1993 ) أن يكون على علم بكل تطورات النظرية الاجتماعية الجديدة للغة، والتي يمكن أن تتضمن نظرية نحوية جديدة”( فيركلاف 1995 أ: 10).

من الممكن أن نتخيل نظرية معرفية اجتماعية متطورة بما يجعلها مطاوعة لكل من التحليل النقدي للخطاب واللسانيات المعرفية. ويمكن تخمين بعض سماتها الأساسية، وإن كان ذلك يتجاوز حدود هذه المقالة. فعلى سبيل المثال، يعتبر نزوع اللسانيات المعرفية نحو صياغة كليات تصورية شيء يجب مزاوجته بحساسية أكثر تجاه السياق والشروط المادية المرتبطة بالإنتاج والتلقي التي تمنح للخطاب معناه المباشر. ولقد كان تولان( 1996 ) محقا في إشارته إلى أن تنحية تلك العوامل ووضعها جانبا بغاية استكشاف المبادئ العامة، لا يعني سوى أن تلك المبادئ العامة لم تكن في بداية الأمر وفي منتهاه مبادئ موضوعة لأي شيء واقعي. ومن خلال تبنينا للفكرة الموجهة التي مفادها أن اللغة لا يمكن أن تُحَلَّل بصورة سليمة سوى باعتبارها خطابا، يستلزم إعادة توجيه لازمة للسانيات المعرفية نحو تحليل مموضع سياقيا وبعيد عن التصنيف المجرد عن السياق للجمل. ولا يقتضي ذلك التخلي عن الأطر المؤسسة سلفا، ولكن يتطلب استعمال التصور اللساني المعرفي للخطاب المجسدن، وهو تصور موجه أكثر نحو التلقي، خلافا لما كان عليه الأمر سابقا. وعلى كل حال، تحيا الأذهان المعرفية في أجساد مادية، وتقتضي إعادة صياغة مسألة الذهن- الجسد عند لايكوف وجونسون ( 1999) الاعتراف بالقيم الاجتماعية المشتركة والصراعات التي ينطوي عليها التواصل البشري.

يمكن، في التحليل التطبيقي، تحسين الكثير من المسائل في اللسانيات المعرفية، وبشكل خاص، تطوير حساسية واهتمام أكثر بالتمظهرات الأسلوبية للاستعارة التصورية، فعندما سيتحقق ذلك المبتغى في إطار التخصص الفرعي للشعريات المعرفية، يمكن حينئذ إنتاج استبصارات مركبة ودقيقة بخصوص المعنى المموضع في السياق ( ينظر بهذا الشأن: مناقشة م. فريمان: 1997 لشعر إميلي ديكنسونEmily Dickinson أو تحليل ويبرWeber 1995 لقصة قصيرة لدوريس ليسنغDoris Lessing، وذلك بخصوص بعض التطبيقات الأنيقة للسانيات المعرفية ذات الحساسية تجاه الأسلوب). ويكمن الخطر في أن أي إهمال لهذا البعد ستنتج عنه قراءات خطاطية محافظة، وببساطة غير ذات أهمية.

لقد أشار كروسGross (1997 ) إلى أن التخصصات الجديدة، نسبيا، تميل نحو تقليص الإشارة إلى ما تدين به للتقاليد السابقة، وتفرط في إبراز جوانب جدتها. وتنحو اللسانيات المعرفية هذا المنحى حيث تعلي من شأن فرادتها، وتسلم بطريقة غير نقدية بالسُلَط الفكرية. فعلى سبيل المثال يتم تقديم تصور التجربة المجسدنة، والذي يعتبر محددا للصورة التصورية واللغوية، دون الاعتراف بكون التيار النسائي الراديكالي قد تأسس على هذه الفكرة تحديدا، والتي وصفتها فيرجينيا وولفVirginia Woolf منذ ستين سنة خلت. ومن المؤسف ذلك النزوع نحو انتزاع عمل واحد من مجموعة أعمال علمية مشتركة وتقديمه بمعزل عن العمل المشترك الجماعي الذي تشكل في كنفه. النتيجة معلومة ومؤسفة تتمثل في كون الحصيلة العلمية تبدو رديئة ومفتقرة للإلمام بالموضوع. كما يغلب توجه غير مرغوب فيه نحو النزعة النقدية بدل الانخراط الجاد في الاشتغال بالحجج المضادة. وباختصار فإن أهم شيء يمكن للسانيات المعرفية أن تتعلمه من التحليل النقدي للخطاب هو أن تكون أكثر تأملا لذاتها، ومالكة لوعي اجتماعي وأقل نزوعا نحو الكليانية. وبالمقابل أهم امتياز تمنح اللسانيات المعرفية للتحليل النقدي للخطاب يتمثل في تخصيص حيز أكثر اتساعا للمنهجية، وأدوات تنظير التمثيلات الاستعارية، ومفاهيم أخرى من قبيل: الإبراز والخلفية والمقولات الاجتماعية والعرفية والانتباه. ولا تعوزنا أمثلة لمثل هذا الائتلاف بين المقاربتين، وذلك عندما يتم اجتلابهما للاشتغال على المجال نفسه، أو في إطار العمل البي-تخصصي الذي تقوده الشعريات المعرفية. وأظن أن هذا الفرع المعرفي للسانيات المعرفية سيثبت تأثيره النظري في المستقبل، على عكس ما يبدو في الوقت الراهن.

إنني أعي، وأنا بصدد عرض النتائج العامة، أن التوليف بين اللسانيات المعرفية والتحليل النقدي للخطاب بالكاد يكون ممكنا في مجال محدد، ويتعلق الأمر بالنص السياسي الذي يوظف الاستراتيجيات الخطابية الاستعارية. ولا يمكن أن نقول عن العلاقة الجامعة بينهما أنها جدلية، طالما نستشعر، بشكل عام، أن على اللسانيات المعرفية أن تأخذ من التحليل النقدي للخطاب أكثر مما يمكن أن يأخذ هو منها. وذلك ما يجعلني في نهاية المطاف أحس أن صياغتي للعنوان: ” نحو لسانيات معرفية نقدية؟ ” أفضل من الصياغة التالية: ” نحو تحليل نقدي للخطاب معرفي”. على الرغم من شعوري بما يكفي من الثقة لحذف علامة الاستفهام.

المراجع:

  • - Birch, D. (1989) Language, Literature and Critical Practice: Ways of Analysing Text, London: Routledge.
  • - Brown, P. and Levinson, S. (1978) ‘Universals in Language Usage: Politeness Phenomena’, in E.N. Goody (ed), Questions and Politeness: Strategies in Social Interaction, Cambridge: Cambridge University Press, pp.56-289.
  • - Caldas-Coulthard, C.R. and Coulthard, M. (eds) (1996) Texts and Practices: Readings in Critical Discourse Analysis, London: Routledge.
  • - Chilton, P. (ed) (1985) Language and the Nuclear Arms Debate, London: Pinter.
  • -Chilton, P. (1986) ‘Metaphor, euphemism, and the militarization of language’. Paper presented at the Biannual Meeting of the International Peace Research Association, Sussex.
  • - Chilton, P. (1988) Orwellian Language and the Media, London: Pluto Press.
  • - Downes, W. (1993) ‘Reading the language itself: some methodological problems in D.C.
  • - Freeman’s “‘According to my bond’ King Lear and re-cognition”’, Language and Literature 2(2): 121-8.
  • - Fairclough, N. (1989) Language and Power, London: Longman.
  • - Fairclough, N. (1995a) Critical Discourse Analysis: The Critical Study of Language, London: Longman.
  • - Fairclough, N. (1995b) Media Discourse, London: Edward Arnold.
  • - Fauconnier, G. (1994) Mental Spaces: Aspects of Meaning Construction in Natural Language, Cambridge: Cambridge University Press.
  • - Fauconnier, G. (1997) Mappings in Thought and Language, Cambridge: Cambridge University Press.
  • - Fauconnier, G. and Sweetser, E.E. (eds) (1996) Spaces, Worlds and Grammar, Chicago: University of Chicago Press.
  • - Fowler, R. (1981) Literature as Social Discourse, London: Batsford.
  • - Fowler, R. (1986) Linguistic Criticism, Oxford: Oxford University Press.
  • - Fowler, R. (1991) Language in the News: Discourse and Ideology in the Press, London: Routledge.
  • - Fowler, R., Hodge, R., Kress, G. and Trew, T. (eds) (1979) Language and Control, London: Routledge& Kegan Paul.
  • - Freeman, D. (1993a) ‘“According to my bond” King Lear and recognition’, Language and Literature 2(2): 1-.81
  • - Freeman, M.H. (1997) ‘Poetry and the scope of metaphor: toward a cognitive theory of literature’, Paper presented to ESSE conference, Debrecen, Hungary, Sept. 1997.
  • - Geeraerts, D., Grondelaers, S. and Bakema, P. (1994) The Structure of Lexical Variation
  • A Descriptive Framework for Cognitive Lexicology, Berlin: Mouton de Gruyter.
  • - Gentner, D. (1982) ‘Are scientific analogies metaphors?’ in D.S. Miall (ed) Metaphor: Problems and Perspectives, Brighton: Harvester Press, pp.106-32.
  • - Gibbs, R. (1994) The Poetics of Mind: Figurative Thought, Language and Understanding, Cambridge: Cambridge University Press.
  • - Gopnik, M. (1989) ‘The development of text competence’, in Conte, M-E., Petofi, J.S. and Sozer, E. (eds) Text and Discourse Connectedness: Proceedings of the Conference on Connexity and Coherence, Urbino, July 16-21, 1984, Amsterdam: John Benjamins, pp.225-44.
  • - Gross, S. (1997) ‘Cognitive Readings; or, The Disappearance of Literature in the Mind (Mark Turner, Reading Minds: The Study of English in the Age of Cognitive Science)’, Poetics Today 18(2):271-97.
  • - Halliday, M.A.K. (1985) Introduction to Functional Grammar, London: Edward Arnold.
  • Harris, R. (1981) The Language Myth, London: Duckworth.
  • - Harris, R. (1987) Reading Saussure, London: Duckworth.
  • - Hobbs, J.R. (1981) ‘Metaphor interpretation as selective inferencing’, Proceedings of the Seventh Joint International Conference on Artificial Intelligence: 85-91.
  • - Hodge, R. and Kress, G. (1988) Social Semiotics, Cambridge: Polity Press.
  • - Holland, D. and Quinn, N. (eds) (1987) Cultural Models in Language and Thought, Cambridge: Cambridge University Press.
  • - Hook, G. (1983) ‘The nuclearization of language’, Journal of Peace Research 21(3): 259-.57
  • - Jakobson, R. (1956) ‘Two aspects of language and two types of aphasic disturbance’, in R. Jakobson and M. Hallé (eds), Fundamentals of Language, The Hague: Mouton, pp.55-.28
  • - Johnson-Laird, P.N. (1983) Mental Models, Cambridge: Cambridge University Press.
  • - Johnson, M. (1987) The Body in the Mind: The Bodily Basis of Meaning, Imagination and Reason, Chicago: University of Chicago Press.
  • - Kress, G. and Hodge, R. (1979) Language as Ideology, London: Routledge& Kegan Paul.
  • - Lakoff, G. (1987) Women, Fire and Dangerous Things: What Categories Reveal about the Mind, Chicago: University of Chicago Press.
  • - Lakoff, G. (1992) ‘Metaphors and war: the metaphor system used to justify the Gulf War’, in M. Pütz (ed) Thirty Years of Linguistic Evolution. Studies in Honour of René Dirvenon the Occasion of his Sixtieth Birthday, Amsterdam: John Benjamins.
  • - Lakoff, G. and Johnson, M. (1980) Metaphors We Live By, Chicago: University of Chicago Press.
  • - Lakoff, G. and Johnson, M. (1999) Philosophy in the Flesh, Chicago: University of Chicago Press.
  • - Lakoff, G. and Turner, M. (1989) More than Cool Reason: A Field Guide to Poetic Metaphor, Chicago: University of Chicago Press.
  • - Langacker, R.W. (1987) Foundations of Cognitive Grammar. Vol. 1: Theoretical Pre-Requisites, Stanford: Stanford University Press.
  • - Langacker, R.W. (1991) Foundations of Cognitive Grammar. Vol 2: Descriptive Applications, Stanford: Stanford University Press.
  • - McCarthy, M. and Carter, R. (1994) Language as Discourse: Perspectives for Language Teaching, London: Longman.
  • - Pateman, T. (1981) ‘Linguistics as a branch of critical theory’, UEA Papers in Linguistics 14/15: 1-29.
  • - Propp, V. (1970) The Morphology of the Folktale, Bloomington: Indiana University Press.
  • - Richardson, K. (1987) ‘Critical linguistics and textual diagnosis’, Text 7(2): 145-.36
  • - Schank, R.C. and Abelson, R.P. (1977) Scripts, Plans, Goals and Understanding, Hillsdale NJ: Lawrence Erlbaum Associates.
  • - Searle, J. (1969) Speech Acts, Cambridge: Cambridge University Press.
  • - Sinclair, J. and Coulthard, M. (1975) Towards an Analysis of Discourse, Oxford: Oxford University Press.
  • - Stockwell, P. (1999) ‘The inflexibility of invariance’, Language and Literature .)2(8
  • - Sweetser, E.E. (1990) From Etymology to Pragmatics: Metaphorical and Cultrual Aspects of Semantic Structure, Cambridge: Cambridge University Press.
  • - Thompson, J.B. (1984) Studies in the Theory of Ideology, Cambridge: Polity Press.
  • - Toolan, M. (1996) Total Speech: An Integrational Linguistic Approach to Language, London: Duke University Press.
  • - Turner, M. (1987) Death is the Mother of Beauty: Mind, Metaphor, Criticism, Chicago: University of Chicago Press.
  • - Turner, M. (1991) Reading Minds: The Study of English in the Age of Cognitive Science, Princeton: Princeton University Press.
  • - Ungerer, F. and Schmid, H-J. (1996) An Introduction to Cognitive Linguistics, London: Routledge.
  • - Weber, J-J (1995) ‘A cognitive-linguistic analysis of Doris

- Weber Lessing’s “To Room Nineteen”’, in P. Verdonk and J-J (eds) Twentieth Century Fiction: From Text toContext, London Routledge

[1]- Stockwell ; Peter ; 2000 ; Towards a critical cognitive linguistics. In :Discourses of war and conflict. Potchefstroomuniversitypress.


Updated: 2018-10-08 — 09:48

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme