مشكلات المسلمين في غرب إفريقيا : آلام وآمال / موسى عبد السلام مصطفى أبيكن – شيخ أحمد بن عبد السلام


 

مشكلات  المسلمين في غرب إفريقيا : آلام وآمال

الأستاذ المشارك موسى عبد السلام مصطفى أبيكن      –       الدكتور شيخ أحمد بن عبد السلام

المحاضران بقسم الدراسات العربية والإسلامية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية

جامعة ولاية كوغي ، أينبا ـ  نيجيريا

مقال نشر في مجلة جيل الدراسات الادبية والفكرية العدد 42 الصفحة 9.

  ملخص البحث:

منذ ظهر الإسلام  في بلاد العرب ، وانتشر منها إلى بلاد العجم ، لم يتنزه بالكلية من رواسب الجاهلية ، ولوازب الوثنية ، وإذا كانت البلاد تتأرجح بالإسلام بين مد وجزر ، فيعلو حينا ، ويسفل تارة .   فالإسلام ينظر إلى التقاليد الموروثة نظرة ناقد بصير ليغربلها حتى يذهب الزبد جفاء ، ويبقى للناس ما ينفعهم مما يتجدد صلاحه ، فيقبله ويرضاه ، وينظر إلى البدع في العبادات فيرفضها ويأباها .

الكلمات المفتاحية:

الإسلام ، التقاليد ، اللغة العربية ، مشكلات ، الدعاية ،  العبودية ، آلام ، وآمال ، فصل .

Abstract                                                 

Muslims’ problems in West African Countries: Pains and Hopes

Since the introduction of Islam in Arab Peninsular and its spread to non-Arab countries, the Islam has not been completely cleaned up from unislamic traditions and practices. Islam could be well established in some areas and may not be deeply adhered to in some quarters. Although, Islam accepts good things that benefit humanity and frown at innovative ideologies which are considered unislamic

Key words: Islam, Traditions, Arabic Language, Problems, Propagation.

  مقدمة

إن جنود الإلحاد اليوم يسعون سعيا حثيثا إلى قلع جذور الإيمان من أعماق القلوب ، ولايستثنون دينا من دين، بل ظلوا يكيلون لجميع الأديان السماوية بالكيل الواحد جزافا ليرموها في سلة الخزعبلات والخرافات ، لأنها  لم تقدم إلى البشرية – على زعمهم – غير الغيبيات التي لاتقع تحت الحس والتجربة ، ولم تقدم وسائل الغنى والنعم والرفاهية والترف بل كانت عقبة في سبيل الاختراعات والكشوفات التي سعدت بها البشرية اليوم إلى غير ذلك من مغالطات وسفسطات يروجونها ويدسونها في أفكار الشباب الغر[1]،فالإلحاد  ليس جديدا في دنيا الناس ، ولكنه يتشكل في صور ليظهر في مختلف الأزمان بمختلف الألوان ، لهذا  أصبح جديرا بأصحاب هذه الأديان أن يتضافروا لصد طغيان هذا الإلحاد ليلتقوا على مبدأ حقيقة التدين ، والاعتراف بإله واحد ، خالق الكون بأسره ، وعلى حقيقة الوحي المنزل به على الأنبياء  [2].

الإسلام :

تدل كلمة الإسلام باشتقاقها اللغوي على معنى الخضوع والانقياد ، وقد ترددت في القرآن بهذا المعنى في مثل قوله: (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له) ، (الزمر: 54) ، (وأمرت أن أسلم لرب العالمين )، ( غافر: 56)،  ومن ثم أطلقت علما على ديننا الحنيف ٍفي قوله تبارك وتعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا )، ( المائدة: 3)  وهو دين لسعادة الناس كافة ،بل  دين يكمل الديانات السماوية . ويقول في موضع آخر: ( شرع لكم من الدين ماوصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولاتتفرقوا فيه).الشورى :13).

فالإسلام هو الشريعة الإلهية الأخيرة التي تفرض سلطانها على ماسبقها من شرائع سماوية ، وهو يقوم على ركنين أساسيين هما : العقيدة والعمل ، وتسمى العقيدة بالإيمان من الأمن بمعنى طمأنينة النفس وتصديقها بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم . وأهم أصل في العقيدة الإسلامية الإيمان بوحدانية الله ، يقول سبحانه وتعالى ( قل هو الله أحد ، الله الصمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له أحد) ( الإخلاص : 1-3)، فلاعبودية لغير الله من أوثان وأحجار وكواكب ، وهو ليس إله قبيلة ، ولا إله شعب بعينه ، ولا إله نور أو ظلام بل هو رب العالمين ، رب كل شيء في الكون وخالقه ليس كمثله شيء ، ولاتدركه الأبصار ، وهو يدرك الأبصار ، وهو اللطيف الخبير [3].والإيمان بالله وبغيبياته ، أصل من أصول العقيدة الإسلامية ، وبجانبها أعمال من العبادات ، يجب على المسلم أداؤها . وهي ترجع إلى أربعة فصول : الصلاة ،والصوم، والحج ، والزكاة ، فالصلاة بما يسبقها من طهارة الوضوء ، وبما فيها من تلاوة القرآن ، وتسبيح ، واستغفار، وفي القرآن الكريم ، يقول الله جل شأنه: ( قل لعبادي الذين يقيموا الصلاة ) ، (إبراهيم:31)، وفي موضع آخر ، يقول : إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا .( النساء : 103)

والصوم هو صوم شهر رمضان تبتلا إلى الله ، يقول جل وعلا ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ، ( آل عمران : 97)،  وفي الحج ، يقول الله :( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) ، ( البقرة : 183)،  ثم الزكاة ، وهي أن يرد من مال الغنى على الفقير ، وعلى الصالح العام للأمة ، وهي تذكر في القرآن دائما مع الصلاة تأكيدا لها ، وحثا عليها في مثل قوله : ( إن الذين آمنوا ، وعملوا الصالحات ، وأقاموا الصلاة ، وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ، ولاخوف عليهم ولاهم يحزنون[4] (البقرة: 177)

وبهذه القيم الروحية يقوم الإسلام ، فهو ليس عقيدة سماوية ، وفروضا دينية فحسب ، بل هو أيضا سلوك خلقي قويم ، يدعو إلى طهارة النفس ، ونبذ كل الفواحش والرذائل ، ومراقبة الإنسان لربه في كل ما يأتي من قول أو فعل . وما أعظم سماحة الإسلام  ! وما أعدل شريعته ! وما أروع ترفعه عن كل ما يثير البغضاء والأحقاد ، ويشعل نار الفتنة  والجفاء ![5]

فسماحة الإسلام ليست مقصورة على أهله وأبنائه ، وإنما تتسع أيضا للإنسانية جميعا ، لأن الإسلام هو دين الإنسانية كلها ، فهو يتسامح مع جميع الناس ، ما داموا لايؤذون أهله ، ولايحوكون المؤمرات للقضاء عليه .

وتسامح الإسلام مع الأديان الأخرى هو أمر نطق به التاريخ ، فما هدم الإسلام كنيسة ، ولا سفك دما من أجل عقيدة مخالفة له ، بل دعا إلى الله بالحكمة ، قال تعالى يخاطب نبيه ، وكل مؤمن معا : ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ، وجادلهم بالتي هي أحسن ، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمتقين )، (النحل : 125)

 وقد قال الدكتور عيسى ألبي أبوبكر ، الشاعرالنيجيري المعاصر ، في ميميته مؤيدا الدين الإسلامي ، وبكل ما جاء به من الشريعة  الإسلامية البيضاء إذ قال :

عز العباد يديمه الإســـــــــــلام        لا الظلم يعبث فيه والإيلام [6]

دين حرام أن يجيئك مثلـــــــــه         هو للبرية رحمة وســــــلام

دين النباهة والنزاهة قد صفــى         مما تلطخه به أوهـــــــــــام

سلمت طريقته وقوم نهجــــــه          ربي فهل يزري به ويلام   ؟

أتباعه لافرق بين غنيهــــــــــم         من يحتمي بحماه كيف يضام؟

نور تبلج في السماء ليختفــــــي        بين البرية حيرة وظــــــــلام

سل عنه أعصارا مضت في ذهنها    ما تستعاد لحبره الأقــــــــــلام

حفلت بأحداث النبالة والعــــــلا       سمرت بها الأيام والأعـــــوام

قد نافس الأديان في هدي الورى      فاستسلمت فسما عليه وســـام

قد سفه التأليه والتثليث فــــــي         عزم تصوب قوله الأفهــــــام

أرأيت دينا جاء يحترم النهــــى        فيما يقول تعقل ونظــــــــــام؟

لايستهين بعقلنا في أمـــــــــره         أو نهيه فصفت له الأحـــكــام

هو لايكلفنا بما يعني الفتـــــــى        أتباعه  الأعراب والأعجـــــام

قدسية الإسلام روحانيـــــــــــة        في ظله  للصالحات مــــــقام

إن النبوة فيه قد كملت فـــــــــلا       تلقى نبيا بعده الأيـــــــــــــــام

من يبتغي في الأرض دينا غيره      ففلاحه في العالمين حــــــــرام

أدى الرسالة بالأمانة مصطفــى       من ناصريه الوحي والإلهـــام

سبحانك اللهم قد كرمتنـــــــــــا       بمحمد هو في الصعاب همــام

قل للذي طلب السبيل إلى العلا       إن الصراط إلى الهدى الإسلام

وعلى هذه العقيدة الغراء ، بنى الشاعر العراقي معروف الرصافي حماسته الإسلامية حين قال :

لقد أيقظ الإسلام للمجد والعـــــــلا      بصائر أقوام عن المجد نـــوم [7]

فأشرق نور العلم من حجراتــــــه      على وجه عصر بالجهالة مظلــم

ودك حصون الجاهلية بالهــــــدى       وقوض أطناب الضلال المخيــم

وأنشط بالعلم العزائم وابتنــــــــــى      لأهليه مجدا ليس بالمتهـــــــــدم

وفك إسار القوم حتى تحفــــــــــزوا     نهوضا إلى العلياء من كل مجثم

وعما قليل طبق الأرض حكمهــــــم      بأسرع من رفع اليدين إلى الفم

فالإسلام  في جوهره دعوة خالصة إلى التوحيد ، تستهدف خير  البشرية وسعادتها ، لكونه رسالة عامة إلى الإنسانية جمعاء ، ولكون النبي صلى الله عليه وسلم  آخر الأنبياء ، فقد تضمنت رسالة رسول الله نظاما شاملا كاملا لحياة البشر ، عقيدة ومعاملة ، ولا يزال هذا الدين الحنيف يواجه بعض المشكلات التي يعاني منها المسلمون في العالم بأسره على اختلاف أشكالها في الأقطار.

مشكلات  المسلمين في الواقع المعاصر :

إن المشكلات التي تجابه المسلمين في العالم الإسلامي متعددة ، منها قديمة العهد ، ومنها حديثة الوجود ، وبعضها تصدر من المسلمين أنفسهم ، بينما تنجم بعضها من أعداء الإسلام والمسلمين ، نجملها في هذه النقاط :

1- فصل العربية عن الإسلام :

من المؤامرات التي تحاك ضد ٍالإسلام ، وتشكل خطرا بالغ الخطورة على اللغة العربية مؤامرات فصل العربية عن الإسلام ، ولقد تعرضت العربية لحملات متنوعة من التبشير الصليبي ، والاستعمار الغربي لنزعها من الألسنة ، وقلعها من الأفئدة لتحل محلها الإنجليزية والفرنسية في العالم الإسلامي ، وقد حارب المبشرون والمستعمرون العربية في العالم العربي أولا، ثم في العالم الإسلامي ثانيا، إذ دعوا المسلمين من غير العرب إلى تجريد الإسلام من العربية ليصير كالمسيحية التي لاتتقيد بلغة في طقوسها وصلواتها.

ودعوا المسلمين إلى نبذ التسامي بالعربية ، وزعموا أن ذلك من آثار التبعية ، ولقتل العربية  فتحوا معاهد الاستشراق في جامعات أوروبا وأمريكا وإفريقيا كإحدى اللغات الحية لا كلغة الدين الإسلامي، ليصبح من يتخرج منها ملحدا لا دين له ، كل ذلك ليتمكنوا من إضعافها بعد فصلها عن روحها وقوتها التي هي الإسلام ، فيجب على الدعاة في كل مكان أن يقفوا لمكائد الاستشراق بالمرصاد ، وأن يعملوا للحفاظ على حياة العربية للإسلام والقرآن ، بل عليهم أن يعملوا لنشر لغة القرآن في كل مكان [8]

إن مسؤولية ذلك تقع على أفراد الدعاة المتفرغين ، الذين يحملون على عاتقهم أمانة تبليغ الدعوة الإسلامية إلى الناس ، فلايتوهم الناظر السطحي أن المؤئولية تقع على الحكومات والدول العربية ، بل هي مسؤولية الدعاة أولا وآخرا .إن المبشرين هم الذين ساعدوا على نشر لغة المستعمرين بفتح المدارس التبشيرية ، ومن تتبع حركات التبشير والاستعمار معا في إفريقيا وأوروبا وآسيا ، يدرك هذه الحقيقة ، فإن المبشرين هم أصحاب الفضل الأول والأخير في نشر لغة فرنسا والإنجليز[9]

إن اللغة العربية جزء من الإسلام لايتجزأ ، ولايمكن فهم الإسلام إلا بتذوق اللغة العربية ، ولايتم تذوقها بدون الوقوف تماما على أسرارها وآدابها ، ولاتؤدى الصلوات والنسك الإسلامية على وجهها الكامل إلا باللغة العربية. وفي تأييد اللغة العربية وفضلها ، قال الدكتور عيسى ألبي أبوبكر مخاطبا إياها :

لغة الضاد قد أهينت كثيـــــرا      عد ذاك الهوان عيبا وذنــــبا [10]

منعوها حقوقها فسكتـــــــــــم       أسلبوها لها من القوم سلــــبا

عرف الناس فضلها فغزوهــا       ورموها بالسقم مينا وكذبــــا

ذمة الله قد أضعتموها تمامـــا       أيها الناس لاتخافون ربــــــا

كل من سام ذمة اللـــــــه   ذلا      ضربته ملائك الله ضربــــــا

لغة العلم والحضارة والفــــــــــــــــن تفوق اللغات ذوقا وعذبا

شاعر النيل قد أهاب بقــــــوم        احفظوها وقاكم الله خطبا

ويحهم ما أفاد هم قول إبراهيــــــــــــم شيئا فجر ذلك نكبـــــــا

أيها الناس ارحموا لغة الـــــضا       د ولا تخفقوا بذلك رعبـــا

هي أغنى اللغات لفظا ومعنى       هي أنقى المياء عبا وشربـــا

لغة حرة تماشي بيســـــــــــر        صنعة العصر لاتقصر دابا

إن آدابها إذا قيست   الآ               داب راقتك وهي أكثر خصبا

هي النهر بضفتيه أفانيــــــــــــــــــــن  زهور بالحسن تأسر لبا

أجمعوا قولكم وصونوا حماها        إن في ذلك ما يطمئن قلبــــا

لغة الدين والكرامة والتنزيــــــــــــــــل سيري نحو التقدم وثبــــا

وفي تأييد  جوهرها ، وعتاب من هجرها ، يقول أيضا :

لغة الضد أجمل اللهجــــــات    في تراكيبها وفي الكلمـــات [11]

بمعان تموج فيها كبحـــــــــر    زاخر بالكنوز والبركــــات

كل فن أو نكتة صيغ بالفصـــــــــحى فقد صين من أذى العثرات

ما لعرب لعجزهم هجروها       وأتوا في الحديث باللكنــــات ؟

في الأغاني كأنهم أتـــــراك      ما لأوها بكثرة الصيحـــــات

لغة الضاد تخطت حدود الشـــــــرق أو أخرجت من الفلوات

فخذوها بقوة في مساعيـــــــــــــــكم جميعا لتأمنوا الــــزلات

2- التمييز العنصري في الإسلام :

إن التمييز العنصري قد فتح عيون كل قبيلة على مناقب نفسها ، ومثالب غيرها في العادات والتقاليد ، وغرس في قلب كل قبيلة إيثار نفسها في كل مجال حتى في الدين ، فترى مسلمي قبيلة يستنكفون أن يصلوا خلف إمام قبيلة أخرى حتى ولو كانوا في بلادهم ، لهذا كانت في نيجيريا بالذات الجاليات الهوساوية[12]  تعتزل الأوساط اليوربوية[13]  في حي خاص ، حيث تحتفظ بتقاليدها ، وتقيم شعائر دينها وراء إمام هوسوي ، وفي حالة عدم تمكنهم من هذا يتركون صلاة الجماعة على الإطلاق ، ويصلون أفذاذا، ويبررون تصرفهم هذا بنقائص أحصوها على قبائل يوربا منها:

بقاء الرواسب الجاهلية ، والتقاليد الكفرية بينهم ، كإقامة مأتم السبعة لموتاهم ، والحداد الطويل لمن يموت منهم في سن مبكرة ، أو عمل هذا المأتم وليمة ، إذا كان الموتى شيوخا وعجائز ، وخلفوا أولادا . ومنها عدم ضرب الحجاب على نسائهم ، وإطلاق سراحهن للبيع والشراء في الأسواق ، والاختلاط بالرجال في المجتمعات . ومنها تشبه أكثرهم بالنصارى ، كإخفاء أسمائهم الإسلامية بالرموز ، والظهور بأسماء أجدادهم الوثنية،أو كإقامة الحفلات أيام الآحاد أو نحو ذلك من التقاليد النصرانية ،لهذا قال شاعرهم مالم زمعة بن إمام مدينة بوشي[14]  في بعض قصائده :

ولا عيب في “يوربا ” سوى أن دينهم      كدين النصارى لا كدين محمد.

ويشعر مسلمو يوربا باستخفاف مسلمي هوسا بإسلامهم  مع ما في قبيلة يوربا من فقهاء ، وعباد ، ونساك ، وكتاب ، كما في قبيلة هوسا ، فاستمر الهوساويون على أحوالهم ، لذلك كله لم يتيسر حتى الآن اتفاق الفريقين على شيء ، بل رضوا بأن يكونوا طرائق قددا ، يعمل كل على شاكلته ، وكل حزب بمالديهم فرحون .

ورجال الكنائس لايزالون يتمتعون بينهم بالوفاق والوئام ، لافرق بين الجنوبيين منهم والشماليين ، ولابين قبيلة وقبيلة ، بل كلهم يد واحدة على من سواهم ، بذلك استطاعوا أن يضاعفوا جنودهم في الدعاية التبشيرية ، من يوم رأوا على رأس الحكومة الفيدرالية مسلما يتلقب بالحاج ، ويلبس على رأسه العمامة ، ويلتف حوله عدد من الوزراء المسلمين , وكان يسوؤهم دائما أن المساجد لاتزال عامرة ممتلئة في الجمع والأعياد ، وأن عدد الحجاج ٍلايزال يربو على ماقبله كل عام ، وأن مجالس الوعظ لاتزال تعقد في رمضان .

تلك هي المظاهر التي تذمر منها الصليبيون ، وحسبوها قوة إسلامية باهرة ، فسعوا جاهدين في توهين هذه القوة بكل الوسائل ، حتى قاموا بانقلاب على الحكومة الفيدرالية ( الانقلاب الأول الذي شهدته نيجيريا عام 1966م)، واغتيال الزعماء المسلمين ، ليصبحوا رعية بدون راع ، فاغتنم الصليبيون هذه الفرصة  في كل مكان ، لإنشاء المراكز ، وتشييد الكنائس ، وتعمير المستشفيات ، وفتح المدارس والكليات ، وتوزيع الجرائد والمجلات ، وإذاعة الأناجيل في المحطات بمختلف اللغات ، كل ذلك يجري ، والمسلمون في التدابر والتحاسد والتباغض.[15]

ولله در القائل :

لمثل هذا يذوب القلب من كمــــد     إن كان في القلب إسلام وإيمان [16]

3- معيشة علماء  غرب أفريقيا:

لقد سبقنا المبشرون المسيحيون إلى محاربة الفقر ضمن منشوراتهم  الدينية وبإنشاء المتاجر ، والمزارع ، والمعامل ، والمصانع ، فاستطاعوا بذلك رصد الملايين من عقارات ، ومحلات ، وأوقاف، لخدمة ديانتهم ، فانتصروا على البطالة التي تعقب تعليم أبنائهم ، إذ لكل كنيسة الحبوس الدسمة ، تدر عليهم الأموال بالدوام ، يعطى منها القسيس وغيرهم ، ونحن المسلمون الذين علمنا الإسلام الإنفاق في سبيل الله ، وسار عليه المحسنون الأولون حتى أوقفوا الأراضي ، والمنازل ، والعقارات على المساجد ، حتى صار لكل مسجد وقف في كل بلد إسلامي ، مما أسس من أجله ، وزارات الأوقاف في كل قطر.

ومن المؤسف ، أن الأغلبية الساحقة من العلماء ، والأئمة خصوصا في غرب إفريقيا ، لايتقاضون أجورا رسمية ، وغير رسمية ، وإنما كانوا يعتمدون على أنفسهم ، ويأكلون من عرق جبينهم  ومما عملت أيديهم  من زراعة أو صناعة أو خياطة أو تجارة .

وقد  نبعت لهم من صميم عملهم طريقة أخرى ، تجلب لهم الأرزاق ، وهي طريقة جمع الصدقات ، والهدايا ، يجمعون ذلك في الحفلات ، والاجتماعات الإسلامية ، وفي وصف بؤس معيشة العلماء ولاسيما في غرب إفريقيا ، يقول أحدهم شاكيا :

يارب قد ضقت ذرعا بالهموم وقد    رجوت فضلك يارحمن لم أزل[17]

أرجوك والحال لايخفى عليك على    ماكان بي من حياة البؤس والعطل

لقد تعلمت علم الدين في لغــــــــة    أنزلت فيها كتاب الذكر والمثل

صرفت فيه حياتي من بدايتهــــــا    إلى أواسطها والنفس في شغل

لكن على غير جدوى في الحياة وقد ظلت معيشتنا ضنكا على الفشل

وانهار عيش بني الإسلام ياصمد    كأنهم في ضلال الدين والخطــل

اولاك شعب النصارى واليهود لقد   نالوا حظوظا الدنا من قسمة الأزل

أعطيتهم كل خير في الهوى وفي    بر وبحر , وفي سهل وفي جبــل

فما لنا غير قرآن وحكمتــــــــــه     ونقل كل حديث الخاتم الرســــــل

هل أجبروك على توفير حظهــــم    ومنعنا حظنا حتى من العمــــــــل

يا خالق الخلق يارحمان قاطبــــة    يامن يرى ماخفى ياعالم الجمــل

أصلح له الحال وارفع مستواه إلى  أعلى المكان كمن أعليت في زحل

يسر له العيش والأرزاق مسرعة    يا خالق الخلق أدرك صاحب الزلل[18]

وقد تناول شعراء نيجيريا هذا الغرض بكثرة ، على اختلاف حوافزهم إليه ، ومنهم من يشكو جور الزمان وتعسفه عليه ، ومنهم من لجأ إليه لمرض ألم به ، وهناك عدد لابأس به من خاض في الموضوع لسوء حالته المعيشية على أساس أنه تفرغ لطلب اللغة العربية والدراسات الإسلامية لا غير ، فأصبح يعيش على هامش الحياة في بيئة لاتعرف لهما حقا ، ولاتعترف لأهلهما حرمة ولا جاها ، اسمع إلى أحدهم ، وهو يشكو:

إلام تقول هيا ياأخيــــــا        إلى العربية الفصحى وهيـا؟![19]

وكم من ناطق بالضاد فينا     فصيح القول صار بها وغيـا

تعلمنا لسان العرب تعبــا      وللأجواع في الأحشاء طيــا

تعلمناه حبا للإلــــــــــــــه    وللقرآن وألأهدى نبيـــــــــــا

كفى لغة لها تعنو اللغــات    لسحر بيانها نطقا جليـــــــــــا

لسان العرب قبل لسان صدق  وبالقرآن زيد سنى بهيــــــا

لسان عبد الدنيا زمانـــــا     وكان لأهلها صوتا دويــــــــا

لسان قد أتى حين عليــــه    تبوأ منزلا فينا عليــــــــــــــا

لسان ذو الثقافة والحضاره  تحول بعد منسيا نسيــــــــــا

وصار اليوم في الدنيا لسانا  يراه الناس مغلوبا دنيــــــــا

إذا فاه الخبير به افتخارا     رآه الناس بينهم غبيــــــــــــا

ومن يمشي به في الناس علما  يقول الناس : يمشي قهقريا!

معاش معلمي الفصحى عسير  فلا أحد يريد لهم مطيـــا !

قلاه بنوه فاختاروا لسانا        على أزكى لسان أجنبيــــا

هم اتخذوا فرنسيا لسانــا       وإنكلزيهم نطقا  حفيـــــا

تمثل هاتان القصيدتان  آلام مثقفي اللغة العربية في غرب إفريقيا بشكل عام ، وفي نيجيريا بشكل خاص .

ومن الحفلات الاجتماعية التي استحدثوها منها : حفلة تسمية مولود يوم سابعه ، وحفلة النكاح ، وحفلة الجنازة ، وحفلة الشكر، ونحو ذلك من الحفلات المستحدثة بينهم . وأما حفلة تسمية المولود يوم سابعه ، فقد أخذوها من أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يؤتى له بمن ولد من أبناء المهاجرين والأنصار ، ويحمله في جحره ، ويؤذن ويقيم في أذنيه ، ويسميه ، ويدعو له بالبركة .

ولما كان العلماء ورثة الأنبياء ، رجوا أن يحضر الإمام أو العالم إلى بيت المولود له ، ويفعل ما كان يفعل النبي لأصحابه في مواليدهم . وأما حفلة النكاح ، فإن عقدة النكاح عندهم ، لاتتم حتى يحضرها إمام أو عالم ليبارك النكاح ، ويدعو للزوجين بالرفاه والبنين. وأما حفلة الجنازة فمعروفة بأن يجتمع الناس للصلاة  على الميت وحمله إلى قبره ، ودفنه ثم الجلوس ساعة للتعزية وللدعاء للميت ، والوعظ ، والتذكير بالموت للحاضرين ، ويجمع كل إمام في كل حفلة ما يشاء الله أن يجمعه من الصدقات عفوا بلا طلب[20]

وكذلك يجمع كل إمام ، وكل عالم يوم الجمعة قبل الصلاة وبعدها ما لا يستهان به ، كما يجمع في شهر رمضان ما تيسر له من الزكاة ، والصدقات ، والهبات ، سواء أخطأوا  أم أصابوا ، فإن الضرورات تبيح المحظورات . والإنفاق على العمل الإسلامي ، واجب على رقبة كل مسلم غني ، وأمير ، وحاكم ، ووزير، ورئيس في كل مكان ، وفي كل زمان .

4-  الاستغراب :

الاستغراب هو تحويل وجهة المسلمين من سمات الإسلام إذا سافروا إلى بلاد أوروبا وأمريكا لتكميل دراساتهم هناك ، حيث يتمكن العدو من دس سمومه في الأفكار السليمة ، فيصبح أبناء المسلمين لادين لهم بل ملاحدة يعتقدون مايشاؤون ، وينتقدون ما يريدون بلا وازع ولارادع ، ولاآمر ولاناه ، يتعودون على ذلك مدة بقائهم في أوروبا وأمريكا ، فإذا رجعوا إلى بلادهم ، صاروا حربا على أهلها ، وعلى ثقافتهم وتقاليدهم وعقيدتهم ، وتظاهروا بالتقدم الأجوف .،يرون الخير كل الخير فيما أتوا به من الغرب ، وأن الشر كل الشر فيما وجدوا عليه آباءهم وعلماءهم من العقيدة الصحيحة ، والديانة ، الثقافة والحضارة ، وهم ممتلئون غيظا وحقدا على من يتمسك بتلك اللغة والعقيدة والثقافة ، وإذا كنت بين هؤلاء زعموا أنهم أحسن منك عقلا وعلما وثقافة ودينا وهم كما قال شاعر في شأنهم :

إذا شئت أن تحيا سعيدا لديهم    ٍ فلاتك عربيا ولاتك مسلما[21]

5-  الدعاية الجوفاء :

تكون الدعاية للحق كما تكون للباطل ، ومن الدعاية ما يكون صادقا ، ومنها مايكون كاذبا ، والدعاية الكاذبة ، هي الجوفاء التي تسمع منها الجعجعة ، ولاترى طحنا . فإذا كان الإسلام بحاجة إلى الدعاية الصادقة التي يستجيب لها الناس فإن الدعاية التي تنشرها الصحف والمجلات من انتشار الإسلام في ربوع إفريقيا ،وأوروبا ،وأمريكا ، يجب أن تقلل ، وأن يعملوا عملا صامتا حتى لايشعلوا النار في البارود ، ولايوقظوا الأعداء الذين يقولون مالايفعلون  ، الذين يزدادون ثم يبكون أنهم ينقصون ، ونحن المسلمون نربح قليلا ، ونفرح كثيرا ، ونمرح على هذا القليل حتى تناسينا  أن نعمل عملا آخر ، ونملأ  الدنيا ضجيجا وأننا ربحنا كل شيء ، فيقوم العدو برد فعل عنيف . ومثل هذه الدعاية ليس فيها مصلحة للإسلام بل فيها مضرة كبيرة[22]

6- فصل الدين عن الدولة :

لقد قاست الدول الأوروبية من طغيان الكنيسة النصرانية التي ظلت كابوسا جاثما على صدور ملوك أوروبا ، ردحا من الزمان ، يعزلون من يشاؤون ، ويولون من يشاؤون ، حتى سئمت منها الملوك ، فنادوا بضرورة فصل الدين عن الدولة ، فتم ذلك مع الاصلاحات التي أعقبت الفرنسية الكبرى عام 1789م ، ولما دخل المستعمرون البلاد الإسلامية ، حسدوا المسلمين على ما أدركوهم عليه من الشريعة الراقية ، والنظم العالية ، فحاربوها بدسائسهم وحيلهم ، فقالوا إن التحرر من القيود الدينية ، والشريعة الإسلامية ، على الأخص

كضرائر الحسناء قلن لوجههــــا       حسدا وبغضا إنه لدميم

واحتجوا بأن الغرب ، إنما تقدمت بلاده بعد تحررها من قيود الكنيسة ، واستندوا في هذه الدعوى إلى وقائع التاريخ المسيحية مع الملوك والعلماء ، وساووا بذلك زورا وبهتانا بين أهل الكتاب  والدين الإسلامي ، فتلقى بعض المسلمين هذه المزاعم بالرد العنيف ، منهم الشهيد عبد القادر عودة ، وسيد قطب ، والشيخ الغزالي ، والدكتور مصطفى السباعي ، والأستاذ أبو الأعلى المودودي ، والشاعر إقبال وأمثالهم في الهند ، وباكستان ، وفي مصر ، وسوريا ، والسعودية وغيرها[23]

وبهذه الجهود الجماعية ، ظهرت مزايا الإسلام على النصرانية  لكل عاقل منصف ، وظهرت مرونته وصلاحيته  لكل زمان ومكان ، لهذا ، ندعو كل مسلم إلى التمسك بالإسلام دينا ، وعقيدة ، وسلوكا ، ونظاما ، ودولة ، لتكون قدوة حسنة لغير المسلمين حتى ينتظم في سلك الإسلام من اقتناع وطواعية .

فالإسلام دين ودولة  لأنه لابد من ربط المجتمع في سلك واحد ، وسلسلة متسلسلة  مترابطة ، فالدين بلا دولة روح بلاجسد ، والدولة بلا دين جسد بلا روح ، والأمة بلا شريعة ، قطائع من أوباش الحيوانات ، تعمل كل على شاكلته .

7-  محاربة المرض :

امتاز التبشير الصليبي بمحاربة المرض منذ أن كان النبي عيسى عليه السلام يبرئ الأبرص والأكمه ، ويقيم الأقعد بالمعجزات التي أعطاه الله إياه، ولما جاء أتباعه ولم يعطوا مثل هذه المعجزات ، استعاضوا عنها بفتح المستشفيات والمستوصفات ، وليس لنا نحن المسلمين شيء يقابل ما عند النصارى من المستشفيات للأمراض الباطنية والعقلية والجسدية والرمدية ، ولايزال بعض المسلمين في الأقطار الإسلامية يعتمدون على ما  بناه التبشير أو مابنته الحكومة غير المسلمة ، وكانت هذه المستشفيات تفتح أعمالها اليومية بصلوات التثليث ، ومطالبة المرضى بأن يعتقدوا أن المسيح هو الذي يعطيهم الشفاء ، وليست الخدمات التي يقدمونها ، وكم سمموا بتلك ٍالأفكار ، وزعزعوا العقائد ، وشككوا في الإيمان ، وقد اكتظت المدن والقرى بمستشفيات التبشير في معظم الأقطار، لذا آن الأوان لنا نحن المسلمين أن نعمل شيئا حذاء ذلك كله ، ولا نقف مكتوفي الأيدي منفرجين أو متطفلين على موائد غيرنا ، فليعمل كل حسب إمكاناته وطاقاته.[24]

8- إسناد الأمر إلى غير أهله :

ترتع هذه المشكلة في مرتع خصيب بالمجتمع الإسلامي ، وذلك بتولية الجهلاء منصب الإمامة بحكم الوراثة المحدودة في بيوت الذين عملوا على نشر الإسلام  أول مرة في البلاد ، بغض النظر عن شروط الإسلام التي يجب استيفاؤها فيمن يتولاها ، وذلك بتدخل الأمراء ، والأغنياء  في تعيين الإمام الذي يكون طوع أمرهم ، ورهن إشارتهم ، لامن ينصحهم ، ولا يخشى إلا الله .

وقد استطاع الأثرياء ، وعلية القوم أن يتدخلوا  في شؤون المسلمين ، وإدارة المساجد ، وتولية من شاءوا من الأئمة للأسباب الآتية :

أولا : تحمل بعض الأثرياء القسط الكبير من تكاليف عمارة المساجد ، أو تبني بعض المشاريع الخيرية  التي تعود بالنفع العام على المسلمين أو الدفاع عنهم أمام أعداء الإسلام من الوثنين ، والنصارى ، فيحمل ذلك بعض الأئمة إلى خلع لقب سيدنا أبي بكر الذي ترجموه إلى الأب الأول للدين ، أو” بابا الدين ” أو لقب سيدنا حمزة ، وسيدنا علي بن أبي طالب بما ترجموه إلى ” بلوغن ” أي القائد الصنديد أو الرئيس الديني ” سركن الدين ” ، خلعوا عليهم هذه المناصب بموجب ما قدموا من نصرة الإسلام ، فتدرج الأمر شيئا فشيئا إلى أن صيّرت هؤلاء الأنصار أسيادا على الأئمة في كثير من البلاد بين المسلمين.

 ثانيا : عجز بعض الأئمة عن حسن إدارة المساجد وترميمه ، كأن يجمع الصدقات والتبرعات من الجماعة على قصد تعمير المسجد أو ترميمه  ، فيصرف هذه الأموال في حاجاته الخاصة ، فيقدم بعض الأعيان بتأليف لجنة جمع الصدقات والتبرعات ، فيتم إنجاز المشروع على أيديهم ، فينفلت الزمام من يد الإمام فيصير مأمورا بعد أن كان آمرا .

ثالثا: نشوب الخلاف بين اثنين متنازعين على منصب الإمامة ، وتنحاز طائفة من وجهاء الجماعة إلى أحدهم،ا فيساعدونه على التولية بإمكاناتهم ، فيصير هذا طيعا لهم رهن إشارتهم حيث يخاف أن يرجعوا عنه إلى غريمه .

هذه الأسباب  وأشباهها قد صيرت منصب الإمامة جوادا يمتطي صهوته الوجهاء والأثرياء إلى الزعامة ثم جاء رجال الأحزاب السياسية ، ينسحبون على هذا المنوال ، ثم جاء الطلبة الجامعيون ، يتحمسون للدفاع عن بيضة الإسلام أمام التبشير ، وعملوا على إنشاء منظمات الشباب المسلم ، وعلى بناء المساجد  في الجامعات ، والكليات، وأقاموا بها الصلوات ، وأحيوا معالم الله ، وأحسنوا للإسلام صنعا .

غير أنهم غالوا في إطلاق حرية أنفسهم في التحدث عن الدين ، وأجازوا لأنفسهم الفتيا في الأحكام ، وهم على المستوى الابتدائي ، لايستطيع بعضهم أن يقرأ من القرآن آية بغير لحن ، ولا حديثا من السنة بغير خطأ ، وكل ما يمكنه أن يعتمد على الكتب الإسلامية المترجمة ، وعلى المعلومات التي اكتسبها من مدارس الاستشراق في لندن ، وكندا وغيرهما ، وإذا لقي عالما عربيا لم يعرف الإنجليزية ، أهانه ، ومنعه الكلام والإمامة ، وسماه رجعيا ، جاهلا ، لايفهم لغة العصر .

وإن كانت مساعي جهود هؤلاء المثقفين الجامعيين ، فيما يبذلون من جهود في ميدان الإسلام ، والدفاع عنه مشكورة ، فلا يليق لهم في الإمامة ، والقيادة ، والفتيا مع وجود المتخصصين بجانبهم ، وإن كانوا لايجيدون الإنجليزية ، فليس القرآن والحديث باللغة الإنجليزية ، فالأفضل تكريم أولئك المتخصصين ، والاعتراف بفضلهم بإسناد الإمامة إليهم .

أما تحقيرهم ، والتوهين  بقدرهم ، فهو ضرب من ضروب تحقير ثقافة الإسلام ، والعمل على إماتتها بطريق غير مباشر , والله يقول : ( ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه ) سورة الحج 30، وفي مكان آخر ، يقول : ( ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب )، سورة الحج32. والثقافة الإسلامية من شعائر الله ، ومن أفنى حياته في إتقانه يجب تعظيمه[25]

وكل صناعة في هذا العصر ، تأبى على من لم يتخصص فيها أن يدلي فيها برأي فضلا عن أن يمارسها صناعة ، أو يتزعم  فيها مهما كانت الصناعة تافهة ووضيعة ، ومهما كان من يتدخل فيها رفيع القدر ، كامل العلم في ميدان آخر .

فالقانون لايتكلم فيه الأطباء ، والهندسة لايمارسها الفلاحون ، والطب لايجربه المحامون ، والفقه لايفتي فيه النحاة والبلاغيون ، فكيف يجوز أن يفتي في الإسلام من لايحسن ولايعرف مبادئ الدين الضروري ، لنفسه فضلا عن أن يعلم غيره ؟

وكيف يتكلم في أمور الدولة من لايحسن أموره الخاصة في بيته ؟ وكثيرا ما يكون الرجل مبرزا في صناعة أو موضوع وهو لايزال في المستوى الابتدائي  في موضوع آخر أو صناعة أخرى ؟ وكم رأينا عالما متبحرا في علم من العلوم ، وهو في علم آخر مبتدئ أو جاهل على الإطلاق ،لذلك  ينبغي على إخواننا الجامعيون أن يتعاونوا مع العلماء المتخصصين في نشر الإسلام  وتعاليمه ، وأن يكون أحدهما للآخر كاليدين تغسل إحداهما الأخرى .

9-  الجهل بلغة القرآن :

اللغة أداة التفاهم بين الأسرة الواحدة ، والشعب الواحد ، والأمة الواحدة ، وهي أول وسيلة لتحصين الثقافة ، وتكوين الحضارة ، لأن اللغة هي الوسيلة المباشرة لنقل الشعور والعواطف من ذهن إلى ذهن ، ومن شخص إلى شخص ، وهي التي تترجم أفكار الأمة في آمالها وآلامها ، وهي إذن ، رباط الوحدة والإخاء، وأداة التضامن والتفاهم والتعاون بين أفراد الشعب والأمة .

والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ثقافتهم واحدة ، لأنها مبنية على القرآن الكريم ، والسنة الشريفة ، وأداتها اللغة العربية التي لايختلف فيها عربهم وعجمهم ، لذلك ظلوا أمة لامثيل لها في عالم العقيدة ، وعالم العبادة ، وعالم الاجتماع . ولقد حاولت كل أمة من أمم العالم اليوم وقبل اليوم أن تفرض لغتها  على سائر الأمم ، ولم تجد لذلك مبررا سوى شهوة الفتح والسيطرة ، ومع ذلك ظلت تنفق الغالي والنفيس في فرض لغتها على من يحبها ، ومن لايحبها ، ولاتزال بريطانيا وأمريكا تحاول فرض سيطرة الإنجليزية على الأمم المتحدة ، وهكذا كل واحدة من الدول الكبرى ، وتلك اللغات تفقد الخصائص الروحية التي امتازت بها العربية .

وقد أدرك الإسلام هذه الحقيقة في أول وهلة من انتشاره ، لذلك ، جعل العربية من نفسه جزءا  لايتجزأ ، والتزمها في جميع الأحوال فما من مسلم إلا وهو يتذوق قليلا من اللغة العربية بدافع العقيدة ، ودافع الإيمان ، ودافع العبادة ، ودافع النسك ، وما من عالم إلا وهو يرغب في التعمق في اللغة العربية ليكون متمكنا في معاني القرآن والحديث والفقه وسائر العلوم التي يرجع إليه الناس جميعا. وعلى هذا وذاك  صارت العربية دينا يتقرب به المسلم إلى الله تعالى يقول الثعالبي في فقه اللغة : ” ومن أحب الله تعالى أحب رسوله محمدا ، ومن أحب الرسول العربي ، أحب العرب ، ومن أحب العرب أحب العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العرب والعجم ،ومن أحب العربية عني بها ، وثابر عليها ، وصرف همته إليها “.

والعربية خير اللغات والألسنة ، والإقبال على تفهمها من الديانة إذ هي أداة العلم ، ومفتاح التفقه في الدين ، وسبب صلاح المعاش والمعاد ، ومن هذه العقيدة ، امتدت العربية مع امتداد الإسلام في ربوع العالم بعد أن كانت محدودة في شبه جزيرة العرب ، وبعض أطراف الشام والعراق ، فانتشرت في ربع قرن من الزمان حتى تغلبت على الرومية في الشام ، وعلى القبطية في مصر ، وعلى البربرية في إفريقيا ، وعلى التركية في آسيا الصغرى ، وعلى الأردية في الهند. وظهر ألوف من الأعلام في الفقه والأدب والتاريخ والحديث والتفسير والنحو والصرف من غير أبناء العرب الأقحاح ، ولم تعد العربية تراث العرب فقط بل تراث المسلمين جميعا بخلاف اللغات الأخرى كالإنجليزية والفرنسية ، ولم تزل العربية تقوى مع قوة الإسلام ، وتضعف مع ضعفه في كل ناحية يوجد فيها المد والجزر ، والانتشار والانحسار .

10- الانشقاق بين المسلمين :

إن العقبة التي تجب إزالتها في سبيل التقدم والنهضة ، هي محاربة بعضنا بعضا تحت عنوان ” محاربة البدع “. إن القيام بالعمل الإيجابي لإصلاح الدين ، وبناء المستقبل الباهر أجدى  وأنفع من العمل السلبي ، فالذين يهدمون قبل أن يبنوا ، إنما ينهكون قواهم ، وجهودهم على التلاشي ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، والله يقول ” ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ، وجادلهم بالتي هي أحسن ، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله  وهو أعلم بالمهتدين “،ولو لم تكن الوثنية باقية ، والنصرانية قوية ، والعلمانية متفشية ، والمادية منتشرة ، ومعالم الصهيونية متعددة  في الروتاري ، والمافيا ، لجازت محاربة البدع دون الكفر ، وتكفير الصوفية دون الوثنية ، والنصرانية ، والعلمانية .

ولله در القائل :

إلاما أيها الخلف إلامــــــا      وهذي الضجة الكبرى علامـــا ؟

وفيم يكيد بعضكم  لبعـــض    وتبدون العداوة والخصامـــــــا ؟

وأين ذهبتم بالحق لمـــــــا      ركبتم في قضيته الظلامــــــــا ؟

وثقتم وتهمتم في الليالــــــي    فلا ثقة أدمن ولا اتهامــــــــــــا

شببتم بينكم في القطرنـــارا    على محتله كانت سلامـــــــــــا

إذا ما راضها بالعقل قــوم      أجد لها هوى قوم ضرامــــــــا

ولأن كل طوائف الأعداء متضافرة ، متكاتفة  ، متعاونة  على الإسلام وحده ، أليس  من الحكمة فتح ميدان آخر للقتال بين المسلمين ، زيادة على تلك الميادين السابقة . إن الدعوة في دولة إسلامية  تحكم بشريعة الله ، قولا وعملا ، تختلف بكثير عن الدعوة في مجتمع غير إسلامي ، وفي ميدان الصراع بين الأديان ، والآراء ، وهو ميدان أشبه بدار الحرب ، فليس من مصلحة الإسلام اليوم أن نحاول تجربة وقائع الجمل ، وصفين ، والنهرويين ، فلن يستفيد الإسلام من ذلك خيرا[26]

والنبي صلى الله عليه وسلم  يقول : ” لاترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم بعضا “

ولعل من الأنسب والأكمل أن نستشهد هنا بقصيدة قالها الشيخ عبد الله بن فودي ، وهو يصور مشكلات واجهها من قومه ، وتمثل هذه الأبيات مشكلات أساسية ، يكابدها المسلمون اليوم في معظم البلاد الإسلامية ، إذ قال :

ولما مضى صحبي وضاعت مئاربــــي      وخلفت في الأخلاف أهل الأكاذب[27]

يقولون ما لايفعلون وتابعــــــــــــوا            هواهم وطاعوا الشح في كل واجب

وليس لهم علم ولا يسألونـــــــــــــــه           وأعجب كل رأيه في المذاهـــــــــب

وما همهم أمر المساجد بــــل   و  لا           مدارس علم بله أمر الكتائـــــــــــــب

وهمهم ملك البلاد وأهلهــــــــــــــــا            لتحصيل لذات , ونيل المئــــــــــارب

بعادات كفار وأسماء ملكهـــــــــــــم            وتولية الجهال , أعلى المناصـــــــب

وجمع السراري والثياب الحسان   و          الجياد الجواري في القرى لا المحارب

وأكل هدايا الجاه والفيء والرشــــى           وعـــــــــود ومزمار وضرب الدبادب

وأعجز أهل الحل والعقد أمرهـــــــم          فجانبت الأعراب من كل جانـــــــــــــب

فرارا من القاضي وأكل الأمان     و          الموالات للكفار خوف العواقـــــــــــــب

فجموا وقل الصالحون فأظهـــــــروا          مداهنة الفساق أهل الكتائــــــــــــــــــب

وباعة أحرار وفي السوق بعضهـــم           ولاة قضاة في لباس الثعالـــــــــــــــــب

وأيقنت إن لم يرجعوا عن ضلالهــم           لتخلفن أسيافهـــم في الـــــــــــــغوارب

إن نجاح عملية ما من جميع العمليات ، متوقف على التفكير  قبل التدبير ، وعلى التخطيط  قبل التنفيذ ، وعلى الدراسة الدقيقة للبيئة ، والمجتمع قبل العملية . فهو أول ما يدرسه المبشرون  قبل البدء بالتبشير في أي قطر ، وفي أي مصر . وإن نجاح دعوة من الدعوات متوقف على بذل النفس والنفيس ، والتسامح ، والتودد والاهتمام ، بشأن الفرد كالجماعة ، والبدي كالحاضر ، وذلك ما يفعله أصحاب المذاهب الفكرية ، والسياسية ، والاقتصادية  حتى انتشرت مذاهبهم ، كما أن رواج كل تجارة ، متوقف على تحمل الأتعاب . لهذا قيل ” من يعرف المطلوب يحقر ما بذل[28]  لذلك ، لايكترث المبشرون بما يبذلون من الأموال ، ولاينتظرون حصاد زرعهم في القريب العاجل ، وإنما يقدرون ربع قرن  أو نصف قرن .

أما الدعوة الإسلامية في عصرنا الحاضر ، فلاتدبير فيها ، ولاتخطيط ، ولا تواصل بين الماضي والحاضر ، ولا تعاون بين الأمة والحكومة ، ولا زراعة  قبل الحصاد ، ولا دراسة قبل ادعاء الفهم .

وليس هناك معهد لتدريب الدعاة على أساليب الدعوة الناجحة في معظم البلاد الإسلامية ، بل كل معهد يرى أنه إذا ما علم الطلاب  القواعد ، فقد برئ من الذمة ، وليس هناك هيئة تنظم أعمال الدعوة على بصيرة ، وخبرة ، بل كل منظمة ترى أنها إذا ما كتبت في المجلات أو خطبت على المنابر التي لايفهمها  إلا المسلمون فقد بلغت الرسالة !

وليس هناك حكومة ، رصدت الدعوة كما رصدت الأموال  في سبيل الدعاية لدولتها  في مختلف الأقطار إلا قليل جدا ، فكل حكومة  ترى أنها إذا ما تبرعت بعشرات الجنيهات على بعض المساجد والمعاهد ، ونشرت الصحف أخبار ذلك ، فقد أدت الواجبات . وكل داعية يريد أن يعمل لشهرته أو لمرتبه أو لحكومته ، وكل صاحب فكرة أو عقيدة أو مذهب يرمي من خالفه ما لايرضي من القول والفعل ، وينسب زميله إلى البدعة ، والهوى ، والتقصير ، فإلى متى يستمر هذا ؟؟؟ !!!

آمال :

بعد تشخيص بعض المشكلات التي يعاني منها المسلمون باختلاف  أنواعها وأشكالها ، فأرى أن أقترح بعض السبل التي بها تنقلب الآلام إلى الآمال وإلى الغاية المنشودة فأقول :

1- تحذير المسلمين من مكائد التبشير :

يجب على الدعاة أن يهتموا بدراسة خطوات التبشير بوعي كامل ، وتتبع خططهم عن كثب وإمعان ، حتى يستطيع المسلمون أن يكشفوا مؤامراتهم ، ويحذروا أنفسهم وأبناءهم وأحفادهم من الوقوع في ورطاتهم وحبائلهم . ولتكن هذه الدراسة في غير أسلوب الشكاية والجزع وإظهار تفوقهم علينا ، ولكن في أسلوب محاولة رد الفعل , وإعداد العدة لرد العدوان , والدفاع عن النفس والدين.[29] يقول الله جل شأنه : ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)سورة البقرة 194.

2- بذل المال في سبيل الدعوة :

المال قوام كل دعوة إلى فكرة أو عقيدة أو ديانة يدعى إليها الناس ، وكل دعوة إلى شيء يحمل عليه الجمهور ، ولم تكن تساند بالأموال ، فإنها لاتروج ولايستجاب لها كما قال الشاعر :

رأيت الناس قد مـــالوا      إلى من عنده مــال

ومن لاعنده مــــــــال      فعنه الناس قد مالوا

فإن بذل الأموال من أجل نشر الدعوة ، أيسر طريقة سلمية ، وأقرب وسيلة فعالة لنشر تلك الدعوة . فالنظريات الفلسفية أو السياسية أو الثقافية كلها تروج بين الأفراد والجماعات ببذل الأموال الطائلة من أصحاب تلك النظريات والأفكار ، ومن حملة ألويتها إلى الناس[30]

ولقد قرر القرآن الكريم أن الدعوة لاتقوم إلا بالجهاد، فالجهاد بالسيف قد انتهى،  وبقي الجهاد بالمال والنفس ، فحث على ذلك في كثير من الآيات منها قوله ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لابيع فيه ولاخلة ولاشفاعة ، والكافرون هم الظالمون )سورة البقرة 254، ومنها ( أنفقوا في سبيل الله ولاتلقوا بأيديكم إلى التهلكة ، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) البقرة 195. ولقد جعل الله الإنفاق في سبيل الدعوة إليه فريضة من فرائضه، ووعد من أنفق في سبيله ثوابا ، وأنذر من أمسك عقابا في الدنيا والآخرة ، ومع هذا كله ، فإن الدعوة الإسلامية في هذا العصر لاتزال بحاجة إلى مزيد من البذل الكثير من أثرياء المسلمين الذين وسع الله عليهم ، فإنهم وإن كانوا ينفقون ، فإن ما ينفقونه أقل مما يجب عليهم بالقياس إلى ما ينفقه أثرياء اليهود والنصارى لنصرة عقيدتهم وديانتهم في أمريكا وأوروبا ، حيث يضع أصحاب الملايين في إمكاناتهم تحت تصرف الدعاية لعقيدتهم ودياناتهم.

3- التعاون على البر:

إن العمل في حقل الإسلام من التعليم والتذكير والوعظ والإرشاد والتبليغ وغير ذلك أمانة في عنق كل مسلم مهما كانت منزلته في المجتمع على أساس اعتماد الفرد على نفسه أو على أساس التعاون الجماعي . وقد ندب الإسلام إلى التعاون على البر والتقوى بقوله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ، ولاتعاونوا على الإثم والعدوان ) المائدة 2، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ) فالتعاون يجب أن يكون على الأعمال التي لاتتم على يد فرد بل على يد جماعة أو ما عجز عنه من بدأ به فيعان على إنجازه ، وقديما قيل ” الاتحاد قوة والفرقة عذاب ” ، وقيل في المثل العربي ” اليد الواحدة لاتصفق”. فالتعاون على العمل الإسلامي الجماعي لابد منه في هذا الزمان ، ولكن يجب أن يراعى فيه الإخلاص في العمل لوجه الله تعالى.

وإلى الذين يمنعون الإنفاق في سبيل الخير ، يقول شاعرنا النيجيري :

منعتم الناس منع أمــــار     فامتثلوا مثل غلمة الدار[31]

منعتم بذل مالهم طلبــا        لوجه ربي بكل إصرار

حذرتم من إغاثة اللهــف     تحسروا في عذاب أعمار

مساجد الناس من يكملهــا     وكيف تروى مياء آبــار؟

وأين من ينقذ الخليقة مــن    جان يبث الفساد بالعــار ؟

أنشر دين السلام إرهـــاب    ونصرة الخير عند أخيار ؟

4-  الصبر والحكمة والتبصر :

وقد اصطفى الله من عباده الأنبياء ثم اصطفى من الرسل أولي العزم الذين يقتدي بهديهم في الدعوة إلى الله تعالى ، وقد أمر الله نبيه محمده أن يقتدي بهم في الصبر ، والثبات ، وعدم الاستعجال ، واستعمال الحكمة ، والتبصر في الدعوة ، قال الله تبارك وتعالى في الصبر ، والثبات  ( فاصبر كما صبر اولوا العزم  من الرسل ، ولاتستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ) سورة الحقاق 35, وفي موضع آخر ، يقول الله : ( ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا ، وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ، ولا مبدل لكلمات الله ، ولقد جاءك من نبأ المرسلين ) ، الأنعام 34.

وأما استعمال الحكمة في تبليغ الدعوة ، فقد اشترك فيه جميع الأنبياء والمرسلين ، وكان القرآن يذكر كل نبي بالحكمة في تبليغ الدعوة قال تعالى : اولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة )، الأنعام 89، وإذا كانت الحكمة أداة من أدوات الرسل ، فعلى ورثة الرسل من الدعاة أن يتحلوا بهذه الأخلاق النبيلة .

أما دعوة الداعي على بصيرة في نفسه ، فهي أن تتبلور الدعوة في ذهن الداعية ، فيعرف أغراض الدعوة ، ووسائلها وغاياتها ، ويعرف العلاقة  بين الدعوة ، وبين المدعو إليها ، إذ الدعوة إلى الله سبيل مفروش بالأشواك والعقبات ، ليس محفوفا بالأزهار والرياحين ، ولا يستعجل ، ولا ينتظر الجزاء في الدنيا ، ولكن الجزاء في العقبى .

5- الاستقامة :

ربنا يقول في كتابه العزيز : “ولو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا” وفي مكان آخر”إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لاتخافوا ولاتحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون “والاستقامة لزوم طاعة الله في اليسر والعسر والقصد والاعتدال في ذلك ، لأن خير الأمور الوسط. وأساسها الثقة بالله والاعتزاز بالدين والعلم والتوسط والاقتصاد في الأمور والزهد فيما عند الناس وترك الطمع في الجاه.

ومن الاستقامة العمل بالعلم ولوم النفس على عمل السوء والاعتراف بتقصيرها وعدم تزكيتها ، فإن التزكية غرور ، ومما ينسب إلى سيبويه هذه الأبيات :

يا أيها الرجل المعلم غيـــره       هلا لنفسك كان ذا التعليم

إبدا بنفسك وانهها عن غيها       فإذا انتهت عنه فأنت عليم

لاتنه عن خلق وتأتي مثلـــه      عار عليك إذا فعلت عظيم

تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا

كيما يصح به وأنت سقيــــم

ومن استقامة الداعية قطع صلاته بالسلاطين والأمراء إلاإذا اقتضت الضرورة، لأنهم يكرهون النصح والإرشاد، ولا أشك أن علماء الإسلام هم قلوب الأمة الإسلامية النابضة في كل قطر ، وفي كل مصر، وإذا ما صلحوا صلحت الأمة بأسرها ، وإذا ما فسدوا فسدت الأمة كلها ومثلهم كمثل حكومة دين الله كمثل البوليس لحكومة دنيا الناس ، يسود الأمن ويستتب السلام في المجتمع ، إذا أخلصت الشرطة في المحافظة على القانون، والعلماء في دعواتهم[32]

6- محاربة التقاليد الجاهلية :

إن من أهم ما امتازت به بعض المجتمعات الإسلامية من التقاليد الجاهلية، منها :

1-  الدفاع عن الباطل بحجة العادة الموروثة من الآباء والأسلاف .

ب- تكميم الأفواه وتخدير الشعور بحجة الحياء والتواضع.

ج- قتل حرية الفكر وقول الحق بحجة إطاعة أولي الأمر من الأمراء والعلماء .

د- الجلوس على الأرض الجرداء بحجة كوننا من التراب ، وإلى التراب نعود ، مما لايتفق مع العقل والشرع. وعليه قول الشاعر:

ويح قومي جهلوا معنى الحيــــــا      وأساءوا فيه ختما وابتداء[33]

هكذا قد جهلوا التواضعـــــــــــــا       وبنوه في سجود وانحناء

خلع نعل جعلوه واجبــــــــــــــــا        لهم قبل وصول للفنــــاء

ومن أشنع العادات أن يخلع الرجل قبل أن يسلم على كبير أو رئيس أو عالم ، وقبل أن يدخل بيته مجرد التواضع لا لغرض آخر ، وإن كان خلع النعل عند الفراش أو البساط معقول ، أما إذا كان لمجرد كراهية النعل في رجل الفقير ، فهذه جاهلية شنيعة ، ما أنزل الله بها من سلطان[34]

مستقبل الإسلام في غرب أفريقيا :

وقد مرت قرون عديدة على مجد الإسلام في غرب أفريقيا  ثم أغار عليها المستعمرون البريطانيون بخيلهم ورجلهم يهدمون كل مبان إسلامية ، ويبنون على أنقاضها صروحا صليبية ولم يمر قرن من الزمان حتى ظهرت معالم الصليب  فأصبح المسلمون الغيورون في قلق من الأمر . فأمام هذه التيارات ، نرى ونتفاءل أن للإسلام مستقبلا في هذه البلاد إذا استعد المسلمون لتصدي الهجوم بالإقبال على طلب العلم والعمل به والإنفاق على سبيله بكل غال ونفيس , ونبذ العنصر الديني والعصبية الهمجية  النكراء بيننا .

الخاتمة :

الإسلام هو الدين الذي يطيع به العبد ربه ، ويتقرب إلى مولاه في سلوكه اليومي ، وعباداته وعاداته وتقاليده ومعاملاته مع الناس . وهو أيضا النظام الذي وضعه الخالق لعباده الذين رزقهم من الطيبات وفضلهم على كثير من خلقه لكى يسيروا على هذا النظام في سائر مجالات الحياة من سياسة ،وتجارة، وحكومة، وقضاء.

إن العرب قاطرة الإسلام ، والعجم حافلته ، ولايمكن أن تتحرك الحافلة إذا سكنت القاطرة ، بل العرب قلب الإسلام والعجم جسده ، فإن العجم لأدرى بأساليب الدعوة الناجحة في بلادهم ، ولايمكن ذلك إلا بمساعدة العرب الدول الأفارقة مثل نيجيريا حسا ومعنى.

قائمة المراجع والمصادر :

1- الإلوري ، آدم عبد الله ، فلسفة النبؤة والأنبياء في ضوء القرآن والسنة ، ( القاهرة :  مكتبة وهبة ، ط1، 1983م .)

2- الإلوري ، آدم عبد الله ، تاريخ الدعوة إلى الله بين الأمس واليوم ،  ( القاهرة : مكتبة وهبة ، ط1، 1999م) .

3- الإلوري ، آدم عبد الله ، الإسلام في نيجيريا والشيخ عثمان بن فوديو الفلاني ، (أجيجي، مطبعة الثقافة الإسلالامية، ط3،  1987م) .

4- الإلوري ، آدم عبد الله ، الدين النصيحة ،  ( بيروت : دار مكتبة الحياة ، ط1، 1996م) .

5- الإلوري ، آدم عبد الله ، الإسلام اليوم وغدا في نيجيريا وغرب أفريقيا، ( القاهرة: مكتبة وهبة، ط1، 1985م)

6- أبوبكر ، عيسى ألبي ، الرياض ، (إلورن: مطبعة ألبي ، ط1،  2005م ).

7- أبوبكر ، عيسى ألبي ، السباعيات ، ( القاهرة :  النهار للطبع والنشر والتوزيع ، ط1، 2008م ).

8- ثوبان بن آدم عبد الله الإلوري ، ديوان العلامة آدم عبد الله الإلوري ، (أغيغي :مركز العلوم العربية والإسلامية ، ط1، 2010م)

9- شوقي ، ضيف ، العصر الإسلامي ، الطبعة السادسة ، ( القاهرة ، دار المعارف ، ط6،  1963م) .

10-  شوقي ، أحمد ، الشوقيات ،( القاهرة : مكتبة جزيرة الورد ، ط1، 2008م ).

11- صالح المالك  وآخرون ، النصوص الأدبية ، ( جدة:  دار الأصفهاني ، طبعة 1400هــ )

12-  عبد الرحمن عبد العزيز الزكوي ، أفيقوا معشر القرآن ، ( لاغوس ، صفوة الفن العربي والإسلامي ،  ط1، 2006م) .

13- عبد الرحمن عبد العزيز الزكوي ، نشر الياسمين في قصائد عيد الأربعين ، ( أغيغي:  مطبعة مركز العلوم ، ط1 ، 1991م) .

14- علي ، أبوبكر ، الثقافة العربية في نيجيريا ، ( بيروت : مؤسسة عبد الحفيظ ، البساط ، ط1، 1972م) .

15- عبد الله بن فوديو ، تزيين الورقات بجمع بعض ما لي من الأبيات ، ( كنو: مكتبة أيوب أبي بكر ، ط1، 1383هــ) .

 

[1] آدم عبد الله الإلوري : فلسفة النبؤة والأنبياء في ضوء القرآن والسنة ، )الأزهر : مكتبة وهبة، ط1 ، 1983م( ، ص22-23.

[2] المرجع نفسه  ، ص22-23.

[3] شوقي ضيف ،   العصر الإسلامي ، )القاهرة: دار المعارف بمصر ط7،  1963م( ، ص11-12.

[4] المرجع نفسه، ص13-14.

[5] المرجع نفسه ، ص 15.

[6] عيسى ألبي أبوبكر :  الرياض ، )إلورن : مطبعة ألبي ، ط1 ،  2005م( ، ص119-120.

[7] صالح المالك وآخرون ، النصوص الأدبية ، ( جدة : دار الأصفهاني ، طبعة 1400هــ ) ، ص46.

[8] آدم عبد الله الإلوري ، تاريخ الدعوة إلى الله بين الأمس واليوم ، )القاهرة:مكتبة وهبة ، ط3، 1999م( ، ص147.

[9] المرجع نفسه ، ص147.

[10] –  عيسى ألبي أبوبكر ، الرياض ، ص146- 147.

[11] – عيسى ألبي أبوبكر ، السباعيات  ، )القاهرة : النهار للطبع والنشر والتوزيع  ، ط1، 2008م (، ص134.

[12] هم قوم ، أغلبهم مسلمون .

[13] قبيلة يوربا ، وهم قوم معظمهم في الإقليم الغربي بنيجيريا ، و يبلغ عدد المسلمين منهم أربعين  ملايين نسمة ,

[14] إحدى ولايات بشمال نيجيريا .

[15] آدم عبد الله الإلوري : الإسلام في نيجيريا والشيخ عثمان بن فوديو الفلاني ، (لاغوس: مطبوعات مركز التعليم العربي الإسلامي ، ط3 ، 1978م) ، ص174.

[16] أبو البقاء الرندي الأندلسي .

[17] محمد ثوبان بن آدم عبد الله الإلوري ، ديوان العلامة آدم عبد الله الإلوري  ، (أغيغي : مركز العلوم العربية والإسلامية ،  ط1 ، 2010م ), ص24.

[18] وصاحب الأبيات غني عن التعريف في أفريقيا الغربية في حقول الدعوة ، والتدريس ، والتأليف . له ما لايزيد عن ستين إنتاجا ، بين منثور ومنظوم .

[19] عبد الرحمن عبد العزيز الزكوي ، أفيقوا معشر القرآن  ،( لاغوس : صفوة الفن العربي والإسلامي ، ط1 ، 2006م ) ، ص1-8.

[20] هذه العادة تحدث غالبا مع قبيلة يوربا النيجيرية .

[21] الإلوري : تاريخ الدعوة إلى الله بين الأمس واليوم ، ص127.

[22] المرجع نفسه، ص257.

[23] الكتاب المشهورون ، والجهاديون المقاومون المعروفون ببسالتهم دوليا .

[24] آدم عبد الله الإلوري ، الإسلام اليوم وغدا في نيجيريا  ، (القاهرة : مكتبة وهبة  ، ط1، 1985م )، ص 44- 45.

[25] المرجع نفسه ، ص 113- 116.

[26] المرجع نفسه  ، ص 117.

[27] عبد الله بن فوديو، تزيين الورقات بجمع بعض مالي من الأبيات  ، (كنو: مكتبة أيوب أبي بكر، ط1 ، 1383هــ) ، ص63.

[28] عجز بيت قاله ابن الوردي في لاميته وصدره “

واهجر النوم وحصله فمن   +++    يعرف المطلوب يحقر ما بذل

[29] آدم عبد الله الإلوري ، تاريخ الدعوة إلى الله ، ص 1.

[30] المرجع نفسه  ، 176.

[31] عيسى ألبي أبوبكر ، السباعيات ، ص123.

[32] آدم عبد الله الإلوري ، الدين النصيحة ،( بيروت : دار مكتبة الحياة ، ط1، 1966م )، ص37.

[33] المرجع نفسه ، ص59.

[34] المرجع نفسه، ص61.
Updated: 2018-07-02 — 13:10

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme