مسائل الإقليمية في المنطقة العربية / دكتور رمزي بن دبكة


مسائل الإقليمية في المنطقة العربية

Regionalism Issues in the Arab Region

الدكتور رمزي بن دبكة

باحث في الشؤون الإقليميّة و العلاقات الدولية – كوالالمبور – ماليزيا

مقال نشر في   مجلة جيل الدراسات السياسية والعلاقات الدولية العدد 19  الصفحة 125.

 

   

Abstract:

 This research aims to study regionalism in the Arab region by introducing and determining some key issues that have complicated the understanding of the concept, both in theory and practice. Regionalism in the Arab region must be put within its theoretical, historical and conceptual framework that can be help in analysing or evaluating its past and contemporary experiences. Hence, the conceptual perceptions that are insufficient to grasp the meaning of the regionalism and adapt its most important elements have made the analysis of regional cooperation in the Arab region unclear and vague. Therefore, the researcher seeks to discuss the conceptual issues that he thinks are necessary as; the understanding the factors contributing to regional cooperation in Arab region, the role of ideology in re-shaping the geographical meaning and finally the importance of dealing with the regional concept from other non-cultural aspects such as focusing on economic, political, social and etc. The researcher clarifies that the research do not answer a specific questions as much as it highlighting the importance of dealing with issues that surround the concept of regionalism in the Arab world and thus its overlap with the reality of the region which cannot be interpreted theoretically from Arabism,  nation and nationalism point of view.

Key Words: Regionalism, Arab region, Middle East, Ideology.

                  الملخص  

يهدف هذا البحث لدراسة الإقليمية في المنطقة العربية من خلال طرح بعض المسائل التي زادت من تعقيد المفهوم سواء من الناحية النظرية أو الواقعية. فالحديث عن الإقليمية في المنطقة العربية وجب أن يوضع في إطاره النظري والمفاهمي الخاص به حتى يُتمكن من تحليله أو الحكم على مختلف تجاربه السابقة والمعاصرة. إنّ التصورات المفاهميّة القاصرة عن الإحاطة بالمعنى الحقيقي للإقليمية مع تكييف أهم عناصرها قد جعل تحليل التعاون الإقليمي في المنطقة العربية غير واضح ومضطرب. ومنه فإنّ الباحث يسعى إلى تفعيل المسائل التي يراها مهمّة كمحاولة فهم أهم العوامل المساهمة في تشكّل الإقليمية، دور أيديولوجيا المصطلح في إعادة تشكيل المعنى الجغرافي وأخيراً أهمية التعامل مع المصطلح من جوانب أخرى غير ثقافية كالتركيز على جوانب اقتصادية وسياسية وغيرها. ينبّه الباحث هنا إلى أنّنا لا نهدف إلى إيجاد الحلول السريعة بالدرجة الأولى للمسائل البحثية بقدر ما نطمح إلى إبراز أهميّة طرحها ودرجة تأثيرها في مشروع الإقليمية في الوطن العربي  مع إعادة صياغة تصوّر مفاهيمي للمسائل من أجل فهم واقع المنطقة الذي لا يمكن تفسيره نظريا من وجهة نظر العروبة أو الأمّة أو القوميّة فقط.

 

الكلمات المفتاحيّة: الإقليمية، المنطقة العربية، الشرق الأوسط، الآيديولوجيا.

 

أ-فرضية الدراسة

تفترض الدراسة بأنّ تحقّق الإقليمية وازدياد التعاون بين الدول لا يمكن أن يتأتّى إلاّ من خلال بحث المسائل العميقة والتي لها تأثيراتها السلبيّة على المنطقة العربيّة. ومنه فإنّ نجاح المشروع الإقليمي مقرون ومرتبط أساساً بتفعيل الحديث وتحديد أهم المسائل التي توجّه الإقليميّة، كمسألة التصوّر المفاهمي والأيديولوجية المرتبطة بجغرافية المنطقة والتعامل مع الجانب الثقافي المفرط. ومنه فإنّ إيجاد حلول لهاته المسائل مستقبلاً هو ما سيمكّن من وضع أسس حقيقيّة للإقليمية في المنطقة العربيّة.

ب-أهمية الدراسة

  • تكمن أهميّة الدراسة في ضرورة توسيع دائرة البحوث حول مفهوم الإقليمية وتطبيقاته في المنطقة العربيّة والخروج من دائرة الصراع المفاهيمي إلى دائرة تحديد المسائل المهمّة واقعاً والأكثر تأثيرا في التعاون بين دول المنطقة مع محاولة إعطاء الحلول اللازمة في المستقبل.
  • الخروج من دائرة التقليد للمشاريع الإقليمية السابقة والرائدة كالإتحاد الأوربي وما تبعه من مقارنات مع العالم العربي إلى دائرة تحليل مفهوم الإقليمية بما يتناسب مع خصائص المنطقة العربية. إذ إنّ تحديد مشاكل المنطقة إقليميا ومحاولة حلّها مستقبلا هو السبيل لتفعيل المشاريع التكامليّة وليس مقارنة المنطقة مع مناطق أخرى وإعطاء حلول جاهزة والتي قد لا تتناسب مع خصائص المنطقة العربيّة.

ج- أهداف الدراسة

  • إبراز أهمية الإقليمية ومرحلة تطورها من التقليدية إلى الإقليمية الجديدة، مع التركيز على تطبيقات المفهوم على المنطقة العربيّة تحديداً.
  • التعرّف على أهم المسائل المتعلقة بموضوع الإقليمية في المنطقة العربية مع شرح لكيفية تأثيرها على التعاون والتوافق بين دول المنطقة.
  • الإشارة إلى أهمية الاهتمام بالمصطلحات المرتبطة بالدولة والإقليمية على حدّ سواء كمصطلح المواطنة والهوية، كما أشرنا إلى ضرورة توسيع مجالات البحث إلى إقتصادية واجتماعية وعلمية حتى لا ينحصر المجال البحثي على الجانب الثقافي فقط.

د- أسئلة الدراسة:

إنّ أهم الأسئلة المطروحة لهذه الدراسة تكمن في الآتي:

  1. ما هي عوامل تكوين وبناء التكتلات الإقليمية وما دورها في تفعيل التعاون؟
  2. هل للمعنى الأيديولوجي دور فيما آلت إليه الإقليمية في المنطقة العربية وكيف يحدث ذلك؟
  3. كيف ساهم التعامل الثقافي المفرط مع مصطلح الإقليمية من تعطيل التفاعل الواقعي والتعاون بين دول المنطقة العربيّة؟

ه- منهجية الدراسة:

إنّ المنهج المستخدم في هذه الدراسة هو المنهج التحليلي الاستقصائي. إذ إنّ المنهج التحليلي الاستقصائي يفصّل في المتعلقات والروابط المصطلحيّة بين مختلف المتغيرات والعوامل وصولا إلى مزيد من الاستيعاب للظاهرة الإقليمية في المنطقة العربية. وقبل الخوض في تلكم المسائل نرى ضرورة وجود مدخل ومقدّمة تعريفيّة بالموضوع. أمّا فيما يتعلّق بالإجابة على أسئلة الدراسة وفق المنهجية المطروحة لهذا البحث، فقد قسّمت هذه الدراسة على النحو الآتي:

  • المحور الأول: مقاربة لمفهوم الإقليمية وإشكالات الاستعمال في المنطقة العربيّة
  • المحور الثاني: التكوين وعوامل بناء التكتلات الإقليميّة التقليدية
  • المحور الثالث: دور المعنى الأيديولوجي وتأثيره على الواقع الجغرافي
  • المحور الرابع: التعامل الثقافي المفرط مع الإقليمية في المنطقة العربيّة

المقدّمة

إذا كان التصوّر يسبق عملية التحليل و البناء أو الحكم على الأشياء، فإنّ ضرورة تصوّر مفهوم الإقليمية والتكامل الإقليمي في المنطقة العربية أهمّ بكثير من مجرّد الاهتمام بدراسات متعلّقة بالتقييم والسّرد لما أُنجز وما قد ينجز أو تحليل للعلاقات وتفسير للظواهر الحاصلة ولكن من دون منطلقات ومؤشّرات معبّرة ومن دون وعي بحقيقة المعنى الإقليمي المستخدم. ذلك أنّ التصوّر القاصر عن استيعاب عناصره لا يوصل بحال إلى الحكم على تجربة مختلفة عن التصوّر أو لم تقع أصلاً إذا ما بنينا أحكامنا على ذلكم التصوّر القاصر. و من باب إيضاح المسألة، كيف لأحد أن يحكم على منجزات الإتحاد الأوربي مثلاً، ولكن التصوّر الذي يحمله لهذا الإتحاد هو أنّه المجموعة الأوروبية المشتركة؟ فهذا تحليل لواقع جديد ولكن بمعطيات تقليدية لا يمكنها استيعاب كلّ ذلك الواقع الجديد. فكذلك حال الوطن العربي الذي قد يتصوّره الباحث على أنّه الشرق الأوسط ولكنّه يتحدّث عنه بمعطيات ومؤشّرات القوميّة العربية، أو الأمّة. فتحصل الإساءة للمصطلحات المستخدمة كالقوميّة والأمّة، ولا يحصل المقصود الذي هو تحليل ظاهرة الشرق الأوسط، وهذا ما قد يؤدي إلى إخفاق كلّي في الطرّح.

ومن ناحية أخرى، فإنّ الأخذ بمصطلح القوميّة العربيّة أو النظام العربي مثلاً مع اعتبار المصطلح هو ذاته مفسّرا لواقع المنطقة، جعل التحليل ينتهي إلى نتيجة معلومة مسبقاً وهي وجود القوميّة مع وجود المجتمع العربي مع غياب الإقليميّة التي هي مشروع متعدّد الأبعاد قائم بذاته ينتهي في شكل منظمات أو علاقات متشابكة في مختلف المجالات قد تنتهي على شكل مشروع إقليمي مؤسّس. إن الانتهاء إلى نتيجة مسبقة للقومية والعروبة أو غياب الإقليمية كمشروع واقعي قد زاد من صعوبة استخدام المصطلحات ذاتها التي أصبحت متداخلة أحيانا ولا تخدم المصلحة الإقليمية . وبدل تصوّر المصطلح المستخدم، حُكم عليه بنتيجة حتميّة خادمة لأطروحات معيّنة لا تبرز حقيقة المصطلح. إذ إنّ عدم إدراك ما يُبحث عنه قد ولّد خللاً في التحليل ومنه قصور وتساهل في الحكم على القضيّة المعروضة للبحث إمّا إيجاباً وإمّا سلباً. والمسألة الأخرى الأكثر حساسية هي ما إذا كان للمفهوم استعمال جغرافي يُعبّر عن منطقة معيّنة ولكن قد يتأثّر ذلك المعنى الجغرافي بعامل أيديولوجي أو جيوسياسي فيُصبح المفهوم مُعبّرا عن حالة أيديولوجية حقيقية لدرجة يصعب معها التحوّل عن هذا المعنى إلى الحالة الأولى، ونقصد هنا المعنى الجغرافي المحض. فالشرق الأوسط لم يعد له معنى جغرافي بل أصبح المعنى الأيديولوجي أكثر طغياناً وظهوراً من مجرّد أن نحاول إخفاء المصطلح ومحاولات دفنه بدل التعامل معه كواقع وجب الخروج منه فعليّاً كما دخلت فيه المنطقة العربيّة قسراً.

إن منطقة الشرق الأوسط أصبحت مجموعة من الدول الحديثة النشأة والقائمة بذاتها كواقع. ومنه فإنّ تعاونها وارتباطها وجب واقعاً أن يكون على هذا الأساس، أي تعاون وتكامل بين دول لها مصالحها واهتماماتها وأولوياتها المتباينة أحيانا والمختلفة. كما أنّ الشرق الأوسط أصبح يعبّر عن مجموعة من المعاني المختلفة والسلبيّة في الكثير من الأحيان، على الأقل بالنسبة للغرب. وعلى هذا الأساس، فإنّ التعامل مع مصطلح الشرق الأوسط كحقيقة واعتبار المجتمع العربي مجموعة من الدول والانطلاق في العملية التكاملية على أسس اقتصادية وسياسية صلبة قد يصلح من المعنى الأيديولوجي السلبي العام.

أمّا القضيّة الثالثة فهي التعامل المفرط مع ثقافة المنطقة وتناول كلّ متعلّقاتها بدل الخروج منها إلى فضاءات الممكن القابل للتحليل كالاقتصاد وعلاقته بالتكامل الإقليمي، واتخاذ القرار في مجال التعاون. إنّ التعامل المفرط مع المسألة الثقافية ذاتها لم يكن ليجيب على قضايا محورية أخرى كمسألة الهويّة وانتساب المجتمع العربي في المنطقة. سنطرح في الفقرات التالية هذه الثلاث مسائل التي نراها مهمّة في تناول موضوع الإقليمية داخل المنطقة العربية مع بيانها وإبرازها.

المحور الأول: مقاربة لمفهوم الإقليمية وإشكالات الاستعمال في المنطقة العربيّة

من الأهميّة بما كان تحديد مفهوم الإقليمية العام الذي يستعمل على المستوى الدولي كظاهرة في العلاقات من جهة، أو كمستوى للتحليل يتوسّط بين مستوى الدولة و المستوى الدولي. ثمّ كمرحلة ثانية يمكن الكلام عن تأثّر المفهوم العام بفواعل وعوامل تختص بها المنطقة العربية على وجه الخصوص. وهنا وجب التفريق بين نوعين من الإقليمية وهي التقليدية والمعاصرة.([1])

أولا/ مفهوم الإقليمية

1/ الإقليمية التقليدية:

تختص الإقليمية التقليدية بالأسباب الهامّة لبعث أي تعاون في منطقة معيّنة كالأسباب التي أدّت إلى تشكّل السوق الأوروبية المشتركة أو منظمات جنوب شرق آسيا وجامعة الدول العربية وغيرها. وبفهم الأسباب يمكن للباحث أن يربطها بالجوانب الأمنية والإستراتيجية التي تشكّلت حينها على نطاق واسع. ويمكن القول بأن الإقليمية التقليدية قد نشأت في ظل ظروف عالمية تتسم بالصراع والحرب. فالعالم الثالث في غالبيته كان تحت وطأة الاستعمار ثم تلتها مرحلة تصفية الاستعمار. كما أنّ العالم قد عانى من حربين عالميتين الأولى (1918-1914) والثانية (1945-1939) ثم ظهرت الحرب الباردة التي انطلقت مع نهاية الحرب العالمية الثانية وانتهت مع سقوط جدار برلين سنة 1989 وبعده سقوط الاتحاد السوفيتي سنة 1991. وعليه فإنّ السمة البارزة للعالم آنذاك هي كثرة الحروب المدمرة والواسعة التي تجمع عددا كبيرا من الدول والأقاليم وتتداخل في مجالات متعددة تستلزم التعاون والتحالف من أجل الصمود في تلكم المرحلة الحساسة في تاريخ الدول. وعلى هذا الأساس، فالتعاون الأوروبي جاء لاجتناب حرب مدمّرة في المنطقة بعد أن تأجّجت فيها حربين عالميتين في وقت وجيز من التاريخ غيّر من شكل العالم فيما يتعلّق بالقوى والأحلاف والإمبراطوريات.

كما أنشئت جامعة الدول العربية لبعث التحرّر في العالم العربي الذي كان أغلب دوله مستعمرا وهكذا مع أغلب التكتلات الإقليمية التي كانت عبارة عن سياسات أحلاف في ظل الحرب الباردة أو منظمات تهدف إلى عمل منسّق بغرض حماية المنطقة. وفي هذا الصدد مثلاـ، يصرّح ساطع الحصري مستشهدا بديباجة تأسيس جامعة الدول العربية: تعترف كل دولة من الدول المذكورة بأنّها عربية وأنّ البلاد التي تحكمها بلاد عربية…تعلن بأنّ من واجب الدول العربية المستقلة أن تساعد البلاد العربية المحرومة من الاستقلال.)[2]( فهل يمكن تصوّر تأسيس الجامعة العربيّة من أجل بعث تعاون اقتصادي وسياسي واجتماعي لحالة السلم مع العلم بوجود البلاد العربية تحت وطأة الاحتلال الغربي؟ ولكن الأخطر من ذلك هو هل يمكن تصوّر وجود مشروع تكاملي وميكانيزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية للتعاون في ظل ميثاق جامعة عربية بمنظور الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي؟ إنّ أسباب بعث التعاون الإقليمي كانت هي ذاتها بمثابة التعريف والمفهوم الذي يحيط بالإقليمية ومنه فإنّ سبب وجود الإقليمية هو بمثابة مؤشّر على نجاحها، من خلال غياب الحروب، أو مؤشّر على ضرورة تغيير الاهتمامات وتكييفها في أطر أخرى حتى تبقى درجة التفعيل، كالتحوّل الذي حصل في أوروبا من السوق الأوروبية المشتركة إلى الاتحاد الأوروبي.

2/ الإقليمية الجديدة:

هناك ما أصبح يعرف بالإقليمية الجديدة في أواخر الثمانينات وبداية التسعينيات والتي تعرّف على أنّها عمليّة متعددة الأبعاد لتحقيق التكامل الإقليمي، والتي تشمل الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية في صيغة منسّقة.)[3]( ومنه فالتكامل الإقليمي لأي منطقة يكون من خلال قرارات وسياسات تشمل كل الجوانب المذكورة آنفا ومن دون استثناء. يمكن تعريف الإقليمية الجديدة كذلك بوصفها عمليّة معقّدة تنطوي على محاولة توحيد مجموعة من الدول أو إرساء التعاون فيما بينها. تحدث هذه العملية نتيجة تفاعل هذه الدول مع المتغيرات العالمية والإقليمية المتسارعة التي قد تستوجب الدخول في تكتلات لاجتناب أثارها السلبية، أو لمواكبة التطورات الحاصلة في شتى المجالات فتكون الإقليمية إمّا كردّة فعل على واقع المنطقة أو كأداة لتجنّب الأزمات التي قد تضرب الدول بسبب التحولات الجوهرية العالمية المختلفة والتي قد تؤثّر على الدولة إذا لم تكن محميّة بعلاقات متشابكة ومتشعّبة مع دول أخرى.)[4](

ثانياً/ إشكالات التطبيق في المنطقة العربية:

إنّ الإشكالية في المنطقة العربية تكمن في أنّ هاته الإقليمية سواء بمفهومها التقليدي أو الجديد لم تنطلق بعد إلى مرحلتها العمليّة وبقيت متوقّفة إمّا على المصطلحات أو المؤثرات الخارجة عن المنطقة أساسا. وأهم سبب لذلك هو

أوّلا تشكيل المنطقة الجديد الذي جاء بعد تصفية الاستعمار. لقد أدّى هذا التشكّل الجديد إلى محاولة الدول الناشئة إلى البناء و إلى إيجاد مكانة لها وسط المحيط الإقليمي أولا ثم على المستوى الدولي. ومنه فإنّ الإقليمية بقيت بعيدة عن التفكير العملياتي على الأقل من الناحية السياسية والاقتصادية وكان البحث عن الاستقرار الداخلي هو أهم مصلحة بالنسبة لكلّ الدول تقريبا. إنّ طبيعة الإقليمية بوصفها عروبية أو قوميّة كانت أكثرها حماسيّة وخادمة لمرحلة معيّنة كما أنّها بقيت حبيسة التنظير والمثالية في الكثير من الأحيان.

الثانية هي الخلط المفاهيمي الذي يجمع بين المأمول والواقع. إذ يتحدّث العديد من المختصين والمؤلفين عن الإقليمية باعتبارها قوميّة وهذا يرجع إلى السبب الأول وهو نشأة الدول الحديثة في المنطقة وسعي العلماء والمفكرين إلى محاولة إعادة بناء فكر يجمع تلك الدول الناشئة حديثا والمتفرّقة سياسيا وهيكليا ومصلحيّا واقتصاديا.

ومع مرور الوقت وبالتطوّر الذي حصل نظريّا وعمليّا للإقليمية من خلال نشأة منظمات وهياكل إقليمية جديدة في كل أنحاء العالم، بقيت المنطقة العربية متوقّفة وغير قادرة على التقدّم نحو ما وصلت إليه المناطق الأخرى لأسباب متنوعة وعلى كل مستويات التحليل. إذ إنّ هاته الأسباب قد تكون متعلقة بالدولة أو بالمنطقة كما أنها قد ترجع إلى عوامل عالمية كالعولمة والتدخلات الأجنبية العديدة في المنطقة كذلك. ما يهمنا في هذا البحث هو المشكلة المصطلحية وكيف أنّ مصطلح الإقليمية في حقيقته مرتبط بمسائل متعلّقة بالنشأة و العامل الجغرافي الأيديولوجي في نفس الوقت، وكذا طبيعة هذه الإقليمية التي وجب أن تخرج من عباءتها الثقافية الأيديولوجية الضيقة وتنطلق إلى تحقيق أبعاد أخرى تكون في مصلحة كل دول المنطقة باعتبارها دول متباينة ولكنها قد تجتمع مصلحيّا على الأقل.

المحور الثاني: التكوين وعوامل بناء التكتلات الإقليميّة التقليدية

تتنوّع البواعث على قيام المنظمات و التكتلات الإقليمية وتتعدد باختلاف الأزمنة و المناطق. تاريخيا، كانت البواعث العرقيّة و الثقافيّة التي تستند على وحدة الأصل و اللغة و الدّين والتاريخ المشترك، هي الفاصل في تكوين الأحلاف و التكتلات كما حدث بشكل واضح جدَّا في المنطقة العربيّة عموماَ.([5]) لا تخفى أهميّة البواعث المذكورة ولكنّها تبلورت هي كذلك في أطر فوقيّة جعلتها تزداد قوّة وقدرة على التأقلم مع معطيات جديدة ظهرت حينها. فالتوسّع الجغرافي للخلافة الإسلاميّة تبعه تطوّر واضح في مجالات ثقافيّة وعوامل اقتصاديّة، وتنظيم للحكم وإدارة الدولة. وبالاعتماد على الفهم الواسع للدولة والمستوعب للمعطيات، فإنّ دار الإسلام لها ما يقابلها وبالتالي فالإقليمية الجغرافية هي ذاتها تمثّل جغرافية حضارية كإطار مستوعب لكلّ المسلمين وغيرهم كالذمّي الذي له أحكامه داخل الدولة. كما أنّ الإطار الديني ينظّمه التعامل الشرعي مع كلّ الأفراد، ومنه فحرّية العبادة مثلاً هي ذاتها حق من حقوق الأقليات داخل الإقليم الإسلامي وهكذا في غير واحد من المجالات والعلاقات. ومع مرور الوقت فإنّ ضعف نظام الخلافة كان يؤثّر بدوره على الباعث الثقافي الذي تآكل وتحول من تاريخ مشترك ولغة ودين ومصالح متداخلة إلى أن أصبح يمثّل عند بداية القرن العشرين الجانب اللغوي فقط والمتمثل في اللغة العربية والانتماء للعروبة.

هناك كذلك الدوافع الأمنيّة والجيوسياسية التي مصدرها الشعور بضرورة التكتّل للدفاع من أجل مواجهة تهديد مشترك أو لاستباق وقوع حروب داخل الإقليم ذاته وهذا ما ينطبق عموماً على أوروبا في مراحل تاريخيّة متنوّعة.)[6]( بالإضافة إلى وجود العامل الجغرافي باعتباره عنصرا أساسيّاً في عمليّة التكتّل كذلك. لقد ظهر جليا الآن أنّ هذه الدوافع لم تعد قادرة على استيعاب ظاهرة الإقليمية كما أنّها لا تكفي كعوامل بالرغم من أهميتها لشرح وتفسير التكامل في عصر العولمة. إذ إنّ التكنولوجيا الحديثة قد يسّرت وجعلت التواصل و التفاهم بين الشعوب أمراً لا يُحتاج معه إلى الوحدة في الأصل أو الانتماء إلى دولة معيّنة لها لغتها الخاصة. بينما كانت عديد المناطق والأقاليم مرتبطة عادة بقرب الدول جغرافياً مثلما حدث في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، أصبح من الواضح أنّ عدم ترابط الدول جغرافياً لا يلزم عنه بالضرورة عدم قدرتها على التعاون نوعيّاً، كما أنّ تواصلها حدودياً لا يعني قدرتها على التكامل إقليمياً.

فالمعيار الجغرافي بوصفه شرطاً أساسياً لعملية التكامل الإقليمي فيما مضى، أصبح قاصراً عن تفسير التعاون والترابط بين الدول من جهة، وعن مواكبته للتغيرات الهيكليّة في النظام العالمي من جهة أخرى وخاصة مع بروز العولمة. إذ كيف نفسّر ارتباط الدول العربيّة كلّ منها بدول معيّنة أخرى من أوروبا وأمريكا والصين واليابان و روسيا أو غيرها من الدول والمناطق، ارتباطا اقتصاديا وأحياناً ثقافيا وعلميّاً أكثر وأقوى بكثير من ارتباطها بدول عربية مماثلة ومتقاربة جغرافيّا؟ من هذا المنطلق، ظهرت دراسات إقليمية جديدة تبشّر بوجود عوامل و مؤشّرات لها القدرة على المساهمة في تفسير مظاهر التعاون الإقليمي المعاصر والمساعدة في تحليله والتي يمكن تلخيصها في النقاط الآتية:

1 ارتباط الدراسات الإقليمية المعاصرة أكثر من أيّ وقت مضى بالتحولات الهيكلية للنظام العالمي والتي تتلخص في: انهيار الإتحاد السوفيتي ومدى تأثيره في سياسة الأحلاف؛ ازدياد قوّة العولمة ودورها في ترابط الدول في شتى المجالات وتأسيس أحلاف جديدة؛ ظهور التوترات والحروب التي لها انعكاساتها على التعاون الدولي عموماً والإقليمي خصوصاً إمّا إيجاباً أو سلباً، كحرب الخليج التي جمعت دول معيّنة داخل المنطقة وباعدت بين أخرى، والحرب على الإرهاب التي قد تؤزّم مسائل التعاون الإقليمي وذلك نتيجة ارتباطها بفواعل قويّة خارجة عن المنطقة العربيّة ولكن لها أدوار فاعلة فيها.[7] ومنه فإنّ قوّة مصالح الدولة والتي قد تكون نتيجة طبيعة الحكم فيها كذلك قد تكون لها ارتباطات دولية أقوى من تلك التي تربطها بجيرانها أو أحلافها السابقين في المنطقة.

2 فيما قامت الدراسات الإقليمية القديمة على اعتماد عوامل وعناصر محدودة في تحليل منظمات معينة، كاستخدام العنصر الجغرافي لتحليل السوق الأوروبية المشتركة أو رابطة دول جنوب شرق آسيا، واستخدام وحدة اللغة و العرق والدّين في تحليل جامعة الدول العربية، فإنّ الدراسات الإقليميّة المعاصرة تقودنا إلى الجمع بين مختلف العوامل و المتغيرات، بالإضافة إلى الأفكار، والمناقشات في مجال التعاون الإقليمي، ثم السعي إلى إبراز خصائص مرجعيّة في للإقليمية. فتحرير التجارة والإصلاحات الداخلية العميقة وتوطيد العلاقات الاقتصادية مع الجوار مع بعث المزيد من الترابط التجاري والصناعي والزراعي والذي بدوره يزيد من درجة الترابط العضوي بين دول المنطقة بحيث تصبح المصالح الاقتصادية والسياسية متداخلة وغير قابلة للفصل وغيرها من الخصائص المهمّة بالنسبة للإقليمية، كل ذلك أصبح محتاجا للمزيد من الدراسة والبحث من أجل بعث المنطقة من جديد.

 3 تطوّرت الدراسات الإقليمية السابقة في مرحلة الحرب الباردة و الثنائيّة القطبيّة ممّا جعل الجانب الأمني والجيوستراتيجي يغلب على باقي الجوانب وخاصة منها السياسية والاقتصادية والاجتماعية على الأقل من ناحية التطبيق داخل الأقاليم. أمّا الدراسات الإقليمية المعاصرة فقد وُجدت وتطوّرت تحت ظل نظام عالمي مختلف ومميّز؛ فالاقتصاد العالمي أصبح أكثر ضخامة و ديناميكية، بينما أصبح المجال السياسي أكثر تشابكاً و تداخلاً بين ما هو محلي وإقليمي وعالمي. وبالتالي، فإنّ كل جانب من الجوانب له دوره و نصيبه من التحليل ممّا قد يعزّز من الفهم الدقيق لسير عملية التعاون و التكامل الإقليميين بدل حصرها في جوانب تقليدية كانت متلائمة أكثر مع التحليل أثناء مرحلة الحرب الباردة وما سبقها.

إنّ عدم إدراك هذه التحولات والاستقرار على معنى تقليدي مع الالتزام به، أو تطوير للمعنى التقليدي ولكن من دون فهم للمتغيرات الحاصلة على المستوى الدولي والإقليمي، جعل من المنطقة العربيّة تحت رهان تحاليل حول الواقع مستمدّة من التاريخ القريب، أو مستمدّة من طبيعة تصوّر الباحث الذي يقتصر على جزئيّة معيّنة فقط دون غيرها. ومنه فإنّ أهمية التصوّر الشامل لمصطلح الإقليمية وما يتبعها من مصطلحات كالنظام العربي والشرق الأوسط والوحدة العربية وجب أن يقرن بالمعطيات المعاصرة التي نعتبرها مداخل موضوعية لازمة قبل استخراج معاني ومفاهيم تخصّ الإقليمية.

المحور الثالث: دور المعنى الأيديولوجي وتأثيره على الواقع الجغرافي

إنّ المفهوم التقليدي للإقليمية يرتكز أساساً على فهم الأسباب التي تؤدّي إلى سعي الدول للتكتل و التعاون. وبهذا يمكن تقسيم مفهوم الإقليمية التقليدية إلى قسمين رئيسين.

أولاً/القسم التطبيقي لمفهوم الإقليمية التقليدية

يرتبط القسم الأول بظهور السوق الأوروبية المشتركة كجانب تطبيقي مع نهاية الحرب العالمية الثانية والتي كان من تداعياتها هدم النظام الأوربي القديم وتقسيم العالم إلى ثنائيّة قطبيّة. وبالتالي فإنّ الانتماء القطبي هو محدّد لانتماء ثقافي واقتصادي وسياسي معيّن كذلك. وهكذا أصبحت ما أسميّه بالإنتمائية (Belonging) هي المتغيّر الفاعل في تحديد طبيعة الأحلاف والتكتّلات التي تتبنّاها الدول من جهة، ومحاولة السيطرة على النزاعات الإقليميّة من خلال بعث التعاون بين الدول الأوروبية من جهة أخرى باعتبار أنّ هذه الدول يجمعها انتماء واحد لقطب معيّن. ولعلّ أهم ما يميّز التجربة الأوروبية هو غياب حرب أخرى على الصعيد الإقليمي مما يفسّر الكم الهائل من الدراسات الإقليميّة التي كانت موجّهة فيما بعد لفهم طرق التعاون و أهم مراحل التكامل في أوروبا حتّى تصبح أنموذجا متّبعاً في باقي مناطق العالم.

أمّا الأنموذج الثاني الذي يُطرح كمعضلة وجب اجتنابها وإيقاف مظاهرها وما ينتج عنها فهو الشرق الأوسط. فالمصطلح أُطلق كحقيقة جغرافية، هو شرق أوسط لقوّة غربيّة كانت تمثّلها الإمبراطورية البريطانية، وانتهى المطاف به كحقيقة وظاهرة متشعّبة تجمع تحتها كلّ ما هو ثقافي، ديني، سياسي، ومجتمعي. فالشرق الأوسط يمثّل بالضرورة صنف من الدول ومن المجتمعات والثقافات التي وجب التعامل معها من قبل الغرب ومعانيه مختلفة كثيراً عن الطرح الذي يتحدّث مثلاً عن القوميّة أو الوحدة أو الأمّة. فالشرق الأوسط هو مصدر للطاقة و هو منطقة إستراتيجية وهو سوق استهلاكية، كما أنه قد يمثل منطقة غير آمنة في نظر البعض وهكذا تنشأ مختلف المقاربات والتصورات حول المنطقة. يرى كلّ من مطر وهلال بأنّ الشرق مرتبط بكل ما هو شرقي (Oriental)، وهذا المصطلح لا يعبّر عن مجرّد الجغرافيا في الفهم الغربي الأوروبي، بل هو تعبير كما ذكرنا يمثّل مجموعة من الأفكار المسبقة عن المنطقة وأهميتها والجيوسياسية والاقتصادية، كما يعبّر عن شعوب وثقافات هذا الجزء من العالم.

لقد ألحقت كلّ من إيران وتركيا بمجموعة الدول الشرق أوسطيّة، ومنه فإنّ التعامل مع المنطقة صار أكثر تعقيداً ليس في معناه الجغرافي الذي قد لا يُطرح بالمعنى الثقافي المعلوم بقدر ما هو تعقيد إيديولوجي. فارتباط كلّ من سوريا و العراق، اليمن و لبنان و البحرين بإيران له دوافعه العقديّة أكثر من مجرّد الارتباط الثقافي واللغوي. كما أنّ تجدر القضيّة الكردية وتوسّع معطياتها لأن تصبح دولة مستقلة له تداعياته على الأطراف العربيّة و التركية في نفس الوقت. ومن هذه الأمثلة وأخرى عديدة، تطرح فكرة الو لاءات باعتبارها أحد أهم المحرّكات لحسابات المنطقة بدل الاقتصار على الجانب العروبي المتعلّق باللغة والذي لم يعد بإمكانه تفسير مختلف الظواهر الإقليمية. إذ إنّ تعدّد القضايا وتنوّعها في المنطقة العربية سببه تعدّد الأسباب والمعطيات التي وجب مراعاتها عند تحليل ودراسة النماذج التكاملية وخاصة إذا ما تعلّق الأمر بالأزمات المركّبة والتي هي عقبة في سبيا تحقيق التكامل في المنطقة، بحيث أنّ أي مشكلة بين دولة وأخرى قد تنقل إلى مرحلة أخرى إقليمية من خلال بحث كل طرف عن أحلاف داخل المنطقة ومنه فإنّ السعي إلى النفوذ وتحقيق المصلحة-والذي هو مطلب شرعي للدولة الحديثة- أصبح هو السمة البارزة التي تستمد وتقيس به الدول قوتها في المنطقة العربية.)[8](

ومن النقاط المهمّة كذلك، هو أنّ طبيعة الدولة الحديثة وما تحمله من سمات كان من الممكن لها أن تفتح أفقاً واسعاً لشعوب بعض دول المنطقة. فالدولة الحديثة ترتكز على مفاهيم مفسّرة وقائمة بذاتها بحيث لا يمكن تصوّر دولة حديثة من دون استحضار لمفاهيم كالمواطنة والوطنيّة والحكم الراشد وغيرها من المفاهيم. ولكن التجارب أثبتت على أنّ المواطنة في الوطن العربي لها معنى أيديولوجي زاد من انغلاق الدولة على النحو الإقليمي بدلا من أن يخدم الدولة ويزيد من توطيد علاقة شعوب المنطقة. فالمواطن أصبح يمثّل كياناً معيّناً غير قابل للانفتاح على كيان آخر مجاور بل وفي الكثير من الأحيان أصبحت المواطنة في بلد عربي ملزمة لصاحبها كأيديولوجية متّبعة في مواجهة الأيديولوجيات الأخرى، أي باقي المواطنات. ومن سلبيات هذا المعنى الأيديولوجي للمواطنة مثلا، هو انتقاله إلى التقسيمات العرقية والثقافية القديمة وتجزئة التاريخ المشترك والدين واللغة وغيرها. وهذه أحسبها نقطة خطيرة تؤشّر على أنّ فهم المصطلحات الحادثة لدى المنطقة العربية قد أثر على مقوماتها وجعلها تتآكل. لقد أصبحنا نسمع بمصر الفرعونية وطالب سكّان دارفور بالاستقلال عن السودان وتطالب مناطق عديدة باستقلالها بحجّة تباينها عن القوميات الأخرى وكل ذلك باسم المواطنة وإنشاء وطن متباين عن سابقيه. ومنه فإنّ شدّة الاختلافات والتباينات داخل المنطقة جعلها أقرب إلى الفهم الغربي –على أنّها شرق أوسط بصيغة أيديولوجية- من كونها أقرب للمفهوم العربي الإسلامي، الأمّة أو الوحدة العربيّة.

ثانياً/القسم النظري لمفهوم الإقليمية التقليدية

أمّا القسم الثّاني فهو مرتبط بالجانب النظري الذي يقودنا لطرح وجهات نظر ومقاربات مختلفة لفهم دوافع وأسباب التعاون الإقليمي ولكنّها في حقيقتها هي دوافع ومعطيات قد تتقاطع مع أيديولوجيات موجّهة أكثر من شيء آخر، ومن الأمثلة على ذلك، الطرح العربي للشرق الأوسط. فإذا كان عدد كبير من المفكرين ينكرون مصطلح الشرق الأوسط لأنّه غربي مع حقيقة وجوده واقعاً، فإنّ الطرح العربي لقضية الشرق الأوسط على أنّه ظاهرة إقليمية تظمّ إليها الدول العربية و غير عربية كذلك له نصيبه من النقد والارتباط بالأيدولوجيا.

من المعلوم بأنّ دوائر التنظيم الدولي متعدّدة تبدأ بما هو دون الإقليمي وتصل إلى الإقليمي ثمّ العالمي. بغضّ النظر عن كون هذا الطرح يمثّل التزاماً وفهماً لمعطيات المنطقة والتي هي كثيرة في الحقيقة إلاّ أنّ دخول النظام العربي إلى منظمة كهذه وهو في أشدّ درجات التفكّك وتشتّت للرؤى ونقص الفعالية إن لم يكن غيابها سيزيد حسب البعض كأحمد يوسف أحمد و نيفين مسعد([9])، من محنة المنطقة وسعة انقساماتها. ذلك أنّ القوى الإقليمية الأخرى التي تعرف ما تريد وتسعى إلى تجسيد مصالحها كإسرائيل التي تهدّد كيانات عدد عن الدول أو إيران التي ستزيد من ذلك التشتّت وتقسيم الو لاءات داخل دول المنطقة كما يحدث في العراق وسوريا ولبنان. ومنه فإنّ دخول النظام العربي في مبادرة إقليمية شرق أوسطية سيقضي ويفكّك النظام العربي من أساسه. والدليل على ذلك هو أنّ الحالة التي تعاني منها المنطقة العربية هي التي فتحت الأبواب نحو أطماع القوى الإقليمية المجاورة والعالمية الوافدة إلى المنطقة. فالجانب الإيراني استغلّ الخلافات وغياب التفاعل الإيجابي بين الدول العربية وبالتالي فإنّ تغلغله هو ملءٌ للفراغ الناتج عن ذلك التأزّم في العلاقات بين العرب. ومنه فإنّ طرح فكرة الشرق أوسطية كقضية منفصلة عن النظام العربي، من قبل بعض الفاعلين والمفكرين قد يفهمه البعض على أنّه محاولة للتغيّر في إيديولوجية العروبة والوطن العربي، بل وقد يتّهم أصحابها بمحاولة التطبيع مع إسرائيل كأحد دول المنطقة الداخلة في أدبيات الشرق الأوسط حسبهم على الأقل من الجانب النظري والعلمي.

لا شكّ بأنّ ما عليه الوطن العربي هو الشرق الأوسط حقيقة مع ما فيه من أجندات متداخلة أرادها الغير لدول وشعوب المنطقة. والحقيقة الفاعلة إقليميا هي غياب نظام عربي بالكليّة لعدم توافر شروطه البنائية وأطره المؤسساتية الفاعلة على الأقل. يمكننا في هذا الصدد الاستعانة بالنظريات في العلاقات الدولية لفهم جزء من مسارات الإقليمية في المنطقة العربية. ومنه، فإنّ المدرسة الواقعيّة سواء بتوجهاتها التقليدية أو الجديدة، قد تكون مفيدة في بلورة المفهوم التقليدي الأيديولوجي للإقليمية مع تطبيقاته على العالم العربي.

ترى المدرسة الواقعية (Realism) بأنّ التعاون الإقليمي هو عبارة عن إستراتيجية تتبعها الدول من أجل تحقيق مصالح وطنيّة سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو جيوستراتيجية. فتركيز المدرسة الواقعية يدور حول المصالح الوطنيّة للدولة وما يخدمها ككيان يسعى إلى البقاء في ظل نظام دولي تسوده الفوضى وتحكمه الصراعات وفكرة البقاء للأقوى. إذن، فالتجمعات الإقليمية ما هي إلاّ استجابة لحاجة الدولة ومصالحها أو لوجود متغيّرات إقليمية تفرض الدخول في هذه التجمعات بدل التنافس معها مّما قد يضعف كيان الدولة ويقودها إلى الزوال. من جهة أخرى، ترى المدرسة الواقعية بأن الدول الكبرى هي التي تدفع للتعاون الإقليمي خدمة لمصالحها الاقتصادية والسياسيّة والعسكرية([10]). وخير مثال على ذلك هو ما حدث في أوروبا في أعقاب الحرب العالمية الثانية وما تبعها من ضغوط أمريكيّة من خلال مشروع مارشال من أجل إنشاء الأحلاف العسكرية والمنظمات الإقليمية. فالهيمنة الأمريكية لعبت دور المحفز نحو التوجّه الإقليمي في أوروبا وبالتالي فإنّ أي حديث عن المنظمات الإقليمية يصبح لا معنى له من دون فهم دور الدول الكبرى ومصلحتها من إنشاء هذه المنظمات.

إنّ الملاحظ لهذا الطرح الواقعي، سيرقب من دون شك تلك المسارات التي اختارتها العديد من الدول العربيّة خصوصاً بعد استقلالها عن الاستعمار الغربي. وهنا نشير بأنّ مفهوم الدولة ووظائف النظام السياسي للدولة هو مفهوم دخيل ولو بشكل نسبي على المنطقة العربيّة. وتولّد عن هذه المنطقة كيانات متعدّدة فيما أصبحت مجموع دول تعرف بمجموعها شرقاً أوسط، ولّد معه اهتمامات وتفاعلات طارئة وفي الكثير من الأحيان دخيلة على المجتمعات العربيّة كتبنّي المشاريع الماركسيّة، والأفكار المختلفة الغير قادرة على استيعاب البيئة العربية الإسلامية للمنطقة، وجعل كلّ تلك المدخلات الغريبة مصلحة عليا للبلاد، أو منصّة للتحالفات العابرة للمنطقة، مع دول وقوى أجنبيّة كالإتحاد السوفياتي ثم روسيا فيما بعد، أو كالولايات المتحدة وبريطانيا. ومن دون الخوض في طبيعتها، إلاّ أنّ ولادة الدول نتج عنه ميلاد مصالح وطنيّة قد تتعارض مع بعضها البعض أو مع مصالح دول الجوار.

إنّ التناسق في اللغة والتاريخ والدين بل حتى التشابه في المذاهب لم يمنع ما يسمّى بالدول النّاشئة (Emergent States) من البحث عن مصالحها والتي قد تتعارض بالكليّة مع تلك الدول المشابهة في كلّ شيء ماعدا المصالح. رأي آخر للمدرسة الواقعية يرى بأنّ التعاون الإقليمي هو إستراتيجية للتأقلم مع العولمة التي تستلزم وجود القدرة على المنافسة وخاصة الاقتصادية منها وهذا مالا يتحقق إلاّ من خلال الدخول في تكتلات وأحلاف([11]). ومع ذلك فإنّ توزيع التبادلات والمشاريع الاقتصادية مرتبط بما هو خارج المنطقة أكثر من ارتباطه بدول المنطقة العربية ومنه فمصلحة الدولة انتهت تقاطعاتها مع المصالح الإقليمية وأصبحت الدول العربيّة متماسكة المكان جغرافيّاً ولكنّها خارجية المصالح أيديولوجيا واقتصاديا و سياسياً. وكمثال على ذلك نذكر في هذا الصدد قيمة التبادل التجاري للصادرات في المنطقة العربية مقارنة بمناطق أخرى من العالم وهذا كأحد المؤشرات التي تدل على ارتباط المنطقة خارجيا وانعدام تعاونها الاقتصادي إقليميا.

(مليار دولار) 2012  قيمة الصادرات حسب المناطق لسنة

المصدر: موقع منظمة التجارة العالمية على الرابط: http://stat.wto.org/Home/WSDBHome.aspx, تاريخ دخول الموقع: 16/07/2018.

يشير الجدول إلى قيمة الصادرات حسب مناطق العالم. إنّ أولى الملاحظات هي أنّ قيمة التبادل داخل المناطق يفوق وبنسب كبيرة جدا قيمة التبادل خارجها باستثناء المنطقة العربية. فمثلا تبلغ قيمة تبادل الصادرات داخل المنطقة الأوروبية أزيد من 4400 مليار $ وهي نسبة تفوق صادرات أوروبا نحو أمريكا الشمالية ب 8 مرات ومنطقة آسيا ب 6 مرات بينما يبلغ فارق الصادرات نحو المنطقة العربية بأزيد من 20 مرة وهذا ما يعكس درجة ترابط الدول الأوروبية اقتصاديا وتلاحمها كقوة إقليمية بارزة. وعلى النقيض من ذلك نجد بأن قيمة التبادل داخل المنطقة العربية ضعيفة جدا مقارنة بما يحدث خارجها. وتأتي منطقة آسيا في صدارة المناطق التي تتعامل معها أغلب الدول العربية بقيمة 736 مليار $، تلتها أوروبا ب 142 ثم تأتي المنطقة العربية  بقيمة 127 مليار $ وهي نسبة ضعيفة جدا وتعكس عدة مشاكل اقتصادية وتكاملية في المنطقة ولعل من أهمها فقدان قاعدة زراعية وصناعية وخدماتية قوية وتنافسية واعتماد أغلب الدول على المواد الأولية الخام التي تستهلكها مختلف دول العالم وخاصة المتقدمة منها كالولايات المتحدة والصين واليابان وأوروبا.

يكفي مؤشر التبادل لوحده على أن يعبر عن درجة التباعد التعاوني بين الدول العربية وخاصة إذا قارنا ذلك بباقي مناطق العالم. ومنه وبناء على الجانب النظري المذكور آنفا فإن مصالح الدول العربية قد ارتبطت اقتصاديا بما هو خارج المنطقة وهذا يعتبر من أهم أسباب وعوامل ضعف الإقليمية والتكامل الجهوي.

المحور الرابع: التعامل الثقافي المفرط مع الإقليمية في المنطقة العربيّة

يرى عبد الإله بلقزيز )[12]( بانعدام وجود شروط الصلة الموضوعية للأفكار التي قد يتبنّاها المثقّف العربي وبين البيئة الثقافية المدعوّة إلى استقبالها. صحيح أنّه للبيئة الثقافية دور بارز في بلورة الشخصية إن كان على مستوى الدولة أو على المستوى الإقليمي، ولكن إشكالية هذه البيئة الثقافية هو ليس في عدم تقبّلها للأفكار الخاطئة و المغلوطة والدخيلة على المجتمع فحسب، وإنّما الإشكال هو في اعتبارها -أي البيئة الثقافية السائدة- وعاءاً مغلقاً لا يخرج منه شيء قابل لأن يترجم إلى كيان أو مشروع ممكن الحدوث، وبالتالي فإنّ هذه البيئة الثقافية ضعيفة وغير قادرة في الحقيقة على تمييز الخاطئ و الصواب في عدد من القضايا ومسألة الإقليمية والتعاون العربي هي واحدة من تلك القضايا التي صارت مستعصية على الفهم والتطبيق معاً.

إنّ طرح فكرة الوحدة العربية و القومية العربية و الاتحاد العربي والنظام العربي وغيرها من الأفكار، بقي في حقيقته حبيس النخبة العربية ولم يستطع الوصول إلى تلكم البيئة الثقافية التي تمثّل العامّة. ومن هنا، فإنّنا نرى بأنّه من أهم أسباب هذا التباعد بين ما هو نخبوي وما هو شعبي، هو أوّلاً ناتج بالأساس عن التجريد المبالغ فيه لفكرة القوميّة والوحدة من قبل النخبة. فهي لم تتطوّر وتكوّن لها آليات ترفع من مساهمة شعوب المنطقة لخدمة الفكرة وتطبيقها من خلال مشاريع واضحة المعالم بل بقيت حديث النخب كفكرة وكنقاش وسجال غير مجد للشعوب. أمّا النقطة الجوهريّة الأخرى، فهي أنّ الثقافي لا يمثّل بالضرورة ذلك المجرّد في وصف العروبة بقدر ما تحتاجه المجتمعات من تبصّر بفوائد ومصالح التعاون الإقليمي في المنطقة وبقدر ما تحتاجه الشعوب من مشاريع اقتصادية وعلمية و اجتماعية قابلة للتطبيق. فلو تعاملت النخب مع القضايا الاقتصادية والعلميّة والاجتماعية والسياسية بنفس القوّة التي بذلت لها جهداً في الجانب الثقافي، لانفتح ذلك الوعاء (البيئة الثقافية) نحو المزيد من الأفكار المنتجة والقابلة للتطبيق فعليّاً وبالتالي إمكانية نجاح الإقليمية ولو نسبيا.

يمكن الإشارة هنا إلى أن استخدام البيئة الثقافية محتاج هو أصلا إلى فرز وإصلاح لمسألة الهوية داخل الدول العربية. فالهويّة باعتبارها رمزا للانتماء لها مصادر متنوعة في المنطقة والتي زادت من حدة الصراع المجتمعي والإقليمي بسبب عدم حل ارتباطاتها المعقدة.  ويمكن القول بأن مسألة الهوية ترجع إلى قضايا أخرى معقدة وطارئة على المنطقة العربية كبداية الاستعمار والأطماع الاستعمارية خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين، تراجع وسقوط الخلافة العثمانية، كما نجد نشأة الدول العربية الحديثة في القرن العشرين بحدود مختلفة تجمع بين طياتها العديد من الأقليات والطوائف والعصبيات. لقد أدّت هذه العوامل مجتمعة مع عوامل أخرى أقل حدّة منها، إلى خلل في تحديد هوية الدولة الوطنية الجديدة وخاصة إذا ما علمنا كما ذكرنا آنفا تلك الصعوبات التي وجدتها الدول العربية في التعامل مع القضايا المستحدثة كالمواطنة وطريقة الحكم وأولويات الدولة  وطبيعة الاقتصاد المتبع وغيرها.

وهكذا وفي ظل هذه الأحوال برزت قضية الهوية في المنطقة وبدأت تتصاعد حدتها مع كل مشاكل جديدة ومع كل سياسة جديدة تتبناها الدول العربية. ومع تعدد الانتماءات داخل لمجتمع الواحد، تبرز هويات متجددة ويكون مجرد تفعيلها سببا في بعث النزاعات الداخلية في الدول العربية. إنّ الأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصر ولكن اختصارا نذكر هنا النزاعات الشيعية السنية وما كانت تستقطبه من جماعات وفصائل داخل الوطن الواحد إلى اليوم.

 إن مثل هذه النزاعات وغيرها لها من التأثير على مسألة التكامل والتعاون الإقليمي باعتبار أنّ الو لاءات العابرة للدولة هي خطر على كيانها)[13]( وبالتالي فإنّ عدم استقرار الهوية على الولاء للوطن في الدول العربية قد يكون سببا مباشرا في زعزعة أمنها و استقرارها وتهديد كينونتها كدولة متماسكة. ومنه فإنّ التركيز على عروبة المنطقة ثقافيا فقط ليس له تأثير واضح على مسارات الإقليمية مالم يراجع بشكل جذري ويستفيد من عوامل جامعة أخرى لها علاقة بالاقتصاد والسياسية والمجتمع.

ومن النّاحية التاريخية للعصر الحديث، يرى البعض بأنّ النضال الوطني ضدّ كلّ أنواع الاستعمار اعتبر قوميّاً خالصاً على حدّ تعبير يوسف مكّي. ومن الأسباب المذكورة في هذا السياق، أي قوميّة المقاومة، فإنّها ترجع لوحدة اللغة والثقافة الموجودة في المنطقة، وأنّها سبقت بزوغ الإسلام، والقرآن قد نزل بلغة العرب ومنه فإنّ الإسلام لم يكن غريباً على المنطقة بسبب وضوح لغته التي هي ذاتها لغة القوم.([14])

يمكن مناقشة هذا الطرح بأنّ توسّع دولة الخلافة قد شمل أقواماً وسلالات ومناطق مختلفة من العالم. وما كان للعربيّة أن تكون لها تلك الحظوة والمكانة لو لم تقرن بالإسلام على الأقل في مناطق كالشمال الإفريقي والأندلس وآسيا عموما. فكم من علماء لهم مكانة عند العرب والمسلمين بعد أن عرّبهم الإسلام. وتمسّكهم باللغة هو تمسّك بدين وبحضارة غير منفصلة عنها. فالثقافة العربيّة لا يمكنها بأيّ حال من الأحوال الانفصال عن بيئتها الإسلاميّة وإلاّ تحوّلت إلى مجرّد أداة وجب لها أن تستمدّ قوّتها من أفكار قد تكون لها تأثيراتها السلبية على المنطقة. إذ إنّ الثقافة الإسلاميّة هي وعاء للغة العربيّة تستمد منه قوّتها كلغة تواصل في المنطقة. ولكن عندما تستمد اللغة قوّتها من غير تلكم الثقافة الجامعة والمتأصّلة، فإنّ التواصل يصبح أفقيّاً (Horizontal)، أي أنّ الخطاب لا يسير في اتجاهات مختلفة كطبيعة أيّ خطاب، وإنّما له مسار متزامن واحد بين النخبة المتحدّثة به أو التي تستخدمه لأغراض أخرى تزيد من شرخ التباعد بين العرب وتوقفهم عن الوحدة الحقيقية.

ومنه فإنّ القول بأنّ القوميّة هي رائدة النضال في المنطقة فيه نظر على الأقل بالنسبة لمنطقة الشمال الإفريقي كما ذكرنا والتي شهدت أعتا المواجهات مع المستعمر حينها، ولكن مع تداخل قوي جدّا بين القوميّة المتمثلة في اللغة والثقافة وبين ما هو ديني أي الإسلام وبين ما هو اجتماعي نابع من خصائص اجتماعية للشعوب. فالفصل بين اللغة والدّين والمجتمع إذن في المشاريع التكاملية والتعاونية، قد سارع بشكل أو بآخر إلى تآكل المشاريع القوميّة والوحدويّة للمنطقة العربية من الناحية الثقافية ويضاف إلى ذلك عدم استيعاب مختلف شعوب المنطقة لمصطلحات مركزية بالنسبة للدولة كالمواطنة والتنمية والحوكمة والحكم الراشد والمصالح العليا للدولة وغيرها. ومنه فإنّ التحكّم في المصطلحات الأوليّة للدولة من شأنه أن ييسّر العملية التكاملية في المنطقة العربية بالإضافة إلى الجوانب الأخرى المذكورة آنفا.

وبالحديث عن المصطلحات الأولية للدولة الناشئة في المنطقة العربية، فإن أحد الأسباب الأخرى المتعلقة بالهوية وما لها من تأثيرات ثقافية أخرى هي مسألة توزيع الثروات ما بعد الاستقلال ومسألة التنمية. فمن المعلوم بأن توزيع الثروات في المنطقة العربية أيام الاستعمار كان مبنيا على الهوية وعلى الو لاءات للمستعمر. ومنه فإن إمكانية الحصول على المكانة الاقتصادية والاجتماعية للأشخاص كانت متعلقة ومرتبطة أساسا بالولاء للحكومة الاستعمارية وقد يكون ذلك على حساب هوية المجتمع العربي وثقافته.

لقد سعت الحكومات المركزية في الدول العربية في مرحلة ما بعد الاستعمار إلى تأميم الثروات ومحاولة تحصين الاقتصاد من الاستعمار ولكن وقعت معظم الدول العربية في خطأ آخر وهو أنّ المكانة الاقتصادية والاجتماعية في الدولة الحديثة بقي مرتبطا بنسبة الولاء للحكومة من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ التنمية الاقتصادية كانت تمشي بوتيرة مقبولة نوعا ما في المدن والمناطق الساحلية المهمة ولم تتوغل المشاريع التنموية إلى المناطق الداخلية التي تعتبر مصدرا للثروات الباطنية والمواد الأولية والتي هي بدورها تعتبر ركيزة الاقتصاد في الدول العربية وتشكل أكثر من 90 بالمئة من اقتصاد معظم الدول.

إنّ هذا الخلل في التوزيع وفي التنمية قد ولّد الشعور بالاستياء وضرب عمق المواطنة والهوية باعتبار أن التفرقة في التوزيع والتنمية هو على أساس جغرافي ولكنه ثقافي وانتمائي في نفس الوقت. ففي الكثير من البلاد العربية مثلا، تعامل المناطق التي ينتمي إليها الرئيس أو الحزب الحاكم بخلاف المناطق الأخرى، أو تعامل المناطق التي بها طوائف وأقليات ومجتمعات ثقافية معيّنة بخلاف ما تعامل به مناطق أخرى. إنّ هذا التمايز في التوزيع والتنمية قد زاد من حدّة الخلافات والنزاعات الثقافية المتعلقة بالهوية والدين واللغة. وعليه فإنّ الخروج من هذه النزاعات يقتضي على الحكومات العربية بأن تراجع المسائل التنموية والاقتصادية كما عليها مراجعة قضية توزيع الثروات حتى تقلّص على الأقل من حدّة الصراعات الثقافية وتزيد من درجة تماسك المجتمع داخليا من خلال المساواة بين أفراده في التنمية والتوزيع والفرص الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وبعد هذه الخطوات سيسهل على الدولة بأن تبحث عن التكامل فيما وراء حدودها باعتبار تماسكها وعدم تأثير الو لاءات الخارجية عليها بعد أن هيكلت المجتمع داخليا ولم تركّز فقط على التعامل الثقافي المفرط مع القضايا المختلفة على كل المستويات.

كما يمكن الإشارة إلى الغياب الكبير لجانب المؤسسات القادرة على تحويل الأفكار الثقافية والجوانب الفكرية إلى مشاريع عملية. فأي حيوية فكرية وثقافية هي محتاجة إلأى مؤسسات ومعاهد ومراكز تطورها وتجعل منها برامج ومشاريع إجتماعية واقتصادية وسياسية. ويرجع هذا الضعف في ترجمة الثقافي إلى اجتماعي واقتصادي، إلى عدم تمرس الدولة الحديثة في المنطقة العربية على تطوير المؤسسات وضعف الأطر المساعدة على ذلك بسبب مركزية الدولة المفرطة. فأساس الثقافة هو الابداع المساعد على التنمية ولكن انغلاق عدد كبير من الدول على مسألة الابداع قد قلص من فرص تطور الثقافة إلى مشاريع تنموية بارزة.[15]

الخاتمة:

لقد عرضت هذه الورقة أهم المسائل المتعلقة بالإقليمية في المنطقة العربية. فمسألة التصوّر مستنتجة من تطوّر في أسباب التكتلات وتأسيس الأحلاف والمنظمات التعاونية. وخلصت المسألة إلى أنّ الأخذ بالمعطيات والتغيرات الحاصلة على المستوى الإقليمي والدولي مع تفاعلها له من الأهمية بما كان في إعادة طرح مفهوم الإقليمية بصورة وتصوّر معاصر.

أمّا المسألة الثانية فهي متعلّقة بأدوار المعنى الأيديولوجي وتأثيره على المعنى الجغرافي. وناقشت المسألة قضية الإشباع الأيديولوجي لبعض المصطلحات الإقليمية كالشرق الأوسط مع كونه يمثّل منطقة جغرافية بعينها. من أهم مخرجات المسألة هو أنّ الشرق الأوسط مع ما فيه من إشباع أيديولوجي وإلحاق بالغرب إلاّ أنّه يبقى هو المصطلح المعبّر عن حالة المنطقة كما أرادها الغير وبالنظر كذلك إلى التبعات السياسية والاقتصادية الحاصلة فيها.

وتأتي المسألة الأخيرة في هذه الورقة لتعالج قضية الانحصار والتعامل الثقافي المفرط مع قضية الإقليمية العربية. إنّ عدم التعامل مع المجالات الأخرى من اقتصادية مجتمعية وغيرها لبحث الإقليمية في المنطقة العربية قد نتج عنه انحصار الكلام والأفكار عند النخبة فقط. ومن الأهمية بما كان للإقليمية في المنطقة العربية أن تتوسّع مجالات بحثها إلى أخرى اقتصادية وغيرها حتى يُتمكّن من تحويلها إلى مشاريع واقعية وليست أخبار ثقافية وحماسية تتحدّث عن القومية والأمّة ولكن من دون فعالية هذا من جهة، كما أشرنا إلى ضرورة الاهتمام بالمصطلحات الأساسية للدولة حتى تكون الإقليمية هي مرحلة أرقى للدولة وليس متداخلة معها فيحصل التقاطع السلبي بين المستويين بسبب عدم وضوح كليهما أي الدولة والإقليمية في المنطقة العربية.

قائمة المراجع باللغة العربية:

  1. الحصري، ساطع العروبة بين دعاتها ومعارضيها. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية . 1985. ص 114.
  2. يوسف الشويري. القومية العربية والأمة الدولة في الوطن العربي: نظرة تاريخية. مركز دراسات الوحدة العربية. 2002.
  3. سلسلة الدولات، أوجه التشابه الواجب توافرها بين الدول السّاعية لتأسيس مجموعات إقليميّة، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، الرباط، 1990.
  4. أحمد يوسف أحمد، مسعد نيفين. حال الأمّة العربية 2008-2009 أمّة في خطر. مركز دراسات الوحدة العربية. 2009. ص 107.
  5. عبد الإله بلقزيز. من النهضة إلى الحداثة. مركز دراسات الوحدة العربية. 2008. ص 119.
  6. محمد جابر الأنصاري. ﻗﺮاءات. ﺗﻜﻮﻳﻦ اﻟﻌﺮب اﻟﺴﻴﺎﺳﻲ وﻣﻐﺰى اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻘﻄﺮﻳﺔ. ﻣﺪﺧﻞ إﱃ إﻋﺎدة ﻓﻬﻢ اﻟﻮاﻗﻊ اﻟﻌﺮﺑﻲ. مركز دراسات الوحدة العربية. 1994.
  7. يوسف مكّي. في الوحدة والتداعي: دراسة في أسباب تعثّر مشاريع النهضة العربية. مركز دراسات الوحدة العربية. 2003. ص 17.

قائمة المراجع باللغة الأجنبية

1.    Louise, Fawcett., Andrew, Hurrell, Regionalism in world politics, oxford University Press, New York, 1995.

  1. Breslin Shaun, W., Nicola Philips Hughes, and Ben Rosamond, New regionalisms in the global political economy, Routledge, London, 2008.
  2. Macdonald Robert W, The League of Arab States: A Study in the Dynamics of Regional Organization, Princeton University Press, Princeton, 1965.
  3. Louise Fawcett, International relations of the Middle East, Oxford University Press, 2009.
  4. Luciani Giacomo and Ghassan Salamé, eds, The Politics of Arab Integration, Croom Helm London, 1988.
  5. Salamé, Ghassan. (1979). “Integration in the Arab World: The Institutional Framework.” In Giacomo Luciani and GhassanSalamé, (eds.).The Politics of Arab Integration, Croom–Helm, London, 1979.
  6. Salafy Ali, The League of Arab States: Role and Objectives, Arab Information Center Washington, DC, 1989.
  7. Nabeel Khoury, “The Pragmatic Trend in Inter-Arab Politics,” Middle East Journal, 1982, Vol 36 (3), 374-387.

4.    Mansfield, E.D. and H. Milner, ‘The new wave of regionalism.’ International Organization, (1999) 53:589-627.

5.    Hettne Bjorn, International political economy: understanding global disorder, Fernwood publishing: Nova Scotia, 1995.

6.    Schulz Michael, Regionalism in a globalizing world: a comparative perspective on forms, Actors, and progresses, Palgrave, New York (2001).

7.    Spindler Manuela, New regionalism and the construction of global order, University of Warwick: United Kingdom, (2003).

8.     Mitrany David, Approach to World Organization International Affairs. Royal Institute of International Affairs), (1948), Vol. 24, No. 3.

10. Keohane Robert., and Nye, Joseph, After the Cold War: international institutions and state strategies in Europe, Center for International Affairs: Harvard University, (1997).

12.                       Nesadurai Helen E, Globalization, domestic politics and regionalism, Routledge, London (2003).

13.                       Nonneman  G, `Problems facing cooperation and integration attempts in the Middle East’, In Nonneman (ed), The Middle East and Europe. An Integrated Community Approach, Federal Trust for Education and Research, London. Organization, 1992,  53:589-63.

 

ادراك الولايات المتحدة الأمريكية لمكانة البرازيل الاقليمة   

ا.م.د نوار جليل هاشم

الجامعة المستنصرية – مركز المستنصرية للدراسات العربية والدولية

 

 

 

 

المقدمة :

    تعد الولايات المتحدة أمريكا الجنوبية الباحة الخلفية لها ، ومن هنا فان هذه القارة تدخل ضمن اهتمامات الأمن القومي الأمريكي ، وعند النظر الى خارطة القارة الأمريكية نرى أن البرازيل دولة تجذب النظر من خلال موقعها الاستراتيجي الذي تحتله فضلا عن كونها الدولة الأكبر حجما فيها ، لذا إذا كان على الولايات المتحدة من البحث عن حليف قوي في هذه القارة يدعمها في القرارات التي تتخذها على الساحة الإقليمية عليها أن تنظر الى البرازيل وأن تجعلها شريكا استراتيجيا ليس على مستولى النصف الغربي من العالم بل على مستوى العالم ككل ، وهذا بطبيعة الحال لم يفت على الإدارات الامريكية المتعاقبة من خلال ادراكها للأهمية الإقليمية للبرازيل في نصف الكرة الغربي وهو ما انطلقت منه فرضية البحث في الاجابة على اشكاليته المتعلقة في هل أن هناك إدراكا للولايات المتحدة الأمريكية للبرازيل بعدها قوى صاعدة لها دورا مستقبليا في النظام العالمي.

   وعند الحديث عن منهجية البحث فقد تم استخدام المنهج الوصفي التحليل في وصف طبيع العلاقات بين الطرفين ومن ثم تحليل مسار هذه العلاقة وأهميتها في المستقبل من خلال استخدام هيكلية البحث والتي تم تقسيمها الى ، المحور الأول تم تخصيصه لدراسة الأهمية الاستراتيجية للبرازيل ، أما المحور الثاني فقد خصص لتناول مسارات الادراك الأمريكي لأهمية البرازيل الإقليمية ، بينما المحور الثالث فقد ذهب لدراسة نقاط التقارب والاختلاف بين البلدين ، المحور الرابع والأخير فقد تناول مستقبل الادراك الأمريكي للبرازيل الإقليمية وصولا الى الخاتمة.

 

المحور الأول : أهمية البرازيل الاستراتيجية

    قبل الحديث عن تاريخ العلاقات بين البلدين لابد أن نتحدث عن ما الذي جعل البرازيل بلدا ذات أهمية قصوى للولايات المتحدة فعند النظر الى خريطة أمريكا الجنوبية نرى أن البرازيل تقع في قارة أمريكا الجنوبية، بين خطي طول (34°-73° غربا)، و بين دائرتي عرض (5°- 33° جنوبا) ، وتقدر مساحتها ب 8514876كم مربع، أي نصف من مساحة أمريكا الجنوبية، (الأولى قاريا، و الخامسة عالميا)، و هي تضم 269 ولاية، و قطاع فدرالي (العاصمة برازيليا) [16].

   على السطح تبدو البرازيل غير مندمجة عرقيا كما كانت أميركا قبل أربعين عاما  إذ يشكل البيض ذوي الأصل الأوربي اللاتيني (البرتغال، إسباني، و إيطاليا) بنسبة 53 بالمئة ، والملونين الخلاسين (و يعرفون بالمولاتو) بنسبة 33 بالمئة ، والزنوج ذوي الأصل الإفريقي بنسبة 11 بالمئة ، وأخيرا الهنود الحمر بنسبة 0.1 بالمئة فقط ، لكن على الرغم من وجود تباينات اقتصادية واسعة تقسم الأوروبيين والأفارقة والسكان الأصليين فان ذلك يرجع بصورة أساسية الى التوزيع الجغرافي السياسي وتركيز رأس المال في المدن أكثر من اختلاف الأصول العرقية ، ويعتبر 70% من السكان الأصليين خليطا من الأفارقة أو الأوروبيين أو السكان الأصليين ، وهكذا فان التفرقة تقوم على أساس الطبقات الاجتماعية ، أكثر من قيامها على أساس الأصول العرقية[17].

  أما بالنسبة الى الموارد الطبيعية في البرازيل ، فهي تكون موارد متجددة مثل:

أ- الموارد المائية: (المرتبة ال1 عالميا)، حيث تقدر نسبة المياه المتجددة ب8233مليار متر مكعب.

ب- الغطاء النباتي: فهي أكبر دولة استوائية، و تحتل الغابات 62 بالمئة من مساحتها العامة (أي 532.481مليون هكتار سنة 2000)، و جاءت في مقدمتها غابة الأمازون التي لقبت برئة الأرض، و هي تحتوي على 2500 نوع نباتي (كالكسافا، و اليوكانيا…) من مجموع 56 ألف ينمو في البرازيل، منها 3850 نوع محلي و 2500 من الأشجار العملاقة.

او موارد ناضبة :

أ- الموارد الطاقوية:  البترول: و يعد أهم موارد الطاقة في البرازيل، حيث احتلت في إنتاجه المرتبة ال13 عالميا سنة 2006 بكمية بلغت 2.63برميل يوميا، و قدر احتياطها 2.1مليار طن من نفس السنة.

موارد طاقوية أخرى: لتعويض نقصها في البترول أنتجت البرازيل طاقة جديدة، بديلة، نظيفة، و صديقة للبيئة هي “الإيثانول” أو “الوقود الحيوي”، الذي يستخرج من قصب السكر بتكلفة رخيصة، وقد احتلت المرتبة ال2 عالميا في إنتاجه ، و أما الغاز الطبيعي فقد بلغت كميته المنتجة 0.345تريايون قدم مكعب سنة 2005 (المرتبة ال34 عالميا)، كما أنتجت البرازيل 6.89مليون طن من الفحم في نفس السنة جنوب البلاد (المرتبة ال36 عالميا) أما توليد الطاقة فقد بلغ 396.36مليار كيلواط ساعي سنة 2005 (المرتبة ال10 عالميا)…إلخ.

ب- الموارد المعدنية: حيث تملك البرازيل موارد معدنية ضخمة .

   لذا فان اقتصاد البرازيل، هو سابع أكبر اقتصاد حسب الناتج المحلي الإجمالي . تتبنى البرازيل سياسات الأسواق الحرة باعتدال والاقتصاد داخلي التوجه. وهي أكبر اقتصاد في بلدان أمريكا اللاتينية وثاني اتقصاد في نصف الكرة الأرضية الغربي. في 2008 كان الشركاء التجاريين الرئيسيين للبرازيل: مركوسول وأمريكا اللاتينية (25.9% من التجارة)، الاتحاد الأوروپي (23.4 %)، آسيا (18.9%)، الولايات المتحدة (14.0%)، وآخرون (17.8% ).[18]

     اذ بدأت البرازيل في التحرر وتحرير التجارة: منذ عام 1990، حسنت البرازيل التكامل الدولي وأدت إلى فتح الأسواق عبر ثلاث طرق: الأول -التحرير الأحادي (خفضت التعريفة الجمركية بصورة جزئية من 51 في المائة إلى متوسط 12 في المائة) ، الثاني-الاتفاقات المتعددة الأطراف في جولة أوروغواي لالتزامات كبيرة للحد من الحواجز على الواردات وربط جميع التعريفات الجمركية بشكل جماعي) ، والثالث- اتفاقيات إقليمية (دخلت اتفاقيات التجارة الداخلية والخارجية مثل تجمع بريكس[19].

    إن أساس السياسة الخارجية البرازيلية اقتصادي، ومن المرجح أن يظل كذلك على الرغم من ازدياد نشاط البرازيل في العديد من القضايا، مثل الطاقة، التنوع البيولوجي، تغير المناخ، السياسات النقدية، حفظ السلام، أفريقيا، والشرق الأوسط. وعلى الرغم من أنها نشطة في مجموعة متنوعة من المؤسسات الإقليمية والعالمية،بما في ذلك الأمم المتحدة والوكالات التابعة لها، الدولية وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، من نواح كثيرة ولا تزال البرازيل قوة سياسية واقتصادية مؤقتة ومتضاربة[20].

     اما بالنسبة الى السياسة الخارجية البرازيلية في قارة أميركا الجنوبية فهي تقوم على تبني النهج السلمي التفاوضي في حل المشكلات، وتخفيض حدة النزاعات بين دول القارة، وفي الوقت نفسه محاولة تفعيل العلاقات الاقتصادية والتجارية وإيجاد الكيانات الإقليمية المساعدة على ذلك. ولتنفيذ هذا الخط الإستراتيجي سعت البرازيل إلى إنشاء العديد من الاتحادات والمنتديات والتجمعات الرامية إلى تفعيل العمل جنوب الأميركي المشترك. وكان من أوائل هذه (MERCOSUR) الكيانات اتحاد ميركوسور[21].

المحور الثاني : مسارات الادراك الأمريكي للاهمية البرازيلية

    إن العلاقات بين البرازيل والولايات المتحدة واجهت فترات من القرب والمسافة مع مرور الوقت. فطوال ما يقرب من مائتي عام من التفاعل وفقا لدرجة التقارب و / أو الاختلاف بين البلدين. وفي الوقت نفسه، فإن الهوية الأمريكية المشتركة، إضافة إلى سمات قوة كلتا الدولتين – الأرض  والسكان وحجم الاقتصاد – شكلت دائما عوامل جذب لأحدهما والآخر ؛ وسنوضح أدناه بعض الجوانب السياسية والاقتصادية الأكثر أهمية لتطور هذه العلاقة، اذ مرت العلاقات بفترات منها :

1-           التحالف:

    حتى العقد الأخير من القرن التاسع عشر، كانت العلاقة بين البرازيل والولايات المتحدة متقطعة. فالروابط المهيمنة مع العالم الأوروبي – ولا سيما بريطانيا العظمى – والنزاعات والمفاوضات المتعلقة بتعريف المساحات الإقليمية المعنية تناولت تقريبا جميع الأجندة الخارجية لكلا البلدين.                                           في الواقع، اكتسبت العلاقات بين البرازيل والولايات المتحدة الاتساق في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر، عندما بدأت الحركة الجمهورية البرازيلية في رؤية التجربة السياسية لأمريكا الشمالية كمصدر للإلهام ، وفي الوقت نفسه فأن الولايات المتحدة فتحت سوقها للقهوة البرازيلية.

     خلال الجمهورية الأولى، اتبعت العلاقات الأميركية البرازيلية نموذج تحالف غير رسمي، او “تحالف غير مكتوب”. وعلى الرغم من عدم وجود مساعدة عسكرية متبادلة، فإن الدعم الدبلوماسى المتبادل والعلاقات التجارية المكثفة كانا يربطان البلديين بصداقة قوية ، ووفقا للرأي البرازيلي، فإن النظام العالمي الذي تهيمن عليه المصالح الأوروبية، سيواجه عملية استنفاد، مما يقود الولايات المتحدة إلى أن تصبح فاعلا دوليا قويا[22].

2- المحاذاة :

    ثورة 1930 في البرازيل بشرت في فترة من التغيرات السياسية والاقتصادية الهامة، مع التفكير الفوري في الشؤون الخارجية للبلدان. في الولايات المتحدة، انتصار فرانكلين روزفلت، في عام 1932، أثار توقعات سياسية واقتصادية جديدة. وفي الميدان الخارجي، شرعت الإدارة الديمقراطية في مشروع للقيادة الدولية يهدف إلى كسر العزلة السابقة للولايات المتحدة وكفالة ظروف السلم والاستقرار الاقتصاديين في النظام العالمي.

    وكان للتغييرات التي أدخلت على السياسة الخارجية الأمريكية آثار هامة بالنسبة لأمريكا اللاتينية، لأنها فتحت الطريق أمام نمط جديد من العلاقات يعرف باسم “سياسة الجوار الحسنة” التي جاءت لتقييم الحوار السياسي مع بلدان المنطقة. وكان القصد هو تعزيز وجود الولايات المتحدة في المنطقة، من خلال الروابط الاقتصادية والثقافية والعسكرية، فضلا عن المؤتمرات المتعددة الأطراف المتكررة. وقد دعا كل من وزير الخارجية كورديل هال ووكيل وزارة الشؤون الأمريكية سومنر ويلس إلى استبدال الممارسات التدخلية عن طريق المفاوضات الدبلوماسية[23].

3- الحكم الذاتي:

    تبدأ هذه المرحلة مع حكومة إرنستو جيسل، عندما فتحت البرازيل فصلا جديدا في الشؤون الداخلية والخارجية. وقد بدأ النظام العسكري في اتخاذ خطواته الأولى نحو الانفتاح السياسي، وتم البحث عن محتويات جديدة لتصميم السياسة الخارجية للبلدان. وفي عهد وزير الخارجية أنطونيو فرانسيسكو أزيريدو دا سيلفيرا (1974-1979) أعيدت صياغة شروط إعادة إدماج البلد في النظام العالمي. وكان من بين المبادئ الأساسية للإدراج الدولي البرازيلي: الالتزام بمبادئ الحكم الذاتي، والمساواة في السيادة بين الدول، والدفاع عن تقرير المصير وعدم التدخل في الداخل والشؤون الخارجية للدول، ودعم الحل السلمي للمنازعات[24].

    ففي عام 1976 أثناء فترة رئاسة الرئيس جيرالد فورد ، أدركت القيادة الأمريكية الصعود البرازيلي ، فقد منحت الولايات المتحدة البرازيل وضعا إستشاريا خاصا في شؤون أمريكا اللاتينية ، وعندما تم سؤال كيسنجر حول الصعود البرازيلي من قبل رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البيت الابيض ، توماس دوك مورغان ، أجاب ” ان عدد سكان البرازيل يبلغ 108 مليون نسمة ، وهي تملك موارد إقتصادية هائلة وتتمتع بمعدل سريع جدا للنمو الإقتصادي ، ان البرازيل في طريقها لتصبح قوة عالمية ، وهي لا تحتاج الى موافقة من أحد لتصبح كذلك ، ومن واجبنا عندما نتعاطى السياسة الخارجية ان نتعامل مع الحقائق الموجودة”[25].

4-التعديل:

   في عام 1990، أدت مجموعة جديدة من العوامل المحلية والدولية، بما في ذلك نهاية الحرب الباردة والعولمة الاقتصادية، جنبا إلى جنب مع توطيد الديمقراطية والإصلاحات الاقتصادية في البرازيل، إلى عملية تغيير تدريجي في العلاقات الأمريكية البرازيلية. تحقيقا لهذه الغاية، حكومة فرناندو كولور دي ميلو(1990-1992) عن نية البرازيل أن تصبح جزءا من “مجتمع ديمقراطيات السوق الحرة”، وهو ما يعني في الواقع انقطاعا عن نموذج السياسة الخارجية الذي تم بناؤه منذ السبعينيات. وتحسنت الحاجة إلى تحويل السياسة الخارجية إلى أداة لتوسيع القدرة التنافسية الدولية للبلد وتحسين إمكانية وصوله إلى الأسواق والائتمان والتكنولوجيا[26].

5- التأكيد:

   بعد صدمة الهجمات الإرهابية في 11 ايلول/سبتمبر 2001 ، والتي غيرت إدراك الولايات المتحدة للتهديد؛ لان تلك الهجمات جلبت تهديدين هما الجهات التي تدعي الإسلام الراديكالي وأسلحة الدمار الشامل([27]) ، لذا كان من الطبيعي ان يكون رد فعل الولايات المتحدة هو إسترجاع الأنماط القديمة من العقائد والسلوك ، فقد كان خطاب إدارة بوش بعد الحادث يصور الولايات المتحدة على انها القوة الحيوية لنشر الحرية والديمقراطية في العالم ([28])، لذا جاءت إستراتيجية الرئيس جورج دبليو بوش ونتيجة لذلك بالإستناد الى عدة مبادئ ، أولا: ان الولايات المتحدة ستبذل كل مافي وسعها للحفاظ على تفوقها العسكري غير المشكوك فيه ، ثانيا : انها تحتفظ لنفسها بحق ممارسة الفعل العسكري الوقائي ،ثالثا : العلاقات الدولية هي علاقات قوة وليست علاقات قانون، لذلك فان القوة تسود والقانون يشرع ما يسود ، رابعا الولايات المتحدة هي بلا منازع القوة السائدة في عالم ما بعد الحرب الباردة ، خامسا : على الولايات المتحدة ان تجد طريقة تؤكد بها تفوقها على العالم([29]) .

    تبدأ هذه المرحلة مع حكومة لولا في عام 2002 والتي ترتبط ارتباطا وثيقا بفكرة التغيير والنهج الإيجابي في الحوار مع الولايات المتحدة. ومن المؤكد أن الأولويات الخارجية الأمريكية التي وضعت منذ 11 أيلول / سبتمبر كان لها تأثير على العلاقات مع البرازيل. وأصبح عنصر التغيير في الرابط الثنائي أقل أهمية من المتوقع لكلا البلدين. وفى البداية، وبدلا من تقديم الدعم فى الحرب العالمية ضد الارهاب، اقترحت البرازيل الشروع فى كفاح عالمى ضد الفقر، واصفا استعدادها المحدود للانخراط فى الحملة الصليبية ضد الارهاب التى تقودها واشنطن. ويبدو أن عدم أهمية البرازيل في التصميم الاستراتيجي الذي رسمته إدارة بوش ونشره على نطاق واسع في عام 2002، يعكس الدور الهامشي الذي تقوم به أمريكا اللاتينية بأسرها في مواجهة المطالب الجديدة من قبل الولايات المتحدة[30].

    وفي عام 2007 توجه مركز بروكينجز الأميركي إلى الباحث والأكاديمي المخضرم روردان رويت سائلا إياه عما يراه في أفق المستقبل البرازيلي. الإجابة التي قدمها رويت، العاكف عل مدى أربعين سنة على دراسة السياسة البرازيلية، حملت مخاوف من أن ما تشهده البرازيل من تقدم يذكِّرنا بشعار الغرانديزا التقدم العظيم) الذي شهدته عام 1967 ؛ ففي ذلك العام حققت البرازيل نموا اقتصاديا ) تخيل معه للجميع أنها ستصبح قوة دولية مهيمنة، غير أنه لسوء الحظ ما إن جاء عام 1982 حتى انتهت تلك الفترة بأزمة ديون حادة بددت أحلام الصعود الدولي[31].

المحور الثالث : نقاط التقارب والاختلاف بين البلدين

  • التقارب:

ومن الناحية الاجتماعية، فإن الولايات المتحدة والبرازيل تشتركان في جذور أوروبية وجيودية مسيحية، والمبادئ الديمقراطية، والحريات الفردية، وحقوق الإنسان، والتنوع الثقافي[32].

    على الصعيد العام هناك نقاط مشتركة عديدة بين الطرفين للتعاون ، منها أ- المؤسسات المتعددة الأطراف  : والتي عفا عليها الزمن وغير كافية للتصدي للتحديات الراهنة. وتوفر هذه الحالة فرصة كبيرة للولايات المتحدة والبرازيل للتعاون في نصف الكرة الغربي وفي جميع أنحاء العالم. وبإصلاح الهياكل العالمية والإقليمية الرئيسية من منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي ومجموعة الثمانية لدى الأمم المتحدة ومنظمة الدول الأمريكية اي المؤسسات القائمة بين البلدان الأمريكية، اذ تحتاج هذه إلى التحديث والتكيف مع التطور الحاصل في العالم. إن جهود الإصلاح، التي يمكن للولايات المتحدة والبرازيل أن تجد فيها قضية مشتركة، يجب أن تكون مدركة للجهود الوليدة في الحوار المتعدد الأطراف خارج المؤسسات التقليدية، وإن كانت لا تتأثر بها. .

ب- الأمن و الأمان العالمي ، وفيما يتعلق بمسألة الانتشار الوجودي وخطر الانتشار النووي، كانت البرازيل رائدة عن طريق التخلي عن برنامجها النووي ، وهناك عدد قليل جدا من بلدان العالم التي تخلت عن برامج الأسلحة النووية، وهو رفض مكرس في الدستور في عام 1988. ويجب على البرازيل أن تكون رائدة في وضع نظام جديد لعدم الانتشار ونزع السلاح يمكن أن يأخذ في الاعتبار التعقيد من البيئة العالمية والتي يمكن أن تشمل دولا متنوعة مثل الهند وإيران وكوريا الشمالية. وبعد أن تخلت البرازيل عن برنامجها للأسلحة النووية، تتمتع بالمصداقية والخبرة على السواء في قيادة هذا الجهد. وترغب الولايات المتحدة في الحد من النادي النووي، في حين أن البرازيل لديها من بين البرامج النووية السلمية الأكثر تقدما في أمريكا اللاتينية[33]، و فيما يتعلق بمسائل الصراع والسلام، لم تضع أمريكا اللاتينية قدرة تنظيمية عميقة على حفظ السلام الدولي. بيد أن ذلك بدأ يتغير. ونرى اليوم برازيليا قائدا لقوات الأمم المتحدة في هايتي، مما يدل على استعداد البرازيل للاضطلاع بدور قيادي في تكريس جيشها لتعزيز السلام في نصف الكرة الأرضية.

ج- التغيرات المناخية:  وفيما يتعلق بمسألة تغير المناخ، كانت البرازيل رائدة في هذا المجال ، كما ان للولايات المتحدة اهتمام في هذا المجال أيضا مما يوفر فرصة للتعاون ما بين البلدين مستقبلا في هذا المجال.

د-  وأخيرا، ينبغي أن ندرك أن الفقر والمرض يمثلان أيضا تهديدات عالمية. وهنا بدأنا نفهم قوة انخراط البرازيل في الاقتصاد العالمي وكيف أن ذلك قد أخرج ملايين الناس من براثن الفقر[34].

    أما على صعيد العلاقات الإيجابية بين الطرفين فنرى ان تاريخ العلاقات الإقتصادية الثنائية بين البرازيل وأمريكا يوضح العديد من حالات التعاون على الصعيد الإقتصادي في بداية القرن 21 فان كلا البلدين لديهما مصالح مهمة فـــــــــــــي توسيع صادراتهما ووارداتهما لتعزيز النمو الإقتصادي والتوظيف في مجتمعاتهم([35]).

    لقد واجهت العلاقات الإقتصادية بين البرازيل وأمريكا العديد من التحديات التي تنطوي على أربعة أبعاد مختلفة ، يشير البعد الأول الى تطور الإقتصاد البرازيلي والتوقعات التي أثيرت في الولايات المتحدة وتأثيرها على الإستثمار الأمريكي المباشر في البرازيل، ويتعلق البعد الثاني والأكثر تقليدية إلى المعاملات الجارية بين البلدين. لقد كان هذا جانبا مهما من جوانب العلاقات الثنائية طوال القرن العشرين. إكتسب البعد الثالث أهمية حيث أصبحت المؤسساتية متعددة الأطراف أكثر أهمية في التجارة العالمية. منذ إنشاء منظمة التجارة العالمية (WTO) في عام 1995، إكتسبت النزاعات التجارية بين الولايات المتحدة والبرازيل وضوح جديد في المحافل متعددة الأطراف. وقد تم حل هذه النزاعات داخل منظمة التجارة العالمية .يذهب البعد الرابع الى ما وراء العلاقات الثنائية بدقة، وصولا الى البعد الإقليمي[36]

   وعلى صعيد العلاقات العسكرية  الأمريكية البرازيلية فلها باع طويل ، فخلال الحرب العالمية الثانية، أيدت البرازيل الحلفاء، وإستمرت العلاقات العسكرية بين الطرفين. وفي إدارة الرئيس رونالد ريغان كانت على  علاقات جيدة مع الجيش البرازيلي ففي 31 أغسطس 1983، وقعت الولايات المتحدة والبرازيل مذكرة تفاهم حول التعاون الصناعي العسكري، وإستمر التعاون العسكري بين الطرفين على نحو متزايد ، وهذا ما أكدته إتفاقية للتعاون الدفاعي بين الولايات المتحدة والبرازيل في نيسان من عام 2010 والذي عزز التعاون بين الطرفين ، هذا فضلا عن وجود تمارين عسكرية وتبادل المعلومات اللوجستية بين الطرفين ، فعلى سبيل المثال التعاون الذي كان في هاييتي  في أعقاب زلزال يناير 2010 والذي تعد أكبر عملية مشتركة بين الطرفين منذ الحرب العالمية الثانية ، كذلك كانت هناك عمليات لبيع السلاح الأمريكي الــى البرازيل وكان أحدثها بيع طائرات مقاتلة F / A-18E / F سوبر هورنيت لسلاح الجو البرازيلي([37]).

    وتهدف هذه المساعدة إلى تعزيز العلاقات العسكرية – العسكرية، وزيادة إضفاء الطابع المهني على القوات البرازيلية، وتعزيز قدرة البرازيل على الاضطلاع بدور أكبر في عمليات حفظ السلام وفي مكافحة الإرهاب. قدمت وزارة الدفاع الأمريكية ووزارة الخارجية الأميركية ما يقرب من 2 مليون دولار في شكل مساعدات تدريب عسكري إلى حوالي 110 برازيليين في السنة المالية 2014. دفعت الحكومة البرازيلية 124 برازيليين آخرين لتلقي أكثر من 8 ملايين دولار في التدريب الأمريكي من خلال برنامج المبيعات العسكرية الأجنبية (فمس). وفي السنة المالية 2015، خططت إدارتا الدولة والدفاع لتوفير مساعدة عسكرية عسكرية قدرها 000 662 دولار لنحو 50 برازيليا. وقد خططوا لتدريب 72 مواطنا برازيليا بمبلغ 1.5 مليون دولار بتمويل برازيلي من خلال برنامج فمس[38].

     مع دعم الولايات المتحدة، اتخذت البرازيل عدة خطوات لتحسين قدرات مكافحة المخدرات فيها ، ففي عام 2006، أصدرت البرازيل قانون مكافحة المخدرات الذي يمنع ويعاقب على زراعة وتهريب المخدرات غير المشروعة. وقد عملت البرازيل أيضا مع جيرانها لبناء مراكز الاستخبارات المشتركة في نقاط استراتيجية على طول حدودها واستثمرت في أجهزة الاستشعار والرادار ، وتلقت البرازيل في عام 2009 من الولايات المتحدة حوالي 1 مليون دولار من المساعدات لمكافحة المخدرات ومرة أخرى فيعام 2010استلمت أيضا  1 مليون دولار تحت طلب إدارة أوباما ،وقد عملت الولايات المتحدة أيضا على المستوى الثنائي مع البرازيل لتحسين  القدرات في مكافحة الإرهاب فضلا عن  توفير التدريب على مكافحة الإرهاب، عملت الولايات المتحدة مع البرازيل لتنفيذ مبادرة أمن الحاويات (CSI) في ميناء سانتوس. في عام 2010، البرازيل وقعت الولايات المتحدة اتفاقية تعاون الدفاع وأعطى الموافقة المبدئية لفتح اتفاق السماوات التي من شأنها أن حماية الطيران في حين أن وزارة الخارجية وأشاد تقارير الدول حول الإرهاب في الحكومة البرازيلية لعدد من مكافحة الإرهاب[39].

   وعلى الرغم من أن البرازيل تعد دولة ذات دخل متوسط، ولكنها لا تتلقى كميات كبيرة من المساعدات الأميركية، ففي عام 2011 قدمت الولايات المتحدة مساعدات للبرازيل حوالي 25 مليون دولار اما في عام 2012 فقد بلغت قيمة المساعدات حوالي 19 مليون دولار ، وحوالي15 مليون دولار في عام 2013 ، وتشير التقديرات ان إدارة أوباما وفرت حوالي 13 مليون دولار في عام 2014 ، وقد طلبت البرازيل في عام 2015حوالي 3.4 مليون دولار ، الا ان الغالبية العظمى من المساعدة المقدمة في السنوات الأخيرة دعمت برامج الحفاظ على منطقة الأمازون البرازيلية وفي شؤون الأمن و على مكافحة المخدرات وبناء القـــــــــــــــــــدرات العسكرية[40].

ب- الاختلاف :

    فقد توترت العلاقات الثنائية بين الحين والآخر، حيث تباينت المصالح الوطنية للبلدان أحيانا أدت السياسات الخارجية المستقلة إلى خلافات. في السنوات الأخيرة، على سبيل المثال، يشعر المسؤولون الأميركيون بخيبة أمل من المعارضة البرازيلية للجهود الدولية لعزل روسيا دبلوماسيا بعد ضم القرم اليها وعدم رغبتها في توجيه انتقاد علني لجهود الحكومة الفنزويلية لقمع المعارضة السياسية. وعلى الرغم من أن البرازيل لا تدعم الإجراءات التي اتخذتها الحكومتان الروسية والفنزويلية، إلا أن رفضها للجزاءات وتفضيلها للحوار جعلها تتعامل مع القضايا بشكل مختلف عن الولايات المتحدة . وبالمثل، أعرب المسؤولون البرازيليون عن خيبة أملهم إزاء عدم رغبة الحكومة الأمريكية في دعم جهود البرازيل لتصبح عضوا دائما في مجلس الأمن الدولي الذي تم إصلاحه، وتردد الكونجرس الأمريكي في الموافقة على إصلاحات لصندوق النقد الدولي من شأنها أن توفر قوة تصويت أكبر للبرازيل وغيرها من الاقتصادات الناشئة[41].

    في السنوات الأخيرة اشارت التقارير الى ان وكالة الامن الوطنى الامريكي قد تجسست على الرئيس روسيف وشركة البترول البرازيلية المملوكة للدولة وهذا أدى الى تأجيل زيارة روسيف الى اجل غير مسمى والتى كان من المقرر ان يقوم بها فى اكتوبر 2013. كما يبدو أنها ساهمت في قرارات الحكومة البرازيلية لإنهاء عقد بقيمة ملياري دولار مع شركة مايكروسوفت، ومنح عقد بقيمة 400 مليون دولار لبناء قمر صناعي ثابت بالنسبة للأرض إلى شركة تاليس الفرنسية على أنظمة الفضاء / لورال الأمريكية. وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر / أيلول 2013، ندد روسيف بأنشطة مزعومة من وكالة الامن القومي باعتبارها خرقا للقانون الدولي وتهديدا للحكم الديمقراطي[42].

     كذلك فان أي تدخل حقيقي أو متصور في المنطقة من جانب الولايات المتحدة من شأنه أن يزعج البرازيل كثيرا. وإذا قررت الولايات المتحدة أن هناك حاجة إلى ضغوط أو تدخلات سياسية متشددة، على سبيل المثال، إلى فنزويلا أو بوليفيا أو إكوادور، فإن ذلك قد يضع البرازيل في وضع غير مريح حيث يتعين عليها أن تختار بين الولايات المتحدة وجيرانها. وبما أن البرازيل أمضت سنوات تدافع عن وحدة أمريكا الجنوبية، فمن المرجح أن تختار جيرانها أو حتى أكثر احتمالا – اختيار التدخل نفسها كطرف ثالث مع وجهة نظر ثالثة[43].

المحور الرابع: مستقبل الادراك الأمريكي للبرازيل

    تنبع أهمية أمريكا اللاتينية للولايات المتحدة من انها، أولا : الفناء الخلفي التقليدي للقوة الإقليمية([44]) المهيمنة والتي هي الولايات المتحدة ، ثانيا :ان المنطقة هي موطن لأحد دول بريكس ، البرازيل ، والتي تتزايد قوتها الإقليمية ، ثالثا : فقد تم عدها مؤخرا ذات أهمية إستراتيجية متزايدة من قبل بلد آخر من بريكس ، وهي الصين[45]. لذلك فان من شأن العلاقات القوية بين أمريكا والبرازيل ان ترفع من أهمية البرازيل في الساحة الدولية ، فالولايات المتحدة تعد شريكا لا غنى عنه ، ومن المرجح ان تكون هذه العلاقة مبنية على أساس الإحترام المتبادل والإعتراف بالمصالح الوطنية لكلا الطرفين[46].

    أما بالنسبة الى البرازيل ، فان الرؤية الأمريكية لها قد إنبثقت من عدها المجال الحيوي للولايات المتحدة في أمريكا الجنوبية ، فهي تدرك مدى أهمية البرازيل وعناصر القوة التي تتوافر عليها من حيث الموقع والحجم والمكانة مما يؤهلها لان تكون قائدا للقارة ،فهي محور القارة الذي يجذب العمالة والإستثمار من كل حد وصوب[47]. ويؤكد كيسنجر ان البرازيليون يتبنون منظورا عالميا ، فضلا عن إهتمام البرازيل بشؤون العالم إهتمام أشخاص جديين ومحترفين لا هواة ، لأنهم يعتقدون ان لهم دورا عالميا يلعبونه[48].

     ترى الولايات المتحدة ان في مصلحتها الترحيب بالقيادة الإقليمية للبرازيل وتشجيع الترويج لها من الشمولية الى التنمية والديمقراطية، فإستراتيجية الأمن القومي الأمريكي تدرك البرازيل كقوة ناشئة وتؤكد ان حكومة الولايات المتحدة ترحب بقيادة البرازيل في القضايا العالمية ، على الرغم من وجود بعض الخلافات بين الطرفين من وقت الى آخر مثل قضايا التجارة والقضايا الخاصة في الشرق الأوسط وخاصة ايران وسوريا[49].

    مع هذا يجب على البرازيل التكيف مع دورها الجديد كقوة عالمية صاعدة وفي الوقت نفسه على الولايات المتحدة ان تتكيف مع هذا الصعود البرازيلي[50].

    سيكون على السياسة الأمريكية أن تركز على هدف لا يكمن في منع القوى الأخرى من النهوض وإنما في تقوية الآليات التي تستطيع تدوير التأثيرات الناجمة عن إعادة توزيع القوى في العالم. وعلى الولايات المتحدة الإنخراط مع القوى الناهضة لجعلها شريكا في تحمل المسؤولية العالمية وفي توسيع نطاق التعاون الدولي، وبإستطاعة الولايات المتحدة في ذات الوقت أن تعمل على تقوية قدرتها التنافسية من خلال إعادة ترتيب وضعها الداخلي والإقتصادي والإجتماعي[51].

    لذلك يتوجب على الولايات المتحدة الإستمرار على دمج القوى الصاعدة فـــــــــــــــــــــــــي نظام دولي سلمي بواسطة إقناعها بأنها يمكن ان تستفيد من قوة النظام وتسهم فيها في الوقت نفسه[52] .

    عند الحديث عن مجالات التفاوض بين الولايات المتحدة والبرازيل ترى الولايات المتحدة انها تستطيع الدخول في مفاوضات مع البرازيل في المواضيع التالية : 1) التوسع في التجارة 2) جذب الإستثمارات من الشركات في الولايات المتحدة؛ و3) إعادة تموضع البرازيل بعدها الشريك الرئيسي للولايات المتحدة في نصف الكرة الجنوبي  ، لذلك فإن هذه المواضيع من المرجح أن تكون أقرب من الخلافات الدولية بين الطرفين ،مثل القضية النووية الإيرانية، والحرب الأهلية في سوريا، والنزاع بين روسيا وأوكرانيا[53].

       الخاتمة

      إن الولايات المتحدة تريد ان تجعل من البرازيل شريكا إستراتيجيا لكونها من الدول الصاعدة أولا ومن الممكن أن تكون هذه الشراكة ذات قيمة في المستقبل لإحتواء المكسيك ودول أمريكا اللاتينية التي من الممكن مستقبلا أن تهدد الوجود الأمريكي ثانيا، على الرغم من أن  التفوق البرازيلي في أمريكا الجنوبية(**) قد يتحدى موقف الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي، ومع ذلك ، فالبرازيل لديها فرصة جيدة للتفاوض لتحقيق طموحها، فليس لديها الطموح لتحدي الولايات المتحدة لقيادة العالم، على الرغم من ان هذا الصعود سيسهم في التراجع النسبي للموقف العالمي في الولايات المتحدة، وبالنظر إلى أن الولايات المتحدة لديها مصالح أكثر تحديا في أي مكان آخر في العالم، فلديها أسباب وجيهة لقبول صعود البرازيل، وخاصة إذا ما تم حماية مصالحها ، لذلك يمكنها أن تعزز موقف البرازيل لتصبح شريكا مسؤولا والمساعدة فــــــــــي الحفاظ على السلام والإستقرار في الجزء الجنوبي من نصف الكرة الغربي.

1 Louise Fawcett, Andrew, Hurrell, Regionalism in world politics, oxford University Press, New York, 1995. Breslin Shaun, W., Nicola Philips Hughes, and Ben Rosamond, New regionalisms in   the global political economy, Routledge, London, 2008.

[2] الحصري، ساطع العروبة بين دعاتها ومعارضيها. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية . 1985 . ص 114 وما بعدها.

1 Mansfield, E.D. and H. Milner, ‘The new wave of regionalism.’ International Organization, (1999) 53:589-627.

2 Hettne Bjorn, International political economy: understanding global disorder, Fernwood publishing: Nova Scotia, 1995. Schulz Michael, Regionalism in a globalizing world: a comparative perspective on forms, Actors, and progresses, Palgrave, New York (2001). Spindler Manuela, New regionalism and the construction of global order, University of Warwick: United Kingdom, (2003).

1سلسلة الدولات، أوجه التشابه الواجب توافرها بين الدول السّاعية لتأسيس مجموعات إقليميّة، (مطبوعات أكادمية المملكة المغربية، الرباط، 1990).

2 Mitrany David, Approach to World Organization International Affairs. Royal Institute of International Affairs), (1948), Vol. 24, No. 3.

1 Louise Fawcett, Andrew Hurrell, Regionalism in world politics, oxford University Press, New York, 1995.

[8] Louise Fawcett, International relations of the Middle East, Oxford University Press, 2009. See also: Macdonald Robert W, The League of Arab States: A Study in the Dynamics of Regional Organization, Princeton University Press, Princeton, 1965.

1أحمد يوسف أحمد، مسعد نيفين. حال الأمّة العربية 2008-2009 أمّة في خطر. مركز دراسات الوحدة العربية. 2009. ص 107.

1  Keohane Robert., and Nye, Joseph, After the Cold War: international institutions and state strategies in Europe, Center for International Affairs: Harvard University, (1997). See also: Luciani Giacomo and Ghassan Salamé, eds, The Politics of Arab Integration, Croom Helm London, 1988.

2 Nesadurai Helen E, Globalization, domestic politics and regionalism, Routledge, London (2003).

1عبد الإله بلقزيز. من النهضة إلى الحداثة. مركز دراسات الوحدة العربية. 2008. ص 119. أنظر كذلك: محمد جابر الأنصاري. ﻗﺮاءات. ﺗﻜﻮﻳﻦ اﻟﻌﺮب اﻟﺴﻴﺎﺳﻲ وﻣﻐﺰى اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻘﻄﺮﻳﺔ. ﻣﺪﺧﻞ إﱃ إﻋﺎدة ﻓﻬﻢ اﻟﻮاﻗﻊ اﻟﻌﺮﺑﻲ.  مركز دراسات الوحدة العربية. 1994.

[13] Nonneman  G, `Problems facing cooperation and integration attempts in the Middle East’, In Nonneman (ed), The Middle East and Europe. An Integrated Community Approach, Federal Trust for Education and Research, London. Organization, 1992,  53:589-63.

1يوسف مكّي. في الوحدة والتداعي: دراسىة في أسباب تعثّر مشاريع النهضة العربية. مركز دراسات الوحدة العربية. 2003. ص 17.أنظر كذلك: يوسف الشويري. القومية العربية والأمة الدولة في الوطن العربي: نظرة تاريخية. مركز دراسات الوحدة العربية. 2002.

[15] Salamé, Ghassan. (1979). “Integration in the Arab World: The Institutional Framework.” In Giacomo Luciani and GhassanSalamé, (eds.).The Politics of Arab Integration, Croom–Helm, London, 1979. Sayegh Fayez A, Arab Unity: Hope and Fulfillment, Devin–Adair, New York, 1958.  Nabeel Khoury, “The Pragmatic Trend in Inter-Arab Politics,” Middle East Journal, 1982, Vol 36 (3), 374-387.

[16] https://www.marefa.org  موقع المعرفة

[17] باراج خانا : العالم الثاني – السلطة والسطوة في النظام العالمي الجديد ، بيروت ، الدار العربية للعلوم ناشرون ، الطبعة الأولى ، 2009، ص293.

 [18] https://www.marefa.org/ موقع المعرفة

[19] Myles Frechette and Frank Samolis;  A TENTATIVE EMBRACE: BRAZIL’S FOREIGN AND TRADE RELATIONS WITH THE UNITED STATES, Política Externa is a Brazilian publication which, 2012.p6

[20]  Lbid,p2.

[21]  البرازيل القوى الصاعدة من أميركا اللاتينية ، مركز الجزيرة للدراسات ، سلسلة ملفات القوى الصاعدة (3) ،شبكة الجزيرة ، 2010، ص83.

[22]Monica Hirst;  UNDERSTANDINGBRAZIL-UNITED STATESRELATIONS, Coleção política externa brasileira, Copyright © Fundação Alexandre de Gusmão, Brasília – 2013.p32. www.funag.gov.br

[23] Lbid,p34.

[24] Lbid,p34.

[25])) هنري كيسنجر : هل تحتاج اميركا الى سياسة خارجية ، ترجة عمر الايوبي ، بيروت ، دار الكتاب العربي ، الطبعة الثانية ، 2003، ص97.

[26]Monica Hirst;opcit,  p59.

 ([27])فرانسيس فوكوياما : امريكا على مفترق طرق ( مابعد المحافظين الجدد)، مصدر سبق ذكره، ص96.

([28]) نعوم تشومسكي : الهيمنة ام البقاء – السعي المريكي للسيطرة على العالم ، ترجمة سامي الكعكي ، بيروت ، دار الكتاب العربي ، الطبعة الاولى ، 2004، ص19.

[29])) بشير عبد الفتاح : القوة العسكرية وحسم الصراعات الولايات المتحدة نموذجا ، القاهرة ، المركز العربي للدراسات الانسانية ، الطبعة الاولى،2008، ص34.

[30] Monica Hirst;  opcit.p62.

[31]  البرازيل القوى الصاعدة من أميركا اللاتينية ،مصدر سبق ذكره، ص80.

[32] Ricardo Sennes  ; US – BRAZIL Relations A  New Beginning How to Strengthen the Bilateral Agenda, ADRIENNE ARSHT LATIN AMERICA CENTER  , 2015 .p7 www.AtlanticCouncil.org

[33] Kellie Meiman and David Rothkopf ;  The United States and Brazil Two perspectives on dealing with partnership and rivalry , centerfor American progress,2009.p17  www.americanprogress.org

[34]  New Directions in BRAZILIAN FOREIGN RELATIONS, Foreign Policy at Brookings ,Woodrow Wilson International center for scholars Brazil Institute ,Washington ,28-9-2007,p9-10.

([35]) Jeffrey J. Schott;  US-Brazil Trade Relations in a New Era, Institute for International Economics, To be published in Brasil e os Estados Unidos num Mundo em Mutação, edited by Paulo Roberto de Almeida and Rubens Antonio Barbosa 2003,p2. www.iie.com/publications/papers/schott1103-2.pdf

[36]Monica Hirst ;  opcit .p93.

[37] Fact Sheet: U.S.-Brazil Defense Cooperation April 09, 2012 , the WHITE HOUSE President Barack Obama, https://www.whitehouse.gov/blog

[38]  Peter J. Meyer ; Brazil: Background and U.S. Relations , Congressional Research Service 7-5700 www.crs.gov RL33456 ,p23. 2016.

[39] lpid ,p11.

[40] lpid.p11

[41] lpid.p10

[42]  Peter J. Meyer ;opcit,p10.

[43] Kellie Meiman and David Rothkopf ;  opcit.p17.

[44] تساهم أربعة أبعاد للدولة  في كونها قوة إقليمية ، هي : الإدراك الذاتي، ومركزية في السياسة الخارجية، ومستوى الهيمنة، ودور الجهات الفاعلة المتنافسة ، للمزيد ينظر:

David Mitchell; The Meaning of a Rising India: (Re)Examining India as Regional Power in South Asia, Paper Presented FLASCO-ISA, Joint International Conference, Buenos Aires July 23rd -25th,2013,p10. web.isanet.org/…/Conferences/FLACSO-ISA%20Buenos.

[45] Alexander Brand, Susan Mc Ewen-Fial, Wolfgang Muno, Andrea Ribeiro Hoffmann:op.cit.p2-3.

[46] Carl Meacham Hussein Kalout , Brazil’s Presidential Elections Expectations for Foreign Policy, A Report of the CSIS Americas Program, CSIS, center for strategic international studies,p16, OCTOBER 2014.  www.csis.org .

 [47] باراج خانا : مصدر سبق ذكره، ص233.

[48]  هينري كيسنجر : سنوات التجديد ، ترجمة هشام الدجاني ، الرياض ، مكتبة العبيكان ، الطبعة الأولى، 2009.، ص663.

[49] Peter J. Meyer; Brazil: Political and Economic Situation and U.S. Relations , Congressional Research Service 7-5700 www.crs.gov RL33456, March 27, 2014,p10.

[50] Samuel W. Bodman and James D. Wolfensohn, Julia E. Sweig ; Global Brazil and U.S.-Brazil Relations, Independent Task Force Report No. 66 ,the Council on Foreign Relations, United States of America,2011,p5.  www.cfr.org

[51]  مايكل شيفر : الولايات المتّحدة والقوى الصاعدة ، عرض علي حسين باكير ، مركز الجزيرة للدراسات ، الإثنين 22 يونيو 2009.   http://studies.aljazeera.net/.

[52] ودولف جولياني، جون ادواردز : رؤيتان للسياسة الخارجية الامريكية جمهورية وديمقراطية ، دراسات عالمية ، ابو ظبي ، مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية ، العدد 72، الطبعة الاولى ، 2008، ص35 .

[53] Carl Meacham Hussein Kalout ; op.cit.p16.

(**) على البرازيل ان تتخذ أربع خطوات للإرتقاء في النظام العالمي ومعالجة القصور في هذا المجال ، أول هذه المجالات هي القوة العسكرية ، فالبرازيل تفتقد الى القوة العسكرية المتطورة ، لذلك عليها معالجة هذا القصور، عبر المساهمات في عملية حفظ السلام خارج الأمريكيتين ، المجال الثاني والذي يمكن فيه تحقيق قدر أكبر من النفوذ هو من خلال توسيع النطاق الإنساني والمساعدة الإنمائية الى نطاق عالمي ، الثالث على البرازيل إعادة النظر في إستراتيجيتها لتأمين محيطها الإقليمي ، وعلى الرغم من ان البرازيل قادرة على تجنب صعود المنافسين الإقليميين ، فانها لم تتمكن من إقناع القوى الأمريكية اللاتينية الأخرى مثل الارجنتين والمكسيك لدعم صعودها، أخيرا ينبغي على البرازيل تحديد القضايا الإضافية والتي تأخذ نهجا تعاونيا في العلاقات الدولية ، فالبرازيل كانت ناجحة عموما وماهرة في إستخدام القوة الناعمة لجذب الدعم من دول العالم النامي والقوى الصاعدة الأخرى، ينظر:

                                                                             Harold Trinkunas; Brazil’s Rise Seeking Influence on Global Governance , Latin America Initiative, Foreign Policy at Brookings , April 2014. brookings.edu..p26-27


Updated: 2018-10-03 — 20:57

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme