مرايا الكتابة والذاكرة:دراسة في سوسيولوجية حداثة الوعي وسؤال الرفض / فارس عبدالله بدر الرحاوي


 مرايا الكتابة والذاكرة:دراسة في سوسيولوجية حداثة الوعي وسؤال الرفض

في مجموعة قصص (جنون وما أشبه- لنجمان ياسين ) ( كيف مات حامد المجنون ) ـ أنموذجاً –

أ.م.د. فارس عبدالله بدر الرحاوي معهد إعداد المعلمين نينوى ـ العراق

 مقال نشر في مجلة جيل الدراسات الادبية والفكرية العدد 35  الصفحة 99.

   

تمهيد

الكتابة وذاكرة التاريخ

الكتابة برموزها اللغوية – يمكن تعريفها على إنها مرايا لنظام معرفي ، ثقافي ، اجتماعي ، تمثل طبقة ما في إطار سوسيولوجي خاص بها ، تمايز غيرها من الطبقات أو تماثلهم في بعض الخواص من خلال ما يجمع بينها من وعي بتلك الرموز وما يمكن أن تؤديه، وهذا يعني أن هذا النظام برموزه اللغوية يمثل ثقافة سوسيولوجية تتميز بخصوصية حضورها الجمعي في مكان وزمان معينين .

ومما هو جدير بالذكر ، أن ثمة أواصر تجمع بين اللغة والكتابة ، تعكسها مرايا مصدرها الوعي الجمعي بكليهما، فاللغة ليست مجرد أصوات رموز، وإنما كتابة وترجمة لتلك الأصوات والرموز ، ولكنهما صورة جمعية للخواص التي يتمتع بها المجتمع ، وإن الأواصر التي تجمع بينهما هي ثقافة الوعي بهما ، وهي ثقافة اجتماعية نابعة من الحراك الفعلي بين اللغة والمجتمع، فـ ” اللغة ترتبط بمفهوم اجتماعي جمعي في ممارستها واكتسابها ، ففي أحضان المجتمع نشأت اللغة وولدت يوم أحس أفراده بالحاجة إلى التفاهم فيما بينهم ، كما أنها ترتبط بمفهوم الثقافة كما يحدده الأنثروبولوجيون ، فكل فرد من أفراد المجتمع يمارس مجموعة من السلوكيات المادية والمعتقدات المعنوية التي تصل إلى عقله ووجدانه من خلال اللغة التي تعتبر وعاء لهذه الثقافة”([1]).

إن بين وعي الحداثة ووعي الكتابة تكمن مسؤولية وعي الخطاب الإنساني باللغة ، فالكتابة نتاج وعي مشترك – كما ذكرنا – يقوم على فهم وإدراك سوسيولوجي للفعل والتفاعل الاجتماعي بين اللغة من جانب والسلوك من جانب آخر، كما أنها انتماء لهذا التفاعل . لذا يمكن القول أن  الكتابة مشكل إبداعي ينبثق من ضغط الزمن الاجتماعي بكل ماهيته ، وتكوينه الكوني في مجمل الحدث الإنساني ، فهو تاريخ بين من يصنعه ، وبين من يكتبه .

إن القصة والرواية بوصفهما خطاب يمثلان انعكاساً سوسيولوجياً لبنى اجتماعية متمركزة في حالتها الحياتية وطرق معيشتها، لذا ، فإنهما خطاب تاريخ واقعي أو متخيل ، ولكنه لم يعد قصة أو رواية منقولة ، وإنما هو متخيل تاريخي ، ومشهد متعدد الصور والاتجاهات ، إذ يتمتع بخواصه الحدثية، من خلال توالي الأحداث والشخصيات، وتنوعهما وارتباطهما بالزمان والمكان . وإن حقيقة هذا المتخيل ” يدفع بالكتابة السردية التاريخية إلى تخطي مشكلة حدود الأنواع الأدبية ووظائفها ، ثم أنه يفكك ثنائية التاريخ والرواية ، ويعيد دمجهما في هوية سردية جديدة ، ….. باحثة في طياته عن العبر المتناظرة ، والتماثلات الرمزية ، والتأملات ، والمصائر ، والتوترات ، والتجارب ،والانهيارات القيمية ، والتطلعات الكبرى “([2]).

أما من حيث خواصه الفكرية، فإن الخطاب الروائي يتفاعل مع المستجدات الحياتية اليومية للمجتمع، وذلك من خلال تفاعل البنى والعلاقات المتشكلة في بنائها السوسيولوجي الثقافي، إذ إن معيار العلاقة بين الشخصية أو النموذج الذي يختاره الروائي وبين التشكيل النصي في القص مبني على أساس تكوينه الاجتماعي المتعارف عليه، وهذا يعني أنه مؤسس – غالباً- على التكوين السوسيولوجي لثقافة الفضاء الجمعي لمجتمع ما، في مكان وزمان ما، وهو ” حالة فضاء محددة تاريخياً في الزمان والمكان، والحالات الخاصة التي توجد عليها فضاءات ثقافية مغايرة، ذات تواريخ نوعية أخرى، هي علاقة النموذج النظري العام بالصيغ الممكنة لتحققه في المكان والزمان، من دون أن ننسى أن النموذج بدوره لا يبنى إلا انطلاقاً من معاينة هذه الصيغ أو تلك، أو هذه الحالة أو تلك ، التي يبدو عليها الفضاء الثقافي في هذا المجتمع أو ذاك، أو في هذه الثقافة أو تلك “([3]) .

وعليه .. فإن السؤال الذي نعنيه في التاريخ يتجلى في ما قبل ، في ما بعد الكتابة السوسيولوجية للمجتمع ، وينحسر في أتون السرد في القص العراقي ، كما ينطلق من مسارات القراءة الحدثية لهذا القص في خضم مفاهيم سوسيولوجية حتمية التكوين، والانبثاق من تيارات الوعي الجمعي .

ولما كانت مجموعة القاص نجمان ياسين مبنية على التوالف الحدثي والتوثيقي في ما يسميه ( جنون وما أشبه ) ، فهي صور متعددة الاتجاهات وفق تعدد الأزمنة ومكاناتها ، تحكمها سوسيولوجيات متنوعة في القص الروائي ، كما يحكم الكثير منها وعي مقصود ، وهذا ما جعل الكتابة عند نجمان ياسين ترجمة لذلك الوعي الذي يمثل ( المسكوت عنه ) في غاية القص .

لقد أرّخ القاص والروائي نجمان ياسين ما غفل عنه التاريخ الروائي العراقي في مجموعة قصصية كبيرة ، ضمت بين طياتها عدداً كبيراً من قصص المجانين ، وما أشبه بسلوك المجانين ، وقد اخترنا قصة ( كيف مات حامد المجنون ) بوصفها صورة من صور ذلك المسكوت عنه .

ومن هنا ، فإن ( جنون وما أشبه ) هي مجموعة من جنون الأسئلة الخاصة، الخارجة عن حالة الواقع في الأحوال الاعتيادية، تكمن أجوبتها في المغزى السردي التاريخي الذي طرحه نجمان ياسين، وهو أسئلة تنبثق من حتمية الوعي بجوابها المسكوت عنه ، عندما يصبح السؤال منفى الجواب نفسه.

ولكن .. كيف يكون السؤال عندما ينبثق من إشكالية الجنون نفسه، وعندما ندرك أن زيادة الصراعات النفسية ، والقلق الذي يعيشه الإنسان في عالم اليوم ما هو إلا نتيجة تلك الصراعات التي تترك وراءها آثارها السلبية على الفرد والمجتمع ….؟

وهنا .. يجب أن نتحرى عن درجة الوعي الجمعي من حيث حضوره أو عدمه في هذا السؤال، وهو سؤال الراوي، وسؤال المجتمع الذي يمثله نيابة عنه، وبكل ما يحمله من تكهنات ونتائج في عملية الجواب.

والسؤال … هل يمكن أن يكون الجواب حينئذ بحد ذاته هو الجنون نفسه ، ليصبح في خضم تداخلات الحدث إشكالية داخل / خارج حالة الجنون …أم أنه جواب الفوضى اليومية التي يعيشها العقل الإنساني …؟

هل هناك مصالحة إدراك حقيقي بين العقل الإنساني السليم والجنون الحقيقي ، بوصفه مرضاً يعي به صاحبه بسبب ما يتركه المجتمع عندما يقولون له ( أنت مجنون أو عندما يلقبونه بكلمة مجنون ) ، أم أن الجنون لا يولد إلا من ذات العقل السليم وسط مجتمع يعيش في حالة فوضى ، فيرفض المجنون تلك المصالحة ليصنع مجده الموعود به ، ويصبح في حالة من الحالات في خانة المبدعين ، فيدخل التاريخ … ؟

وآخر الأسئلة :هل يمكن وضع المجانين ومنهم ( المبدعون ) وبكل مستويات جنونهم في خانة واحدة إذا علمنا ” أن الجنون كدرجة عليا من درجات الفوضى في التفكير – يفسره شيطان أو روح خبيثة ، والعبقرية – كدرجة عليا من درجات التنظيم العقلي والهروب من التشوش – تفسر بنفس السبب وهو وجود شيطان أو روح “([4]).

كل شيء ممكن، إذا ما حدث تهجين بين أنظمة عمليات السؤال، وبين أنظمة عمليات الجواب، ولربما يقود ذلك التهجين إلى تصادم الرؤى مع الواقع، بين المعلن والمكبوت.

إن ما بين الكتابة والتاريخ ذاكرة تتزاحم على عتبتها الوقائع بكل تفاصيلها، فتحفر فيها فصولاً من حياتنا وحياة الآخرين ، تبدو ظاهرة تارة ، ومخفية تارة أخرى، ونحن نبحث في الجوانب المخفية أكثر مما نبحث في الجوانب الظاهرة المعلنة ، لنحيل استنتاجاتنا على ما نكتشفه ، لا على الجاهزية الحاضرة.

المبحث الأول: كتابة الذاكرة  وسوسيولوجيا الوعي الجمعي

 

    في انتظار حامد المجنون …!

تبدأ عتبة النص بالسؤال ، وهو دالة يكمن وراءها عدد من الأسئلة والأجوبة ، فلا يتوقف السؤال عند حدود أداة الاستفهام ( كيف )…..مات حامد المجنون ؟  بقدر تعلقه بوجود حامد المجنون نفسه ، فحامد صوت للزمان والمكان ، وتجسيد لحياة واقعية في دكة بركة ، وموته قد يكون لغزاً ، وقد يكون إيماء يكشف عن وعي ثقافي جمعي ، أو تعبيراً عن فداحة الاغتراب الإنساني في ظل قسوة المجتمع أو السلطة ، وهذا ما جسده حامد في روايته الأخيرة التي قصها لأهل محلته .

يطرح نجمان ياسين في أول حوار يقصه في قصته ( كيف مات حامد المجنون ) ذاكرته الجمعية من خلال بعد المكان الجمعي عبر ثنائية ( الراوي وأهل المحلة ) ، وهي ثنائية مركبة من وعيين ، الأول يتمثل بوعي الراوي وهو القاص نفسه كشاهد على الأحداث ، والثاني يتعلق بوعي أهل المحلة بحامد المجنون ، في منظومة تجمع بين ثقافة وعي الراوي وثقافة وعي المجتمع في ظل مكونات ثقافية واجتماعية ونفسية تشكل بكل أبعادها مرجعيات القص .

يبدأ القاص من فضاء محلة ( دكة بركة ) ، حيث السكلة التي أحيطت برزم الحطب وأكوام الخشب ، ففي تلك المحلة الشعبية اشتهرت نساؤها بصنع الخبر الموصلي اللذيذ باستخدام التنانير الطينية التي تسجر بالحطب وقطع الأخشاب ، ولما كان الحوار يعكس صورة المكان وبيئته وطبيعة مجتمعه بوصفه المادي قبل الفني لأنه – أي المكان – يشكل جزءاً هاماً من التاريخ الخاص لأي عمل([5])، فإن الكاتب نقل لنا أجواء الحوار بكل بساطته ، حيث كان الفصل شتاء والبرد شديداً ، ورجال دكة بركة جالسين في سكلة الخشب وقد أوقدوا ناراً لتدفئ أجسادهم ، فيقول الراوي([6]) :

  • ” جلسنا في الجمعة الأخيرة ، ننتظر حامد المجنون .

كان أبي يقول :

  • نحن المجانين ، وحامد هو العاقل الوحيد بيننا !

وكان خالي يوافقه الرأي بقوله :

  • حكاياته ، حكايات عاقل !

بينما كان صوصي أبو الزمايل ، صديق خالي ، ما يفتأ يردد :

  • أكاد أحفظ تعليقاته عن ظهر قلب “.

لقد اعتمد الكاتب في قصته منذ بدايتها على وعي الذاكرة الزمنية / المكانية وما حدث فيها ، والتي تمثلت في ( الجمعة الأخيرة ) ، وهي إحالة ذكرية لزمن موصوف يحده مكان الحدث بكل تفاصيله ، حيث يقوم السرد القصصي على مستويات عديدة ،منها ، المستوى التركيبي ( النحوي ) الذي تجسد من خلال الأفعال التي استخدمها ( جلسنا ، كان ) ، وبقدر ما هي أفعال ذات دالات زمنية ماضوية تشير إلى زمن وقوع الحدث، فإنها في حوارية السرد القصصي تعتبر الخطوة المباشرة التي تهتم في صنع الوقائع (الحدث) قبل أن تصنع الحكي ، وهو أسلوب يقوم على صنع الحدث / الصورة التي تمكن القاص من تغطية مساحات كبيرة من مناخات الحدث في الحياة اليومية ، وتتجاوز في كل جوانبها أشكالها المادية([7]) ، وهي في زمنيتها الماضوية ، وبتوصيف يوم الجمعة بـ ( الأخيرة ) منح الكاتب الزمن مرجعية تجسدت في صورة جلسة ( انتظار ) قدوم حامد ، وهي مرجعية زمكانية تسعى إلى نقل الحدث / الصورة الاستذكارية التي تقوم على استرجاع الحدث كبنية يعمل عليها الحوار بوصفه لغة حركية تستكمل فعالية الحدث في كونه ذاكرة .

إن تكرار الفعل ( كان ) يعكس في هذه الصورة  ” ذاكرة الواقع المادي الاجتماعي فيه . إنها نهوض هذا الواقع إلى مستوى عالمه في الذاكرة . إنها تخيله ومتخيله “([8])، وهي ذاكرة زمنية، حين تخيله تشير بوضوح إلى العلاقة الفعلية بين الفرد والواقع المادي التي ينهض بها المتخيل في الذاكرة . ومتخيله ، لتشير في الوقت ذاته إلى (الاستقلالية) في إطار الكتابة به([9])، وهذا ما سعى إليه نجمان ياسين حين استذكر الحدث والحوار معاً ، فـ”الزمن يمس جميع نواحي القصة : الموضوع والشكل والواسطة ، أي اللغة “([10]) ، وهذه الأخيرة تعطي زمن الذاكرة أبعاده في الحضور ، وهو يداعب الحواس والخيال ، حيث يحاول الراوي –  وهي محاولة مستعصية إلى حد ما – ” أن يضع نسخة من الحقيقة الواقعية ، وكثيراً ما يكون ذلك هو الهدف الذي يضعه نصب عينيه وما هو ببالغه ، لأن الحقيقة ليست لفظية . فهو لا يستطيع التوجه إلى الحواس مباشرة ، وعليه أن يداعب الخيال ، والخيال الذي يتلقى المعنى بعد منزلتين عليه بدوره أن يترجم الرموز الكيفية للغة – وهي رموز تحمل قيماً مختلفة لدى كل قارئ – إلى ردود فعل عاطفية وعقلانية تحدث وهماً من الانطباعات الحسية “([11]) .

إن لحظة استذكار الزمن كانت الجلسة ( يوم الجمعة الأخيرة ) والكاتب هنا ينقل لنا نسق اجتماعهم الأسبوعي القائم على الحوار العام بين الجالسين ، وهم ينتظرون قدوم حامد المجنون إليهم ، وبين لحظات انتظارهم ومجيئه كان الحوار بينهم يؤكد على أن حامد المجنون ليس مجنوناً في الواقع ، وأنه العاقل الوحيد بينهم ، وأن كل حكاياته تثبت أنه عاقل ، وأنهم يحفظون كثيراً من عباراته وتعليقاته ، فقد كان الصبية يسألون أهاليهم عن مغرى تلك الحكايات التي لم يفهموها.

إذن، المنتظرون لقدوم حامد وصفوا أنفسهم بالمجانين ، ولما كان الجنون مرضاً عقلياً يتميز صاحبه ” بصفتين أساسيتين هما قلة الذكاء ، وعدم القابلية على التكيف الاجتماعي والفكري “([12]) فهل يعني أن حامد المجنون لم يكن متخلفاً عقلياً ، وأن جنونه يعني تفوقه العقلي بدليل أن حِكَمَه لم يفهمها الآخرون ، وهل أن تفاعله معهم وتفاعلهم معه ، وتكيفه في العيش معهم اجتماعياً وفكرياً يكفي أن يكون دليلاً على عدم جنونه …؟

في الجمعة التي سبقت هذه الجلسة ، كان حامد جالساً معهم حول النار التي أوقدوها كعادتهم ، وقد التفّ بعباءته المغزولة من وبر أبيض ، متدثراً من برد الشتاء ، ومن المعروف لدى عامة الناس وما يتناقلونه فيما بينهم أن المجانين لا يتحسسون بالبرد شأنهم شأن الأطفال والسفهاء ، وهذا ما يدل على أن حامداً لم يكن متخلفاً عقلياً ، وأنه ليس مجنوناً، ولربما كانت حكايته الأخيرة في تلك الجمعة وبيان شخصيته وهيأته وطريقة حكيه دليلاً على تفوقه وتميزه ، ففيما ينقله الراوي عن حامد أنه قال لهم([13]):

  • ” اليوم سأحكي لكم عن الجمّال وجماله وحماره .

تعلقت عيوننا بشفتيه ، ووضعنا آذاننا بين يديه.

عدل من كوفيته ورتب وضع عقاله ، وعبّ من دخان غليونه الذي كان من شيح أصفر وصفه أبي بأنه عجبة للناظرين “

وروى لهم حكايته التي تتلخص بأن الجمّال كان يسير قافلة إبله في تجارة بين الريف والمدينة ، ولكنه كان قد جعل قائد القافلة حماره الأعور يقودهم ذهاباً وإياباً طوال سنوات عديدة من الجوع والعطش والضرب ، وهذا مما جعل قافلة الإبل في استياء وحقد عليه ، وعدم مسامحتهم للجمّال وهو يطلب السماح منهم قبل موته .

فيقول الراوي : ” حينذاك نظرنا إلى بعضنا نحن أولاد الحي العتيق ، وكتمنا ضحكة اختفت في أعماقنا “([14]).

لقد حاول الراوي أن يخفي نفسه في ذات الحكاية التي رواها حامد ، وفي حقيقة الأمر كان حامد راوياً ما أراد أن يرويه الراوي نفسه ، فكان تخفيه يقوم على أساسين :

الأول – الأساس الفني الذي يقوم على لعبة الكاتب الراوي في طريقة الروي والوصف وهي لعبة حضور الزمن ، الذي اعتمد ” على أن إسقاط الموقع الذي منه ينهض القول يعني إسقاط الاجتماعي الذي هو نطق الفني ولعبته الإيهامية “([15]) في طريقة القص ، وهو يبدأ من لحظة تتعلق بين زمنين ، الزمن الحقيقي للحكاية ، والزمن الذي يقص فيه حامد حكايته ، وبين الزمنين يقوم وعي الذاكرة الجمعية واستنهاضها من معين المغزى والقصد ، وبما كانت تهدف الحكاية التي رواها حامد ، وما آلت إليه بدليل الوعي الجمعي للحكاية ذاتها ، فيما قصده حامد في حكايته .

إن أثر الوعي الجمعي يبدو من خلال الضحكة التي أخفاها السامعون للحكاية، وهذا ما نهض بالحكاية إلى منطق الترابط بين نصين، نص الحدث الحقيقي ونص الراوي، من “موقع حاضر في النص لأنه خفي . حضور الموقع في أثره هو خفاء الكاتب / الراوي في النص القصصي ، وهو خفاء صاحب القول ، المتكلم الذي نصغي إليه في شخصياته وفي علاقته بها، وفي توجه كلامه إلى سامع خفي وحاضر أيضاً في أثره الذي هو اختلافه ، وربما تناقضه، وبالتالي الذي هو دينامية الكلام / الحوار بين شخصيات العمل القصصي “([16]).

قد يكون اختيار الحكاية التي قصها حامد على الجالسين ليست من باب الصدفة ، ولكنه اختلقها في لحظة وعيه بالواقع، فكانت إجابة واعية للمجتمع الذي يحيط به ، وللحالة التي يعيشها في خضم صراع اجتماعي وثقافي،  فاستطاع من خلالها إيصال فكرة تفوق الوعي المقابل له، لتشكل بناء لم يعهده العقلاء الذين يعيشون معه .

إن حامد المجنون على وجه الحقيقة المخفية والمبطنة داخل لغة النص ، بطل مقهور كما رسمه الكاتب نجمان ياسين ، ولكنه في ذات الوقت يحاول وبكل وعي أن يتحول إلى بطل يمثل أنموذجاً خارج هذا الوعي الذي يتجاهله ، لافتاً النظر إلى وجوده المنكر بينهم.

لقد مثلت حكاية حامد معنى حقيقيا عن معاناة أقل ما فيها أنها جسدت ” نموذج المثقف المضطرب الذي يحلم كثيراً بالحرية ، لكنه أيضاً المستلب وجودياً إزاء أسئلتها ، حيث تظل ذاكرة القمع حاضرة بكل قسوتها وتلصصها ، والتي تسبغ على المكان صفة ( المكان المعادي) مقابل ما يصنعه المكان الاستعادي من أحاسيس إيهامية وتعويضية للمكان الأليف الغائب ، وهذا التقابل يفجر هواجسه إزاء ما يثير وعيه الشقي الملتاث بالحنين والخوف والقلق “([17]).

كل ذلك يعود للمغزى الذي حملته القصة ، ومتانة الحبكة التي تمتعت بها ، فالقصة تنهض على مقومات عديدة ، فكرية واجتماعية وثقافية وسياسية ، وهي تطرح أسئلتها بصورة غير مباشرة :

( كيف استطاع الحمار الأعور قيادة القافلة وهو أصغر منهم حجماً، و لا يرى العالم إلا من جهة واحدة …؟

وكيف استطاع أن يقنع الجمّال وهو صاحب هذه القافلة ومالكها ومُسيِّرها بقيادته لسنوات طوال…..؟

وكيف صبرت جميع الإبل على تحمل هذه القيادة ، وفيها من هو أكفأ منه ، وهي أكثر منه عدداً وعدة في قوتها… ؟؟؟ )

لقد كشف الحوار – ” بوصفه المضمون الواقعي للوعي الجماعي ” ([18])-  الذي دار بين الإبل وصاحبها قبل موته عن المأزق والصراع النفسي والحياتي والاجتماعي الذي كانت تعيشه الإبل مع الحمار الأعور الذي حكمها من جهة ، ومع ذكاء ودكتاتورية صاحبها في اختياره الحمار قائداً عليها ، وعدم السماح لها بتغيير هذه القيادة .

كانت ضحكة أولاد الحي مختفية في نفوسهم ، ليس استهزاء بحامد ، ولا استخفافاً بما قصّهُ عليهم ، ولكن استغراباً ودهشة من الكيفية التي استطاع حامد ( المجنون ) أن يجعلهم ناصتين له ، وكأنه يقصدهم في جنونه / قصته. وفي الوقت ذاته استطاع حامد أن يكتم تلك الضحكة ، ويزرع في نفوسهم الخوف والتحسب من شيء لم يتوقعوه .

لقد عاش حامد القلق والخوف ( بتحسب ) ، رغم أنه كان يبدو بلا مبالاة ، ولكنه استطاع أن ينقل إحساسه هذا في نفوس من كانوا يعيشون معه ، إحساس جعلهم يترقبون مجيئه ، ويعايشون مجلسه بتحسس وترقب وخوف، وربما كانت الحالة مليئة بالتناقضات الاجتماعية، والكثير من جلساء حامد يدركونها، ولكنها بمحض إرادتهم مقبولة ، لسبب واحد يكمن في وجود حامد نفسه، وهذا هو الوضع المحير بين حتمية قبول حامد أو رفضه.

 

المبحث الثاني: الذاكرة وسؤال الدهشة في وعي الوجود

عندما تنام بقرة حامد

وفي انتظار حامد يذكر الراوي :

” والآن أتذكره وهو ينهر صبيان الحي الذين تمرسوا في مشاكسته . الصبيان يصرخون:

حامد بقرته نامت “([19]).

لكن حامداً كان يعرف كيف يسكتهم ، أسئلة حامد تروي ما كان يحدث في داخل بيوت الحي ، فهو ساكن معهم ، يعرف خلجاتهم ، وأسرارهم ، ( بقرة حامد ) كانت تعني وجوده في بيوتهم ، الصراع بين حامد العاقل ، ومجانين الحي الذين لا يعرفون شيئاً من الحياة غير الأكل والشرب .

لقد كان جنون حامد في صورة ما يمثل الوعي الشعبي الجمعي الذي كان يعيش في دواخل الناس، وإن لم يشعر به هذا المجموع، ولكنه حقيقة قد لا تبدو ظاهرة ، ولكن حامداً استكشفها من سلوكهم، فبدا حامد مجنوناً (ظاهرياً) في رأيهم ، ولكن حقيقة عقله من جنونه تبدو في أسئلته، إذ كانت أسئلته عن البقرات التي تعيش في بيوت المحلة لغزاً وحيرة، وهذا ما منح شخصية حامد أهمية تتجاوز الجنون الذي نعت به .

حامد كما وصفه الراوي كان لغزاً حتى في شكله ، وهندامه ، فـ” شارباه السوداوان كالفحم ، يقفان وعيناه الماكرتان تتحركان وهو يهمس بنبرة باردة ومتشفية :

“هل سألتم آباءكم عن البقرات في بيوتكم ؟ وهل تنام ؟ وكيف تنام ؟ وعلى أية جهة تنام؟ وهل ترفع سيقانها عند النوم ، أم تجعلها مغلقة ؟ اسألوا الثيران في بيوتكم عن البقرات الجائعات؟”([20])

كان حامد مُقلِقاً في أسئلته ، مُدهشاً في عموم أفكاره ، مرة يبدو سياسياً فينشر أفكاره عن طريق روايته للحكايات المتنوعة التي يُفهم مغزاها مباشرة ، ومرة بالنصح والإرشاد ، فذات يوم كان ينصحهم أن يصبغوا أبواب منازلهم باللون الأحمر، كما كان يفعل أحباب الزعيم الأوحد في البلدة ، ويطلب منهم أن يضعوا شارة المطرقة والمنجل ، فيبدو أمامهم وكأنه يساري شيوعي الاتجاه ، وحينا يتهجم على الصاغة البرجوازيين، ويتساءل عن المساحات المتروكة خلف دكاكينهم ، وغلق أبوابهم عندما تدخل النساء الجميلات عليهم ويتوارين وراء الجدران .

لقد وصفه أهل محلة دكة بركة بالماكر والداهية ، وقال عنه آخر أنه ( حكيم وجفجير البلد ) دلالة على رجحان عقله ومعرفته بالناس وعلاقاته الكثيرة معهم فلا يردون له طلباً ، ورأى بعضهم أن في حكاياته ( طعم النار اللاسعة ) فهو ناقد لكل سلوكهم وتصرفهم ، ولعل هذا ما جعل خال الراوي يقول عنه معجباً به ، ومستغرباً من سلوكه :

” لا يمكن أن تصدر هذه الأقوال عن مجنون !”

وفي ذات الوقت ، كان حامد معروفاً بكل تناقضاته السلوكية ، معروفاً بمراودته الملاهي وفسقه وفجوره ، ومعروفاً بورعه وتقوته وصلاته في أكبر جوامع البلدة.

ينقل الراوي عن أبيه :

  • والله ، حامد يعرف كيف يعيش حياته، تصوروا ، ينهض في الصباح منذ الفجر ليؤدي الصلاة ، ويستمر في أداء الفروض طوال أوقات الصلاة ! وفي الليل بعد أن يؤدي صلاة العشاء، يقصد الملاهي التي تعرفه ، ليعطي جسده حقه !

يبدو من الحوار المتقدم ، أن سلوكية حامد وتصرفاته اليومية قد اعتاد عليها الناس ، ولم تقابل بالاستهجان من قبل مجتمع محلته ( دكة بركة ) ، وكأن مثل هذا السلوك شائع بينهم، بدليل أن رجال المحلة كانوا يجالسونه ويشاركونه الأحاديث ويستمعون إلى كل ما كان يقصه عليهم ،  ولم يتخوفوا منه ، وأن صبيانهم كانوا يجالسون حامداً ويخالطونه ، وأنهم كانوا يدفعون عنه أذى الأطفال الذين ينعتونه بالمجنون .

لقد بقي الناس في حيرة منه ، ويتساءلون عما إذا كان حامد مجنوناً حقاً أم لا ، يتساءلون عما إذا كان الله تعالى سيحاسبه على أعماله وهو في رأي الكثير ومنهم جدة الراوي ( زنديق وخبل ) ، ولكنهم يعرفونه مجنوناً ، فمما ينقله الراوي عن أبيه أنه سأل جدته :

  • لا جناح على المجنون ! أم أن عليه جناح يا أمي؟([21])

لم تجب الجدة ، لأنها تدرك أن السلوك الشائن مرفوض ، وفسق حامد ومجونه لا يبرره جنونه ، فالصلاة والخمر لا يجتمعان في إنسان مؤمن ، وسيرورة الحياة الاجتماعية في ذلك الوقت – وفي أي وقت –  تنطلق من ماهية ما تأسس في الذات ، ولما كان ما تأسس من الثوابت التي لا يختلف عليها عموم المجتمع ، فهي سلطة الفعل والسلوك في حياة المجتمع والقانون الحياتي المتعارف عليه .

لذا ، فإن حامداً يحمل في ذاته ما تأسس في ذاته من موجهات سلطة الدين ، ولما كانت الصلاة أمراً لا يختلف أحد في وجوب تأديته ، فإن صلاة حامد – كما يرى حامد نفسه – سلوك ديني اجتماعي لا يريد حامد أن يظهر أمام الناس وكأنه لا دين له ، هذا من جانب .

ومن جانب آخر ، فإن لهو حامد وفسقه ومجونه فعل ينطلق من مركز آخر ، وسلطة أخرى ، فعل يتمركز في سلطة الحياة اليومية وهي تجاري الذات خارج سلطة العقيدة , وهي سلطة مضمرة تتخبأ داخل النفس ، تبدو وكأنها محايدة ، لا تميل إلى الصراع لتحافظ على ديمومة صلاتها مع الآخرين ، وهي بذلك تبدو وكأنها ثقافة سلطة اجتماعية مسالمة ، تسعى إلى ممارسة الحياة بشكلها الطبيعي من خلال فعلين متناقضين ، ولكنهما ينطلقان من تمركز سلطات حتى وإن كانت متناقضة في الفعل والاتجاه ” إذ ما يزال الجامع يمارس دوره القوي والفاعل في الثقافة وفي الحياة على الرغم من وجود قوى فكرية معاصرة وتحديثية في تأليف نسق ثقافي – حياتي معاصر”([22]).

إن العلاقات التي تنظم فعل هاتين السلطتين تكمن في ممارسة المجتمع لهذا الفعل المزدوج بالتناقض ، وتوافقه رهبة ورغبة به ، وعدم محاورته في ماهية هذا التناقض ، فحامد في كل سلوكه كان متفاعلاً مع واقع أبناء جيله ، ومتماثلاً معهم في اتجاهاته السالبة والموجبة ، ولعل هذا ما جعل حامد لا يتوانى عن أي فعل شاهده أو سمع به أن يفعله .

لقد عاش حامد حياة قسرية كما كان يتصور نفسه ، لذلك فهو يعيش حياته التي قد لا يعرفها حتى المقربون منه ، فحامد المجنون كما يلقبونه يشكل ( قوة ) تعيش في دواخله ، وبما أن جنونه مرض عصابي وليس تخلفاً عقلياً ، بدليل الحياة الطبيعية التي يعيشها مع الآخرين ، فإنه يشيد ” بنية وقائية حوله مما يفيد لا في حجبه عن الأنظار فحسب بل الغوص به أيضاً عميقاً بحيث لا يمكن عزله في صورته المجردة “([23]).

إن تشييد هذه البنية الوقائية من قبل حامد لا يمكن عدها تجاوزاً للواقع ، إذا علمنا أن حامداً صاحب حاجات إنسانية كثيرة ، تكمن في الكيفية والطريقة التي يمكن له أن يختارها للعيش مع الآخرين ، وبما يؤمن له استمرار الاتصال بهم .

ولما كانت رغبات الآخرين لا تتجانس مع رغباته ، فإن حامد المجنون عصابياً يسعى جاهداً – ولو مظهرياً – إلى هذا التجانس الشكلي بينه وبين الآخرين ، فتركز حاجاته ” حول رغبة في الألفة الإنسانية الحميمة والرغبة في (( الانتماء )) . (و) سيكون النمط المطاوع ، بسبب طبيعة عدم التجانس في حاجاته ، ميالاً إلى تجاوز تقدير تجانسه والمصالح التي يشترك فيها مع أولئك الذين من حوله وسوف يتغاضى عن العوامل الفارقة بينه وبينهم “([24]).

إن صراع الداخل / الخارج بين حامد المجنون ومن كان حوله جعله يبحث عن القوانين الحياتية التي تمكنه من العيش معهم بأمان ، فحامد كان عاقلا في داخله ، وتغاضيه عن كل ما كان يقلقه ” لا يعود إلى سوء تقديره للناس بهذا الشكل لجهله أو غبائه أو عدم قدرته على التمييز ولكنه يتأتى بسبب حاجاته القسرية “([25])، فهو يتصور أن من حوله أقوى منه ، فكان لابد أن يشكل قوة أمامهم .

لعل هذا التناقض في سلوكية حامد كان يمثل بداية مرحلة من المراحل السياسية والاجتماعية في العراق ، وفي الموصل بالذات ، إذ تمثل بكل تناقضاتها ما بين الأعوام 1958 – 1963 والثورة على الحكم الملكي في العراق وتسلم الشيوعيين السلطة ، ورفع شعارات القيادات العمالية آنذاك ، فبدت سلطة الثقافة الفكرية السياسية تتسلل إلى البنى الفكرية التي تأسس عليها المجتمع آنذاك ، فكانت ذات تأثير على عموم سلوكيات المجتمع بما تحمله من أفكار ورغبات بغض النظر عن الحوار ، أو فيما تحمله من جوانب سلبية أو إيجابية.

 

المبحث الثالث: الذاكرة ومحنة سوسيولوجية أسئلة الرفض

جمعة السؤال الأخير :

من يرفض الجنون في عالم اليوم …؟

هل الجنون قناع ومناخ لتمرير أمور تبقى عالقة في الذاكرة …؟ كما يعزو ذلك نجمان ياسين في كتابته لعدد من قصص الجنون ..؟ أم أن الجنون مرض يصيب البعض ولا يصيب الآخرين ..؟  هل أن العالم اليوم يعيش في حالة جنون … كيف ولماذا …؟

إنّها أسئلة محنة مجتمعات متقدمة أصيبت بالجنون ، بعد أن صعب عليها توسد العقل ، والعيش في كنفه .

يذكر الراوي أنه كان جالساً مع أولاد الحي حول النار الموقدة التي يتراقص شعاعها في عيونهم القلقة ، ينتظرون حكاية الجمعة التي سيقصها عليهم حامد ، لكن مجيء حامد مريضاً  يشكو من ألم في قلبه ، وهو ممسك بطنه ، غيّر أجواء الجلسة الحكائية إلى جلسة أسئلة ، إذ سأله أحد الجالسين :

  • ” هل الجنون طيب يا حامد ؟ قل لنا لنصير مجانين إن كان طيباً .

قال حامد المجنون :

  • هو طيب لولا هؤلاء العجايا !

وأشار إلى الصبيان الذين كانوا يتربصون خروجه من – السكلة – منتبذين أحد الجدران لمنزل عتيق ….

وبغتة سأله أحدنا :

  • متى جننت يا حامد ؟ وكيف جننت ؟

…….

ألح الولد : أخبرنا عن سبب جنونك ! يقول أبي إنك كنت تاجراً ثرياً وأفلست تجارتك ، وقعدت على الحديدة .

ابتسم حامد ، ولا أعرف لم أحسست أنه يسحب ابتسامته بصعوبة ، وقال :

  • أنا تعبان ، تعبان.

إن الشخصية المحورية في هذه القصة التي تتمثل بحامد المجنون تبدو من خلال سكوتها وعدم إجابتها المستعجلة على كل الأسئلة التي طرحت عليها شخصية واعية ، تمتلك من القدرات ما يفوق حتمية الأجوبة المسترسلة ، ولعل نجمان ياسين نجح في حبكته عندما جعل حامد المجنون صوتاً واعياً خارج الأسئلة التي طرحت عليه ، وخارج المحنة التي يعيشها حامد والذين حوله ، مكتفياً بإفادة تعبه من ضجر الحياة والمجتمع .

لقد استغل حامد وبعفوية المريض المتعب مساحات الزمن كله ، فترك أسئلتهم بلا جواب ، وكشف عن إمكانيته في إعطاء دروس حياتية ومواعظ لم يعها الآخرون ، كشف عن قدرته الفذة في قراءة التاريخ الحضاري الجديد بكل وساخته وبشاعته ، كما كشف عن الكيفية التي يصنع بها التاريخ من قبل العقلاء المجانين ، ليكتبوه بدماء الأبرياء …

يقول الراوي :

” وقرب جسده من النار حتى أوشكت أن تصيب يديه لولا أن أزاحهما أحد الأولاد وأبعدهما عن موقدنا !

فاضت عينا حامد بحزن مسح المكر منهما وقال :

- جننت سنوات طويلة ، ولم ألحق الضرر بذبابة ، لم أؤذ طير بشر! وجن الناس يا أولاد سنة واحدة ، فانظروا ما فعلوا سحلوا الناس في الشوارع بحبال غليظة وضعت حول رقابهم ، قتلوا الناس ومزقوا أجسادهم ، وعلّقوا الجثث على أعمدة الكهرباء !

هكذا يصنع التاريخ ، وهكذا تُسجل أحداثه ، وهي سلسلة أفعال ونتائج ، هذا ما أراد حامد أن يلخصه في كل جواباته عن جنونه ، افتراض حاجة العقل للجنون ، هو ذات افتراض جنون العقلاء الذين لم يعرفوا ما هو الجنون …

يقول الراوي : انتبهت لأجد المجنون ، قد نهض وغادرنا حتى قبل أن يحتسي قدح الشاي الذي أعددناه له والذي كان يحبه وقد خالطته حبتا هيل !

راقبت قدح الشاي الذي كفّ عن إرسال بخار حرارته وصار بارداً ، وراقبت المجنون يسير متهالكاً ويتحاشى الرد على هجوم الصبيان .

في اليوم التالي ، لسعنا الخبر مثل نار.

قال خالي :  - مات حامد المجنون ……([26])

وهنا يتراءى سؤال نجمان ياسين في خبر موت حامد المجنون ، من كتب التاريخ ، هل سجل حامد إفادته الأخيرة فيما قاله في قضية جنونه ؟

 والجواب كما نرى ، أن نجمان ياسين قد تجاوز محنة السؤال ، ليبقى موت حامد المجنون خبراً متعدد الاتجاهات .

لقد تميزت قصة حامد المجنون بتعدد الرواة ( الأصوات ) ، وهو تعدد على منحيين :

الأول : تعدد داخلي ، ويتمثل في الأصوات التي مثلها حامد في كل تناقضاته ، فالشعارات والأفكار التي دعا إليها هي ترديدات لأصوات ثقافية وفكرية وسياسية استطاعت أن تنتشر في الساحة العراقية آنذاك ، وهذا المنحى الذي اعتمده نجمان ياسين في تعدد الأصوات ” هو أسلوب قائم فنياً على انشطار الصوت الواحد ( أي ازدواجية الصوت الواحد ) إلى أكثر من شطر ضمن سياق فني محدود لا يتطور باتجاه تعدد الأصوات نتيجة سيادة سلطة الصوت الواحد )([27]) الذي مثله صوت حامد وهو يمثل أصوات الآخرين في واقع اجتماعي وثقافي يقوم على صراع غير متماثل بين الأطراف المتصارعة .

الثاني : تعدد خارجي ، ويتمثل بأصوات شخصيات محلة دكة بركة التي حاورت حامد ، أو التي نقلت مقولاته وأفكاره ، أو التي أعطت رأيها به ، وهي شخصيات ذات وسط شعبي ، استطاع حامد بشكل أو آخر أن يؤثر بها .

إن موت حامد المجنون يعني طوي صفحة من صفحات تاريخ يبقى عسيراً على الراوين له فتح مغاليقها ، لأنهم قالوا شهاداتهم في حامد ، وتباينوا فيما قالوه :

شهادات أخيرة :

يقول الراوي :

” قال خالي : سجد في الجامع ولم ينهض .

علق صوصي أبو الزمايل :

مات ميتة الصالحين

وقال صاحب مقهى الحي العتيق :

بل مات ميتة المارقين ، نجس ، وسخ الجامع .

وقال أبي :

أخبرونا أنه نام على صدر راقصة في الملهى حتى الفجر ، ثم ذهب إلى الحمام ، اغتسل وتوضأ ، ونفض خطاياه ، وقصد جامع – النبي شيت –([28]).

إن ملخص الشهادات لا يوميء إلى حقيقة الموقف الجماعي ، الإيجابي أو السلبي من حامد ، فهو قد مات تاركاً المحلة ورجالها وصبيانها و( عجاياها ) الذين أقلقوا حامد في حياته ، بدليل أن شهادة الراوي كما هي مسجلة في محكمة التاريخ :

” أردت أن أتبين ، إن كان أبي حزيناً أم لا ، ولم أفلح ، لكنني لم أشهده يضحك ، ولم أجد عينيه تفيضان بالدمع .

ولم أعرف إن كان حامد المجنون ، قد مات صالحاً أم مارقاً ، فكل ما أعرفه أننا نحن أولاد الحي العتيق ، لن نجد من نأنس إليه مثل حامد المجنون “([29]).

لقد غادر حامد المجنون الحياة تاركاً رسالته للناس ، هكذا تولدون ، وهكذا تعيشون ، وهكذا تصنعون التاريخ في حكمة وغباء معاً ، ويأتي غيركم فيكتبه للآخرين . إنها محنة الزمن الآتي بكل لحظاته .

المصادر

  1. أصول الطب النفساني ، د. فخري الدباغ ، جامعة الموصل ، ط2 ، 1977
  2. التحليل النفسي للجنون ، سمير عبده ، دار الكتاب العربي ، سورية ، ط1 ، 1991
  3. جنون وما أشبه (مجموعة قصصية)، د. نجمان ياسين ، الدار العربية للموسوعات ، بيروت ، ط1، 2012
  4. الراوي الموقع والشكل ، يمنى العيد ، منشورات مؤسسة الأبحاث العربية ، بيروت ، ط1 ، 1986 .
  5. الرواية والمكان ، ياسين النصير ، الموسوعة الصغيرة (57) وزارة الثقافة والإعلام ، العراق ، شباط 1980 .
  6. الزمن والرواية ، أ.أ.منلاو ، ترجمة ، بكر عباس ، دار صادر بيروت ، ط1 ، 1997.
  7. شحنات المكان – جدلية التشكيل والتأثير – ياسين النصير ، دار الشؤون الثقافية ، بغداد ، ط1 ، 2011
  8. صراعاتنا الباطنية – نظرية بناءة عن مرض العصاب – د. كارين هورني ، ترجمة : عبدالودود محمود العلي ، دار الشؤون الثقافية ، بغداد ، ط1 ، 1988 .
  9. صنعة الرواية ، بيرسي لوبوك ، ت: عبدالستار جواد ، وزارة الثقافة والإعلام ، بغداد ، 1981 .
  10. في سوسيولوجيا الخطاب، من سوسيولوجيا التمثلات إلى سوسيولوجيا الفعل، د.عبالسلام حيمر ، الشبكة العربية للأبحاث والنشر ، بيروت ، ط1 ، 2008.
  11. في معرفة النص ، يمنى العيد ، منشورات دار الآفاق الجديدة ، بيروت ، ط3، 1985.
  12. اللغة والثقافة ، د. كريم زكي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ، ط2 ، 2010
  13. مراثي المكان السردي ، قراءة في فضاءات الرواية العراقية ، علي حسن الفواز ، دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع ، دمشق ، ط1 ، 2012 .
  14. المحاورات السردية ، عبدالله إبراهيم ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، ط1 ، 2012 ، 194.
  15. النزعة الحوارية في الرواية العربية، د. قيس كاظم الجنابي، الموسوعة الثقافية (96) ، دار الشؤون الثقافية ، وزارة الثقافة ، بغداد ، العراق .
  16. النقد الروائي والآيديولوجيا ، د. حميد لحمداني ، المركز الثقافي العربي ، بيروت ، ط1

 

  • اللغة والثقافة ، د. كريم زكي ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، ط2 ، 2010 ، 57.
  • المحاورات السردية، عبدالله إبراهيم، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1 ، 2012 ، 194.
  • في سوسيولوجيا الخطاب ، من سوسيولوجيا التمثلات إلى سوسيولوجيا الفعل ،د. عبالسلام حيمر ، الشبكة العربية للأبحاث والنشر ، بيروت ، ط1 ، 2008 ، 363.
  • التحليل النفسي للجنون ، سمير عبده ، دار الكتاب العربي ، سورية ، ط1 ، 1991، 10 .
  • الرواية والمكان، ياسين النصير،الموسوعة الصغيرة (57) وزارة الثقافة والإعلام،العراق،شباط 1980، 15.
  • جنون وما أشبه ، د. نجمان ياسين ، الدار العربية للموسوعات ، بيروت ، ط1، 2012 ، 95-96.

(7) ينظر:صنعة الرواية، بيرسي لوبوك، تر:عبدالستار جواد، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، 1981، 114 .

(8) في معرفة النص ، يمنى العيد ، منشورات دار الآفاق الجديدة ، بيروت ، ط3، 1985 ،13.

(9) المصدر نفسه .

(10) الزمن والرواية ، أ.أ.منلاو ، ترجمة ، بكر عباس ، دار صادر بيروت ، ط1 ، 1997، 39.

(11) الزمن والرواية ، 41.

(12) أصول الطب النفساني ، د. فخري الدباغ ، جامعة الموصل ، ط2 ، 1977 ،

(13) جنون وما أشبه ، 96.

(14) جنون وما أشبه ، 98 .

(15) الراوي الموقع والشكل، يمنى العيد، منشورات مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت ، ط1 ، 1986 ، 57.

(16) نفس المصدر السابق ، 57.

(17) مراثي المكان السردي ، قراءة في فضاءات الرواية العراقية ، علي حسن الفواز ، دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع ، دمشق ، ط1 ، 2012 ، 51.

(18) نقلاً عن :  النقد الروائي والآيديولوجيا ، د. حميد لحمداني ، المركز الثقافي العربي ، بيروت ، ط1 ، 1990 ، 108.

(19) جنون وما أشبه ، 98.

(20) جنون وما أشبه ، 98.

(21) جنون وما أشبه ، 98- 100.

(22) شحنات المكان – جدلية التشكيل والتأثير، ياسين النصير، دار الشؤون الثقافية،بغداد، ط1، 2011، 22.

(23) صراعاتنا الباطنية – نظرية بناءة عن مرض العصاب – د. كارين هورني ، ترجمة : عبدالودود محمود العلي ، دار الشؤون الثقافية ، بغداد ، ط1 ، 1988 ، 36.

(24) صراعاتنا الباطنية ، 38 .

(25) صراعاتنا الباطنية ، 38.

(26) جنون وما أشبه 100-102

(27) النزعة الحوارية في الرواية العربية ، د. قيس كاظم الجنابي ، الموسوعة الثقافية (96) ، دار الشؤون الثقافية ، وزارة الثقافة ، بغداد ، العراق ، 74.

(28) جنون وما أشبه ، 102-103

(29) جنون وما أشبه ، 103.


Updated: 2017-12-07 — 21:41

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme