ما وراء الحجاب: قراءة في تحولات أنماط التحجب بالمغرب Beyond the Veil: A Reading in the Changing Patterns of Wearing the Veil in Morocco


ما وراء الحجاب: قراءة في تحولات أنماط التحجب بالمغرب

 إلياس بوزغاية،  جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس، المغرب.

Beyond the Veil: A Reading in the Changing Patterns of Wearing the Veil in Morocco

Ilyass Bouzghaia, will be defending his Ph.D thesis soon/Sidi Mohammed Ben Abdellah University, Fes, Morocco

  مقال نشر في   مجلة جيل العلوم الانسانية والاجتماعية العدد 54 الصفحة 87.

 

ملخص :

تعتبر قضية المرأة عموما ومسألة الحجاب خصوصا من ضمن أبرز عناوين جدلية الإسلام والحداثة في الوقت المعاصر. وقد عرفت هذه الجدلية تمظهرات ارتبطت بعوامل سياسية وثقافية وأيديولوجية أثرت في فلسفة وسلوك اللباس لدى المرأة المسلمة. والأكيد أن لباس المرأة، كرمز للهوية المسلمة أو الإسلامية، قد عرف صعودا وأفولا وتطورات في الأشكال والأنواع إلى الحد الذي خلق توترات ومفاوضات قيمية محورها رمزية ودلالة هذا اللباس في سياقات الإسلام والحداثة. وقد تابع الرأي العام المغربي مؤخرا حالات من نزع الحجاب في صفوف من يحسبون على التيار الإسلامي بالمغرب، مما خلق دائرة من الجدل حول مدى مركزية الحجاب لدى الحركات والأحزاب الإسلامية، كما طرح تساؤلات حول الخطاب الإسلامي في علاقته بالتحولات السياسية والقيمية التي يعرفها المجتمع المغربي. هذه التساؤلات وغيرها تحاول هذه المقالة تسليط الضوء عليها من خلال رصد تطور مفهوم الحجاب وأنماط ارتدائه بارتباط مع التأثير الذي تمارسه السياسة والدين والواقع على حياة النساء.

الكلمات المفتاحية: الحجاب، التدين، ما بعد الإسلاموية، أزمة القيم، التوليف والترميق، إسلام السوق

Abstract:

The woman’s issue in general and the issue of Hijab in specific are among the main debatable issues within the dialectic of Islam and modernity in the contemporary world. This dialectic relation is manifested at many political, cultural, and ideological levels which influence the philosophy and comportment of dressing for the Muslim woman. Obviously, the woman’s dress, as an aspect of the Islamic/Muslim identity, has witnessed major changes, evolution, and decline in terms of shapes and patterns to the extent of creating tensions and negotiations around the question its centrality and meanings in the contexts of Islam and modernity. In Morocco, there has been a remarkable wave of taking off the veil among many women associated with Islamic groups and parties. This has triggered a societal debate about the change of Islamic discourses and practices under the pressing requirements of social and political transformations. This question and others will be tackled in this article with the aim of spotting light on the evolution and manifestations of the concept of Hijab as influenced by political, religious, and social factors that impact the Muslim women’s lives.

Keywords: Hijab, religiosity, Post-Islamism, Crisis of Values, Montage and Bricolage, Islam of the Market

مقدمة:

يعتبر اللباس بصفة عامة واحدا من المكونات المادية للثقافة، ويرتبط شكله وتصميمه وأهدافه بالثقافة السائدة في المجتمع، فهو بذلك يدل على “شفرات للمنظومة الثقافية التي يفرضها المجتمع على أفراده”[1]. في هذا السياق، تقول الباحثة المصرية ثريا نصر: “فالمتأمل للأزياء التقليدية يستطيع أن يعرف البلد أو المنطقة التي ينتمي إليها كل زي”،[2] من هذا المنطلق يمكن اعتبار الحجاب، كلباس يفرض تغطية الشعر على المرأة، أحد مكونات الثقافة والهوية الإسلامية التي يفترض أن ترمز للعفة والستر. وعلى الرغم من تنوع أشكال ودلالات الحجاب في العالم الإسلامي على المستوى التاريخي والجغرافي والثقافي، فإنه غالبا ما ظل حاملا لتمثلات هوياتية إسلامية نتيجةً للأسس الدينية التي انبنى عليها، فحتى لو كانت مرتدية الحجاب غير متدينة فإن هذا اللباس يستمر في إعطاء دلالة دينية تفيد بأن المتحجبة واحدة من المسلمين، فهو بذلك رمز من رموز الهوية الإسلامية.

وإذا ما تتبعنا الكتابات التي تناولت موضوع الحجاب سنجدها كثيرة وذات مداخل متعددة. على سبيل المثال يمكننا الإشارة إلى دراسة السيد عفيفي بعنوان “الأبعاد الاجتماعية والثقافية والدينية لعودة ظاهرة الحجاب” سنة 1993، وهي دراسة استطلاعية تهدف إلى معرفة أسباب ودوافع عودة ظاهرة الحجاب وربط ذلك بتأكيد الهوية والشخصية الدينية للمحجبات[3] في نفس السياق، تذهب دراسة الباحثة المصرية ليلى أحمد في كتابها “ثورة هادئة: عودة الحجاب من الشرق الأوسط إلى أمريكا”[4] إلى أن الحجاب كان ولا يزال موضوعا للتحولات التي عرفتها المنطقة العربية والإسلامية خاصة على المستوى السياسي والثقافي.

على المستوى السوسيولوجي، يمكن الإشارة إلى دراسة الباحث المغربي ادريس بنسعيد بتعاون مع الجمعية المغربية لنساء المغرب وبدعم من صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة سنة 2007 حول “الشباب والحجاب في المغرب”، حيث عمل على كشف التمثلات المختلفة للحجاب بالنسبة للشباب من الجنسين بين 15 و25 سنة موزعين إلى خمس مجموعات بؤرية روعي فيها التمثيلية المتساوية بين الفتيات اللواتي يرتدين الحجاب ومن لا يرتدينه. وقد وجدت الدراسة أن الحمولة الرمزية للحجاب تتجاوز الزي وطرق ارتدائه إلى توجيه رسالة من المحجبة إلى متلقين مختلفين قد يكونون أفرادا أو جماعات أو ثقافة أخرى، كما خلصت الدراسة إلى وجود ثلاث عوامل مسببة لانتشار الحجاب خاصة في الوسط الجامعي وهي العامل الاقتصادي والعامل الديني والعامل العائلي. ورغم أن هذه الخلاصات تبدو موجهة بحكم الجهات المشرفة عليها، إلا أنها تظل مقاربة معتبرة للموضوع بحكم اعتمادها على الاستطلاع الميداني. دراسة أخرى أجراها عدد من الباحثين بعنوان “الدين والملبس وجسم الإنسان” اتجهت إلى البحث في العلاقة بين اللباس والدين والفرد والمجتمع، توصلت إلى أن الجماعات الدينية تستخدم الشفرات الملبسية كرموز للتدين وكأسلوب من أساليب الضبط الاجتماعي.[5]

من خلال هذه الكتابات يمكن للباحث أن يستنتج وجود علاقة تفاعل مستمر بين الحجاب كرمز ديني والمحيط السياسي والاجتماعي الذي يتم ارتداؤه فيه، وهو ما يُنتج أنماطا ومعاني مختلفة تتشكل من خلال التطور التاريخي والتداخل الثقافي بين مكونات المجتمع. وعليه، فإنه من المشروع التساؤل عن ماهية الدلالة التي يحملها الحجاب في الوقت المعاصر بالنسبة للشباب المغربي؟ وكيف يمكن فهم السلوك والشفرات الملبسية للمرأة المسلمة في عصر “الحداثة” والعولمة؟ وهل ظاهرة التحجب نتيجة حتمية للاقتناع الديني بهذا اللباس أم أنه مسايرة للعصر واستجابة لمستجدات فردية وجماعية؟

 من أجل الإجابة عن هذه الأسئلة نقترح استدعاء بعض المفاهيم السوسيولوجية لفهم واقع التحولات السياسية والقيمية عموما وتحولات أنماط ارتداء الحجاب خصوصا. هذه المفاهيم هي: “ما بعد الإسلاموية”، “أزمة القيم” “التوليف والترميق”، “إسلام السوق” كما سيتم الإشارة إليها في معرض تحليل التحولات السياسية والاجتماعية التي تؤثر على أنماط التحجب في المغرب.

التحولات السياسية

مثلت فترة الخمسينات بداية موضة خلع الحجاب وذلك ارتباطا بالإحتكاك المباشر بالمستعمر ومقولاته “الحضارية” التي ترى أن الحجاب رمز للتخلف واضطهاد للمرأة، مما دفع ببعض النساء والمفكرين والسياسيين لتبني مفاهيم “الحداثة” وتحرير المرأة. ثم فترة الستينات والسبعينات وما عرفته من مظاهر الصحوة الإسلامية، خاصة بعد الانتصار الذي أحرزه العرب على إسرائيل سنة 1973 ونجاح الثورة الإسلامية الإيرانية وتعاظم دور الإخوان المسلمين بمصر. كل هذا أدى إلى ظهور بوادر حركات إسلامية متشبثة بتطبيق تعاليم الشريعة مما شكل موجة مجتمعية مدعومة بالتيار السلفي الوهابي لدى الشباب للتعبير عن عدم تبعيتهم لأنماط الحياة الغربية، وكذلك للتعبير عن التعاطف أو الانتماء إلى التيار الإسلامي الثوري والمحافظ. ويمكن للمتتبع ملاحظة استمرار هذا التوجه في المغرب إلى حدود نهاية التسعينات وبداية القرن 21، حيث انتشرت الإذاعات والقنوات التلفزية المشرقية ومعها التيار السلفي (حسين يعقوب، محمد حسان…) وتيار الدعاة الجدد (عمرو خالد، مصطفى حسني…) وهو ما زكى موجة العودة إلى التدين خاصة لدى النساء والشباب. كما عرفت هذه الفترة ازدياد شعبية التيارات الإسلامية وبروز وجوه نسائية إسلامية متحجبة ومشاركة في العمليات الانتخابية وكذلك في الشأن العام.

لكن إلى وقت غير بعيد، أصبح بالإمكان ملاحظة تحولات في سلوك وأنماط ارتداء الحجاب سواء في صفوف التيارات الإسلامية أو في صفوف العامة، حيث أنه رغم تسجيل دراسة “الإسلام اليومي”[6] سنة 2007 أن وتيرة التدين لدى الشباب في تصاعد وإدراج الحجاب من بين مؤشرات التدين باعتبار أن أكثر من 64 في المائة يرتدون الحجاب لأسباب دينية وأن 17 في المائة لأسباب غير دينية من ضمنها الحياء والاحترام، إلا أنه بالمقابلة يمكن ملاحظة أن التدين لم يعد مختزلا في اللباس كما كان في السابق حيث ظهر الحجاب التركي والأندونيسي والإيراني وأنواع أخرى من الحجاب تسمح بظهور العنق أو جزء من الشعر وتسمح بلبس الجينز ووضع المكياج على الوجه مما دفع بعض المعلقين بتشبيهه ب”اقرأ” من الأعلى و”روتانا” من الأسفل، في إشارة للتناقض مع مقاصد اللباس الإسلامي.

هذه المظاهر من التنوع في أشكال وأنماط التحجب أصبحت شائعة في صفوف كثير من المحسوبات على التيار الإسلامي في السنوات الأخيرة، ليس هذا فقط، بل وحالات خلع الحجاب كلية. وقد يتم تفسير ذلك بأنه تعبير عن التحرر الكلي أو الجزئي من قبضة التنظيم والتدين الجمعي وتنميط صورة المنتمين إليه، كما أنه من المثير تسجيل التقبل والترحيب أحيانا الذي تحظى به هذه الحالات كونه يرمز إلى أن الشخص أصبح واضحا مع نفسه ومحيطه وأن له كامل الحرية في فعل ما يريد، أولا بحجة أن الحجاب ليس من فرائض الإسلام، وثانيا بحجة أن ما هو سياسي ليس ما هو شخصي.

وبهذا نستخلص وجود تغيير في الخطاب والممارسة لدى كثير من الإسلاميين سواء كان ذلك نابعا من قناعات ومراجعات حقيقية، أو استجابة لتطورات الواقع السياسي الذي حملهم إلى السلطة وما يستدعيه ذلك من اقتراب أو تماهي مع خطاب حقوق الإنسان والحريات الفردية. هذا ما دفع بعض الباحثين مثل عالم الاجتماع الإيراني آصف بيات إلى صك مفهوم تيار “ما بعد الإسلاموية”، وهو يحيل على تحولات الإسلاموية، أو التيار الإسلامي الثوري المحافظ، إلى أفكار ومواقف أكثر انفتاحا ومرونة اعتمادا على مقولات الإصلاح والتجديد في الدين خاصة بعد خفوت الصراع الإيديولوجي الحاضن لثنائية الإسلامي/ العلماني.[7]

واستشهادا على ذلك، فقد صرح رئيس الحكومة المغربي السابق، بنكيران، في تعقيب له على صور البرلمانية آمنة ماء العينين التي ظهرت في صور مسربة وهي بدون حجاب في باريس، بأن الحزب في “تطور”،مشيرا إلى أنهم في وقت سابق كانوا يستقطبون المحجبات فقط ولا يسلمون على الجنس الآخر من المحارم، لكن الآن أصبحوا يبحثون عن غير المحجبات لتمثيلهم في الحزب وأصبح بإمكانهم تقدير وتنسيب المسائل حسب أهميتها. كما اعتبر أن نزع البرلمانية لحجابها لا يصطدم مع المرجعية الإسلامية وهو مسألة شخصية بين الإنسان وربه[8].

وبذلك أصبح بالإمكان القول أن الإسلام الذي كان يعتبر في وقت سابق عدوا حضاريا للثقافة الغربية حسب نظرية فوكوياما، أصبح اليوم قادرا على التعايش مع مستجدات العصر، كما أن الحجاب الذي كان يعتبر في وقت سابق لباسا يحيل على الهوية الإسلامية ورمزا للعفة والستر أصبح مسألة شخصية خاضعة لتعدد القراءات السيميائية سواء للمحتجبة نفسها أو للمجتمع المحيط بها، في تعايش يرفض معه ذلك الثوب أن يحمل معنى واحدا وبذلك يسقط في قبضة “الحداثة السائلة” بمفهوم زيغموند بومان.[9]

التحولات الاجتماعية

بالموازاة مع التحولات السياسية، عرفت المجتمعات العربية والإسلامية تحولات عميقة ومتسارعة على مستوى القيم الموجهة لمعتقدات وسلوكات أفرادها، وقد مست هذه التحولات اختيارات وتوجهات اللباس لدى المرأة المسلمة. وإن كان من تفسير لذلك فإن مفهوم “أزمة القيم” قد يكون الأكثر تعبيرا عن واقع التشرذم والحيرة والتأرجح بين المرجعيات في عصر “الحداثة” والعولمة، وهو ما يؤثر بالضرورة على أنماط التحجب. فرغم تسجيل العديد من التقارير العالمية أن الدين عنصر مهم في توجيه القيم والسلوكات الاجتماعية للشباب العربي[10] فإنها بالتوازي تشير إلى بعض مظاهر التوتر بين المرجعية الدينية وقيم الحداثة وتحديات الواقع المعيش. فمثلا، سجل تقرير مركز بيو حول الأديان والحيات العامة “PEW” أن معظم المستجوبين من النساء والرجال في العالم الإسلامي أقروا بأن الحجاب فرض على المرأة المسلمة، لكن في الوقت نفسه صرحوا بأن المرأة لها الحق في اتخاذ هذا القرار من عدمه[11] وهو ما نجده منعكسا في شكل سجالات وجدل مجتمعي حول مدى أهمية الحجاب في المنظومة الإسلامية ومدى انعكاس ذلك على أرض الواقع.

وإذا كان عدم ارتداء الحجاب قرارا لا يعني موقفا معاديا للإسلام بالضرورة، فإن القدرة على اختيار نمط التحجب المناسب لكل فرد يعكس تحولا في الصورة النمطية عن المرأة المسلمة/الإسلامية، حيث لم يعد الانتماء الديني أو التنظيمي معبرا عنه باللباس كما كان في السابق. كما أن تعدد أشكال وأنواع الحجاب يعكس أيضا رغبة في الدمج بين الارتباط الديني الحامل لقيم الستر والعفة والحشمة من جهة، والارتباط بروح العصر الحاملة لقيم الموضة والمظهر والجمال من جهة أخرى، وهو ما يعطي خليطا هجينا غالبا ما يجسد صعوبة في خلق الانسجام بين المرجعيتين، ويحيل مجددا إلى الارتباك والفوضى في القيم التي أصبحت تتميز بالسيولة والتعدد والتداخل. فحرية اللباس والقدرة على اختيار الشكل والنوع المناسب لكل شخص توصل رسالة مفادها عدم الإذعان كلية للإسلام كنمط شمولي في اللباس “الشرعي”، ولا للحداثة كفكر يدعو للعقلانية والانفصال عن كل ما هو غيبي.

وبهذا الصدد، يمكن استحضار دراسة الأستاذ ادريس بنسعيد سنة 2007 بعنوان “الشباب والحجاب في المغرب”[12] التي خلصت إلى أن الحجاب هو في الحقيقة حجابات كما أن الحداثة حداثات، سواء من الناحية الشكلية كما أشرنا إلى ذلك سابقا أو من الناحية الرمزية، حيث تتعدد تبريرات ارتداء هذا اللباس كما أشار إلى ذلك العديد من الشباب المستجوبين حيث صرحوا أنهم لا يرون فيه رمزا دينيا أو انتماء إيديولوجيا بالضرورة، بل لباسا يخضع كغيره للكثير من إكراهات الموضة والواقع خاصة في ظل الجهل بالمقتضيات الشرعية ومقاصد ارتداء الحجاب. وفي هذا الإطار، سجلت دراسة “الإسلام اليومي” أن معظم المستجوبات كشفن عن ضعف في معرفة النصوص المؤطرة للباس “الإسلامي” وشروطه، وهو ما يعتبر مؤشرا على تراجع المعرفة الدينية بخصوص الحجاب وبالتالي التأثر بموجة العولمة وما تحمله من مظاهر الغزو الثقافي والاستهلاكي الغربي، وبذلك يمكن القول أن الحجاب، إلى حد كبير، قد تم إفراغه من حمولته الدينية والأخلاقية وأصبح لباسا يتم ارتداؤه لأسباب وغايات متعددة ومركبة.

تجدر الإشارة هنا إلى البعد الاقتصادي والاستهلاكي لأنماط التحجب حيث أن المسلمين المتدينين لم يسلموا من موجة القيم الاستهلاكية، لكن هذه المرة بنكهة دينية، كما يشير إلى ذلك الباحث السويسري باتريك هاييني في كتابه “إسلام السوق” وفيه يذكر أنه “لا يجب أن ننشد الفضائل المطلقة من منطلقات دينية، ولكن عبر بيعها من خلال فاعليتها الاجتماعية”[13]. وبهذا الصدد، يشرح كيف تم استخدام فكرة الاستثمار في كل ما هو ديني وتغليفه في قالب تسليعي وتسويقي بحيث يصبح بإمكان المتدين أن يجد منتوجه “الإسلامي” في تلائم مع قناعاته الدينية مثل المشروبات الحلال واللحوم الحلال والمكياج الحلال والأبناك الإسلامية والأغنية الإسلامية وحتى لباس البحر الإسلامي،

 وبهذا الشكل سيتأتى للمرأة المسلمة أن تلتزم بتعاليم الدين عبر لبس الحجاب وتواكب العصر أيضا عبر جعله متماشيا مع الموضة والظهور بشكل أنيق، رغم أن درجة الأناقة والجمال قد تصل أحيانا إلى لفت الانتباه وإثارة الفتنة وهو ما يعتبر مرفوضا في الإسلام ومقصدا أساسيا من مقاصد ارتداء الحجاب. وعموما، تستهدف عملية تسليع القيم الإسلامية الجمع بين المدنس الاجتماعي (التبرج، الربا…) مع المقدس الديني تحت يافطة “الإسلامي الحلال”، في محاولة لإشباع النزعة الإستهلاكية للمسلمين من جهة والإحساس بالحداثة بدون تناقض مع الدين من جهة أخرى، أو هكذا يتم الاعتقاد.

بهذه الطريقة أصبح بالإمكان تلمس مظاهر التداخل بين الدين والحداثة والواقع في مسألة الحجاب، وهو ما يدل على وجود أزمة في الفكر وفهم للدين تمتد لتصبح أزمة في القيم. وعلى سبيل التعميم، فإن المجتمع المغربي يعيش حالة من التصادم والتفاوض والتعايش بين قيم العصر والحداثة وبين قيم الماضي والتقليد بشكل تظهر معه العديد من الظواهر التي لم يألفها الجيل الماضي، وهو ما يمكن ملاحظته في التداخل والتضارب بين القيم والمرجعيات بشكل يفتقد إلى الوحدة والانسجام. وبهذا الصدد، يسجل العديد من الباحثين والسوسيولجيين أن محاولات التوليف والترميق(Montage et Bricolage) [14] التي يقوم بها العديد من الشباب والفتيات في المجتمع بين مبادئ الإسلام كمعايير فضلى ومثالية وبين متطلبات العصر كحاجيات تستدعي سلوكات ومواقف مغايرة، تخلق نوعا من التوتر والحيرة واللامبالاة في صفوف الشباب تعبر بشكل كبير عن وجود توجه عام نحو الانتقاء والاختيار من سوق القيم والمرجعيات ما يلائم الحاجات والمستجدات.

خاتمة

على سبيل الختم، يمكن القول أن مسألة الحجاب، سواء في الخطاب الإسلامي المعاصر أو في التوجهات القيمية المجتمعية، أصبح يميل أكثر فأكثر إلى الانفلات من قبضة التنميط والأدلجة في اتجاه مزيد من التنوع والتعويم. وقد عبر عن ذلك تيار  “الما بعد إسلاموية” من خلال إبداء استعداد أكبر للتفاوض مع متطلبات العصر، وكذلك مفهوم “التوليف والترميق” الذي أصبح يتيح للشباب إمكانية الانتقال بحرية عبر المرجعيات والقيم بما يخدم المصالح والمستجدات، وهو ما خلق “أزمة هوية وقيم” تتجسد في صعوبة تحقيق انسجام بين المدنس والمقدس كما حاول مفهوم “إسلام السوق” الجمع بينهما في قالب تجاري تسليعي.

قائمة المراجع :

  1. ادريس بنسعيد. الشباب والحجاب في المغرب:  دراسة سوسيولوجية. الجمعية الديمقراطية لنساءالمغرب. 2007
  2. انظر الرابط: http://www.alyaoum24.com/1197550.html
  3. انظر على سبيل المثال لتقرير المسح العالمي للقيم (موجة 2010 – 2014) ولتقرير مركز كالوب حول المرأة في العالم الإسلامي 2006
  4. ثريا نصر، تاريخ أزياء الشعوب، عالم الكتب، القاهرة، ط 2، 2007،
  5. زيجمونت باومان. الحداثة السائلة. ترجمة حجاج أبو جبر وتقديم هبة رؤوف عزت. الشبكة العربية للأبحاث والنشر. بيروت. 2016
  6. السيد عبد الفتاح عفيفي،الأبعاد الاجتماعية والثقافية والدينية لعودة ظاهرة الحجاب، في كتاب دراسة المشكلات الاجتماعية، إشراف محمد الجوهرى، دارة المعرفة الجامعة، الإسكندرية، 1993
  7. عبد الرحيم العطري. “احتمالات التحول القيمي: صيغ التفاوض والترميق (البريكولاج)”.مداخلة تم إلقاؤها في الندوة التي نظمتها مؤسسة مؤمنون بلا حدود تحت عنوان: “التحولات القيمية بالمغرب” بتاريخ 20 دجنبر 2014 بقاعة صالون جدل الثقافي بحي أكدال مدينة الرباط – المغرب
  8. كفاية سليمان، ميراهان فرج، فلسفة الأزياء من منظور النقد الفني، عالم الكتب، القاهرة، ط1، 2009،
  9. Hassan, Rachik [et al.] (2007). L’islam au quotidien: Enquête sur les valeurs et les pratiques religieuses au Maroc. Casablanca: Editions Prologues.
  10. Leila Ahmed: A Quiet Revolution: The Veil’s Resurgence, from the Middle East to America, YaleUniversity Press, 2012

  11. Patrick Haenni.L’Islam de marché.Seuil/République des idées, Paris. 2005
  12. Pew Forum on Religion and Public Life. “The World’s Muslims: Religion, Politics and Society”. (2013). Available at http://www.pewforum.org/files/2013/04/worlds-muslims-religion-politics-society-full-report.pdf. Accessed on 01 April 2019

9.        Asef Bayat, “Post-Islamism at Large” In Post-Islamism: The Changing Faces of Political Islam. (New York, Oxford University Press. 2013

[1] كفاية سليمان، ميراهان فرج، فلسفة الأزياء من منظور النقد الفني، عالم الكتب، القاهرة، ط1، 2009، ص 244

[2]  ثريا نصر، تاريخ أزياء الشعوب، عالم الكتب، القاهرة، ط 2، 2007، ص 13

[3] السيد عبد الفتاح عفيفي، الأبعاد الاجتماعية والثقافية والدينية لعودة ظاهرة الحجاب، في كتاب دراسة المشكلات الاجتماعية، إشراف محمد الجوهرى، دارة المعرفة الجامعة، الإسكندرية، 1993

[4] Leila Ahmed: A Quiet Revolution: The Veil’s Resurgence, from the Middle East to America, Yale University Press, 2012

[5] كفاية سليمان، ميراهان فرج، فلسفة الأزياء من منظور النقد الفني، عالم الكتب، القاهرة، ط1، 2009

[6] Hassan, Rachik [et al.] (2007). L’islam au quotidien: Enquête sur les valeurs et les pratiques religieuses au Maroc. Casablanca: Editions Prologues.

[7] Asef Bayat, “Post-Islamism at Large” In Post-Islamism: The Changing Faces of Political Islam. (New York, Oxford University Press. 2013

[8]انظر الرابط: http://www.alyaoum24.com/1197550.html

[9] زيجمونت باومان. الحداثة السائلة. ترجمة حجاج أبو جبر وتقديم هبة رؤوف عزت. الشبكة العربية للأبحاث والنشر. بيروت. 2016

 [10]انظر على سبيل المثال لتقرير المسح العالمي للقيم (موجة 2010 – 2014) ولتقرير مركز كالوب حول المرأة في العالم الإسلامي 2006

[11] Pew Forum on Religion and Public Life. “The World’s Muslims: Religion, Politics and Society”. (2013). Available at http://www.pewforum.org/files/2013/04/worlds-muslims-religion-politics-society-full-report.pdf. Accessed on 01 April 2019

[12] ادريس بنسعيد.  الشباب والحجاب في المغرب:  دراسة سوسيولوجية. الجمعية الديمقراطية لنساءالمغرب. 2007

[13] Patrick Haenni.L’Islam de marché.Seuil/République des idées, Paris. 2005

[14]عبد الرحيم العطري. “احتمالات التحول القيمي: صيغ التفاوض والترميق (البريكولاج)”.مداخلة تم إلقاؤها في الندوة التي نظمتها مؤسسة مؤمنون بلا حدود تحت عنوان: “التحولات القيمية بالمغرب” بتاريخ 20 دجنبر 2014 بقاعة صالون جدل الثقافي بحي أكدال مدينة الرباط – المغرب


Updated: 2019-07-01 — 16:03

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme