علم اجتماع النص الأدبي: مفاهيم نظرية وأدوات منهجية / صالح أحمد


علم اجتماع النص الأدبي: مفاهيم نظرية وأدوات منهجية

صالح أحمد ـ أستاذ مشارك جامعة عدن/ اليمن

  مقال نشر في مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية العدد 43 الصفحة 9.

                                                                           

ملخص الدراسة:

تسعى هذه الدراسة إلى تحديد أهم المفاهيم النظرية وعرضها والخطوات المنهجية التي يرتكز عليها علم اجتماع النص في تحليله للنصوص الأدبية والنظرية, بوصفها رؤية نظرية ومنهجية جديدة في تحليل العلاقة بين النص والمجتمع تنطلق من منظور اجتماعي لغوي.

الكلمات المفتاحية : علم اجتماع النص, مفاهيم نظرية, خطوات منهجية.

 

Sociology of Text : Theoritical Concepts and Methodological Tools

Study Summary:

This study seeks to identify and present the most important theoritical concepts and methodological steps on which the sociology of text is based in its analysis of literary and theoritical texts as a new theoritical and methodological vision in the analysis of the relationship between text and society. Starting from asocial and lingwstic.

Key Words: Sociology of text, theoretical concepts, methodological steps.

 

 

 

   

أولاً: الإطار المنهجي:

 1- المقدمة وأهمية الدراسة:

ظلت إشكالية العلاقة بين الأدب والمجتمع محور جدال واختلاف, باختلاف آراء المفكرين والباحثين والنقاد منذ عصر أفلاطون, و قبل ظهور مصطلح علم الاجتماع بزمن طويل, واستمرت هذه الإشكالية عبر العصور إلى عصرنا هذا (( ومنذ إنشاء الجامعات الحديثة في أوربا وظهور علم الاجتماع, تم فتح فروع جديدة في علم الاجتماع ومنها فرع خاص بالأدب والنقد, هو علم اجتماع الأدب الذي أصبح اسمه مألوفاً لدى قراء كثيرين))([1]).

وإذا كان علم الاجتماع من العلوم الحديثة, وعلم اجتماع الأدب علماً جديداً في ميدان علم الاجتماع ما زال في طور النشأة والتكوين, فإن علم اجتماع النص لم يكتمل بعد وهو في تطور مستمر, وقد حاول الفرنسي بيير زيما (Pierre Zima) منذ السبعينيات إلى الآن تحديد مفاهيمه النظرية وأدواته المنهجية الجديدة وتطبيقها على نصوص أدبية, كما يحلم علم اجتماع النص بحسب زيما إلى تطبيق مفاهيمه وأدواته المنهجية على نصوص فلسفية ودينية وتجارية, الخ([2]).

ظل علم الاجتماع والأدب بعيدين عن بعضهما البعض إلى وقت قريب نسبياً, ومن هذا التباعد التعارض بين المدخل الفردي الخاص بعلم النفس والتحليل النفسي من جانب, والمدخل الجماعي لعلم الاجتماع من جانب آخر, وهذه الاشكالية مازالت بارزه في النقد الحديث إلى الآن, يحاول علم اجتماع النص تجاوزها من خلال الجمع بين المدخل الاجتماعي ومدخل التحليل النفسي يتجه بهما إلى الوضع الاجتماعي اللغوي, اللهجة الجماعية والبنى الدلالية والسردية للنص التخيلي([3]).

وبعد إزالة الحواجز بين العلوم الاجتماعية عبر الدارسون الجدد فيما بين التاريخ والأنثروبولوجيا والفن والسياسية والأدب والاقتصاد وتمت الإطاحة بقاعدة التخصص التي كانت تحرم على العلوم الإنسانية التعامل مع أسئلة السياسة والسلطة مما هو في صلب حياة الناس مما أغضب حراس المؤسسة وأثار موجة من التصدي للتاريخانية الجديدة ومصادر التأثير فيها([4]).

ومع الإقدام على إزالة الحواجز التقليدية بين علم الاجتماع والأدب, جاءت الدعوة إلى تخصص جديد يحمل اسم علم اجتماع الأدب كميدان جديد من ميادين علم الاجتماع يعد أحد الملامح المميزة للاهتمام بهذا العلم من خلال تزايد اهتمام الباحثين في علم الاجتماع منذ عقد الستينيات([5]).

وقد كانت هناك محاولات كثيرة لتحليل الأشكال الأدبية في إطار سياق اجتماعي, ولكن أغلبها كانت تنطلق من معطيات الفلسفات الوضعية والمادية التي ترى في الأدب تصويراً للواقع أو انعكاساً له([6]), إلا أن علم اجتماع النص بحسب زيما يرى أنه لا يمكن وصف علاقة النص بالمجتمع, بالاعتماد على هذه الأفكار الناجمة عن المطابقة أو التشابه غير المقنع الذي يختزل النصوص بأفكار مفهومية لا يمكن التحقق منها([7]). إن علم اجتماع النص يركز على مسألة ما إذا كان من الممكن وصف العلاقة بين النص الأدبي وسياقه الاجتماعي على المستوى الأمبريقي. ولا يتحقق وصف كهذا إلا إذا ظهر الأدب والمجتمع في منظور لغوي([8]).

 ومن هذا المنطلق تأتي أهمية الدراسة كونها طرقت باباً جديداً من موضوعات علم الاجتماع المتعلق بسوسيولوجيا النص الذي يتجاوز في أطروحاته النظرية والمنهجية مفاهيم ومناهج علم اجتماع الأدب وبخاصة الدراسات التقليدية التي تتجه نحو المطابقة المباشرة ( الانعكاس والتشابه) بين مضامين النص الأدبي والوقائع الاجتماعية من خلال التركيز على المعطيات الخارجية, المرجعية والتوثيقية, وإهمال البنى النصية: الدلالية والسردية التي أعطاها علم اجتماع النص أهميتها في تحليل النصوص.

كما تكمن أهمية الدراسة من خلال إظهار أهم المفاهيم النظرية التي يرتكز عليها علم اجتماع النص التي تشكل في تداخلها وترابطها أدوات منهجية لتحليل النص الأدبي. هذه المفاهيم النظرية تعد تمهيداً نظرياً تساعد الباحث الاجتماعي المهتم بسوسيولوجيا النص للانتقال إلى تطبيق مفاهيم ومنهج وأدوات علم اجتماع النص على نصوص أدبية, رواية أو مسرحية أو غيرها.

2- أهداف الدراسة:

تسعى هذا الدراسة إلى تحقيق الأهداف الآتية :

  • إبراز أهم المفاهيم النظرية والخطوات المنهجية التي يرتكز عليها علم اجتماع النص في تحليل النصوص الأدبية.
  • التعرف على رؤية جديدة مختلفة في تحليل العلاقة بين المجتمع والنص (طورها بيير زيما) تنطلق من منظور اجتماعي لغوي.
  • لفت انتباه الباحثين الاجتماعيين إلى موطن خصب لتوسيع مجال الدراسات الاجتماعية, من خلال دراسة الوقائع والصراعات الاجتماعية في النصوص الأدبية من منظور اجتماعي لغوي.

3- منهج الدراسة:

سوف تستفيد هذه الدراسة من المنهج الوصفي التحليلي لوصف أهم المفاهيم النظرية التي يرتكز عليها علم اجتماع النص, وتحليلها إلى عناصر محددة, مع الاستفادة من المنهج السوسيولوجي في الكشف عن المفاهيم السيميوطيقية التي لها أبعاد اجتماعية, والإشارة إلى بعض تطبيقات مفاهيم  علم اجتماع النص وأدواته في تحليلات نصوص أدبية كلما أمكن ذلك لأنها ما زالت محدودة جداً ومحصورة في النص الروائي.

4- مفاهيم الدراسة:

أ- علم الاجتماع:

تعددت تعريفات علم الاجتماع بتعدد الفروع والمدراس واتجاهاتها العلمية والمنهجية, ولسنا هنا بصدد عرض تعريفات علم الاجتماع بقدر ما نحن بحاجة إلى تعريف يشمل أغلب مواضيع علم الاجتماع, ولهذا يمكن تعريف علم الاجتماع بأنه العلم الذي يهتم بدراسة المواضيع الآتية:([9])

  • دراسة مكونات المجتمع والثقافة.
  • دراسة الوحدات الأساسية للحياة الاجتماعية مثل (الأفعال والعلاقات الاجتماعية, الشخصية الاجتماعية, الجماعات, التنظيمات, المجتمعات المحلية).
  • دراسة النظم الاجتماعية الأساسية مثل ( النظام الأسري, النظام الاقتصادي, النظام الديني, النظام التربوي, النظام الترفيهي).
  • دراسة العمليات الاجتماعية مثل ( التدرج الطبقي, التعاون, التوافق, المماثلة, الصراع, التنشئة الاجتماعية, الاتصال, الضبط الاجتماعي, الانحراف الاجتماعي, التغير الاجتماعي).

ومن الصعب أن يلم ويتخصص عالم الاجتماع في كل هذه الموضوعات, ولكن يتخصص في موضوع أو أكثر. ومن فروع علم الاجتماع, الآتي: ( علم الاجتماع النظري, علم الاجتماع التطبيقي, علم الاجتماع الريفي, علم الاجتماع الحضري, علم الاجتماع السياسي, علم الاجتماع الصناعي, علم الاجتماع التاريخي, علم الاجتماع التربوي, علم الاجتماع القانوني, علم الاجتماع الديني, علم الاجتماع الأسري, علم الاجتماع الطبي, علم الاجتماع المهني, علم الاجتماع الفني , علم الاجتماع الأدبي,… الخ) ([10]).

ب- النص:

 تعددت الآراء وتباينت حول النص ونظرية النص, وحسبنا تقديم مفهوم للنص من وجهة نظر علم اجتماع النص, وقد وجدنا ذلك فيما قدمه سعيد يقطين, إذ استلهم في تحديده للنص آراء كرستيفا وبيير زيما وهليداي وغيرهم, وخلص إلى أن النص (( بنية دلالية تنتجها ذات ( فردية أو جماعية) ضمن بنية نصية منتجه وفي إطار بنيات ثقافية واجتماعية محددة))([11]), ونقصد بالنص أي نص مكتوب ذا بعد معرفي قابل للمقاربة والتحليل السوسيو نقدي بغض النظر عن نوعه وأسلوبه.

ج- علم اجتماع النص:

علم اجتماع النص الذي يتطلع إليه النقاد الاجتماعيون المحدثون – وبخاصة بيير زيما – هو العلم الذي يهتم بمسألة معرفة كيف تتجسد القضايا الاجتماعية في المستويات الدلالية والسردية للنص, وليس النص الأدبي فحسب بل يتجاوز الاهتمام إلى البنى اللغوية ( الخطابية) للنصوص النظرية والأيديولوجية و غيرها, فعلم اجتماع النص بوصفه علم اجتماع نقدي يسعى إلى تحديد علاقة الخطاب بين النظرية والأيديولوجية, وبين النظرية والتخييل, وهو في الوقت نفسه نقد للخطاب الذي تتعدى اهتماماته ومشاغله المجال الأدبي, كما أنه يتجاوز كونه مجرد منهجية في تحليل النصوص أو تقنية ذات مردود فكري إلى كونه نقداً للمجتمع([12]).

د- المفاهيم النظرية والأدوات المنهجية لعلم اجتماع النص:

 هي تلك المفاهيم والأدوات التي يرتكز عليها علم اجتماع النص التي بلورها الباحث الفرنسي بيير زيما في أبحاثه وكتاباته منذ السبعينيات إلى الوقت الحاضر, وسنقوم بتحديدها وعرضها في مواضع لاحقه من دراستنا هذه بوصفها تشكل الهدف الرئيس لهذه الدراسة.

ثانياً: مقدمات علم اجتماع النص

تمتد جذور الاهتمام بالعلاقة بين الأدب و المجتمع إلى فترة تسبق نشأة علم الاجتماع, بل قبل وضع أوجست كنت لمفهوم علم الاجتماع وتحديده, أي منذ افلاطون.

فعلم الاجتماع والأدب نسقان من أنساق المعرفة, وإن اختلف كل منهما عن الآخر, ولكن ثمة عامل مشترك يجمع بينهما, فالاهتمام بعلاقة الأدب بالمجتمع يعني إقامة الجسور بينهما والاعتراف بالتداخل والعلاقة المتبادلة بين الأدب والمجتمع([13]). وتتبع العلاقة بين الأدب والمجتمع أمر يطول الحديث عنه ويحتاج إلى مؤلفات وحسبنا هنا عرض بعض الأفكار التي ساهمت في ظهور علم اجتماع النص.

يرى بيير زيما أن علم الاجتماع قد سعى- منذ نشأة الماركسية وعلم اجتماع المعرفة الذي أسس له كارل مانهايم (Karl Mannheim) فيما بين الحربين العالميتين- إلى تفسير النصوص السياسية والفلسفية والأدبية بالنظر إلى سياقاتها الاجتماعية, ولعل كثيراً من الآراء مهد الطريق لعلم اجتماع النص, على سبيل المثال النقد الذي وجهه ماركس للفلسفة الهيجلية, والتصور المحافظ الذي أورده كارل مانهايم الذي ينطوي على ما دعاه (( إعادة بناء النظرة إلى العالم من الوجهة الاجتماعية))([14]). وكان جورج لوكاش قد طرح بدوره المسألة عينها, ولا سيما الصلة بين الأفكار السياسية والفلسفية أو الجمالية وبين المجتمع الذي أوجدها([15]).

أما لوسيان جولدمان فخلص إلى افتراض تناظرات بنيوية ما بين الأعمال الفلسفية أو الأدبية وبين بعض من (( رؤى العالم)) مثل (( الجنسينية المأساوية)) التي أقام بينها وبين أفكار الفيلسوف الفرنسي باسكال, ومسرحيات راسين التراجيدية رابط انتماء إذ عدها تعبيرات متسقة تماماً مع هذه الرؤية للعالم, ودالة عليها([16]). ويرى جمال شحيد أن جولد مان يميز وجود ثلاث حلقات متكاملة, هي الطبقة الاجتماعية ورؤية, العالم, والأعمال الأدبية.

الطبقة الاجتماعية
رؤية العالم
الأعمال الأدبية

وتبدو رؤية العالم حلقة وسيطة بين الطبقة الاجتماعية والأعمال الأدبية. فالطبقة تعبر من خلال رؤيتها للعالم, وهذه الرؤية تعبر عن نفسها عبر العمل الأدبي. ويستنتج جولد مان أن مسرح راسين كان تعبيراً أدبياً للأيديولوجيا الجانسينية([17]).

وبحسب زيما فإن علم اجتماع (( المضامين)) الأدبية أغفل الإشارة إلى دور الكلام, والكلمة في الصنيع الأدبي, تمثلاً بعلم الاجتماع الماركسي ذي الأصول الهيجلية الذي أصر على اختزال النصوص إلى مجرد مفاهيم, وعلى استكشاف روابط متواطئة ما بين هذه المفاهيم وبين مراجعها الاجتماعية([18]).

وكان الشاعر الفرنسي مالا رمية (Mallarme) قد أشار إلى دور الكلمات في نظم الشعر قبل ظهور علم اجتماع الأدب من خلال رده على صديقه الفنان ديجا, الذي جهد في نظم السونيتات, والذي شكا له شح الأفكار في ذهنه, قائلاً ((… ليس بالأفكار تنظم الأبيات, ديجا (Degas), و إنما النظم يكون بالكلمات))([19]).

وبيير زيما يعتمد وجهة النظر المالارمية مع قلب المنظور من خلال التساؤل عن الطابع الألسني للأيديولوجيات والفلسفات والنظريات الاجتماعية, أو ليست هذه جميعاً مصنوعة من كلمات شأن الأبيات الشعرية التي أحال إليها مالارمية؟ ثم أن هذه الكلمات أليست بدورها مرتبطة ببنيات دلالية, تصير لها الأرجحية في صياغة المساقات الدلالية والسردية التي يتألف منها خطاب معين؟ ويشير زيما إلى أهمية هذه الاسئلة بالنسبة لعلم اجتماع النص([20]).

ويؤكد زيما أن الفضل في إقامة رابط ألسني بين الأدبي والاجتماعي يعود إلى الشكلانين الروس, ولاسيما تينيانوف (Tynianov) وزملاءه الذين بذلوا جهوداً جبارة لإيضاح الصلات بين الأدب والمجتمع, والمثال على ذلك ما أورده تينيانوف (( أن الحياة الاجتماعية تقيم علاقة ترابط مع الأدب من خلال المظهر اللغوي))([21]). وبناء عليه شرع زيما منذ أوائل السبعينيات في إعداد علم اجتماع النص تحقيقاً لهذا المشروع القديم الذي لا تأخذه الغالبية العظمى من علماء اجتماع الأدب باعتبارها أو هي لا ترغب في إحداثه([22]).

والواقع أن هذه العلاقة المتبادلة بين الأدب والمجتمع بحسب زيما إنما تقوم من خلال النشاط اللساني, وأن (( للأدب وظيفة كلامية فيما يخص الحياة الاجتماعية))([23]), ويأخذ زيما على الشكلانين الروس أنهم لم ينظروا إلى المجتمع أبداً على أنه مجموعة من اللغات الاجتماعية المتعددة الصوت والمتداخلة فيما بينها, أو المتناسقة تناسقاً شديداً يؤدي بها إلى التناحر والتصارع, وذلك رغم إنجازهم الكثير من الدراسات ولا سيما في الأدب الروسي, ولم يخطر في بالهم على الإطلاق أن للأيديولوجيا والنظريات طابعاً ألسنياً يقربها من النص الأدبي, فالأدب, إذ يستوعب الأيديولوجيات والنظريات, ويحاكيها طوراً ويحرفها تارة, فهو يعمد إلى ذلك بوصفها لغات, كما فعل جون بول سارتر مع الأيديولوجيات الإنسانوية التي راح يعارضها مستهزئا بها في كتاب الغثيان ([24]).

كما يعود الفضل في احداث علم اجتماع النص إلى ميخائيل باختين (Bakhtin) من خلال فكرته القائلة:    (( بأن غالبية ملفوظات الخطاب لا يمكن أن تدرك إلا في سياق حواري))([25]). لقد استطاع باختين أن يقدم فهماً مختلفاً للنص الروائي ينطلق من النظر إليه بوصفه شكلاً متميزاً عن غيره من الأشكال الأدبية, من حيث الطبيعة الحوارية والتعددية الصوتية التي تجسد الصراع الاجتماعي: صراع المصالح الجماعية للجماعات المختلفة, وصراع الايديولوجيات.

غير أن هذا الفهم الباختيني للنص الروائي المبني على نظرة ثاقبة لعلاقة الأدب بالمجتمع عبر نافذة اللغة, ظل مجهولاً لمدة طويلة من الزمن, ولم يجد من يتلقفه ويبني عليه تصوراً نظرياً ونقدياً لعلاقة الأدب بالمجتمع([26]), من خلال مظهرها اللغوي إلى أن جاء الباحث المفكر الفرنسي بيير زيما الذي استفاد من مفاهيم وأطروحات باختين, وأعاد صياغتها بمفاهيم وأطروحات نظرية ومنهجية جديدة تخدم مشروعه في إحداث علم اجتماع النص.

وبعد زمن طويل استعادت سيميائية جريماس (Greimas)  و برييتو (Prieto) و هاليداي (Halliday) وآخرين, الأطروحة الشكلانية السابقة, وأضافت إليها بعدها النظري. وعليه يرى زيما أنه بات ينظر إلى الفلسفات, والأيديولوجيات السياسية والنظريات العلمية على أنها لغات, شأن النصوص الأدبية.

وقد أتاحت لهم وجهة النظر (( النصية)) هذه أن يتبصروا في المجتمع على ضوء مظهره الكلامي, ومن دون أن يختزلوه في نصوص بذاتها. وعلى هذا الأساس فإن مصالح المجموعة أو الطبقة لم تعد مستبعدة وإنما صارت الآن محددة على المستوى اللساني والخطابي([27]).

وبالعودة إلى نظرية جريماس فيما يخص مصطلح العوامل([28]) في الخطاب: العامل الذات, العامل المعاكس للذات, العامل الموضوع, العامل المرسل, العامل المعاكس المرسل, العامل المساعد, العامل المعارض. فإنها تمثل أدواراً اجتماعية يعكس توزعها تراتيبات اجتماعية بينة.

إن ما يستحق الاهتمام من وجهة نظر علم اجتماع النص بحسب زيما, هو الفكرة التي طرحها جريماس و وافقه عليها بريتيو, ومفادها أن البنى الدلالية الكامنة خلف الخطب هي التي تنطوي على المصالح الجماعية, وفي الوقت نفسه تحدد الاتجاه العام لمسار النص السردي([29]).

وكان هاليداي قد لخص مشروعه لقيام علم اجتماع النص بوصفه سيمياء اجتماعية, إذ نوه إلى نظير جريماس بأولية المخطط الدلالي والتنظيم الاستبدالي للمباشرة بأي تحليل اجتماعي([30]).

وكان جريماس قد استخدم مفهوم اللهجة الجماعية وعدها لغات مختصة وربطها بمجموعات سيمائية([31]), ولكن زيما يرى أن اللهجة الجماعية تتعدى كونها لغات مختصة على غرار اللغة التقنية أو العلمية, واللهجة الجماعية بحسب زيما تشكل ذخراً على الصعيد المعجمي والدلالي, والسردي تتيح لفريق اجتماعي أو لفرق عدة  متقاربة النسب أن تطرح مصالحها وتجسدها من خلال الخطاب([32]).

وقد استفاد الباحث الفرنسي بيير زيما من مفاهيم مناهج لسانية ونقدية مختلفة من خلال إدماجه بعضاً من عناصر اتجاهين نقديين هما السيميائية, وعلم الاجتماع أفضى به إلى علم اجتماع النص الذي عمل فيه منذ السبعينيات ولا يزال يعمل على بلورة مفاهيم وأدوات منهجية جديدة قادرة على وصف العلاقة بين الأدب والمجتمع دون التضحية بأحدهما لصالح  الآخر.

ومن أجل استكمال الوصف الاجتماعي للآليات النصية ( الدلالية والسردية) يرى زيما ضرورة تصوير العالم الاجتماعي بمجموعة من اللغات الجماعية. ثم الانطلاق من الفرضية الأساسية لعلم اجتماع النص القائلة بأن اللغات الجماعية تستوعبها وتحولها النصوص الأدبية التي تؤدي فيها هذه اللغات دوراً هاماً.

وفي هذه الحالة يجب التركيز على مسألة ما إذا كان من الممكن وصف العلاقة بين النص الأدبي وسياقه الاجتماعي على المستوى الأمبريقي. ولا يتحقق وصف كهذا بحسب زيما إلا إذا ظهر الأدب والمجتمع في منظور لغوي([33]).

ويرى عبد المغني دهوان أن ما يميز عمل بيير زيما عن أعمال سابقية هو حرصه على التعامل مع اللغة وحدها بوصفها المعطى المادي الوحيد ( القابل للدراسة) الذي يربط النص الأدبي بواقعه الاجتماعي. إذ مكنه ذلك من تجنب إقحام تصورات ومفاهيم نظرية – خارج نصية – غالباً ما تكون وليدة تصورات وأفكار الناقد, ولا علاقة لها ببنية النص الأدبي, وهذا ما كان يحدث عادة في الدراسات السابقة. وليس المقصود بالاعتماد على اللغة – في منهج زيما – وصف بنيتها الساكنة كما يتم في الدرس الألسني و الأسلوبي, و إنما النظر في طبيعتها المتغيرة في الواقع الاجتماعي والتاريخي, وكيفية تمثيلها لمصالح جماعات متصارعة عبر لهجات جماعية مختلفة تخص تلك الجماعات, ثم النظر في كيفية استيعاب النص الأدبي لتلك اللهجات وطريقة ظهورها في البنيات النصية المختلفة, ويتم ذلك بتوظيف مفاهيم سيميوطيقية ذات أبعاد اجتماعية, ضمن حركة جدلية([34]), وهذه المفاهيم السيميوطيقية الاجتماعية هي المفاهيم التي يرتكز عليها علم اجتماع النص التي سنحددها ونعرضها في الصفحات التالية من دراستنا هذه بوصفها أهم أهداف الدراسة.

ثالثاً: مفاهيم علم اجتماع النص

إن مفاهيم العلوم الإنسانية ومنها مفاهيم علم اجتماع النص, ليست لها تعاريف مقننة ومتفق عليها, بوصفها مفاهيم إنسانية اجتماعية تتبدل وتتغير وتتطور بتطور العلوم الإنسانية ومناهجها وأدواتها التحليلية.

ولسنا معنيين بتتبع الأبعاد النظرية والفلسفية والتاريخية التي تتعلق بهذه المفاهيم, كما أننا لسنا معنيين بتبني أي من المفاهيم التي سنعرضها وتبريرها, وكل ما يهمنا بدرجة أساسية هو تقديمها كمفاهيم سيميوطيقية اجتماعية وهذا من شأنه أن يجردها من بعض الدلالات النظرية الفلسفية التي ترتبط بها في مجالات البحث الأخرى. هذه المفاهيم يمكن أن تظهر وتتجسد في البنى الدلالية والسردية للنصوص, معتمدين بدرجة رئيسة في عرض هذه المفاهيم على التصورات التي أنجزها الفرنسي بيير زيما في سعيه إلى إقامة علم اجتماع النص. ومن أجل زيادة الوضوح لمفاهيم علم اجتماع النص دعمنا بعض المفاهيم بأمثلة تطبيقية في تحليل نصوص أدبية.

1- الأدب:

من منظور علم اجتماع النص يعرف الأدب عن كونه نصاً متخيلاً, على أنه رد فعل تناصي على اللهجات الاجتماعية وعلى خطب وضعية اجتماعية لغوية, أما الكاتب أو الكاتبة فيتكونان بوصفهما ذاتاً تعتمد موقفاً خاصاً حيال الخطب التي تحيط بها والتي تنطق باسم مصالح جماعية من حيث كونها تحقيقاً للهجات اجتماعية خاصة([35]).

في علم اجتماع النص لا يمكن الاعتماد على المفهوم التقليدي للشكل الأدبي الذي اكتسب من قبل سمات مثالية وميتافيزيقية, بل يجب أن نتجاوز حدود الخطاب الجمالي إلى تقديم المستويات النصية المختلفة بوصفها بنى لغوية واجتماعية في الوقت نفسه ذات علاقات جدلية, بحيث يمكن الإجابة عن السؤال: كيف يتفاعل النص الأدبي مع المشكلات الاجتماعية والتاريخية على مستوى اللغة. وهذه نقطة البداية لعلم اجتماع النص([36]).

2- النص الأدبي:

هو بنية مستقلة وإن كانت لا تعكس الواقع ( بحسب قوانين محاكاة واقعية ما) فهي تتفاعل مع مختلف لغاته, والنص الأدبي لن يتماهى مع أي كلام, إلا أنه يعكس الخطب واللهجات الاجتماعية التي تحيط به. لأنه يتفاعل معها ويمتصها ويتأثر بها, يتبناها أو ينقدها ويعارضها.

والنص الأدبي يمثل أكثر من أي نص أخر التفاعل ما بين اللهجات الاجتماعية من حيث هو أنواع الكلام الجماعية, فالنص الأدبي وحده قادر على إظهار التفاعل ما بين انواع الكلام الجماعية من خلال التناص([37]).

3- المجتمع:

هو عبارة عن مجموعة من الجماعات الاجتماعية المتعددة والمتداخلة فيما بينها أو المتعادية بشكل ما, يمكن للغاتها ( لهجاتها الاجتماعية) أن تدخل في صراع مع بعضها البعض, ولا يعني تبني منظور كهذا هو في الوقت نفسه اجتماعي وسيميوطيقي أن نقبل اختزال الوقائع الاجتماعية والذوات الاجتماعية (جماعات) إلى ظواهر نصية. بل العكس يجب وضع علاقات وثيقة بين المجتمع والنص مع إظهار المصالح والمشاكل الجماعية على المستوى اللغوي.

وهذا التصوير هو الذي يسمح في النهاية, بوضع الأدبي في ترابط مع الاجتماعي. دون اللجوء إلى مفاهيم قبل سيميوطيقية مثل المحتوى الاجتماعي أو رؤية العالم([38]).

ومن الملاحظ أن علم اجتماع النص يسعى إلى ملاءمة النص مع المجتمع بتوسيط من البنى اللغوية, أي أن المجتمع معطى لغوي, والقيم الاجتماعية والثقافية لا تستقل عن التغيرات اللغوية.

4- أزمة القيم:

تنشأ أزمة القيم في المجتمع في ظروف خاصة, ففي الوضع الاجتماعي الخاص بالنظام البرجوازي يمكن ان نتحدث عن أزمة قيم تتضح من خلال التناقضات بين الرأسمالية والاشتراكية وبين المسيحية والإلحاد … الخ. كيف تحدث أزمة القيم على المستوى التاريخي والاجتماعي؟ لقد قدم دوركايم شروحات ممكنة في نظريته تقسيم العمل من خلال تأكيده أن القيم ونظم المعايير يمكن أن تتغير بسرعة في مجتمع يتسم بتقسيم العمل وتخصص متزايدين. إن زوال مهنة من المهن ( الإسكافي, صانع القدور) يمكن أن يتسبب في اختفاء أخلاقيات بكاملها تخص مهنة معينة ونظام بأكمله من المعايير, ويطلق دوركايم لفظ اللامعيارية على ذلك الوضع الذي تتغير فيه سلالم القيم والمعايير وتصبح غير قادرة للتعريف([39]).

كما يشير زيما إلى تغير آخر محتمل لإحداث أزمة القيم تقدمه نظرية ماركس التي تنطلق من فكرة أن قيم الاستعمال في المجتمع البرجوازي أو الرأسمالي (بعد الاقطاعي) القيم الكيفية والمادية والمعرفية والأخلاقية أو الجمالية, تخضع لقوانين السوق والقيمة الوحيدة التي تحكم هذه القوانين هي قيمة التبادل.

ففي مجتمع السوق, يميل الأفراد إلى عدم الاهتمام بالصفات الفيزيقية والجمالية والمعنوية للشيء ويميلون إلى قيمته التبادلية هذه القيمة تحددها بالكامل آليات العرض والطلب.

وفي سياق ثقافي تسوده قيمة التبادل ( عبر قانون السوق) يصبح مهماً أن نقارن الصفات الأكثر تنوعاً وتعارضاً وتجتمع في السوق, وهكذا تصبح جميع القيم مشكوك فيها وبخاصة التعارض بين الكيف والكم الذي يميل لأن يفقد مصداقيته([40]). وما يهمنا هنا من هذا المفهوم هو ما يراه علم اجتماع النص في مفهوم أزمة القيم وكيف دراسته في نص أدبي أو غيره.

ويرى زيما أنه من المهم في إطار علم اجتماع النص تقديم أزمة القيم كظاهرة لغة, وإظهار أن وجود القيم الاجتماعية والثقافية لا تستقل عن التغيرات اللغوية, والتحليل اللغوي لمسألة القيم يسمح – وحده- بدراسة نص أدبي أو غيره والتساؤل حول ماهية المشكلات التي تسببها هذه الأزمة على المستويات الدلالية والسردية([41]).

5- اللامبالاة:

اللامبالاة منبثقة من اقتصاد السوق ومن توسيط قيمة التبادل وتقسيم العمل, من حيث كونهما مساراً معتمداً من أجل تثبيت التمييزية, وعلى هذا باتت كل القيم الاجتماعية والسياسية والدينية والأخلاقية أو الجمالية في قبضة هذه اللامبالاة التي يعرفها معجم السيميوطيقا بانها مفهوم محايد في مجموع الأحاسيس بين الغبطة والغم([42]).

 ويعرفها بيير زيما (( بأنها تبادلية للكلمات والقيم التي تعينها))([43]), وفي هذا الوضع السوسيولغوي على السواء يصير  التواصل الاجتماعي, القائم على القيم والتعارضات الدلالية المحددة( مثل : خير/ شر, بشاعة/ جمال, حرية/ عبودية, حقيقة/ كذب), عرضة للتساؤل والشك. وفي وضع اجتماعي لغوي حيث تتصارع تعريفات متناقضة حول (( الحقيقة)) أو (( الحرية)), يغدو صعباً بل مستحيلاً أن يتفاهم الناس فيما بينهم. وإزاء هذه الإشكالية التي تتسم بسمة التلاشي السريع للمعنى, تنادى أديولوجيون أفراداً وجماعات, التعبئة أفراد وجماعات للوقوف إلى جانب بعض الحقائق أو القيم التي اعتبرت إنها أبدية أو بدهية([44]).

ومفهوم اللامبالاة قريب من مفهوم الحدث الكرنفالي عند باختين, ولكن يرى زيما إن الازدواجية الكرنفالية يمكن أن تنشأ من التوسط عبر قيمة التبادل, وبالتالي يتعذر استنباط أشكالها الحديثة بشكل مباشر أو غير مباشر من الاحتفال الشعبي, ويصبح الكرنفال في حالة الثقافة والأدب الحديثين إشارة كنائية.

ويؤكد زيما أن هذه الاختيارات لا تعني رفضاً للمدخل الباختيني بل إعادة قراءته وتوسيعه على المستوى الاجتماعي([45]). ويمكن أن يتضح مفهوم اللامبالاة من خلال عرض نموذجين تحليليين على النحو الآتي:

من خلال تحليل بيير زيما لرواية ( الغريب) لكامو وجد أن الذوات وجدت في وسط تزعزعت فيه أسس الذاتية وكفت فيه الالتصاقات والتعارضات الدلالية عن المصداقية, وهذا ولد خطاباً لامبالياً يجمع سخرية واضحة بين كل التناقضات, تفقد فيه ثنائيات مثل ( الحب, الكراهية, العدالة, الظلم, الإخلاص, الخيانة… الخ) دواعي وجودها, فأصبحت الذات مشكوكاً فيها على مستوى الفعل وعلى مستوى التلفظ.

ووجد زيما أن الازدواج القيمي يولد موقفاً لامبالياً يتبناه الراوي تجاه القيم الثقافية وتجاه اللغة. كما أن اللامبالاة ترتبط ارتباطاً وثيقا بالازدواج الكرنفالي في عالم الرواية كما هو في الواقع السوسيولغوي.

وفي موقف كهذا يجعل من المستحيل اندماج الراوي (مرسو) في برنامج سردي إيجابي أو سلبي, وتظهر اللامبالاة بوضوح من خلال حوار بين مرسو ( الراوي) وقاضي الاستنطاق. إن لامبالاة ( مرسو) ليست ظاهرة منعزلة, ولكنها تبدو سمة لجزء هام من المجتمع الذي تجسده الرواية([46]).

ومن خلال تحليل عبد المغني دهوان لرواية ( طعم أسود رائحة سوداء) لعلي المقري, وجد أن العالم الدلالي للرواية ينبني على التعارض بين الازدواجية الدلالية واللامبالاة, وتظهر اللامبالاة في سلوك الشخصيات في الرواية مثل سلوك (عيشة) غير المبالي, كما تظهر في لغتهم حيث تكف الكلمات عن أداء معانيها, وقد تختزل إلى مساحاتها الصوتية مثل لفظ (أمبو) ومثل كلمات ( أمبوح, أمبوح).

وأمام ازدواجية وقمع الثقافة المهيمنة, يفقد الفرد هويته الإنسانية ويتحول إلى شيء أو لا شىء, وفرد قابل للتبادل ولامبال, وهذا ما يظهر في ألفاظ ( سرور) ( أنا قرطاس في الارض, انا حفنة تراب, أنا كومة قش, أنا حذاء مقطع مرمي في الطريق). ومثل هذا الفرد المختزل إلى شيء أو لاشيء لا يستطيع أن يتبنى خطاباً متجانساً يكون له على ضوئه برنامجاً سردياً معيناً, وهو حال جميع الشخصيات في الرواية بما فيها الراوي, كما تظهر الرواية ارتباط اللامبالاة بالازدواج الكرنفالي الذي يجمع المتناقضات ويوحدها, ويبرز كأداة نقدية تعارض الثقافة الرسمية السائدة من خلال الجمع بين المتناقضات ( المقدس, المدنس, السامي, الوضيع), ويظهر الكرنفال أيضاً من خلال عبارات وأوصاف تخص الخطاب الرسمي لوصف العضو الجنسي للرجل, أو التعبير عن الرغبة الجنسية, في مشهد غرائزي خال من أي دلالة إنسانية مثل وصف ( عيشه) للحرتوش([47]).

6- التناص:

يستخدم مفهوم التناص في علم اجتماع النص كمفهوم اجتماعي, ويظهر عالم التخييل في منظور علم اجتماع النص كعملية امتصاص من جانب النص الأدبي للغات الجماعية والخطابات الشفهية أو المكتوبة: التخييلية والنظرية والسياسية أو الدينية([48]), وقد رسمت كريستيفا خطوط هذه العملية من خلال ملاحظة كتبتها فيما يخص باختين (( يضع باختين النص داخل التاريخ و داخل المجتمع, المتصورين بدورهما كنصوص يقرأها الكاتب ويندمج فيها اثناء كتابتها))([49]).

والتحليل التناصي – بحسب زيما – ليس له أي علاقة بالدراسة الأمبريقية للاستشهادات المحصورة في التساؤل حول معرفة أية نصوص شفهية أو مكتوبة يمكن أن نجدها في العالم الأدبي, كما أن مفهوم التناص لا علاقة له بالمرة بتحليل بلاغي يستهدف (( تقنيات)) الكاتب, إن التحليل التناصي يجب أن يلقي الضوء على النص الأدبي في سياق حواري, أي بالمقارنة مع الأشكال الخطابية التي يتفاعل عن طريق استيعابها وتحويلها ومحاكاتها الساخرة… الخ, ذلك لأنه شرح أبنية النص الدلالية والسردية بدءاً من هذه الأشكال الخطابية([50]).

إذ ليس مفهوم التناص تصوراً درامياً يحل بديلاً عن النظريات الفقهية اللغوية ( المتوالية) للجزء المقتبس, وذلك أن نظرية الاقتباس لا تسعى إلى شرح العلاقة ما بين بنية الخطاب المقتبس عنه وبنية النص الأدبي الذي يستوعب هذ الخطاب, إن مفهوم الاقتباس تجريبي, بل أسمائي, في حين أن مفهوم التناص يستهدف البنى وتفاعلها في ما بينها([51]). والمثال الآتي يوضح ذلك:

فمن خلال تحليل بيير زيما لرواية رجل بدون صفات للكاتب موزيل, يرى أنها على مستوى التناص تستوعب وتحول وتنتقد اللهجات الجماعية الأيديولوجية المختلفة في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي. كما أنها محاولة لتجسيد خطابات ايديولوجية مختلفة معظمها يتم نقده وتقديمه بشكل ساخر مثل المحكيات الساخرة للخطابات الفاشية والكهنوتية والمحافظة والعلمية أو الاشتراكية, حتى الخطاب الفردي ( الليبرالي) الذي يستخدم كثيراً كنقطة ارتكاز للراوي يقدم أحياناً بشكل ساخر ونقدي([52]).

7- الوضع السوسيو لغوي:

من خلال مفهوم التناص يتضح أن النصوص الأدبية والدينية والتجارية والعلمية, لا تنتج في الفراغ أو في سياق سيرة مؤلفيها الذاتية. وإنما يبدي مؤلفوها بالتأكيد, أفراداً كانوا أم جماعات, بعض النوايا والأفكار والمصالح التي يتفاوت استخدامها من النصوص ذات الصلة. غير أن ما يبديه هؤلاء في خطبهم هو – دائماً – رد فعل أو إجابة عن خطب أخرى حاضرة أو ماضية سبق ذكرها أو تم انتقادها أو تم التهكم عليها أو التصرف بأجزائها وإعادة تركيبها.

واستناداً على أعمال باختين حول مبدأ الحوارية, وحول الصفة الاجتماعية والتاريخية المتغيرة للغة يعرف زيما الوضع السوسيو لغوي بأنه (( كوكبة تاريخية وحيوية من لغات تنطق كل منها بمصالح فئات خاصة, من خلال أحداث التفاعلات فيما بينها بطريقة اثباتية أو نقدية))([53]), وهذا التفاعل بين اللغات الذي ينتهي إلى تغيير اللغة ليس كياناً جامداً, إنما هو بنية مفتوحة متحركة.

وحيوية اللغة لا توجد فعلاً إلا بفضل الصراعات التي تتواجه فيها تجمعات اجتماعية الواحدة ضد الأخرى فتنطق كل منها بما يترجم عن مصالحها الاقتصادية أو الجمالية([54]).

إذن فاللغة تظهر في إطار علم اجتماع النص كنظام تاريخي يمكن أن نشرح تغيراته (اللفظية والدلالية والتركيبية) في ضوء الصراعات بين الجماعات ومن ثم بين لغات جماعية ( لهجات جماعية) ثم إخضاعها بشكل ما بوضوح للمؤسسة, وعندما نأخذ في الاعتبار الصفة التاريخية ( المتغيرة) والاجتماعية للغة فإننا نتحدث عن وضع سوسيولغوي([55]).

فمن خلال وضع النص في إطار الوضع السوسيولغوي الذي أنجز فيه يرى زيما في تحليله لرواية ( البحث عن الزمن الضائع) لبروست, أن الرواية تستوعب على مستوى التناص اللهجة الجماعية التي أطلق عليها حديث الصالونات, وهي لهجة الطبقات المرفهة في المجتمع الفرنسي مطلع القرن العشرين, وقد عمل على تحليل البنى السردية والدلالية في ضوء هذه اللهجة, التي كانت أحدى سمات الوضع السوسيولغوي في تلك المرحلة([56]). والأمثلة التحليلية الروائية الآتية توضح تفاعل النصوص مع الوضع السوسيولغوي:

وفي تحليله لرواية ( الغريب) لكامو, تبين له, عند تحديد الوضع السوسيولغوي, أن اللغة كانت تعاني في أربعينيات القرن العشرين من أزمة دلالية نتيجة صراع الأيديولوجيات, والتوسط عبر قيمة التبادل, وقد ظهر أثر ذلك بوضوح في البنيات الدلالية والسردية للرواية([57]).

ومن خلال تحليلات عبدالمغني دهوان لبعض الروايات اليمنية, ومن هذه الروايات, رواية (يموتون غربا) لمحمد عبدالولي, وروايتا ( طريق الغيوم) و ( عذراء الجبل) لحسين سالم باصديق, ورواية ( الرهينة) لزيد مطيع دماج, ورواية ( ركام وزهر) ليحيى الإرياني.

وجد دهوان أن هذه النصوص الروائية انتجت في مرحلة سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي, لهذا ركز تحليله على لغة تلك المرحلة. وقد رأى دهوان في تحديده للوضع السوسيولغوي أن مؤلفي النصوص عاشوا وضعاً استثنائياً على المستوى المحلي والاقليمي, اتسم بصراعات أيديولوجية وبروز نظم وقيم جديدة نتيجة التغييرات المتتالية في التكوينات السياسية والاجتماعية والاقتصادية, التي أدت إلى ظهور مفردات ودلالات لغوية وقيمية حديثة مثل ( الحرية , الاشتراكية, العدالة, المساواة… الخ), إلا أن الصراعات الايديولوجية وهيمنة قيم السوق أدت إلى تعدد دلالات هذه المفردات والقيم التي تمثلها, وافقدتها معانيها, وافقدت الخطابات التي تتبناها أنظمة تصديقها, كما أدى هذا الوضع السوسيولغوي إلى فقدان بعض القيم الأصيلة( بعض المسلمات الأخلاقية والدينية) لمعانيها ودلالاتها. وكانت نتيجة كل ذلك أن وجد الكتاب أنفسهم يعيشون وضعاً مزدوجاً قيمياً ودلالياً فقدت فيه الأسس التي كانت تستند عليها الهوية الفردية والجماعية, بسبب الصراعات, واخفاقات الخطاب الرسمي الوطني والقومي, وبفعل الهيمنة التدريجية لقيمة التبادل على حساب كل ما هو إنساني وطبيعي, ليس ذلك فحسب, بل إن الخطابات الأيديولوجية المهيمنة ظلت تمارس لغة أشبه بلغة الترويج التجاري لا تستند إلى أي أساس واقعي, وفي ظل وضع سوسيولغوي كهذا, شديد التباين والتناقض, جاء الانتاج الروائي للروايات المذكورة يجسد تفاعل الكتاب مع الوضع الذي يعيشونه, ولكن بطرق مختلفة, كان لها أثر واضح على المستويات الدلالية والسردية للنصوص, حيث أظهرت نصوصهم الروائية, أن كل كاتب يجسد مصالح جماعية وقضايا اجتماعية تهم الجماعة التي ينتمي إليها([58]).

8- اللهجة الجماعية:

يمهد زيما لهذا المفهوم في علم اجتماع النص بطرح النظرية الآتية:

(( اعتبار المجتمع كمجموعة جماعات متعارضة نسبياً حيث يمكن أن تتنازع لهجاتها))([59]), وهذا لا يعني اختزال الظواهر الاجتماعية والذوات الاجتماعية ( جماعات) إلى ظواهر نصية, بقدر ما يعني إقامة علاقة وثيقة بين النص والمجتمع عن طريق عرض المصالح والمشاكل الجماعية على المستوى اللغوي, وهذا التصوير – بحسب زيما- هو الذي يسمح في النهاية بوضع الأدبي في ترابط مع الاجتماعي دون اللجوء إلى مفاهيم لا يمكن التحقق منها أمبريقياً, مثل مفهوم المحتوى الاجتماعي أو مفهوم رؤية العالم, كما أن هذا التصوير يعطي مفهوم اللهجة الجماعية قيمة مركزية في أي تحليل سوسيونصي يهدف إلى ربط النص بسياقة الاجتماعي, لأن اللهجة الجماعية هي الرباط الجامع بين النص وبنياته وبين الوضع السوسيولغوي([60]).

يسمي زيما الكلام الذي تنطق به الجماعة في وضع سوسيولغوي لهجة جماعية, وكان جريماس أول من أدخل هذا المفهوم وقد عنى به (( كلاماً مهنياً مختصاً)) ولكن زيما اقترح توسيع نطاق دلالة هذا المفهوم إذ عرف زيما اللهجة الجماعية بأنها (( فهرس معجمي له شفرة, أو مبني بحسب قوانين التصاق وانظمة تصديق جماعي خاص)) ([61]).

وفي مكان آخر يعرف اللهجة الجماعية بأنها (( كوكبة مفتوحة من الخطب التي لا حد لها))([62]).

فاللهجة الجماعية لها ثلاثة أبعاد:

البعد الأول: الفهرس المعجمي الخاص بجماعة أو جماعات عديدة.

البعد الثاني: النظام الرمزي باعتباره أساساً للهجة الجماعية من حيث علم التصنيف.

البعد الثالث: البنى الخطابية أو التجسيد الخطابي التي يحققها أفراد بعينهم أو جماعات في اطار من لهجة جماعية معطاه يكون وجودها سابقاً الأفراد المتكلمين([63]).

وكما أشرنا سابقاً من خلال تحليل زيما لرواية ( البحث عن الزمن الضائع) لبروست, وجد أن الرواية تستوعب على مستوى التناص اللهجة الجماعية التي أطلق عليها حديث الصالونات, وهي لهجة الطبقات المرفهة في المجتمع الفرنسي في مطلع القرن العشرين.

وفي تحليل عبدالمغني دهوان لرواية ( الثائر الأحمر) لعلي أحمد باكثير, وجد أنها تستوعب عن طريق التناص أبرز اللهجات الجماعية التي كانت تتصارع في وضع الاربعينيات من القرن الماضي وتتفاعل معها, وتنتقد بعضها وتتبنى البعض الآخر, وتلك اللجهات هي : لهجة جماعية اشتراكية, ولهجة جماعية إسلامية, واللهجة الجماعية الخاصة بالجماعات المهيمنة ( الحكام, التجار, كبار الملاك), وهي لهجة شبه برجوازية تدور في معظمها حول المال والنقود([64]).

وفي تحليله لرواية ( ركام وزهر) ليحيى الإرياني وجد أن الرواية استوعبت اللهجة الجماعية الخاصة بالجماعات المهيمنة ( اللهجة المحافظة) والخطاب الأيديولوجي المنبثق عنها.

بينما استوعبت روايتا ( طريق الغيوم) و ( عذراء الجبل) لحسين سالم باصديق اللهجة الجماعية الخاصة بالجماعات المهيمنة ( اللهجة الاشتراكية) والخطاب الأيديولوجي المنبثق عنها([65]).

9- الأيديولوجيا:

الجدال الاجتماعي حول الأيديولوجيا طويل وغامض, ومتشعب إلى حد كبير. فقد تولد عنه عدد كبير من التعريفات التي تناولت الأيديولوجيا وحدها.

ولسنا معنين هنا بعرض التعريفات المختلفة لمفهوم الأيديولوجيا لأن اهتمامنا يركز على تعريف مفهوم الأيديولوجيا من وجهة نظر علم اجتماع النص الذي ينظر إليها من منظور سيميوطيقي اجتماعي.

يمكن تعريف الأيديولوجيا, بحسب زيما – بأنها تجسيد خطابي ( معجمي ودلالي وسردي) لمصالح جماعية معينة وبهذا الشكل فهي لا تتعارض مع العلم ولا مع الفلسفة. بقدر ما تظهر المصالح الجماعية لجماعة ما – عبر الالتصاق الدلالي وأنظمة التصنيف – في البنى السردية, سواء كانت أدبية أو فلسفية أو علمية, لأن الأيديولوجيا ملازمة لجميع النصوص([66]).

ويمكن التمييز بين الأيديولوجيا والنظرية النقدية, لا في إطار تفرع ثنائي ( ايديولوجيا/ نظرية أو ايديولوجيا/علم). ولكن بالمقارنة مع الموقف الذي تتبناه ذات التلفظ تجاه خطابها الخاص, وتجاه خطابات الآخرين وتجاه الواقع الأمبريقي, ومن المهم بعد ذلك تقديم الأيديولوجيا على المستوى اللغوي( الخطابي) ليس فقط من أجل تمييزها عن النظرية النقدية بل من أجل إمكانية وضعها في علاقة مع النص على مستوى التناص([67]), وبما أن الأيديولوجيا تجسيد خطابي فستكون أكثر وضوحاً من خلال عرضنا لمفهوم الخطاب.

10- الخطاب:

هو وحدة جملية تشكل بنيتها الدلالية جزءاً من شفرة تنطلق من لهجة جماعية يمكن لمسارها التركيبي أن يقدم بمساعدة نموذج فاعلي ( سردي)([68]).

ووفقاً لهذا التعريف يتم شرح البنية الفاعلية للخطاب على ضوء الاختيارات الدلالية لذات التلفظ, وهذه الاختيارات لا تكون ممكنة إلا في إطار شفرة تنتمي إلى لهجة جماعية, وقد نجد في إطار لهجة جماعية واحدة تباينات خطابية, أو خطابات تتعارض في بعض النقاط رغم أنها تنطلق من شفرة دلالية متجانسة([69]).

والخطاب يفكر في خصوصيته يتجنب التماهي الأحادي بالحوار: فهو يسعى إلى جعل الحوار المفتوح ممكناً مع الخطب ( اللهجات الجماعية) المتناحرة التي تولد مساراتها السردية ( مفاعيل من الواقع) متباينة. وأنه لمن الواضح على أن الخطاب (( المفتوح)) التأملي والحواري لن يقوى أبداً على التنصل من قبضة الأيديولوجيا الكاملة ولا من وعيها المزيف. وهو إذ يدافع عن ملاءمة وتصنيف معينين, ضد ملاءمة وتصنيف أخرين, يبدأ ميله الدائم إلى السيطرة, واليقينية الجامدة ولانحباس في الرأي, ولا نكاد نجد أي ( قطيعة اصطلاحية) بين الخطاب النقدي وخطاب الأيديولوجيا. ومع ذلك يبدو لي ( كلام زيما) أن اختلاف ما بين نمطي الخطاب, جوهري: فهو يكمن في الموقف الذي تعتمده الذات المتكلمة حيال عملها الدلالي والتركيبي والسردي, ولسوف نرى أن موقف الذات النقدية مختلف عن ذلك الذي اعتمدته الذات الأيديولوجية([70]).

ويمكن أن نميز بين الخطاب الأيديولوجي والخطاب النظري النقدي من حيث أن الخطاب الأيديولوجي هو أحادي   ( على صورة الحكاية الخرافية), وأن بنيته الدلالية والعاملية تستبعد الالتباس, والثنائية واللامبالاة, ثم أن الخطاب الأيديولوجي لا ينعكس على بنيته ولا على تكوينه التاريخي, بل إنه يقدم ذاته ويدرك نفسه على أنه خطاب عفوي وبديهي, ويرفض إخضاع ملاءمته وتصنيفاته ( نظام رموزه) ومجراه السردي للتفكير وللمناقشة النقدية.

وإذ يرفض الخطاب الأيديولوجي تحويل حادثه الاجتماعي ووظيفته حيال مصالحه إلى موضوع, فإنه يتماهى بمجموع مراجعه. وبناء على فعل التماهي هذا, الذي يحتكر فيه الخطاب تعريف (الواقع) نراه يستبعد الحوار المفتوح مع الخطب الأخرى لذا يعد أحادي الحوار. في حين أن الخطاب النقدي يقبل الثنائية بخلاف الخطاب الأيديولوجي, فالخطاب النقدي يرسم الترسيمة المانوية القائمة على التضاد الثنائي كما هو معروف من مثل البطل/ البطل السلبي, الخير / الشر, العادل / الظالم, الحقيقة / الكذب … الخ), بينما يجتهد الخطاب الأيديولوجي في التفكير بتكوينه التاريخي وخصوصيته الاجتماعية (اللهجة الاجتماعية) وملاءمتها وتصنيفاتها([71]). ويمكن أن يتضح مفهوم الخطاب من خلال النموذجين التحليليين الآتيين:

يرى دهوان أن العالم الدلالي لرواية ( الثائر الأحمر) لعلي أحمد باكثير يظهر تعارضاً بين خطابين أيدلوجيين, الخطاب الأيديولوجي الاشتراكي, والخطاب الأيديولوجي الإسلامي, وتنتقد الرواية الخطاب الاشتراكي وتتبنى الخطاب الإسلامي([72]).

ومن خلال تحليلنا للنص القصصي ( الجواد الذي فقد صوته) لأحمد علي الهمداني وجدنا أن السرد القصصي ينتقد خطابين أيدلوجيين, الخطاب الأيديولوجي التقليدي والخطاب الأيديولوجي الحداثي, ولكنه يتعاطف ويدعم النسق الخطابي القديم ( العربي) وبخاصة في مجال الأدب. كما ينتقد النص القصصي خطابين آخرين, هما: الخطاب الريديكالي المتطرف, والخطاب الليبرالي المعتدل الذي يدعو إلى السلام وليس الاستسلام, ولكن لا يقف النص موقف الحياد تماماً, فهو يتعاطف بطريقة مباشرة وغير مباشرة مع الخطاب الليبرالي المعتدل([73]).

رابعاً: منهج التحليل في علم اجتماع النص الأدبي وخطواته

في الصفحات السابقة عرض الباحث أهم الافكار والاطروحات النظرية التي فتّحت افكار بيير زيما, وشكلت له مقدمات مهمة في سعيه لإقامة علم اجتماع النص, كما عرض الباحث أهم المفاهيم النظرية لعلم اجتماع النص التي استخلصها – بدرجة رئيسة- من كتابات وتحليلات بيير زيما, وتلك المفاهيم ليست مفاهيم نظرية فحسب, بل وأدوات لتحليل النصوص, وقد اشار الباحث إلى بعض الأمثلة التي توضح عملية ظهور وتجسيد تلك المفاهيم في البنى الدلالية والسردية لبعض النصوص الأدبية المدروسة. وبقي للباحث أن يعرض بصورة موجزة منهج وخطوات التحليل في علم اجتماع النص.

1- منهج علم اجتماع النص:

في الصفحات السابقة أشرنا إلى وجود دراسات ومناهج سعت إلى تحليل النصوص الأدبية من منظور سوسيولوجي, تنطلق من معطيات الفلسفات الوضعية والمادية, التي ترى في الأدب تصويراً للواقع وانعكاساً له. أي أنها نظرت إلى العلاقة بين الأدب والمجتمع من خلال المطابقة المباشرة بين النصوص والوقائع الاجتماعية, لأنها ركزت على المعطيات الخارجية وأهملت البنيات النصية الدلالية والسردية للنصوص.

كما أشرنا إلى أنه على الرغم من المحاولات النظرية والمنهجية التي قام بها لوسيان جولدمان (Goldmann), لتجاوز قصور ومزالق الدراسات السوسيولوجية السابقة, إلا أن اطروحاته النظرية والمنهجية افتقدت إلى أدوات إجرائية واضحة في التحليل, واختزلت النصوص بأفكار مفهومية لا يمكن التحقق منها امبيريقياً, مثل مفهوم (( رؤية العالم)), كما أنها أهملت البنى السردية والدلالية للنصوص مثلها مثل المحاولات السوسيولوجية السابقة.

كما أشرنا إلى محاولة باختين التي كانت قريبة جداً من علم اجتماع النص, وعرضنا أفكار جريماس السيميوطيقية التي تسمح مفاهيمها بتطوير النظرية السوسيولوجية وإثرائها, ومن أجل تجاوز الصراع الدائر بين المناهج الشكلية والمناهج التقليدية لسوسيولوجيا الأدب, عمل بيير زيما على بلورة سوسيولوجيا نصية مركبة تحاول الاستفادة من مقولات ومناهج لسانية واجتماعية ونقدية وصهرها في رؤية منهجية متوازنة ومنضبطة, مختلفة عن المناهج السوسيولوجية في علم اجتماع الأدب, لأن علم اجتماع النص – كما اشرنا سابقاً – يهتم بمسألة معرفة كيف تتجسد القضايا الاجتماعية والمصالح الجماعية في المستويات الدلالية والتركيبية والسردية للنص([74]). وهذا لا يكفي بل يجب لاستكمال الوصف الاجتماعي تصوير العالم الاجتماعي كمجموعة من اللغات ( اللهجات) الجماعية(([75], ثم يمكن البدء من الفرضية الأساسية بالنسبة لعلم اجتماع النص القائلة بأن اللغات الجماعية تستوعبها وتحولها النصوص من خلال عملية التناص)[76] (.

وفي منهج علم اجتماع النص يجب التركيز – بحسب زيما – على مسألة ما إذا كان من الممكن وصف العلاقة بين النص وسياقة الاجتماعي على المستوى الأمبيريقي ( من خلال اللغة), ولا يتحقق وصف كهذا إلا إذا ظهر النص والمجتمع من منظور لغوي ([77]).

ويمكن أن يتضح منهج علم اجتماع النص من خلال عرض الباحث للخطوات المنهجية المتبعة في تحليل النصوص في الصفحات الآتية.

2- الخطوات المنهجية التحليلية:

الخطوات المنهجية التحليلية في علم اجتماع النص متداخلة ومترابطة, كل خطوة تستدعي الخطوة الأخرى, ومن أجل زيادة الوضوح والتسلسل في التحليل رأى الباحث أن تقسم الخطوات المنهجية العملية إلى أربع خطوات عملية على النحو الآتي:

الخطوة الأولى:

في البداية يجب الإشارة إلى أن كل التحليلات التي اتبعت منهج وأدوات علم اجتماع النص طبقت على النص الأدبي وتحديداً الرواية, بما فيها تحليلات بيير زيما نفسه وعبد المغني دهوان, ولكن مشروع علم اجتماع النص يطمح      إلى تحليل نصوص تتجاوز النص الأدبي إلى نصوص, علمية أو دينية أو تجارية … الخ. لأنه يمكن تقديمها بواسطة نماذج فاعلية.

بحيث يمكنه ربطها بوضع سوسيولغوي واضح ومحدد المعالم, ليذهب تحليله نحو العلاقة التي تربط نصوصه بواقعها الذي انجزت فيه, ويسعى إلى اكتشاف شكل تلك العلاقة, ومدى تأثر النصوص بالخطابات واللهجات السائدة وكيف استوعبتها وتأثرت بها في بنيتها الدلالية والسردية.

الخطوة المنهجية الثانية:

على الباحث الذي يقوم بتحليل النصوص من منظور علم اجتماع النص أن يبدأ تحليله من تحديد الوضع السوسيولغوي, ولأن الباحث لا يستطيع وصف وضع سوسيولغوي لعصر بأكمله, فيكفي أن يصف الباحث الوضع السوسيولغوي الذي عايشه كاتب النص المعني ومعارفه من الكتاب الذين انتقدهم أو دعمهم, أي وضع النص المراد تحليله في إطار الوضع السوسيولغوي الذي انتج فيه. ومعرفة كيف كان الوضع الاجتماعي والتاريخي للغة خلال الفترة الزمنية التي عايشها كتاب النصوص المراد  دراستها, وهذه الفترة يحددها الباحث بعقد أو عقدين من الزمن قبل صدور أول نص, وقد أشرنا في الخطوة الأولى أن تكون النصوص متقاربة في سنة أو في سنتين.

الخطوة المنهجية الثالثة:

بعد تحديد الملامح العامة للوضع السوسيولغوي الذي انتجت فيه النصوص, يبدأ التحليل بتحديد اللهجات الجماعية والخطابات في كل نص, وكيف استوعب وتفاعل النص مع الوضع السوسيولغوي عن طريق التناص, وأي اللهجات والخطابات التي ينتقدها أو يتبناها النص, وما هي أساليب النقد, هل عن طريق التعارض أو اللامبالاة, أو نفي الواقع القائم أو غيرها.

الخطوة المنهجية الرابعة:

بعد أن يكون الباحث السوسيولوجي قد قام بتحديد اللهجات الجماعية والخطابات التي تم التفاعل معها في كل نص, ينتقل إلى تحليل البنى الدلالية والسردية للنص, لتحليلها وشرحها في ضوء معطيات الوضع السوسيولغوي واللهجة الجماعية, وعلى الباحث السوسيولوجي أن يبدأ بنظريتين متكاملتين, أنه ليس للقيم الاجتماعية وجود مستقل عن اللغة. وأن الوحدات المعجمية الدلالية والتركيبية تجسد مصالح جماعية يمكن أن تصبح مراهنات لصراعات اجتماعية واقتصادية وسياسية([78]) .

ويجب على الباحث السوسيولوجي ان يدرك أن تجسيد المصالح الاجتماعية والجماعية في اللغة يظهر بشكل أوضح وأسهل وأكثر تنظيماً في مجال الدلالة مما في مجال المفردات اللغوية (المجتمعية), وهناك علماء لغة وعلما اجتماع اعترفوا بهذا وألحوا على ضرورة أن يقوم الباحث السوسيولوجي بوصف عمليات التصنيف كعمليات اجتماعية وسياسية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمصالح الجماعية أو الوظيفي ([79]) .

ولكن على الباحث السوسيولوجي أن لا يكتفي بوصف عمليات التصنيف كعمليات اجتماعية تتجسد فيها المصالح الاجتماعية المتصارعة فحسب, بل عليه الاستفادة من مفاهيم أخرى تسمح بالربط بين الدلالة والسرد وتوضيحهما, بعد أن يتم تعميق بعدها الاجتماعي, ومن اهم هذه المفاهيم مفهوم (الفاعل) أو ( العامل) (Actant)ِ الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالدلالة, وكذلك مفهوم ( النظير الدلالي)([80]) و مفهوم ( الشفرة الدلالية)([81]) والعمل على ربط كل المفاهيم من أجل وصف النص على المستوى الدلالي وربط ذلك بالمستوى السردي من خلال نموذج فاعلي ([82]) .

ففي الممارسات الخطابية تظهر الاختيارات ( التصنيفات) التي تقوم بها ذات الخطاب واضحة على المستوى الفاعلي, وهي التي تتحكم بالمسار السردي( ([83]. ولهذا يكون على الباحث السوسيولوجي أولاُ الاهتمام بالتحليل الدلالي وعلى ضوء النتائج المعطاة ينتقل إلى تحليل السرد.

الخاتمة

علم اجتماع النص مازال في طور التشكل والتطور في مفاهيمه وأدواته المنهجية, وهو علم توليفي مركب من مقولات مناهج لسانية واجتماعية ونقدية, قام بها بيير زيما وخرج منها بمنهج مختلف عن المناهج السوسيولوجية في علم اجتماع الأدب, لأنه يهتم بالبنيات النصية الدلالية والسردية, ليكشف من خلالها القضايا الاجتماعية والمصالح الجماعية التي يجسدها النص, وبوصفه منهجاً أمبريقياً من جهة, فهو يعمل على وصف العلاقة بين النص وسياقه الاجتماعي من خلال اللغة التي يمكن ملاحظتها أمبيريقياً, بعد أن يظهر النص والمجتمع في منظور لغوي, ومن جهة أخرى فهو منهج نقدي للنص والمجتمع, فعلم اجتماع النص المنادى به هنا, عليه أن يصبح علماً أمبيريقياً ونقدياً, وفي الوقت نفسه قادراً على أن يأخذ في الاعتبار البنية النصية والسياق الاجتماعي الذي انبثقت فيه.

والدراسات التطبيقية التي تأخذ علم اجتماع النص وأدواته لا تزال محدودة جداً, بالمقارنة مع الدراسات التطبيقية السوسيولوجية في علم اجتماع الأدب ذات الطابع المضموني البحت.

إن ما قدمه الباحث من مفاهيم وخطوات منهجية في تحليل النصوص من منظور علم اجتماع النص, يمكن أن يستفيد منها الباحثون الاجتماعيون, لتوسيع الدراسات الاجتماعية, من خلال دراسة الوقائع والصراعات الاجتماعية    في النصوص الأدبية والنظرية من منظور اجتماعي لغوي.

وفي الأخير لابد أن نشير إلى أن المناهج الاجتماعية وعلى وجه الخصوص مناهج علم الاجتماع الأدبي تتسم بمشكلة منهجية أثرت على النتائج المترتبة عنها, وهي اهتمامها المفرط بالمحتوى وإهمالها البنى النصية المختلفة (سرد / دلالة), وذلك يعني القفز عن حقيقة كون الأدب بنيات لغوية بحته والتعامل معه بوصفه سجلات تاريخية واجتماعية شأنها شأن وثائق التاريخ والاجتماع الأخرى التي لا تمت بصلة إلى عالم الأدب والفن. وهنا يفقد الأدب جوهره وتصبح نصوصه وقائع اجتماعية مجردة من أي بعد جمالي, لذا جاء علم اجتماع النص وطموحه الاسمى اكتشاف طبيعة العلاقة المعقدة بين النصوص الأدبية وبنياتها الاجتماعية والتاريخية دون اهمال للطبيعة اللغوية للنصوص وبنياتها الدلالية والسردية وذلك لن يتم أبداً إلا من خلال وضع الأدب والمجتمع معاً في منظور لغوي, والاهتمام بمعرفة كيف تتجسد القضايا والمصالح الجماعية في البنيات التركيبية والدلالية للنصوص. وهذا لا يقتصر على نصوص الأدب وحسب, بل يستهدف أيضا البنى اللغوية والخطابية للنصوص النظرية والأيديولوجية المختلفة.

مراجع الدراسة :

1- الحسين قصي: 2009م, سوسيولوجيا الأدب, دار ومكتبة الهلال للتوزيع والنشر, بيروت, لبنان.

2- الشعيبي صالح احمد: 2011م, النص السردي اليمني, قراءة نحو علم اجتماع النص( الجواد الذي فقد صوته) أنموذجاً, مجلة التواصل, العدد الرابع والعشرون, جامعة عدن, اليمن.

3- الغذامي عبدالله: 2004م, النقد الثقافي العربي, الدار البيضاء, المغرب.

4- باختين ميخائيل: 1987م, الخطاب الروائي, ترجمة محمد برادة, دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع, القاهرة, مصر.

5- برونوين مارتن, فليز يتاس رينجهام: 2008م, معجم مصطلحات السيميوطيقيا, ترجمة عايد خزندار, المجلس الأعلى للثقافة, القاهرة, مصر.

6- بون أرون فيالا: 2013م, سوسيولوجيا الأدب, ترجمة محمد علي مقلد, دار الكتاب الجديد. بيروت, لبنان.

7-  بيير زيما: 1990م, النقد الاجتماعي, ترجمة عائدة لطفي, دار الفكر للدراسات والنشر المعاصرة.

8- بيير زيما: 2013م, النص والمجتمع, افاق علم اجتماع النقد, ترجمة انطون أبوزيد, المنظمة العربية للترجمة, بيروت, لبنان.

9- جيرالد برنس:2003م, المصطلح السردي, ترجمة عايد خزندار, المشروع القومي للترجمة, المجلس الأعلى للثقافة, القاهرة, مصر.

10- دهوان عبدالمغني: ديسمبر 2010م, تعارض الخطابات في رواية الثائر الاحمر, مجلة التواصل, العدد السادس والعشرون, جامعة عدن, اليمن.

11- دهوان عبدالمغني:2009م, النص الروائي اليمني, مقاربة سوسيولوجية, إطروحة دكتوراه غير منشورة, كلية التربية, جامعة عدن, اليمن.

12- دهوان عبدالمغني:2017م, الرواية والمجتمع, قراءة سوسيو نقدية, دار مجد للدراسات والتوزيع, عمان, الأردن.

13- دور كايم أميل: 1982م, في تقسيم العمل الاجتماعي, ترجمة اللجنة اللبنانية للروائع, توزيع مكتبة الشرقية, بيروت, لبنان.

14- شحيد جمال: 1982م, في البنيوية التركيبية, دراسة في منهج لوسيان جولدمان, دار ابن رشد للطباعة والنشر.

15- فرج محمد سعيد و عبدالجواد مصطفي خلف: 2012م, علم اجتماع الأدب, دار المسيرة للنشر والتوزيع, ط 2, عمان, الأردن.

16- كرستفيا جوليا: 1997م, علم النص, ترجمة فريد الزاهي, دار توبقال للنشر, الدار البيضاء, المغرب.

17- يقطين سعيد, انفتاح النص الروائي, المركز الثقافي العربي, ط2, الدار البيضاء, المغرب.

[1] – ينظر بون ارون والان فيلا: 2013م سوسيولوجيا الأدب, ترجمة محمد على مقلد, دار الكتاب الجديد المتحدة, بيروت, لبنان, ص 09.

[2] – بيير زيما, 1990, النقد الاجتماعي, ترجمة عائدة لطفي, دار الفكر للدراسات والنشر, القاهرة, مصر, ص 11.

[3] – بيير زيما, مرجع سابق, ص18.

[4] – الغذامي عبدالله 2004م النقد الثقافي, المركز الثقافي العربي, الدار البيضاء, المغرب, ص41.

[5] – فرح محمد سعيد وعبدالجواد مصطفى خلف, المرجع السابق, ص14.

[6] –  ينظر الحسين قصي: 2009م, سوسيولوجيا  الأدب , دار ومكتبة الهلال للتوزيع والنشر, بيروت, لبنان, ص 19 وما بعدها.

[7] – بيير زيما, المرجع السابق, ص12.

[8] – المرجع نفسه, ص 172.

[9] – لمزيد من الاطلاع ينظر محمد سعيد فرج ومصطفى عبدالجواد, المرجع السابق, ص19

[10] – المرجع السابق, ص20 .

[11] – يقطين سعيد:2001 , انفتاح النص الروائي, المركز الثقافي العربي, ط2, الدار البيضاء, المغرب, ص32

[12] – بيير زيما , المرجع السابق, ص12

[13] – محمد سعيد فرج ومصطفى خلف عبدالجواد, المرجع السابق , ص73.

[14] – بيير زيما, 2013م , النص والمجتمع, افاق علم اجتماع النقد, ترجمة انطوان أبو زيد, المنظمة العربية للترجمة, بيروت’ لبنان, ص17.

[15] – شحيد جمال: 1982, في البنيوية التركيبية, دراسة في منهج لوسيان جولد مان, دار ابن رشد للطباعة والنشر, بيروت, لبنان, ص22.

[16] – جولد مان لوسيان: 2010م, الإله الخفي , ترجمة الدكتورة زبيدة القاضي , الهيئة العامة السورية للكتاب, وزارة الثقافة, دمشق, ص491.

[17] – شحيد جمال, المرجع السابق, ص67.

[18] – بيير زيما : مرجع سابق , ص 19.

[19] – المرجع نفسه, ص 19.

[20] – بيير زيما: مرجع سابق, ص 20.

[21] – المرجع نفسه , ص50.

[22] -المرجع نفسه, ص50.

[23] – بيير زيما: النقد والمجتمع, المرجع السابق, ص 44.

[24] – بيير زيما: النص والمجتمع . المرجع السابق, ص 22, 23.

[25] باختين ميخائيل: 1987م, الخطاب الروائي, ترجمة محمد برادة, دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع, القاهرة, مصر, ص 39.

[26] – دهوان عبدالمغني, 2017م, الرواية والمجتمع, قراءة سوسيو نقدية, دار مجد للنشر والتوزيع, عمان, الاردن, ص 11.

[27] – بيير زيما, مرجع سابق, ص 24.

[28] – يعني الفاعل في التحليل السيميوطيقي : الشخص أو الشيء الذي يحقق فعلاً أو تعرض لفعل, وقد يكون شخصاً أو ذاتاً إلاهية أو حيوانية أو شيئاً ما أو كائناً تجريدياً. ينظر برونوين مارتن, فليز يتاس رينجهام, 2008م, معجم مصطلحات السيميوطيقا, ترجمة عابد خزندار, المجلس الأعلى للثقافة, القاهرة, مصر, ص 41.

[29] – بيير زيما, مرجع سابق, ص 26.

[30] – المرجع نفسه, ص27.

[31] – بيير زيما, مرجع سابق, ص 24.

[32] – معجم مصطلحات السيميوطيقا, المرجع السابق, ص 41.

[33] – بيير زيما, النقد الاجتماعي , مرجع سابق, ص 172.

[34] – دهوان عبد المغني, المرجع السابق, ص8.

[35] – بيير زيما, النص والمجتمع , المرجع السابق, ص58.

[36] – بيير زيما, النقد الاجتماعي ,ص 172.

[37] – بيير زيما, النص والمجتمع, مرجع سابق, ص 59, 105.

[38] – بيير زيما, النقد الاجتماعي , المرجع السابق, ص192.

[39] – لمزيد من الاطلاع ينظر دوركايم أميل: 1982م في تقسيم العمل الاجتماعي, ترجمة اللجنة اللبنانية لترجمة للروائع, توزيع مكتبة الشرقية, بيروت, لبنان.

[40] – بيير زيما: النقد الاجتماعي , المرجع السابق, ص 23.

[41] – المرجع نفسه, ص 24.

[42] – ينظر برونوين مارتن, فليز يتاس رينجهام, 2008م, معجم مصطلحات السيميوطيقا, ترجمة عابد خزندار, المجلس الأعلى للثقافة, القاهرة, مصر, ص 41.

[43] – بيير زيما: النص والمجتمع , المرجع السابق, ص 241.

[44] المرجع نفسه, ص 242.

[45] – بيير زيما, النقد الاجتماعي, المرجع السابق, ص 156 ..

[46] – بيير زيما, النقد الاجتماعي, المرجع السابق, ص 223.

[47] – دهوان عبدالمغني, الرواية والمجتمع , المرجع السابق, ص 72 وما بعدها.

[48]- بيير زيما , النقد الاجتماعي, المرجع السابق, ص24.

[49] – كرستيفا جوليا: 1997م, علم النص, ترجمة فريد الزاهي, دار توبقال للنشر, الدار البيضاء, المغرب, ص21.

[50] – بيير زيما, المرجع السابق , 204.

[51]- بيير زيما, النص والمجتمع, المرجع السابق, ص 96.

[52] – بيير زيما: النقد الاجتماعي, المرجع السابق, ص 204.

[53] – بيير زيما: النص والمجتمع, المرجع السابق, ص 52.

[54] – المرجع نفسه, ص 530.

[55] – بيير زيما: النقد الاجتماعي, المرجع السابق, ص 191.

[56] – المرجع نفسه, ص 288.

[57] – المرجع نفسه, ص 211.

[58] – ينظر دهوان عبدالمغني, 2009م, النص الروائي اليمني مقاربة سوسيولوجية, إطروحة دكتواره غير منشورة, كلية التربية, جامعة عدن, الفصل الثالث من الاطروحة.

[59]- بيير زيما, المرجع السابق, ص 190.

[60] – بيير زيما, المرجع السابق, ص ص 191, 229.

[61] – بيير زيما, النقد الاجتماعي, المرجع السابق, ص 196.

[62] – بيير زيما: النص والمجتمع, المرجع السابق, ص 56.

[63] – المرجع نفسه, ص 54.

[64] – دهوان عبدالمغني, تعارض الخطابات, المرجع السابق, ص 350 وما بعدها.

[65] – دهوان عبدالمغني, النص الروائي اليمني, المرجع السابق, ص 221.

[66] – بيير زيما: النقد الاجتماعي, المرجع السابق, ص 199.

[67] – المرجع نفسه, ص 200.

[68] – المرجع نفسه, ص 197.

[69] – دهوان عبدالمغني,ديسمبر, 2010م, تعارض الخطابات في رواية الثائر الاحمر, لعلي احمد باكثير, مجلة التواصل, العدد السادس والعشرون, جامعة عدن, اليمن, ص 343 – 348.

[70] – بيير زيما, المرجع السابق, ص 95.

[71] – بيير زيما, النص والمجتمع, المرجع السابق, ص 93.

[72]- دهوان عبدالمغني, تعارض الخطابات في رواية الثائر الأحمر, المرجع السابق ,ص 352 وما بعدها.

[73] – ينظر الشعيبي صالح احمد, 2011م, النص السردي اليمني قراءة نحو علم اجتماع النص (( الجواد الذي فقد صوته)) انموذجاً, مجلة التواصل, العدد الرابع والعشرين, جامعة عدن, ص 125 – 150.

[74] – بيير زيما: النقد الاجتماعي, المرجع السابق ص 12.

[75] – المرجع نفسه, ص 171.

[76] – المرجع نفسه, ص 172.

[77] – المرجع نفسه, ص 172.

[78] –  بيير زيما, النقد الاجتماعي, المرجع السابق, ص 177.

[79] – المرجع نفسه, ص 178.

[80] – يشير مصطلح النظير الدلالي أو التناظر إلى مجموعات سيمات المتكررة التي يؤدي وجودها إلى تثبيت الدلالة في انسياب النص, أي أن النظائر تمكننا من الاستمرار في حل شفرة نص ماء, وغيابها يفضي إلى خلخلت الدلالة. ينظر معجم السيميوطيقا, ص 110.

[81]- الشفرة نظم من الأعراف والقواعد والقيود التي تتحكم في إنتاج وتلقي الدلالة, وهي عادة ما تكون مفهومة لطرفي الرسالة اللغوية. ويمكن أن نقول ولأعضاء جماعة اجتماعية يتكلمون لهجة خاصة بهم. ينظر جيرالد برنس, 2003, المصطلح السردي, ترجمة: عابد خزندار, المشروع القومي للترجمة, المجلس الأعلى للثقافة, القاهرة, مصر, ص 46.

[82] – دهوان عبدالمغني, الرواية والمجتمع , المرجع السابق, ص 24.

[83] – بيير زيما, النقد والمجتمع, المرجع السابق, ص 180.


Updated: 2018-09-03 — 20:09

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme