عتبات نقدية حول الأدب النسوي – مفاهيم وتجليات –


 

عتبات نقدية حول الأدب النسوي – مفاهيم وتجليات –

Cash thresholds on feministliterature – concepts and manifestations  

بن دريس عبدالعزيز، دكتوراه السنة الخامسة جامعة حسيبة بن بوعلي الشلف.

بإشراف الدكتورحمودي محمد ، جامعةمستغانم .  (الجزائر)

 مقال نشر في مجلة جيل الدراسات الادبية والفكرية العدد 44 الصفحة 129.

     

Abstract:

Most of the scientificresearch and the monetarylabsthat examine women’sliterature and women’s issues tend to givevaryingdegrees of control to the term. It has been dividedintoseverallevels, including the acquired cultural ones, includinginheritedfrombiological nature, genderliterature, women And the man.

As a measure of this new positioning, feministliteraturerecords a series of occasional, sometimesintersecting and sometimesintersectingrhetorical rings to unify the vision and efforts to control the concept. Wewillattempt to establish a simple approach to uncovering the field of belonging, thoughthenconfusing the dualism of womenwriting and feministwriting. In most of the discussions thatjustifiedthis use, the first acceptssexual intercourse, and thusreconciles masculine and femininethought in order to serve women’s issues, while the second isbiased to the femalegenderapproach and thought.

Keywords: criticism – thresholds – feministliterature.

  الملخص :

تنحو جل الأبحاث العلمية و المختبرات النقدية التي تبحث في الأدب النسوي وقضايا المرأة ، منحا متفاوتا في ضبط المصطلح ،وجرى تقسيمه الى عدة مستويات منها ما هو ثقافي مكتسب ،ومنها ما هو موروث من الطبيعية البيولوجية وعلى النحو جرى تمييز الأدب بين الجنسين ،المرأة والرجل .

وقياسا لهذا التموضع الجديد ،يسجل الأدب النسوي سلسلة من حلقات السجال الخطابي  المتقارب أحيانا ، والمتقاطع أحيانا أخرى ،من أجل توحيد الرؤيا والجهود في ضبط المفهوم وسنحاول عقد مقاربة بسيطة للكشف عن حقل انتمائه ، وإن كان ثمّ التباس بين ثنائية الكتابة النسائية والكتابة النسوية ،فمرد ذلك في أغلب المناقشات التي بررت هذا الاستعمال أنّ الأولى تقبل الاختلاط الجنسي ،وبالتالي تلاقح الفكر الذكوري والأنثوي من أجل خدمة قضايا المرأة ،أما الثاني فمنحاز للجنس الأنثوي منهجا وتفكيرا .

الكلمات المفتاحية : النقد – عتبات – الأدب النسوي.

 

-المرأة في اللغة :

وتحت مادة امرأة جاء في المعاجم العربية ما يلي: المرء :الرجل ، والأنثى مرأة ،يقال هذا مرء صالح ، وبعضهم يقول هذه مرأة صالحة ، والمرء الانسان رجلا كان أو امرأة ، واذا عرفوها قالوا المرأة  أو الامرأة  ، وللعرب في المرأة  ثلاث لغات ،يقال هي امرأته وهي مرأته وهي مرته *

       كما أنه لا يوجد في اللغة العربية جمع لكلمة امرأة ،وانما استساغوها بلفظة نساء ونسوة ،أي تأجر حيضها ورجي حملها ،ونتيجة لهذه القراءة المعجمية نستطيع أن نؤكد وجود تناسق مهم ولافت في اللغة العربية ولاسيما الألفاظ التي تخص الأنثى ،فلفظة امرأة وان كانت مشتقة من لفظ (مرء) الا أنها في المحصلة لفظة مؤنثة متفردة عن اللفظة الأخرى (المرء) أي الرجل [1]

يعد بروز »التأنيث سمة بارزة في اللغة العربية مثل غيرها من اللغات السامية وألفاظ التأنيث في لغتنا لا تقل عددا عن ألفاظ التذكير ولو نظرنا فيما حولنا لوجدنا أن جل الأسماء في الطبيعة هي أسماء مؤنثة مثل السماء ،الأرض ،الشمس ،الشجرة ،وبعض الصفات مثل الشجاعة والفصاحة والمروءة ،وبعض الطقوس الدينية مثل الصلاة والزكاة الى جانب الحياة والحقيقة والشهادة  والجنة وجهنم « [2]

      وهذا ما يؤكد حضور الأنثى في منطوق اللغة من أسماء وصفات ،أما على مستوى التصور النظري نجد من البلاغيين من يميز بين المؤنث الحقيقي (البيولوجي) والمؤنث المجازي التابع للأصل (التذكير) باعتباره المؤثر في صياغة الخطاب .

الأدب النسوي: الإشكالية والمصطلح:

تنحو جل الأبحاث العلمية و المختبرات النقدية التي تبحث في الأدب النسوي وقضايا المرأة ، منحا متفاوتا في ضبط المصطلح ،وجرى تقسيمه الى عدة مستويات منها ما هو ثقافي مكتسب ،ومنها ما هو موروث من الطبيعية البيولوجية وعلى النحو جرى تمييز الأدب بين الجنسين ،المرأة والرجل .

       ولعل من العلامات الفارقة في تجنيس الانتاج الأدبي بين أدب مذكر وآخر مؤنث يرجع بالأساس حسب بثينة شعبان الى الطابع البيولوجي المميز لكلا الجنسين »المشكلة  هي أن الرجال والنساء يكتبون بشكل مختلف لأنهم مخلوقات تحمل تجارب تاريخية ونفسية وثقافية مختلفة مثلما يكتب الأستراليون والأفريقيون بشكل مختلف حتى ولو كانوا يكتبون باللغة نفسها ،وهذا لا يعني طبعا أن جميع النساء يكتبن بالطريقة نفسها ،وأن جميع الرجال يكتبون بالطريقة نفسها ،ولكن هناك خصائص عامة يحتمل وجودها في كتابات النساء أكثر من كتابات الرجال ،ومميزات أخرى تميز كتابات الرجال أكثر من كتابات النساء ،ويجب ألا يجري تفضيل أي منهما طبعا بسبب الكاتب« [3].

        في مقدمة دراستها عن الرواية النسائية العربية  تعرض الكاتبة بثينة شعبان للأبعاد الثقافية والأيديولوجية  التي تستعجل الحكم على انتاج المرأة وانتمائه القسري الى أدب الكاتبة النسائية مبررة ذلك بقولها »والحقيقة أن بعض النقاد العرب يتعاملون مع الأعمال التي وضعتها النساء بأحكام مسبقة معتبرين أن العمل يحمل طابع السيرة ،وأنه يعالج موضوع الحب والزواج والأطفال والافتقار اليهم ،ولذلك فانه بحدّ ذاته لا علاقة له باهتمامات الجمهور :والجمهور هنا يعني الذكور طبعا ،لأن اهتمامات النساء لا يمكن أن يكون ذا طابع عام ،وقد دفعت المخاوف بعض الكاتبات لأن يخترن بطلا ذكرا بدلا من بطلة نسوية لرواياتهن كي يضفين عليها خبرة اجتماعية أعمق وأوسع« [4] ،تستهجن الكاتبة هذا السلوك وتعتبره غفلة ومزيدا من احتقار المرأة لذاتها ولعقلها حين تقول «وكأن النساء لا يمكن أن يمتلكن مثل هذه الخبرة ،ويمثل هذا الموقف أعلى درجات الاستيلاب لأن المرأة الكاتبة في هذه الحالة تروّج بصورة غير متعمدة لاستلابها وتدني منزلتها« [5].

        ترافع الكاتبة لموقف المرأة الكاتبة التي أصبحت تواجه استلابا وانتقاصا من حقها في التعبير والفكر بشكل عام قائلة »ان كل امرأة ناقدة تقف وراء المنبر في أي جامعة عربية أو مركز ثقافي كي تتحدث عن أدب النساء سرعان ما تكتشف أنها في قفص الاتهام، وتمتد أيادي الاتهام غالبا كي تسأل ان كان هناك شيء اسمه – أدب النساء – وفيما ان كان للأدب أعضاء تناسلية كي يقسم الى ذكر وأنثى ،ويوجه الاتهام أحيانا الناقدات بأنهنّ متعصبات للنساء أو كارهات للرجال ،يتحاملن على الكتاب الرجال بتكريس عملهن للكاتبات النساء فقط« [6]، ولعل الكاتبة بموقفها الصريح هذا من قضية تجنيس الأعمال الأدبية وتوزيع الأدوار بشكل مسبق دون اشراك المرأة  يعتبر حسب هذا الموقف تغييبا  لدور المرأة  وتجاوزا  لحقها في المشاركة والتعبير وبالتالي  ينبغي عليها مقاومة هذا الرأي المتعالي ،والوقوف في وجه أي محاولة تركن الى التمييز بين الجنسين أدبيا ، وتعتبر هذه الدراسة التي أعدتها الكاتبة بثينة شعبان ملمحا جليا ،وصوتا جاهرا للحد من كل المزايدات التي تنقص من عبقرية المرأة وامكاناتها.

  واقرارا لما هو حاصل من تشعبات حول المصطلح النقدي الذي بات يشكل هاجسا علميا وطيفا فكريا يتلبس المفاهيم  والرؤى ،الأمر الذي أدى بالقارئ والباحث على وجه التحديد الى الاحتراز في تبني مصطلحات معينة ،وبالتالي انعكست هذه الوضعية على تقدم البحث ،وخصوص قيما تعلق بالتحديد النوعي   والمتميز الذي يتطلع اليه الباحث من أجل ترسيخ رؤية واضحة لتموضع بنى فكرية جديدة واندماجها من السياق الحضاري والتراكم الفكري المتجدد.

     وقياسا لهذا التموضع الجديد ،يسجل الأدب النسوي سلسلة من حلقات السجال الخطابي   المتقارب أحيانا ، والمتقاطع أحيانا أخرى ،من أجل توحيد الرؤيا والجهود في ضبط المفهوم وسنحاول في كل مرة عقد مقاربة بسيطة للكشف عن حقل انتمائه ،وان كان ثََمَََّ التباس بين ثنائية الكتابة النسائية والكتابة النسوية فمرد ذلك في أغلب المناقشات التي بررت هذا الاستعمال أنّ الأولى تقبل الاختلاط الجنسي ،وبالتالي تلاقح الفكر الذكوري والأنثوي من أجل خدمة قضايا المرأة ،أما الثاني فمنحاز للجنس الأنثوي منهجا وتفكيرا .

      الفرق الجوهري كما تراه الناقدة يسرى مقدم بين الكتابتين هي أن الرواية النسائية »لا تتمذهب  أو تتأدلج أو تنتج قولا فهي لا تملك القدرة على الفعل على غرار ما تفعل قرينتها الرواية النسوية ،كما ليس لها ما لهذه الأخيرة من مقاصد وتوجهات فكرية ومعرفية تتقولب  داخل الخطاب الأيديولوجي  النسوي الذي يقحم في الرواية ،حيث تعلو نبرة القول ويطغى الهاجس الفكري على حساب هواجس البناء والفنية في قصدية واعية تتوسل الفن الروائي وسيلة لا غاية بذاتها بوصفه مَعْبَرا يتيح للمرأة  فسحة للتعبير عن اختلافها وخصوصيتها نفسيا وجسديا وفكريا وثقافيا لتباشر من خلاله نهجا مغايرا في الكتابة الروائية« [7]

      بناء على ما سبق من توصيف لكتابة المرأة ومنها الرواية ،وتحديدا لما جاء على لسان الناقدة يسرى مقدم حيث تكشف أنّ مصطلح الكتابة النسائية يستوحي دلالته من جانبه

الظاهري الذي يشير الى العناصر البيولوجية المميزة لجنس الأنثى عن جنس الرجل ،أمّا الكتابة النسوية  فهي معلنة عن خطابها الأيديولوجي ،من خلال وجودها كحركة تحررية نضالية  تسعى الى انتاج خطاب أنثوي متميز عن خطاب الرجل .

      ويقترب من هذا الطرح موقف الناقد محمود طرشونة في قوله »الرواية النسوية هي رواية ملتزمة تحمل رسالة تتمثّل في الدفاع عن حقوق المرأة وقد تتجاوز المطالبة بالمساواة بين الرجل المرأة الى اثبات التفوق والامتياز وفيها لهجة نضالية … ثم هناك الرواية النسائية وهي بكل بساطة الرواية التي تكتبها المرأة وهذا ليس مصطلحا فنيا ولا يدل على اتجاه أو مدرسة ايديولوجية ما « [8] ،هو الملاحظ في هذا القول الذي لا يختلف كثيرا عن غيره من المقولات الهادفة الى تحديد مفهوم وضبط المصطلح ،وتجدر الاشارة أيضا الى تعدد استعمال مصطلحات مقاربة في  حقل النسوية ،منها أدب المرأة ،والأنثوية ،والجندرية وغيرها من المفاهيم النقدية المحايثة .

    يكاد يجمع الدارسون والباحثون على صعوبة  صياغة ملفوظ سردي بالاتفاق يحددون من خلاله المعالم النظرية التي تحدده ،وكانت أغلب اجاباتهم تسير نحو رفض تبني كل طرح يحاول تبرير التمييز بين الجنسين أدبيا، وهو رفض قائم على أساس الجنس – ذكر/ أنثى – وفي هذا انتقاص من الأدب الذي تكتبه المرأة ،على خلفية الجماعة التي تنشد الذكورة ،وقد يعود هذا الرفض لغياب خصوصية تميز كتابة المرأة عن كتابة الرجل ،لما يؤهلها لأن تتبنى مصطلحا يحدد هويتها ،وبالتالي نتحسس لهذه المقاربات النقدية عجزا والتباسا في التشريح والتحديد ،حيث يتداخل النسوي بالنسائي والأنثوي بالجندري ولا «تدل فوضى هذه التسميات الا على ذلك العجز الذي يميّز الساحة النقدية العربية التي لم تستطع الى اليوم الفصل في القضية « [9]

       وفي محاولة منها للتخفيف من حدة التوتر الذي أربك المتتبعين لتطور سيرة  المصطلح ، تقرأ احدى الدراسات المهتمة بشأن الكتابة النسوية  »أنّ مصطلح الكتابة النسائية ،وخروجا من هذا التضارب الحاصل في المفهوم ،وتجاوزا للبس القائم نعتبره مصطلحا اجرائيا لتمييز الكتابة التي تكتبها المرأة عن الكتابة التي يكتبها الرجل ،فالمصطلح لا ينفي صفة الابداع عن أي أحد من الجنسين ،من حيث ان الأدب لا جنس له والمشاعر الانسانية لا خريطة لها ،وقد تتوزع بين الذكورة والأنوثة ،فالمصطلح يؤكد بالخصوص على أنّ للمرأة الكاتبة تصورا مختلفا للمسكوت عنه بمقدار الفروق الفردية بين الجنسين « [10]،بمعنى أنّ وعي المرأة الكاتبة بجملة التراكمات الاجتماعية والثقافية ثم تحولها من متلقي الخطاب الى منتج له ،يحقق لها ذاتها واستقلالها ،وحتى تقترب هذه الصورة بشكل جلي نقول أنّ الأدب النسائي ليس مجرد انعكاس عادي للكَم المادي من الملفوظ السردي المتراكم عبر الزمن ،ولكنه يلمح الى طريقة متمايزة عن النسق المألوف في الكتابة التي يسيطر عليها الرجل.

      ويتأرجح الاشكال حسب هذه الدراسة في زعمها »أنّ اللبس الحاصل في رنين المصطلح ومفهوم الكتابة النسائية ما هو إلا نتيجة للخلط المنهجي الحاصل بين صيغتين ،صيغة الأنثى والكتابة وصيغة المرأة والكتابة فالصيغة الأولى ترتكز على أهم خاصية لدى المرأة وهي الأنوثة وتلخص المرأة في صفتها الجنسية الإنسانية ولا تجعل الدائرة تتجاوز الطرح  المقتصر على الأنوثة والذكورة في بعدها الطبيعي ،أمّا بالنسبة للصيغة الثانية “المرأة والكتابة ” فإنها تعتبر المرأة الجنس البشري والكيان والشخصية القائمة على البناء الثقافي باعتبارها مكملة لجنس الرجل في الحياة والمجتمع« [11].

       بالإضافة الى الخلط المنهجي في تداول وتدويل الصيغة المناسبة المرأة أو الأنثى ،ولعل أنّ بعض طلاسم القول السابق يشير لسيطرة من جانب أحادي ذكوري القائم على نظرة خارجية جاهزة مستساغة من الذهنية البطريركية المتوغلة في جذور المجتمع ،وفي الجملة نرى اتساع دائرة التوصيف لمفهوم الأدب النسوي لتشمل الجنسين المرأة والرجل على حد سواء ،فأصبح كل ما يروى أو يكتب عن المرأة ينتمي الى حقل الأدب النسوي ،بصرف النظر الى جنس مؤلفه كان ذكرا أو أنثى »مصطلح الأدب النسوي مصطلح إشكالي قيلت فيه آراء عديدة متباينة ، فبعضهم ينفيه لأن الأدب هو نتاج إنساني عام بغضّ النظر عن جنس من كتبه ،وبعضهم يثبته لأن للمرأة خصائص تختلف عن خصائص الرجل « [12] ،ويرجع سبب هذا السجال المتضارب  بين النفي والإثبات أو القبول بشروط أحيانا ،إلى المعيار القيمي الضابط  لسلوك الفرد داخل الجماعة وهو المعيار ذاته المحدد للنسق الثقافي الذي ينظم حياة المواطنين واختياراتهم.

      يشكل معيار القيم عاملا من عوامل القهر والسّلب لكلا الجنسين المرأة / الأنثى ،والرجل / الذكر من خلال المرجعية الاجتماعية الموروثة في التصنيف على أساس المبدأ  البيولوجي ، وقد يكون الأمر أكثر حدّة ،وأشدّ تأثيرا على المرأة بالاحتكام إلى الموروث الثقافي والتاريخي الذي يقلل من فاعليتها داخل المجتمع ويختصرها  في بيئة ضيّقة،المنزل والأسرة ،ويعكس هذا القهر الاجتماعي سَلبا فكريا لنتاج المرأة ،لحريتها وأدائها الفني والأدبي .

     نتيجة لذا الاحتقان الفكري نجد من المواقف من يرى أنّ »نضال المرأة لم يكن قط إلا نضالا رمزيا بما أراد الرجل التنازل عنه ،لم تأخذ شيئا أبدا ، بل تسلمت ما أعطي لها « [13]

     ولعلنا نجد في هذا الموقف أشد قسوة في تقييمه  للوضع ،بالنظر لما حققته المرأة المناضلة من مستحقات وما بذلته من جهود وتضحيات في عديد من المواقف على مستوى أسرتها أو اتجاه مجتمعها فضلا عن مشاركتها  الاجتماعية والثقافية والسياسية في الإصلاح والتنمية ،وقد تجلّت الكتابة الروائية فضاء للتعبير ،ومنبرا حقوقيا ترافع لأجل قضيتها باعتبار أنّي » الخطاب الروائي يتأثر بما وصل إليه العصر ،وما يتطور إليه من وسائل وأجهزة وأدوات تكنولوجية ،وبما  يحتدم ويتصارع فيه من قضايا ومفاهيم ومشاكل وقيم  وعلاقات وقوى اجتماعية وعالمية ،إنّ الخطاب الروائي هو إنتاج انساني بكل ما يعنيه الإنتاج من معنى ،ولهذا فهو جزء من الإنتاج الاجتماعي العام، وليس انتاجا من لا شيء من عدم وإن تكن له خصوصيته الذاتية ،وهو جزء من الواقع الاجتماعي ،وإن يكن رفضا لهذا الواقع أو تكريسا له على نحو أو آخر وبمستوى آخر « [14] ، فالقول بمبدأ الصراع لم يعد فرضية علمية مرتحلة عبر فضاءات المنابر الأكاديمية  مقتصرا على نخبة معينة من الأساتذة والباحثين ،بل أصبح واقعا مزريا تتخبط فيه المرأة العربية وتعاني فيه أشكالا من الاقصاء والتهميش ،صراع تتجاذب فيه الأفكار والأيديولوجيات وتتصارع فيه القوى العالمية سعيا منها للهيمنة وحسم الصراع لصالحها .

       لكنه صراع سديم ، متجدد مع الزمن ، ومع كل جيل تزيد حدته أو تخمد قليلا ،إلا أنّه لا يعرف الاستسلام أو الرحيل ،وفي ظل هذا الاحتقان تقاوم المرأة بحثا عن ذاتها ووجودها وعن حلمها التّليد ،وهو التخلص من كل القيود ،والتحرر النفسي من النظرة الدونية التي طالما جعلتها في تصنيف ،بعد الرجل رمز القوة والسلطة .

       ولعل هذا الواقع المقنّع المانح السلطة المطلقة للرجل ، القاضي بتغييب المرأة وعدم إشراكها بعد كل ما بذلته في زمن الظلم والاستعمار ،وكأن التاريخ يعود إلى الوراء إلى زمن الوأد والعبودية ،قفزا على مقولة النساء شقائق الرجال ظلما وجورا ،وبالتالي نجد أنفسنا مرة أخرى – حسب هذا النظام- في بؤرة مبدأ تكريس تبعية المرأة في كل نواحي الحياة .

  يرى سعيد يقطين أنّ النص الذي تكتبه المرأة ليس بالضرورة محمولا على خصائص الكتابة الأنثوية مدفوعا نحوها بشكل متقارب حيث لا نرى تمييزا بين الأدب النسوي والأدب الأنثوي حين يقول »بات اعتبار إنتاج أية امرأة ينظر إليه بصفته حاملا لمواصفات الأنثوية وما على المرأة الكاتبة إلا أن تنافح عنها ،وتمثلها في إبداعها ،وتنتج بمقتضاها، وإذا زعمت كاتبة بأن لا علاقة لما يذهبن إليه اتهمت بخضوعها لسلطة الرجل « [15]

       وتدلي رشيدة بنمسعود برأيها في موضوع الجدل الذي يحوم حمل الأدب الذي تكتبه المرأة في قولها »تكون الأهمية النقدية لمثل هذا المصطلح ضئيلة جدّا ،اللهم إلا إذا انطوى مفهومه على اعتقاد بأنّ الإنتاج الأدبي للمرأة يعكس بالضرورة مشكلاتها الخاصة وهذا هو المسوّغ الوحيد الذي يمكن أن يكسب مصطلح الأدب النسائي مشروعيته النقدية « [16]

        يبدو أنّ القول بفرضية الخصوصية أمر مرجح ومقبول إلى حدّ ما على اعتبار أنّ  ما تعبر به المرأة عن بغض خصوصياتها يمكن أن نطلق عليه – نقديا – أدبا نسائيا ، لكن هل يقبل هذا التوصيف التطابق على مستوى الصيغة والمفهوم ؟ وهل بالإمكان تعميمه على باقي المصطلحات المقاربة له مثل مصطلح الأدب النسوي والأدب الأنثوي وأدب المرأة والجندر وما تطالعنا به الترجمة في كل مرة ؟

      هذا ويجدر بنا أن نجيب على مثل هذه التساؤلات أو نلامس على الأقل بعض الملامح التي تفيد في الاستقرار على مفهوم واحد أو اثنين أو ربّما إثباتها جميعا على أمل الحد من تدفق المزيد من المصطلحات دون تأطير أو تنظير محكم .

      ولعل من المقاربات المنطقية التي تساعدنا في الكشف عن إشكالية المصطلح هو الرجوع إلى الوراء قليلا والتنقيب عن روافد ومرجعيات الأدب النسوي ،وهذا ما سنحاول بعثه في المبحث التالي:

 

مرجعية الفكر النسوي :

ظهرت فكرة النسوية  في بادئ الأمر كحركة سياسية في الغرب ،أكثر من كونها تيار فكري يحتوي كل القضايا الثقافية والأدبية التي تحقق للمرأة إنسانيتها ، ويدلّل على هذا الوضع  تاريخ نظرية الأدب الحديث التي أصبحت جزءا من أحداث التأريخ والأيديولوجيا السياسية للغرب .

       وتجدر الإشارة أنّ مجمل النظريات والمقاربات النقدية التي نعرضها من حين لآخر ترتكز في مادتها البحثية على أعمال غير عربية وبالتحديد من منجزات الفكر الغربي والنهضة الأوربية المهتم بقضايا المرأة وكتاباتها ،لهذا بادرت إلى بسط لمحة وجيزة عن خلفيات التيار النسوي الغربي ومرجعياته الفكرية والنقدية ،سعيا إلى فهم إشكالية المصطلح المستعصية على الاتفاق والتّوحد في بنية متناغمة ،كما نحاول ملء بعض الفجوات والتساؤلات المحتملة التي قد يطرحها القارئ بحثا عن الحقيقة .

       ويشتغل البحث في هــــذا الباب نحو تحكيـــم التراتب الـزمني الـذي وفــد منه المصطلح ،ونعتبر هذا المنزع  من متطلبات البحث العلمي.

       منذ بداية القرن العشرين بدأ الاهتمام بما تقدّمه المرأة من إبداعات فكرية ،وخير دليل على ذلك جائزة نوبل التي منحت لـ ماري كوري (Marie Curie كانت تلك المرحلة بداية صنع جذور نوافذ حقوق المرأة في الغرب المدني .[17]

      وتتجه الأبحاث والدراسات إلى تصنيف تطور مصطلح الأدب النسائي عبر ثلاثة مستويات ،وهي كالآتي : »feminism – femalness – gender .[18] «   .

1 –Feminism:النسوية وهي التي تتلخص في المسيرة النضالية الهادفة إلى رفع الجور الغبن عن المرأة المسلوبة الحقوق ،والمطالبة بالمساواة والحرية ،وإدماجها في شتّى ميادين الحياة الاجتماعية والسياسية والخدماتية .

2- Femelness:الأنثوية: التي تحتفي بالأنوثة كجنس متميّز عن الآخر/المذكر- المتسلط – ببنيتها العضوية وبفكرها ،وبالتالي فهي تسعى لكسر أسوار الدوغماتية المتجذرة في العقيدة الأبوية للمجتمع الغربي ،وكل محاولة منها لتغيير الأوضاع التي تعزى للجنس يعتبر تجنيا على الطبيعة الكونية .

3-Gender:الجندر: مفهوم اكتسب معاني ودلالات مستحدثة إلى أن استقر في لغة  الأكاديميين باعتبارهم النخبة الأكثر تعاملا مع المصطلح ،وتشير إحدى الدراسات المعاصرة إلى رحلة مفهوم الجندرعبر الثقافات ،بل حتى داخل الثقافة الواحدة .

الجندر مصطلح مصاغ من القاموس الانجليزي وتقابله ترجمته العربية بـ»النوع الاجتماعي الذي يعبّر عن محاولة لتأكيد فكرة أنّ الاختلافات بين الجنسين متعلقة بالتنشئة الاجتماعية ،أي أنّه يتضمّن شرحا للمفهوم وتأكيد المعنى الذي ارتأته مجموعة كبيرة من النسويات العربيات مفيدا « [19]

      تفيد هذه المقولات بأنّ مصطلح الجندر يتجدد بتجدد اللغة ،لأنّ جميع اللغات  حسب ما تثاقفنا به التحليلات اللسانيات والأنثروبولوجيا المعاصرة ،تجدد نفسها حتى تكتسب كلمات جديدة معبّرة عن متغيرات مستجدة  تعكس الحركة الطبيعية لتواصل الأجناس ،تقابلها حركية انتقال تلك الكلمات الجديدة عبر قنوات الترجمة .

      وتسرد لنا هذه الأجندة البحثية المتخصصة سلسلة من الخيارات المقترحة لترجمة مصطلح الجندر نلخصها في »النوع ،النوع الاجتماعي ،والجندر،ومصطلح  جديد صاغته إحدى المشاركات عبير عباس وهو “الاستجناس” طالت المناقشة ولم تتوصل إلى إجماع فاتفقنا على إدراج جميع الترجمات القاموس الشارح (Glossary) ورأينا أنّ كل مترجمة لها حرية اختيار المصطلح الذي تراه . « [20]

       الحقيقة أنّ للترجمة خصوصياتها الثقافية واعتباراتها الذّاتية التي تحول في الغالب دون الاتفاق حول صيغة  موحّدة ولا يسع المقام  لذكرها ، ويشير هذا القول إلى اختلاف  معنى  الجندر في عقد التسعينيات الذي أصبح يعبر عن المفهوم من خلال مقومات التشكيل الثقافي والاجتماعي للجنسين .

        توسع الباحثة “جوديت باتلر” نظرتها لمفهوم النوع  باعتباره صيغة متداولة تعتمد في استمرارها و انتشارها على التكرار و المحاكاة و تؤكد أن النوع  سيرورة “process” ليست مرتبطة بالضرورة  بالجنس البيولوجي للإنسان, على هذا الاساس اختلفت الترجمات المختارة .[21]

       من خلال الطابع المركزي لنفوذ الفكر الغربي يمكن »أن تستنبط  جانبين  للخلفية المرجعية للفكر النسوي وللدعوات التي حملتها المرأة في الغرب و التي أثرت بها في كثير من بلاد العالم تحت شعار “حقوق المرأة” أو” اضطهاد المرأة ” أو” المساواة بين الرجل و المرأة ” و غيرها من الكتابات…التي تستبطن دلائل السيطرة الذكورية، أو الانتصار لظواهر النسوية في تلك الكتابات، حتى توصلت بعضها الى تقرير أن الأعمال الأدبية أنكرت تاريخيا الانسانية الكاملة للمرأة « [22] و تتجلى هذه الخلفية المعرفية في شقين رئيسيين هما:                                                                                                           -»الكتاب المقدس.

-التراث الفكري من أرسطو حتى القرن العشرين. « [23]

        ووصفت »فرجينيا وولف المجتمع الأوروبي أنه مجتمع أبوي أي أنه ذو ثقافة تتمركز على المذكر الذي يحكمها ، و لذلك  فهي تنتظم  بطريقه  تهيء هيمنة  الرجل      و دونية المرأة في كافة مناحي الحياة و مفاهيمها« [24]، أمّا بالنسبة لـسارة جامبلالتي تعتقد  »بأنّ المرأة لا تعامل على قدر المساواة لا لأيّ سبب سوى لكونها امرأة في المجتمع الذي ينظم شؤونه يحدد أولوياته حسب رؤية الرجل واهتماماته  وأنّ النسوية نضال لاكتساب المرأة المساواة في دنيا الثقافة الذي يسيطر عليه الرجل« [25] ، وهي بشكل عام »كل جهد نظري أو علمي يهدف إلى مراجعة واستجواب ،أو نقد أو تعديل النظام السائد في البنيات الاجتماعية الذي يجعل الرجل هو المركز ،هو الانسان ،والمرأة جنس ثاني أو (آخر) في صورة أدنى« [26] ،والمتتبع لتطور التيار النسوي من جانبه السياسي أو الأدبي يلاحظ أنّ فكرة النسوية نهضت في المجتمع الغربي على خلفية مقاومة المؤسسة الدينية التي منحت حق الامتياز للرجل دون المرأة ،في الحرية و التّملك والاختيار، وإدارة المؤسسة، لأنّ القضية متجذّرة في الوعي الاجتماعي والثقافي للمجتمع الأوربي الخاضع لتأويل المصلحة الدوغماتية .

       ولست بصدد الجري الحثيث وراء تأريخ مصطلح النسوية  في النشأة والمرجعيات فالمكتبة الأنثروبولوجية تغنينا عن ذلك ،ولكن جاءت الإشارة إلا بقدر ما يتسع المقام للإضاءة وشرح الأبعاد الهادفة للتوضيح وإجلاء الصورة الخلفية التي تدعم فكرة النسوية من مصدرها الأول .

        ولكي تتوافق الرؤية النقدية مع المنهج المقارباتي ، يمكن التدليل على بعض المراجع العربية أو المترجمة التي اجترحت المفهوم في تحليلاتها مثل كتابات فرجينيا وولف ، سيمون دي بوفوار، جوديتباتلروغيرهم ، أمّا المراجع العربية نذكر على سبيل التمثيل لا الحصر دراسات عبد الله الغذامي ، رياض القرشي ، فاطمة كدو، عبد الله ابراهيم ،والقائمة طويلة.

الكتابة وسؤال الخصوصية :

       أخذ مصطلح الخصوصية في الخطاب النسوي مبلغا من اهتمام الباحثين الغربيين وحتى العرب ، واختلفت أقوالهم بين الرفض والقبول حول اختصاص المرأة بخطاب أدبي يميّزها عن غيرها ، فنجد هذه الأقوال تقترب تارة في بعض الخصوصيات المشتركة ،ولكنّها تتقاطع في مسائل أخرى ،وهناك من وقف موقفا وسطا فاعترف بخصوصيات الخطاب النسوي في بعض الأمور ، ونفا عنها هذه الخصوصية بالنظر إلى اشتراكها مع الرجل في نفس القدرات والمواهب.

      سوف نأتي على عرض موجز لبعض الآراء والمواقف  التي طرقت هذا الجانب ،وإن كنّا تناولنا بعض مفاصل هذا الاختلاف من خلال التعرض لمشكل المصطلح ، والمتتبع لأحوال الكتابة النسوية يلاحظ تعالقا كبيرا بين المبحث الأول الذي تناول اشكالية المصطلح وهذا المبحث الذي سنوجز فيه ملامح الخصوصية للكتابة النسوية .

     يرى أصحاب الاتجاه الأول الذي يشكك في وجود خصوصية للكتابة النسوية بضرورة تزامن هذه الأقوال بمتابعة نقدية تؤسس للمفهوم وتحلّل الظاهرة حين يقول » لكن الأمر الذي ينبغي الالتفات إليه هو أنّ السبب الرئيسي في عدم تبلور مصطلح الخطاب النسائي يعود فيما يبدو إلى الافتقار إلى تصور نقدي مقنن ، يمكن على إثره دراسة الظاهرة ، وتفكيك مكون الأثر الأدبي ، للوقوف بالتالي على خصائصه وأبرز مميّزاته « [27]

     يبدي التيار الغالب في هذا الاتجاه سخطه من تبني موقف القبول بوجود خصوصية في الكتابة النسوية لأنّ ذلك سيوقعها في فخ الجنوسة والتمايز النوعي بين الجنسين وبالتالي تغليب الذكر على المرأة ، تقول إحدى الكاتبات »إنّ الالحاح على الخصوصية في الكتابة النسائية إنّما هو مؤامرة ثقافية صنعها الرجل لتشيء المرأة /الكاتبة فهي لمصلحة الرجل أولا ،حيث تكرس المتعة الذكورية في كتابة نسوية رخوة ومائعة للترفيه عن رجل مكدود في بيته وعمله . « [28]

حيث وقعت المرأة في نهاية الأمر »فريسة للرجل الذي عاقبها أقسى عقاب لأنّها تسللت إلى مملكته وتحرشت بسلطانه ، وبدلا أن تنجح المرأة في تأنيث المكان ، تولّى المكان ذاته تذكير الأنوثة ،وإدماجها في سياق الأنوثة« [29]

      أمّا الموقف الآخر الذي نجده يسوّغ للاختلاف الجنوسي للكتابة بين المرأة والرجل أدبيا وفنيا بالقياس إلى البنية البيولوجية التي تجسد هذا الاختلاف من خلال المظهر واللباس وعلى هذا الأساس يتم تحديد الوظيفة الاجتماعية ،» لأنّ المجتمع جعلهنّ طبقة مختلفة ، أطّر تجاربها ،وحدّد الممنوع والمسموح فهنّ يختلفن بيولوجيا لذلك اختلفن اجتماعيا ،ويمكن القول إنّ اختلافهن بيولوجيا  هو مجرد فروقات وليس تفوقا أو دونية ،أمّا الاختلاف الاجتماعي فهو تفوق للرجال على النساء ، وهذا ما أرادته القوى الاجتماعية معلنة ذلك أو مضمرة إياه . « [30]

 والقول بخصوصية الكتابة النسائية »لا يمكن الوصول إليها إلا بالوقوف أيضا على خصوصية الكتابة الذكورية فالشيء لا يتحقق إلا بتحقق نقيضه ، أمّا إلقاء الكلام على عواهنه دون الاحتكام إلى آليات أو معايير ثابتة فهذا ما لا يمكن قبوله« [31]

         لقد مرّت الكتابة النسوية في البلاد العربية بثلاث مراحل ،أولاها مرحلة المحاكاة الأشكال الأدبية السائدة ،وتقاليدها المهيمنة ،وسمّيت بالمرحلة المؤنثة ،ثانيتها مرحلة الرفض والاعتراض على هذه القيم ،وسمّيت بالمرحلة النسوية ، وجاءت المرحلة الثالثة منبثقة من وعيها الأنثوي معبرة عن اكتشاف ذاتها الخاصة كقطب ثاني جدير الاعتراف بنديته وقدرته على منافسة الآخر، وسمّيت بالمرحلة الأنثوية.[32] وتعبّر هذه المرحلة الأخيرة من مراحل تطور الكتابة النسوية عن »الخصوصية الثقافية ،وقد سمّيناها الخصوصية الثقافية النسوية ،لأنّها قائمة على وعي بمفهوم الخصوصية ،فهي ليست انزياحا ،وليست هروبا وإنّما هي إثبات لحضور مختلف عبر نص مختلف« [33].

    ثمّة  جماليات تظهر ظهورا إشكاليا ومميّزا في الكتابة النسوية من أبرزها كتابة الجسد بصفته العضوية المختلفة ،الجذابة والنعومة المخترقة لجدار الريبة وحدود الممنوع ،الجسد بوصفه بنية حقيقية مهيمنة في كتابة المرأة ،أمّا الجانب الآخر هو الوظيفة الاجتماعية التي تؤديها المرأة .

        فمن خلال تجربتها الاجتماعية المحكومة بالاستلاب والقيود تغدو المرأة صيغة “العيب ” الريبة في الوعي المجتمعي السائد ،وهناك أيضا مخزون اللغة والثقافة المختلف عن أداء الر جل ،منها على سبيل المثال القدرة على الثرثرة والحكي والتداعيات العفوية ،إذ تجد المرأة نفسها مضطهدة مملوكة ،وعليها أن تقاوم هذا الاستعباد وتثبت كينونتها .[34]

       يبدو أنّ مسألة تمييز خصوصية الكتابة مذكرة أم مؤنثة أصبحت تلقي بظلالها على الأدب والرواية بالتحديد ،ولكن تبقى الكتابة هي الكتابة نقدا أم إبداعا ، فالمرأة والرجل صنوان وامتداد للفكر الانساني ، ولا شكّ أنّهما لبعضهما البعض الادلاء بتجربتهما ضرورة ملحة للارتقاء بالفكر الانساني ، وبالتالي فإنّ الاعتقاد المطلق لتمييز الكتابة النسوية على خلفية البنية العضوية  يعيق تطور الكتابة  ذاتها ولا يخدم الفكر ولا اللغة ، بل يزيد من تعميق الفجوة توتر العلاقة بين الجنسين .

      ولأنّ الإجابة عن سؤال الخصوصية في الكتابة النسوية لم يعد يؤرق الكتاب ولا النقاد لأن اشتغال نظرية الكتابة أصبح محكوما بخطاب التلقي ،فالنص ليس حكرا على كاتبه أو كاتبته بل هو قناة لتمرير الأفكار واللغة للمتلقين  وكذلك  بما يقدّمه هذا النوع من الكتابة من لذة القراءة  وإثراء التجربة الانسانية .

ولا نقصد بالمتلقي كونه من نوع خاص ( المرأة فقط ) بل هو خطاب متجانس يكفل الحرية والمشاركة للجنسين من غير مفاضلة أو تمييز.

      يتراءى قلق الكتابة النسوية من وعيها بذاتها ، لذلك »جاءت الأسئلة الثقافية النسوية في السرد لافتة ،لأنها مشروعة وذات أبعاد انسانية ، ومن حق المرأة المثقفة في مجتمع يتحيّز ضدها ،ويستلب كينونتها إلى حد تشييئها أن تطرح أسئلة وجودية تبحث من خلالها عن إجابات تخلّصها من هوّة المعاناة والاغتراب بأيدي شريكها الرجل في الحياة أو المعيشة « [35]

  وإذا طرقنا موضوع الخصوصية الثقافية النسوية من بعدها التاريخي ، بعد زوال الاستعمار خلال النصف الثاني من القرن الماضي ، نجد ترك بصماته العميقة في تكوين  كتلة ثقافية تروّج لصناعته الثقافية ،لقد لعب الاستعمار في الثقافة النسوية العربية دور العميل المزدوج …فمثلا الاستعمار الفرنسي في الجزائر حارب العروبة وعمل على فرنسة البلاد العربية ،لكنه في الوقت ذاته نشر في سياقات أخرى ثقافته التي تنطوي أصلا في كل تفاصيلها على أفكار الثورة الفرنسية والعدل والمساواة .[36]

تمفصلات الأنثى عبر نصها الروائي تشكل من أبعادها الثلاثة :الثقافية ،البيولوجية والاجتماعية ” فلأنثى الثقافية هي التي شكلتها الثقافة بكل أبعادها المادية والروحية ، إذ يتدخل في هذا التشكيل العادات والتقاليد والأعراف والتنشئة البيئية والأسرية التي تشكل في مجملها تراكما ثقافيا يلاحق الأنثى ،ويشكل وعيها للذات والعالم ،أي أنّ الأنثى ناتج طبيعي عن المستويين السابقين – البيولوجي والاجتماعي- بمعنى آخر الأنثى الثقافية ناتجة عن ميراثين: ميراث بيولوجي محايد وميراث اجتماعي بفاعليته الموغلة في الزمن « [37]وهذا ما جعل الموروث الثقافي يصنف الأنثى موضع العنصر التكميلي ،ويصنف الذكر موضع العنصر الأصيل .

      يبدو أنّ الدخول في متاهة السؤال عن الخصوصية المميّزة للكاتبة النسوية من الكتابة الذكورية ،أصبح أمرا متجاوزا لأنّه أسال الكثير من الحبر وتحوّل إلى »جعجعة بلا طحين ذلك أنّ معظم الدراسات التي اشتغلت على هذا الجانب ،غلب عليها الجانب الايديولوجي  والسياسي ،في تناول موضوع المرأة ،ومعها اتسع السؤال إلى ندوات ومؤتمرات تطالب بضرورة المساواة ،والبعد عن التفرقة في التفكير والتعبير والكتابة« [38]،وينبغي أن ينصرف الجهد إلى »نص المرأة …وفعل الكتابة …وإرادة الذات ،وتوقعات القارئ …وقلق التأليف بين المتناقضات ،تلك هي أسئلة البحث في نص المرأة ومن خلالها نلاحق التقنيات الموظفة في إنجاز الخطاب الروائي النسوي والمكونات التي ترسم أفق المتخيّل أثناء فعل الكتابة الذي يعتبر بحق فعل الكينونة ومغامرة الوجود « [39]

      لقد أثبت الصوت النسوي حضوره الجاد بوصفه ذاتا فاعلة ومؤثرة في الخطاب الروائي ،وليس مجرد موضوع منظور إليه كمفعول به أو ثيمة مبأّرة ،لذا ينبغي توجيه البحث حول الكتابة النسوية وإسهاماتها   في تنوع التيمات وتطوير المتون الحكائية وكشفها الغطاء عن المناطق الخفية ،أو المعتّمة ونبشها تلك الأخاديد الخفية للواقع والأشياء وإظهار تلك الدهاليز المسكوت عنها ولا المفكر فيها ،فيتشكل منظور المرأة المبدعة من أدقّ الانشطارات الذاتية غي علاقة الذات بالذات ،وصولا إلى علاقتها ب(الآخر المختلف) حيث يلعب التخييل أثناءها عامل الثقل والقوة .[40]

     فالمرأة المبدعة مثل راقصة الباليه تجيد لعبة السرد عبر متوسطات الكتابة الفنية وعبر الوصف والتصوير، فترسم جسدها في فضائها التخييلي قبل أن تنقله على الورق ،وتبقى محافظة على مسافة الرؤية والتلقي بين الذات والجسد حتى تتقن مهارة الاختفاء والتجلي بعيدا عن عين المتلقي .

 

*ينظر:ملخص عن (معجم الصحاح،لسانالعرب،تاج العروس) ما ورد في مادة امرأة

[1] – – ينظرجمانةطه:المرأة العربية من منظور الدين والواقع ،دراسة مقارنة ،اتحاد الكتاب العرب،دمشق 2004 ص:14.

[2] – نفسه ص:14.

[3] – بثينة شعبان :100عام من الرواية النسائية العربية ،دار الآداب ط1،بيروت 1999 ص13.

[4] -بثينه شعبان المرجع نفسه ص:11 .

[5] – نفسه .

[6]- نفسه  .

[7]- يسرى مقدم:النقد النسوي العربي ،أنوثة لفظية وخصوصية موهومة ،مهرجان القرين الثقافي الثالث عشر ،ندوة الخطاب النقدي العربي (الانجازات والأسئلة ) ،الكويت 2006.وينظر الموقع :    www.kuwaitculture.org

[8] – محمود طرشونة: الرواية النسائية في تونس ،مركز النشر الجامعي 1،تونس 2003،ص:5 ، ص:6.

[9] – سعيدة بن بوزة: الهوية والاختلاف في الرواية النسوية في المغرب العربي (رسالة دكتوراه) جامعة الحاج لخضر باتنة الجزائر 2007 ص51.

[10]- فاطمة مختاري :الكتابة النسائية ،أسئلة الاختلاف وعلامات التحول – مقاربة تحليلية – (رسالة دكتوراه)،جامعة ورقلة ،الجزائر2013  ص:10.

[11]- فاطمة مختاري : الكتابة النسائية ،أسئلة الاختلاف وعلامات التحول ،مرجع سابق ص:10.

[12]- القاضي إيمان : الرواية النسوية في بلاد الشام السمات النفسية والفنية (1950-1985) ،الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع ط1 ،دمشق 1992 ص:7.

[13]- دي بوفوار سيمون : الجنس الآخر، تر مجموعة من أساتذة الجامعة  ،منشورات المكتبة الحديثة للطباعة والنشر ط1،بيروت 1971 ص:5.

[14]- العالم محمد أمين وآخرون : الرواية العربية بين الواقع والأيديولوجيا ،دار الحوار للنشر والتوزيع ط1،اللاذقية ، سوريا 1986 ص:15.

[15]- سعيد يقطين : الأدب والمؤسسة والسلطة ،نحو ممارسة أدبية جديدة ،المركز الثقافي العربي ط1،الدار البيضاء 2002 ص:58.

[16]- رشيدة بنمسعود : المرأة والكتابة ،الاختلاف وبلاغة الخصوصية ،أفريقيا شرق ط2،المغرب 2002 ص:78.

[17]- ينظر: عبد الرحمن بن محمد الوهابي : الرواية النسائية السعودية  والمتغيرات الثقافية ، النشأة والقضايا والتطور، العلم والإيمان للنشر والتوزيع ط2،المملكة العربية السعودية 2010  ص:69. ص:285.

[18]- ينظر: جوليا كريستيفا : زمن النساء البلاغة المقارنة ،تر بشير السباعي ،مجلة ألف ،ع19،1999 ص:196.وينظر كذلك: بيتر ويدسون ،رامان سلدن : النظريات النسوية ،تر محمد النعيمي ،مجلة أفكار ،ع159،2001 ص:34.

[19]- مجموعة من الباحثات :النسوية العربية ،رؤية نقدية ،مركز دراسات الوحدة العربية ،بيروت2012 ص:194.

[20]- المرجع نفسه ص: 195.

[21]- ينظر نفسه ص: 195،وينظركذلك Judith Butler : Gendertrouble.Feminism and the subversion of identity 2ndedit(london.New York .Routledge1999.

[22]- ينظر ك.م نيوتن : نظرية الأدب في القرن العشرين ،تر عيسى العاكوب ، عين للدراسات والبحوث ط1القاهرة 1997، ص:277.

[23]- رياض القرشي : النسوية قراءة في الخلفية المعرفية  لخطاب المرأة في الغرب ،دار حضر موت ط1،اليمن 2008 ،ص:79.

[24]- ميجان الرويلي ،سعد البازعي : دليل الناقد الأدبي ،المركز الثقافي العربي ،ط3،الدار البيضاء ،الرباط ،ص:330.

[25]- ينظر النسوية وما بعد النسوية ،المجلس الأعلى للثقافة  ،تر أحمد الشامي  القاهرة 2002 ،ص:13- 14.

[26]- ليندا جين شفرد :أنثوية العلم ،تر يمن طريف الخولي ،عالم المعرفة ط1،الكويت 2004 ،ص:11.

[27]- أمينة بنت عبد الرحمن الجبرين المسهر: المقالة النسائية السعودية  “دراسة نقدية (1999-2009)،رسالة دكتوراه ،كلية الآداب، جامعة الملك سعود، المملكة العربية السعودية(2008-2009) ص:42-43.

[28]- المرجع نفسه ص:50.

[29]- عبد الله محمد الغذّامي :المرأة واللغة ،المركز الثقافي العربي ط3،الدار البيضاء ،الرباط 2003 ،ص:152.

[30]- شهلا العجيلي : الخصوصية الثقافية في الرواية العربية :النسوية-القومية-الإثنية / الدينية ،الدار المصرية اللبنانية ط1،القاهرة 2011،ص:77.

[31]- أمينة بنت عبد الرحمن الجبرين المسهر: المقالة النسائية ، المرجع السابق ص:49.

[32]- ينظر: مفيد نجم: الأدب النسوي اشكالية المصطلح ،مجلة علامات في النقد ،م15،ج57،المملكة العربية السعودية 2005،ص:164.

[33]- – شهلا العجيلي : الخصوصية الثقافية في الرواية العربية، مرجع سابق ،ص:83.

[34]- ينظر :حسين المناصرة :هل هناك كتابة نسوية ؟ مجلة انزياحات العدد الرابع ،المملكة العربية السعودية ، سبتمبر 2010،ص:79.

[35]- حسين الناصرة : مقاربات في السرد –الرواية والقصة في السعودية-عالم الكتب الحديث ط1،الأردن 2012،ص:119.

[36]- شهلا العجيلي : الخصوصية الثقافية في الرواية العربية، مرجع سابق ،ص:83.

[37]- رشا ناصر العلي :الأبعاد الثقافية للسرديات النسوية المعاصرة في الوطن العربي (رسالة دكتوراه)،كلية الآداب ،جامعة عين شمس القاهرة 2009،ص:86-87.

[38]- الأخضر ابن  السائح : في نص المرأة ،مجلة انزياحات ، ع4،المرجع السابق ص: 82.

[39]- المرجع نفسه ص:82.

[40]- ينظر نفسه ، ص:82-83.


Updated: 2018-10-10 — 18:41

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme