شعــــــــريّة اللـغة الصــوفيّة عند أدونيس -قراءة في بعض أشعاره-


 

شعــــــــريّة اللـغة الصــوفيّة عند أدونيس

-قراءة في بعض أشعاره-

د.سعيد بكير، جامعة حسيبة بن بوعلي ، الشلف(الجزائر)

مقال نشر في مجلة جيل الدراسات الادبية والفكرية العدد 44 الصفحة 49.

    ملخص البحث:

يقول أبو حيّان التوحيدي في كتابه الإمتاع والمؤانسة، وهو أحد المتصوّفة:”إنّ الكلام على الكلام صعب،…فأمّا الكلام على الكلام،فإّنه يدور على نفسه، ويلتبس بعضه ببعض”، كذلك الحديث عن التصوف وعلاقته بالشعر عند أدونيس، يندرج ضمن هذا السياق، لما يسوقه من أسئلة عديدة يثيرها حول هذا الموضوع الواسعة أطرافه فالتصوف قبل أن يتصل بالشعر، والشعر العربي المعاصر خاصّة، مجاله الدين وتسامي الروح الإنسانية في الاتحاد مع الذات الإلهية، والارتباط بالمطلق،وهذا ما حاولت تجسيده جميع الأمم على اختلاف أديانها.

كلمات مفتاحية: الصوفية، الشعرية، أدونيس، شعرية التصوف، الجنون، الكشف، الغموض.

  • توطئة:

 إنّ التصوف فكرة قديمة تضرب جذورها إلى حدود القرن الأوّل الهجري، يسعى مريدوه التقشف والاستبطان، ومن أولياته طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم،والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتمتع بالفناء في الطاعة والسّفر إلى الله، متجاوزين في ذلك حدود الزمان والمكان، ونما التصوف واكتمل في القرن الرابع الهجري على يد مجموعة لا بأس بها من العلماء*، الذين تركوا الدنيا وأظهروا ميلهم إلى الجانب الروحي.

ومن أقدم المصادر التي أشارت إليه “البيان والتبيين”([1]) للجاحظ، الذي دّل على ظهوره في البصرة والكوفة، على يد الحسن البصري، وذكره كذلك ابن خلدون في مقدمته فقال:”اختُصّ المقبلون على العبادَةِ باسم الصوفية والمتصوفة”([2])، وهناك من يربط نشأة التصوف بعوامل أجنبية، ساعدت على ظهوره في المجتمع العربي،كفكرة الغنوصة**اليونانية وهذا أمر مستبعد-في وجهة نظري-لأنّ التصوف يدعو إلى محو صور البذخ والإسراف في طلب الدنيا، وهذه تعاليم أوّل من جسّدها فعلياً، الدين الإسلامي فكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أشّد الناس طلباً للآخرة، زهاداً في الدنيا.

ويرى المستشرق الانجليزي نيكلسون:” أنّ بذور التصوف الأولى ظهرت في نزعات الزهد القويّة التي سادت في العالم الإسلامي في القرن الأوّل الهجري، وترجع العوامل الرئيسية في ظهور نزعة الزهد إلى المبالغة في الشعور بالخطيئة”([3])، فنيكلسون يربط التصوف بفكرة واحدة وهي الشعور بالخطيئة، لكنه وفي حقيقة الأمر يرتبط بعدة عوامل أخرى، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، الحيرة والسفر، وصفاء الروح والكشف، …إلخ، ولعّل أهمّ ما يمكن أن نعمق فيه بصيرتنا، هو ارتباطه بالشعر، فكلا التجربتين الشعريّة والصوفية مصدرها الأوّل هو الفنّ، “ومن هنا كان التصوف يحيل على الفن، ويلتقي بجوهر الشعر”([4]).

لذلك،كان طريق الشعر والتصوف واحدا، وربّما كان الشعر أحد أهمّ الوسائل لدى المتصّوفة في التعبير عن تجاربهم، كما كان التراث الصوفي مرجعاً أساسياً عاد إليه الشاعر العربي المعاصر في إثراء لغته وتجربته، وجُعلت “اللغة شرط بناء التجربة، وأداة تحققها وطريقة وعيها بذاتها في تميّزها وخصوصيتها”([5]).

  • أدونيس والتصوف:

إنّ اللغة الصوفية، لغة إشارة ورمز وليست لغة تصريح، إنّها لا تقول الظاهر والواضح وتعمل دوماً على الانفتاح وعدم تحديد المعنى وارتياد المجهول، وتعد عاملاً مضيئاً، يستطيع الشاعر به أن يتجاوز العالم العادي ليدخل عوالم يجتمع فيها المتناقض وينتعش فيها الاحتمال، ويؤثر فيها الصمت على الكلام، فتتحول إلى رؤىً جديدة للوجود، فيصبح “النص الشعري ينطوي على ملامح صوفية تتعلق بطبيعة اللغة فيه، وآلية عملها”([6])، ولذا في الشعر نبض من التصوف، وفي التصوف نبض من الشعر والشعر كما يقول البحتري:

                        والشّعرُ لمحٌ تكفي إشارته          وليس بالهذر طوّلت خُطَبُهُ([7])

إنّه ينطلق عامّة من عالم الإشارة والرّمز، وهو كسائر الفنون سرّه كامن فيه،يعتمد اللغة وسيلة وغاية في ذاتها للتعبير عن أغوار النّفس، وعمق الأحاسيس،والشاعر وحده يستطيع أن يجعل الكلمات تحيا وتبعث من جديد، في عالم آخر، هو عالم الشعر، لتلبس حلّة جديدة من المعاني والدلالات   فتكون صريحة واضحة في الشعر الغنائي، غامضة رمزية في الشعر الصوفي وتكتفي بالإشارة كما قال البحتري، وتدحض التفصيل، الذي هو أداة الخطيب.

ويحاول الشاعر في الشعر الصوفي، أن يتوصل إلى قول ما لم يقل، على أن لا ينطق بالحقيقة كلها، فيترك الفرصة للقارئ حتى يشاركه في الكشف،إذ الشعر رؤيا وكشف ومنه يبقى المعنى مفتوحاً انفتاح الرؤيا والخيال، ومن مصطلحات الشعر الصوفي نذكر:

  • الخيال:” ويشّد أواصر اللقاء بين التجربتين: الصوفية والشعريّة على أساس منه، فهو القوّة الخلاّقة في الاثنين معاً، وهو محل القدرة على الجمع والتوحيد،والمضايقة بين المتقابلات، والتركيب بين المستويات المختلفة التي لا تقبل الدمج والائتلاف”([8])، ويُعتبر وسيلة نافعة للوصول إلى الباطن.
  • الجنون: وهو عالم ثانٍ مثل الحلم، وفيه تعميّة وعدم وضوح للكلام، والإبداع جزء منه.
  • السفر:” يتحدد السفر لدى الصوفي بما يسفر عنه”([9]).
  • الموت: ويعني موت الكلمات المفردة وانبعاثها بمعانٍ جديدة في الشعر ومع المتصوف كذلك.
  • العشق، السكر، … وغيرها كثير.

ويشترط في الشعر الصوفي الحق أن يتوافر على الأركان الآتية([10]):

الغرض المتحدث عنه، والمعجم التقّني وكيفية استعماله، والمقصديّة، وهذه جميعاً تُكوّن وحدة غير قابلة للتجزئة،أضف إلى ذلك فالتجربة الصوفيّة غايته،والشعر مجرّد تعبير فقط، وفي المقابل لدينا         -” الصوفيّة الشعريّة”، تستخدم علامات من المعجم الصوفي لكنّها تفقد مرجعيتها الدينية وسياقها الروحي والمعرفي، وتتحول إلى بنية جمالية يعيد الشاعر توظيفها.

والصوفية رؤية ثورية جديدة، تجذب النسبي إلى المطلق-كما رآها أدونيس في كتابه الثابت والمتحوّل([11])- تشبه المعتزلة، “حيث نرى شاعراً كأدونيس يفسّر سرّ ارتباطه بالموروث الصوفي بميل كل من التجربة الصوفية والتجربة الشعريّة الحديثة إلى تجاوز الواقع وإلى تحقيق نوع من الإتحاد بكل مظاهر الوجود”([12]).

وبدأت بوادر التصوف في الشعر العربي المعاصر مع الثورة الرومانسيّة لجبران خليل جبران، إذ تقاطعت نصوصه مع النص الصوفي في الجانبين الروحي والعاطفي مثل: الخيال الحدس، السفر، وعشق المطلق، وتأكد حضور الصوفية مع حركة الاستشراق.

وفي الوقت الحالي، أصبح النص الصوفي محلّ اهتمام لدى القارئ بصفة عامّة والشعراء بصفة خاصّة، فجلّ الشعراء وظّفوه في أشعارهم وعادوا إليه، ويرى الدكتور خالد بلقاسم بأنّ بداية انفتاحهم على الخطاب الصوفي كانت من داخل الرومانسيّة([13]).

لقد كان لمرور الشعـراء العرب المعاصـرين بهذه المدرسـة، واحتكاكهـم بالثقافة الغربية ونصوص المستشرقيـن، الأثر البالـغ في التعـرف، على مفاتـيح النص الصـوفي ومن هؤلاء الشعراء: الفيتوري، صلاح عبد الصبور، أدونيس، ومحمود حسن إسماعيل*،…إلخ، ويعتبر علي أحمد سعيد من الأقطاب التي تقربّت من النص الصوفي ووظّفته في أشعارها، وتوصل إلى تسميّة مجلّته “مواقف” نسبة إلى “مواقف النفِّري” وديوانه “مفرد بصيغة الجمع” نسبة إلى موضوع الليلة الثلاثين “الواحد في صيغة الجمع” من كتاب الإمتاع والمؤانسة([14])، وأدرجه ضمن “المتحوّل”، أي ضمن الخطاب المتمرد النابذ للسلطة والمذهبية الدينية الثابتة،وهنا أعارض رأي الدكتور محمد بنعمارة في قوله:” أنّ أدونيس أنكر وجود النص الصوفي، وأهمل الحديث عنه، عن طريق التعميم”([15])، لأنّ أدونيس أشار إلى تميّز التجربة الصوفية باعتبارها حركة ثورية تسعى إلى التغيير في مؤلفاته (الثابت والمتحوّل مقدمة للشعر العربي، الصوفية والسوريالية …الخ)، وكان له إسهام في بعث النص الصوفي وإن كان مستنداً في آرائه على سابقيه مثل : النفّري، السهروردي، ابن عربي، …الخ.

وأثر التصوف في  أدونيس بارز في نصوصه، وما يعاب عليه أنّه لا يشير في كتاباته إلى مراجعه ولا إلى أصل الفكرة، والخطاب الصوفي عنده يبنى أساساً على كثرة السؤال،والحيرة، وربطه بالسوريالية الغربية التي تعتمد الباطن في الاتحاد بالمطلق، وترسيخ المعرفة الوجدانية، ومن آرائه في ذلك بأنّ الشعر رؤيا وبأنّ”المعرفة تجلٍ، وليست نقلاً، وأنّ الشعر تعبير أسمى عن هذا الكون الأسمى”([16]).

إنّ وعي أدونيس بأهميّة هذا المنبع، ىجعله يضعه في المقام الأوّل،فأعلى من قيمته وجاءت مجموعاته الشعريّة متكئة على الرافد الصوفي، فذكّرت بمواقف النفّري ومخاطباته وبالحلاج وبالنـزعة الإشراقية المستوحاة من كتابات السهروردي([17])، وحمّل شعره الصوفي دلالات جديدة، عمّقت سفره في الذات وأصبحت الرؤيا الشعريّة لديه” تغيير في نظام الأشياء وفي نظام النظر إليها”([18]).

من هذا المنطلق الإبداعي في الشعر،الذي يتخذ الصمت والخفاء،الغموض والكشف، الباطن والتجلي،أساسا بنى عليه أدونيس قصيدته الصوفيّة ورسم عليها نقوشه وطلاسمه، ومارس عليها اقتصاده في العبارة، وسادت الانفعالية*في معظمها نتيجة عجزه، “وتتجسد هذه الانفعالية على الخصوص في القصائد التالية:”البهلول”،تمثل نسبة الفعل إلى الصفة1.9%،و”البرزخ” بنسبة 1.6%، و”زهرة الكيمياء” بنسبة 1.5%، ويرتبط هذا النوع من الانفعـال بفشل الشاعر عن الإجابـة على الأسئلة العميقة والمحرقة التي تؤرقه، فيعيش في لحظة استباق مستمرة”([19]).

والتصوف عند أدونيس لصيق بالسفر والغربة، فهو مسافر دائم، يسعى إلى الحقيقة عن طريق الشعر والسؤال المفتوح ودحض الواضح،لأنّه أحسّن بضيق الواقع،الذي لم يستطع حمله، فلجأ إلى فضاء أرحب، هو الفضاء الصوفي الذي مهما سافرت فيه اتسع ومجال العودة فيه منعدم،وصاحبه خارجٌ عن نطاق الزمان والمكان، في بحث دائم عن الخلاص مكابدٌ، قلق، حائر، وينظر ببصيرته لا ببصره، والبصيرة كما يعرّفها أبو حيّان التوحيدي (لحظ النفس الأمور) ([20]).

وتتحدد الصوفيّة بأربعة صفات-حسب وليم جيمس- وهي([21]):

  • اللاموصوفية (L’inéffabilité): وتعني أنّ للصوفي حالات روحيّة لا يقدر الكلام أن يصفها.
  • المعرفيّة (Neotique): وهي النفاذ إلى أعماق حقيقة لم يسبرها العقل من قبل.
  • الموقوتية (La nature Transitoire): وتعني أنّ هذه الحالات لا تدوم طويلا.
  • الانفعالية (Passivité): حالات لا تكاد تنشأ حتى يشعر صاحبها أنّه فقد إرادته وأنّه معتقل أو مأخوذ بقوة عليا…وهذه الحالات تقرّب من النبوّة والانخطاف والكتابة الآلية أو الإملاء.

فالصوفي موكول بارتياده الدائم للعالم الخفي المجهول، يسعى دوماً لكشف أعماق لم يسبرها العقل، أو ربّما تتجاوزه لحد الجنون فلا توصف، ما يفسر تعلقه بقوى خفيّة تقوده في سفره، وفي تحديده لعلاقته مع الله، وهكذا، ” نرى أنّ الشعر الصوفي يجمع بين الصور المتناقضة، والمواقف المتضادة بصياغة فنيّة رائعة، كما أنّ الصوفيّة تعتمد على رموز غامضة للتعبير على معانيهم الباطنية في غير تكلّف مثل اعتمادهم على آية النور، لما تنطوي عليه من أسرار حافلة وتشبيهات تثير استغراق المتصوف: النور المشكاة، الزيتونة، لا شرقية ولا غربية…”([22]).

من هاهنا، وحين نتتبع مسار أدونيس في رحلته مع التصوف، يظهر أنّه مأخوذ بأفكاره منذ الوهلة الأولى، وأنّ الشاعر نهل من مخزون الصوفيين، وحتى “كتابه الثابت والمتحوّل يبدو أنّه مستوحى من الفتوحات المكيّة لابن عربي، حيث يتحدث عن التغيير والتحوّل في العالم”([23])، والشأن نفسه مع مجلّة “مواقف” التي تأسست سنة 1968م، في بيروت، فإنّ “اسم المجلة بالذات هو اسم دراسة شعريّة صوفيّة نفّريّة*بعنوان (كتاب المواقف)”([24])، وفي وضعية الحروف والبياضات دليل آخر على اقترابه من النص الصوفي.

وفي موقف آخر يبرز أدونيس تأثيره بمجموعة من الصوفيين، في حوار أجراه مع صقر أبو فخر،حيث قال:(أمّا المكزون السنجاري فله أثر كبير، ولاسيما في موضوع الظاهر والباطن،… يعد من أهمّ الشعراء الذين نقلوا أفكارهم وانتماءاتهم وولاءاتهم بدرجة عالية من الشاعريّة…لا أتحدث عن النفّري الذي هو الآن من المقروئين جداً، ولا عن محي الدين بن عربي هذا الرجل العظيم”([25]).

إذن، فلرّافد الصوفي أثر بالغ في شعر أدونيس، كيف لا ووالده صوفي، ولغته تدعو إلى الحرية ودحْض رقابة العقل،وتطبيق المجاز الذي، هو “بداية دائمة، هذه البداية جسر يربط المرئي وغير المرئي”([26])، لكن للشاعر سلبيات، منها: استخدامه “للرؤيا” التي لم تخرج عن المعاني التي وردت في الأصول، وكذلك استخدامه لألفاظ غيره كالنور والإشعاع والإشراق،… وهي للسهروردي صاحب النزعة الإشراقية، ثم إنّ خطابه الصوفي صعب المنال لأنّه لم يذهب مذهب المتصوفة في أقوالهم الصوفية، بل خاض طريقه الذاتية في قراءته وتوظيفه، وعمل على تطويره،وبذلك زالت الفوارق بين الشعر والتصوف.

  • تمظهرات شعريّة اللغة الصوفيّة عند أدونيس:

لقد اكتسى الخطاب الشعري الصوفي عند أدونيس شعريّة خاصّة، حيث استطاع الخروج به من نطاق الدّين والخطاب الفقهي الصريح، إلى نطاق أوسع اعتماداً على لغته وإنّ”شعريّة هذه اللغة تتمثل في أنّ كل شيء فيها يبدو رمزاً، كل شيء فيها هو ذاته وشيء آخر”([27])، وتظهر شعريّة رمزه في انزياحه عن الأصل،وبعده عن ما وضع له فاستعمل الشاعر صقر قريش، مهيار، أدونيس، سيزيف…، فتسوقك مثل هذه الرموز إلى التعمق في الدلالة،والذهاب إلى أبعد التأويلات والتفاسير، “فالرمز يحقق الدلالة وينميها ويستبطن الشاعر الصوفي ذاته وصولاً إليها  مستأنساً، بمرجعيات كثيرة تاريخية ودينية وأسطورية واجتماعية وسياسية وجمالية لاختيار رمزه، فهو ليس عملاً عشوائياً، ويشكل مع اللّغة والدلالة أساس الشعر الصوفي،ومدار تميّزه وشهرته”([28]).

برزت ملامح الكتابة الصوفيّة لدى علي أحمد سعيد، في مجموعاته الشعريّة، وظهرت بصفة واضحة في بعض قصائده، واكتفت بالتلميح والإشارة في البعض الآخر، ففي ديوانه “قصائد أولى” يقول في قصيدة ” وحده “:

وُحِّد بي الكونُ فأجفانُه

تلبس أجفاني؛

وَحِّد  بي الكون بحريتي

فَأيْنا يبتكر الثاني؟([29]).

فالخطاب بلغة الفرد وإضمار الجماعة،من صميم ما ذهبت إليه التجربة الصوفية واستعانته بألفاظ كالوحدة والحرية، دليل على توسله المصطلح الصوفي رغم تحوّل دلالات الألفاظ لحساب ممارسته النصيّة.

ولما كان الأدب يولد مرّة واحدةً،وكان الشعر جنوناً،وانفتاحا على المطلق، قال أدونيس في قصيدة ” الضياع “:

الضياع الضياعْ ……….

الضياعُ يخلِّصنا ويقود خطانَا

والضياعْ

ألقٌ وسواهُ القناعْ ،

والضياعُ توحُدنا بسوانَا

والضياع يُعلِّق وجهَ البحارْ

برؤَانا

والضياع انتظار([30]).

وكذلك قوله في قصيدة ” رياح الجنون “:

جئتكم، فلبستُ الجريمة

وحملتُ إليكم رياحَ  الجنونْ([31]).

 

وقوله أيضاً:

                                     والجنونُ الذي قادني لا يزالُ أميرَ الجنونْ([32]).

فالشاعر في اختياره”الضياع”، وتكراره “للجنون”*،و”السفر”،عناوين لقصائده يبدي تأثّره الواضح بالتيار الصوفي الذي يعشق التيه والبحث والضياع، مما يضفي على نصوصه شعريّة منبعها تطويع اللغة والرؤية الإبداعية للشاعر([33]).

وفي ديوانه”أغاني مهيار الدمشقي”*، يلتقي أدونيس بالحلاج في مرثية يقول فيها:

يا كوكباً يطلعُ من بغدادْ

          محمّلاً بالشعرِ والميلادْ

          يا ريشةً مسمومةً خضراءَ

          لم يبقَ للآتين من بعيدْ

          مع الصدى والموت والجليدْ

          في هذه الأرضِ النشوريّه ْ-

لم يبقَ إلاّ أنتَ والحضور

          يالغة الرّعد الجليليّهْ

          في هذهِ الأرضِ القشوريّهْ

          يا شاعرَ الأسرار والجذور([34])

لجأ الشاعر في هذه المرثيّة، إلى إحياء شخصية عظيمة في مجال التصوف وهي شخصية “الحلاج”،فاستحضر رؤاه الحلوليه، وإسهاماته في أرض الشعر،ونعته بشاعر الأسرار  واستدعاءه مثل هذه الرموز وتوظيفها يضفي على النص الصوفي شعريّة متميّزة، تسعى إلى الكشف عن الغائب المستتر      وتجاوز السياقات العادية والمألوفة للغة،وإنّ”الشعريّة تكمن لديّهم في الجمع بين الداخل والخارج، والذات والموضوع، والممكن والمستحيل”([35]).

وأمّا في”كتاب التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل“،برزت الصوفيّة بشكل جلي وربطها بأصول الثقافة العربية الإسلامية، وأظهر هذه العلاقة خاصّة في قصيدة”تحولات العاشق”([36])، وفي هذا الديوان راهن على “الرؤيا”، بوصفها من عناصر الشعريّة في التجربة الصوفية([37])، ويعتبر هذا الديوان ظاهرة جديدة في الكتابة، اتخذ فيها أدونيس الجانب الصوفي منهجاً له، تخلىّ فيه عن الغنائية، مستعيناً بالرمز والأسطورة في بلوغ المقاصد(ويقصد الشاعر، من مجموع الكتاب أن ينشئَ “سفراً” أو “هجرة” في عالم الرؤى إلى “ما فوق الواقعي” أو إلى “ما فوق عقلي” غير المتناهي الحدود الزمانية والمكانية، الذي لا يتحكم التسلسل المنطقي، أو الترابط السببي في تنظيم العلاقات بين أشيائه … ثم يقصد أن يجعل من هذه “الهجرة” الصوفية سلسلة من التحولات غير المتناهية) ([38]).

هجرة أدونيس في هذا الديوان،هجرة صوفية مفتعلة، من العالم الخارجي إلى العالم الجّوانّي، لذلك جمع فيه قصائد تدل في مجملها على التحوّل مثل: “زهرة الكيمياء” “تحوّلات العاشق”، وقصيدة”الصقر” التي جاءت مطولة، وأخذت معظم صفحات الديوان،الذي رسم عنوانه على غرار عناوين كتب الصوفية القدامى مثل”كتاب الأسفار” لابن عربي.

ومن جهة أخرى ربط التحوّل بالهجرة في كونهما سفر، والسفر عنده يتم في جسد العشيقة (المرأة)، فيغدو جسدها تضاريسا، مصاعد ومدارج، ويتخلل هذا الديوان تكرار لعدة مصطلحات تؤول إلى التحوّل ( شجر، فصل، نبات)، وفيه جسّد عدّة مقولات صوفيّة كان لها حضورها مثل: السفر التحوّل، تأنيث المكان (المكانة).

فالتحوّل والسفر كانا في قوله:

مهابطُ الجسد مصاعدُه سهولُه ومدارجُه والتواءاتُه.

أرض الخاصرة المليئةِ بالنجومِ وأنصافها ببراكينِ الجمرِ

الأبيضِ

بشلالاتِ الجموحِ والشهوةِ.

بعد هذا نتفيأ ُسرادقَ الحوضِ

حيثُ يستديرُ كوكبُ الجنسِ

يكتملُ التحوّلُ

يصيرُ ثدياكِ الليل والنهار

هكذا يقولُ السيّدُ الجسدُ([39]).

والصفة الثانية” تأنيث المكان” وهي مجسّدة في تماهي الجسد بالمكان، وذلك في قصيدة “تحوّلات الصقر” في جزئها الأوّل “فصل الربيع”، مخاطباً دمشق بوصفها امرأة:

يا امرأةَ الرفضِ بلا يقينْ

يا امرأةَ القبولِ

يا امرأةَ الضوضاءِ والذهولْ

يا امرأةً مليئةَ العروقِ بالغاباتِ والوصولْ

أيّتها العاريةُ الضائعةُ الفخذين يا دمشقُ([40]).

يصعب إذن، تطويق مفاهيم الخطاب الصوفي، حيث كتب أدونيس شعره برؤية برزخية*، “فاللغة هنا تتحوّل عن مدلولاتها المألوفة، وحتى عن مفهوماتها الفنيّة، إنّها تعبّر عن تجربة ذاتية و ثورية وعلامة شعريّتها الكشف وقوامها البصيرة، فشعريّة نص أدونيس تنبع من استثماره للغة بطرق جديدة مخالفة للاستعمال العادي، وهي كما قال سامي سحر:”القدرة على استثمار إمكانيات اللغة البلاغيّة والدلالية داخل النّص، وتوظيف كل تلك الإمكانات لفتح حدود اللغة على المطلق، وتشكيل عناصر الرؤية الفلسفية والفنيّة للكون”.([41])

إنّ غاية أدونيس هي اجتماع الجنسين (الجسدين)، في المرحلة الأخيرة التي تمثل مرحلة الفناء والبقاء بالجسد، أي غياب العقل وحضور الجسد، وهذه نهاية السفر الذي رسمه على جسد حبيبته فالشاعر يجعلنا في هذا المقام نفكر بالشعر لا بالعقل، نسعى وراء المجهول لا المعقول.

وفي ديوانه”مفرد بصيغة الجمع”، يواصل الشاعر استعماله للغة الصوفيّة، فعنوان ديوانه يصّح عكسه فنقول “جمع بصيغة المفرد”، وهو مأخوذ عن ابن عربي في أنّ “الله واحد من حيث الذّات متعدد من حيث الصفات والأسماء”،وهناك حضور لمصطلح صوفي آخر في الديوان وهو ” تأليه الذات”، في قصيدة “تكوين” حيث قال:

لم تكن الأرضُ جسداً     كانت جرحاً

كيف يمكن السفر بين الجسدِ والروحْ

كيف تمكنُ الإقامة ؟

أخذ الجريحُ يتحوّلُ إلى أبوين والسؤالُ يصير فضاءً

اخرجْ إلى الفضاءِ أيّها الطفلُ

خرجَ عليٌ

يستصحبُ

شمسَ البُهلول دفتر أخبارٍ تاريخاً سريّاً للموتْ([42]).

لقد تكرر هذا المقطع في كل أجزاء الديوان الآتية:(تاريخ- جسد- سيمياء)، وفيه يعرض لقضية ” تكوّن الأرض” تماشيا مع العنوان “تكوين”، حيث يستحضر الفعل الإلهي (كن)، في صيغة (اخرج) والإجابة كانت بالخروج، وفي هذه الصورة إشارة إلى “ميلاد الشاعر” وهو المقصود، “فعلي”هو “علي أحمد سعيد”، وولادة علي، إنّما هي ميلاد للعالم لأنّه قال في موضع آخر: أنا العالم – مكتوباً.

وينبغي الإشارة هنا إلى أن أدونيس يتحدث عن الخلق الشعري، أي القصيدة وليس خلق العالم وأما في ديوان “أبجدية ثانية”، فيوظّف مقولات صوفيّة أخرى وهي كالآتي :

  • “الغربة” في قوله:

                   قلْ أنا الغريبُ وأتقنُ هندسة َالمنفى([43]).

  • “الحيرة” في قوله:

                ماذا تَفْعَلين بي أيتها الأبْجَدِية ؟

                   هل بقدمَيْ هَاجَرَ عليَّ أنْ أكتبَ؟

                   هَلْ بعَطَشِ إسماعيلَ وتيِههِ؟

                   هل كتبتِ عليَّ ألاَّ أتفَيَّأَ غير شجرة الجحيم ؟([44]).

وفي الختام يمكن القول إنّ توظيف أدونيس للمصطلح الصوفي أكسب قصيدته، صبغة خاصّة وشعريّة متميّزة لأنّه خرج بالألفاظ الصوفية من الاستعمال العادي إلى ساحة الرمز والإشارة،فامتلأت أعماله بالرموز والرؤى والأحلام، “ولا نغالي إذا قلنا أنّه أبعد النّاس عن طريق الصوفية الإسلامية التي تنشد الوصول إلى حضرة”الحق”، فهو ينشد “طريقاً” هو طريق الثورة والهدم والتدمير ولاشك أنّ نزعته الصوفيّة تتفق مع الصوفيّة بمعناها العام، وما يميّزها من جنوح نحو الأحلام واللاوعي”([45]).

*من هؤلاء العلماء :( أبو يزيد البسطامي، النفّري، ذو النون المصري، ابن عربي، شهاب الدين السهروردي، … وغيرهم كثير)

 ([1])الجاحظ ، البيان والتبيين، تح: عبد السلام هارون، ج01 ، ط01، مكتبة ابن سينا للنشر والتوزيع ، القاهرة 2010م ص253.

عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، طبعة منقحة ومصححة، دار الفكر، بيروت، لبنان، ط01، 2004، ص504.([2])

**الغنوصة: إحدى الفرق المسيحية التي ترى المادة شراً والخلاص عن طريق المعرفة الروحية”- قاموس أساطير العالم ، ص47 وتمثل تياراً دينياً فلسفياً مسيحياً(ق 2.3م) ويقصد بها المعرفة الملهمة اللدنية(العرفان) الناتجة عن الاستبطان والحدس لا عن طريق العقل.

عبد الحميد جيدة، الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر، ص 96.([3])

وفيق سلطين، الشعر والتصوف، الهيئة العامّة السورية للكتاب، دط، دت، ص14.([4])

المرجع نفسه، ص 08.([5])

المرجع نفسه، ص 16.([6])

([7])أبو عبادة البحتري ، الديوان الشعري، تح:يحي الشامي، مجلد 01،  دار الفكر العربي، بيروت ، لبنان، ط01، 2005 ص84.

وفيق سلطين، الشعر والتصوف، ص30.([8])

ابن عربي، الفتوحات المكيّة، ج02، دار صادر، بيروت، لبنان، دط، دت، ص 382.([9])

([10])ينظر سفيان زدادقة، الحقيقة والسراب، قراءة في البعد الصوفي عند أدونيس مرجعاً وممارسة، منشورات اختلاف، الجزائر، ط01 2008م ص ص 241-242.

ينظر أدونيس، الثابت والمتحوّل، ج03، ص10.([11])

([12])علي عشرى زايد، استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، دار غريب للطباعة والنشر، القاهرة دط، 2006م ص ص 105-106.

ينظر خالد بلقاسم، أدونيس والخطاب الصوفي، دار توبقال ،الدار البيضاء، المغرب، ط01، 2000ص 57.([13])

*محمود حسن إسماعيل شاعر مصري، كانت له رؤية قبل أدونيس فيما يخص رؤية الكون-مفاهيمه للطبيعة والمرأة والحب والمعرفة، وكما يرى محمد بنعمارة بأنّ له السبق في أربعة مسائل: (-أنّ الشاعر رائياً، يتلقى من الغيب كما في ديوانه “هكذا أغني”-علاقة الشاعر بالطبيعة  فالشاعر والطبيعة روح واحدة ممتزّجة-مسألة “الروح الواحدة” و”وحدة الهوية” بلغة أدونيس- مسألة علاقة الشعر بنفسية الشاعر وأحواله وحياته ورؤيته وقال أدونيس بأنّ الشاعر هو القصيدة )(الأثر الصوفي في الشعر العربي المعاصر، محمد بنعمارة، ص 175).

ينظر عبد الحميد جيدة، الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر، ص 99.([14])

([15])محمد بنعمارة، الأثر الصوفي في الشعر العربي المعاصر، شركة النشر والتوزيع للدارس، الدار البيضاء، المغرب، ط01، 2001م        ص 180.

أدونيس، الكتاب الخطاب الحجاب، دار الآداب، بيروت، لبنان، ط01،  2009م،  ص ص 61-62.([16])

ينظر محمد بنعمارة،  الأثر الصوفي في الشعر العربي المعاصر، ص 209.([17])

أدونيس، زمن الشعر،  ص 09.([18])

*الانفعالية Fonction émotive)): وهي وظيفة من وظائف الخطاب عند رومان جاكبسون، تخص المرسل Destinateur وتظهر في الخطابعن طريق ضمائر المتكلم وصيغ التعجب.

([19])محمد بونجمة، الرمزية الصوتية في شعر أدونيس (الدلالة الصوتية والصرفية)، مطبعة الكرامة، فاس، المغرب، دط، 2001م، ص74.

أبو حيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، ج02، ص35.([20])

أدونيس، الصوفية والسوريالية، ط01، 1992م، بيروت، لبنان، ص ص 57-58.([21])

مجلة عالم الفكر، المجلد السادس، العدد الثاني، “التصوف ايجابياته وسلبياته”، أحمد محمود صبحي، ص30.([22])

نبيلة الرزاز اللجمي، أصول قديمة في شعر جديد، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، دط،  1995م،  ص50.([23])

نفّرية: نسبة إلى” نفّر” أحد المواقع ببابل.*

([24])الضوء المشرقي، أدونيس كما يراه مفكرون وشعراء عالميون، نخبة من المؤلفين، “النفّري، أدونيس، مهيار”لجان بييرفاي، بدايات للطباعة والنشر، سوريا، ط01،  2004م، ص 226.

صقرأبو فخر، حوار مع أدونيس، ص 51.([25])

أدونيس، الشعرية العربية، ص77.([26])

أدونيس، الصوفية والسوريالية  ص23.([27])

سفيان زدادقة،  الحقيقة والسراب، قراءة البعد الصوفي عند أدونيس، ص226.([28])

أدونيس، قصائد أولى، دار الآداب، طبعة جديدة، بيروت،  1988م، ص70.([29])

أدونيس، أغاني مهيار الدمشقي، بدايات للطباعة والنشر، طبعة جديدة خاصة، سورية،  2006م، ص158.([30])

المصدر نفسه، ص 112.([31])

أدونيس، المطابقات والأوائل، دار الآداب، بيروت، طبعة جديدة، 1988م،  ص 131.([32])

*كلمة جنون استعملها الشاعر في العديد من المواطن، استعملها في قصيدة”رياح الجنون”،-“الاجتياح”، “أول الحنون”، لكن جنونه إرادياً وليس فعلياً (حقيقياً).

ينظر محمد بنعمارة،  الأثر الصوفي في الشعر العربي المعاصر، ص182.([33])

*ديوان أغاني مهيار الدمشقي ظهر سنة 1960م، مستوحاً عن الشاعر مهيار الديلمي، المنحدر من ديلم، المنطقة الجبلية الواقعة في شمال غرب إيران، توفي الديلمي عام 1037م، وهو من أصل زرادشتى، وكان منقطعاً عن الواقع، اختار أدونيس هذا الاسم للتعبير عن التمرد  وترجمت هذا الديوان: آن واد منكوفسكي سنة 1983م.

أدونيس، أغاني مهيار الدمشقي، ص ص 188-189.([34])

سفيان زدادقة، الحقيقة والسراب، ص 230.([35])

ينظر: أسيمة درويش، مسار التحولات، قراءة في شعر أدونيس، ص 18.([36])

ينظر خالد بلقاسم، أدونيس والخطاب الصوفي، ص62.([37])

حسين مروة، دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي، مكتبة المعارف، بيروت، دط،  1988، ص362.([38])

أدونيس،  كتاب التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل،  ص ص89-90.([39])

المصدر نفسه ، ص 44.([40])

*برزخ: مصطلح صوفي (ابن عربي) يعني مكان التحوّل بين صفتين مثل : الوجود/العدم، فالممكن هو البرزخ.

سامي سحر،  شعرية النص الصوفي في الفتوحات المكيّة، الهيئة المصرية العامة للكتاب،  مصر 2005،  ص62. ([41])

أدونيس، مفرد بصيغة الجمع، دار الآداب، بيروت،  لبنان، طبعة جديدة، 1988م، ص09.([42])

أدونيس،  أبجدية ثانية،  ص52.([43])

المصدر نفسه ، ص ن.([44])

إبراهيم محمد منصور، الشعر والتصوف، دار الأمين، مصر، ط01، 1999م، ص 262.([45])


Updated: 2018-10-09 — 08:53

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme