سؤال الدين في السياقين الحداثي والإسلامي : دوركايم وطه عبد الرحمن نموذجاً / Question of religion in the modern and Islamic contexts : Dorkaim and Taha Abdel Rahman model


سؤال الدين في السياقين الحداثي والإسلامي : دوركايم وطه عبد الرحمن نموذجاً

Question of religion in the modern and Islamic contexts :

Dorkaim and Taha Abdel Rahman model

الباحث حامد رجب عباس/جامعة القاهرة، مصر

  مقال نشر في   مجلة جيل العلوم الانسانية والاجتماعية العدد 51 الصفحة 57.

 

  ملخص :

تهدف هذه الورقة الوقوف على سؤال الدين فى السياقين الحداثي والإسلامي ، والتعرف على كيفية أشكلته لدى أنموذجين مَثّلَ أحدهما السياق الحداثي ، وهو (دوركايم) فى حين مَثّلَ الآخر (طه عبد الرحمن) السياق الإسلامي ، وحاولت الورقة مقاربة سؤال الدين لدى كلا الأنموذجين بالتوقف على أشكلتهما لمصدريته (أى مصدر الدين) وفعاليته أو حضوره فى المجتمع وسلوكيات أفراده (التدين) . فبينما أعتبر “دوركايم” أن مصدر الدين “الضمير الجمعي” أى المجتمع ذاته ، واعتبر أن دوره فى المجتمع وظائفي بما يكفله للمجتمع من تحقيق الانسجام داخله كضرورة لفاعليته. اعتبر “طه” أن مصدر الدين هو “الفطرة” أى “فطرة الدين” فيستجيب الإنسان بصوره لا شعورية لذاكرته الأصلية والميثاق الذى قطعه الإنسان مع خالقه والذى شهد فيه قبل الخلق فى عالم الغيب بربوبية خالقه وألوهيته ، والتدين كذلك يأتى كسلوك فطرى وليس كسبي بحيث يتم فيه تنزيل أو تشهيد ما استقر فى ذاكرته الأصلية فى عالم الغيب على عالم الشهادة.

الكلمات المفتاحية: سؤال الدين ، الحداثة ، الإسلام ، دوركايم ، طه عبد الرحمن.

Abstract :

This paper aims to identify the question of religion in both modern and Islamic contexts, and to learn how it is shaped by two models, one of which is the modernist context (Durkheim) and the other (Taha Abdel Rahman). The paper attempted to approach the question of religion in both models (Source of religion), its effectiveness or its presence in the society and the behavior of its members (religiosity). While Durkheim considers the source of religion to be “collective conscience” ie society itself, and considered that its role in society and my functions in order to ensure the community to achieve harmony within it as a necessity for its effectiveness. Taha considered the source of religion to be the “instinct” of the religion. In which the download or martyrdom of what has settled in the original memory in the world of the unseen on the world of martyrdom.

 key words: Question religion, modernity, Islam, Durkheim, Taha Abdul Rahman

  تمهيد:

يعد سؤال الدين واحدا من أكثر الأسئلة التى طرحت بزخم لا سيما مع موجة الحداثة وما بعدها ، حيث غلبة الفلسفات التنويرية والمادية و إلحاحات اتجاهات العلمنة ، وهو ما أثار حفيظة عدد من مفكري  الحداثة لمناقشة قضايا وإشكالات من قبيل: حضور الدين داخل الذات الفردية والاجتماع العام ، عودة المقدس أو الأصوليات ، والحالة الإيمانية والغوص فى التدين،و تنازع المركزيات (مركزية الإنسان/العقل ومركزية الإله/الإيمان) ، وفكرة المواجهة بين اللاهوت والعلم ، وجدل اللاهوت والسياسة ، وغيرها من القضايا والإشكالات التى أثارها سؤال الدين فى سياق الحداثة ، الأمر الذي يجعل ثمة مشروعية لمناقشة سؤال الدين وجدليته إن في السياق الحداثي المتحلل من الدين كلية أو المذوت له (من تذويته للدين وخصخصته وجعله شأنا ذاتي) ، أو فى السياق الإسلامي الذي ينحو إلى أسلمة الحداثة كما المعرفة . لكن مناقشة سؤال كهذا إن فى سياق الحداثة على سيولتها وتعدد تياراتها أو فى السياق الإسلامي على تنويعاته الفكرية والمذهبية والطائفية ، يعد أمراً محال إن لم يكن ضرباً من الجنون وخوضاً فى سياق اللاممكن ومن ثم يفضي إلى اللامعنى ، ومن هذا المنطلق لا مناص من حصر مناقشة سؤال الدين فى أنموذج بعينه ، وقد وقع الاختيار على أنموذجين أحدهما يمثل فلسفة الحداثة “دوركايم” والآخر “طه عبد الرحمن” يمثل أنموذج فى السياق الإسلامي ، وتقع جل طروحاته فى إطار مقلوب الحداثة إن صح التعبير ، أو روح الحداثة بتعبير صاحبها (أى طه) ، وكلاهما اشتركا فى مناقشة سؤال الدين ومقاربته وإن بطرائق مختلفة. ويمكن مقاربة أشكلتهما لسؤال الدين على النحو التالي هل يعد الدين مكون أصيل فى بنية الإنسان وذاكرته الأصلية ومن ثم يأتي التدين كسلوك فطري أم يعد الدين فعالية مكتسبه ومن ثم يكون التدين سلوك كسبي؟

وعليه فإن هذه الورقة ستتوزع على ثلاثة عناصر على النحو التالي:

أولاً : إشكال الحداثة مع الدين.

ثانيا : مقاربة دوركايم لسؤال الدين.

ثالثا : مقاربة طه لسؤال الدين.

أولاً : إشكال الحداثة مع الدين:

الحداثة والتنوير والعلمنة ثلاثية تتلازم وتُستدعى فى آن (على الأقل فى مقاربة سؤال الديني) بحيث يتم الربط دراماتيكيا وأحيانا المرادفة بين الحداثة والتنوير والعلمنة ، حيث الأفول التدريجي للطابع الطقوسي الجماعي والمؤسسي للدين، وعمليات فصله إراديا وبوعي عن توجيه وتأطير الفعل السياسي والمؤسسة السياسية، وتحرير الثقافة وتطعيمها (تزويدها ومزجها) برؤى وتحليلات مستمدة من العلوم الإنسانية والاجتماعية ركزت على دور الحتميات الطبيعية والتاريخية من جهة وعلى دور الفعالية البشرية من جهة أخرى.

كما تتعدد وتتنوع آليات مقاربة الحداثيين لسؤال الدين بحسب زوايا النظر التي تؤطر مقاربتهم ،  ومن ثم تتنوع سرديات استشكال الدين والديني فى سياق الحداثة لسيولتها وتعدديتها والنسبية المطلقة التي لازمت مقارباتها  ، فما يقدمه السوسيولوجي لمقاربة سؤال الدين يغاير ما يقدمه الإنثربولوجي ، إن على مستوى المفاهيم النظرية أو الطرائق المنهاجية فى دراسة المعتقدات الدينية والممارسات المرتبطة بها . بل أن مقاربة الديني واستشكاله تختلف وتتباين بين الأنثربولوجيين أنفسهم وكذا بين السوسيولوجيين ، ففكرة دوركايم عن افتقاد المعايير والمعاني الموجهة ، تختلف عما قدمه ماركيز عن الاستلاب والألينة ، وكذلك تختلف فكرة ماكس فيبر عن افتقاد العالم الحديث لطابعه السحري عما قدمه مارسيل غوشيه عن علاقة التحديث والديمقراطية بالخروج من دائرة العنصر الديني بالمعنى الضيق للكلمة.

لكن هذا التفاوت والتباين فى المقاربات لا يعنى أنه ليس ثمة نقاط صلبة ، ومشتركات قارة تنطلق منها مقاربات الحداثيين لسؤال الدين ، من مثل: إعلاء الإنساني في مقابل الإلهي ، والعقل في مقابل الإيمان ، والحياة فى مقابل الموت ، وفردنة الاعتقاد فى مقابل الطابع الطقوسي الجماعي ، والعلم فى مقابل اللاهوت ، وقد أزاح “فيورباخ” الستار عن هذه النقاط فى حفرياته عن “أصل الدين” ، يقول : ” كان شغلي دائماً قبل أي شيء آخر أن أنير المناطق المظلمة للدين بمصباح العقل حتى يمكن للإنسان فى النهاية ألا يكون ضحية للقوى المعادية التى ستستفيد من غموض الدين لكي تقهر الجنس البشرى وكان هدفي هو أن أبرهن أن القوى التي ينحني أمامها الإنسان خاضعاً متذللاً هى مخلوقات من عقله المحدود الجاهل الجبان الذي تعوزه الثقافة … ، والغرض من كتاباتي هو أن أجعل الناس أنثروبولوجين بدلاً من أن يكونوا لاهوتين . أن يحبوا الإنسان بدلاً من أن يحبوا الله ، أن يكونوا طلاباً لهذا العالم بدلاً من أن يكونوا طلاباً للعالم الآخر . أن يكونوا مواطنين معتمدين على أنفسهم فى هذه الارض بدلاً من ان يكونوا كهنة مراوغين خاضعين لحكومة كهنوتية وأرضية وعلى هذا فإن هدفي ممكن أن يكون أي شيء إلا أن يكون سلبياً هادماً فهو هدف ايجابي فأنا أنكر لكي أثبت . أنكر أوهام اللاهوت والدين حتى يمكنني أن أؤكد الكيان الجوهري للإنسان[1] “.

فالإنساني والعقل والفردانية والحياة والنفعية …، كلها صيحات أطلقها الحداثيون فى مواجهة الديني وطقوساته ، وإن تنوعت توظيفاتهم لهذه المفردات على صورتين ، إحداهما قالت بنهاية الدين وضرورة القطع مع كل مقدس ، الثانية قالت بخصخصته لإحداث أفول تدريجي للمتعالي – بتعبير نيتشه – لكن ليس في اتجاه اختفائه بل في اتجاه ذوبانه وتفتيته والحد من تجلياته المؤسسية والطقوسية مع تذويب الجانب الأخلاقي منه في القانون والتنظيم المؤسسي، ونقله من الضمير إلى القانون. لتصبح العلمانية لا تعبر بالضرورة عن اختفاء للديني وإزاحته بالكلية عن المجال العمومي بقدر ما تعبر عن تراجع سلطة الكنيسة مع حفظ حرية المعتقدات الشخصية أو تذويت الإيمان كما هو لدي ستيف بروس.[2]وموت الإله الذي بشر به نيتشه لم يكن موتاً للدين واختفاءً للتدين بالكلية وإنما كان موتاً لشكل من أشكال التدين المسيحي، لفظته الحداثة ورفضته ، وكانت محاولة للتخلص من ميتافيزيقيا مقدس كَبَلَ إرادة الإنسان بالكلية وتمدد فى أفق ما هو إنساني وسري فى أدق تفصيلاته ، ومن ثم كانت الصيحة النيتشويه تنشد أفق منفتح ، لكنه في حقيقته لم يكن أقل تطرفاً من نظيره (أى المنغلق على المقدس ) فجاء ليؤسس لإنسان متفوق أو أعلي le sur-homme أو بالأحرى إنسان عدمي يتحلل من كل إرادة تعلوه وتفارق كينونته ، بحيث يصبح الدين محاولة استيهامية للخروج من دائرة الحياة عبر “وهم ميتافيزيقي” بتعبير نيتشه[3] ، أو النظر إليه كـ  “مجرد جواب خادع عن سؤال الموت” كما يدعي ميشيل أونفري في كتابه عن “نفى اللاهوت: فيزياء الميتافيزيقيا”[4]، أو باعتباره “أفيون الشعوب” وعنصرا إيديولوجيا ذا بعد تخديري أو احتجاجي أو تعبيرا عن حالة استلابية إنسانية عامة، كما نجد ذلك في كتابات كارل ماركس.[5]

ثانيا : مقاربة دوركايم لسؤال الدين:

مقاربة دوركايم لسؤال الدين تخرج من رحم الحداثة ، فالدين لدي دوركايم كما لدي معظم الحداثيين يعد بمثابة سلطة داخل المجتمع أو أحد التمثلات التى تعبر عن جوانب أخلاقية ومشاعر جمعية شأن مؤسسات أخرى مثل (القانون والعلم) . لكن ما ميز مقاربة دوركايم لسؤال الدين عن غيرها من المقاربات التى سبقته ، أنطلاقته من بعد أنثربولوجي حفري وسؤاله عن مصدر الدين ، فكانت مقاربته للدين تدور حول سؤال :(من أين أتى الدين البدائي والحديث؟ وما علة وجوده؟) ، وكان دوركايم قد راهن فى حفرياته عن مصدر الدين على أننا إذا نجحنا في اكتشاف أصل الطوطمية* سيكون بإمكاننا اكتشاف الأسباب التي تؤدى إلى نشوء المشاعر الدينية لدى الإنسان ، وبمعنى أخر إذا تمكنا وفق التصور الدوركايمي من توضيح كيف أن العشيرة هى مصدر الطوطمية يكون بإمكاننا إثبات أن المجتمع هو مصدر الدين.وهذا ما حدا بـ “دوركايم” إلى استشّكَالَ سؤال الدين على محك ثنائية مقدس/دنيوي ، ورأى أن ثمة ظواهر معينة ينتقيها أعضاء المجتمع ويعتبرونها مقدسة وأخرى دنيويه أو مدنسة. وتلك الجوانب من الواقع الاجتماعي التى تعرّف على أنها مقدسة يتم عزلها وتعتبر من المحرمات تكَّون أساس الدين. وما تبقى يعتبر مدنساً، ويتعامل أعضاء المجتمع مع ما هو مقدس بسلوك يحتوى على التقديس، الاحترام، الغموض، الرهبة والشرف.[6]

كما تنبني المقاربة الدوركايمية لسؤال الدين على ثلاثية معتقدات/طقوس/كنيسة ، كضرورة لتطور الدين ، فالمعتقدات بما هي تمثلات تعبر عن طبيعة الأشياء المقدسة وعلاقاتها مع بعضها البعض أو مع الأشياء المدنسة . والطقوس تمثل قوانين السلوك التي تصف كيف يلائم الإنسان نفسه في وجود الأشياء المقدسة ، وأخيراً تأتي الكنيسة أو المجتمع الأخلاقي كبيئة حاضنة وإطار لممارسة المعتقدات والطقوس والشعائر. وهذا التداخل بين المقدس، المعتقدات، الطقوس والكنيسة قاد دوركايم إلى تعريف الدين بأنه ” نسق موحد من المعتقدات والممارسات المرتبطة بأشياء مقدّسة، ومنفصلة، ومحرّمة. إنّها عقائد وممارسات تتوحد في مجتمع أخلاقي واحد يعرف بالكنيسة وكل الذين ينتمون إليها “[7].

مقاربة دوركايم للدين وفقاً لهذا التصور ، جعلت من الدين شيء اجتماعي بشكل محايث ، ما دامت التمثلات الدينية تمثلات اجتماعية تعبر عن وقائع جماعية؛ ومن ثم فهى وإن كانت لا تقول نظرياً بنهاية الدين، لكنها تقود عملياً إلى تفكيكه والتعاطي معه كأمر عادي دنيوي ينتمي إلى عالم مدنس. فالضمير الجمعي هو مصدر الدين كما يري دوركايم ، والدين بنظره إنما ينشأ من الانفعال الجمعي ، يقول: ” إنه وسط هذه البيئات الاجتماعية المنفعلة ومن هذا الانفعال نفسه يبدو أن الدين يولد “.[8]

مقاربة دوركايم كذلك لسؤال الدين جاءت لتؤكد على البعد الوظيفي للدين ففي الوقت الذي رفض فيهدوركايم فكرة أسطورية الدين واعتبره ظاهرة عالمية ، اعتبره فى الوقت نفسه يمثل ضرورة سيكولوجية للأفراد وحاجية أو وظائفية للمجتمعات البشرية ، ومن بين  وظائفه بنظر دوركايم العمل على توحيد الناس وخلق روح التضامن الاجتماعي بينهم  عن طريق القيم الثقافية والاعتقادات الدينية التى يدعو إليها الدين (أياً كان هذا الدين) ومن ثم تحقيق الانسجام داخل المجتمع كضرورة لفاعليته ، وربما تتوافق رؤية دوركايم – فى شأن وظائفية الدين – مع رؤية “ماكس فيبر” الذي اعتبر الدين أساس لزيادة الإنتاجية ، وذلك في مؤلفه “الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية”، وهو كذلك – أى الدين – قادر على إنتاج التجديد والتغير الاجتماعي.بما يحققه من تضامن عبر شعائر وطقوس لها تأثيرات كبيرة على الحياة الاجتماعية والاقتصادية للفرد والجماعة .[9]والفكرة ذاتها – أى وظيفية الدين – تكررت لدي بارسونز الذي انتهي بعد مقاربته لسؤال الدين وفعاليته فى المنظومة الاجتماعية إلى أن الدين لن يعرف الزوال، وأن التحولات مهما وقعت، سوف لن تؤدي سوى إلى تغيير مضامينه الاجتماعية. إذ أن الدين بنظر بارسونز، كما هو لدي دوركايم وفيبر يقوم بإشباع حاجيات توازن المنظومة في جميع مظاهرها، بما يلعبه من دور محوري وحاسم فى منح المنظومة الاجتماعية موردا للشرعنة الفعالة التي لا ترقى أية منظومة أخلاقية أخرى لأن تمنحها.[10]

ثالثاً : سؤال الدين لدي طه عبد الرحمن :

على خلاف مقاربة الحداثيين لسؤال الدين يأتى الطرح الطاهائي انطلاقاً من رؤيته الائتمانيه وفلسفته التكاملية التى اشتغلت على رأب كل فصل أقامته الرؤية الحداثية ووصل كل قطع أحدثته الرؤية العلمانية . فعمدت الرؤية الطاهائية إلى الوصل بين الروح والجسد فى الكيان الإنساني ، والوصُل بين الغيب والشهادة في الوجود الكوني والإنساني، والوصل كذلك بين الوجود المرئي للإنسان ووجوده غير المرئي/الغيبي ، للتحرك فى وجود أرحب مما ضيقه العلمانيين بعد أن نسو الوجود غير المرئي للإنسان وأطلقوا مقولات اختزلته وضيقته.

فالإنسان بنظر طه ينوجد في العالم اللامرئي (الغيبي) بروحه كما ينوجد بجسده فى العالم المرئي أو عالم الشهادة ولا يَني يرتحل من أحدهما إلى الآخر موسعاً وجوده ومستدعياً ذاكرته الأصلية التي فُطِرَ عليها ، والتي تحمل أصل الدين ومعاني الألوهية والوحدانية.[11]

 فالدين بما هو نهجٌ روحي وأخلاقي أو أفقٌ في رؤية العالم وتدبيره ، إنما يتحقق باشتغال الإنسان بتنزله من عالم الغيب على عالم الشهادة أو العالم  المرئي ، وهو ما يعني التشهيد أو التدين ، وهو لدي طه حقيقة فطرية مركوزة في الإنسان. إذ أنه كائن حي ذو طبيعة مزودوجة ومتعدية لا قاصرة، بحيث يحيا فى عالم المرئيات وينوجد فيه ببدنه وروحه ، ويحيا كذلك فى عالم المغيبات ويتواجد فيه بروحه ، ومن ثم يجد هذا الإنسان نفسه موصولاً بالغيبي صلته بالمرئي فى كل سلوك وفعل  يأتيه.[12]

والمقاربة الطاهائية لسؤال الدين والتدين تنهض على ما أسماه بـ “مبدأ الفطرة” ، ومقتضي هذا المبدأ أن ” قدرة الإنسان على التشهيد – تحقيق التدين – تأتى من كونه خُلِق ، أوَّل ما خُلِق ، على هيئة تحفظ سابق صلاته بعالم الغيب ، بحيث تَحمِل روحه قوة خاصة أشبه بذاكرة سابقة على ذاكرته التى يملكها فى العالم المرئي ، وهذه القوة الروحية التى تحفظ ذكريات عالم الغيب – أو قل هذه الذاكرة الغيبية أو الأصلية – اختصت فى الإسلام بمصطلح الفطرة”[13].

فالدين وفقاً لهذه المقاربة إنما هو استجابة لاشعورية لذاكرة أصلية تحمل فى روح الإنسان ذكريات عن حقائق غيبية يسعي دوماً لتبين وجوه حضورها فى عالم الشهادة . ولهذا لا يمكن للدين – وفقاً لمقاربة طه – أن يكون أمر طارئا يعرض للإنسان  متى توافرت الإرادة وتهيأت الأسباب شأن العادة المكتسبة ، بل لابد أن يكون حقيقة ملازمة له لا يقدر على الانفكاك عنها ، فكما لا يُتَصَور وجود الإنسان بلا ذاكرة أصلية أو بلا فطرة فكذلك لا يُتَصَور وجوده بلا دين أو بلا تشهيد ، ومن ثم يأتي التدين وفقاً لمقاربة طه كسلوك فطري غير كسبي ، فسلوكيات الإنسان وتصرفاته إنما تصدر عن ذاكرته الإصلية أو الغيبية وإن تباينت فى تحقيق التشهيد تبعاً لتباين أنماط التدين.[14]

ولما كان الإنسان المعاصر – بنظر طه – قد ابتعد عن ذلك الميثاق الذى شهده قبل الخلق وعن الفطرة “فطرة الدين” ، فإنه أصبح بلا قلب حي ومن كان بلا قلب حي كان معدوداً من الأموات ، فإذن الإنسان المعاصر الذى ليس له نور من الدين عبارة عن إنسان ميت .[15] وحياة هذا الإنسان بنظر طه تكون باستبدال الحالة العقدية التى بنيت على التعاقد الاجتماعي فى الرؤية الغربية لإخراج الإنسان من “حالة الطبيعة” إلى الحالة المدنية ، بصرف النظر عن تباين تحديد منظرى العقد الاجتماعي لـ”حالة الطبيعة” ، إذ أن بعضهم يري أنها حالة محاربة الجميع للجميع ومن ثم جاء التعاقد لنقل الإنسان من تلك الحالة إلى حالة الأمن والسلام ، وبعضهم يري أن تلك الحالة – أى حالة الطبيعة – كانت حالة حقوق طبيعية معرضة للهضم والانتهاك ، ومن ثم يكون التعاقد قد أخرج الإنسان إلى الحالة التى يظفر فيها بضمانات لتلك الحقوق ، والبعض الأخر يري أنها كانت حالة الحياد القيمي للإنسان فلا هو بخيّر ولا بشرير، فيكون هذا التعاقد قد نقله إلى الحالة التى يكتسب فيها القيم المدنية. كل هذه النظريات والتفسيرات التى قررها منظرى العقد الاجتماعي ، والتى خرجت من أفق يقصر الوجود الإنساني على العالم المادي لا يمكن قبولها فى النظر الطاهائي الائتمانى الذى ينبني على إزدواجية الوجود الإنساني ، بمعنى أنه ينوجد فى “عالم الملك” بجسده ، وكذا ينوجد فى “عالم الملكوت” بروحه ،فإن حياة الإنسان أو إحيائه فى النظر الطاهائي مرهون بتجاوز”النظرية العَقدية” إلى ما يسميه طه بـ”النظرية الميثاقية” والتى ترى بأن ثمة مواثقة حصلت فى عالم الملكوت بين الإنسان وخالقه وليس بين الإنسان والإنسان كما هو فى “النظرية العقدية” ومن ثم فهى مواثقة روحية ، كانت على هيئة ميثاقين ، أولهما “ميثاق الإشهاد” الذى أقر فيه الإنسان بربوبية خالقه لما تجلى له بأسمائه الحسني ، وثانيهما “ميثاق الائتمان” الذى حمل بموجبه أمانة القيم التى تجلت بها هذه الأسماء . ومن ثم فالحياة التى تقترحها النظرية الميثاقية الطاهائية إنما هى فى حقيقتها عودة للحالة الأصلية حالة الفطرة “فطرة الدين” بعد أن نكث الإنسان المعاصر “إنسان الحداثة” فى ميثاقه وقصر وجوده على “عالم الملك”.[16]

 

 

خاتمة:

ختاماً ، وبعد طرح سؤال الدين واستشكاله فى السياق الحداثي والإسلامي لدي نموذجي “دوركايم” و”عبد الرحمن” يمكن إجمال عدد من النقاط:

أولاً : طُرح سؤال الديني كسؤال محوري في سياق الحداثة ، لارتباطه بأسس ومبادئ الحداثة نفسها ، فالعقلانية كأساس ناظم للحداثة والتي تعتد بالعقل وحده كسلطان داخلي يملكه الإنسان للحكم على جميع الأشياء كيفما كانت، وللعمل وفق هذا الحكم، هذه العقلانية تـتنافى مع ما هو غيبي أو غير مرئي ، ومن ثم مع الوحي، ومع الرسالة، بمعنى أن السلطان الذي ينبغي للإنسان أن يأخذ به في حكمه على الأشياء هو العقل وحده، وليست الرسالات، وليس الوحي. والأمر نفسه يمكن ملاحظته فى شأن مبدأ العلمنة كأحد الأسس التى نظمت حركة الحداثة ورافقت سيرورتها ، فالعلمنة التي تقوم فى أبسط صورها بفصل السياسة عن الدين أو فصل قطاعات الحياة عن الدين . ومن ثم كان استشكال الدين في سياق الحداثة ضرورة معرفية لدي منظري الحداثة.

ثانياً : قطع الحداثة مع الدين لم يكن قطعاً مع مبدأ الدين بقدر ما كان قطعاً مع التدين (أو بالأحرى نمط معين للتدين) ، فالحداثة حاولت في بادئ الأمر الانفصال عن سلطة الكنيسة الكاثوليكية (عن سلطة الكنيسة) مع حفظ الصلة بالدين المسيحي، فكانت ثورة الإصلاح الديني فى حقيقتها محاولة للانفصال عن الكنيسة لصالح العودة إلى الدين. ثم جاءت المحاولة التالية للانفصال عن الدين المسيحي مع حفظ الصلة بمبدأ الدين، وهو ما يعني أنهم يقطعون مع الدين المسيحي، ولكن لا يقطعون مع الدين، بدليل أنهم أرادوا وضع أديان من عندهم فوضع (روسو) دينًا أسماه بالدين المدني، ووضع “كانط”  الدين الوضعي .

ثالثا: مقاربة دوركايم لسؤال الدين خرجت من رحم الحداثة وحاولت استشكال الدين باستثمار علوم الإنسان والإنثربولوجيا فعمد دوركايم للحفر الإنثربولوجي والسؤال عن مصدرية الدين ، وانتهى إلى أنه نتاج تقريرات الضمير الجمعي لما هو مقدس  وشرعنة طقوس يمارسها الإنسان ليلائم نفسه مع ما صار مقدساً في إطار بيئة حاضنة أو مجتمع أخلاقي “الكنيسة” ، ومصدرية هذا الدين هو المجتمع نفسه أو الضمير الجمعي ومن ثم فهو خارجاً من المجتمع لا يأتي من خارجه والدور الذي يلعبه الدين فى المجتمع وفق مقاربة دوركايم دور وظائفي يكفل للمجتمع تحقيق الانسجام داخله كضرورة لفاعليته.

رابعاً : مقاربة طه عبد الرحمن لسؤال الدين مثلت الرد الإسلامي عن سؤال الدين الذى طرحته الحداثة واستشكلته ، وجاء كذلك ليقرر أن ثمة حالة من الاختيان (من الخيانة) للإنسان المعاصر ، إنسان الحداثة (وبصرف النظر عن كون هذا الإنسان مسلم أو غير مسلم) للميثاق الذى قطعه الإنسان مع خالقه والذي شهد فيه قبل الخلق فى عالم الغيب بربوبية خالقه وألوهيته ، ومن ثم فالدين وفقاً للمقاربة الطاهائية إنما هو استجابة لاشعورية للذاكرة الأصلية للإنسان وفطرته التي فطره الله عليها “فطرة الدين” ، والتدين كذلك سلوك فطرى وليس كسبي يتم فيه تنزيل أو تشهيد ما استقر في ذاكرته الأصلية فى عالم الغيب على عالم الشهادة.

قائمة المصادر والمراجع:

  1. طه عبد الرحمن ، دين الحياء: من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني ، ج1، بيروت ، المؤسسة العربية للفكر والإبداع ، 2017.
  2. طه عبد الرحمن ، روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية ، الدار البيضاء ، المركز الثقافي العربي ، 2012 .
  3. فيورباخ ، أصل الدين ، ترجمة : أحمد عبد الحليم عطية ، بيروت ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، 1991.
  4. محمد نور نمر ، “نيتشه وتقويض الميتافيزيقيا فى الفلسفة المعاصرة” ، مجلة نقد وتنوير، العدد الرابع (مارس) 2016.
  5. ميشل أونفري ، نفي اللاهوت: فيزياء الميتافيزيقيا ، ترجمة: مبارك العروسي ، بغدد ، منشورات الجمل ، 2012.

6.Émile Durkheim, LES FORMES ÉLÉMENTAIRES DE LA VIE RELIGIEUSE,landan,Allen & Unwin,1915, pp.50-51.

7.Marx, K. 1976. Introduction to A Contribution to the Critique of Hegel’s Philosophy of Right. Collected Works, v. 3. New York.

[1]فيورباخ ، أصل الدين ، ترجمة : أحمد عبد الحليم عطية ، بيروت ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، 1991 ، ص ص 38-39.

[2] نشر ستيف بروس مقالته عن “العلمانية” ضمن كتاب”دليل بلاكويل الجديد إلى سوسيولوجيا الدين”

2010 Blackwell Publishing Ltd The new Blackwell companion to the sociology of religion”

[3]محمد نور نمر ، “نيتشه وتقويض الميتافيزيقيا فى الفلسفة المعاصرة” ، مجلة نقد وتنوير، العدد الرابع (مارس) 2016، ص 284.

[4] ميشل أونفري ، نفي اللاهوت: فيزياء الميتافيزيقيا ، ترجمة: مبارك العروسي ، بغدد ، منشورات الجمل ، 2012.

[5]Marx, K. 1976. Introduction to A Contribution to the Critique of Hegel’s Philosophy of Right. Collected Works, v. 3. New York.

*الطوطمية : هي ديانة مركبة من الأفكار والرموز والطقوس تعتمد على العلاقة بين جماعة إنسانية وموضوع طبيعي يسمى الطوطم، والطوطم يمكن أن يكون طائراً أو حيواناً أو نباتاً أو ظاهرةً طبيعية أو مظهراً طبيعياً مع اعتقاد الجماعة بالارتباط به روحياً. وقد حاول “دوركايم” فى مؤلفه “الأشكال الأولية للحياة الدينية”  دراسة الطوطمية وسط الأرونتا في أستراليا باعتبارها الشكل الأكثر بدائية وبساطة للدين ، وذلك لفهم طبيعة الدين ومصدريته .

[6]Émile Durkheim, LES FORMES ÉLÉMENTAIRES DE LA VIE RELIGIEUSE,landan,Allen & Unwin,1915, pp.50-51.

[7] ibid, p. 65

[8] ibid, p.77.

[9](Huber et Mauss: 1899   على خلاف ما قال به “ماركس” ، فالدين بنظر “فيبر” قادر على إنتاج نظاماً اقتصادياً، وكان لسيادة المسيحية البروتستانتية الإصلاحية وبخاصة الكالفينية، التي شجعت على الزهد مع الدأب بالعمل وطلب الخلاص الأخروي بالإنجازات المادية، كان لها دورا كبير بنظر “فيبر”  فى ظهور النظام الرأسمالي الحديث والتقدم الصناعي.

[10] تعرض بارسونز لسؤال الدين ضمن أبحاثه السوسيولوجية واشتغاله على آليات تحقق التوازن للمنظومة الاجتماعية و الإمكانات التي ينبغي أن تتوفر المنظومة الاجتماعية للاشتغال المنظم رغم تعقدها. وكان ذلك في كتابين أساسيين لبارسونز: الأول هو Le systèmesociale  سنة 1951، والثاني هو: Théorie de l’action et condition humaine  سنة 1978.

[11]طه عبد الرحمن ، روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية ، الدار البيضاء ، المركز الثقافي العربي ، 2012 ، ص 25.

[12]المرجع السابق ، ص ص 39- 41.

[13]المرجع السابق ، ص ص 51-52.

[14]المرجع السابق ، ص ص 51-53.

[15]طه عبد الرحمن ، دين الحياء: من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني ، ج1، بيروت ، المؤسسة العربية للفكر والإبداع ، 2017 ، ص14.

[16]المرجع السابق ، ص ص 14-19


Updated: 2019-04-06 — 20:26

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme