زرع الأعضاء بين الرغبة والإكراهات السوسيو اقتصادية : دراسة لمرضى القصور الكلوي The transplantation of organs between the will and socioeconomic constraints, Study on Renal insufficiency’s patients


 

زرع الأعضاء بين الرغبة والإكراهات السوسيو اقتصادية : دراسة لمرضى القصور الكلوي

The transplantation of organs between the will and socioeconomic constraints,  Study on Renal insufficiency’s patients

ط.د.عثمان السطابي/جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس، المغرب

Es-sattabi othman/ Second year student PhD/ sidi Mohamed ben abdellah/ FEZ, MOROCCO

مقال نشر في    مجلة جيل العلوم الانسانية والاجتماعية العدد 59 الصفحة 137.

Abstract:

Renal insufficiency is a disease that reduces social roles within the community, and therefore patients prefer transplantation rather than liquidation, because transplantation will provide them with a range of roles that were deprived of. but there are the determined restrictions set bounds to transplantation process. First, the absence of automatic family social solidarity has made the idea of transplantation almost seems impossible, As a result, 78 percent of patients with renal insufficiency assert that among the most important reasons that prevent transplantation, are social reasons, the most important of which is the absence of social solidarity. So, what can be confirmed here is that organ transplantation is a social and ethical factor before it is a medical operation. Second physical constraints that is to say. middle class patient who is not working for the government in any sector as well as in the private sector – generally does not work in a constructive sector – cannot do transplantation even if he has a donor solidarizing with him. These conditions have endowed in the minds of patient’s social classification ideas, and that the rich people are the only who have right to live, while the poor people entrust their state to the one who created them and sickened them is the one to heal. The government  is also an important partner in the non-progress of organ transplantation This brings us back to what we have pointed out in the theoretical and methodological framework through presenting a study about the developed countries and their achievements in the field of the organ transplantation; and the ways they use to develop organ donation and transplantation, focusing on what is material through providing a range of centers and financial support, as well as focusing on what is social through disseminating the culture of organ donation through the media.

Keywords : Renal insufficiency/ social roles/ liquidation/ social solidarity/ organ transplantation / organ donation.

ملخص :

يعتبر القصور الكلوي مرضا يقلص من الأدوار الاجتماعية داخل المجتمع، ولهذا يفضل المرضى الزرع بدل التصفية، لأن الزرع سيوفر لهم مجموعة من الأدوار التي كانوا محرومين منها، لكن هناك مقيدات تقيد الزرع، أولا غياب التضامن الآلي الأسري الاجتماعي جعل من فكرة الزرع فكرة شبه مستحيلة، وهذا ما جعل 78 بالمئة من مرضى القصور الكلوي يؤكدون أن من بين أهم الأسباب التي تحول دون عملية الزرع، هي الأسباب الاجتماعية، أهمها غياب التضامن الاجتماعي. إذن ما يمكن أن يتأكد لنا هنا أن زرع الأعضاء هو معطى اجتماعي وأخلاقي قبل أن يكون عملية طبية. ثانيا الاكراهات المادية بمعنى أن المريض العادي، ونقصد به الذي لا يعمل مع الدولة في أي قطاع ولا يعمل في القطاع الخاص -عموما لا يعمل في القطاع المهيكل- لا يمكن له القيام بالزرع وإن توفر على متبرع متضامن معه. وهذا نقش في أذهان المرضى أفكار طبقية، وأن الأغنياء هم من لهم حق العيش، وأما الفقير يوكل أمره لله الذي خلقه وأمرضه فهو يشفيه. كما أن الدولة تعد شريكا مهما في عدم تقدم زرع الأعضاء، وهذا يرجع بنا إلى ما أشرنا إليه في الإطار النظري والمنهجي من خلال عرض دراسة حول الدول المتقدمة في التبرع بالأعضاء، والأساليب التي اعتمدتها لتقدم التبرع بالأعضاء وزرعها، مركزين على ما هو مادي من خلال توفير مجموعة من المراكز والدعم المادي، وكذلك التركيز على ما هو اجتماعي من خلا نشر ثقافة التبرع بالأعضاء عبر وسائل الإعلام.

الكلمات المفتاحية: القصور الكلوي/ الأدوار الاجتماعية/ التصفية/ التضامن الاجتماعي/ زرع الأعضاء/ التبرع بالأعضاء.

 

مقدمة :

يعتبر موضوع الصحة والمرض من بين أهم المواضيع التي تشغل الإنسان مند وجوده، فالتطبيب كان حاضرا على مر العصور، والرغبة في تطوير الطب والحفاظ على صحة الإنسان حاضرة في كل زمان ومكان، وبتطور العلم تطورت طرق العلاج، وانتقل التطبيب من طرقِ تقليدية (العلاج بالأعشاب وما هو روحاني…) إلى ما هو عصري متطور، بالاعتماد على طرق علمية تقنية في العلاج. وبتطور الطب العصري، أصبح الحديث عن نقل الأعضاء والأنسجة البشرية أمر ممكن. لكن تجدر الإشارة إلى أن مسألة التبرع بالأعضاء كانت حاصلة بطرق أخرى في الحضارات القديمة، مثلا الحضارة الهندية حيث كان زرع الجلد، وهذا في 3000 سنة قبل الميلاد، وكذلك في القرن الثاني الميلادي كان رجل صيني يسمى هوا توه (Hua-Tuo)كان يحتفظ بأعضاء الموتى معتقدا أنها تصلح مرة أخرى.[1] بمعنى أن الأفكار كانت حاضرة بشكل أو بآخر لكن التطبيق جاء مع التقدم العلمي الذي حققه الطب. على كل حال، أصبحت فكرة التبرع بالأعضاء وزرعها حاضرة بقوة، وبالأخص في الدول الغربية التي عرفت تطورا كبيرا في هذا المجال، والدراسات التي أقاموها عديدة. وأما بالنسبة للطب المغربي أصبح كذلك يهتم كثيرا بمسألة التبرع بالأعضاء وزرعها، بالرغم من العدد القليل الذي تسجله المحاكم المغربية من الحالات التي تريد التبرع بأعضائها بعد الموت، بالإضافة إلى عمليات الزرع القليلة التي أجريت في بعض المستشفيات الجامعية بالمغرب.

رغم تطور الطب الحديث، ونجاح التجارب في هذا الباب(التبرع بالأعضاء وزرعها)، وضمان الصحة والسرية إلى غير ذلك من الحقوق التي تُوفر للمتبرع، إلا أن مسألة التبرع بالأعضاء وزرعها لازالت مرتبطة بعدة عوامل، (اقتصادية، اجتماعية، تنظيمية…). ولهذا تبين لنا ضرورة البحث في بعض العوامل التي تحول دون تقدم التبرع بالأعضاء في المجتمع المغربي، من خلال التركيز على ما هو اجتماعي في تناول هذه الظاهرة الطبية نسبيا. فالسوسيولوجيا تلعب دورا كبيرا في محاولة فهم هذا الخجل الذي تعرفه ظاهرة التبرع بالأعضاء، يعني بالاعتماد على المنهج السوسيولوجي يتسنا لنا فهم وتفسير هذه الظاهرة. فالتبرع بعضو ما  يمكن اعتباره هبة يمنحها الإنسان للإنسان الآخر، بمعنى أنها مرتبطة بما هو إنساني، أو كما قال فليب ستينر(Philippe Steiner) أن التبرع بالأعضاء أصبح موردا اجتماعيا.[2] بمعنى أن المتبرع يتضامن آليا مع الآخر المريض، ويريد أن يمنحه الحياة التي سلبت منه هو(المتبرع بعد الموت)، يعني أن التبرع بالأعضاء بعد الموت مرتبط بما هو أخلاقي، وهنا نستحضر التقسيم الذي قام به دوركايم (Durkheim) للتضامن، قسمه إلى قسمين: تضامن آلي وآخر عضوي. وكذلك المتبرع في حياته – كالتبرع بالكلية أو الكبد…- مرتبط بما هو اجتماعي أكثر من ما هو طبي، لأن المتبرع يتبرع أولا نتيجة لمجموعة من القيم الاجتماعية التي يكتسبها من المحيط الذي يعيش وينشأ فيه. كما أن مسألة زرع الأعضاء والأنسجة مرتبطة بعامل اقتصادي طبقي، فهناك صراع حاصل بين أفراد المجتمع، وإن كانت عملية زرع الأعضاء في الغالب مجانية، لكن الأدوية باهظة الثمن، بمعنى أن زرع الأعضاء خاص بفئة معينة من المجتمع وهي الطبقة الغنية، يعني أن هناك صراع طبقي في مسألة زرع الأعضاء والأنسجة بالمعنى الماركسي للكلمة. كل هذا سنحاول معالجته من خـلال مجموعة من الإشكاليات التي تؤطر البـــحث وتوجهه وتحدد مواضيعه، معتمدين منهجا سوسيولوجيا من أجل فهم وتفسير المحددات الاجتماعية التي تؤثر وبشكل كبير على عملية التبرع بالأعضاء وزرعها.

وهذا البحث عبارة عن دراسة ميدانية لمرضى القصور الكلوي بالمستشفى  الجامعي محمد السادس بمراكش، وبلغ عدد المرضى 42 مريضا، معتمدين على تقنية الاستمارة لجمع المعطيات بالإضافة إلى الملاحظة. منطلقين من إشكالية أساسية و هي: ما هي عوائق زرع الكلية بالنسبة لمرضى القصور الكلوي؟.

أولا : دواعي زرع الكلي عند مرضى القصور الكلوي

قبل الحديث عن دواعي أو رغبة المرضى في زرع الكلي، يجب أولا القيام بإشارة طبية حول قضية الزرع، فالزرع هو عبارة عن نقل عضو من جسم إنسان حي أو توفي وفاة دماغية، إلى شخص مريض بالقصور الكلوي، ويشترط في المتبرع أن يكون من أحد أفراد العائلة المقربين جدا للمريض. لكن عملية الزرع تحفها مجموعة من الإكراهات المادية وأخرى اجتماعية، لكن السؤال الذي يُطرح في هذا الباب هو: لماذا المرضى يفكرون في زرع الكلي؟

يصبح التفكير في زرع الكلي عندما يصل المريض إلى درجة الفشل الكلوي الحاد، والمريض شرع في التصفية الآلية بواسطة آلات طبية لتصفية الدم، لكن السؤل الذي يُطرح هنا أيضا ما هي دواعي زرع الكلية بدل التصفية الشبه المجانية بالمستشفى؟ هذا ما سنوضحه من خلال مجموعة من الجداول التي ستبين لنا دواعي مرضى القصور الكلوي في زرع الكلية.

1-الروتين اليومي للتصفية والرغبة في الزرع

  • الجدول رقم01:عدد مرات تصفية الدم في الأسبوع
كم مرة تصفي الدم في الأسبوع؟ التكرارات %
مرة 2 4.80
مرتين 24 57.10
ثلاثة 15 35.70
أكثر 1 2.40
المجموع 42 100

المصدر: البحث الميداني

يبين لنا الجدول رقم 1 عدد مرات تصفية الدم في الأسبوع، ويظهر لنا أن الأغلبية والتي تتمثل في %93 تقريبا يصفون الدم –الدياليز- مرتين إلى ثلاثة مرات في الأسبوع، وهذا الروتين يداوم عليه مدى الحياة، لأن الكليتين عرفتا فشلا وقصورا، ولهذا فالدم يحتاج تصفية شبه يومية.

على كل حال فهذا الروتين يسبب العديد من المشاكل والتخلي عن مجموعة من الأدوار الاجتماعية، وهنا نستحضر تعريف بارسونز (T.parson) للمريض بأنه: منحرف اجتماعيا[3]، و”إن المرض يضع المريض على الهامش، لأنه لا يمكن القيام بوظائفه العادية ولا يستجيب لما ينتظره منه المجتمع”[4]. بمعنى أن المريض لا يساهم في تربية الأبناء، ولا في القيام بمهمة البيت بشكل فعال كما يقول المرضى، كما أن السفر يتطلب ماديات، لأنه إذا سافر بعيدا عن مركز التصفية الذي يعالج فيه، فهذا يعني الذهاب إلى المصحات الخاصة وهذا مكلف ماديا. لكن ما جاء به بارسونز لا ” يصدق دائما بالنسبة لجميع الأمراض ولجميع الأفراد، وبالخصوص بالنسبة لحالة المرض المزمن. ذلك أن العديد من أبعاد الدور ليس لها من معنى بل قد تكون متناقضة مع أهدافها في حالة هذا النوع من المرض حيث الإعفاء المؤقت من الواجبات الاجتماعية لا يبرر حسب بارسونز إلا لأن الغاية النهائية تكون بالنسبة للمريض هي العودة إلى حالة الصحة الأولى. وهذا غير ممكن بالنسبة للمرض المزمن”[5]. هذا لأن المريض بالقصور الكلوي المزمن لا يعفي نفسه من كل الأدوار الاجتماعية داخل المجتمع، ففيهم الموظفون وربات البيوت(…)، إذن المرض كانحراف اجتماعي لا ينطبق كليا مع مرضى القصور الكلوي المزمن. وهنا نستحضر التقسيم الذي جاءت به كلودين هرزلتش (c.herzlich) التي قسمت المرض إلى: المرض كهدم والمرض كتحرر، والمرض كمهنة. ولعل نوع المرض الذي يعيشه مرضى القصور الكلوي هو المرض كمهنة وهذا الأخير هو:” أن وظيفة المريض هي مقاومة المرض، وظيفة لها خصائص المهنة نتعلمها ونستعد لها. يجب التأكيد على طبعها الفعلي والعملي: بفرض المرض على المريض الالتزام بسلوك يرجعه إلى سلامته الجسدية والمعنوية. لهذا نتكلم دائما عن الجهد الذي يبدله من أجل الشفاء. أو نتكلم عن المرض كحالة تفرض علينا عدم الاشتغال وبالتالي تجبرنا على الذهاب للطبيب وإتباع العلاج. لهذا نركز على الجهد الفعلي للمريض.”[6] فالمريض بالقصور الكلوي يتمثل مرضه كمهنة، وما يؤكد على هذا بشكل كبير هو الرغبة في الزرع، لكي يعود إلى أدواره كما كان سابقا.

فيمكن أن نخلص إلى أن مرض القصور الكلوي هو عبارة عن مرض يقلص من الأدوار الاجتماعية داخل المجتمع، ولهذا يفضلون الزرع بدل التصفية، لأن الزرع سيوفر لهم مجموعة من الأدوار التي كانوا محرومين منها، لكن هناك مقيدات تقيد الزرع. فالرغبة حاضرة والتطبيق غائب نتيجة لعوائق سنتطرق لها لاحقا.

  • السن عامل من عوامل الرغبة في زرع الكلي
  • الجدول2: الرغبة في زرع الكلي حسب السن
التفكير في زرع كلية نعم (%) لا(%) المجموع(%)
السن
أقل من 20 60,0 40 100
بين 20 و30 71,4 28,6 100
بين 30 و40 42,9 57,1 100
بين 40 و50 0,0 100 100
بين 50 و60 33,3 66,7 100
بين 60 و70 11,1 88,9 100
أكثر من 70 0,0 100 100
المجموع 33,3 66,7 100
  • المصدر: البحث الميداني

يبين الجدول رقم(02) التفكير في زرع الكلية حسب السن، ونجد أن الذين سنهم أقل من 20 سنة، %60 منهم يفكرون في زرع كلية بينما %40 لا يفكرون في الزرع. والذين أعمارهم تتراوح بين 20 و30 سنة، %71.4 منهم يفكرون في زرع الكلي و% 28.6 منهم لا يرغبون في الزرع. ويبين لنا الجدول أيضا أن الذين تتراوح أعمارهم بين 30 و40 سنة،42.9% منهم يفكرون في زرع الكلية والبقية من المئة لا يرغبون في الزرع. أما الذين تتراوح أعمارهم بين 40 و50سنة لا يفكر أي أحد منهم في زرع الكلي أبدا. كما أن الذين سنهم تُجاوز 70سنة لا يفكرون أيضا في الزرع. بينما الذين تتراوح أعمارهم بين 50 و60 سنة أغلبهم (66.7 %) لا يريدون الزرع. وكذلك أغلبية الذين أعمارهم بين 60 و70 لا يعتبرون الزرع حلا لمرضهم.

من خلال قراءتنا الإحصائية لمعطيات الجدول 02، يتضح لنا أن السن متغير أساسي في التفكير في الزرع أو عدم التفكير. ونلاحظ أن من يرغبون في الزرع هم فئة الأطفال والشباب، ومن جاوز سن الثلاثين تتغير الرغبة في الزرع إلى عدم الرغبة في الزرع كما يبين لنا الجدول 02.

يمكن أن نفسر الرغبة في زرع الكلي أنها مرهونة بعامل السن، فالذي كبر سنه لا يريد ذلك، وهو ناتج عن ترقب الموت بعد سنوات قليلة، على العكس من الطفل والشاب، فيقول أغلبية المرضى الذي يرفضون الزرع ” لم يتبقى لنا مزيد من العمر لكي نزرع، ولهذا نفضل التصفية حتى ينقضي أجلنا، ولكي تستفيد أسرنا ماديا وصحيا. لنفترض إن فشلت العملية ماذا بوسعنا أن نعمل”. فالمريض الذي كبر سنه يرى الزرع مكلفا ماديا، كما أن دوره داخل المجتمع قل، ولهذا فالزرع لا يفيد كثيرا، وربما تكون النتيجة معكوسة. في حين أن الأطفال والشباب لديهم رؤى مختلفة عن كبار السن، فهم يعتبرون أن التصفية لها تأثيرات مستقبلية، وهم لازالوا في ريعان شبابهم، ولازالت تنتظرهم مجموعة من الأدوار الاجتماعية داخل المجتمع – لأن التصفية تكلف نصف يوم، أي ما يقارب 5 ساعات -والأكثر من هذا يؤكدون أنه ما يزال لهم الحق في العيش كبقية الناس. كما أن الأسر كذلك تحمل نفس الفكرة، أن طفلهم لازال صغير السن ” نريد أن يكون مثل أصدقائه”، كما أن الزرع سينقص مجموعة من التكاليف، لأن الطفل دائما يحتاج إلى مُرافق، فكيف لرب الأسرة أن يمزج بين العمل لتغطية التكاليف ومرافقة المريض. أما الذين لا يفكرون الزرع من الأطفال والشباب كما يبين الجدول(02) فهذا مرتبط إما بالاكراهات المادية _ هذا سنتطرق له لاحقا_ وإما نتيجة لعدم تطابق التحاليل الطبية، فتقول أم لطفلة مريضة بالقصور الكلوي الحاد “كنت أرغب في التبرع لها بكلية لكي تصبح مثل صديقاتها وتكمل دراستها، لكن بعد القيام بالتحاليل الطبية القبلية، أظنها لم تكون مناسبة للزرع”، ومثل هذه الحالة متكررة عند مجموعة من المرضى بالقصور الكلوي.

ما رأيناه سلفا يؤكد لنا أن الرغبة في زرع الكلية ترتفع بصغر السن وتنخفض إلى أن تختفي بكبر السن. وهذا راجع إلى تمثلات المرضى للحياة، فصغير السن ينظر إلى عمره بشكل إيجابي ويرغب في العيش من دون مرض مزمن يعيق حياته، وأن مرضه هدام على حد تعبير هرزليتش _ وسنتطرق لهذا لاحقا _ ويجعل من المريض عاجزا عن تأدية أدواره، والأكثر من هذا فهذا الشاب أو الطفل يرى بأن مرضه المزمن يمنعه الحق في الحياة كبقية أفراد المجتمع المحيطين به.  أما الذي كبر سنه يقول” أنا دوزت حقي الله يجعل البراكة[7] وأن الإصابة بالمرض في هذا السن المتأخر ربما ابتلاء من الله. كما يتبين لنا أن المرضى كأنهم ينتظرون الموت بعد سن الخمسين، ويكون مهيئا للموت، وهذا ناتج للتمثلات الاجتماعية للموت، التي ترتبط في المجتمع العربي الإسلامي بمقيدات دينية، حيث نجد رسول الله محمد صل الله عليه وسلم يقول: “أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ”[8].  كما أن المريض الذي كبر سنه يعتبر نفسه رجلا عقلانيا (L’homo œconomicus)، يحسب المخرجات والمدخلات، يرى أن سنه كبر والزرع مكلف ماديا، ولهذا يختار التصفية، وكأنه يرفض ما هو مرفوض أصلا، لأن الزرع مكلف ماديا كما سنرى لاحقا، والمستوى المادي لكل المرضى ضعيف جدا. وزد على هذا أن أسرة المريض الذي تقدم سنه، يرون أن الزرع لا يسمن ولا يغني من جوع، ويمكن أن يضر بصحة شاب داخل الأسرة، إن فشلت العملية. فأسر المرضى متضامنين بالتبرع مع المرضى الذين لا تتجاوز أعمارهم الثلاثين أكثر من الذين تقدمت أعمارهم.

يعني وكاستنتاج لما سبق ذكره أن السن متغير أساسي في وجود التبرع ومنه إلى الزرع، لكن تظل بعض الاكراهات المادية والاجتماعية حائلا أمام الرغبة في الزرع، وهذا ما سنتطرق له في المحاور التالية.

ثانيا: الاكراهات السوسيواقتصادية لزرع الكلي

1-الاكراهات الاجتماعية

تعتبر الاكراهات الاجتماعية عاملا مهما في تحول وتغير الظواهر الاجتماعية، ولعل من بين أبرز العوامل التي تمنع الزرع نجد ما هو اجتماعي حاضرا بقوة، وهذا سبق وأن أشرنا له سلفا أكثر من مرة. على كل حال سنعالج هنا معطى اجتماعي مهم جدا في التحليل، وهو غياب التضامن الأسرى وعدم الزرع.

يمكن أن ننطلق في هذا الباب من افتراض أساسي و هو أن الزرع يحتاج ذلك التضامن المادي والمعنوي للأسرة، ويكمن التضامن المادي في الالتزام بالأدوية بعد عملية الزرع. لكن قبل هذا، هل يوجد المتبرع الذي يجب أن يكون من المقربين جدا للمريض؟ هذا ما سنوضحه من خلال الجدول التالي:

الجدول رقم 03: تضامن أفراد الأسرة مع مرضاهم حسب متغيري الجنس والحالة العائلية
رغبة أحد أفراد العائلة في التبرع إليك الجنس المجموع
ذكر أنثى
نعم الحالة العائلية عازب التكرار 3 4 7
% 21.4 28.6 50.0
متزوج التكرار 3 3 6
% 21.4 21.4 42.9
أرمل التكرار 0 1 1
% 0.0 7.1 7.1
المجموع التكرار 6 8 14
% 42.9 57.1 100.0
لا الحالة العائلية عازب التكرار 4 5 9
% 14.3 17.9 32.1
متزوج التكرار 7 7 14
% 25.0 25.0 50.0
مطلق التكرار 0 1 1
% 0.0 3.6 3.6
أرمل التكرار 0 4 4
% 0.0 14.3 14.3
المجموع التكرار 11 17 28
% 39.3 60.7 100.0
المجموع الحالة العائلية عازب التكرار 7 9 16
% 16.7 21.4 38.1
متزوج التكرار 10 10 20
% 23.8 23.8 47.6
مطلق التكرار 0 1 1
% 0.0 2.4 2.4
أرمل التكرار 0 5 5
% 0.0 11.9 11.9
المجموع التكرار 17 25 42
% 40.5 59.5 100.0

المصدر : البحث الميداني

بين إحصاء إجابات المرضى أن%33.3 لهم أقارب يرغبون في التبرع لهم، بينما %66.7 لا يجدون أحدا من أفراد الأسرة يرغب بالتبرع لهم. ولهذا قمنا بربط هذه الإجابات بمتغيرين اثنين كما يتضح لنا في الجدول 02 (متغير الجنس، والحالة العائلية)، وإذا تأملنا في معطيات الجدول سنجد هذين المتغيرين أساسين في التحليل، لأن الذين يجدون المتبرع أغلبهم عزاب، وهؤلاء يتميزون بصغر السن، وكذلك المتزوجين يجدون من يتبرع لهم مقارنة مع المطلقين والأرامل. أما متغير الجنس لم يكن أساسيا هنا لأن النسب متقاربة جدا بين الذكور والإناث. على كل حال، فالسؤال المطروح هنا: لماذا الذين يتوفرون على المتبرع ومع ذلك لا يقوموا بالزرع؟ هذا راجع إلى مجموعة من الاكراهات أهمها إكراهات مادية وهذا سنتطرق له في المحور الخاص بالاكراهات المادية. أما النسبة الثانية والتي تهمنا أكثر في هذا الباب وهي %67 أجابوا أنه ليس هنالك من يتبرع لهم بكلية. وهنا يتبين لنا غياب التضامن الأسرى، وعدم القدرة على التضحية التامة، كما يؤكد المرضى أن ذلك التضامن والعاطفة الجياشة للأسرة كانت في بداية المرض، أما الآن فقد تعودوا وتعايشوا مع المرض المزمن. إن غياب التضامن الآلي بين أفراد الأسرة قلص من عملية الزرع، وفي غالب الأحيان أفراد الأسرة يتضامنون أكثر مع الذي لازال سنه صغيرا، يقولون: “لازال في ريعان شبابه ويجب أن نضحي من أجله لكي يكون مثل زملائه”. وإن أفراد الأسرة يقومون بحسابات قبل التبرع، يخشون عدم نجاح العملية ومن تم سيصبح الكل مرضى. بمعنى أننا انتقلنا من ذلك التضامن الآلي إلى التضامن العضوي، وأن الفرد يقوم بحسابات قبل أن يتضامن مع فرد آخر في المجتمع. وهذا الانتقال تحدث عنه دوركايم في كتابه تقسيم العمل الاجتماعي .

وإن غياب التضامن الآلي الأسري الاجتماعي جعل من فكرة الزرع فكرة شبه مستحيلة، وهذا ما جعل 78 بالمئة من مرضى القصور الكلوي يؤكدون أن من بين أهم الأسباب التي تحول دون عملية الزرع، هي أسباب اجتماعية أهمها غياب التضامن الاجتماعي. إذن ما يمكن أن يتأكد لنا هنا أن زرع الأعضاء هو معطى اجتماعي وأخلاقي قبل أن يكون عملية طبية.[9]

  • الموقع الجغرافي و التضامن في التبرع بالأعضاء
  • جدول04 :الموقع الجغرافي وتضامن أفراد الأسرة بالتبرع بالكلية
الأصل المنحدر منه قروي(%) شبه حضري(%) حضري(%) المجموع(%)
رغبة أحد أفراد العائلة في التبرع إليك
نعم 25,0 50,0 40,0 33,3
لا 75,0 50,0 60,0 66,7
المجموع 100 100 100 100

المصدر: البحث الميداني

يبين لنا الجدول(28) أن%25 من الذين ينتمون إلى العالم القروي يجدون من يتبرع لهم، بينما % 75منهم لا يتوفرون على متبرع. في حين%50 من سكان الوسط الشبه حضري يجدون من يتبرع لهم و% 50 أخرى لا تجد من يتبرع لها. أما فيما يخض الوسط الحضري ف% 40 يوجد من يتبرع لهم بينما% 60 لا يتوفرون على متبرع من داخل العائلة.

من خلال القراءة الإحصائية لمعطيات الجدول يتضح لنا أن الأصل المنحدر ليس متغيرا أساسيا في عدم الزرع، لأننا نجد الأغلبية الساحقة في الوسط الحضري وكذلك القروي لا يجدون متبرع يتبرع لهم بكلية. كما نلاحظ أن الذين ينحدرون من الوسط الحضري أكثرا حظا من القرويين، ويمكن أن نفسر هذا المعطى من خلال المجال، فالمدينة كمجال عام، والحضري (أي القاطن في المدينة) يكون أكثر احتكاكا بالمستجدات والشعارات إلى غير ذلك من الأمور التي تنشر بعض الثقافات، فعلى سبيل المثال الحملات التحسيسية في مجال الصحة عموما، وبالأخص التبرع والزرع تكاد لا ترى في القرية مقارنة مع المدينة.

أما إذا ما انطلقنا من افتراض أن العالم القروي يسوده التضامن الآلي، وأن التبرع بالأعضاء مرتبط بالتضامن كما أشرنا سلفا، فهذا لا ينطبق على الوسط القروي المغربي في مسألة التبرع بالأعضاء، لأن الوسط القروي لم يؤثر إيجابا في المقربين من المرضى لكي يتبرعوا، مثل ما هو حاصل في المدينة. هنا نستنتج أن التضامن الآلي ليس حكرا على العالم القروي كما أكد على ذلك دوركايم، بل يمكن أن يكون أقوى في العالم الحضري أكثر من العالم القروي، كما حصل معنا الآن في مسألة التبرع بالأعضاء. وتجدر الإشارة إلى فكرة أساسية سنحاول أن نبينها من خلال سؤال: انطلاقا مما سبق إلى أي حد عرفت الأسرة القروية المغربية تحولا على مستوى الوظائف؟

الأسرة كمؤسسة تلعب العديد من الأدوار داخل المجتمع، نظرا لكونها تؤدي مجموعة من الوظائف، لكن تجدر الإشارة إلى أن هذه الوظائف تختلف باختلاف الزمان والمكان، فوظائف الأسرة في الماضي ليست هي نفسها في الوقت الراهن، ووظائفها في العالم الحضري ليست هي نفسها في العالم القروي، لكن رغم هذه التحولات التي عرفتها الأسر القروية، إلا أن هناك بعض القيم والعادات والتقاليد مرسخة في سلوك الأفراد، تحدد أفكارهم وتوجه أفعالهم، وهذا ما يسري على مسألة التبرع بالأعضاء. فالقروي رغم الانفتاح على مجموعة من المؤسسات التربوية  إلا أن هناك سلطة خفية توجه الأفراد، وهي القيم المجتمعية السائدة في المجتمع.

  • علاقة الأطباء بالمرضى وزرع الكلي
جدول 05: تواصل الأطباء  بمرضى القصور الكلوي
هل ينصحك الأطباء بالزرع بدل التصفية الجنس المجموع
ذكر أنثى
نعم المستوى التعليمي بدون التكرار 0 1 1
% 0.0 25.0 25.0
تقليدي التكرار 1 0 1
% 25.0 0.0 25.0
إبتدائي التكرار 0 1 1
% 0.0 25.0 25.0
إعدادي التكرار 0 1 1
% 0.0 25.0 25.0
المجموع التكرار 1 3 4
% 25.0 75.0 100.0
لا المستوى التعليمي بدون التكرار 8 11 19
% 21.1 28.9 50.0
تقليدي التكرار 2 0 2
% 5.3 0.0 5.3
إبتدائي التكرار 3 6 9
% 7.9 15.8 23.7
إعدادي التكرار 1 1 2
% 2.6 2.6 5.3
ثانوي التكرار 1 4 5
% 2.6 10.5 13.2
جامعي التكرار 1 0 1
% 2.6 0.0 2.6
المجموع التكرار 16 22 38
% 42.1 57.9 100.0
المجموع المستوى التعليمي بدون التكرار 8 12 20
% 19.0 28.6 47.6
تقليدي التكرار 3 0 3
% 7.1 0.0 7.1
ابتدائي التكرار 3 7 10
% 7.1 16.7 23.8
إعدادي التكرار 1 2 3
% 2.4 4.8 7.1
ثانوي التكرار 1 4 5
% 2.4 9.5 11.9
جامعي التكرار 1 0 1
% 2.4 0.0 2.4
المجموع التكرار 17 25 42
% 40.5 59.5 100.0

المصدر: البحث الميداني

بينت إحصائيات البحث الميداني أن %9.5 من مرضى القصور الكلوي سبق وأن تواصل معهم الأطباء حول الأنسب لهم، التصفية أم الزرع. بينما %90.50 لا يتواصل معهم الأطباء في هذه المسألة. بل فقط الاقتصار على نصائح فيما يخص الالتزام بنظام غذائي معين، واحترام التعاليم الطبية.والجدول 05 بين لنا أن متغير الجنس مهم في النقاش، حيث النساء يتحاورن مع الأطباء أكثر من الذكور، وهذا راجع إلى طبيعة المرأة، فهذه الأخيرة من طبيعتها التساؤل بينما الرجال يختلفون في هذا الباب عن النساء. وانطلاقا من معطيات الجدول وعنوانه يحيلنا هذا المبحث إلى شق مهم في سوسيولوجية الصحة، ألا وهو علاقة الطبيب بالمريض. فبارسونز الذي كان”مدخله بنائيا وظيفيا، وينظر لدور الطبيب في ضوء الوظائف التي يضطلع بها في الحفاظ على نظام المجتمع واستقراره، وبالتالي فقد أخرج دراسة رائدة في التحليل السوسيولوجي لمهنة الطب. ومع ذلك فهناك مأخذ على هذه الدراسة، فهو يرى سيادة الانسجام الكامل والعلاقات التبادلية بين المريض والطبيب، وفي الوقت الذي أشار غيره من علماء الاجتماع –أمثال فريدسونE.freidson _ إلى المعضلات والصراعات الممكنة في تلك المهنة، ولذلك فإن فريدسون يرى أن العلاقات القائمة بين الأطباء والمرضى تتباين بتباين المعارف والخبرات والتجارب وغيرها، مما يمكن تسميته صدام وجهة النظر”[10]. وطبقا لملاحظاتنا الميدانية، وجدنا أن الطبيب له سلطة كاريزمية تفرض على المرضى، وهذا ناتج للنسق الثقافي والاجتماعي الذي تنشأ فيه الأطباء. فالطبيب يفرض ما تعلمه على مرضاه دون مراعاة الأنساق الاجتماعية والثقافية للمرضى، لأن طرق تلقين المرضى بعض الأفكار-وبالأخص النظام الغذائي-تحتاج مراعاة النسق الثقافي والاجتماعي، فعلى سبيل المثال: القروي ليس كالحضري على مستوى النظام الغذائي وتلقي الأفكار. ومن خلال ملاحظاتنا الميدانية وجدنا أن الطبيب أولا لا يشارك المرضى النقاش، ويؤكد فقط على الالتزام بالتوجيهات الطبية ثانيا.

فالمستشفى  كمؤسسة طبية، هو عبارة عن بينية احترافية على حد تعبير هنري منتسبرغ (H.Mintzberg)، والبنية الاحترافية، لا تتدخل فيها القمة الاستراتيجية لأن الفاعلين الذين هم الأطباء في المستشفى ، لا يمكن أن يتدخل في أعمالهم مدير المستشفى  وغيره، وذلك ناتج عن طبيعة التكوين. كما أشار بارسونز إلى أن رعاية المريض تعد نشاطا احترافيا ومتخصصا وظيفيا، طول الوقت، ويتحقق هذا الوضع خلال تطور المستوى الأدنى من البراعة الفنية. أما الكفاءة الفنية العالية فإنها تتطلب من الطبيب أن يكون له تخصص وظيفي دقيق، وبالتالي فإن هذا التكريس المكثف للخبرة في مجالي الصحة والمرض، يعقبه مباشرة تكريس للخبرة وتكثيف لها في مجالات الأخرى. [11]

وخلافا لطرح بارسونز الوظيفي “هناك باحثان آخران هما: هولندر(Hollender) وزاس(Szasz) قد حددا ثلاثة أنماط أساسية لتلك العلاقة كما يلي: أولا نمط الإيجابية السلبية: ويتحدد دور الطبيب فيه بعمل شيء ما للمريض لإنقاذه ومساعدته على اجتياز الأزمة(الإيجابية). بينما يقتصر دور المريض على التلقي، فهو غير قادر على الرد(السلبية). ويتجسد هذا النمط في حالات الجرح الحاد، أو فقدان الحس، أو الغيبوبة. وثانيا المساعدة- التعاون: وفيه يحيط الطبيب المريض علما بما يفعله من أجله في علاج المرض (المساعدة)، ويتحدد دور المريض في طاعة الأوامر وتنفيد التعليمات الطبية (التعاون) من أجل التغلب على حالات العدوى الحادة أو الأمراض الخطيرة. والنمط الثالث والأخير هو نمط المشاركة المتبادلة: ويتجلى هنا دور الطبيب في مساعدة المريض على أن يساعد نفسه (المشاركة) ويترجم المريض دوره في شكل إسهام في عملية المشاركة (التبادل)، وعادة ما يكون هذا النمط في معظم حالات المرض المزمن والتحليل النفسي… إلخ”[12]. لكن بالنسبة للجدول أعلاه ووفقا لملاحظاتنا الميدانية، فأطباء مرضى القصور الكلوي يتمركزون في النمط الأول (الايجابية السلبية)، وهذا النمط لا يصلح مع المرض المزمن بل فقط مع الجرح الحاد والغيبوبة …إلخ، فمرض القصور الكلوي باعتباره مرض مزمن يصلح معه النمط الثالث.

وانطلاق مما سبق ومن معطيات الجدول نخلص إلى أن دور المريض سلبي ودور الطبيب إيجابي، وهذا ينتج علاقة سلبية بين المرضى والأطباء، لا يراعى فيها ما هو ثقافي ولا ما هو سوسيوثقافي، فالطبيب له سلطة احترافية، أنتجت رأس مال رمزي، يقيده، ويجعله يفرض احترافيته على المريض دون ما إشراكه، كما رأينا في النمط الثالث الذي جاء به الباحثان.

2-الاكراهات المادية لزرع الكلي

  • الجدول 06: الاكراهات المادية وعدم التفكير في زرع كلية
الاكراهات بدون إجابة إكراهات مادية الخوف من
فشكل العملية(%)غياب وجود       المتبرع(%)موقف شرعي(%)لا أعرف(%)المجموعالتفكير في زرع كليةنعم1000,00,00,00,00,0100لا0,085,728,642,93,67,1100المجموع33,357,119,028,62,44,8100

المصدر: البحث الميداني

يبين لنا هذا الجدول06 أن الذين يفكرون في زرع الكلية هم فقط%33.3والبقية لا يفكرون في الزرع، وذلك نتيجة لمجموعة من الاكراهات، أهما %85.7 إكراهات مادية، و% 28.6 خوفا من فشل العملية، و42.9 عدم وجود المتبرع، بينما 3.6 موقف شرعي، و7.1 بالمئة لا يعرفون سبب عدم الزرع.- هنا تجدر الإشارة إلى ملاحظة أساسية جدا وهي أن جمع النسب يساوي أكثر من 100 بالمئة وهذا ليس خطأ في المعلومات، ولكن هذا راجع إلى طبيعة السؤال، فكانت اختيارات متعددة وللمبحوث أن يختار أكثر من اختيار-.

 فما يهمنا أكثر هنا هي الاكراهات المادية التي حظيت بالنسبة الأكبر%85.7، لكن السؤال المطروح هنا: لماذا الاكراهات المادية كانت سببا رئيسا في عدم الزرع حسب المبحوثين؟

لنفترض المتبرع موجود والتحاليل إيجابية وكل شروط الزرع متوفرة، لكن ماذا بعد الزرع؟، فمن الضروري تناول بعض الأدوية التي يصل ثمنها تقريبا إلى 10000 درهما شهريا في السنة الأولى بعد عملية الزرع، ثم دواء لمدى الحياة تكلفته تصل إلى 4000 درهم شهريا. فهذه الأدوية مكلفة جدا بالنسبة لمرضى القصور الكلوي. لأن دخلهم الفردي ضعيف جدا بحيث نجد % 52.4 دخلهم الفردي الشهري أقل من 1000 درهم بينما %28.6 دخلهم الفردي ما بين 1000 و2000 درهم شهريا. أما من يتجاوز 5000درهم شهريا هم فقط اثنان من أصل 42 مريضا، أي ما نسبته %4.8.

نستنتج من الجدول 06 أن كل المرضى لا يمكنهم تأدية تكلفة الدواء بعد الزرع في حالة توفر المتبرع وتطابق التحاليل الطبية. لكن تجدر الإشارة إلى فكرة أساسية، وهي التغطية الصحية، فهذه الأخيرة يمكن أن تكون حلا لتكاليف الدواء التي تعد عائق أمام الزرع، كما فعل مصطفي  [13] الذي تبرع له أخوه بكلية، ونجحت العملية لمدة سنة ومن تم رجع إلى التصفية نتيجة لمشكل في الدم. لكن لماذا قام مصطفي  بزرع الكلية رغم أن دخله مثل جميع المرضى لا يتجاوز 2000 درهم؟ قام بالزرع لأنه يتوفر على التغطية الصحية (saham) المخصصة لأئمة المساجد، والتي توفر له 70 بالمئة من تكلفة الدواء.لكن إذا رجعنا إلى نوع التغطية الصحية للمرضى سنجده كالآتي:

  • الجدول 07:التغطية الصحية للمرضى
في حالة نعم نوع التغطية الصحية التكرارات %
رميد (RAMID) 37 88.10
ص.و.ض.إ(Cnss) 1 2.40
كنوبس(Conps) 2 4.80
فار(Far) 0 0.00
سهام (Saham) 1 2.40
آخر 1 2.4
المجموع 42 100

المصدر: البحث الميداني

يبين لنا الجدول 07 أن 88% يتوفرون على الرميد (RAMID)، وهذا الأخير لا يقبل من طرف الصيدليات والمصحات، وهذا يعني أنه لا يمكن تغطية تكلفة الدواء.

بمعنى أن المريض العادي، ونقصد به الذي لا يعمل مع الدولة في أي قطاع ولا يعمل في القطاع الخاص -عموما لا يعمل في القطاع المهيكل-، لا يمكن له القيام بالزرع وإن توفر المتبرع المتضامن مع المريض.

ونتيجة للإكراهات المادية نُقش في أذهان المرضى أفكار طبقية، مثل أن الأغنياء هم أصحاب الحق في العيش، وأما الفقير يوكل أمره لله الذي خلقه وأمرضه فهو يشفيه.

وخرج المرضى بخلاصات مهمة يبينها الجدول التالي :

  • الجدول 08: الغنى المادي وزرع الكلية.
نعم(%) لا(%) المجموع
في نظرك هل الزرع متاح للجميع 14.3 85.7 100
هل زرع الأعضاء مخصص للأغنياء فقط 90.5 9.5 100

المصدر: البحث الميداني.

يؤكد المرضى من خلال الجدول 08 أن الزرع ليس متاحا للجميع بل هو مخصص للأغنياء فقط. لأن الزرع مكلف ماديا، كما سبق وأن أشرنا إلى ذلك سلفا. ولهذا فهم يفضلون التصفية بدل الزرع. بمعنى أن الفقراء يرفضون المرفوض ويقبلون المحتوم.[14]

ومن خلال ما سبق يتضح لنا أن الزرع مرتبط كثيرا بما هو مادي، نظرا لتكاليف التحاليل والأدوية بعد العملية، وأن أكثر المحرومين ليس من لا يجد متضامنا أسريا معه–من خلا التبرع بالأعضاء- بل هو ذلك الفقير الذي لا يجد ثمن الأدوية التي هي في نظره مكلفة جدا. وعندما تسأل المريض هل تفكر في الزرع؟ يجيب لا لأن… ثم يسرد الاكراهات المادية، ولا يقول نعم أفكر ولكن لا أقدر نظرا للإكراهات المادية. وهذا يبين لنا أن الزرع أصبح من المستحيلات بالنسبة لمرضى القصور الكلوي نظرا للإكراهات المادية، وأصبحت لهم آليات دفاع يبررون بها حالتهم، وأن التصفية في كل الأحوال أحسن من الزرع.

وعلى كل حال، فهذا يؤكد لنا أن هناك لا تكافؤ في طلب العلاج، وهذا اللا تكافؤ مبني على تفاوت طبقي. والدولة المغربية تعترف بأن هناك فوارق في الرعاية الصحية ب” كون الفوارق بين الوسط الحضري والقروي، وبين الساكنة الميسورة والساكنة الفقيرة والجهات والأقاليم ما تزال قائمة سوداء على مستوى المؤشرات ذات الصلة بالحالة الصحية للسكان أو المؤشرات المتعلقة بالاستفادة من الرعاية الطبية والتغطية الصحية من لدن مصالح عمومية… وهكذا فالفوارق قائمة في عدد من الجهات حيث يبقى الفارق مع المعدل الوطني للخدمات في الوسط القروي مرتفعا نسبيا”[15]. كما أكد المرصد الوطني للتنمية البشرية في بحث قام به ” دراسة حول: الفوارق في الاستفادة من الرعاية الطبية بالمغرب – دراسة الحالات- ” أن ” من البديهي أن تشكل إمكانية الحصول على علاج متاح وفعال تحفيزا ًهاما على الاستفادة من الرعاية الطبية .غير أن ثمن الدواء بالمغرب يبقى مرتفعاً بالمقارنة مع وضعية بلدان أخرى، ويمثل شراء الأدوية قدراً هاماً للغاية من نفقات الصحة لدى الأسر. وتطرح مسألة إمكانية الحصول عليه في إطار سياسة صيدلانية للدواء تشمل عدة عناصر:مختلف أبعاد الاستفادة المتمثلة في توفر الأدوية، والسعر المناسب وجودة الدواء؛ ومختلف مراحل دورة الدواء المتمثلة في الاختيار، والاقتناء والتوزيع والاستعمال؛ وأنماط التمويل العمومي والخصوصي؛ وانخراط مختلف الفاعلين المتدخلين في دورة الدواء والمؤثرين في بُعد واحد أو أكثر من أبعاد إمكانية الحصول على الدواء”[16]وأكدت الدراسة أيضا أن “وعلى المستوى الوطني، إذا كانت جهود الفاعلين بالقطاع الخاص في مجال الحصول على الدواء متنوعة، فإن آراءهم تلتقي إجمالاً في نقطة واحدة. فالحصول على الدواء رهان أساسي يكشف عن تحد من الحجم الكبير، وهو تحدي التغطية الصحية. ويتجاوز هذا التحدي إلى حد بعيد الجهود التي بوسع الفاعلين الخواص القيام بها حيث قد تقوض مصالحهم. فهم لا يحبذون أي محاولة لتخفيض الأثمان في قطاع ترتفع فيه تكاليف الإنتاج بسبب ضعف الإنتاج، وصغر حجم سوق الأدوية وتدني القدرة الشرائية. كما يرفض الموزعون أي فكرة تخص مراجعة هامش الربح بالنسبة إليهم، بالنظر إلى الموارد الضخمة المستثمرة من أجل ضمان توفر الدواء في البلاد كلها، بما في ذلك المناطق الأكثر بعدا. وينظر الصيادلة، من جهتهم، مع أنهم قلقون من دخول الأدوية الجنسية إلى سوق الدواء، لمراجعة هامش ربحهم بحذر شديد في سياق أزمة مهنية تدعو للقلق بشكل متزايد. وهكذا، فالنقاشات تتعدد بين الفاعلين للخروج من المأزق وإيجاد أدوات ملائمة من أجل تحسين حصول السكان على الدواء. والهدف من ذلك أيضا عدم إضعاف الصناعة المحلية، والتوزيع والصيدليات.”[17]

 يتضح لنا جليا أن الدولة عاجزة عن توفير الرعاية الطبية لجميع المغاربة وبالأخص الفقراء منهم، وما يبين هذا هو ذلك الاعتراف من الدولة المغربية، وكذلك مشكل الأدوية. إذن إذا كانت الدولة عاجزة تماما عن توفير أبسط الأمور والتي هي الأدوية فكيف لها أن تضمن توفير أدوية باهظة الثمن بعد الزرع. ويؤدي هذا إلى فوارق في الرعاية الصحية. وهذا يضمن العلاج فقط للميسورين فقط، ويتأكد لنا بشكل واضح أن الزرع مرتبط بشكل كبير بما هو مادي.

لكن رغم توفر الأغنياء على فرص الزرع، إلا أن مستواهم المادي لا يكفي، لأن هذا الأخير مرتبط بما هو اجتماعي- سبق وتطرقنا له- والمتمثل في المتبرع، لأن الأعضاء لا تباع وهذا يعاقب عليه القانون(يعتبر التبرع بعضو بشري أو الإيصاء به عملا مجانيا لا يمكن بأي حال مـن الأحوال وبأي شكل من الأشكال أن يؤدى عنه أجر أو أن يكون محل معاملة تجارية. ولا تعتبر مستحقة سوى المصاريف المتصلة بالعمليات الواجب إجراؤها من أجل أخذ وزرع الأعضاء ومصاريف الاستشفاء المتعلقة بهذه العمليات.)[18] بل هي هبة من أحد الأقارب. بمعنى أن الميسورين تقيدهم إكراهات اجتماعية، بينما الفقراء تقيدهم الاكراهات المادية أولا ثم الاجتماعية. كما أن الفقير قد لا يجد متضامنين مثل الميسور، لأن هذا الأخير له رأس مال مادي، وفي الغالب الرأس المال المادي ينتج رأس مال اجتماعي.

 

خاتمة :

الصحة والمرض يرتبطان بما هو بيولوجي لكن هناك ارتباط آخر اجتماعي، فهذا الأخير هو العامل المهم في الصحة والمرض، ورغم التطورات الطبية والعلمية التي عرفها مجال الصحة، إلا أن العامل الاجتماعي يترك دائما بصمته، كما تركها في مسألة التبرع بالأعضاء وزرعها. فالطب تطور بشكل كبير ليصل إلى إمكانية زرع الأعضاء، لكن هذا الزرع يظل مرتبطا بالاجتماعي رغم التطور الطبي، لأن قبل عملية الزرع نحتاج إلى التبرع،وهذا الأخير لن ينفع معه التطور الطبي لأنه مرتبط أكثر بما هو اجتماعي. فالمتبرع يمكن أن يكون مشبعا بثقافة عدوانية ضد الزرع أو قيم دينية أو تقاليد تقيده وتوجه أفعاله. هذا من جهة ومن جهة أخرى مغايرة، فإن الزرع وإن توفر التبرع –المرتبط بالاجتماعي- يغيب نتيجة للاكراهات المادية، لأن العضو وإن كان مجانا فالأدوية ليست كذلك، ومن أجل تحقيق الزرع نحتاج تضامنا من نوع آخر، والزرع بدوره مرتبط بالاجتماعي وليس فقط بالتطور الطبي العلمي. إذن فالتبرع بالأعضاء وزرعها رهين بمحددات اجتماعية كثيرة.

 

قائمة المراجع :

المراجع العربية

  1. علي المكاوي، دراسات في علم الاجتماع الطبي والوطن العربي، وكالة الأهرام للتوزيع ، القاهرة، 1998
  2. محمد عبابو، سوسيولوجية الصحة (مقاربات نظرية)، SIPAMA، فاس، 2015
  3. الوحيشي أحمد بيري وعبد السلام بشير الدوبي ، مقدمة في علم الاجتماع الطبي، دار الجماهيرية للنشر، بنغازي ، ليبيا، 1989

المراجع الأجنبية

  1. Ben-David, Orit Brawer , Organ donation and transplantation: body organs as an exchangeable socio-cultural, Library of Congress Cataloging-in-Publication Data, London, 2005
  2. parsons Talcott, The social system, amerind publishing, New delhi, 1972
  3. Klaiman Tamar, organ and body donation, ABDO Publishing Company, United States of America, North Mankato, Minnes, 2011

الويبيوغرافيا

  1. http://www.ondh.ma
  2. http://www.unicaen.fr

[1] Tamar Klaiman, organ and body donation, ABDO Publishing  Company, , United States of America, North Mankato, Minnesota, 2011 , p 17.

[2]http://www.unicaen.fr/recherche/mrsh/forge/2149    (15/10/2017)

[3]الوحيشي أحمد بيري وعبد السلام بشير الدوبي ، مقدمة في علم الاجتماع الطبي، دار الجماهيرية للنشر، بنغازي، ليبيا، 1989،ص 65.

[4]محمد عبابو، سوسيولوجية الصحة (مقاربات نظرية)، SIPAMA، فاس، 2015، 26

[5] محمد عبابو، نفس المرجع السابق، ص 27

[6]محمد عبابو، نفس المرجع السابق، ص 91

[7]  هذا تعبير مغربي يستعمله كبار السن للتعبير عن أنهم أخذوا نصيبهم من الحياة و ما يجب انتظاره هو الموت بسلام

[8] حديث نبوي رواه النووي .

[9]Ben-David, Orit Brawer , Organ donation and transplantation: body organs as an exchangeable socio-cultural, Library of Congress Cataloging-in-Publication Data, London, 2005,Page16

[10]علي المكاوي، دراسات في علم الاجتماع الطبي والوطن العربي، كتب عربية، 1998، ص 159.

[11]parsons Talcott, The social system, amerind publishing, New delhi, 1972 ,p 435

[12]علي المكاوي، دراسات في علم الاجتماع الطبي والوطن العربي، مرجع سابق،  ص 180.

[13]إمام مسجد

[14]جاء هذا التعبير عند كل  بيار بورديو وجون كلود باسرون في كتابها (الورثة) اللذان عالجا فيه مجموعة من القضايا تهم لا تفكافؤ الفرص على مستوى التعليم، وبالأخص عند الطلبة ، فالطالب الذي ينتمي إلى طبقة فقيرة يحتم عليه الذهاب إلى كلية الآداب أما التخصصات العلمية الراقية فهي لأبناء الأغنياء، وبهذا فأبناء الفقراء يقبلون المقبول ويرفضون المرفوض، من غير وعي منهم، على العكس ما جاء به بودون في كتابه ” لا تكافؤ الفرص” أن الذي يختار يعي ماذا اختار، لكن هذه المسألة تنطبق على فقراء مرضى القصور الكلوي فهم يرفضون المرفوض ويقبلون المحتوم عليهم .

[15] برنامج عمل الصحة (2008/2012)

[16]تقرير دراسة للمرصد الوطني للتنمية البشرية ” الفوارق في الاستفادة من الرعاية الطبية بالمغرب” ص 6 http://www.ondh.ma/sites/default/files/documents/mlkhs_ldrs_0.pdf

[17]المرصد الوطني للتنمية البشرية، نفس الموقع السابق، ص 7.

[18] المادة 5 من قانون 94-16 المتعلق بالتبرع بالأعضاء والأنسجة البشرية وأخذها وزرعها.


Updated: 2020-02-04 — 14:48

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme