دور “التعليق” في تحديد السياق النصي عند عبد القاهر الجرجاني / عبد الرحمان إكيدر


 

دور “التعليق” في تحديد السياق النصي عند عبد القاهر الجرجاني

د. عبد الرحمان إكيدر  (جامعة القاضي عياض) – المغرب.

مقال نشر في مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية العدد  38 الصفحة 85.

 

 

 

الملخص :

        يستلزم تعلق الكلم بعضه ببعض مراعاة أحوال الكلمات وصحة تعلقها وتوخيها لمعاني النحو وقوانينه وفق ضوابط وأحكام، مما يجعل هذه الكلمات تنتظم وفق نسق محدد ومناسبة للسياق والمقام الذي تذكر فيه، وبذلك تترابط أجزاء النص ويرتبط أوله بآخره محيلا على معنى، ومبنيا على الوحدة الدلالية التي هي “محصول التعلق”. لقد أدرك عبد القاهر الجرجاني (471 هـ) ضرورة السياق كشرط من شروط البلاغة والقول الفصيح، وباعتباره أيضا أداة إجرائية في تحديد المعنى، وهذا ما يجعل البحث يسعى إلى كشف دور “التعليق” في تحديد سياق النص بدءا بتحديد دوره في دلالة الكلمة في السياق وانتهاء بالكشف عن دوره في تحديد دلالة النص برمته من خلال سلسلة من التعالقات.

الكلمات المفاتيح :

التعليق – السياق – الوحدة الدلالية – معنى المعنى – العلاقات السياقية.

  • ماهية “التعليق” عند عبد القاهر الجرجاني :

يرتبط مفهوم “التعليق” عند عبد القاهر الجرجاني بنظريته في النظم، فقد جعل هذا المفهومَ محورَ هذه النظرية وعمادها الرئيس، وقد عرف الجرجاني “التعليق” بضم الكلم بعضها إلى بعض وفق ضوابط وقوانين معينة تجعل اللفظين المضمومين أو الألفاظ المضمومة متعالقة فيما بينها ومتماسكة من خلال علاقات لفظية ومعنوية، فتكون هذه بسبب من تلك. وتظهر قوة هذا المفهوم في ربط تحديده بماهية النظم، ومن تجلياته في “دلائل الإعجاز”، قوله :

- “معلوم أن ليس النظم سوى تعليق الكلم بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض”([1]).

- “أن لا نظم في الكلم ولا ترتيب، حتى يعلق بعضها ببعض، ويُبنى بعضها على بعض، وتُجعل هذه بسبب من تلك”([2]).

لقد ربط عبد القاهر الجرجاني مفهوم “التعليق” بدور المتكلم ومراعاته للجوانب المعنوية والدلالية. ومن النصوص التي نعتبرها مفتاحا لفهم ما قصده بهذا المفهوم، قوله : “ليس من عاقل يفتح عين قلبه، إلا وهو يعلم ضرورة أن المعنى في «ضم بعضها إلى بعض»، تعليقُ بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض، لا أن يُنطق بعضها في أثر بعض، من غير أن يكون فيما بينها تعلق، ويعلمُ كذلك ضرورةً إذا فكر، أن التعلق يكون فيما بين معانيها، لا فيما بين أنفُسها، ألا ترى أنا لو جهدنا كل الجهد أن نتصور تعلقا فيما بين لفظين لا معنى تحتهما، لم نتصور؟”([3]).

وقد نظر تمام حسان إلى “التعليق” عند عبد القاهر باعتباره يُحدد بواسطة القرائن معاني الأبواب في السياق ويُفسر العلاقات بينها على صورة أوفى وأفضل وأكثر نفعا في التحليل اللغوي لهذه المعاني الوظيفية النحوية. وهذا يدعو للبحث عن تلك العلاقات السياقية سواء أكانت معنوية تربط الأبواب النحوية، أم لفظية خصوصا تلك المرتبطة بتعلق الأدوات الداخلة على الجمل والأجوبة، وما يترتب على ذلك من وحدة دلالية.

1- سياق الموقف والسياق اللغوي :

يشير مصطلح السياق في اللغة إلى المتابعة والتوالي، إذ نجد في (لسان العرب) “سَاقَ الإِبِلَ وَغَيرهَا يَسُوقُهَا سوقًا وَسيَاقًا (…) وَقَد انسَاقَت وَتَسَاوقت الإبِلُ تَسَاوقًا إذَا تَتَابَعَت”[4]، أما في قاموس (Larousse)  فيشير مصطلح (Contexte) إلى مجموعة من الكلمات المنسوجة في النص، وما يحيط بالكلمة المستعملة من ظروف لغوية وغير لغوية[5]. ويُلاحظ أن المعنى اللغوي لا يختلف عن المعنى الاصطلاحي.

      لقد اعتنى المفسرون بدراسة السياق في استنباطهم للأحكام والدلالات، إضافة إلى عنايتهم بالظروف المصاحبة لإنتاج النص، كما أدرك البلاغيون العرب القدامى أهمية السياق ودوره في إصابة المعنى والوصول إليه، بل عدوه محددا في تعريفهم للبلاغة حين تحدثوا عن «مطابقة الكلام لمقتضى الحال»، وأنّ «لكل مقام مقالا»، فكانت بذلك دعوة منهم لربط الصياغة بالسياق، فحسن الكلام يكمن في مدى موافقته لمقتضى الحال.

         ويعد (السياق) مبحثا من مباحث علم اللغة الحديث وحجر الأساس في علم المعنى، فهو يشير إلى التركيب في إطار المتتالية اللغوية التي ترد فيها الكلمة، وكل ما يتعلق بأحوال هذه المتتالية واستحضار ظروفها الخارجية، فيُسهم السياق بذلك في تحديد المعنى والدلالة. ويمكن التمييز في هذا الصدد بين سياق النص اللغوي وسياق الموقف أو سياق الحال، يقول تمام حسان: “المقصود بالسياق التوالي، ومن ثم يُنظر إليه من ناحيتين: أولاهما توالي العناصر التي يتحقق بها التركيب والسبك، والسياق من هذه الزاوية يسمى: (سياق النص). والثانية توالي الأحداث التي صاحبت الأداء اللغوي وكانت ذات علاقة بالاتصال، ومن هذه الناحية يسمى: (سياق الموقف). وهناك علاقة طابعها العموم والخصوص بين مصطلحين هما: (دلالة النص) و(قرينة النص). ذلك أن المستفاد من النص في جميع أنواع الإفادة هو دلالة النص”[6]. فالسياق الأول سياق نصي لغوي يمثله نظم الكلام وتعلق ألفاظه بعضها ببعض، إنه سياق داخلي يبرز معنى الكلمات الواردة في المتتالية اللغوية من خلال رصد علاقة الكلمة مع جاراتها السابقة أو اللاحقة من حيث العلاقات الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية. أما السياق الثاني فهو سياق الموقف الذي يفسر أمورا لا يستطيع السياق الداخلي وحده تفسيرها، وهو جملة العناصر المكونة للموقف الكلامي الاتصالي المتمثل في استحضار حال المتكلم والسامع والظروف النفسية والاجتماعية وما يصاحب ذلك من أحداث غير لغوية خارجية كالحركات أو الانفعالات والنبر… إلخ، بمعنى آخر معرفة الجو العام الذي يحيط بالنص، وهو ما يصطلح عليه ب”النص المصاحب” أو “النص الآخر”. يشير ستيفن أولمان Stephen Ullmann (1914 – 1976 م) إلى أن “كلمة السياقContext  قد استعملت حديثا في عدة معان مختلفة. والمعنى الوحيد الذي يهم مشكلتنا في الحقيقة هو معناها التقليدي أي (النظم اللفظي للكلمة وموقعها من ذلك النظم)، بأوسع معاني هذه العبارة. إن السياق على هذا التفسير ينبغي أن يشمل – لا الكلمات والجمل الحقيقية السابقة واللاحقة فحسب – بل والقطعة كلها والكتاب كله، كما ينبغي أن يشمل – بوجه من الوجوه – كل ما يتصل بالكلمة من ظروف وملابسات والعناصر غير اللغوية المتعلقة بالمقام الذي تنطق فيه الكلمة، لها هي الأخرى أهميتها البالغة في هذا الشأن”[7]. إن الحديث عن ترابط أجزاء النص وتماسكه يستدعي دراسة كل من السياق اللغوي والسياق الخارجي، إذ “لا يمكن بحال نكران تأثير دلالة سياق النص اللغوي، وسياق الموقف الملابس له على العناصر النحوية من حيث الذكر والحذف، والتقديم والتأخير، والتعريف والتنكير، وغير ذلك مما درسه ما يعرف بعلم المعاني”[8].

   وسيركز البحث على إبراز أهمية السياق اللغوي، أو ما يسميه تمام حسان “التعليق السياقي”، حيث لا يتحدد معنى الكلمة إلا بعلاقاتها مع غيرها من الكلمات الأخرى في سلسلة من التعالقات. وقد أشار عدد من الباحثين إلى دور السياق في تحديد المعنى خصوصا مالينوفسكي Bronislaw Malinowski (1884 – 1942م)، وستيفن أولمان Stephen Ullmann (1914 – 1976م)، ورتشاردز I.A. Richards (1893 – 1979م)، وفيرث J.R. Firth (1890 – 1960م)، هذا الأخير عُدّ رائد المدرسة اللندنية في اللسانيات الاجتماعية، ونظر إلى المعنى على أنه مركب من العلاقات السياقية. وقد انتهى إلى أن تحديد المعنى يتوقف على مراعاة مجموعة من الجوانب كتحليل السياق صوتيا وصرفيا ونحويا ومعجميا، وهكذا يتحدد معنى الكلمة من خلال السياق الذي ترد فيه، فالكلمة المفردة ليس لها معنى في حد ذاتها، وإنما تستمد معناها من خلال السياق؛ أي من خلال ما يجاورها من كلمات أخرى، وهذا ما يؤكد كلام عبد القاهر الجرجاني حين يشير إلى أن أي عنصر لا يتحدد مفهومه إلا من خلال الموقع الذي يحتله داخل نسق معين، ووفق شبكة من العلاقات التي تقيمها مع محيطها النصي.

      وتبعا لما سبق يطرح رتشاردز I.A. Richards التساؤلين الآتيين : “كيف يعتمد معنى كلمة ما على معاني الكلمات الأخرى في الجمل السابقة أو اللاحقة عليها ؟ وماذا يحدث حينما نحاول أن نعرف من جملة ما تعنيه كل كلمة على انفراد ؟”[9]، يحاول ريتشاردز الإجابة عن التساؤلين رافضا أن يكون للكلمة معنى مطلق، أو معنى خاص كما أن للناس أسماءهم الخاصة بهم، فللكلمة عدة معان لا تتحدد إلا من خلال استعمالها في السياق، وأن الكلمات التي تسبق وتلي كلمة ما تحدد طريقة تفسيرها. ويؤكد ذلك بقوله: “إن الكلمات تكتسب معانيها بتأثير كلمات أخرى، والتي قد لا نكون فكرنا فيها، لكنها تتكامل للسيطرة عليها شعوريا. وقد خلصت إلى ملاحظة مفادها أن الكاتب الكبير يحقق غايته حين يجعل العبارة المفردة تندرج في إطار متتالية لغوية موسعة أو تنحرف عنها، وطبعا فإن صح ذلك، سيكون دليلا إضافيا على بطلان (خرافة المعنى الخاص)”[10]. فمعنى الكلمة يختلف بحسب موقعها داخل السياق ووظيفتها النحوية من فاعلية أو مفعولية …إلخ، ويختلف معناها أيضا حسب سياقها النصي. ولتفسير دلالة الكلمة ميّز محمد حماسة عبد اللطيف بين سياقين الأول خاص والثاني عام، حيث يتكامل كل من السياقين لتحديد المعنى :

                           الخاص : تعلق اللفظ في جملته وعلاقته التبادلية مع ما يكوّن معه الجملة.

السياق

  العــام : هو النص كله، فالكلمة في نص يكون لها دلالة تختلف عن دلالتها في نص آخر.

ويمكن أن نصوغ مثالا لذلك من خلال الفعل (ضرب) الذي لا تتحدد دلالته إلا في السياق اللغوي الذي ورد فيه، ومن خلال علاقاته التعليقية بباقي عناصر النص، مما يسمح لنا ببيان دلالته والمعنى المراد منه :

  • ضرب الله مثلا ( بمعنى : مثّل للناس مثالا ).
  • ضرب زيد موعدا مع عمرو ( بمعنى : حدّد ).
  • ضرب به عرض الحائط ( بمعنى : أهمله وأعرض عنه ).
  • ضرب في الأرض ( بمعنى : سار فيها مسافرا ).
  • ضرب الدرهم ( بمعنى سكه وطبعه ).

     يتبين أن الفعل (ضرب) له أكثر من معنى على مستوى الاستعمال، وهي كلها معان تختلف فيما بينها، وتختلف تماما عن المعنى المتداول كما في: «ضرب زيد عمرا»، فاللفظة لا قيمة لها خارج الإطار التركيبي، وعليه يكون من الصعب تحديد معنى اللفظة بمعزل عن سياقها ودون تعلقها بمعاني ألفاظ أخرى. يقول عبد القاهر: “وبعد أن كنا لا نشك في أن لا حال للفظة مع صاحبتها تُعتبر إذا أنت عزلت دلالتهما جانبا وأي مساغ للشك في أن الألفاظ لا تستحق من حيث هي ألفاظ، أن تُنظم على وجه دون وجه؟”[11]. لقد أولى الجرجاني السياق أهمية خاصة، وجعل المزية والفضل في تعلق معاني الكلم وانتظامها، وأن الكلمة المفردة المعزولة هي كلمة لا تحيل على معنى محدد وقار، لأن “مدلول الكلمة في النص آت من صيغة الكلمة ووظيفتها النحوية وسياقها معاً أو – بعبارة أخرى- من بنيتها الصوتية الصرفية وتعليقها النحوي (كما يؤثر عبد القاهر الجرجاني أن يسمي العلاقات النحوية)”[12]. فإذا أخذت كلمة (ابلعي) في قوله تعالى : ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾[13]، من بين أخواتها وبقيت معزولة عن سياقها لما أدت المزية والفصاحة.

     لقد اعتَبر عبد القاهر مسألة التفاضل بين الألفاظ المعزولة عن سياقها مسألة غير مقبولة، ولا يمكن الحكم بأفضلية لفظ على آخر، يقول : “وهل يقع في وهم وإن جهد، أن تتفاضل الكلمتان المفردتان، من غير أن يُنظر إلى مكان تقعان فيه من التأليف والنظم، بأكثر من أن تكون هذه مألوفة مستعملة، وتلك غريبة وحشية”[14]. فالكلمة الواحدة يمكن أن تكون مقبولة وحسنة في موضع، كما قد تكون قلقة ونافرة في موضع آخر، وقد مثّل الجرجاني لذلك بكلمة (الأخدع) التي تفاوتت ميزتها وتباين حسنها في استعمال كل من البحتري وأبي تمام، ف”لا يمكن أن نحكم على أية كلمة بالجودة أو الرداءة، بالصحة أو الخطإ، بالجمال أو القبح، أو أي حكم خاص بالكاتب إذا عزلها. ففضل الكلمة يتجلى في حسن استعمالها”[15]. حيث تكون الكلمة موضوعة مع أختها ومقرونة بلفقها، وذلك في تركيب محكم السبك، خالٍ من أَوَدِ النظم واعوجاج التأليف وتنافر الأطرار.

2-  العلاقات السياقية :

         اللغة نظام من العلاقات تنسج فيها الجمل والعبارات وفق صرح نسقي متكامل لا يفهم جزء منه دون معرفة علاقته بالأجزاء الأخرى، فتنشأ بذلك علاقات ترابطية بين عناصر الجمل، وهي علاقات معنوية محصورة العدد تتحقق في السياق، وتربط بين المعاني الخاصة كالفاعلية والمفعولية والملابسة وغيرها. وتعكس هذه العلاقات معاني لغوية محددة دون واسطة أو رابط لفظي تتضافر فيما بينها لتخلق معنى دلاليا معينا، فتسهم بذلك في فهم النص وأمن اللبس والغموض، وتمكن من اكتشاف طرق بناء هذا النص وبيان مدى ترابطه وتماسكه، إذ تعمل تلك العلاقات السياقية على تنظيم أفكار النص وتتابعاته الدلالية، وهذا يخول للأجزاء النصية أن تقوم بوظائفها وأن تلتحم في نسيج نصي محكم وفق علاقات عقلية منطقية عمادها توخي المعاني النحوية ومراعاة طرق التعليق ووجوهه. ويُعرّف تمام حسان هذه العلاقات ب”القرائن المعنوية” ويعدها من القرائن الكبرى للتعليق، وهي:

  • علاقة الإسناد :

       ارتبط هذا المفهوم عند النحاة بتعريف الجملة وحصول الفائدة، وهي علاقة يتعلق فيها المسند إليه بالمسند فيرتبطان ارتباطا وثيقا بدون واسطة لفظية، وهي أهم علاقة في الجملة العربية سواء أكانت اسمية أم فعلية، وهي بذلك تعد نواة الجملة البسيطة ولحمتها التي تصل بين جزأيها المسند والمسند إليه، وكل علاقة زائدة عليهما إنما هي للبيان وزيادة في الفائدة وإزالة الالتباس الذي قد يعتري الجملة.

  • علاقة التخصيص :

وهي تخصيص لعموم معنى الإسناد الذي في الجملة وتقييد له، وتتكون من علاقات فرعية :

- التعدية : هي العلاقة التي يتعلق فيها المفعول به بالفعل المتعدي.

       ضربَ زيدٌ     عمراً

- الغائية : أو السببية، وهي علاقة مبنية على ارتباط منطقي يتعلق فيها المفعول له بالفعل.

زارَ زيد عمرا إكراماً له.

- المعية : وتجمع بين المفعول معه أو المضارع بعد الواو، والفعل الذي يتعلق به.

     سرتُ  و  النيــــلَ.

- الظرفية : وتجمع بين المفعول فيه (ظرف زمان / ظرف مكان) والفعل الذي يتعلق به، لأن الفعل دال على حدث، ولا يخلو الحدث من زمان ومكان.

ضربَ زيد عمرا يومَ الجمعة أمام المسجد.

- التحديد : وهي علاقة تجمع بين المفعول المطلق المبيِّن للنوع أو العدد والفعل الذي يتعلق به.

ضربَ زيدٌ ضرباً.

- الملابسة : أو الحالية، وهي علاقة تنشأ بتعلق صاحب الحال بالحال المفردة. ويعتبر الجرجاني الحال خبرا ليس بجزء من الجملة ولكنه زيادة في خبر آخر سابق له.

جاءَ زيدٌ  راكبـــــاً.

- التفسير : علاقة تجمع التمييز بالمميز، وهي علاقة تروم إزالة الإبهام والغموض الذي قد يعتري علاقة الارتباط في الإسناد.

             اشترى فداناً    قمحاً.

- الإخراج : علاقة تجمع المستثنى بالمستثنى منه. ويصف تمام حسان علاقة الإخراج بأنها : “قرينة معنوية على إرادة (باب المستثنى) فالمستثنى يخرج من علاقة الإسناد حين نفهم هذه القرينة المعنوية من السياق، فإذا قلنا جاء القوم إلا زيدا، فإننا قد أسندنا المجيء إلى القوم وأخرجنا زيدا من هذا الإسناد”[16].

جاءَ القومُ إلا  زيداً.

  • النسبة :

يُعرِّف تمام حسان هذه العلاقة بقوله : “النسبة قيد عام على علاقة الإسناد أو ما وقع في نطاقها أيضا وهذا القيد يجعل علاقة الإسناد نسبية. وواضح أن معنى النسبة غير معنى التخصيص لأن معنى التخصيص تضييق ومعنى النسبة إلحاق. والمعاني التي تدخل تحت عنوان النسبة وتتخذ قرائن في التحليل والإعراب وفي فهم النص بصورة عامة هي ما نسميه معاني حروف الجر ومعها معنى الإضافة”[17].

أ – الإضافة : فالمضاف والمضاف إليه يرتبطان لفظا ومعنى كالكلمة الواحدة لا فاصل بينهما، مما يدل على قوة التعليق بينهما.

جاء صاحبُ    زيدٍ.

ب – معاني حروف الجر : مثل (من) لابتداء الغاية، و(إلى) لانتهاء الغاية، و(في) للظرفية، و(على) للاستعلاء، و(عن) للمجاوزة … إلخ، ف”التعليق بواسطة ما يفهم بالحرف من نسبة هو في حقيقته إيجاد علاقة نسبية بين المجرور وبين معنى الحدث الذي في علاقة الإسناد. وهذا النوع من التعليق بمعنى الحرف واسع حقل التطبيق في اللغة العربية الفصحى كما يمكن أن يُرى من كثرة القرائن المعنوية التي تستخدم في هذا التعليق”[18]. فهذه الحروف تقوم بالربط بين الكلمات حتى تتضح تفاصيل المعنى ومقاصده.

  • التبعية :

التابع والمتبوع بمنزلة الكلمة الواحدة لا يجوز فصلهما، وتتكون علاقة التبعية من علاقات فرعية تندرج ضمن التوابع :

-  الوصفية : علاقة تجمع بين الصفة والموصوف.

جاء زيــدٌ      الظريفُ      (تعلق الصفة بالمسند إليه تابع يوضحه ويصفه).

-  عطف البيان : العلاقة التي تجمع بين اسمين يختلف الثاني عن الأول لفظا ويوافقه في المعنى.

جاء أبو عبدِ الله     زيدٌ    (تعلق بالمسند إليه تابع يوضحه).

-  التوكيد : علاقة تنشأ عن طريق تكرير الكلمة أو الجملة، حيث يتعلق التأكيد بالمؤكد.

جاء القومُ       كلّهم          (تعلق بالمسند إليه تابع يقيده بتأكيده).

-  البدلية : علاقة تجمع بين البدل والمبدل منه.

جاء زيــدٌ       أخوكَ   (تعلق البدل بالمسند إليه تابع يبينه، ويعرف السامع أن فعل المجيء منسوب إلى أخيك

                زيد دون غيره ممن لهم الاسم نفسه).

يقول الجرجاني عن قوة الارتباط المعنوية التي تجمع بين المتعلق والمتعلق به في علاقة التبعية خصوصا الوصفية والتوكيدية : “واعلم أنه كما كان في الأسماء ما يصله معناه بالاسم قبله، فيستغنى بصلة معناه له عن واصل يصله ورابط يربطه وذلك كالصفة التي لا تحتاج في اتصالها بالموصوف إلى شيء يصلها به، وكالتأكيد الذي لا يفتقر كذلك إلى ما يصله بالمؤكد”[19].

        إن استحضار الجرجاني للسياق اللغوي جلي في كتاباته، بل هو أساس نظريته في النظم، وقطب الرحى الذي تدور في فلكه جميع مباحث هذه النظرية، يقول تمام حسان : “لقد كانت مبادرة العلامة عبد القاهر رحمه الله بدراسة النظم وما يتصل به من بناء وترتيب وتعليق من أكبر الجهود التي بذلتها الثقافة العربية قيمة في سبيل إيضاح المعنى الوظيفي في السياق أو التركيب”[20]. فالعلاقات السياقية تعد محور النص وقاعدته الصلبة التي ينطلق منها، وبغيابها لا يمكن الحديث عن نص متماسك وسنكون آنذاك بصدد كلمات متناثرة لا تجمعها أية علاقة. فلقد أشار فرديناند دو سوسير Ferdinand De Saussure إلى “أن جميع وحدات اللسان تقريبا تتعلق إما بما يحيط بها في السلسلة الكلامية أو بالأجزاء المتتالية التي تتألف منها”[21].

إن تحليل النص ودراسة اتساقه حسب قرائن التعليق المعنوية تسمح بربط الصلة وإقامة العلاقة بين كل جزء من أجزاء السياق، ليس فقط في رصد علاقة كلمة بأخرى داخل الجملة، بل أيضا تتبع علاقة جملة بأخرى في إطار استمرارية خطية نصية، تجعل من النص نسيجا من الكلمات والجمل يتعلق بعضها ببعض.

3-  التعليق بالأدوات :

     لا يقتصر دور “التعليق” في تشييد العلاقات السياقية المعنوية والربط بين المعاني الخاصة فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى علاقات سياقية لفظية تتمثل أساسا في التعليق بالأداة، والذي يعد من أشهر أنواع التعليق في اللغة العربية الفصحى كما سبقت الإشارة إلى ذلك في معرض دراستنا لطرق تعليق الكلم ووجوهه عند عبد القاهر الجرجاني. يقول في هذا الصدد : “(…) والضرب الثالث : تعلق بمجموع الجملة، كتعلق حرف النفي والاستفهام والشرط والجزاء بما يدخل عليه، وذلك أن من شأن هذه المعاني أن تتناول ما تتناوله بالتقييد، وبعد أن يسند إلى شيء. معنى ذلك : أنك إذا قلت : «ما خرج زيد»، و«ما زيد خارج»، لم يكن النفي الواقع بها متناولا الخروج على الإطلاق، بل الخروج واقعا من (زيد) ومسندا إليه”[22].

         ويتضح من قول عبد القاهر أن المعنى الذي تؤديه الأداة هو معنى وظيفي ينطبق على مجموع الجملة التي تتصدرها الأداة فتربط العناصر المكونة للجملة، فلا يمكن للأداة أن تؤدي مهمتها بمعزل عن السياق الذي توضع فيه وعن التركيب الذي ترد فيه، فدلالتها مرتبطة بوجودها داخل السياق الذي يساعد الأداة على الإفصاح عن معناها. وهي بذلك تفتقر إلى ضميمة تمكنها من كشف معناها وتوضيحه وإبراز وظيفتها من خلال ربط الكلمات والجمل بمحيطها النصي، ذلك أن “لكل أداة من هذه الأدوات ضمائمها الخاصة فهي تتطلب بعدها شيئا بعينه فتكون قرينة متعددة جوانب الدلالة حيث تدل بمعناها الوظيفي وبموقعها وبتضامها مع الكلمات الأخرى وبما قد يكون متفقا مع وجودها من علامات إعرابية على ضمائمها. وهذا التعدد في جوانب الدلالة بقرينة الأداة يجعلها في التعليق النحوي قرينة لفظية هامة جداً”[23]. فالأداة تلعب بذلك دورا حاسما في ربط مكونات التركيب وتقوي الصلة بين معاني الكلمات بعضها ببعض.

     إن أدوات الاستفهام والنفي والشرط وغيرها مفتقرة إلى جملة كاملة، وهي بذلك رابطة تقوي الصلة بين كل مكونات الجملة، وتأخذ تلك الجمل اسم الأسلوب الذي تتصدره الأداة، فجملة الاستفهام، مثلا، لا تأخذ هذا الاسم إلا إذا تصدرت الجملة أداة استفهام. يقول تمام حسان : “وتشترك الأدوات جميعا في أنها لا تدل على معان معجمية ولكنها تدل على معنى وظيفي عام هو التعليق ثم تختص كل طائفة منها تحت هذا العنوان العام بوظيفة خاصة كالنفي والتأكيد وهلم جرا، حيث تكون الأداة هي العنصر الرابط بين أجزاء الجملة كلها”[24].

ولتوضيح كيفية قيام الأداة في الجمل بدور الربط بين عناصرها نسوق الأمثلة الآتية :

  • أداة الشرط :

     من ذلك قولنا: «إنْ تمنحني كتابا أشكرك»، فقد عملت هذه الأداة على الربط بين جملتين كانتا منفصلتين ولا تعلق بينهما، الأولى: (تمنحني كتابا) والثانية: (أشكرك)، فلما دخلت الأداة “إنْ” علقت الجملة الثانية بالأولى، فتسمى الأولى شرطا والثانية جزاء، فأصبحتا بفعل دخول الأداة جملة واحدة.

  • أداة النفي :

     يبين الجرجاني دور هذه الأداة بقوله : “فإذا قلت : «ما في الدار كريم»، كنت نفيت الكينونة في الدار عن كل من يكون الكرم صفة له”[25].

فأداة النفي (ما) ربطت بين أجزاء الجملة وانسحب معناها على نفي كل ما في حيزها، وبذلك أحكمت الصلة بين هذه الأجزاء. ولو رفعت من موقعها لتغير المعنى من نفي إلى إثبات.

  • أداة الاستفهام :

       وعن دور أداة الاستفهام في الربط بين عناصر الجملة، يقول عبد القاهر: “أن المعنى في إدخالك (حرف الاستفهام) على الجملة من الكلام، هو أنك تطلب أن يقِفَك في معنى تلك الجملة ومؤداها على إثبات أو نفي. فإذا قلت : «أزيد منطلق ؟»، فأنت تطلب أن يقول لك : «نعم، هو منطلق» أو يقول : «لا، ما هو منطلق». وإذا كان ذلك كذلك، كان محالا أن تكون الجملة إذا دخلتها همزة الاستفهام استخبارا عن المعنى على وجه، لا تكون هي إذا نزعت منها الهمزة إخبارا به على ذلك الوجه، فاعرفه”[26]. فأداة الاستفهام ربطت بين عنصري الإسناد، وأصبح كل ما في حيز الجملة في معنى الاستفهام الذي عبّرت عنه هذه الأداة، سواء كان هذا الاستفهام عن الماهية أو الزمان أو المكان أو الكيفية … إلخ.

  • أداة القسم :

تقوم أداة القسم بدور هام في الربط بين عناصر التركيب، فهي “تربط بين القسم وجوابه، ولا يكون القسم إلا على زعم تأكيد صحة قضية هي التي تسمى الجواب، أي أنه لا قسم إلا وله جواب، ففي قوله جل شأنه ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾[27]، لو لم تكن أداة القسم لأصبح الضمير في (إنه) عائدا إلى رب السماوات والأرض لا إلى ما سبق ذكره من آيات الله في الأرض والأنفس والأرزاق التي في السماء، وبهذا يتغير المعنى، مما يدل على ارتباط الجملة والجواب بأداة القسم”[28].

  • أداة التوكيد :

    للتوكيد مجموعة من الأدوات، منها (إنّ) التي تربط الجملة بما قبلها فتتعلق الثانية بالأولى، يقول عبد القاهر: “فأول ذلك وأعجبه ما قدمت لك ذكره في بيت بشار بن برد :

        بَكِّرَا صَاحِبَيَّ قَبْلَ الهَجِيرِ     إِنَّ ذَاكَ النَّجَاحَ فِي التَّبْكِيرِ[29]          (بحر الخفيف)

= وما أنشدته معه من قول بعض العرب :

              فَغَنِّهَا وَهْيَ لَكَ الفِدَاءُ          إِنَّ غِنَاءَ الإِبِلِ الحُدَاءُ[30]            (من بحر الرجز)

وذلك أنه هل شيء أبين في الفائدة، وأدل على أن ليس سواء دخولها وأن لا تدخل، أنك ترى الجملة إذا هي دخلت ترتبط بما قبلها وتأتلف معه وتتحد به، حتى كأن الكلامين قد أفرغا إفراغا واحدا، وكأن أحدهما قد سُبك في الآخر”[31]. لقد أسهمت هذه الأداة في الربط بين أجزاء التركيب واتصال المعاني وتعلق بعضها ببعض، ولو حذفت لتفكك البيت واختل المعنى المقصود.

      إن الأمثلة المقدمة توضح دور الأداة في التعلق السياقي وانسحاب معناها على معنى الجملة كاملة، فتُكوّن معها نمطا أسلوبيا معينا، كما أن لها دورا في تماسك كلمات الجمل والربط فيما بينها، فهي رابطة تقوي الصلة بين كل الكلمات الداخلة في حيزها.

4-  التعليق السياقي ومعنى المعنى :

      إن ما يحدد معنى الكلمات هو تعلق بعضها مع بعض في سياق معين، ولا يقتصر هذا التحديد على وجه الحقيقة، أي ما تدل عليه الألفاظ من معنى من دون واسطة، بل يتعدى ذلك إلى وجه من المجاز وما تدل عليه الألفاظ من دوال ثوان أي معنى المعنى الذي عرفه الجرجاني بقوله : “أن تعقل من اللفظ معنى، ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر”[32]. حيث تتحول هذه اللفظة من بيئة فنية إلى بيئة فنية أخرى، وهذا التحول خاضع لمتطلبات المقام، وأيضا لطرق التعليق المعلومة، وتفكير المتكلم في توخيه معاني النحو واختياراته. وبناء على هذه الاختيارات يختلف مستوى الكلام بين مستوى الحقيقة ومستوى المجاز.

     ففي المستوى الأول يكون اختيار المتكلم لكلمات في معانيها الأصلية وحقيقتها اللغوية المتعارف عليها عند الجماعة اللغوية، وتكون بينها علاقات نحوية ومعنوية في سياق ورودها. أما المستوى الثاني فهو ناتج عن مقاصد معينة وعن استحضار ظروف مقامية، حيث تكون اختيارات المتكلم لمعاني الكلمات مبنية على مفارقة معجمية منسوجة على غير الطريقة المألوفة، خارقة بذلك العلاقات السياقية المعنوية، إذ لا يفهم الكلام آنذاك إلا من خلال تأويل علاقة واعتبار قرينة تجيز التعلق وقبول الكلام. ويشير محمد حماسة عبد اللطيف إلى أن “الاختيار بين المفردات والقواعد التركيبية التي تصب فيها المفردات محكوم بقواعد في أذهان المتكلمين تتعلق بخصائص المفردات ومجالاتها وطريقة وضعها في علاقات نحوية كالإسناد والنعت والإضافة والتمييز وغيرها”[33]. وهكذا يمكن أن نتحدث عن سلم للتعليق، إذا اعتبرنا أن النظم تتفاوت درجاته، فهناك أنواع من النظم يقل فيها التناسق وأخرى يكثر فيها، وذلك كله راجع إلى تعلق معاني الكلمات التي يختارها المتكلم، فالكلمة المفردة لا تشكل مجازا ما لم تتعلق مع كلمة أو كلمات أخرى تدخل معها في علاقات سياقية معنوية، فعبد القاهر يشير غير ما مرة  إلى أهمية السياق في تحديد المجاز، يقول : “إنّ هذه المعاني التي هي (الاستعارة) و(الكناية) و(التمثيل)، وسائر ضروب (المجاز) من بعدها من مقتضيات (النظم)، وعنه يحدث وبه يكون، لأنه لا يُتصور أن يدخل شيء منها في الكلم وهي أفراد لم يُتوخ فيما بينها حكم من أحكام النحو. فلا يتصور أن يكون هاهنا (فعل) أو (اسم) قد دخلته الاستعارة، من دون أن يكون قد أُلِّف مع غيره”[34]. فلا يتصور الحكم على اللفظة بالحقيقة أو المجاز حتى تتعلق مع لفظة أخرى، لأن الحقيقة أو المجاز إنما يظهران من خلال السياق وفي جملة من الكلام.

        فالاستعارة، مثلا، تتجاوز الاقتصار على اللفظة الواحدة، فهي تُفهم من خلال السياق الذي ترد فيه، على أن يكون هذا التركيب خاضعا لشروط الصحة النحوية، ويراعي طرق التعليق ووجوهه، إضافة إلى حسن موقعها من الجملة، مما يوجب للاستعارة الشرف والمزية. كما أن في الاستعارة ما لا يمكن كشفه إلا بعد تأمل ومعرفة الغرض المقصود. ففي عبارة : «صافحت الأسد» صلح هذا الكلام لأنا نريد به صافحت الأسد على وجه الحقيقة الذي هو جنس السبع المعلوم، كما تحيل على مصافحة رجل شجاع على وجه الاستعارة. والذي يجعلنا نرجح التأويل الثاني هو تعلق المفعول (الأسد) بالفعل (صافح)، إذا استحضرنا أنّ:

  • فعل المصافحة يكون بين إنسانين.
  • الأسد قد يكون دلالة على الإنسان الشجاع والقوي.

ويتضح هذا التأويل إذا تتبعنا سياق الكلام (الكلمات السابقة أو اللاحقة عن العبارة، وما يرمي إليه المتكلم من مقاصد).

                              السبع             الذي يفصل بين الغرضين                  السياق اللغوي
صافحت الأسد شخص شجاع وقوي                                              السياق  الخارجي

فالمراد رجل شجاع وهو وصف موجود في الشيء الذي استعير اسمه وهو الأسد، وذلك لوجود تداخل بين الطرفين: الإنسان والأسد في صفات الشجاعة والقوة.

مما يجعل عبارة «صافحت الأسد» أكثر بلاغة وفصاحة من عبارة «صافحت رجلا شجاعا»، وهذا التفوق راجع بالأساس إلى اختيارات المتكلم من خلال تعليقه لمعاني الألفاظ. يقول عبد القاهر الجرجاني : “وجملة الأمر أنَّـا لا نوجب (الفصاحة) للفظة مقطوعة مرفوعة من الكلام الذي هي فيه، ولكنا نوجبها لها موصولة بغيرها، ومعلقا معناها بمعنى ما يليها. فإذا قلنا في لفظة (اشتعل) من قوله تعالى : ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾[35]، أنها في أعلى رتبة من الفصاحة، لم توجب تلك (الفصاحة) لها وحدها، ولكن موصولا بها (الرأس) معرفا بالألف واللام، ومقرونا إليهما (الشيب) مُنَكَّراً منصوبا”[36].

       يؤكد الجرجاني في هذا النص أن الاستعارة لا تتصور إلا في سياق لغوي يتضمن تعلق المعنيين : الفاعل (الرأس) والتمييز (الشيب) بمعنى الفعل (اشتعل). فلا تظهر بذلك الفصاحة إلا بعد أن يستوفي الكلام آخره، وهذا ما جعل الآية الكريمة أعلى رتبة في الفصاحة، إذا قورنت مع العبارتين : «اشتعل الشيب في الرأس»، أو «اشتعل شيب الرأس»، أو كما هو الحال في قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ العِجْلَ﴾[37]، مقارنة مع «اشتدت محبتهم للعجل وغلبت على قلوبهم». وبين «ألقيت حبله على غاربه» مقارنة مع «خليته وما يريد وتركته يفعل ما يشاء»[38]. فهو يبيّن بذلك أهمية السياق في بيان الاستعارة وتحديدها، كما يشترط وجود عناصرها في علاقات تعليقية، ومن الأمثلة التي قدمها، قول بعض الأعراب :

    “اللَّيْلُ دَاجٍ كَنَفَا جِلْبَابِهِ         وَالبَيْنُ مَحْجُورٌ عَلَى غُرَابِهِ[39]                (بحر الرجز)

ولا يرجع الحسن في هذه الاستعارة بأن الشاعر جعل لليل جلبابا، وحجر على الغراب، ولكن في أن وضع الكلام الذي ترى، فجعل (الليل) مبتدأ، وجعل (داج) خبرا له، وفعلا لما بعده وهو (الكنفان)، وأضاف (الجلباب) إلى ضمير (الليل)، ولأن جعل كذلك (البين) مبتدأ، وأجرى محجورا خبرا عنه، وأن أخرج اللفظ على (مفعول) يبين ذلك أنك لو قلت: «وغراب البين محجور عليه، أو : قد حُجر على غراب البين»، لم تجد له هذه الملاحة. وكذلك لو قلت: «قد دجا كنفا جلباب الليل»، لم يكن شيئا”[40]. فالذي جعل لهذه الاستعارة المذكورة المزية والأريحية بأن سُلك بالكلام مسلك خاص من خلال سلسلة من التعالقات بين ألفاظ البيت، ووجودها في علاقات نحوية ودلالية من أول البيت إلى آخره.

       أما فيما يتعلق بالكناية، فهي علاقة معنوية بين الألفاظ في إطار تركيب يؤلف بين معاني هذه الألفاظ وفق علاقات تعليقية. كما أنها لا تدرك إلا عن طريق العقل والاستدلال لمعرفة قصد المتكلم، إذ “ينبغي أن تنظر إلى هذه المعاني واحدا واحدا، وتعرف محصولها وحقائقها، وأن تنظر أولا إلى (الكناية)، وإذا نظرت إليها وجدت حقيقتها ومحصول أمرها أنها إثبات لمعنى، أنت تعرف ذلك المعنى من طريق المعقول دون طريق اللفظ. ألا ترى أنك لما نظرت إلى قولهم : «هو كثير رماد القدر»، عرفت منه أنهم أرادوا أنه كثير القرى والضيافة، لم تعرف ذلك من اللفظ، ولكنك عرفته بأن رجعت إلى نفسك فقلت : إنه كلام قد جاء عنهم في المدح، ولا معنى للمدح بكثرة الرماد، فليس إلا أنهم أرادوا أن يدلوا بكثرة الرماد على أنه تُنصب له القدور الكثيرة، ويُطبخ فيها للقرى والضيافة، وذلك لأنه إذا كثُر الطبخ في القدور كثُر إحراق الحطب تحتها، وإذا كثر إحراق الحطب كثر الرماد لا محالة”[41]، إن المثال المقدم يتطلب من المتلقي اتباع مجموعة من الخطوات الذهنية واللغوية لفهم الغرض الذي يرومه المتكلم بهذه العبارة.

هذا، وقد يتلقى المتلقي هذه العبارة في معناها الأصلي (القريب)، فيتحول بذلك المعنى من المجاز إلى الحقيقة، إذا لم يُستحضر السياقان المقالي والمقامي لورود العبارة، علما أن كثرة الرماد ليست في ذاتها مما يحمد به الإنسان، مما يجعل المعنى القريب على وجه الحقيقة مستبعدا، ومن ثم يؤخذ المعنى البعيد الذي لا يكشفه المعنى الظاهر، بل المعنى الباطن المستفاد من تعلق معاني تلك الألفاظ. ف”إذا قلت : «هو كثير رماد القدر»، أو قلت : «طويل النجاد»، أو قلت في المرأة : «نؤوم الضحى»، فإنك في جميع ذلك لا تفيد غرضك الذي تعني من مجرد اللفظ، ولكن يدل اللفظ على معناه الذي يُوجبه ظاهره، ثم يعقل السامع من ذلك المعنى، على سبيل الاستدلال، معنى ثانيا هو غرضك، كمعرفتك من «كثير رماد القدر» أنه مضياف، ومن «طويل النجاد» أنه طويل القامة، ومن «نؤوم الضحى» في المرأة أنها مترفة مخدومة، لها من يكفيها أمرها”[42].

ويمكن تتبع تلك الخطوات الاستدلالية وفق الترسيمة الآتية :

    المتكلم                   —————       السامع المعنى                     —– المبنى——                 المعنىهذا الإنسان مضياف وكريم   لكثرة ضيوفه   كثرة الآكلين   كثرة الطبخ   كثرة الإحراق   كثرة الرماد     ——- هو كثير رماد القدر—– كثرة الرماد   كثرة الإحراق   كثرة الطبخ   كثرة الآكلين   كثرة الضيوف   هذا الإنسان مضياف وكريم

لقد فرّق الجرجاني بين نمطين من المعنى: الأول هو ما تحمله الألفاظ من معنى ظاهر وهو الكلام العادي، مثل قولنا: «خرج زيد» الذي نروم منه الإخبار بخروج زيد على الحقيقة، والثاني تدل فيه المعاني الأول على المعاني الثواني وهو الكلام الأدبي أو ما يصطلح عليه الجرجاني بمعنى المعنى الذي نروم منه الإمتاع الذي يحتل قمة سلم التعليق. وفي هذا النمط تكون عملية التواصل مبنية على مجموعة من الاعتبارات اللغوية وغير اللغوية، تتضافر كلها من أجل تيسير الفهم وتحقيق التواصل.

فالمتلقي يهتدي إلى النظم البليغ من خلال فك تشفير المعنى وإعادة تركيبه، وكشف العلاقات بيْن الألفاظ ورصد التعالقات النحوية داخل التركيب، باحثا عن تلك المعاني الخفية وطريقة نسجها وسبكها وسِر انتظامها وتعالق بعضها ببعض، ومن ثم الاهتداء إلى مقاصد المتكلم. وهذا يتطلب وعيا بمسالك القول وقدرة  على الغوص واستنطاق الدلالات العميقة، يقول عبد القاهر: “وإن كان مما ينتهي إليه المُتَكلِّم بنظرٍ وتدبُّر، وَيَنَالُه بطلبٍ واجتهاد، ولم يكن كالأوّل في حضوره إياه، وكونه في حكم ما يقابله الذي لا معاناةَ عليه فيه، ولا حاجة به إلى المحاولة والمزاولةِ والقياس والمباحثة والاستنباط والاستثارة، بل كان من دُونه حجابٌ يحتاج إلى خَرْقِه بالنظر، وعليه كِمٌّ يفتقر إلى شَقّه بالتفكير، وكان دُرّاً في قَعر بحر لا بدّ لهُ من تكلُّف الغَوص عليه، وممتنعاً في شاهقٍ لا ينالُه إلاّ بتجشّم الصعود إليه، وكامناً كالنار في الزَّند، لا يظهر حتى تقتدحه، ومُشابكاً لغيره كعُرُوق الذهب التي لا تُبدِي صَفْحتها بالهُوَيْنَا، بل تُنال بالحَفْرِ عنها وتعرِيقِ الجبين في طلب التمكن منها”[43].

  • خاتمة :

  تعمل العلاقات السياقية على تنظيم أفكار النص، وهذا يخول للأجزاء النصية أن تقوم بوظائفها وأن تلتحم في نسيج نصي محكم. وقد عرَّف تمام حسان هذه العلاقات بالقرائن المعنوية، وعدَّها من القرائن الكبرى “للتعليق” مثل الإسناد والتخصيص والنسبة والتبعية … إلخ، وتعد هذه العلاقات محور النص، وبغيابها لا يمكن الحديث عن نص متماسك، وسنكون بإزاء كلمات متناثرة لا تجمعها أية علاقة. كما يعد “التعليق” بالأداة من أشهر أنواع “التعليق” في اللغة العربية، والمعنى الذي تؤديه الأداة هو معنى وظيفي ينطبق على مجموع الجملة التي تتصدرها الأداة، فهي بذلك تعد رابطة تقوي الصلة بين كل الكلمات الداخلة في حيزها.

إن عبد القاهر لا تشغله الألفاظ في حد ذاتها بقدر ما يشغله تعلق معاني تلك الألفاظ وانتظامها في سياق معين، وعلى هذا الأساس يتم التمييز بين الكلام العادي والكلام البليغ. إن للتعليق سلما يتفاوت فيه الكلام بين العادي والأدبي، بل يمكن اختلاف الكلام الأدبي ذاته في درجات الأدبية والجمالية، وكلها أمور راجعة لكيفية تعليق معاني الألفاظ في سياقها النصي، خصوصا ما تعلق منها بمعنى المعنى، وما يرتبط به من صور فنية يستدعي التفكير فيها مجموعة من العناصر النحوية والدلالية والتداولية المتعلقة بالنص الأدبي بأكمله.

مصادر البحث ومراجعه :

- ابن منظور، لسان العرب، د.ط، دار صادر، بيروت، (د.ت). مادة : (س.و.ق)

- تمام حسان، البيان في روائع القرآن دراسة لغوية وأسلوبية للنص القرآني، ط 1، عالم الكتب، 1993.

- تمام حسان، اللغة العربية معناها ومبناها، د.ط، دار الثقافة، الدار البيضاء، 1994.

- تمام حسان، مقالات في اللغة والأدب، ط 1، عالم الكتب، القاهرة، 2006.

- ديوان بشار بن برد، شرح وتكميل محمد الطاهر ابن عاشور، د.ط، وزارة الثقافة الجزائرية، 2007.

- ستيفن أولمان، دور الكلمة في اللغة، ترجمة : كمال محمد بشر، د.ط، مكتبة الشباب، القاهرة، 1975.

- عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، قراءة وتعليق : محمود محمد شاكر، ط 1، دار المدني، جدة، 1991.

- عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، قراءة وتعليق : محمود محمد شاكر، ط 3، مطبعة المدني، جدة، 1992.

- محمد حماسة عبد اللطيف، النحو والدلالة: مدخل لدراسة المعنى النحوي – الدلالي، ط 1، دار الشروق، القاهرة، 2000.

* المراجع الأجنبية :

- Ferdinand De Saussure, Cours de Linguistique Générale, Grande Bibliothèque Payot, Paris, 1995.

- I.A. Richards, The Philosophy of Rhetoric, Oxford University Press. London, 1964.

- Larousse  Dictionnaire du Français Contemporain Illustré, Paris, 1980.

[1]  عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، قراءة وتعليق : محمود محمد شاكر، ط 3، مطبعة المدني، جدة، 1992، ص 4.

[2]  نفسه، ص 55.

[3] نفسه، ص 466.

[4] ابن منظور، لسان العرب، د.ط، دار صادر، بيروت، (د.ت). مادة : (س.و.ق)

[5] Larousse  Dictionnaire du Français Contemporain Illustré, Paris, 1980, p 286.

[6]  تمام حسان، مقالات في اللغة والأدب، ط 1، عالم الكتب، القاهرة، 2006، ج 2، ص 65.

[7]  ستيفن أولمان، دور الكلمة في اللغة، ترجمة : كمال محمد بشر، د.ط، مكتبة الشباب، القاهرة، 1975، ص 57.

[8]  محمد حماسة عبد اللطيف، النحو والدلالة: مدخل لدراسة المعنى النحوي – الدلالي، ط 1، دار الشروق، القاهرة، 2000، ص 113.

[9] I.A. Richards, The Philosophy of Rhetoric, Oxford University Press. London, 1964, p 47.

[10] Ibid, p 75.

[11]  عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص 50.

[12]  محمد حماسة عبد اللطيف، النحو والدلالة، ص 171.

[13]  سورة هود، الآية 44.

[14]  عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص 44.

[15] I.A. Richards, The Philosophy of Rhetoric, p 51.

[16]  تمام حسان، اللغة العربية معناها ومبناها، د.ط، دار الثقافة، الدار البيضاء، 1994، ص 199.

[17]  تمام حسان، اللغة العربية معناها ومبناها، ص 201.

[18]  نفسه، ص 204.

[19]  عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص 227.

[20]  تمام حسان، اللغة العربية معناها ومبناها، ص 18.

[21] Ferdinand De Saussure, Cours de Linguistique Générale, Grande Bibliothèque Payot, Paris, 1995, p 176.

[22]  عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، صص 6 – 7.

[23]  تمام حسان، اللغة العربية معناها ومبناها، ص 225

[24]  نفسه، ص 125.

[25]  عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص 287.

[26]  نفسه، ص 141.

[27]  سورة الذاريات، الآية 23.

[28]  تمام حسان، البيان في روائع القرآن دراسة لغوية وأسلوبية للنص القرآني، ط 1، عالم الكتب، 1993، ص 136.

[29]  ديوان بشار بن برد، شرح وتكميل محمد الطاهر ابن عاشور، د.ط، وزارة الثقافة الجزائرية، 2007.، ص 203. (البيت رقم : 1 ).

[30]  رجز من قول بعض العرب.

[31]  دلائل الإعجاز، ص 316.

[32]  نفسه، ص 263.

[33]  محمد حماسة عبد اللطيف، النحو والدلالة، ص 95.

[34]  عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص 393.

[35] سورة مريم، الآية 4.

[36] عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، صص 402 – 403.

[37] سورة البقرة، الآية 93.

[38] انظر : عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص 427.

[39] رجز من قول بعض العرب.

[40] عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، صص 102 – 103.

[41]  عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص 431.

[42]  نفسه، ص 262.

[43]  عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، قراءة وتعليق : محمود محمد شاكر، ط 1، دار المدني، جدة، 1991، ص 340.
Updated: 2018-03-04 — 21:13

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme