دراسة تطور مباحث علم المعاني عند أعلام التراث العربي الإيجاز أنموذجاً


 

دراسة تطور مباحث علم المعاني عند أعلام التراث العربي

الإيجاز أنموذجاً

الباحثة ألاء ياسين دياب

طالبة دكتوراة _ قسم اللغة العربية وآدابها _ كلية الآداب والعلوم الإنسانية _جامعة دمشق

 مقال نشر في مجلة جيل الدراسات الادبية والفكرية العدد 44 الصفحة 79.

 

 

ملخص الدراسة

   سيتناول هذا البحث دراسة تطور مباحث علم المعاني عامةً، والإيجاز خاصةً، فيبين ملامح هذه المباحث وبدايات تطورها عند أعلام التراث العربي.

  وطبيعة البحث فرضت تعدد المناهج ، فكان المنهج الوصفي؛ لتعيين دلالة بعض المصطلحات، و المنهج التاريخي؛ للبحث في التطور الذي طرأ على مسائل علم المعاني، والمنهج التحليلي للوصول إلى نتائج هذا البحث التي ضمنتها خاتمته.

الكلمات المفتاحية: الإيجاز ، البلاغة ، علم المعاني

        This study will discuss the development of the meanings of the meanings of the ma’abith and the beginning of its development in the flags of the Arab heritage.

   And the nature of the research imposed a multiplicity of approaches, was descriptive approach; to define the significance of some terms, and the historical approach; to discuss the evolution of issues of theology, and the analytical approach to reach the results of this research, which included its conclusion.

Keywords: Brief, Rhetoric ,Semantics

 

 

مقدمة البحث

      يلحظ الباحث في نشأة علوم البلاغة وتطورها أنّ مباحث علم المعاني تأخر ظهورها عن مباحث علمي البيان والبديع، فأعمال الرواد الأوائل كالجاحظ ، وابن المعتز، وقدامة بن جعفر وأبي هلال العسكري ، وابن رشيق، وابن سنان الخفاجي، تكاد تخلو من مسائل علم المعاني ، إلا لمحات خاطفة عن الإيجاز ، والإطناب ، ومقتضى الحال ، والتقديم والتأخير . وهذا يرجع إلى طبيعة هذه العلوم ، فالتشبيه و المجاز و الطباق و الجناس …، هذه الفنون وأمثالها تعلن عن نفسها ، وتتألق بوضوح في النصوص المستعملة فيها ، وتلفت الأنظار لفتاً قوياً إلى ملاحظتها ، وتصورها. أما مسائل علم المعاني، فإنها تحتاج إلى عمق نظر ، فلا غرابة إذن أن يتأخر علم المعاني عن علمي البيان والبديع.

وقد مرّ علم المعاني بمرحلتين متفاوتتين:

المرحلة الأولى: من الجاحظ إلى ابن رشيق

المرحلة الثانية: من الإمام عبد القاهر إلى الخطيب القزويني، وفي المرحلتين كان النص الأدبي مصدر الإيحاء بالقواعد البلاغية ، إذاً هذه القواعد لم تأت من فراغ ، فليست البلاغة إسقاطات على النص الأدبي من خارجه ، بل هي عروقه ولحمته وسداه. وأياً كان الأمر فإن أبا هلال أكثر طروقاً لمسائل علم المعاني، إذ أدى النظر في النصوص والملاحظات في طرائق البيان إلى رصد ما رُصد من قواعد ومباحث، وتسمية ما سمي من فنون وأساليب، فالقواعد والأصول التي خطها الرواد ، ومن جاء بعدهم ، إنما هي صدى للنصوص الأدبية في مرحلة التقعيد ، وهي موازين للحكم على النص أو له، في مرحلة النقد والتقويم.

    وأمّا جديد ما قدمته، حاولت أن أبين المفاصل الهامة والمنعطفات الكبرى في رحلة مباحث علم المعاني عامةً والإيجاز خاصةً، ابتداءً بمؤسس البلاغة العربية الجاحظ، ومروراً بمؤسس القواعد البلاغية ابن المعتز، ووقوفاً عند أبي هلال العسكري الذي جعل البلاغة علماً قائماً بذاته. وكان الإمام الجرجاني أفضل من وعى علم البلاغة، واستخدمه استخداماً موفقاً؛ لإدراك معاني الأدب وجماله، ومزج النص بالقواعد، فكان قمة بلاغية لا ينازعه في علو المنزلة في البلاغة أحد، ووجدت الزمخشري خير تلميذ له، تابع طريقته في تفسيره المعروف ب(الكشاف)، وأعتقد أنّ اللاحقين لم يكونوا على درجة عالية من العلم بمراتب الكلام ومراميه ليبلغوا مرتبة الإمام الجرجاني، فيزموا الركاب ويكملوا السّير في سبيله، ويتابعوا اتجاهه في التحليل والتعليل، فهبطت البلاغة وأصبحت قواعد جافة خالية من المشّاعر و الذّوق. ثم بدأت مرحلة الجمود مع الإمام الفخر الرّازي الذي قنن البلاغة وقعدها، ثم جاء السّكاكي ؛ لتصبح نظرته هي السّائدة في مضمار الدرس البلاغي.

   وأمّا البحث مما يلي المقدمة، قُسم إلى عدّة مباحث ،فتحدث القسم الأول عن المرحلة الأولى في رحلة مباحث علم المعاني ابتداءً من الجاحظ إلى ابن رشيق ، و تحدث القسم الثاني عن المرحلة الثانية ابتداءً من عبد القاهر الجرجاني إلى الخطيب القزويني. وأعقبت البحث بخاتمة، حاولت فيها أن أبلور أهمّ النتائج التي توصّل إليها البحث في طيات فصوله،

    وقد اعترى هذا البحث – قبل أن يخرج هذا المخرج – صعوباتٌ أهمها: مشكلة المصطلح البلاغي الذي يختلف فهمه، أو التعامل معه من عالم إلى آخر.

أولاً: المرحلة الأولى من الجاحظ إلى ابن رشيق

  1. الجاحظ (ت255هجري)

         فإذا كان إمام النثر الجاحظ[1]هو مؤسس علم البلاغة بملاحظاته الفنية، وإيراده تعاريف كثيرة للبلاغة في كتابه المشهور “البيان و التبين” ،فإنّ هذه الملاحظات والأمثلة تبقى في إطار عموميات البلاغة دون فصل واضح بين النّص والقاعدة. فالجاحظ تناول موضوعات البلاغة دون أن يحدد دلالة المصطلحات بدقة، لكن بعض النقاد يعتبر الجاحظ رائد الدراسات البلاغية[2]،ومن هذه الفنون البلاغية التي ذكرها:” مطابقة الكلام لمقتضى الحال[3] ، الحذف، والإيجاز، والإطناب[4] ،والتشبيه، والتمثيل، والاستعارة، والكناية، وحسن الابتداء، وحسن التقسيم مبعثرة في كتب من جاء بعده كابن قتيبة وغيره…والجاحظ في كتابه تعرض لموضوع الإيجاز[5]، فحوى “البيان والتبين” إشارات متعددة إلى المسألة، كما استعمل الجاحظ مصطلحات تبناها البلاغيون من بعده، ولاسيما مصطلحي الإيجاز والإطناب.

وأفرد باباً في “البيان والتبين” بعنوان” باب من القول في المعاني الظاهرة باللفظ الموجز من ملتقطات كلام الناس واستشهد بقول العرب:” من التوقي ترك الإفراط في التوقي[6].

توسع الجاحظ في حديثه عن الإيجاز والإطناب ومواضعهما، لكنه لم يقصد بالإيجاز قلة الألفاظ وكثرة المعاني، وإنما قصد إصابة عين المعنى بالكلام الموجز. كما نرى أن الجاحظ يولي إيجاز القصر اهتمامه ويسميه إيجازاً فقط، بينما إيجاز الحذف يذكره بقوله: “باب من الحديث الحسن الموجز[7].

وربما يكون مرد ذلك إلى أنّ الإيجاز بالحذف شيء يخص علماء النحو لا البلاغة، في حين أن الإيجاز بالقصر وسيلة تعبيرية قصدها الإيحاء وفتح مجال التخيل وتأويل المعاني المسكوت عنها لا الكلمات المحذوفة.

كما ذكر الجاحظ مصطلح الإيجاز في كتاب الحيوان فقال: “والإيجاز ليس يُعنى به قلّة عدد الحروف واللفظ، فقد يكون الباب من الكلام من أتى عليه فيما يسع بطن طومار-أي صحيفة كبيرة- فقد أوجز، وكذلك الإطالة. وإنما ينبغي للمتكلم أن يحذف بقدر ما لا يكون سبباً لإغلاقه –أي غموضه وإبهامه-،و لا يردد وهو يكتفي في الإفهام بشطره، فما فضل عن المقدار فهو الخطل[8]

ونراه يميل إلى الإيجاز المفهم فيقول: “وربّ قليلٍ يغنيك عن الكثير …بل ربّ كلمة تغني عن خطبة[9]

وبهذا ، تظهر مكانة الإيجاز عند الجاحظ، حيث يعدّه حجر الزاوية في بحثه، إذ ركز عليه بطريقة لم يفعل مثلها مع مصطلح آخر، ولا غرو  فالبلاغة: الإيجاز.

  1. ابن قتيبة (ت276هجري)

     تناول ابن قتيبة[10] في كتبه خاصة في (تأويل مشكل القرآن) أنواعاً بلاغية عدة: كالحذف، والاختصار، والتكرار، والتقديم والتأخير، والقلب، والاستفهام وخروجه عن معناه الأصلي الذي وضع له، و الفصل والوصل، والتشبيه والتمثيل، والمجاز، والاستعارة ،والكناية و التعريض ، والتوجيه ، والمشاكلة ،والفواصل القرآنية. فأشار ابن قتيبة إلى ما عرف لاحقاً في علم المعاني بإيجاز القصر فقال وهو يتحدث عن بلاغة القرآن الكريم ،بأنه:” جمع الكثير من معانيه في القليل من لفظه[11]“،وقد أهمل كثير من الباحثين أثر ابن قتيبة في الدرس البلاغي، لكنه بحق شارك في دفع عجلة البلاغة إلى الأمام ،وكان حلقة وصل بين الجاحظ وبين من جاء بعده، كابن المعتز.

  1. المبرد (ت286هجري)

     تعرض المبرد[12] في مواضع من كتبه لموضوعات علم المعاني، ومنها: الاختصار وكان يسمي الإيجاز اختصاراً. وعرض لنوعي الإيجاز: إيجاز القصر، وإيجاز الحذف، فقال: “أقرب الاختصار لمحة دالة[13] و “خير الكلام ما أغنى اختصاره عن إكثاره”[14].ولعلّ أول ما يسجل للمبرد أنّه فتح باب التخصص في الدرس البلاغي[15].

  1. ثعلب[16] (ت291هجري)

        كانت مسائل علم المعاني منثورة في كتبه بإيجاز. كالتقديم والتأخير، وخروج الاستفهام عن معناه الأصلي لأغراض بلاغية والمجاز العقلي والمجاز المرسل، لكن لم يرد في كتبه ذكر للإيجاز[17]، وكان يورد الأمثلة دونما شرح أو تصنيف لها من حيث نوعها البلاغي.

  1. ابن المعتز(ت296هجري)

       أمّا ابن المعتز[18]فإنه أبو القاعدة البلاغية ومؤسسها في كتابه المعروف “البديع”[19]. والبديع عنده يقوم على خمسة أركان أساسية، وأول ركن من أركان التقعيد البلاغي فيه هو: الاستعارة ثم  التجنيس[20] ، ثم  المطابقة، ثم  ردّ أعجاز الكلام على ما تقدّمها و الباب الأخير هو المذهب الكلامي[21]. فهو اقتصر على “الفنون التي كانت موضع أخذ وردّ بين أصحاب البلاغة العربية الخالصة، وبين طوائف المتفلسفة ومن ينزعون نحو التجديد المسرف[22].

لكن ابن المعتز تحدّث عن مبحثين من مباحث علم المعاني  ، أحدهما : الالتفات[23] ، والثاني: الاعتراض[24]. الذي عدّه المتأخرون من صور الإطناب

  1. ابن طباطبا العلوي (ت322هجري)

     لا نستطيع أنّ نعد (عيار الشعر)كتاباً في البلاغة، لكن ابن طباطبا[25] اعتمد فيه على بعض فنون البلاغة في نقده للشعر. وقد ألمح ابن طباطبا إلى بعض أبواب علم المعاني كالإيجاز، والإطناب، والمساواة، والتقديم، والتأخير، وذكر من فنون البيان ( التشبيه والكناية والتعريض) ،كما ذكر بعض الفنون البديعية التي ألحقها المتأخرون بعلم البديع، و أورد أمثلة متعددة أبرز فيها فضيلة الإيجاز والاختصار غير المخل بالمعنى ، من ذلك قوله:

” قول عمرو بن معد يكرب :

فلو أنّ قومي أنطقتني رماحهم    نطقت ،ولكن الرماح أجرّت

أي: لو أنّ قومي اعتنوا في القتال ،وصدقوا المصاع[26]،وطعنوا أعداءهم برماحهم، فأنطقتني بمدحهم، وذكر حسن بلائهم….ولكنّ الرماح أجرّت ،أي : سقت لساني كما يجر لسان الفيصل ،يريد: أسكتتني[27].

  1. أبي بكر الصولي(ت335هجري)

     لم تكن البلاغة عند أبي بكر الصولي[28] منفصلة عن أحكامه النقدية، بل كانت ممتزجة بها، ونمت تحت جناحيها. وقد ذكر بعض الموضوعات البلاغية في ثنايا حديثه عن الشعراء والمفاضلة بين ألفاظهم ومعانيهم.

حيث نراه يتحدث في(أدب الكاتب) عن الإيجاز، وعرفه بقوله: “يقال: أوجز في كلامه وكتابه ومقاله إيجازاً، إذا أسرع وخفف .وموت وجيز، أي: سريع. و رجل موجز ،إذا كان يفعل ذلك .ووجز الكلام بنفسه يجزه وجزاً[29]

  1. قدامة بن جعفر (ت337هجري)

    نقد الشعر لقدامة بن جعفر[30] إنّه الكتاب الثاني الذي حاول فيه دراسة الشعر على أساس من القواعد والحدود، وتمسّك بالتقعيد ، وسار على خطا ابن المعتز، وهو أول كتاب اهتم بالتقسيمات والحدود المنطقية، وأول كتاب يجمع مباحث النقد والبلاغة. فقدامة أضاف إلى القاعدة البلاغية أكثر من عشرين مصطلحاً من مصطلحات البديع، التقى في سبعة[31] منها مع ابن المعتز. كما أنه تحدث فيما تحدث عن مباحث علم المعاني عن : التتميم[32] والالتفات[33] مع التمثيل لهما. فقدامة يصلح مثالاً للنقاد الذين اتكأوا على البلاغة في معايير النقد، وذلك من خلال الصفات التي وضعها لكل قسم، وطريقة تناوله لبعض المصطلحات البلاغية تكشف عن ثقافة عميقة، وأفق واسع، و تؤكد مدى تأثره بالفكر اليوناني، وقد تناول من فنون المعاني :الإيجاز والإطناب و المساواة. وعرف الإيجاز كما عرفه الجاحظ وغيره، وسماه الإشارة: “وهو أن يكون اللفظ القليل مشتملاً على معانٍ كثيرة بإيماء إليها ،أو لمحة تدل عليها[34].

بإمكاننا أن نقول بعد هذا: إنّ القاعدة البلاغية تنمو وتزدهر وتزداد مفرداتها، والنّص الشعري يتقلص و يصب في تلك القوالب التي تحسب للقاعدة، فتظهر أمام الشاعر الحدود و السدود.

  1. الآمدي (ت370هجري)

     سخر الآمدي[35] في موازنته البلاغة تسخيراً شديداً للنقد، واستعان بها في نقده، وموازنته بين الشاعرين، فنراه يعرف البلاغة تعريفاً قريباً لما عرفه السابقون، فيقول: “البلاغة إنما هي إصابة المعنى، وإدراك الغرض بألفاظ سهلة عذبة مستعملة سليمة من التكلف[36]، وقد ذكر لنا بعض الأنواع البلاغية، فتحدث عن فضيلة الإيجاز–كما ذكرها العلماء قبله- سواء في الشعر أو في النثر؛ لأنّ الآمدي يرى أنّ البلاغة في الإيجاز حتى أنّه فضّل قطرياً؛ لأنّه اختصر معنيين في نصف بيت، يقول عن أبي تمام: “أخذ معنى البيت من قطري بن الفجاءة و عكسه، و كلا المعنيين جيد، وبيت قطري أبرع وأجود؛ لأنّه قابل بين المعنيين في نصف بيت[37].

  1. المرزباني(ت384هجري)

    كتاب “الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء “للمرزباني[38]، يتضح من عنوانه أنّه كتاب نقدي، وإن اتخذ البلاغة مقياساً من المقاييس التي يعتمد عليها، فقد ذكر بعض الفنون البلاغية، لكنها ليست غرضاً بحد ذاتها، وإنما في معرض كلامه على بعض الشعراء، وذكر رسالة ابن المعتز في مساوئ أبي تمام ،وأكثر النقل والأخذ عن ابن طباطبا في((عيار الشعر))،وقدامة بن جعفر في((نقد الشعر)).ومن أبرز الأمور البلاغية التي عالجها ما يتعلق بفصاحة الكلام، وعدم اتباع حوشي الشعر ، و رداءة النسج، والبعد عن الصواب .كما تعرض لبعض فنون البديع ،فذكر المطابقة غير الحسنة[39]،وفساد المقابلات[40]، ونقل عن قدامة بن جعفر فساد المقابلات وفساد التقسيم[41]. إذاً المرزباني لم يتطرق إلى الإيجاز.

  1. الرماني (ت386هجري)

      الرماني[42] بحث الإيجاز بحثاً منهجياً متكاملاً، وتوسع في درسه وتحليله، وذكر الشواهد التي توسل بها لبيان مختلف أقسامه؛ لذلك يعد الرماني المؤسس الحقيقي للنص المنهجي في قضية الإيجاز[43]. فرسالة الرماني في النكت يمكن أن نعتبرها نصاً مؤسساً لتقدمه في الزمن ؛ولأن صاحبه توسع في درسه وتحليله، وفي ذكر الشواهد التي توسل بها لبيان مختلف أقسامه[44].

    فالرماني يقول عن الإيجاز إنّه:”  تقليل الكلام من غير إخلال بالمعنى، إذا كان المعنى يمكن أن يعبّر عنه بألفاظ كثيرة ويمكن أن يعبّر عنه بألفاظ قليلة، فالألفاظ القليلة إيجاز [45] “، وفي هذا الملمح اتجاه واضح نحو الإعلاء من قيمة المعنى وإعطائه حظوة خاصة.

ومن الجدير بالذكر أنّ أبا حسن الرماني كانت فنون البلاغة عنده عشرة أقسام ،وهي: الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل، والتجانس، والتصريف، والتضمين ، والمبالغة، وحسن التباعد[46].

  1. القاضي الجرجاني(ت392هجري)

      ليس كتاب “الوساطة بين المتنبي وخصومه” للجرجاني[47] مختصاً بشعر المتنبي كما يُفهم من عنوانه، بل إنّه عرض للأصول الأدبية التي عرفت في عصره ،فحلل أشعار القدماء والمحدثين، و أورد كثيراً من محاسنهم وعيوبهم، ومن خلال نقده تحدث القاضي الجرجاني عن فنون بلاغية، فذكر التكلف والإفراط في استخدام البديع ،وذكر الفرق بين الاستعارة والتشبيه، وذكر الجرجاني أشهر أقسام المطابقة، وذكر الجناس(التجنيس)،وأنواعه.

  1. أبو هلال العسكري (ت 395هجري)

        لقد أصبحت البلاغة عند أبو هلال العسكري[48] علماً مستقلاً بذاته، هذا العلم له أصول ثابتة، وقواعد مستقلة تعرف به، وهذه القواعد أمست مفاتيح لدراسة النص وفقهه بعد أن كانت الانطلاقة من النص، فقد تبلورت معظم المفاهيم والمصطلحات البلاغية في هذا العصر ، ويعتبر كتاب الصناعتين في الشعر والنثر أحد أهم أركان البلاغة العربية، فلقد حاول أبو هلال أن يؤلف كتاباً شاملاً جامعاً لصناعتي الشعر والنثر بعد أن استفاد من معظم المؤلفات البلاغية التي ألفت قبله. أمّا الدكتور عبد القادر حسين، فيذهب إلى أن أبا هلال يمثل نقطة البدء في فساد الذوق البلاغي ، وذلك من خلال إحصائه الأنواع البلاغية و تسمياتها[49].

يشكل كتاب “الصناعتين” منعطفاً هاماً، ومؤثراً في تاريخ التقعيد البلاغي؛ لأن مؤلفه نظر إلى البلاغة على أنها علم مستقل بذاته، مرتبط بالنص الأدبي، فأراد بذلك أن يجمع أشتات هذا العلم، ويقعّد قواعده، ويرتب كل قاعدة في مكانها المناسب. فعنده نرى لأول مرة ينفصل البديع بفنونه عن فنون البلاغة الأخرى، وإذا ما عدنا إلى الباب التاسع من الكتاب، نلاحظ أنّه اتفق مع ابن المعتز في عشرة مصطلحات منها: الاستعارة، الطباق ، التجنيس……و غيرها والتقى بقدامة في عدّة مصطلحات منها: المقابلة…

ودار أبو هلال العسكري في فلك السابقين من حيث الفنون التي أشاروا إليها من مسائل علم المعاني ، بيد أنه أكثر توضيحاً لها وتمثيلاً عليها . فقد تحدث عن الإيجاز والإطناب[50] والحشو [51] والتذييل[52] والإيغال[53] والالتفات[54] وإخراج الكلام على مقتضى الحال ، كما أشار إلى مساواة الألفاظ للمعاني. فعمله كان عملاً يهدف إلى تقعيد البلاغة في قوالب محددة؛ لتكون آلة يتزود بها من يتصدى لدراسة النص أو قراءته؛ لذلك عمد إلى التقسيم والتحديد بشكل دقيق، وفصل أقسام البلاغة عن بعضها، وأكثر من المصطلحات البلاغية و اعترض على بعضها، ونظر إلى البلاغة على أنها علم مستقل بذاته لأول مرة؛ لذا جاء “كتاب الصناعتين “ليبسط كتاب الجاحظ، و يجمع تلك الحدود والأقسام، فيسد ذلك الخلل. فأبو هلال العسكري يورد المصطلح البلاغي ولا يعلق عليه، إنما يكثر من إيراد الشواهد، والأمثلة عليه. فما زالت وجهة المصطلحات البلاغية في تطور وتقعيد، لذا فبعضها غير واضحة المعالم ،مثال ذلك في الفصل الثامن من الباب التاسع يتحدث عن الأرداف والتوابع، ويأتي بأمثلة في هذا الباب اندرجت تحت باب الكناية فيما بعده.

ونلحظ عند أبي هلال العسكري في (الصناعتين) الأمر عينه الذي لاحظناه عند الرماني، فقد تحدث عن الإيجاز بنوعيه-إيجاز القصر[55] وإيجاز الحذف[56]- وذكر أمثلة للحذف الرديء[57]،وأفرد الباب الخامس من كتاب الصناعتين فتحدث في الفصل الأول عن الإيجاز، وفي الفصل الثاني عن الإطناب[58].

قال أبو هلال: والإيجاز :القصر والحذف، فالقصر تقليل الألفاظ، وتكثير المعاني[59]

أورد أبو هلال أمثلة كثيرة للكلام الموجز، وساق بعض الأمثلة التي استشهد بها الجاحظ في (البيان والتبيين)،أو المبرد في كتابه(البلاغة)،وتوسع كثيراً في هذا الباب ،فكان شاملاً، استفاد منه من جاء بعده من البلاغيين، ولم يضيفوا إلى ما قاله أبو هلال شيئاً جديداً يذكر.

ومثَّل له من القرآن الكريم بعدة آيات منها قوله تعالى:p ولكم في القصاص حياةٌi[60] ، ثم يوازن بينها وبين القول المأثور عن العرب، القتل أنفى للقتل ، ويظهر تفوق العبارة القرآنية من عدّة وجوه.

ومن الشعر بعدّة أبيات منها قول طرفة بن العبد :

ستبدي لك الأيامُ ما كنتَ جاهلاً  ويأتيك بالأخبار من لم تُزود[61]

أما إيجاز الحذف فقد أدرك أبو هلال من خلال النظر في النصوص والآثار الأدبية أن الحذف يأتي على وجوه منها حذف المضاف ، ومثّل له بقوله تعالى: pواسألِ القريةi[62]، وقوله تعالى : pوأشربوا في قلوبهم العجلَ[63]i . ومنها حذف الفعل ، وساق عليه بعض الأمثلة من القرآن الكريم كقوله تعالى: pفأجمعوا أمركم و شركاءكم[64] i، أي ادعوا شركاءكم[65] ” ، ويكثر أبو هلال من الأمثلة مبيناً ما فيها من حذف ثم الأصل الذي كان من حقّها أن تكون عليه، وهو في كل ما فعل بلاغي راسخ القدم .

 ولا نزاع في أنَّ النظر في النصوص هو الذي لفت نظره كما لفت نظر غيره إلى تصيد القواعد واطرادها ، والذي يحسب لهم هو تسمية القاعدة بما يناسبها من مصطلحات . أما القواعد فكما رأينا لم تأت من فراغ بل هي انعكاسات وايحاءات النص الأدبي.

وكان العلماء قبله قد ابتكروا بعض المصطلحات البلاغية، كأبي العباس المبرد، والإمام ثعلب، ثم جاء بعده ابن المعتز فذكر ثمانية عشر نوعاً بلاغياً، ثم زاد عليها قدامة بن جعفر، فأصبحت عنده عشرين فناً مع ابن المعتز في سبقه بها.

أمّا الرماني فلم يذكر بعض الفنون التي ذكرها البلاغيون قبله ،بينما نجد أبا هلال العسكري قد فّرع وفصل. ثم جاء علماء البلاغة، فأخذوا يفرعون التفريعات ،ويذكرون المصطلحات، مما حجر البلاغة عندما أبعدوها عن جماليات الأسلوب والصياغة، وصبوها في قوالب جامدة بعيدة كل البعد عن سحر البلاغة وجمالها وأصالتها.

  1. ابن سنان الخفاجي (ت466هجري)

    عُني ابن سنان بدراسة كل من الإيجاز و المساواة والإطناب حيث تناولها في مبحث واحد ووضع لها تعريفات دقيقة حيث حدّ الإيجاز المحمود بقوله:” هو إيضاح المعنى بأقل ما يمكن من اللفظ [66]” كما ذهب إلى أن تعريفه أصح من تعريف الرماني للإيجاز قائلاً :” وهذا الحد أصح من حد أبي الحسن الرُماني: بأنه العبارة عن المعنى بأقل ما يمكن من اللفظ ، وإنما كان حدّنا أولى لأنا قد احترزنا بقولنا :” إيضاح” من أن تكون العبارة عن _ المعنى وإن كانت موجزةً _غير موضحةٍ له[67]“.وجعله من شروط الفصاحة والبلاغة حيث قال:” ومن شروط الفصاحة والبلاغة الإيجازُ والاختصارُ وحذف فضول الكلام ، حتى يعبّر عن المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة ، وهذا الباب من أشهر دلائل الفصاحة وبلاغة الكلام عند أكثر الناس[68]

واستحسن الخفاجي كلام جعفر بن يحيى بن خالد قائلاً : ” كان يقول لكتّابه : ” إن  استطعتُم أن يكون كلامكم كلّه مثل التوقيع فافعلوا ” فهذا أمرٌ لهم بالإيجاز وتجنب الإطالة[69]” .

كما أورد للإيجاز أمثلة من القرآن الكريم إذ يقول:” ومن أمثلة الإيجاز والاختصار في القرآن الكريم قولُ الله تبارك وتعالى:p ولكم في القصاص حياةٌ[70]i ؛ لأنّ هذه الألفاظ على إيجازها قد عبّر بها عن معنى كثير، وذلك أن المراد بها أن الإنسان إذا علم أنّه متى قَتل قُتِل كان ذلك داعيا ًله قوياً إلى ألا يقدم على القتل ، فارتفع بالقتل الذي هو قصاص كثيرٌ من قتل الناس بعضهم لبعض ، فكان ارتفاع القتل حياةً لهم، وهذا معنى إذا عبر عنه بهذه الألفاظ اليسيرة في قوله تعالى :” ولكم في القصاص حياةٌ كان ذلك من أعلى طبقات الإيجاز”[71]

ذكر ابن سنان أنّ علي بن عيسى الرماني  قد جعل الإيجاز على ضربين ، القصر، والحذف ، والحذف ، والحذف عنده هو إسقاط كلمة لدلالة فحوى الكلام عليها ، أما القصر فهو بنية الكلام على تقليل اللفظ و تكثير المعنى من غير حذف[72]. مثال إيجاز القصر قول الإمام علي بن أبي طالب : ” قيمة كل امرئٍ ما يحسن [73]” ، فإنّ هذه الألفاظ على غاية الإيجاز وإيضاح المعنى ، وظهور حُسنها يُغني عن وصفه[74]“.

ومن أمثلة إيجاز القصر في النظم قول امرئ القيس:

على هَيكَلٍ يُعْطِيكَ قبلَ سُؤالِهِ        أفانينَ جري غير كزّ ولا وانِ[75]

قال الخفاجي :” لأنه جمع بقوله : أفانين جري” ما لو عدَّ كان كثيراً ، وأضاف إلى ذلك أوصافَ الجودة في الفرس بقوله: إنّه يعطي “قبل سؤاله” أفانين جريه ، ولا يحتاج إلى حَثٍ ، ونفى عنه بقوله :” غير كزٍ ولا وان” أن تكون معه الكزازةُ من قبل الجماح و المنازعة ، والونى من قبل الاسترخاء و الفتور فكان في هذا البيت جملةٌ من وصف الفرس قد عبّر بها عن معانٍ كثيرةٍ[76]

ومن ذلك أيضاً قول الشريف الرضي :

مالوا على شعب الرحال وأسندوا   أيدي الطّعان إلى قلوبٍ تخفق[77]

لأنه لما أراد أن يصف هؤلاء القوم بالشجاعة في نعتهم بالغرام والصبابة ، عبّر عن ذلك بقوله: أيدي الطعان فأتى بأخصر ألفاظ وأوجزها[78] ” أما من أمثلة إيجاز الحذف قال الخفاجي:” ولقصد الإيجاز فيما وقع فيه حذفٌ كثير حتى حذفت الأجوبة لدلالة الكلام عليها كقوله تعالى :” ولو أنّ قرآناً سُيرت به الجبال أو قُطعت به الأرض أو كُلم به الموتى[79]” كأنه يريد لكان هذا القرآن ولم يقل ذلك[80]

وقوله تعالى : p وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ[81] i ، كأنه يريد لما كان هذا كله حصلوا على النعيم الذي لا يشوبه كدرٌ أو غير ذلك من الألفاظ و لم يقله. وفي هذا الحذف في الكلام مع الدلالة على المراد فائدة ؛ لأن النفس تذهب فيه كل مذهب ، ولو ورد ظاهراً في الكلام لاقتصر به على البيان الذي تضمنه ، فكان حذف الجواب أبلغ لهذه العلة[82]

ومما قصد به الإيجاز حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، بحيث يقع العلم ، ويزول اللبس ، كقوله تبارك وتعالى : pوَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا[83]i والمعنى أهل القرية ، وأصحاب العير [84].

ولحمد الإيجاز فُضِّل أحد الشاعرين على صاحبه إذا كانا اشتركا في معنىً، وأوجزَ أحدهما في ألفاظه أكثر من الآخر ، ولهذا قدموا قولّ الشماخ بن ضرار:

إذا ما رايةٌ رُفعت لمجدٍ   تلقاها عرابةُ باليمين[85]

على قول بشر بن أبي حازم :

إذا ما المكرماتُ رُفعنَّ يوماً   وقصرَ مبتغوها عن مداها

وضاقت أذرع المثرين عنها   سما أوسٌ إليها فاحتواها[86]

وإذا كان ابن أبي حازم سبق الشماخ إلى المعنى ، إلا أنه جاء به في بيتين و اختصره الشماخ ، فأتى به في بيت واحد [87]

  1. ابن رشيق القيرواني (ت463 هجري)

      لم يخرج ابن رشيق عن الإطار الذي رسمه سابقوه في الحديث عن مسائل المعاني ، فقد ألمح إلى ما ألمحوا إليه ، وإن غاير كثيراً في الشواهد، وأمثلة التوضيح. فقد تحدث مثلهم عن: الإيجاز والإطناب، والالتفات[88] ، والتكرار[89] ، وبعض صور الإطناب كالإيغال[90] والتتميم[91]، وجاء حديثه عن مسائل علم المعاني في إطار غير مرتب موزعاً مفرقاً مفصولاً بغيره من الفنون.

قدم ابن رشيق حديثاً عاماً عن الإيجاز والإطناب _ويسميه الإطالة_ وبين فيه مقام كل منهما و دوره في البيان ، فقال: “سئل أبو عمرو بن العلاء: هل كانت العرب تطيل؟ قال : نعم ؛ ليسمع منها . قيل : فهل كانت توجز؟ قال: نعم ليحفظ عنها[92]” ، ثم عاد ابن رشيق فعقد للإيجاز فصلاً مستقلاً استهله بقوله:” الإيجاز عند الرماني على وجهين : مطابق لفظه لمعناه، كقولك : سل أهل القرية، ومنه ما فيه حذف للاستغناء عنه في ذلك الموضع كقوله تعالى : واسأل القرية وعبر _أي الرماني_ بأن قال :” هو العبارة عن الغرض بأقل ما يمكن من الحروف[93]” بيد أن الملاحظ أن الضرب الأول من الإيجاز عند الرماني هو المساواة وهذا ما لحظه عليه صاحب العمدة . أما الضرب الثاني فقد وفق فيه الرماني تعريفاً وتمثيلاً .

ثانياً: المرحلة الثانية من الإمام عبد القاهر إلى الخطيب القزويني

  1. عبد القاهر الجرجاني(ت471هجري)

          لقد رأى الجرجاني[94] في المصطلحات البلاغية مفاتيح يدخل بها إلى عالم النص الشعري أو القرآني أو أي نص أدبي. إنه رأى في تلك المصطلحات ظواهر جمالية تلتصق بأنغام النفس، وتموجات الخاطر، وأطياف الخيال. إنّ عبد القاهر يمضي بهذه الروح التحليلية يستخلص القاعدة من النص، أو يمزج النص بالقاعدة بعد طول التحليل والتعليل، وإرضاء السمع والبصر وإمتاع الذوق. فالإمام الجرجاني لا يبحث عن لون بلاغي؛ ليصل من خلاله إلى قاعدة بلاغية وليزيد في التسميات البلاغية، وإنما هدفه البحث عن الجمال أينما وجد في النص الأدبي، وهذه الميزة جعلته في قمة الهرم البلاغي في تاريخ البلاغة العربية إلى هذا اليوم. إذاً الإمام الجرجاني يهتم بالذوق الأدبي والجمالي، ويترك كل شيء سوى ذلك.

بهذه الصورة التي تؤكد على الارتقاء بالذوق الأدبي، مضى إمام البلاغة يتحدث عن الفنون البلاغية ، ويسوق الأمثلة الكثيرة، ويدل على موطن الشاهد فيه ويفسره ويوضحه، ثم يأتي بأمثلة قبيحة ويقارن بينها، وبين أمثلة البلاغة العالية. ويركز على السجية وما يروق للطبع ويفضّله. إنّ الميزة الأساسية للتفوق لدى الجرجاني هي التحليل والبحث عن مكمن الجمال في النص الذي يعرضه ويتناوله، وهي الميزة التي ترافق مجمل الشواهد التي يعرضها لنا، فنراه يحلل ويناقش ويضع يده على موطن الجمال ثم يبصرنا به. إنّ تقعيد المصطلحات البلاغية وتقنينها لدى الجرجاني لا نجد فيه تقسيمات منطقية جامدة، أو حدود جافة كما وجدنا عند غيره رغم أنه قسم وفرع البلاغة ومصطلحاتها، ومع ذلك نجد لتقسيماته لذّة تطرح أسئلة في العقل والذوق. من غير شك لا يستطيع الكاتب أو الناقد أو دارس البلاغة العربية أن يتخطى الإمام عبد القاهر إمام البلاغيين، وينكر فضله. فعلمه كالمنجم الثري يأخذ منه كل بلاغي نصيبه، وكل ناقدٍ حصته فهو الذي ارتبط ازدهار البلاغة باسمه، ولعل مرّد ذلك – كما أسلفت – إلى التعليل، والبحث عن الجمال في النص الذي يقرأه، سواء درس النّص من خلال مصطلح بلاغي ،أم بحث في النص معللاً ومفسّراً ومستخلصاً منه مصطلحاً بلاغياَ. ولعل من أسباب التفوق لدى الجرجاني أنّه أدرك أنّ لكل مصطلح من مصطلحات البلاغة له تجلٍّ خاص حسب السياق الذي يرد فيه يختلف عن تجلّيه في السياق الآخر الذي يرد فيه. لم تكن عبقرية لغوية فحسب، وإنما كانت عبقرية فنية وذوقية ونفسية، إنها عبقرية متأثرة بالجمال ، ومؤثرة في غيرها بالجمال، هذه العبقرية الفذّة لم يدانها أحد من بعدها، ولربما لا نبالغ إذا قلنا :لقد عقم الزمان على أن يجود بمثلها. بهذه الرؤية يستخلص عبد القاهر الجرجاني مفردات البلاغة من النص، بهذه الرؤية تكون المصطلحات مصابيح تضيء النص ،وتنقل المعنى المراد إلى المخاطب بل يأخذ المخاطب مراده من الصورة التي أمامه ، وبذلك يصبح النص مفتوحاً لقراءات متعددة ،ويرضي أذواقاّ متباينة.

وقد تطرق الإمام الجرجاني إلى مسائل علم المعاني[95] ومنها الحذف[96] والقصر والاختصاص[97] ، كما تعرض عبد القاهر الجرجاني للإيجاز في بعض الأماكن ذات الاتصال الوثيق به[98].

فقد تطرق إلى إيجاز الحذف ، ملاحظاً أن الحذف حينئذ يكون أفصح من الذكر، وأن ذلك يكثر في الشعر حين يذكر الشاعر شخصاً ويقدم بعض أمره، ثم ينقطع ويستأنف الكلام”  كقول الشعراء :

سأشكر عمراً إن تراخت منيتي         أيادي لم تمنن وإن هي جلت فتى غير محبوب الغنى عن صديقه     ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت

ويقول إن النفس تحس في مثل هذا بحذف أنس، وفي الوقت نفسه قد تستثقل الذكر حتى كأنما تريد أن تتوقاه وتتحاماه[99]“. ويمضى فيفصل القول في حذف المفعول قائلاً :” إنه يحذف حين يريد المتكلم إثبات الفعل للفاعل أو نفيه عنه على الإطلاق دون ملاحظة تخصيصه بمن وقع عليه كالآية الكريمة : pقل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون[100]i [101]“. وهذا النوع من الحذف على لونين : لون يراد فيه أصل الفعل كالآية من غير أي إشارة إلى شيء آخر.

 وقبل ختام الحديث عن الجرجاني لابد أن نشير إلى نقطة آثارها الجرجاني و ركزّ عليها، و هي عدم التسليم بآراء السابقين مهما كانت مكانتهم.

  1. الزمخشري(ت537هجري)

         الزمخشري[102]في قمة الهرم البلاغي ،أي في مرحلة النضوج والازدهار، ويكاد يتفق البلاغيين المعاصرين على أنّ الزمخشري هو البلاغي الفذّ المتمم لعمل الجرجاني[103] في مزج القاعدة بالنص وقراءة النص على أساسها وهو الذي عرف كيف يطبق إرث الجرجاني الضخم في تفسير القرآن الكريم. لقد تفوق الزمخشري، واحتل منزلة رفيعة في البلاغة العربية ؛لأنّه أول من طبق مصطلحات البلاغة ومضامينها في تفسير القرآن الكريم. الزمخشري انطلق من القاعدة إلى النّص، وأقصد بذلك أنه قرأ البلاغة خالصة أي كعلم مستقل وفن قائم بذاته له أسس وقواعد ومصطلحات واضحة معلومة، فاستوعب البلاغة وأتقنها .ثم تناول نصوص القرآن الكريم؛ لينظر تجليات مفردات القاعدة فيها. ثم يرى دور المصطلح البلاغي الذي هو صميم الآية في إبراز جمال معناها. الجرجاني والزمخشري البلاغة عندهما لها شأن آخر، فمفرداتها تتجدد بتجدد ورودها في السياق الذي ترد فيه ،لذا جاءت البلاغة عندهما غضة مغدقة متجددة على مرّ العصور والدّهور.

    الزمخشري يلتقي مع الجرجاني في نقاط منها: أن عنصره المفاجأة. ونقصد بها أننا لا نتوقع ماذا يريد أن يقول عندما يبحث مسألة لغوية أو يكتب في لون بلاغي، وهذه نقطة القوة والإبداع والتّجدد عند كل منهما. وكذلك لم يوردها مجرّدة جافة، لا حياة فيها وحركة، وإنما أوردها في كل مصطلح محللاً ومعللاً. ولكن الفرق بينهما أنّ الجرجاني كان يبحث في النصوص؛ ليستخرج منها اللون البلاغي ،أمّا الزمخشري فكانت الألوان البلاغية واضحة في ذهنه ثم يأتي إلى النص ليبرز جمالياته من خلالها ،وهي سمة عامّة في كل مصطلحاته التي ذكرها. كانت البلاغة عند الزمخشري مقتصرة على فرعيها: البيان و المعاني. ولم يكن البديع مستقلاً عنهما. يتحدث الزمخشري[104] عن المصطلحات البلاغية دون تسميتها أحياناً. كما أنّه لا يترك ظاهرة بلاغية تمر به إلا وعلّق عليها، وأبرز جمالها ودورها في جلاء المعنى ووضوحه في السياق الذي وردت به. إذ استطاع الزمخشري أن يقدم في كتابه صورة رائعة لتفسير القرآن تفسيراً يكشف عن حقائق التنزيل ودقائقه، وغوامض أسراره ولطائفه، وأن يبرز من محاسن نكته وفقره، وغرائب تأليفه ونظمه، ما أدهش العقول، وحير الألباب[105].

والجدير بالذكر أن الزمخشري هو أول من ميز بين علمي المعاني والبيان، فجعل لكل منهم مباحثه الخاصة وميدانه المستقل[106].

  1. الفخر الرازي(ت606هجري)

        فإذا كان الجاحظ هو مؤسس علم البلاغة العربية، وكان ابن المعتز هو مؤسس التقعيد البلاغي، وأبو هلال العسكري هو دراس البلاغة كفن قائم بنفسه، والإمام الجرجاني هو قمة الهرم البلاغي، فإنّ الفخر الرازي[107] هو ممثل مرحلة الجمود والتلخيص بإجماع معظم البلاغيين[108].

نرى الرازي في مطلع كتابه ((نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز))، يشير إلى أن عمله كان تلخيص كتابي الجرجاني ((أسرار البلاغة))و ((دلائل الإعجاز))، وتقسيماتهما في قوالب محددة معروفة لا إطناب ممل فيه و لا إيجاز مخلّ. فاهتمامه مركز على القاعدة البلاغية فقط ،دون أدنى اهتمام بالنص لا من قريب ولا من بعيد. فليس لعلم البلاغة لديه أدنى علاقة بإدراك مرامي النصوص أو تذوق معانيها ، ومن يقلب صفحات كتابه، يجد وكأنها صفحات في علم النحو وقوانينه بجفافها وجمودها، والتقسيمات المنطقية لديه على أساس اللفظ و المعنى بعيدة عن البلاغة والأدب كل البعد. لقد كان عمل الرازي بكلّ جلاء ووضوح هو استخلاص قواعد البلاغة التي وردت في كتابيّ الإمام الجرجاني، بعد تجريدها من الأمثلة الكثيرة والتحليل الدقيق الذي يغوص في أعماق النص؛ ليستخلص الجواهر والدرر الأدبية ويضعها في أعماق النفوس المرهفة الحساسة التي تتوق للجمال، وتتناغم معه.

  1. الإمام السكاكي(ت626هجري)

          إنّ مفتاح العلوم للسكاكي[109]أغلق باب القاعدة البلاغية[110]، ومنعها من التطور، وفصلها فصلاً نهائياً عن النص؛ لتغدو النظرة إلى البلاغة من خلال مفتاحه، بل أصبح المفتاح هو مدار البلاغة والبحث البلاغي. لقد تمسك بالقاعدة تمسكاً شديداً، و رسخها ؛ لتأخذ صورتها النهائية، ولتغدو الصورة النهائية للبلاغة العربية. لقد استطاع السكاكي أن يضع حاجزاً صلباً أمام تطور القاعدة نحو التفرّع والتشعب، كما استطاع أن يقنع البلاغيين اللاحقين بصحة منهاجه، وسلامة تصوره للقاعدة.

ومن الجدير بالذكر أنّ مما سهل الطريق ومّهد إلى منهج الإمام السكاكي، النظرة الجزئية أو دراسة الشاهد دراسة جزئية، حيث أدت إلى انفصال أجزاء النص، وتذوقه على حداه. فانصرف اهتمام الباحث إلى التركيب واللفظ والوجه البلاغي من خلال صلته بموضوع النّص، بوصفه جزءاً من نسيجه العام.

لذلك كان التقسيم والتفريع وتشظي القاعدة هي السمة الغالبة عند الإمام السكاكي في كافة فروع البلاغة و مصطلحاتها التي تناولها، فكل مصطلح بلاغي عنده له أنواع مختلفة فيما بينها، خالية من نضارة الأمثلة الأدبية والذوقية التي تمتع الشعور والإحساس، إنّ سير القاعدة وتطورها في الاتجاه الذي وصل إليه عند الإمام السكاكي، وظهور الإمام السكاكي وعمله البلاغي، له ارتباط شديد بطبيعة البلاغة العربية التي نشأت على سباق في زيادة مفردات القاعدة البلاغية، فمنذ أن وضع ابن المعتز ما يزيد على عشرة مصطلحات بلاغية، مازال البلاغيون يزيدون فيها فرداً بعد فرد حتى وصلت إلى ما وصلت إليه، وأخذت صورتها النهائية عند الإمام السكاكي. لقد كان عمل السكاكي قواعدياً بحتاً[111] في دراسته البلاغة العربية، حيث اهتمّ بوضع قوانين دقيقة للقواعد البلاغية. فالسكاكي  ” أول من قسم البلاغة إلى معانٍ وبيانٍ وبديعٍ أو محسنات، وحدّد موضوعاتها ،وأثبت قواعدها[112]. لقد رسم السكاكي معالم القاعدة البلاغية، ووضعها في قالب منطقي جاف، وألزم به من جاء بعده، فلم تكن الشروح والتلخيصات والمؤلفات التي تناولت كتابه لتخرج عما جاء به. وعليه السكاكي أول من وضع الخطوط العريضة، والقواعد البّينة لعلوم البلاغة ووضع لها منهجاً محدداً ، ورتب لها الفصول والأبواب، إضافة إلى أنّه قام بتحديد المصطلحات البلاغية، ووضع الآراء والمقاييس البلاغية الصحيحة. فكتاب المفتاح ” أعان على حفظ الصورة البلاغية القديمة، و روّج لها، ولكنّه لم يسع إلى تطويرها[113]

وعند السكاكي نجد أنّ قضية الإيجاز والإطناب حظيت بدرس مطول وشرح مفصل، امتزجت به معارف مختلفة وعلوم متنوعة، أسهمت ثقافات لغوية وفلسفية وأصولية في صوغها.

أما مسائل علم المعاني التي عالجها السكاكي فهي: الالتفات، ومن الجدير ذكره أن مسائل الالتفات عند السكاكي محررة لم يشبها لبس كما شابها عند جل سابقيه[114]

  1. ضياء الدين بن الأثير(ت637هجري)

        ابن الأثير[115] هو تلميذ عبد القاهر، وهو ليس كغيره من البلاغيين المتأخرين الذين أولعوا بالتقسيمات الجافة والحدود المنطقية . فابن الأثير نحا منحى قريباً من الجرجاني في تحليل النصوص والبحث عن الجمال الأدبي، وإن كان الأخير يبقى قمة بلاغية شاهقة لا يطاولها أحد ولاشك أنّ ابن الأثير دونه بكثير.

إنّ البلاغة لديه فن قائم بذاته، وهو يطلق عليه اسم البيان الذي يوازي البلاغة بأقسامها الثلاثة من بديع و بيان ومعان، و كأنّه يرفض التقسيمات الثلاثة التي استقرت عليها البلاغة في عصره على يد الإمام السكاكي، وكان يرى أن بعض مصطلحات البلاغة أوصاف خاصة للبلاغة والفصاحة، وبعضها الآخر أوصاف عامة لها، وبعضها ترجع إلى اللفظ، وبعضها ترجع إلى المعنى [116]كالاستعارة و المطابقة.

وهناك نقطة أخرى يجب أن نشير إليها، وهي أنّ ابن الأثير كان من البلاغيين القلائل الذين أتوا بعد الجاحظ، وأحلوا البيان النثري محلاً عالياً من التقدير بعد أن دأب معظم البلاغيين على الاحتفال بالشعر[117].

لقد أورد ابن الأثير في “المثل السائر “كثيراً من المصطلحات البلاغية التي باتت معروفة لدى بلاغيّ عصره كالاستعارة، والتشبيه، والتجنيس، والموازنة، ولزوم ما لايلزم، والترصيع، والسجع، والكناية، والحقيقة، والمجاز، والإيجاز، والإطناب، والاعتراض، والتضمين، وغيرها.

لم يقدم ابن الأثير شيئاً جديداً في مجال البحث البلاغي سوى اتباعه في كثير من ألوان البلاغة التي عرضها طريقة التحليل والبحث عن سر الجمال في النص، اقتداءً بأمير البلاغيين الجرجاني، ومع ذلك فيعتبر ابن الأثير من تلامذة الجرجاني حيث مزج القاعدة بالنص، وحافظ على قاعدة البلاغة وطلاوتها، وتجدّدها في الأمثلة التي قدمت شواهد على ألوانها ومصطلحاتها.

وابن الأثير تناول موضوع الإيجاز على نحو مشابه لتناول أبي هلال العسكري، إذ خصص في(مثله السائر)،و(جامعه الكبير)،باباً للإيجاز وآخر للإطناب[118]،حيث بسط الموضوع، وبحثه بحثاً منهجياً قوامه التفصيل والتعليل والتمثيل.

  1. القزويني(ت739هجري)

     كتاب التلخيص للإمام القزويني[119] جاء؛ ليقنن ويحدد قواعد مفتاح العلوم للسكاكي، ثم أصبح التلخيص مدار شرح ونظم، وكان الإيضاح للقزويني من الشروح التي تعرضت للتلخيص واستدرك عليه ما خلا من التلخيص، وأصبح الإيضاح بعد ذلك مجال شرح وتلخيص ونظم، فهو يمثل خلاصة مدرسة السكاكي، والصورة النهائية لها، فالإيضاح كما يراه صاحبه جاء ليملأ كل فراغ في قواعد البلاغة العربية، حيث شرح ما غمض من التلخيص، وفصل ما كان مجملاً فيه، وأضاف إلى مفتاح العلوم ما رآه في كتب البلاغة السابقة، كما ابتكر فيه من جزئيات القاعدة ، فجاء جامعاً شاملاً لقواعد البلاغة العربية حسب رأي مؤلفه.

جمع الخطيب بين اتجاهين سيطرا على الدرس البلاغي من قبله : الاتجاه العقلي المتمثل  في مدرسة السكاكي و الفخر الرازي وأمثالهما. والاتجاه الذوقي الأدبي المتمثل في مدرسة الإمام عبد القاهر الجرجاني وابن سنان الخفاجي.

أما مسائل علم المعاني التي تعرض لها : خروج الاستفهام إلى معان مجازية[120] مثل : الاستبطاء[121]، التعجب، والأمر، والتقرير والتهكم .

إنّ الإمام القزويني بكتابه “الإيضاح” جعل البلاغة قالباً منطقياً وقانوناً ثابتاً خالياً من الحيوية والنشاط و التطور، فأصبحت البلاغة تلك القاعدة التي ابتذلت، وأفرغت من قلبها الأدبي إلّا من بعض الأمثلة البليغة التي فقدت قيمتها ولذتها بعد أن تداولتها الكتب البلاغية بكثرة على مدار الزمان.

الخاتمة

    اهتمّ هذا البحث بدراسة تطور مباحث علم المعاني عامةً والإيجاز خاصةً ، فركز على أبرز الأعلام الذين يشهد لهم التاريخ بالغوص في مجال الأدب واللغة والبلاغة والنقد، وإبراز جهودهم في هذا المجال ،فكان المبحث الأول من البحث منصباً على إبراز جهود أبي عثمان الجاحظ، حيث يعتبر مؤسس البلاغة العربية، وقد حاول البحث أن يجلي الأمور البلاغية عنده ويجمع شتات المادة من ثنايا كتبه، فاللحمة شديدة بين المادة البلاغية والنقدية عنده .ثم ركز البحث على نشاط ابن قتيبة في كتابه(تأويل مشكل القرآن)،وأبرز جهود أبي العباس المبرد انطلاقاً من دراسة رسالة البلاغة عنده ،بالإضافة إلى كتابه “الكامل” ،حيث كانت المادة البلاغية موزعة في أرجائه، وكان يتكئ عليها في أحكامه النقدية، ثم تمّ إلقاء الضوء على جهود أبي العباس ثعلب من خلال  كتابه (قواعد الشعر) الذي ذكر فيه بعض المسائل البلاغية والنقدية .

ثم أُظهر دور عبدالله بن المعتز الريادي في تأسيس علم البديع ،  فابن المعتز فتح باب التأليف البلاغي ثم زاد عليه البلاغيون، وأظهروا التقسيمات والتفريعات، وزادوا على الفنون البديعية التي أرسى قواعدها وأسسها ابن المعتز. ثم تعرض البحث لابن طباطبا العلوي في كتابه (عيار الشعر)، فهذا الكتاب قد عبد السبل وأنار الطريق لمن جاء بعده وترسم خطواته. ثم انصب الاهتمام على دراسة الآراء البلاغية عند أبي بكر الصولي، وإن لم تكن له تلك البصمات الواضحة التي كانت لغيره، لكن لا يخفى أثره في هذا المجال، ثم إبراز دور قدامة بن جعفر في كتابه الشهير(نقد الشعر)،وكيف استقى منه العلماء الذين جاؤوا بعده، فقدامة هو الذي أدخل المنطق-إن صح التعبير-وتقسيماته إلى البلاغة العربية. ثم تمّ إبراز جهود الآمدي من خلال كتابه (الموازنة)، وجهود المرزباني ولمحاته البلاغية التي تخللت كتابه “الموشح” ،ثم وقف البحث عند الرماني مبرزاً  أهميته في المعادلة البلاغية، كما عرض جهود الجرجاني وأبرز مكانة (الوساطة) في الساحة البلاغية والنقدية.

ثم أخيراً، تمّ التركيز على نشاط أبي هلال العسكري، ومدى قدرته على جمع أكبر قدر ممكن من المعارف والمصطلحات البلاغية التي وصلت إليه، وذلك من خلال مصنفاته، فجمع لنا جهود السابقين وأمثلتهم وشواهدهم. وبه اكتملت حلقة البلاغة. وكان الطابع الغالب على المصطلحات التي ذكرها أبو هلال : الطابع الوصفي دون أن يربط القواعد بالنص رغم أنه أكد على أهميته بشكل واضح جلي.

ثم كان إمام البلاغيين الجرجاني الذي أدرك البلاغة ذوقاً وعلماً وقاعدة، وبرهن على أهمية البلاغة في إدراك الجمال في النصوص بشكل عملي تطبيقي، فجعلنا نشاركه في تحليل النصوص، واضعاً يده على مواضع الجمال، مرينا إياه.

ثم ينحدر الخط البلاغي بعد هذه القمة ،فنلتقي بتلميذه الزمخشري الذي تابع نهج معلمه الجرجاني في تفسيره المعروف بالكشاف حيث فسر آيات الكتاب من منظور بلاغي ،ثم مضينا ، ووقفنا عند عدد من البلاغيين، وبينا أنّ البلاغة أصبحت في ثلاثة مسارات:

  • مسار حاول أن يتابع رحلة الجرجاني ويمثله ابن الأثير.
  • مسار سلك طريقا أفضى إلى مدرسة السكاكي.
  • مسار حاول أن يجمع بين الطريقتين.

وكانت السيادة لأصحاب المسار الثاني ،وبدأت هذه الرحلة مع الإمام الفخر الرازي، الذي ركز جلّ اهتمامه على القاعدة وأهمل النص، مما أدى إلى بعد القواعد عن النص. وكانت البلاغة إلى هذه المرحلة مقتصرة على فرعيها: (البيان والمعاني)، والرازي هو الذي مهد الطريق لظهور السكاكي بهذا الشكل الدقيق على الساحة البلاغية، فجعل البلاغة قواعد جافة وتقسيمات منطقية، وكان عمله في قواعد البلاغة دون مراعاة النص إلّا من بعض الظواهر المنطقية الدقيقة، وهو الذي رسخ النظرة السائدة اليوم إلى البلاغة العربية من خلال عمله مفتاح العلوم، ولم يكن من السهل تخطيه حتى تبث روح جديدة في شرايين الأدب، كما كانت البلاغة على أيام الجرجاني.

وبهذا تكون الدراسة قد أوردت بذور تطور مباحث علم المعاني من خلال ظواهر وأسباب كانت غير معللة في أغلب الأحيان.

إذاً كان النص المصدر الذي أنتج القواعد البلاغية، فالعرب عرفوا جمالية النصوص، وأدركوا سلطانها على نفوسهم، ولم يعرفوا قواعدنا البلاغية التي بنيت في أغلب الأحيان على نصوصهم.

وفي الختام : فقد رأينا من خلال ما تقدم أن  الإيجاز من المسائل التي طرقها الرواد ، مع ضآلة ما قيل حوله .

لائحة المصادر و المراجع

  • القرآن الكريم
  • أدب الكاتب، عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، تحقيق: محمد الدالي، مؤسسة الرسالة،بيروت،ط2، 1999م.
  • الإيضاح في علوم البلاغة، جلال الدين محمد بن عبد الرحمن بن عمر القزويني، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، مؤسسة المختار للنشر والتوزيع ،ط2 ،2004م
  • البديع ،أبو العباس عبدالله بن المعتز، تقديم وشرح وتحقيق :محمد عبد المنعم خفاجي ،دار الجيل، بيروت، د. ط ،1990م.
  • البلاغة ،محمد بن يزيد أبو العباس المبرد، تحقيق: د. رمضان عبد التواب، مكتبة الثقافة الدينية ،القاهرة،ط2 ،1985م.
  • البلاغة تطور وتاريخ، د. شوقي ضيف ،دار المعارف ،القاهرة ،ط8 ،1990م.
  • البلاغة عند السكاكي، د .أحمد مطلوب ،بغداد ،مكتبة النهضة، الطبعة الأولى،1964م.
  • البلاغة العربية، سعد سليمان حمودة، دار المعرفة الجامعية،مصر،1996م.
  • بلاغة الوفرة وبلاغة الندرة، نور الهدى باديس ،المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2008م.
  • البيان والتبين، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ،تحقيق :عبد السلام محمد هارون ،مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الأولى،1965م.
  • تأويل مشكل القرآن ،ابن قتيبة ،تحقيق: السيد أحمد صقر، القاهرة ، الطبعة الأولى ،1954م.
  • ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، الرماني والخطابي وعبد القاهر الجرجاني، تحقيق: محمد خلف الله أحمد ود.محمد زغلول سلام، دار المعارف، القاهرة، د.ط، 2008م.
  • الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور ،ضياء الدين ابن الأثير ،تحقيق :الدكتور مصطفى جواد والدكتور جميل سعيد، بغداد، الطبعة الأولى،1956م.
  • الحيوان ، الجاحظ ،تحقيق :عبد السلام هارون، دار إحياء التراث العربي،بيروت،ط3، 1969م.
  • دلائل الإعجاز، تأليف: عبد القاهر الجرجاني ، تعليق :محمود شاكر، مكتبة الخانجي،القاهرة،ط1 ،1984م.
  • ديوان امرئ القيس، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، دار المعارف ، مصر ، ط3، 1969م
  • ديوان بشر بن حازم الأسدي، شرح الدكتور صلاح الدين الهوادري ، دار مكتبة الهلال، طبعة 1997م
  • ديوان الشريف الرضي، طبعة وزارة الإرشاد، إيران
  • ديوان الشماخ بن ضرار الذبياني ، حققه وشرحه : صلاح الدين الهادي، دار المعارف، مصر، د.ت
  • ديوان طرفة بن العبد بشرح الأعلم الشنتمري، تحقيق : درية الخطيب-لطفي الصقال ، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، 1975م
  • ديوان الإمام علي بن أبي طالب ، جمع و شرح : عبد العزيز سيد الأهل، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى ، 1950م
  • رسائل الجاحظ، تحقيق: عبد السلام هارون ، مكتبةالخانجي ، مصر ،ط1 ،1979م.
  • رسالة في البلاغة والإيجاز، الجاحظ، رسائل الجاحظ ج4،تحقيق:عبد السلام محمد هارون، ج 1_2/1،1964م،3_4/1979م.
  • سر الفصاحة ، محمد بن عبد الله بن سعيد بن سنان الخفاجي(ت466هجري)، تحقيق : عبد الواحد شعلان ، دار قبا للطباعة والنشر ، 2000م
  • سر الفصاحة، ابن سنان الخفاجي ،تحقيق: عبد المتعال الصعيدي ،مطبعة صبيح،القاهرة،ط1 ،1953
  • الصناعتين ،أبي هلال العسكري، تحقيق: محمد علي البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، مطبعة عيسى الباب الحلبي وشركائه،ط2 ،1971م
  • الصناعتين ،أبي هلال العسكري ،تحقيق :مفيد قميحة، دار الكتب العلمية،بيروت،ط2، 1989م.
  • العمدة في محاسن الشعر وآدابه ، ابن رشيق القيرواني ، تحقيق د. محمد قزقزان ، دار المعرفة ، الطبعة الأولى، 1408 هجري
  • عيار الشعر، ابن طباطبا العلوي، تحقيق: د. طه الحاج ريود. زغلول سلام، المكتبة التجارية،القاهرة،ط1 ،1956م.
  • فن البلاغة، د. حسين عبد القادر، عالم الكتب ،بيروت ،ط2 ،1984م.
  • الفهرست ،ابن النديم، تحقيق: رضا تجدد،طهران،ط1، 1971م
  • قواعد الشعر، الإمام أبو العباس ثعلب، شرحه :محمد عبد المنعم خفاجي ،الدار المصرية اللبنانية، القاهرة ،ط1 ،1996م.
  • الكامل في اللغة والأدب ،أبو العباس المبرد ،تحقيق :د. محمد أحمد الدالي ،مؤسسة الرسالة،بيروت،ط3 ،1997م.
  • كتاب الصناعتين الكتابة والشعر، أبو هلال العسكري، تحقيق علي محمد الجباوي-محمد أبو الفضل إبراهيم، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركائه،ط2،د.ت
  • الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجه التأويل ، أبي القاسم الزمخشري (538هجري) ، دار الكتاب العربي ، بيروت، د. ط ، د.ت
  • المثل السائر في أدب الكاتب و الشاعر، ضياء الدين أبو الفتح نصرالله بن محمد بن عبد الكريم الموصلي الشافعي ،تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت 1999م.
  • مدارس البلاغة المعاصرة، مصطفى صادق الجويني ،دار المعرفة الجامعية، إسكندرية، الطبعة الأولى، 1995م.
  • المصطلح البلاغي ،د. عبد الجليل مصطفاوي ،دار الغرب للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، د.م ،2010م.
  • مع البلاغة العربية في تاريخها، محمد علي سلطاني، دار المأمون،دمشق،ط1 ،1978-1979م.
  • مفتاح العلوم ،السكاكي ،تحقيق: عبد الحميد هنداوي ،دار الكتب العلمية،بيروت،ط1 ،2000م.
  • الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري ،الحسن بن بشر الآمدي ،الجزءان الأول والثاني ،تحقيق :السيد أحمد صقر، دار المعارف ،مصر، ط1، 1965 ،ط2 ، 1972 م. الجزء الثالث، تحقيق: عبدالله حمد محارب ،مكتبة الخانجي ،القاهرة ،ط1 ،1990م.
  • موجز تاريخ البلاغة، مازن المبارك ،دمشق ،دار الفكر ،د.ت.
  • الموجز في تاريخ البلاغة، أ. د. مازن المبارك ،دار الفكر ،دمشق ،ط2 ،1981م.
  • الموشح، أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني ،تحقيق: علي محمد البجاوي ،دار نهضة مصر ،القاهرة ،ط1 ،1965م.
  • نقد الشعر، قدامة بن جعفر، تحقيق :محمد عبد المنعم خفاجي ،مكتبة الكليات الأزهرية،القاهرة،ط1 ،1978م.
  • النكت في إعجاز القرآن ،أبو الحسن علي بن عيسى الرماني ،تحقيق :محمد خلف الله ومحمد زغلول سلام، دار المعارف ،القاهرة ، الطبعة الأولى،1968م.

 

 

 

[1]هو عمرو بن بحر بن محبوب أبو عثمان الجاحظ. من كبار أئمة الأدب، ورئيس الفرقة المعتزلية التي سميت الجاحظية نسبة إليه.

[2] انظر : المصطلح البلاغي وتطوره:308.

[3] انظر: الحيوان، الجاحظ ،تحقيق :عبد السلام هارون، دار إحياء التراث العربي،بيروت،ط3، 1969م:3/369

[4] انظر: البيان والتبين، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ،تحقيق :عبد السلام محمد هارون ،مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الأولى،1965م:1/105.

[5] خصّ بالإيجاز رسالة مفردة سماها(البلاغة والإيجاز) لم تصل إلينا. كما أفرد باباً في كتاب (نظم القرآن)الذي فقد وذكره الجاحظ في كتاب (الحيوان) لفصل الإيجاز والحذف.

[6] البيان والتبين:1/260.

[7]المصدر السابق: 1/276،279،283 .

[8] الحيوان:1/250.

[9]  البيان والتبين:1/260.

[10] هو أبو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدّينوري، قال عنه ابن النديم في الفهرست “كان عالماً باللغة، والنحو ،وغريب القرآن ومعانيه، والشعر ،والفقه، كثير التصنيف” انظر: الفهرست،ابن النديم، تحقيق: رضا تجدد،طهران،ط1، 1971م:85-86.

[11] تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة ،تحقيق: السيد أحمد صقر، القاهرة ، الطبعة الأولى ،1954م: 3-5.

[12]هو أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي ،إمام النحاة ببغداد في زمانه، و أحد أئمة البلاغة والأدب والأخبار.

[13] الكامل في اللغة والأدب ،أبو العباس المبرد ،تحقيق :د. محمد أحمد الدالي ،مؤسسة الرسالة،بيروت،ط3 ،1997م: 2/884.

[14]المصدر السابق: 2/884.

[15]انظر: المصطلح البلاغي، د. عبد الجليل مصطفاوي ،دار الغرب للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، د. م ،2010م:79.

[16]هو أحمد بن يحيى بن زيدان بن سيار الشيباني ولاءً. كنيته :أبو العباس ،ولقبه: ثعلب. و هو إمام الكوفيين في النحو والبلاغة. كان محدثاً مشهوراً بالحفظ والفقه والديانة.

[17] انظر: قواعد الشعر ، الإمام أبو العباس ثعلب، شرحه :محمد عبد المنعم خفاجي ،الدار المصرية اللبنانية، القاهرة ،ط1 ،1996م:12 وما بعدها.

[18] هو عبدالله بن المعتز بالله ،يكنى أبا العباس .وهو شاعر مطبوع .أخذ العلم عن شيخي البصرة والكوفة :المبرد وثعلب

[19] لم يكن ابن المعتز أول من استعمل لفظ “البديع” ليطلقه على الفنون البلاغية ،وإنما كانت الكلمة مستعملة قبله فقد استخدمها الجاحظ بمفهومها البلاغي عندما تحدث عن بديع بعض الشعراء. وكان الدافع إلى تأليف هذا الكتاب، هو برهانه على أنّ ألوان البديع المستخدمة بكثرة في أشعار المولّدين لها جذور وأصول في الشعر العربي القديم. لقد كان عمل ابن المعتز أول عمل أكاديمي يصنّف على أساسه الأبيات القريبة من بعضها من حيث تقاربها في ظاهرة لغوية أو أسلوبية. لقد تمّ مع ابن المعتز وضع معالم واضحة للقاعدة البلاغية، فجعل لها مدخلاً في النّص الأدبي، إذ أصبح بإمكان الباحث أو دارس النّص الشعري أو أي نص من نصوص الأدب أن يستند إلى هذه المصطلحات التي وصفها الشاعر الأمير ابن المعتز.

[20] ابن المعتز من أوائل من فطنوا إلى الجناس، ولكنه ليس أول من استعمل اللفظة، فهو يعترف في كتابه بالسبق فيه للخليل والأصمعي ت211هجري.

[21] انظر: كتاب البديع ،  أبو العباس عبدالله بن المعتز، تقديم وشرح وتحقيق :محمد عبد المنعم خفاجي ،دار الجيل، بيروت، د. ط ،1990م: 25.

[22] البلاغة : تطور وتاريخ، د. شوقي ضيف ،دار المعارف ،القاهرة ،ط8 ،1990م: 69-70.

[23] انظر: كتاب البديع: 58

[24] انظر: المصدر السابق: 59_60

[25]هو أبو الحسن محمد بن أحمد ،ينتهي نسبه إلى سيدنا علي بن أبي طالب-كرم الله وجهه- و طباطبا لقب لأحد جدوده (إبراهيم)،وكان ينطق القاف طاءً. هو شاعر مفلق و عالم محقق، شائع الشعر ،نبيه الذكر، مشهور بالذكاء والفطنة وصفاء القريحة وصحة الذهن وجودة المقاصد.

[26]المصاع :المضاربة والمجالدة. اللسان(مادة : مصع).

[27] عيار الشعر ، ابن طباطبا العلوي، تحقيق: د. طه الحاج ريود. زغلول سلام، المكتبة التجارية،القاهرة،ط1 ،1956م :45-49.

[28]هو أبو بكر محمد بن يحيى، و جدّه صول كان ملكاً بجرجان وكان حسن المعرفة بأخبار الملوك وأيام الخلفاء. كما كان واسع الحفظ ،كثير المحفوظ ،جيد الاعتقاد، حسن الطريقة، أديباً ، أخبارياً، عالماً بأيام الناس. وله خزانة أفردها لما جمع من الكتب التي كان حاذقاً بتصنيفها.

[29] أدب الكاتب، عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، تحقيق: محمد الدالي، مؤسسة الرسالة،بيروت،ط2، 1999م :134.

[30] هو قدامة بن جعفر بن قدامة بن زياد. كان نصرانياً فأسلم على يد المكتفي بالله. كان وافر الأدب، حسن المعرفة ،له مصنفات.

[31]انظر: نقد الشعر ، قدامة بن جعفر، تحقيق :محمد عبد المنعم خفاجي ،مكتبة الكليات الأزهرية،القاهرة،ط1 ،1978م:61.

[32] انظر: المصدر السابق:144

[33] انظر: المصدر السابق:150.

[34] المصدر السابق:152-153.

[35] هو أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي الأصل، البصري المنشأ. قدم بغداد، واختلف إلى مجالس علمائها، وأخذ عنهم اللغة والنحو والأدب ،ثم عاد إلى البصرة، كان إماماً في الأدب، وله شعر حسن، واتساع تام في علم الشعر روايةً و درايةً وحفظاً.

[36] الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري ،الحسن بن بشر الآمدي ، الجزءان الأول والثاني ،تحقيق :السيد أحمد صقر، دار المعارف ،مصر، ط1، 1965 ،ط2 ، 1972 م. الجزء الثالث، تحقيق: عبدالله حمد محارب ،مكتبة الخانجي ،القاهرة ،ط1 ،1990م: 1/424.

[37] المصدر السابق:3/313.

[38] هو أبو عبيد الله محمد بن عمران بن موسى، من بيت رئاسة ونفاسة ،كان راوية، أخبارياً، فاضلاً، مكثراً، مصنفاً، جميل التصانيف، حسن الترتيب لما يجمعه، و كان من خيار المعتزلة ، وقد صنف كتاباً كبيراً في أخبارهم .وقد اتهم بالتشيع.

[39] انظر: الموشح، أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني ،تحقيق: علي محمد البجاوي ،دار نهضة مصر ،القاهرة ،ط1 ،1965م:471.

[40] انظر: المصدر السابق:126.

[41]انظر: المصدر السابق:124،205.

[42] الرماني يعتبر في تاريخ النحو العربي من أتباع مدرسة البصرة ومنهجها في دراسة النحو واللغة، بما اشتهر عنها وعلى رأسها سيبويه من تحليل للظواهر اللغوية وتفسير لما يقع فيها من أبنية ،سواء أكانت تمثيلاً لا يتكلم به أم مستعملة جارية في كلام الناس.

[43] يُنظر : النكت في إعجاز القرآن، أبو الحسن علي بن عيسى الرماني ،تحقيق :محمد خلف الله ومحمد زغلول سلام، دار المعارف ،القاهرة ، الطبعة الأولى،1968م.:97-98.

[44]يُنظر: بلاغة الوفرة وبلاغة الندرة، نور الهدى باديس ،المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2008م:10.

[45] النكت في إعجاز القرآن:76.

[46] انظر: النكت في إعجاز القرآن:76.

[47] هو أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني الفقيه الشافعي. كان أديباً ، شاعراً ،مؤرخاً ،مفسراً، خطاطاً ،كاتباً .سمع الحديث، وترقى في العلوم ،و كان قاضي الري أيام الصاحب بن عباد.

[48]هو الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري اللغوي، من ترجم له أثنى عليه ووصفه بالعلم والفقه معاً، جمع إلى ذلك التفسير والنحو واللغة والأمثال والنوادر والبلاغة والنقد . وكان يغلب عليه الأدب والشعر.

[49]يُنظر: فن البلاغة، د. حسين عبد القادر، عالم الكتب ،بيروت ،ط2 ،1984م:40 وما بعدها.

[50] انظر: كتاب الصناعتين الكتابة والشعر، أبو هلال العسكري، تحقيق علي محمد الجباوي-محمد أبو الفضل إبراهيم، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركائه،ط2،د.ت:199

[51] انظر: المصدر السابق:45

[52] انظر: المصدر السابق:387

[53] انظر: المصدر السابق:395

[54] انظر: المصدر السابق:410

[55] انظر: المصدر السابق:175،وقد ذكره الرماني في النكت في إعجاز القرآن :76.

[56] انظر: المصدر السابق:181-188،وقد ذكره الرماني في النكت في إعجاز القرآن :76.

[57] منها قول عروة بن الورد: عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم  ومقتلهم عند الوغى كان أعذرا ،يعني :إذ يقتلون نفوسهم في السلم.

[58] انظر: المصدر السابق:173-190.

[59] كتاب الصناعتين الكتابة والشعر :175.

[60]  سورة البقرة:179.

[61]  كتاب الصناعتين الكتابة والشعر:316. انظر أيضاً: ديوان طرفة بن العبد بشرح الأعلم الشنتمري، تحقيق : درية الخطيب-لطفي الصقال ، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، 1975م:66.

[62]  سورة يوسف: 82

[63]  سورة البقرة:93

[64]  سورة يونس:71

[65]  كتاب الصناعتين الكتابة والشعر:187

[66]  سر الفصاحة ، محمد بن عبد الله بن سعيد بن سنان الخفاجي(ت466هجري)، تحقيق : عبد الواحد شعلان ، دار قبا للطباعة والنشر ، 2000م: 315.

[67]  المصدر السابق:315.

[68] المصدر السابق:307.

[69]  المصدر السابق:311.

[70]  المصدر السابق: 179

[71]  سر الفصاحة:312.

[72]  انظر: المصدر السابق:314. انظر: النكت في إعجاز القرآن:76.

ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، الرماني والخطابي وعبد القاهر الجرجاني، تحقيق: محمد خلف الله أحمد ود.محمد زغلول سلام، دار المعارف، القاهرة، د.ط، 2008م.

[73]  البيت ضمن قصيدة للإمام علي بن أبي طالب من الشعر المنسوب إلى الإمام علي بن أبي طالب ، جمع و شرح : عبد العزيز سيد الأهل، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى ، 1950م: من البيت : وقيمة المرءِ ما قد كان يحسنه  والجاهلون لأهل العلم أعداءُ.

[74]  سر الفصاحة:316.

[75]  ديوان امرئ القيس، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، دار المعارف ، مصر ، ط3، 1969م:89.

[76]  سر الفصاحة:318.

[77]  ديوان الشريف الرضي، طبعة وزارة الإرشاد، إيران :2 / 39.

[78]  سر الفصاحة:319.

[79]    سورة الرعد:3

[80] سر الفصاحة:313.

[81]  سورة الزمر: 73

[82] سر الفصاحة:313.

[83]  سورة يوسف:82

[84]  سر الفصاحة:313.

[85]  ديوان الشماخ بن ضرار الذبياني ، حققه وشرحه : صلاح الدين الهادي، دار المعارف، مصر، د.ت: 33

[86]  ديوان بشر بن حازم الأسدي، شرح الدكتور صلاح الدين الهوادري ، دار مكتبة الهلال، طبعة 1997م:222.

[87]  سر الفصاحة:325.

[88]  انظر: العمدة في محاسن الشعر وآدابه ، ابن رشيق القيرواني ، تحقيق د. محمد قزقزان ، دار المعرفة ، الطبعة الأولى، 1408 هجري: 1/ 639

[89]  انظر: المصدر السابق: 1/ 346.

[90]  انظر: المصدر السابق: 1/ 661

[91]  انظر: المصدر السابق: 1/ 446.

[92]  المصدر السابق: 1/ 346.

[93]  العمدة في محاسن الشعر وآدابه: 1/ 431. وانظر : ثلاث رسائل في الإعجاز : مصدر سابق  ص76 وما بعدها .

[94]هو عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني، واضع علم البلاغة ،وكان من أئمة اللغة ،من أهل جرجان(بين طبرستان وخراسان) له شعر رقيق، أشهر كتبه(أسرار البلاغة)و (دلائل الإعجاز).

[95] انظر: دلائل الإعجاز تأليف: عبد القاهر الجرجاني ، تعليق :محمود شاكر، مكتبة الخانجي،القاهرة،ط1 ،1984م:463

[96]انظر: دلائل الإعجاز:146_147

[97]انظر: المصدر السابق:328

[98] انظر: المصدر السابق:463

[99] نفسه

[100]  سورة الزمر: 73

[101] انظر: دلائل الإعجاز تأليف: عبد القاهر الجرجاني ، تعليق :محمود شاكر، مكتبة الخانجي،القاهرة،ط1 ،1984م:463

[102]هو محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشري جار إليه أبو القاسم ،من أئمة العلم في الدين والتفسير واللغة و الأدب ،ولد في زمخشر من قرى خوارزم وسافر إلى مكة ،فجاور بها زمناً فلقب بجار الله، ثم عاد إلى الجرجانية وتوفي بها. من كتبه (الكشاف)و(أساس البلاغة)و(المفصل).

[103] انظر: مع البلاغة العربية في تاريخها، محمد علي سلطاني، دار المأمون،دمشق،ط1 ،1978-1979م: 198. انظر أيضاً: البلاغة تطور وتاريخ: 220. وانظر: الموجز في تاريخ البلاغة، أ. د. مازن المبارك ،دار الفكر ،دمشق ،ط2 ،1981م: 105،انظر أيضاً : مدارس البلاغة المعاصرة، مصطفى صادق الجويني ،دار المعرفة الجامعية، إسكندرية، الطبعة الأولى، 1995م: 109.

[104] انصرف الزمخشري في معجم أساس البلاغة إلى تقصي المعاني المجازية ،ولكنه لم يتوسع في شرح هذا المصطلح وفق مصطلحات البلاغيين ،مع أنه أحياناً يأتي بعبارات صريحة ندرك من خلالها تقدير الزمخشري لمصطلح المجاز العقلي أو المجاز المفرد المرسل وعلاقاتهما ..كما تحدث الزمخشري في أساس البلاغة عن التشبيه ،واستخدم لفظ الاستعارة ،وتحدث عن الكناية.

[105] انظر: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجه التأويل ، أبي القاسم الزمخشري (538هجري) ، دار الكتاب العربي ، بيروت، د. ط ، د.ت: 3/ 49

[106] انظر: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجه التأويل: 3/ 49.

ومن الآيات البديعة، التي جمعت بين الإيجاز والإطناب، في أسلوب رفيع من النظم بديع، قول الله تعالى:

﴿ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (النمل: 18).

وقال الزمخشري:” كرر النداء في القرآن بـ ﴿يَا أَيُّهَا﴾، دون غيره؛ لأن فيه أوجهاً من التأكيد، وأسباباً من المبالغة؛ منها: ما في {يا} من التأكيد، والتنبيه، وما في {ها} من التنبيه، وما في التدرُّج من الإبهام في {أيّ} إلى التوضيح. والمقام يناسبه المبالغة، والتأكيد “.وأما الإيجاز فنلحظه فيما جمعت هذه النملة في قولها من أجناس الكلام؛ فقد جمعت أحد عشر جنساً: النداء، والكناية، والتنبيه، والتسمية، والأمر، والقصص، والتحذير، والتخصيص، والتعميم، والإشارة، والعذر. فالنداء:{يا}. والكناية:{أيُّ}. والتنبيه:{ها}. والتسمية:{النمل}. والأمر:{ادخلوا}. والقصص:{مساكنكم}. والتحذير:{لا يحطمنكم}. والتخصيص:{سليمان}. والتعميم:{جنوده}. والإشارة:{ هم}. والعذر:{لا يشعرون}. فأدَّت هذه النملة بذلك خمسة حقوق: حق الله تعالى، وحق رسوله، وحقها، وحق رعيتها، وحق الجنود.

[107] هو محمد بن عمر بن الحسين الرازي ،أبو عبد الله، الإمام المفسر، أصله من طبرستان ومولده في الريّ، وتوفي في هراة ،وكان يحسن الفارسية، من تصانيفه (مفاتيح الغيب) في تفسير القرآن ،و(أسرار التنزيل)،(نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز)،وله شعر بالعربية والفارسية.

[108] انظر: البلاغة العربية، سعد سليمان حمودة، دار المعرفة الجامعية،مصر،1996م: 221.وانظر: البلاغة :تطور وتاريخ: 273.  انظر: الموجز في تاريخ البلاغة: 110. انظر: مع البلاغة في تاريخها: 199.

[109] قسم السكاكي كتابه إلى ثلاثة أقسام، وقد أشار إلى هذا في المقدمة: القسم الأول: في علم الصرف والقسم الثاني: في علم النحو والقسم الثالث : في علمي المعاني والبيان. وعقد في نهاية الكتاب تكملة و فنيين في الشعر وغرضه، وفي الأوزان والبحور، ثم ختم “مفتاح العلوم” ب”إرشاد الضلال” حيث تكلم من خلاله على مطاعن الكفرة على القرآن الكريم، ورده عليهم وإبطال كلامهم. والسكاكي: هو يوسف بن أبي بكر بن علي السكاكي، عالم بالعربية والأدب ،مولده ووفاته بخوارزم ، من كتبه (مفتاح العلوم)و(رسالة في علم المناظرة)

[110] القسم الثالث من المفتاح هو القسم الذي طارت شهرته وعمّ صيته وكثر عليه التلخيص و الشرح، و قد قسم السكاكي قسم البلاغة إلى مقدمة عرّف من خلالها علمي المعاني و البيان ثم حدّدهما في فصلين. الفصل الأول :في ضبط معاقد علم المعاني و الكلام عليه. انظر: مفتاح العلوم، السكاكي ،تحقيق: عبد الحميد هنداوي ،دار الكتب العلمية،بيروت،ط1 ،2000م:161-163، والفصل الثاني: في علم البيان. انظر: مفتاح العلوم :329، ثمّ قدّم لنا، بحثاً موجزاً في علم البديع، انظر :مفتاح العلوم :423.

[111]السكاكي عاصر المذهب الكلامي، وكان معتزلياً كثير المنطق والفلسفة، اتسم أسلوبه بالجفاف والقساوة ،و كثرت الجمل التي تحتاج إلى الشرح والتحليل لفهم المعنى المراد. وعليه فالأسلوب أسلوب عالم والمنهج منهج عالم، توخى الحذر و الدقة في عمله.

[112]البلاغة عند السكاكي، د .أحمد مطلوب ،بغداد ،مكتبة النهضة، الطبعة الأولى،1964م:121.

[113] المصدر السابق: المقدمة.

[114] انظر :المصدر السابق :197 وما بعدها.

[115] هو نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري ،وزير ،من العلماء الكتاب المرسلين، ولد في جزيرة ابن عمر، وتعلم بالموصل ،وتوفي في بغداد له(المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر)و(المعاني المخترعة) وغيرهما.

[116] انظر: المثل السائر، ضياء الدين أبو الفتح نصرالله بن محمد بن عبد الكريم الموصلي الشافعي ،تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت 1999م:1/324.

[117]انظر: مدارس البلاغة المعاصرة: 268.

[118]ينظر: الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور ،ضياء الدين ابن الأثير ،تحقيق :الدكتور مصطفى جواد والدكتور جميل سعيد، بغداد، الطبعة الأولى،1956م:122-146 ،و المثل السائر: 2/265،354.

[119] هو محمد بن عبد الرحمن بن عمر القزويني ،قاض، من أدباء الفقهاء ،أصله من قزوين ،ومولده بالموصل ،أشهر كتبه :تلخيص المفتاح في المعاني والبيان.

[120]  انظر: الإيضاح في علوم البلاغة، جلال الدين محمد بن عبد الرحمن بن عمر القزويني، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، مؤسسة المختار للنشر والتوزيع ،ط2 ،2004م: 1/ 234

[121]  انظر :المصدر السابق: 1/ 234 وما بعدها


Updated: 2018-10-10 — 08:41

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme