خصائص شعر الخوارج Characteristics of Kharij poetry


خصائص شعر الخوارج

Characteristics of Kharij poetry

الدكتور: يوسف محمد توتو محمد علي ـ كلية الآداب ـ جامعة السلام- السودان

الدكتور: يوسف محمد أبكر أحمد–كلية العلوم الإسلامية واللغة العربية – جامعة غرب كردفان –السودان

مقال نشر في  مجلة جيل الدراسات الادبية والفكرية العدد 49الصفحة 21.

 

 

  مستلخص الدِّراسة

  هدفتْ الدِّراسة إلى التعرُّف على الخصائص الفنيِّة لشعر الخوارج ، اتبعتْ الدِّراسة المنهج الوصفي التحليلي   بالإضافة إلى المنهج الاستقرائي الاستنباطي ، توصلت إلى نتائج منها: التزام شعر الخوارج في إطار عقيدتهم ، خروجه أحياناً من قيود الوزن والقافية ، خلوّه من الغزل ،  جاء أغلبه في صورة مقطوعات ، جاء مدحهم على صورة ثناء وتمجيد لأصحابهم ومذهبهم ، استخدام الألفاظ والأساليب القرآنية ،قصيدتهم متحدة الموضوع ، توصي الدِّراسة بضرورة تناول مفهوم الموت والحياة في شعر الخوارج .

 

Abstract

   The paper aimed at recognizing the technical aspects of the poetry of Khwarij. The paper used the descriptive analytical approach; in addition, to the deductive method. The paper attained to these results: Khwarij poetry obligated the boundaries of religion, it sometimes even out of the commitment of rhyme and metrical system. No attraction is appeared in their poetry; most of them are shown as appreciation for the owners and verses. Their use of appeal is illustrated as thanks and assessment for the owners. The paper recommended the concept of death and life as an essence of this type of poetries

     

 

مقدمة

           الحمدلله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام ، ورضي الله عن أصحابه الأخيار وبعد :

   جاءت هذه الدراسة بعنوان : (خصائص شعر الخوارج) ، و من  المعروف أنّ الخوارج من أهمّ الفرق التي نشأت في العصر الأموِي وكان لها أدباً مهماً أثرى الأدب العربي في ذلك العهد من تأريخ الأدب العربي .

أهميّة الدراسة : تكمن أهميّة الدراسة في تناولها ، شعر طائفة من أهمّ الطوائف إثراءً للحياة الأدبية نظراً لحياتهم التي عاشوها وترجمها أدبهم ترجمةً حرفية لأنّ شعراء تلك الطائفة هم زعماؤها .

أسباب اختيار الموضوع :

تتمثّل أسباب اختيار موضوع الدراسة في الآتي :

  1. إهمال المصادر القديمة لشعر الخوارج إهمالاً نسبياً ، تعمداً أو نسياناً على الرغم من إهتمامها بمعاركهم الحربيّة .
  2. إهمال الرواة لشعر الخوارج ، لأنّه في طابعه يخلو من بعض الأغراض التي يتخذونها حرفةً وتكسباً ، إذ أنّه وسيلة آنية لشحذ الهمم وإيقاظ المشاعر.
  3. 3. الوقوف على خصائص شعر الخوارج الذي هو نتاج تجربة حية تغلب عليه الصراحة والجرأة خلافاً لشعر الفرق والمذاهب التي عاصرتهم.

منهج الدِّراسة : اتبِعت  الدراسة المنهج الاستقرائي الاستنباطي حيث عمدت  لدراسة النصوص الشعرية ، بالإضافة إلى المنهج الوصفي التحليلي .

الدراسات السابقة :

1-خصائص شعر الخوارج عمران بن حطان أنموذجا -عبد الله أبو بكر البيوضي.

2- سمات شعر الخوارج (مقال)- جمانة صوان

3-آثار الخوارج الشعرية:دراسة تحليلية نقدية-عاصم شحادة علي وبدري نجيب زبير.

4-صورة الشراة في شعر الخوارج-أحمد فليح وعزمي الصالحي.

   فضلاً عن  بعض الكتب المؤلفة في شعر الخوارج مثل كتاب شعر الخوارج لصميدعي جاسم محمد وكتاب ديوان شعر الخوارج لإحسان عباس وغيرها.

مشكلة الدراسة : عالجت الدراسة جملة الخصائص التي تميَّز بها شعر الخوارج .

هيكل الدراسة : اقتضت طبيعة الدراسة أنْ تأتي على ثلاثة مباحث احتوت على تسع نقاط ، فكان المبحث الأول قد تناول ثلاث نقاط هي :

1-التقيد بأسس وتعاليم المذهب.

2-الإفراط في تناول قضية التحكيم.

3-التشابه في الشخصيت والاغراض والمعاني

أما المبحث الثاني فقد احتوى على  ثلاث نقاط أيضاً هي:

1-ثورية شعر الخوارج.

2-الواقعية والوضوح.

3-بنية القصيدة.

أما المبحث الثالث فقد احتوى على ثلاث نقاط أيضاً هي:

1-الجراة والصراحة.

2-الجزالة وقوة الأسلوب

3-وحدة الموضوع.

  ثم خاتمة حوت النتائج والتوصيات التي توصلت إليها الدراسة

 

تمهيد

    الخوارج هم تلك الجماعة التي خرجتْ على الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه بعد موقعة صِفّين حينما قَبِل التحكيم بينه ومُعاوية بن أبي سُفيان ، لأنّهم كانوا يرفضون مسالة التحكيم جملةً وتفصيلاً مرددين مقولتهم الشهيرة “لا حكم إلّا لله”[1]، فخطّأوا الإمام علي رضي الله عنه ، بل وصفوه بالكفر لقبوله التحكيم ، وناصبوه العداء ، وكونوا حزباً ذا مبادئ وأهداف وآراء ومعتقدات مخالفة لجمهور المسلمين[2] ، خاصّة في أمر الخلافة ، والإقامة في ظل السلطان الجائر .

   وبناءً على تلك التعاليم قالوا بصحة خلافة أبي بكر وعمر لصحة انتخابهما ، وخلافة عثمان في سِنيه الأولى ، وأقرّوا بصحة خلافة عليّ بن أبي طالب ولكنهم قالوا إنّه أخطأ في التحكيم ، وحكموا بكفره لمّا حكّم[3]، بجانب آرائهم في بعض الصحابة ، خاصّةً أصحاب صِفين والجمل .

  ورأوا كذلك وجوب الخروج على السلطان الجائر ، بل مقاتلته مبررين حروبهم ضد بني أُميّة الأمر الذي جعلهم في حالة حرب دائماً ، تلك الحالة التي هوّنت عليهم الموت الذي اعتقدوا فيه إنّه غاية لنيل رضوان الله ودخول جنّاته ، ومن أجل ذلك خاطروا بأنفسهم ورغبوها في الموت بشعرهم وخطبهم حتّى هيأؤها لذلك فانشغلوا بالقتال المتواصل ضد من خالفهم الرأي والمعتقد .

شعر الخوارج:

   إنّ شعر الخوارج خلاصة تجربة حيّة ، وصدى لمزايا الشاعر الخارجي الذي تغلب عليه الصراحة والجُرْأة في القول والفعل ، منطلقاً من أفكارهم التي تنبع في أصولها من القرآن الكريم ولكنهم تطرفوا وغالوا في الدين فأخذوا جانباً وأهملوا آخر حتّى كأنّهم يرفضون الحياة الدنيا ويرفضون التمتع بما فيها من نعمٍ أحلّها الله لعباده فأعرضوا عنها ونبذوها[4] ، فالشاعر الخارجي يبيع نفسه لله ويؤثر الموت من أجل الحياة المرتبطة بالقيمة وبهذا يجعل الموت وجهاً آخر يقود إلى الخلاص[5] ، فجاء شعرهم ترجمةً واقعيّة لتلك الحياة ، ووردت في شعر الحرب عندهم إرادة قوية وعزيمة صلبة لا تلين وروح جبّارة كقول شاعرهم مرداس بن أُديّه[6]:

ولكننا نلـــــــــــــــــــــــــــقى القَنَا بنحورنا     وبالهام نلقى كل أبيضٍ ذي أثرِ

إذا جشأتْ نفس الجبان وهللّت   صبرنا ولو كان القيامُ على الجمرِ

    والمتأمِّل لشعر الخوارج يلاحظ عليه خصائص قلّما توجد عند شعراء الأحزاب والمذاهب التي وجدت في عصرهم  كالتشابه والتداخل الكبير في شعرهم لدرجة يصعب معها تمييز أغراضه بحيث تصلح الأبيات الشعرية لأكثر من غرض  مع ملاحظة عدم تغطية شعرهم لكل أغراض الشعر في عصرهم  ، فجاء شعرهم خالياً من الغزل إلا ما أورده قطري بن الفجاءة من أبياتٍ في التغزل بزوجه أم حكيم في يوم دولاب  حين قال:

لَعَمْرُك إنِّي في الحياةِ لزاهــــــــــــــــــــدٌ    وفي العيشِ ما لم ألق أُمُّ حكيمِ

مِن الخَفراتِ البيضِ لم يُرَ مثلها    شفــــــــــــــــــــــــاءً بثٍّ ولا لسقــــــــــــــــــــــــــيمِ

لعمـــــــــــــــــــرك إنِّي يوم ألطم وجهها   على نائباتِ الدهـــــــــــــــــــــر جدُّ لئيمِ

ولو شهدتني يوم دولابَ أبصرتْ   طَعَانَ فتىً في الحربِ غير ذميمِ[7]

  ويدور شعر الخوارج كله من حيث الأغراض حول مذهبهم الخارجي بشقيه ( الديني والسياسي) ، ورجاله وحروبهم، ورثاء قتلاهم ، وتلك الخصائص تتمثّل في الآتي :

  • المبحث الأول:تقيدهم بمذهبهم وبعض قضاياهم وتشابه شعرهم
  • أولاً :تقيده بأُسس وتعاليم مذهبهم في صورته العامة:

  المتتبِّع لشعر الخوارج يلاحظ تقيّده في إطاره العام بأُسس ومبادئ مذهبهم الدينية والسياسية على الرغم من تفرقهم إلى فِرق ومذاهب كالخروج على السلطان الجائر ، ومن ذلك قول عمران بن حطِّان:

حتّى متى لا نرى عدلاً نعيش به    ولا نرى لدعاة الحــــــــــــق أعوانا[8].

  هذا التساؤل الذي أبداه الشاعر يدل على التحريض ضد السلطان بدليل ذكره في صدر البيت انعدام العدل والذي ترتب عليه عدم وجود دعاة الحق ، وفي قوله :(حتّى متى) ثورة على هذه الحال ، ومن ذلك أيضاً قول أبي بلال مرداس بن أُديه:

وقد أظهر الجور الولاة وأجمعوا     على ظلم أهل الحق بالغدر والكفر[9]

وفي ذلك أيضاً قول سمرة الليثي:

وحسبي من الدُّنيا دِلاصٌ حصينةٌ    ومَغْفَرها يوماً وصــــدرُ قناةِ

وأجردُ محبوكُ السِّــــــــــــــــــــــراةِ مقلّصٌ    شديدُ أعاليه وَعشــــــْرُ شُــــــراةِ

فأبْلغ منه حاجـــــــــــــــــــــــتي وبصيرتي    وأشْفي نفسي من ولاة طُغاةِ[10]

 ومن أسس تقيدهم بتعاليم مذهبهم ، وصفهم لمرتكب الكبيرة بالكفر وفي شعرهم نماذج كثيرة ، ومن تلك المبادئ أيضاً تمسكهم بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أفرطوا ذكر الأشعار بخصوصه  ، يقول عبدالله بن وهب الراسبي:

نقاتلكم كَيْ تَلْزَمُوا الحَقَّ وَحْدَهُ       ونَضْرِبــُكـُمْ حَتّـــَى يـــَكُــونُ لَنَا الحُكْـــمُ

فَإنْ تَبْتَغُوا حُكْمَ الإلهِ نَكُنْ لكُمْ       إذَا مَا اصطَلَحْنَا الحَقُّ الأمْنُ والسِّلْمُ

و الاَّ فــــإن المـشـــــرفَّيـة محـــــــــــذٍم           بأيـــدي رجــاٍل فيهُم الديــــنُ والعلــــــُم[11]

فضلاً عن إلتزامهم حرفية الكتاب والسًنّة ولم يتعمّقوا في التأويل .

ثانياً: إفراطه في تناول قضيتي التحكيم والشراية :

  هاتان القضيتان من القضايا المذهبية ذات الطابع السياسي في مذهب الخوارج وتراثهم إذْ استحوذتا قضيّة التحكيم وموقفهم منه ، ولقضيّة الشراية مساحة واسعة في نفوس الخوارج وفكرهم ، الأمر الذي أدي إلى اصطباغ حياتهم بصبغة الإيمان العميق والعقيدة القوية ، وبذلك كان شعورهم الديني غير شعور المتفلسفين أو المفكرين ، بل شعور الأعراب الذين لم يدرسوا أو يبحثوا ، بل آمنوا بتعصبٍ واندفاع ، لأنّ ذلك جزءً من تكوينهم وطبيعتهم ، لذلك امتلأ شعرهم بالواقع الديني القوي .

  • قضيِّة التحكيم وما ترتب عليها من ثورة:

    استحوذت تلك القضيّة التي وافق عليها الإمام عليّ كرّم الله وجهه على الأفكار السياسية والأدبية في حياة الخوارج مما قادهم إلى إعلان الثورة المسلّحة على الإمام علي ومن شايعه ، ورميهم بالكُفر ومفارقتهم ، والتبرّؤ منهم ولعنهم ، ثُم إعلان الحرب عليهم ، كقول شاعرهم فروة بن نوفل:

وفـــــــارقنا أبا حســــــــــــنٍ عليّاً    فما من رجعةٍ إحدى الليالي

فحكّم في كتاب الله عمْراً    وذاك الأشعري أخا الضلال[12]

   فهو يعلن أنّ فراقهم لعلي وشيعته فراقاً أبدياً لا رجعة عنه لأنّه حكّم الرجال من أهل الضلال ، ويقصد بأولئك الرجال أبا موسى الأشعري رضي الله عنه من طرف الإمام علي ، وعمْراً بن العاص من طرف مُعاوية بن أبي سُفيان.

ومن ذلك أيضاً رجز شُريح بن أبي أوفى يوم النهروان:

أقتلهــــــــــــــــــــــــــــم ولا أرى علــــــــــــــــيّاً

ولـــــــــــو بدا أوْ جــــــــــــــرته الخطيّا[13]

ولم يكن موقف الخوارج من علي وأصحابه مقاتلته فحسب ، بل تبرأوا منه ولعنوا صحابته كقول أحدهم:

أبرأ إلى الله من عمروٍ وشيعته    ومن عليِّ ومن أصحاب صفين

ومن مُعاوية الطاغي وشيعته     لا بارك الله في القوم الملاعين[14]

  • قضية الشراية والخروج:

  فرض الخوارج على أنفسهم الخروج ، الذي أوجب عليهم مقاتلة من خالفهم من المسلمين الذين ضلّوا عن الصواب حسب رأيهم، فحرصوا على شراء أنفسهم في سبيل الله ونيل رضوانه والفوز بجنانه، وتلك غاية تلتقي فيها أحلام كل خارجي ،  حيث يقول الصحاري بن شبيب الخارجي:

إننيّ شارٍ بنفسي لربي     تاركٌ قيلاً لــــــــــــــــــــديهم وقالا

بائعٌ أهلي ومالي أرجو    في جنان الخلد أهلاً ومالا[15]

ويقول عِمران بن حطّان مخاطباً زوحته:

إنْ كنت كارهةً للموت فارتحلي    ثم اطلبي أهل أرضٍ لا يموتونا

فلستِ واجــــــــــــــدةٍ أرضاً بها بشرٌ     إلّا يروحون أفـــــــــــــــواجاً ويغدونا

إلى القبور فما تنفك أربعــــــــــــــــــــة    تدني سريراً إلى لحـــــــــــــــــد يمشونا

يا جمر ، قد مات مرداس وإخوته   وقبل موتهم مـــــــــــــــــات النبيونا[16]

  ويُعدُّ الشاعر قطري بن الفجاءة أكثر ما تتمثل فيه صورة البطل الخارجي المحب للموت ، وكان طلبه للموت رغبة في شراية نفسه قاده لشجاعةٍ أصبحت مضرب الأمثال حتّى قيل:”ما استحيا شجاع أن يفر من عبدالله بن حازم السلمي وقطري بن الفجاءة”[17]، وتورد لنا الدواوين والمصادر حوار الشاعر مع نفسه وبث العزيمة في نفسٍ خائفة ذكرها بضمير الغائب”لها” وعنّفها تارةً ورغّبها أُخرى وصولاً إلى الخلود فقال:

أقول لها وقد طارت شَعاعاً      من الأبطال ويحك لن تُراعي

فإنك لو سألتِ بقاء يومٍ         على الأجل الذي لك لم تُطاعي

فصبراً في مجال الموت صبرا    فما نيل الخلود بمستطاع

ولا ثوب الحياةِ بثوب عزٍّ      فيُطوى عن أخي الخنع اليُراع

سبيل الموت غاية كل حيّ    فداعيه لأهل الأرض داعي

ومن لا يُعتَبط يسأم ويهرم     وتسْلِمه المنون إلى إنقطاع

وما للمرء خيرٌ في حياةٍ       إذا ما عُدّ من سَقَط المتاع[18].

      ويقول أبوبلال مرداس بن أدية في الخروج حين ألحّ ابن زياد في طلب الخوارج ، فعزم أبوبلال على الخروج :

إلهـــــــــــــــــــــــي هبْ لي زلفةً ووسيلةً     إليك فــــــــــــــــإني قد سئمتُ من الّدهر

وقد أظهر الجور الولاة وأجمعوا     على ظلم أهل الحق بالغدر والكفرِ

وفيك إلهي إنْ أردتَ مغـــــــــــــــــــــيرٌ     لكل الذي يأتــــــــــــــي إلينا بنو صخرِ

فقـــــد ضيّقوا الدُّنيا إلينا برُحبها       وتركــــــــــــــــــــــونا لا نقِرُّ من الزُّعــــــــــــــــرِ

فيا ربّ لا تُسْلِم ولا تك للــــــردى      وأيّدْهُمُ ياربّ بالنّصـــــــــــــــــــرِ والصّبرِ

ويسِّــــــــــــر لنا خيراً ولا تحــــــــرمنا      لِقاء ذويالإلحاد في عــــــــــــــــــــــــدد وتْرِ

فلسنا إذا جُمّعت جمـــوع عدونا      وجاءوا إلينا مثل طامية البحـــــــــــــــــــــر

نكفّ إذا جاشت إلينا بحورهـــــم      ولا بمهاييب نحـــــــــــــــــــــــــيد عــــــن البتر

وكنّا نلقــــــــــــــــى القـــــــــــنا بِنُحورنا       وبالهام نلقــــــــــــــــى كل أبيض ذي أثر

إذا جشأتْ نفس الجبان وهللّت     صبرنا ولـــــــو كان القيام على الجمر[19].

   هذه القصيدة تصف شجاعة الخوارج وثباتهم في الحروب التي كانوا يخوضونها ضد أعدائهم ، ويلاحظ أنّ صورة البطل عندهم تتصل بعقيدتهم لذلك يركزون على شجاعته ومقدرته على نيل الشهادة لا على الشجاعة التي تتصل بالأصالة والحسب والنّسب ، ويلاحظ كذلك إنهم لا يتحرجون في الحديث عن قتلاهم في المعارك ولا يتحرجون كذلك في هزائمهم بل جاء شعرهم في هذا الجانب في تمجيد الشهداء وتقوية الروح المعنوية ومواصلة القتال الذي يقودهم للشهادة التي شروا أنفسهم من أجلها.

   ونتج عن إلتزام شعر الشوارج في إطار عقيدتهم من خلال النماذج السابقة : إنّهم رغّبوا أنفسهم في الموت ، وحاربوا رغبات النفس بزهدها في الحياة ، ونقدوا عيوب الدولة والمجتمع ، ومدحوا صنيعهم ، وذلك ما أشار إليه أحمد معطية بقوله:”حاربوا رغبات النّفس ونزواتها ، إذا ما تعارضت مع مبادئ عقيدتهم ، ولعلّ إيمانهم الراسخ بحُسن الجزاء الذي سينالونه قد عمّق هذا التوجه نحو القيم والمُثل على حساب الحاجات الجسدية كالطعام والشراب والنّوم”[20].

    وبالتالي تميز شعرهم في هذا الجانب بأنْ صوّر بطولاتهم التي خاضوها في سبيل مذهبهم وأسسه ، وبيّن مدى شجاعتهم في الدفاع عنه ، واستهانتهم بالموت في سبيله ، حتّى أسلوبهم نلاحظ فيه الجزالة والقوة التي تناسب بأسهم وشدتهم وشجاعتهم ، ولعل قوة هذا الأسلوب ترجع إلى بداوتهم التي لم تفسدها الحضارة ، بجانب أنّهم لم يقتصروا في دعوتهم على اللسان فقط بل استصحبوا معهم اليسوف فجاءت عباراتهم تناصف تلك السيوف بأسها وقوتها ، وفي ذلك يقتبسون معانيهم من القرآن الكريم .

  • ثالثاً:التشابه في شخصياته وأغراضه ومعانيه :
  • التشابه في أغراضه:

      المتتبِّع لأغراض الشعر عند شعراء الخوارج أوّل ما يستوقفه فيها التشابه والتداخل الكبير بينها حتّى يستشهد بها لأكثر من غرض ، ويرجع ذلك إلى وحدة الهدف والمتمثل في خدمة مذهبهم والذي قاد إلى التشابه في شخصيات شعرائه ، فضلاً عن كونهم شعرائهم هم زعماء المذهب الخارجي نفسه ، الأمر الذي أعطى شعرهم صبغة مذهبية سياسية ، وأوّل ما يلاحظ على شعرهم ندرة الغزل إلاّ ما أورده قطري في تغزله بأم حكيم إذ يقول:

لعمرك إنيّ في الحياةِ لزاهدٌ وفي     العيش مالم ألْـــــــــــــــــــقَ أُمّ حكيم

من الخَفِرات البيضِ لم يُر مثلُها     شِفـــــــــــــــاءً لذي بثّ ولا لسقــــــــــــــيمِ

لعمرك إنِّي يوم ألطُم وجهَهَــــــــــــــــــــا    على نائباتِ الدّهـــــــــــــــــــــــرِ جِدُّ لئيمِ

ولو شهِدتني يومَ دولابَ أبصرتْ  طِعانَ فتىً في الحرب غير ذميم

ولو شهدتَنا يومَ ذاك وخــــــــــــــــــــــــــــيلنا   تُبيحُ من الكفــــــــــــــــــــــــــــــــــــــار كل حريمِ

رأتْ فتيةً باعــــــــــــــــــــــوا الإله نفوسهم   بجناتِ عَـــــــــــــــــــــــــــــدْنٍ عنده ونعيمِ[21] .

 وكثرة الرثاء فيه، وخلوه من المديح القائم على الرغبة في المال والتقرب من السلطان ، ومن صور التشابه في الأغراض عندهم:

  • التشابه بين الزهد والرّثاء:

  ويظهر ذلك جليّاً في رثاء الخوارج عندما يرثون قتلاهم ، فيذكرون كثرة عبادتهم والمغالاة فيها حتّى نحلت أجسامهم لدرجة أنّ الطير لم تجد ما تأكله ، فأصبحت هياكل ضامرة ، ومن ذلك قول فروة بن نوفل:

تظلُّ عتاق الطير تحجل حولهــــــــم    يُعللن أجســـــــــــــــــــــــــــاداً قليلاً لحومها

لِطافاً براها الصـــــــــــــوم حتّى كأنّها    سيوفٌ إذا ما الخيل تدمى كلومها[22]

فهذه الأبيات أُنشئت في الرثاء ولكنّ الشاعر ذكر فيها زهد أصحابه في الحياة واستصغار أمرها .

  • اختلاط المديح بالهجاء :

  ومن ذلك الشاعر عمران بن حطان يمدح ابن ملجم في فعلته الشنيعة حينما طعن الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ، وبالمقابل يهجو الإمام على ويصفه بشرِ الخلق إنساناً ، فقال:

لله درُّ المـــــــــــُرادي الذي سَفَكًتْ     كفّاه مُهجةَ شرِّ الخلق إنساناً

أمسى عشِيّةَ غشّـــــــــاه بضربته      ممـــــــّا جناه من الآثامِ عرياناً

يا ضربةً من تَقِيٍّ ما أراد بهــا    إلّا ليبلغ عند العـــــــرشِ رضوانا

إنِّي لأذكره يومــــــــــــــــــاً فـــــــــــــأحسُبُه    أوفـــــــى البريِّة عند الله ميزاناً

أكْرِم بقومٍ بطون الطّيرِ قبرهُم     لم يخلِطُوا دينهم بغياً وعُدواناً[23].

  • اختلاط المديح بالفخر :

  ومن ذلك قول عيسى بن فاتك يمتدح الخوارج ويفتخر بإنتمائهم لهذا المذهب الخارجي فيقول:

أبي الإسلام لا أب لي سواهُ    إذا فَخِروا ببكـــــــــــــــرٍ أو تميمِ

كــــلا الحيين ينصر مدعيــــه     ليلحقه بذي الحسب الصميمِ

                   وما حسبٌ ولو كرمت عروقٌ    ولكنّ التقي هو الكـــــــــــــــــريمُ[24].

ومن ذلك أيضاً قول ابن وهب الراسبي يوم النهروان يفتخر بنفسه ومذهبه ويهجو دولة بني أمية فيقول:

أنا ابن وهــــــــــب الراسبي الشاري

أضرب في القـــــــــــــــوم لأخذ الثار

حــــــــتّى تزول دولــــــــة الأشــــــــــــرار

ويرجـــــــــــــــع الحق إلى الأخــــــــــيار[25].

      وهنا ميزة جديرة بالانتباه ، وهي أنّ جملة أشعارهم على اتلاف شعرائها تتميز بوحدة الموضوع .

  التشابه في معانيه وشخصيات شعرائه:

     المتأمِّل لشعر الخوارج يلاحظ عليه التشابه الكبير في معانيه وذلك لأنّ مصدر تلك المعاني واحد هو القرآن الكريم وتعاليمه والتقيُّد بتلك التعاليم وفقاً لمذهبهم ، وهذا التشابه في المعاني أدّى إلى الى تباين أقوال الرواة في نسبة بعض المقطوعات إلى أصحابها الحقيقيين كما ورد في المصادر القديمة ، ومن ذلك ما أورده صاحب الأغاني في مقطوعة حماسية نسبها المبرد إلى قطري بن الفجاءة ، ونسبها االمدائني إلى صالح بن عبدالله العبْشمي ، وقال خالد بن خداش قائلها عمرو القنا ، وقال وهب بن جرير: بل قائلها هو حبيب بن سهم[26] .

     وهذا ما أشار إليه شوقي ضيف بقوله:”وملاحظة أخيرة في أشعارهم ، هي أنهم يُبدئون ويعيدون في معانيهم التي صورناها ، ولولا ما يلقانا فيها دائماً من صدق العاطفة وحرارة الشعور لأحسسنا في أثناء قراءتها بغير قليل من الملل والسأم ، ولعل هذا هو السبب في أنّ شخصاتهم الشعرية قلّما تمايزت أو تباينتْ ، وكأنّما هي صور متعددة من نمطٍ واحد ، صور متشابهة ، ومن ثمَّ أشكلت نسبة كثير منها إلى أصحابها الحقيقيين على الرواة ، فتارة ينسبونها إلى هذا الخارجي أو ذاك …[27]“.

   ومن أمثله ذلك التشابه ، قول ابن ميّاس المرادي في مقتل الإمام علي رضي الله عنه:

ونحنُ ضربنا ، يا لك الخيرُ حيدراً    أبا حسنٍ مأمومةً فتفطَّـــــــــــــــرا

ونحنُ حللنا مُلْكــــــهُ من نِظــــــــــــــــــامهِ   بضربةِ سيفٍ إذا علا وتجبّرا

ونحنُ كِرامٌ في الصباح أعِـــــــــــــــــــــزَّةٌ   إذا بالمـــــــــــــــوتِ ارتدى وتأَزَّرا[28].

وقد نسبها ابن أبي الحديد لابن ملجم[29] .

ومن ذلك قوله أيضاً ، أي أبي ميّاس:

ولم أَرَ مَهْراً ساقهُ ذو سماحةٍ   كمَهْرِ قطامٍ من فصيحٍ وأعجمِ

ثلاثةُ آلافٍ وعبْدٌ وقَــــــــــــــــــــــــيْنَةٌ   وضربُ عليّ بالحسام المصممِ

فلا مَهْرَ أغلى من عليّ وإن علا   ولا فتكَ دون فتك ابن ملجمِ[30] .

وقد نسب المبرد تلك الأبيات إلى ابن ملجم[31] ، ونسبها ابن أعثم للعبدي.[32]

   ومن ذلك أيضاً قول عبدالله بن أبي الحوساء الكلابي:

ما إنْ أُبالي إذا أرواحُنا قُبِضتْ    ماذا فعلتُم بأوصـــــــــــــــــــــــالٍ وأبْشارِ

تجري المجرّةُ والنَّسران على قدرٍ   والشمسُ والقمرُ الساري بمقدارِ

وقد علمتُ وخير القـــــــــــــولِ أنفعهُ   أنّ السعيد الذي ينجو من النَّارِ[33].

وقد نسب ابن عبدربه هذه الأبيات لفروة بن نوفل[34] .

    وقد أشكل عليهم حتّى نسبة بعض الأبيات في القصيدة الواحدة ، ومن ذلك البيتان الرابع والخامس من قصيدة قطري بن الفجاءة والتي يفتتحها بقوله:

لعمرك إنِّي في الحياة لزاهدٌ   وفي العيش ما لم ألق أُمّ حكيم

وقد نسب البلازري البيتان الرابع والخامس من تلك القصيدة لابن سهم التميمي[35] ، وهما:

ولو شهدتني يوم دولابَ أبصـــــــــــــرتْ   طعان فتىً في الحرب غير ذميم

غداة طقت على الماء بكرٍ بن وائل   وآلافها من حمـــــــــــــــــــــير وسلــــــــــــيم[36].

وغير ذلك كثير من الأبيات والقصائد التي أشكلت نسبتها لأكثر من باحث .

المبحث الثاني:الشعر الثوري الزهدي والوضوح والواقعية وبناء القصيدة

أولاً: إنّه شعر ثوري زهـــــــدي تظهر فيه قوة شخصية الشاعر:

    المتتبِّع لشعر الخوارج ومن خلال هدفه الرئيس المتمثل في خدمة مذهبهم والخروج على السلطان الجائر، فمن الطبيعي إنّه شعر ثوري حماسي غاضب ترافقه سيوفهم في غدوهم ورواحهم وإنّهم عاشوا للحرب من أجل عقيدتهم والتي أستعذبوا الموت من أجلها[37] ، وبالتالي جاء في جملته حماسياً تحركة العصبية المذهبية التي يعتقدون إنها تطابق تعاليم الدين ، فوصفوا من خالفهم بالكفر وأعلنوا الحرب عليه ، وبذلك أصبحت عقيدتهم مبدأ ثوري يدعوهم دائماً إلى الحرب والقتال[38] .

   وبالتالي جاء شعرهم ثائراً غاضباً من المجتمع الذي تمردوا على عاداته وتقاليده ومعتقداته وفقاً لمقتضيات مذهبهم وزاهداً في الحياة ، أمّا الدولة فقد خرجوا عليها وأعلنوا الحرب ضدها ، ومن نماذج ذلك الشعر الثوري الزاهد قول عِمران بن حطّان:

لقــــــــــــــــــــد زاد الحياة إليّ بغضاً     وحُبّاً للخـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــروجِ أبوبلال

أحاذر أنْ أموت على فراشي    وأرجو أن أموت تحت ذُرى العوالي

فمن يكُ همُّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه الدنيا     فإنِّي لها والله رب البيت قـــــــــــــــــــــالِي[39]

ومن نماذج ذلك أيضاً قول الرهين بن سهم المرادي:

يا نفسُ قد طال في الدنيا مراوغتي    لا تأمننّ لصرف الدّهر تنغيصا

إنّي لبائعُ ما يفنــــــــــــــــــــــــــــــى لباقيةٍ إنْ     لم يُعِقْنِي رجـــــاءُ العيشِ تربيصا

أخشى فجاءة قـــــــــــــــــوم أن تعاجلني     ولم أَرَ بطولِ العمـــــــــــــــــرِ تنقيصا

وأسأل الله بيع النّفــــــــــــــــــــس محتسباً     حتّى أُلاقي في الفردوس حرقوصا

وابن المنيح ومِرداساً وإخــــــــــــــــــــــــــوته     إذْ فارقوا زهــــــــــــرة الدنيا مخاميصا

تخــــــــــــــــــــــــــــالُ صفّهمُ في كل معتركٍ    للموتِ سوراً من البنيان مرصوصا[40]

ثانياً :الواقعية والوضوح:

   ومردُّ تلك الواقعية أنّ شعر الخوارج استمدّ مادته من حياتهم اليوميّة التي يعيشونها “أي واقعهم” ، فجاء واضحاً لا خفاء فيه ، بسيطاً لا غلو فيه ، بعيداً عن المبالغة ، صادقاً في تعبيراته ينقل الوقائع نقلاً أميناً خاصةً عندما يرثون قتلاهم ويقرون بهزيمتهم في الموجهات غير المتكافئة ، وهذا في رأينا لا يحتاج إلى نماذج توضيحية لأنّ ذلك ينطبق على جميع أشعار الخوارج دون استثناء.

   وبناءً على ذلك جاء شعرهم قوي الايقاع ، صادق العاطفة ، خالٍ من العصبية لجنس أو لون أو قبيلة ، لأنّ هدفهم إسلامي خالص .

ثالثاً: بنية القصيدة:

    وقد تغلب عليها المقطعات والأراجيز ، وخلوها من تقاليد القصيدة العربية القديمة،

  المتتبِّع لأشعار الخوارج يجد أنّها جاءت موجزة في غالبها ، بل جاء بعضاً منها بمعدل بيتاً يتيماً  ، وقد ذكر الباحث نايف معروف :”أنّ أربعة وخمسين شاعراً من الخوارج لم يتجاوز الواحد منهم القصيدة الواحدة ، وكانت مقطوعات تسعة منهم بمعدل بيت يتيم واحد ، وقصائد سبعة غيرهم بيتان ، وأكثر مقطوعات الآخرين في حدود بضعة أبيات ، ولم يتعد هذا العدد من الأبيات سوى أربع قصائد ، …”[41]. ومردُّ ذلك حياتهم المضطربة التي لا تناسب التطويل ومن ناحية أُخرى يدل ذلك على إلتزامهم بأفكارهم العقدية التي يعبرون عنها بالمقطعات ، مما جعلها محمكة المعني ، خالية من المقدمات الطللية ، ومن خلال التتبُّع والإستقراء يمكن تلخيص شعر الخوارج من حيث الشكل الوجيز في النقاط التالية :

  • 57 بيتاً يتيماً .
  • 44 أرجوزة .
  • 229 قطعةً .
  • 55 قصيدةً .

وقد بلغ عدد شعرائهم أكثر من خمسين شاعراً .

المبحث الثالث:صور فنية

أولاً: الجرأة والصراحة في معانيه:

   غلب على شعرهم الجرأة والصراحة في معانيه ، وذلك أنّ أغلب شعراء الخوارج جاءوا من البدو ، باستثناء قريش.

   وقد لخّص إحسان عباس صورة عامة لشعر الخوارج فقال:”لون من الشعر زهدي ثوري جامح ، يُكبر الإنسان الخارجي إكباراً شديداً ، لأنّ كل إنسان ذهب في سبيل العقيدة يعد شهيداً ، فهو المثل الأعلى في نظر أصحابه بعد استشهاده ، وهو الذي يستحق الرثاء والبكاء ، مثلما أنّ الجماعة الخارجية هي العصبة المثالية التي تمثل الحق ، فهي إذن تستحق المدح والثناء ، ومن ثم كان موضوع هذا الشعر هو الإنسان – الإنسان الخارجي على وجه التحديد- والمحرك الداخلي فيه هو روح التقوى المتطرفة ، فهو لذلك أدب قوي يزيد في قوته شدة التلازم بين المذهب الأدبي والحياة العملية “[42].

      إنّ شعر الخوارج قد تهيّأتْ له كل أسباب القوّة التي ميزته عن غيره ، وذلك انطلاقاً من معتقدهم الذي تهون دونه الحياة ، فهم يرون أن تسير الحياة حسب نصوص القرآن الكريم والسُّنة النبوية الشريفة ، ويجب أنْ يُعالج واقع المسلمين كما عالجه الخليفة الراشدعمر بن الخطاب ، فضلاً عن كونهم بدواً تيسرت لهم طلاقة اللسان ، الأمر الذي أعطى شعرهم طابعاً خاصّاً يختلف عن الفِرق والمذاهب التي وُجِدت في زمانهم ، فشعرهم هو شعر القوة والاستماتة في طلب الحق ونشره والتزامه والتضحية في سبيله إذ لا يجوز البقاء مع الانحراف عن العقيدة ، الأمر الذي طبع شعرهم بظاهرة الغضب للعقيدة التي نظروا للإنسان وقيمته في ضوؤها ، فجاء شعرهم جاداً لا يعرف الهزل والغزل والمجون ، حزيناً يبكي الميت بمنظور تلك العقيدة من أجل بث الحماس والثورة في الحي ، صادقاً ومنصفاً لا يعرف المحاباة ، إذْ أنّه ترجماناً لحياتهم التي قامت على الشدة .

    وهناك ملاحظة مهمة في شعرهم إنّه أكثر ما رُوِي لنا في العصر الأُموِي مقارنة بالعصر العبّاسي ، وربما قد يكون السبب في ذلك مقتل أغلب شعرائهم الذين هم زعماء المذهب وقادته في القتال الأمر الذي أدّى إلى ضعفهم في العصر العباسي ، أو أنّ حالهم قد استقر في العصر العباسي لانشغال العباسيين بالقضاء على دولة بني أمية ، أو كما قال أحمد أمين:”… أو أنّ مدوني الأدب في العصر العبّاسي أباحت لهم السياسة أنْ يرووا الأدب الخارجي الأُموي لأنّ هذا الأدب خصم للدولة الأُموية”[43].

    ونستخلص من كل تقدم أنّ شعر الخوارج قد اجتمعت فيه قوة العاطفة التي تحركها العصبية المذهبية ، فضلاً عن الأداة الصالحة للتعبير عن تلك العاطفة والمتمثلة في فطرتهم البدوية ، وفصاحة ألْسِنتهم ، وسرعة بديهتهم ، وأدائهم للمعنى بأوجز عبارة وأقوى لفظ ، فنطق شعرهم بالغضب على الدولة والمجتمع ، وقد لخصه أحمد أمين بقوله:”أمّا أدب الخوارج فأدب القوة ، أدب الاستماتة في طلب الحق ونشره ، وأدب التضحية فلا تستحق الحياة البقاء بجانب العقيدة ، وأدب التعبير البدوي الذي لا يتفلسف ولا يشتق المعاني ويولدها كما يفعل المعتزلة ، هو في بعض الأحيان أدب غضبان ، ولكنه ليس من جنس غضب الشيعة ، فالشيعة يغضبون لشخصٍ أو أشخاص ، ولكن الخوارج يغضبون للعقيدة ، وللإسلام عامة ، بقطع النظر عن الأشخاص ، وإن نظروا للأشخاص ففي ضوء العقيدة ، لا كما يفعل غيرهم من النظر إلى العقيدة في ضوء الأشخاص ، وقد يرثون ويبكون ، ولكنهم حتّى في رثائهم وبكائهم أقوياء ، يذرفون الدمع ليسفكوا الدم ، ويبكون الميِّت ليتشجع الحي ، ويؤبنون المفقود ليرسموا المثل الأعلى للموجود ، لا يعرفون هزلاً في الحياة ، فلا يعرفون هزلاً في الأدب ، ولا يعرفون خمراً ولا مجوناً ، فلا نجد في أدبهم خمراً ولا مجوناً ، إنّما يعرفون الجهاد والقتال والتربية المتزمِّتة القاسية التي تخرج رجالاً أقوياء لا يحرصون على الحياة ، فكذلك أدبهم[44]“.

ثانياً: الجزالة وقوة الأسلوب:

  يتميز شعرهم بالجزالة وقوة الأسلوب واستخدام العبارات ذات الطابع القوي المؤثر في نفس المتلقي وقد سهّل هذا الأمر سرعة الاستجابة لمذهبهم وتصديقهم ، من ذلك قول شاعرهم عيزار بن الأخنس الطائي السبنسي :

           يُــــنَــــادَونَ لا لا حُـــكـــــــمَ إلّا لِــــرَبِّنــَا    حَـنَانَـيْـكَ فَاغْــفــِرْ حَــوْبَنا والمَسَاوِيَا

           هُم فارقوا في اللهِ مَنْ جَارَ حُكْمُهُ   وكُـــلٌّ عَــــنِ الرَّحـمنِ أصْبَحَ رَاضِيا

           فلا وإلهِ النَّاسِ مَا هَابَ مَعْشَرٌ  عَلَى النَّهرِ فِي اللهِ الحُتُوفَ القَواضِيَا[45]

    فقوة العبارة تؤيد سلامة الطرح فاستخدام النفي والقسم والإثبات تقوى العبارة والطرح.

   ومن الشواهد النثرية في ذلك أن رجلاً منهم أتى عبد الملك بن مروان فبحثه، فرأى  منه ما شاء فهماً وعلماً، ورأى إرباً ودهياً،  وقد رغب فيه واستدعاه إلى الرجوع عن مذهبه، فقال الخارجي: لتغنك الأولى عن الثانية وقد قلت فسمعت ، فاسمع أقل، فجعل يبسط له من قول الخوارج ويزين له مذهبهم بلسان طلق، وألفاظ لجنة بينة، ومعانٍ قريبة، فقال عبدالملك بعد ذلك على معرفته: لقد كان يوقع في خاطري أن الجنة خلقت لهم، وأنا أولى بالجهاد منهم، ثم رجعت إلى ما ثَّبت الله عليَ من الحجة وقرر في قلبي من الحق فقلت له: لله الآخرة والدنيا، وقد سلطنا الله في الدنيا، ومكَّن لنا فيها، وأمر بقتله ثم خففه إلى السجن وقال: من شككني ووهمني حتى مالت بي عصمة الله، فغير بعيد أن يستهوي من بعدي. وكان عبدالملك من الرأي والعلم بموضع[46]

ثالثاً:وحدة الموضوع:

    كانت القصيدة القديمة مفككة الأوصال متنوعة الموضوعات ما بين نسيب وغزل ووصف أطلال وذكر الديار ثم المديح إن كان موضوعها المديح أو الهجاء إن كان موضوعها الهجاء،”فالشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب، وعدل بين هذه الأقسام”[47]  وهذا منهج متبع ” فليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين في هذه الأقسام”[48] ولكن شعراء الخوارج قد خرجوا عن هذه القيم البنيوية للقصيدة في ذلك الزمان لأنهم ليسوا في حاجة للنسيب أو الغزل أو الوصف وقد نادى منادي الجهاد فكانت قصائدهم لا تكاد تخرج عن فكرة واحدة وهي فكرة الحرب والقتال والشجاعة فكانت الحماسة هي الصفة الملازمة لشعرهم مع التزامهم الجانب الإسلامي، يقول الشلقاني:”شعرهم ذو أصالة عربية ودوافعهم إسلامية”[49]

 

الخاتمة:

           الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام علي سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم ، بعد استعراض خصائص شعر الخوارج واتباع المنهج الوصفي التحليلي ، توصلت الدراسة إلى نتائج وتوصيات على النحو التالي :

أولاً: النتائج :

  • التزام شعرهم في إطار عقيدتهم ومذهبهم الخارجي .
  • خلو شعرهم من الغزل .
  • خروجه من قيود الوزن والقافية وتقاليد القصيدة العربيّة القديمة .
  • جاء في شكل مقطوعات قصيرة .
  • استخدام أساليب وألفاظ القرآن الكريم في أشعارهم .
  • التشابه في أغراضه ومعانيه وألفاظه وشخصيات شعرائه ويرجع ذلك لوحدة أهدافه المتمثلة في خدمة مذهبهم .
  • انتماء شعراء الخوارج إلى جميع القبائل العربيِّة باستثناء قريش .

ثانياً : التوصيات :

  • التوصيات : توصي الدراسة بتناول مفهوم الموت والحياة في شعر الخوارج .

المصادر والمراجع

  1. القرآن الكريم .
  2. إحسان عبّاس : ديوان شعر الخوارج ، دار لشروق – بيروت ، الطبعة الرابعة 1982م.
  3. أحمد معيطة : الإسلام الخوارجي : دار الحوار – اللاذقية ، طبعة 2000م .
  4. أحمد أمين : ضُحى الإسلام ، المكتبة العصرية ، صيدا – بيروت ، الطبعة الأولى 2006م – 1427هـ.
  5. أحمد أمين : فجر الإسلام ، المكتبة العصريّة – بيروت ، طبعة 1429هـ – 2008م.
  6. الأصفهاني: أبوالفرج الأصفهاني ، الأغاني ، دار الكتب المصرية – القاهرة ، الطبعة الثانية 1941م .
  7. ابن أعثم : الفتوح ، حيدر أباد – باكستان ، الطبعة الثانية 1968م .
  8. البلاذري :أبوالحسن أحمد بن يحي البلاذري ، أنساب الأشراف ، تحقيق: محمد حميدالدين ، دار المعارف – القاهرة ، الطبعة الأولى 1959م.
  9. ابن أبي الحديد : عزالدين عبدالحميد المدائني ، نهج البلاغة ، تحقيق: محمد أبوالفضل إبراهيم ، مطبعة الحلبي – القاهرة ، الطبعة الاولى 1939م.
  10. ابن رشيق : أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني الأزدي ، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده ، تحقيق: محمد مُحي الدين عبدالحميد ، دار الطلائع – القاهرة ، الطبعة الأولى 2006 م.
  11. الشهرستاني ، الملل والنِّحل ، تحقيق: محمد فتح الله بدران ، مطبعة السعادة – القاهرة ، الطبعة الأولى1956م .
  12. شوقي ضيف(دكتور)، تأريخ الأدب العربي ، العصر الإسلامي ، دار المعارف – القاهرة ، الطبعة الثامنة والعشرون 1963م .
  13. الطبري: أبوجعفر محمد بن جرير الطبري ، تأريخ الأمم والملوك ، مطبعة الإستقامة – القاهرة ، الطبعة الأولى 1939م .
  14. ابن قتيبة : أبومحمد عبدالله بن مسلم الدنوري : عيون الأخبار ، دار الكتب المصريّة – القاهرة ، الطبعة الأولى 1930م.
  15. المبرِّد : ابوالعبّاس محمد بن يزيد ، الكامل في اللغة والأدب ، مؤسسة المعارف – بيروت ، الطبعة الرابعة 1999.
  16. المرزباني : أبوعبدالله محمد بن عمران ، معجم الشعراء ، تحقيق : عبدالستار فراج ، القاهرة – مصر ، طبعة 1960م .
  17. نايف محمود معروف : ديوان شعر الخوارج ، دار المسرّة بيروت ، الطبعة الأولى ، 1983م.
  18. نايف محمود معروف : الخوارج في العصر لأُموي :نشأتهم ، تأريخهم أدبهم ،، دار الطليعة – بيروت ، الطبعة الأولى ، 1994م .

 

[1] . أحمد أمين : فجر الإسلام ، المكتبة العصريّة – بيروت ، طبعة 1429هـ – 2008م ، ص234 .

[2] -بطرس البستاني ، دائرة معارف العربية ، ط3-بيروت، 1876م، ج7،ص492

[3] . المرجع السابق نفسه ، ص235-236 .

[4] . نايف محمود معروف : الخوارج في العصر لأُموي :نشأتهم ، تأريخهم أدبهم ،، دار الطليعة – بيروت ، الطبعة الأولى ، 1994م  ، ص58.

[5] . أحمد معيطة : الإسلام الخوارجي : دار الحوار – اللاذقية ، طبعة 2000م ، ص89 .

[6]  . إحسان عبّاس : ديوان شعر الخوارج ، دار لشروق – بيروت ، الطبعة الرابعة 1982م، ص66 .

[7] . إحسان عباس ، ديوان شعر الخوارج ، ص106 .

[8] . المرجع السابق نفسه ، ص26 .

[9] . المرجع السابق نفسه ، ص26 .

[10] . المرجع السابق نفسه ، ص67 .

[11] – نايف معروف، ديوان الخوارج، الطبعة الأولى، دار المسيرة-بيروت 1983-ه1413 ،ص87

[12] . نايف محمود معروف : ديوان شعر الخوارج ، دار المسرّة بيروت ، الطبعة الأولى ، 1983م ، القصيدة رقم 182، ص216 .

[13] . ابن أبي الحديد : عزالدين عبدالحميد المدائني ، نهج البلاغة ، تحقيق: محمد أبوالفضل إبراهيم ، مطبعة الحلبي – القاهرة ، الطبعة الاولى 1939م، ج1 ، ص204 .

[14] . انظر نايف محمود ، القصيدة رقم 289

[15] . إحسان عبّاس : ديوان شعر الخوارج ، ص218 .

[16] المرجع السابق نفسه ، ص160 .

[17] . ابن قتيبة : ابومحمد عبدالله بن مسلم الدنوري : عيون الأخبار ، دار الكتب المصريّة – القاهرة ، الطبعة الأولى 1930م ، ج1 ، ص175 .

[18] . انظر إحسان عبّاس : ديوان شعر الخوارج ، ص122 – 123 .

[19] . انظر إحسان عبّاس ص65 .

[20] . أحمد معطية : الإسلام الخوارجي ، ص103 .

[21] . المبرد: الكامل في اللغة والأدب ، ج3 ، ص215 .

[22] . ابن عبدربه ، العقد القريد ، ج3 ، ص303 .

[23] . الشهرستاني ، الملل والنِّحل ، تحقيق: محمد فتح الله بدران ، مطبعة السعادة – القاهرة ، الطبعة الأولى1956م  ، ج1 ، ص20 .

[24] . المرزباني: أبوعبدالله محمد بن عمران ، معجم الشعراء ، تحقيق: عبد الستار فراج ، الطبعة الأولى – القاهرة 1960م ، ص258 .

[25] . إحسان عباس ، ديوان شعر الخوارج ، ص320 .

[26] . الأصفهاني : أبوالفرج الأصفهاني ،الأغاني  ، دار الكتب المصرية – القاهرة ، الطبعة الثانية 1941م ، ج6 ، ص147 .

[27] . ضيف: شوقي ضيف(دكتور)، تأريخ الأدب العربي ، العصر الإسلامي ، دار المعارف – القاهرة ، الطبعة الثامنة والعشرون 1963م ، ص306 .

[28] إحسان عبّاس ، ص35 .

[29] . ابن أبي الحديد: نهج البلاغة ، ج2 ، ص44 .

[30] . إحسان عبّاس ، ص36 .

[31] . المبرد: الكامل في اللغة والأدب ، ج2 ، ص197 .

[32] . ابن أعثم : الفتوح ، حيدر أباد ، الطبعة الثانية 196م ، ج4 ، ص147 .

[33] . إحسان عبّاس ، ديوان شعر الخوارج ، ص14 .

[34] . ابن عبد ربه ، العقد الفريد ، ج3 ، ص303 .

[35] . البلازري: أنساب الأشراف ، مطبعة القدس ، الطبعة الخامسة ، 1971م ، ج2 ، ص16 .

[36] . إحسان عبّاس ، ديوان شعر الخوارج ، ص106 .

[37] شوقي ضيف ، تأريخ الأدب العربي ، ص302 .

[38] شوقي ضيف : تأريخ الأدب العربي – العصر الإسلامي ، ص302 .

[39] . إحسان عباس : ديوان شعر الخوارج ، ص213 .

[40] . المرجع السبق نفسه ، ص62 .

[41] . نايف معروف محمود : الخوارج في العصر الأُموي، ص247 .

[42] . إحسان عباس : ديوان شعر الخوارج ، ص19 .

[43] . أحمد أمين : ضُحى الإسلام ، المكتبة العصرية ، صيدا – بيروت ، الطبعة الأولى 2006م – 1427هـ ، ص244-245 .

[44] . المرجع السابق نفسه ، ج3 ، ص242 .

[45] -إحسان عباس: ديوان شعر الخوارج،ص45

[46] -محمد بن يزيد المبرد أبو العباس: الكامل عارض بأصوله وعلق عليه : محمد أبو الفضل إبراهيم –السيد شحاتة، دار نهضة مصر للنشر والتوزيع، ج ،3ص: 232

[47] -ابن قتيبة الدنيوري:الشعر والشعراء1/75

[48] -المصدر نفسه والصفحة

[49] – عبد الحميد الشلقاني، مصادر اللغة، الشركة العامة للنشر والتوزيع ، طرابلس-ليبيا، الطبعة الأولى 1977ص296


Updated: 2019-03-11 — 13:03

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme