حكاية القصر و البَايلِكْ· قراءة في نصِّ:”حكاية العشاق في الحب والاشتياق.”لمصطفى بن ابراهيم A Reading in Mustapha Bin Ibrahim’s Text of “Lovers’ Tale in Love and Craving”


 

حكاية القصر و البَايلِكْ·

قراءة في نصِّ:”حكاية العشاق في الحب والاشتياق.”لمصطفى بن ابراهيم

A Reading in Mustapha Bin Ibrahim’s Text of “Lovers’ Tale in Love and Craving”

الدكتور اليامين بن تومي ـ جامعة سطيف2 ـ الجزائر

Dr,lyamine Bentoumiـ University of Setif – Algeria

 مقال نشر في  مجلة جيل الدراسات الادبية والفكرية العدد 62 الصفحة 25.

 للاطلاع على الأشكال يرجى تحميل العدد اعلاه

 

ملخص:

           حسب تصور أمبرطو ايكو فإن كل نَصِّ يحتاج إلى تأويل أو قراءة مضاعفة، لتثمر القراءة شكلا جديدا من المداركِ، وهذا ما نلاحظه على نص “حكاية العشاق في الحب و الاشتياق لصاحبه مصطفي بن ابراهيم ” الذي يحتاج إلى قراءات جديدة، حيث قمنا بتعميق البحث و المنظورات للوقوف على مختلف الدَّوال الممكنة للنص في إطار بنيوي و سيميائي يَستحثُّ كشف مختلف الرموز .

الكلمات المفتاحية :البايلك، المؤسسة، الشعر، الرواية .

Abstract:

According to Umberto Eco’s perspective, every text requires an interpretation or a double reading to a perceptible comprehensible threshold. Accordingly, Mustapha Bin Ibrahim’s text of “Lovers’ Tale in Love and Craving” elicits new readings, whereby we have deepened the scope of research and broadened perspectives to spotlight the different possible signifiers in a structural and semiotic endeavoring to reveal all different embedded symbols.

Keywords: Beylik; Enterprise; Poetry; Novel.

مقدمة:

لا نجد دراسات كثيرة عن هذا النّص الذي يُعتبر من النُّصوص المتعالية في تاريخ السردية الجزائرية، هذا النص الذي حققه الأستاذ “أبو القاسم سعد الله”·و كتب عنه دراسة في مجلة الثقافة الجزائرية الصادرة بتاريخ فيفري 2004، حيث ذكر مجموعة من المعلومات عن الكاتب “محمد بن إبراهيم بن مصطفى باشا” الذي كتب هذا النص بتاريخ 1849م. يقول عنه المحقق أبو القاسم سعد الله:

“والمؤلف جزائري غير أننا نعرف عن حياة جده وأبيه أكثر مما نعرف عن حياته هو، فجده مصطفى باشا كان دايا على الجزائر سنة 1795-1805 وكان قبل ذلك خزناجيا في حكومة خاله الدّاي حسن، وامتاز عهده بالعمران عن مدينة الجزائر بالذات، وأطلق اسمه على إحدى الضواحي فيها. وكان غنيا فترك كثيرا من الأراضي والعقارات وثروة كبيرة تقدر بنصف مليون دولار.” (1)

ويذكر الأستاذ أبو القاسم سعد الله كذلك أن عصره اتسم بجملة من المميزات:

  • توتر العلاقات بين الجزائر وفرنسا.
  • توتر العلاقات بين الجزائر والدولة العثمانية.
  • تغلغل بعض الأسر اليهودية في الحياة السياسية في الجزائر؛ مثل أسرتي بوشناق وبكري(2)

ويذكر كذلك أن “والد المؤلف إبراهيم بن مصطفى باشا من أعيان الحضر والبرجوازية الجزائرية التي لعبت دورا بارزا أثناء الفترة الأولى للاحتلال، و قد كان صديقا ومساعدا لحمدان بن عثمان خوجة حيث قدَّما معا عريضة إلى رئيس الوزراء الفرنسي 03جوان1833  عن الوضع في الجزائر، وقد وَجَّه هو رسالة في نفس الموضوع إلى نفس الشخص 28 ديسمبر 1832 (1) ولما كان معاصرا لحمدان بن عثمان خوجة مؤلف كتاب “المرآة” لاشك أن صاحب هذا الكتاب سَيُعطينا رؤية مهمة عن تلك الأجواء الحقيقية(1).

والنص الذي بين أيدينا محفوظ في خزانة المكتبة الوطنية الجزائرية  برقم 1923(2) ويذكر بعض مميزات وخصائص المخطوط قائلا:” وتقع المخطوطة وهي النسخة الوحيدة التي أطلعنا عليها في 106ورقات مكتوبة بخط اليد ، تغلبت عليها العبارات الانتقائية مثل  قال صاحب الحديث، ومثل فلما فرغ من شعره ..الخ  والنص مكتوب بالنثر البسيط الذي يَتَخلَّله السّجع، ويحتوي على عبارات عامة كثيرة وتراكيب عامة أيضا، وفي النص أشعار متفرقة تبلغ أحيانا القصيدة طولا وهي بالعامية المهذبة وفيها عبارات فصيحة، وأحيانا أسطر كاملة أو بيت من محفوظات المؤلف و المؤلف يبدو متكلما عن الثقافة العربية.”(3)

   بل ويعدِّدُ المحقق بعض السِّمات الخارجية للنص ،حيث “يقع عنوان القصة في الصفحة الثالثة من المخطوط وهو مكتوب بالحبر الأحمر والأزرق […] و يقع المخطوط في 106 ورقة و مقياس كل ورقة14.”(4)

وُلد محمد بن إبراهيم سنة1808 بمدينة الجزائر وتوفي سنة 08/04/1886 ولا يعرف له آثار أدبية أخرى.”(5)

1- عن النّص:

           يرى الباحث الطيب ولد العروسي أن الرواية العربية في الجزائر مرت بمرحلتين أساسيتين:

  • مرحلة التكوين التي يضع على رأسها أحمد رضا حوحو وروايته “غادة أم القرى”
  • مرحلة النضوج الأولى و يجعل على رأسها عبد الحميد بن هدوقة والطَّاهر وطار.(1)

ولكنه حين اطلع على التحقيق الذي أصدره الأستاذ أبو القاسم سعد الله لرواية محمد بن إبراهيم أعاد تَصوُّرَهُ للرواية الجزائرية والعربية برمتها ،حين يقول:” لكننا بقراءتنا لرواية حكاية العشاق في الحب والاشتياق” لمحمد بن إبراهيم نجد أنفسنا أمام بدايتين عربية وجزائرية. كتبت حكاية العشاق قبل رواية “زينب” لمحمد حسنين هيكل بستة وستين عاما، وهي التي نؤرخ بها كبداية للرواية العربية.”(2)

و مهما يكن فإن هذا النص يفتح الذائقة النقدية على إعادة تأمله، ووضعه وضعا بنيويا  للمساءلة النقدية الرصينة ،حيث نلاحظ عليه جملة من السِّمات التالية:

-غلبة السرد باللغة الدارجة على اللغة الفصحى، أي أن النص حاول أن يجد لغة وسطى بين الفصيح المؤسساتي  والدارج الشعبي، وهو نص مكتوب في الغالب بلغة جزائرية شعبية.

                   -التَّعالق النصي بين السردي والشعري.

هاتان الملاحظتان التوجيهيتان  ترسمان الملامح الكبرى للنَّص، وتحاولان أن تفرضا نسقا معينا من التحليل. وطريقة كتابة النص تستدعي التحليل والبحث، فهي ذات طريقة مخصوصة في صياغة الحكي تتوافر على سمات القص العربي من جهة التضمين، أي أننا نجد في الرواية بعض الأساليب القصصية المشهورة في السرد العربي كما وصفها النقاد·.

ولكنها تجمع تلك الأساليب و تختلف عنها، ما يجعله في نظرنا نصّا مركبا يُؤسِّسُ  لخصوصية فريدة نابعة أساسا من ذلك الاختلاف بين :

  • التوازن بين الدّارج والفصيح.
  • التوازن بين الشعري و السردي.

2-القصر/ البايلك: بين المؤسسة والشارع

لماذا الكتابة بالدَّارجة ؟ هل هي نوع من الضغط على الهوية الاجتماعية التي تتكلم لغة أقل درجة من الفصحى؟ تلك اللغة التي تستعيد التجربة الاجتماعية الحيَّة بعيدا عن أي تزوير. أم أن المؤلف شعر أن كتابة القصة بلغة فصحى يبعدها عن حيويتها؟ يجعلها تعيش خارج وضعها الحقيقي، تتقنع وتَحرِمُ القارئ/ المستمع أن يستحضر ألقها  داخل حيويتها الوجدانية،  أم أن هناك استحالة في استعادة العالم وزمنيته خارج تلك اللغة الشعبية ؟ لأن العالم نصنعه من خلال اللغة الحية أو لغة التداول. هل معنى ذلك أنه إذا تم وضع هذه التجربة الحياتية داخل قالب لغوي فصيح معناه موتها ؟  ذلك أنه حين أستعيد لغتي الحيَّة الأصلية/ اللغة الأم، معناه أنني أتصالح مع منطق الشارع بعيدا عن تلك  المؤسسة المتغطرسة،  أي أن هناك عازلا بين لغتين:

  • لغة تستعمل بشكل يومي؛
  • لغة المؤسسة  التي تستعمل في إطار رسمي ضيق .

        فالحكاية هي عبارة عن تمرد على وضع معين ،تحتاج معه إلى وضع لغوي فريد يستعيد  وحدة القلب. فاللغة الدارجة لغة تمردت  على أعراف وقوانين اللغة الفصحى، إنها لغة العصيان على المؤسسة، التي تعني الإقامة داخلها شيئا واحدا هو عدم الوضوح ،وعدم قدرة اللسان على التَّبَنيُنِ داخل النظام اللُّغوي الصَّارم، حيث تستعمل اللغة الرسمية/الفصحى شكلا من أشكال القمع يحولُ بين القصر والشارع.

إن انفتاح الأمير على لغة الشارع /لغة التخاطب هو شكل من الانفتاح على العامة /الانفتاح على قلب الحياة، بدلا من الصرامة التي يمكن أن تكون عليها لغة القصر الرسمية و المؤسساتية، التي يتعامل بها ممثلها داخل إطار معين ومحدود، لذلك فإن هذا الشكل اللغوي يمنع الأمير من الخروج على النسق العام لأخلاقيات القصر وتقاليده المؤسساتية.

فالدارجة وحدها هي التي يمكنها أن ترتب العلاقة الموجودة بين القصر والبايلك، وعادة نطلق كلمة “بايلك” على الشارع أي أن الحكاية تعيد ترميم تلك الفجوة بين المكانين أو الفضائيين القصر/البايلك، عبر وسيط هو “التَّاجر البسيط” لتتجسد جزائرية النص.

تتشكل معالم الهوية النصية انطلاقا من ذلك اللَّعب على اللغة الدارجة لتستعيد وضع الجزائري من خلال استعماله للغة اليومية، أي أن القصر يبحث عن لغة وسطى للتفاوض مع البايلك، أو يبحث عن مقبولية له في الشارع الذي هو أمير عليه، ما يعني أنه يبحث عن شرعية محددة في اللغة لأنها لغة التواصل والتخاطب. فاللغة هي الوسيط لإنجاز تلك الشَّرعية مع الناس، نحو إيجاد لغة تُذلِّلُ سوء التفاهم  بين القصر والبايلك. أي أن القصر يبحث عن مُصوّغ ايطيقي للتخاطب مع البايلك، بل و يجعل هذا البايلك وسيطا للعشق . ومع ذلك لم تكن عملية الوساطة  سهلة بل ترتب عنها سوء فهم عميق في البداية. فأن تتخلى المؤسسة عن فعل الرقابة  العفوية معنى ذلك ما يلي:

  • إما أن المؤسسة شعرت بالهوة التي تفصلها عن البايلك ، أي انفلات البايلك عنها.
  • إما أن الأمير أدرك بعده عن شعبه، لذلك حاول استعادة الشعب إلى حضن الشرعية السياسية، أي البحث عن لغة تتفاوض على إيجاد مكانة للأمير في خطاب البايلك المبني أساسا على الحماس والعاطفة، أو لنقل لغة قلبية قريبة من العواطف اليومية التي يصرفها البايلك بين الشعب. لغة يومية تصرف العشق، فهدم العلاقة القواعدية:

 أمير= تابع. إلى أمير عاشق = تابع مساعد .اكتمال التجربة العشقية.

وخروج الأمير إلى البايلك جعله يتخلص من حزنه ومن روتينيته ، من لا معناه ولا جدواه، لأن المعنى يصنعه في العالم، فيما يتعرف على نفسه في مقابل معارف أخرى، لأن الإمارة لا تكون داخل نظام الإقامة بل تكون من خلال بسط صورته بين  ممثلي البايلك المختلفين، الإقامة داخل القصر معناها تآكل فعل الإمارة ذاتها. فلا معنى لممارسة تلك القوانين داخل تلك المحايثة التي مهما ادعت لنفسها الاكتمال  إلا  أن إقامتها تلك معناها أزمة الداخل الذي لم يجد معناها داخل القصر.

فخارج  النسق هو وحده الذي يُخلِّصُ المحايثة  من تآكلها  ،بل إن المحايثة في ذاتها أفقدت الأمير الإحساس بالأرض، و جعلته متعاليا وغارقا في تصدير خطاب ميتافيزيقي عنه، حيث تصل البايلك صورة الأمير /الهيولة ،لا الأمير ذاته.

 وبالتالي يصبح التعامل مع الأيقونة التي تُعمِّقُ الجرح المعرفي للذات التي فنيت لتصبح صورة، علامة على الأمير، وليس هو الأمير،  أي أن فعل الإقامة يمنع أو لنقل يعزلُ الأمير عن البايلك، وبالتالي قتل الذات حين يتحول الأمير إلى شبح أو طيف أو صورة.

لذلك  ففعل الخروج في إعادة الذات إلى وضعها بين الماشين يكون من خلال بعث تجربة الحياة، وتفعيل لغة حية ويومية، تستعيد دور القلب والانفتاح على الشعب  ومشاركتهم حياة الإمارة، وانفتاح القصر على شؤون الحياة العامة ، بل فتح مشاركة الشعب مع ما يخص الحياة العميقة للإمارة، وهو نوع من خلق مصداقية للأمير بين أفراد شعبه.

إن انفتاح القصر على المشاركة الشعبية يخلق نوعا من المصداقية و الثقة المتبادلة، أو يمكن القول عنه أنه عمل على  تحميم الفضاء الشعبي الناتج عن انتشار خطاب  التعشيق ، ليتم ردم الهوة بين القصر والبايلك. وهذا لا يتم إلا عبر مسلكين:

  • إيجاد لغة حكواتية قريبة من البايلك باعتباره فضاء تتشكل فيه قوة الشعب .
  • خلق فضاء تحميمي لإزالة عوامل العزلة بين القصر والبايلك، فالسياسة عازل أو مانع، لأنها تخلق مسافة بين الحاكم وشعبه،  والعشق يعمل على تذويب تلك الموانع .

             العشق كغرض للخطاب يعمل تحتيا /سياسيا على استعادة الأمير لوضعه بين شعبه، حين يعرض عليهم الأمير قلبه ، لأن لغة الشعوب هي لغة العاطفة. لذلك  عمل  الأمير على ترميم الفجوة بين القصر والبايلك من خلال الارتماء في أحضان اللغة الدارجة. لأن الأسبقية للشعب حين يصبح الخطاب للعشق، و الأولوية للقصر حين يصبح الخطاب معتلا . هذا النوع من الاسترداد السياسي للفضاء، هو الذي في مقدوره استعادة وبسط نفوذ الأمير على الفضاء نفسه على الشعب. تلك الاستعادة هي التي هيَّأت الجو أو المناخ للحكاية.

2-دكتاتورية الشعري و ديمقراطية السردي:

-لقد حصلت تصفية رهيبة للدكتاتورية في طول هذا النص الذي يتصف بالديمقراطية، بل هو بيان  / مانفيستو  للأنظمة الحاكمة السياسية، يدعوهم فيها الأمير إلى إلقاء المحبة في الشارع، والتحدث من داخل الأجناس الأدبية التي يركبها الشارع بين متخاطبيه.

هذه الاستراتيجية هي التي تُبيّن عبقرية النص، حيث إنه يعمل على تصفية كل أشكال التبعية للقالب الشعري الفصيح الذي يمكنه أن يجعل الحكاية منفية خارج وعائها. ذلك أن الشعر تابع بشكل ما للقصر نتيجة تلك الكتلة الهائلة من المديح للأمراء و السلاطين، فيما يقول أدونيس”إن معظم  الشعر العربي كان بضاعة تباع للخلافة ألا تباع الثقافة العربية اليوم لخلافة اليوم” (1) لكن هذا النص عمل على تكسير تلك السلطة المؤسساتية الشعرية  على مستويين:

  • مستوى الشعر الشعبي.
  • مستوى الانزياح إلى السردي.

فما معنى أن يكون الأمير شاعرا شعبيا ؟ معناه أن يهرب من نسق الشعر الفصيح، المثالي، المدّاح إلى نسق الشعر الشعبي الذي يكسر القوانين ويتجاوز البنيان المرصوص للشعرية العربية. تلك البنية القواعدية الصّماء، أي أن يكون الشِّعر شعبيا معناه أن يتكلم خارج القواعد النحوية والعروضية. إنه يستعيد وضعية الكلام قبل النحو والصرف، الكلام حين كان يعيش وضع التَّحرر، الكلام الذي يأتي بلا رقابة، قبل أن يتشكل المنع والعقاب، وقبل أن يتشكل مفهوم الخطأ، وقبل أن يمارس اللسان فعل الحذر لأن سلطة النحو لا بدّ أن يفجّرها من يملك السلطة،  أن يصبح الأمير شاعرا شعبيا معناه تحقيق اعتراف تاريخي وسياسي بالجُرم الذي ارتكبه النحو أو ارتكبته القاعدة/القالب في حق الكلام. لأن القالب / النموذجLe modele  يعبّر عن التعالي الذي يجري إليه الجنس الخارجي /الشعر الذي أصبح ملكا للسلطة و يعمل المتكلم على تخزين أدبه فيه ليكون ملكا لهذه السلطة، والسلطة وحدها من يمكنها منح البقاء لهذا النوع من الشعر.

حينما تتنازل السلطة في شخص الأمير عن تلك السلطة الشعرية الفصيحة في  نموذجها القواعدي معناه إيجاد شرعية جديدة للكلام، بل الاستمرار في جنس شعري كان في حكم المبتذل ليصبح في حكم الرسمي. و هنا يحصل ترسيم سياسي لثقافة الشعب  ربما لوعي عميق  من الأمير؛ و هو تغليب حال الوعي القائم / الشعر الشعبي  على الوعي الممكن/الشعر الفصيح، بل إن وضعية رسمنة  الشعر الشعبي ليصبح جزء من الإمارة هي تحييد لشرعية الشعر الفصيح الذي ينتمي بحكم النشأة إلى المركزية المشرقية.

 وبالتالي على الإمارة إيجاد مُحدِّدَات خلافية لواجهتها الثقافية لتأسيس استقلال كليّ في العمران السياسي، والشعر جزء من هذا العمران، وعليه فالشعر الشعبي هو أحد الخصائص النوعية التي تميز هذا العمران الجزائري بل الشخصية السياسية الجزائرية عن  نظيرتها المشرقية لأن هوية النص من هوية العمران[1].

وعليه فإن نسق الشعر الشعبي يُشكِّلُ قطيعة مع نسق الشعر الفصيح، بل إنه الحدُّ الفاصل بين ما هو مشرقي وما هو جزائري، بل بين ما هو فصيح ورسمي، وما هو شعبي و عامي. أي أن إعادة الوضع والمكانة للشعر الشعبي على لسان الأمير هو إعادة ترتيبه ضمن وضع متميز، وهنا ألا يصبح الشعر الشعبي مغتصبا من قبل الإمارة؟.

أتصور أن الانفتاح على الشعر  الشعبي هو إعادة تسوية لطبقات القول ،وإزاحةُ العزل التاريخي بين تاريخ السلطان الذي حمله نسق المديح الرسمي، والتاريخ الشعبي الذي يمثله نسق الاعتراف بالشعر الشعبي، الذي يُقوِّضُ بدرجة أكبر بنية المديح، و هو يحاول أن يقضي على تلك الطبقة اللسانية التي تبين عن خاصية الطبقة الشعبية بين:

-طبقة الإمارة/القصر/الشعر الفصيح.

-طبقة الشعب /البايلك/ الشعر الشعبي.

انفتاح المقول الشعري على الطبقة الشعبية هو تقليص أو إذابة للحدود الفاصلة بين الفصيح والشعبي، أي عودة الابن الضال إلى واجهة التاريخ، لأن الشعر الشعبي كان في خانة المنفى من الثقافة السلطانية برمتها، لأنه يعيش على هامش تلك الثقافة الرسمية.

وعليه فإن مرض الأمير في شكله المعرفي، هو مرض للثقافة الرسمية التي لم يعد في ممكنها أن تتواصل مع الثقافة الشعبية، فاستعادة الأمير للسان الحال الشعبي  هو الترجل  على الأرض، أو استعادة لكل القيم الإنسانوية التي ضيعها التعالي أو لنقل ضيعتها الإقامة في الثقافة الرسمية بمختلف ممثليها، وأول علامة تؤكد ذلك الاكتساب للأرضي والإنسانوي هو استعادة القلب باعتباره منسيا في الثقافة السلطانية الرسمية. والقلب هو تلك الكتلة من ساحة الشعور التي يُعبِّر عنها الشعر الشعبي باعتباره مقولا كان خارج القصر بل خارج الثقافة المؤسساتية، و هو خروج من أزمة الخطاب المؤسساتي التي يمثلها ” موت الملك ” إلى رحابة العالم خارج القصر، وخارج الاستعمال الشعري الذي يسوقه القصر.

 فالخروج الذي اتسم به فعل الأمير هو الخروج عن هذه الأزمة  لتهوية الثقافة الرسمية، لذلك يبدأ نص الرواية “موت الملك “. إنه يعبر عن أزمة هذه الثقافة السلطانية التي تحولت إلى ثقافة جنائزية. وهنا سأتحدث عن السمات الكبرى لبنيان هذا النص الذي يبحث له عن قارئ متمكن يفكّ أو يفكّك شفراته.

3-  عتبة الخطبة: نظام المراسلة

يبدأ هذا النص بخطبة تحاول أن تؤسس للدُّخُول في نسق السرد، وهي عادة كلامية يستخدمها القدماء غالبا في بسط كلامهم، إنها تُنَبِّهُ المستمع أو المتلقي عادة لضرورة توجيه السمع إلى المتحدث، وغالبا ما يسند فيها تصدير الكلام إلى هوية الجماعة المؤمنة الموحدة بالله، والمؤمنة بقضاء الله و قدره، بل غالبا ما تعكس حالة الكلام نفسه بما أنه يتم بين خطيب وجلساءه، و عادة ما يسمى هذا النسق الكلامي بـــ: أدب المجالس ،والدليل على  ذلك وجود الصيغة الكلامية “قال صاحب الحديث” ما يعني أن هناك جماعة تجلس ليبدأ الراوي في الحكاية ، بل لأن التقديم العام لفضاء الرواية يتم على أساس حكواتية تم التجهيز لها على أساس التحضير للمجلس.

لأن عبارة ” قال صاحب الحديث” تدلل على وجود مستمعين و راو، ما يجعل الرواية تنتقل بين الحاضرين الذين رووا هذه الحكاية. فالراوي الأساس ليس صاحب الحديث بل عن رواية كان من جمهور المستمعين له، لوجود علامة “قال” أي أن القول منقول عنه بالنيابة، حيث إن الراوي فيها راويان:

راو أول: صاحب الحديث.

راو ثان: من روى ما قاله صاحب الحديث.

أي أن الحكاية أصبحت مقولا تتداوله الألسنة بين الرواة. وهذا يعني أن طبقات الحكاية ثلاث:

  • طبقة من عاين حكاية الأمير، وهو في الغالب أحد مقربيه.
  • طبقة من روى عن هذا النديم.
  • طبقة سائر الرواة.

لذلك أصبحت الحكاية في خانة الخبر الذي تم تداوله بين الرواة بحكم تباعد الزمن لقوله.

” وبعد أقول والله أعلم بغيبه وأحكم، فيما مضى وتقدم”

أي أن الراوي هنا لم يشاهد ولم يعاين، وإنما هو في حكم من نقلت إليه الرواية، أو من جمهور رواة الخبر بعد مرور زمن طويل على الرواية، فأحد معالم القص الشعبي أن يكون مجهول الراوي الأول، وقوله قال صاحب الحديث دون تعيين ما يعني تقادم  الحكاية.

و يعرّف سعيد يقطين المجلس قائلا :” أعتبر المجلس الفضاء أو المجال المتميز للتواصل الكلامي في الثقافة العربية القديمة، إنه الفضاء الخاص بالإنتاج و التلقي. تتعدد المجالس بتعدد الطبقات و الجماعات الاجتماعية بحسب نوعيتها، يمكن التمييز بين ثقافة عالمة “(مجالس خاصة)    وثقافة شعبية”(مجالس شعبية) “. (1)

ويعدّد يقطين الفاعلين في المجلس ،حيث يتم التداول بين قطبين هما: المتكلم والسامع، وتتم العلاقة بينهما على سبيل الفعلية والتفاعلية ، فيكون المتكلم هو الفاعل الوحيد في المجلس يقول: ” المتكلم في نوع العلاقة الأول يهيمن المتكلم /المتكلم ، السامع فهو الذي يتكلف بالكلام بغض النظر عن جنسه  أو أنواعه،  يكتفي السامع باستقبال الكلام و الانفعال به، الضحك، البكاء، التعجب.” (2)ويعدد لنا أشكالا من المتكلمين: الوعاظ، الخطباء،  … (3)

وهناك العلاقة التفاعلية التي تأتي في العادة باستفزاز من السامع اتجاه المتكلم ،كما في كليلة ودمنة أو ألف ليلة وليلة ،هنا يتخلق نوع من التفاعل الإيجابي لتحريك القصة في اتجاه تراسلي.

” ويأتي كلام المتكلم جوابا عن الاستفهام ، أو استجابة للأمر، والطلب عن هذا التفاعل بين الطرفين أنواع متعددة من الكلام يمكن إدراجها ضمن ما يعرف بالعادات ، المناظرات المسائل و الأجوبة ، الألغاز والأحاجي […] ويبدو من خلال  ذلك أنها ترمي إلى تحصيل معرفة أو متعة تستدعيها طليعة المجلس، كما يمكن أن تكون دعوة إلى الكلام “الحكي” في هذه الحالة تختلف طبيعة الطلب أو الاستفهام باختلاف طبيعة الكلام المراد تحقيقه.” (1)

تحدد الحكاية الفضاء العام لمجريات الأحداث التي تجعل الجزائر مكانا عاما لها، و هو يخبّر عن طبيعة الهوية النَّصية التي ستكون جزائرية بامتياز. يقول:   وبعد أقول والله أعلم بغيبه و أحكم فيم مضى وتقدم، كان في الجزائر ملك شايع في الجود والكرم ذو سطوة عظيمة وكريم جزيل، تهابه الملوك وتخشاه، وكان له  من الأدب والعلم، ما يناسب ويليق، وكان يحبه الناس حبا شديدا.” (2)

توحي عتبة الحكاية أن الفضاء سُلطانيُّ في الأساس، لكنه سرعان ما يتحول عن دوره ليصبح هذا الفضاء السلطاني جنائزيا من لحظة الإعلان عن موت الملك، ويدخل الفضاء برمته إلى شكل من الفقد الذي جعل الحكي مأزوما ، وبدأ التأزيم من لحظة مرض الملك ، ليتم تحضير الأمير إلى تسلّم مقاليد الدولة .لكن الموت جعل السرد يتنامى في شكل مأساوي و هو قول الأمير في نوبة يستحيل معها استرداد توازنه الطبيعي من خلال جملة من العلامات الطبائعية اللغوية، هذا الفقد الذي تسلل إلى نفس الأمير على مراحل:

1-المرض.

2-خطبة الوداع.

3-الوفاة.

فالمرض هو الإيعاز الأول عن أزمة طارئة في القصر ؟ وهو موت الملك .والموت معناه عطب يصيب الجسد السلطاني وأزمة تلحق بالجسد عموما . إنه جسد معتل وسقيم يوشك على الهلاك .إنه ليس خللا عضويا يخص جسد الملك لوحده بل يخص جسد الإمارة، ذلك لوجود علاقات رمزية مباشرة بين المرض و الإمارة ، تلك الإحالات التي نقلتها لنا عمارة الحكاية ،و التي أدت إلى احتباس عميق في فضاء القصر و الدليل على هذا الاحتباس مايلي:

  • العلاقة بين المرض والنصيحة في شؤون الحكم.
  • العلاقة بين موت الملك والخروج من القصر.
  • العلاقات الوصفية بين مختلف التحولات السردية الكامنة في النص، وتأزم نفسية الأمير، وتنقسم النصيحة إلى مستويين :
  • مستوى خاص يتعلق بتهذيب النفس.
  • مستوى عام يتعلق بالعلاقات العامة مع الناس.

المستوى الأول يقدم رسالة خاصة بالصفات الخلقية للأمير في شخصه وما يجب أن يتوفر عليه لتكون الرسالة من أب إلى ابن:

الأب (الملك)                                                                               الابن(الأمير)

                                             رسالة شخصية

يقول:”يابني إن المرض قد اشتد بي ولا بد أني مفارق الدنيا و أنا أوصيك بوصاية تغنيك في الدنيا والآخرة، عليك بتقوى الله العظيم في السر والعلانية، و عليك بخاصة نفسك، ولا تتكلف بأمور الناس ولا تشتغل بعيوبهم ، وحب الناس ما تحب لنفسك، ولا تحمل أمانة ولا تنظر إلى محارم الناس ولا تكن راغبا في الدنيا ولكن قنوعا.” [2].

أما المستوى الثاني فهو يتعلق بصفة الملك إلى صفة الأمير، حيث عدد له صفات الحاكم الحقيقي

الملك                                                    الأمير

                                                                               الرسالة: شروط الحاكم

أزمة
موت الملك
حزن الأمير
القصر
فضاء الحكاية
الجزائر

حيث نلاحظ أن الخطاب انتقل من “يا بني” في مستوى النصيحة الأولى، إلى صيغة “واعلم” يا بني، فالمستوى الأول يتعلق بحالة الأبوة و بالأخلاق الخاصة التي تتوافر في الابن الصالح، أما صيغة “واعلم يا بني” فهي ناتجة عن خبرة في الحياة. وكأن هناك بين الأخلاق الفطرية التي تلخصها عبارة “يابني” و الأخلاق العملية التجريبية التي ستجرها عبارة “اعلم” حضٌّ على الالتزام بالأخلاق العالية، والنَّصيحة هي العلامة التوجيهية الكبرى للفعل في النص، حيث سيتحرك الأمير على أساس هذه الرسالة التي سيوجههما: الملك+الوالد = الأمير+الابن. ليشكل الموت.

ليحصل تمفصل جديد في حالة الأمير، حيث كان له جليس أو نديم، فدخول هذا النديم الذي اسمه “حسن” إلى أحداث الحكاية ،جعله يتمفصل في اتجاه فعل جديد هو الخروج عن القصر” كان لابن الملك نديم عن حياة أبيه يحبه حبا شديدا فدخل إليه يزوره، فلما رأى ابن الملك على تلك الحالة فرقَّ له،وقال له:سيدي، إلى كم هذا البكاء و الحزن، لا أبكي الله ل ك عين ولا حزن لك قلب، اعلم أن كل نفس ذائقة الموت و من مات لا يعود  وعليه بالصبر لأمر المعبود”[3].

بعد هذه النصيحة انتبه الأمير إلى حاله و اقتنع ، بهذه العلاقة التوجيهية إلى أن الحياة لا تتوقف عند من نحب، فقام وجهَّز نفسه للخروج.

تمفصل1:

دخول حسن
النصيحة
خروج الأمير
  • الخروج في العادة يجز معه أشكالا مختلفة لاستطلاع حال العباد والمباني، إلى أن سمع صوت جارية تغني:
الدهر ونعمته ليس يأتي
 اصرف همومك مع نبات التي واستغنم الوصل والتلاقي  لأن الدنيا أصلها دني وخذ الكأس من يد الساقي  حمرتها من عصير الصفى وافخر لحمرة الخد فالكأس  من نشوة الحمر قد قار نقي[4]

                                                                                                                                                                                  

  • ليحصل تمفصل ثان بدخول الجارية كفاعل جديد في الأحداث ،إذ تبدأ قصة الحب التي سميت الرواية باسمها.

“حكاية العشاق في الحب والاشتياق وما جرى لابن الملك الشايع مع زهرة الأنس بنت التاجر”.

حيث كانت تسمى هذه الفتاة بزهرة الأنس.

استطلاع
الوسيط التاجر
سماع الموسيقى
الخبر
 

الموجهات:

1/”فلما سمع ابن الملك الصوت وحسن العود وما تقوله الجارية، التفت إلى أصحابه وقال لهم ما أحسن هذا الصوت”

2/هل فيكم من يطلعنا على الأمر و معرفة الأشياء راحة

3/    مشورة النديم: ” يا سيدي، نجلس هنا في هذا الدكان ساعة عسى نطلّع على الأمر” [5] 

3-الأمير و التاجر: دور الوسيط

يمثل الوسيط في هذه الحكاية دورا مهما ، حيث أنه من عامة الشعب “تاجر” وليس تاجرا من الأعيان، بل لديه دكان بسيط، ويعد عاملا مهما ،حيث قام بتقريب العلاقة بين الأمير وزهرة الأنس، ليتموضع الدكان داخل فضاء منفتح على بيت السيدة زهرة الأنس، أي أن التاجر يعلم عن السيدة كل شيء فهو جارها، و يملك أسباب الأجوبة التي يطرحا الأمير.

هذا النوع من الاشتراك هو توطيد لعلاقة الأمير بعامة الشعب، وهو شكل من الامتثال لنصيحة الأب الذي طلب منه والده الانفتاح على الناس والاستماع لهم، لتتم تلك العلاقة النفعية بين الأمير والتاجر.

  • الأمير يحصل على معلومات تخص صاحبة الدار.
  • التاجر يحصل على دراهم مقابل وساطته.

يقول صاحب الحديث:

” وكان عطار مقابل تلك الدار “ [6]

و معه وسيط آخر هو كذلك من البسطاء، و هو الجارية زهرة الأنس التي كانت تخرج  للعطار تشتري لسيدتها الورود وهناك رأت الأمير.

” وخرجت جارية وفي يدها طيق مغطى بخرقة ديباج و أتت له ، كان العطار ليشتري النوار فوجدت ابن الملك جالسا عند العطار.”[7]

التاجر
دائرة الأمير
دائرة زهرة الأنس
 
الجارية
خريف الصيف
دائرة الوسيط

وفي كثير من الأحيان تبقى المراسلة تدور بين الجارية خريفة الصيف و التاجر،  لتتم مبادلة التعالق بين الأمير والسيدة زهرة الأنس ، أي عَملَ الحكي على تعشيق و تحميم الفضاء الخارجي، ليتم نوع من الاسترضاء العميق للشعب في الشؤون الخاصة للإمارة، و هو حالة استهوائية في نظام التراسل من الأمير إلى التاجر إلى خريفة الصيف إلى السيدة زهرة الأنس.

فقالت الجارية: ” ياستي، سامحيني ولك الأجر والثواب، وقبلت الأرض بين يديها وقالت والله        لأدهسك و تعتذرين في سبب عنك. فضحكت زهرة من قولها و قالت لا بارك الله فيك ولا في قولك يا     النحس.” [8]

حيث عمل هذا النظام التواصلي على إيجاد أسباب الوصل بين دائرتي الأمير و دائرة السيدة زهرة الأنس.

” لما سمع ما وصف له الشيخ من حسنها وجمالها فقال لنديمه يا حسن أسمعت ما وصف لنا الشيخ في زهرة  الأنس بنت التاجر، والله لقد علق قلبي بها ولا شك أني هالك و أنت سببي في ذلك مع  الله سبحانه و تنهد وبكي وأنشد وقال شعرا:

يا من تعلقت قلوبنا برايتهم
 و همنا أشواقا عند سمع ذكرهم هل تجود لنا الأيام بنظرة  و ترحم من سار اليوم عبدكم”[9]

يتم اللقاء و تكتمل دورة  العشق نتيجة لتحقيق دورة التواصل هدفها الأساس:

الجارية ؛خريفة الضيف
خروج للشراء
الأمير
تبليغ
هيام
لقاء
هيام
النديم حسن ؛مشورة
خروج الأمير
دكان الشيخ
تبليغ

 

” حينما هم كذلك إلا وجاز ابن الملك هو وأصحابه راجعين من القنص وهو بين أصحابه كالقمر بين النجوم وهم يتحدثون ، فرأته زهرة  الأنس  فتمكنت بحبه وبقيت تنظر إليه و تتأمل في حسنه.”[10]  .

4-اللقاء ولعبة العشق والبطل المزيف:

تقوم هذه الحكاية على تدوير لعبة العشق بين فاعلين أساسيين هما:

الأمير                                                    زهرة الأنس

ليدور حولها مجموعة من العوامل المختلفة التي تدور في فلك الدائرتين، وتتسع الدائرة إلى فاعل ثالث وهو البطل المزيف الذي يجعل لعبة العشق في اختبار أساسي، حيث تمر أطوار العشق عبر ثلاثة امتحانات كما يصفها غريماس:

1/ الاختبار الترشيحي.

2/ الاختبار الحاسم.

3/ الاختبار التمجيدي .[11]

ولا يتم ترسيم تلك العلاقة بين الأمير و زهرة الأنس  إلا عن طريق المكيدة أو الذكاء الذي يكون بتدخل من الشيخ صاحب الدكان.

أي أن الوصال (1) للتراسل العشقي بين المرسل و المرسل إليه  كان بتدبير من الشيخ(بائع الزهور)، بعد أن أبدى الأمير و أبدت سيدة زهرة الأنس غرامهما لبعض،  حيث تمضي الحكاية في شكل تراسل من ؛

الأمير
                                                  النديم
                                            شيخ الدكان
السيدة زهرة الأنس                            خريفة الصيف

كلاهما يطلب تدبيرا للقاء ،ليكون دكان الشيخ /بائع الزهور مكانا للقاء  وتدبير الأمر، هذا التدبير تلخصه الأبيات التي وعد فيها الشيخ الأمير بعقد اللقاء بينهما.

لك الفرح والهنا يا ابن الكرام
 بلقاء الأحباب على رغم الحسود سأبذل جهدي في طلب شفاك  وأيام البين بلقاء تعود إني عبد لك بالإحسان أملكتني  يا صاحب الكرم والوفاء والجود(1)

لتصبح الرسالة بين :

الشيخ                                                                  خريفة الصيف
 
ممثلا للأمير                                               ممثلة للسيدة زهرة الأنس    

فعملت كل من خريفة الصيف و الشيخ على عقد اتفاق بينهما لتسهيل لحظة اللقاء بينهما.

 

” فلما فرغت من شعرها تنهدت وقالت: غدا أرى حبيبي ليت شعري كيف أملك نفسي؟ فقالت لها الجارية يا ستي تربصي ولا تكوني عجولة، وننظر منه مايكون ، فقالت زهرة الأنس أعطني قلبك وصبرك، فضحكت الجارية وقالت هذا قبل الوصال، وحين يكون كيف يكون الحال؟ فضحكت زهرة الأنس وقالت والله لا أدري و أخذوا يتحدثون و يتنادمون وينشدون الأشعار، و زهرة  الأنس متقلقة على طلوع الفجر و تقول غدا أرى حبيبي.”(2)

ليتم اللقاء بعد عملية استطلاع قامت بها خريفة الصيف، وكان اللقاء باهرا و رائعا توّج تلك المشاعر، لتلتقي العين بالعين، ويمكن للرؤية أن تُخفِّف من غلواء العاطفة و أن تجعل الحبيب في مرمى النظر، وأن يُجفٍّفَ الصورة التي تعبت بالعاشق.

“فلما التقت العين بالعين قالت زهرة الأنس لجاريتها ما أحسن هذا الورد . قد فاق على  جميع الأزهار.”(2)

هذا اللقاء الأول يسمي لقاءُ المعاينة و هو لقاء تكتفي فيه العين بالنظر و إحاطة المحبوب. يلخصها قوله:

لما وصفت لي ولم أراك
حنت للقائك قلبي و عيوني وسهرت ليالي و زادت لواعتي همت في حبكم و قلت دعوني وقد غاب عقلي لما شهدت حسنكم  وقدكم خلق الغصون(3)

هذا النوع من اللقاء تحقق على مستوى الرؤية والمشاهدة ،أي أنه لقاء لإشباع حاجة العين، ليتحقق فيما بعد اللقاء الكلي، حيث تتقاسم الأجساد شغف العشق. ذلك اللقاء الذي كان عبر نظام تراسلي يعمل على التخفيف من حدة التوتر، لقاء أثمر في النهاية لقاء الإشباع.

يقول: ” قال صاحب الحديث: فلما قربت إلى الدار ورآها النديم دخل سرعة وأخبر ابن الملك بقدومها، ثم أتى وفتح الباب، فدخلت زهرة الأنس  مع جواريها و استقبلهم النديم مع الشيخ و قبلوا يدها.

و أقبل ابن الملك يتحدث مع حبيبته زهرة الأنس وتتحدث معه و يشتكوا لبعضهم ما جرى لهم من ألم الشوق والمحبة، و هي تقول حبيبي جرا  كذا ، وهو يقول حبيبتي جرا لي كذا و كذا .” (1)

إلى أن تم  الوصال الذي يعبر عن اكتمال جزئي لنظام التراسل العشقي الذي دام طويلا ” ثم جذبها إليه و فك لثامها و ضمها إلى صدره ، وقبل ثغرها و قال أين نحن يا قرة عيني في اليقظة  أو في المنام، و ملأ الكأس  وتناولها . فأخذته من يده وقبّل ثغرها.”(2)

 

اللقاء
العين بالعين
لقاء جزئي
إقامة محدودة
 
تراسل عشقي
اتصال

أي أن اللقاء الكلي لم يكتمل بعد ،لأن الرابطة الكلية لم تتحقق، مما اضطر زهرة الأنس إلى الخروج مرة أخرى إلى قصرها لمعاينة شؤونها .

” فتذكرت  زهرة الأنس دارها وحشمها ، التفتت إلى ابن الملك و قالت حبيبي قد طاب بنا الجلوس  ونسينا أرواحنا ولم يملكنا ذلك ، لا بد أن أمضي لداري و أنظر حشمي وخدمي وإصلاح أشغالي.”(1)

       وهو شكل من أشكال الانقطاعات الجزئية ،لتحقيق التواصل الكلي الذي يفضي إلى اللافراق. أو تلك الانقطاعات التي تفضي إلى دخول بطل مزيف إلى مسرح الأحداث يهدد علاقة العاشقين، لذا اتفقا على وقت معلوم للِّقاءِ مرة أخرى و هو بعد ثلاثة أيام:

” فحلفت له زهرة الأنس  لا تزيد عن ثلاثة أيام و تبعث له وتجتمع به و دعته وخرجت هي وجوارها.”(2).

كان اللقاء الثاني في دار زهرة الأنس ليكتمل اللقاء الجسدي الأكبر بعد أن اشتد بهما الغرام ليكون الاكتمال الجسدي، و لكن ابن الملك تفكر أصله و قصره ، وقال لمحبوبته أنه لن يغيب أكثر من أربعة أيام، و يحصل الفراق الذي هيج المشاعر و العواطف. وفي الأثناء يحصل  منغص جديد في تلك الأحداث تمثل في أن السيدة زهرة  الانس  كان يحبها رجل من البرابر؛

” كان لزهرة الأنس رجل من البرابر، من قرية على ساحل البحر يقال لها تدلس ، قد عشق زهرة الأنس  وتمكن بها في حياة أمها و كان يأتي إليها في كل سنة مرتين قبل تمكنها بابن الملك ووصى لها به.”(3)  .

       حصل نظام تراسلي بين زهرة الأنس و رجل البربر عن طريق جارية اسمها خفاشة. وكان مرة ابن الملك عندها حين أحضرت خفاشة  كتاب  رجل البرابر يخبرها بقدومه. يصف النص خفاشة :”و إذا بعجوز عوراء، شينة الخلق ،طويلة النيبان، مسودة، زرقاء،فلما رآها ابن الملك قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم “(1)

زهرة الأنس
نظام التراسل العشقي والعشقي المزيف  
خريفة الصيف                                   خفاشة
ابن الملك                                     رجل البرابر

 

” وكانت تلك الجارية تحب البربري حبا شديدا فخرجت ودخلت سريعة و أشارت إلى زهرة الأنس، فقالت لها وتكلمت معها سرا و ناولتها كتابا و ابن الملك ينظر إليهم خفية بحيث لم يروه[…] فأدخل يده في جيبها و أخرج كتابا مختوما ففكه و قرأه و فهم معناه ووجد فيه شعرا و هو عند تلك الرجل البربري الذي تقدم ذكره فاصفر وجه ابن الملك و ظهر عرق الغضب بين عينيه و لم يعلم بذلك أحد من أصحابه.”(2)ص240.

ليشكل رجل البرابر مُنغِّصًا في علاقة ابن الملك مع زهرة الأنس ،وتبدأ  فصول الغضب والانزعاج والجفاء.

” فلما سمع ابن الملك كلام النديم اغتاظ غيظا شديدا وقال ياحسرتي عن ما مضى وأسفي عن ما ظهر . يا حسن أظن أن البربري صاحب الكتاب، قد أتى وهو هناك يتنادم مع زهرة الأنس.”(1) ص247.

و بعد مدّ وجزر ينهزم مشروع العاشق المزيف و ينحدر، بعد اختلاق مجموعة من القصص المزيفة ليجد  النظام التراسلي المزيف على الجارية خفاشة وسيلة لتتقابل السيدة زهرة الأنس مع رجل البرابر

  • هذا الرسول/ الجارية خفاشة اختلقت قصة كاذبة لتداري على رجل البرابر، وقالت للسيدة زهرة الأنس خالك مريض ويريدك أن تحضري عنده. و لكن مشروع العاشق المزيف سرعان ما انهيار و تلاشى أمام العشق الصادق الذي جمع زهرة الأنس والأمير.

” وأما زهرة الأنس  لما دخلت دارها استقبلوها جواريها  والعجوز تلطم وجهها وتنتف شعرها فسألت زهرة الأنس وقالت ما شأن هذه العجوز تلطم وجهها؟ فقالو: ياستي لما خرجت و سرت مع ابن الملك إلى البستان فرآكما البربري حين ركبتم وخرجتم اغتاظ غضبا و بعث خديمه أخذ حوائجه، وحلف لا يعود إليك ولا يعرفك ولا تعرفينه.”(2).

 

5-نظام القفلة:

يبدأ النص بخطبة الحاجة و ينتهي بقفلة شعرية تبين أصل الرَّاوي، وتعيد صياغة القصة في شكل شعري، حيث يعمل السارد على شعرنة القصة أو تصريفها ضمن قالب شعري حين يبدأ بقوله:

كتبت حكايتي بالشوق والضمائر        و أنا الضعيف بن ملك الجزائر

هذا النوع من القفلات الشعرية، يفيد مقصدا معينا أن يكون لهذه القصة الانتشار المكاني من خلال شعريتها لتروى في الأسواق و البلاطات المختلفة، ومن ثم يسهل على الناس حفظها وسردها.

وهو نوع من أنواع اكتساب الشرعية الأدبية عند جمهور المخاطبين كما قلنا آنفا، و يعمل القالبين السردي و الشعري  على إشاعة الحكاية وفق مقدرات كل  جنس.

القصيدة
الحكاية
الاختزال
الإسهاب

 وهذا يبين عن ذكاء عميق من الراوي ليصل إلى مختلف الشرائح الاجتماعية، وتصبح قصته حديث المجالس ممن يتقنون أغراضا شعرية كانت أم حكائية، حيث يجد كل واحد ضالته.

قائمة المصادر والمراجع:

المصادر:

أبو القاسم سعد الله، تحقيق حكاية العشاق في الحب و الاشتياق لمصطفي بن ابراهيم، مجلة الثقافة، العدد 118.الصادرة عن وزارة الاتصال و الثقافة.  فيفري 2004.

محمد ابن ابراهيم ،حكاية العشاق  في الحب و الاشتياق ،تحقيق أبو القاسم سعد الله، ضمن مجمع النصوص الغائبة ؛انطولوجيا الرواية الجزائرية التأسيسية .1- محنة التأسيس ،جمع واسيني الأعرج ،دار النشر “الفضاء الحر” الجزائر 2007.

المراجع:

أدونيس، كلام البدايات، دار الآداب ،بيروت ط1 1989.

الطيب ولد العروس، أعلام من الأدب الجزائري الحديث، دار الحكمة للنشر، الجزائر، 2009 .

حمدان بن عثمان خوجة، المرآة ، تحقيق محمد العربي الزبيري، منشورات ANEPالجزائر .2005. ص :149.173

رشيد بن مالك، قاموس مصطلحات التحليل السيميائي للنصوص(عربي-انجليزي-فرنسي) دار الحكمة الجزائر 2000

سعيد يقطين: السرد العربي مفاهيم وتجليات، دار رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 2006.

  • -البايلك كلمة تركية الأصل ، و المقصود بها كل ما هو عمومي، حيث كانت الجزائر في المرحلة العثمانية مقسمة إلى مجموعة بايلكات، وتسعمل الكلمة للدلالة على كل ما هو ملك للدولة، أو كل ما هو عمومي، لتصبح في عرف الاستخدام اليومي للناس تقصد كل ما هو شوارعي، أي تحيل إلى ما هو هامشي على حساب ما هو مركزي أو مؤسسي . أي أن البايلك هو منطق السلطة في حيازة الشارع. حيث يصبح الشارع مكان للّعب السلطة، لتستعيد هذه الأخيرة سيطرتها أو لنقل تعمل على تعديل ميزات فعلها السلطوي. وهذا ما يجعلنا نتصور أن السلطة قسمت الفضاء إلى قسمين؛ فضاء القصر في مقابل فضاء البايلك .
  • – ولد ببلدةقمارولاية وادي سوف جنوب شرق الجزائر في الأول من يوليو سنة 1930 م..من أهم مؤلفاته “تاريخ الجزائر الثقافي “”الحركة الوطنية الجزائرية”. توفي 17/12/2003.

(1 أبو القاسم سعد الله، تحقيق حكاية العشاق في الحب و الاشتياق لمصطفي بن ابراهيم، مجلة الثقافة،العدد 118.الصادرة عن وزارة الاتصال و الثقافة.  فيفري 2004 ، ص132.

(2) المرجع نفسه، ص132.

(1) المرجع نفسه. ص132-133.

(1) نقل كتاب المرآة لمؤلفه حمدان خوجه صورة حية للوضع الذي كان سائدا قبل و بعد حكم البايات ، لكونه كان شاهدا على فترة الاستعمار الفرنسي نقل بكل موضوعية تلك الأحداث، ويحكي حمدان خوجة بالتفصيل قصة وصول الجيش الفرنسي إلى سيدي فرج ويعطي لمحة عن الفساد الذي عم نظام البايات .

حمدان بن عثمان خوجة، المرآة ، تحقيق محمد العربي الزبيري، منشورات ANEPالجزائر .2005. ص :149.173

(2)  الطيب ولد العروس، أعلام من الأدب الجزائري الحديث، دار الحكمة للنشر، الجزائر، 2009 .ص30.

(3)  المرجع نفسه، ص33.

(4)  أبو القاسم سعد الله،المرجع السابق. ص133.

(5)  الطيب ولد العروس، المرجع السابق .ص35.

(1)  المرجع نفسه .ص 29- 30.

(2)  المرجع نفسه، ص30.

  • – نذكر من هؤلاء – نبيلة إبراهيم : القص الشعبي. -سعيد يقطين: السرد العربي مفاهيم وتجليات.

(1)  أدونيس، كلام البدايات،دار الآداب ،بيروت ط1 1989. ص 158.

[1] – يضع ابن خلدون تصورا مفاده أن حال البلاغة من حال العمران، أي أن هوية اللسان من هوية العمران الذي يسكنه، وهنا يقول عنه الباحث محمد الصغير بناني شارحا مقصود ابن خلدون حين يقول “فالعمران البشري في أرقى مظاهره و أدق صناعاته يتجلى أحسن ما يتجلى في صناعة العبارة التي يتضافر العقل و الذوق على بلورتها في الجملة البلاغية . وهذه الجملة التي بلغت الصناعة فيها عنده قمة العمران –كما سنرى- ستكون بدورها محطة انطلاق لتوليد نماذج عمرانية أخى” محمد الصغير بناني، البلاغة والعمران عند ابن خلدون،ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر .1996. ص: 4.

(1)  سعيد يقطين: السرد العربي مفاهيم وتجليات، دار رؤية للنشر والتوزيع،القاهرة، ط1، 2006، ص150.

(2)  المرجع نفسه، ص152.

(3)  المرجع نفسه، ص152.

(1)  سعيد يقطين، ص153-154.

(2)  أبو القاسم سعد الله،المرجع السابق. ص211.

[2] -محمد ابن ابراهيم ،حكاية العشاق  في الحب و الاشتياق ،تحقيق أبو القاسم سعد الله،ضمن مجمع النصوص الغائبة ؛انطولوجيا الرواية الجزائرية التأسيسية .1- محنة التأسيس ،جمع واسيني الأعرج ،دار النشر “الفضاء الحر”الجزائر 2007. ص: 211

[3] – الرواية. ص:211.

[4] – الرواية. ص: 212.

[5] -. الرواية ص: 212

[6] -. الرواية ص:212.

[7] – الرواية. ص:212.

[8] -. الرواية ص 213

[9] – الرواية.ص 214.

[10] – الرواية.ص 215.

[11] -رشيد بن مالك، قاموس مصطلحات التحليل السيميائي للنصوص(عربي-انجليزي-فرنسي) دار الحكمة الجزائر 2000.ص160.

(1)  الرواية .  ص219.

(2)  الرواية. ص220.

(2) الرواية . ص222.

(3) الرواية .ص223.

(1) الرواية .ص 228.

(2) الرواية .ص 228.

(1) الرواية  .ص 229.

(2) الرواية . ص 230.

(3) الرواية .ص 240.

(1) الرواية. ص 252.

(2) – الرواية. ص 240

(1) – الرواية. ص 247.

(2) – الرواية. ص 258.


Updated: 2020-09-15 — 15:08
JiL Scientific Research Center © Frontier Theme