جوانب من الحياة الاجتماعية في مغرب القرن التاسع عشر من خلال الرحلات الاستكشافية الإسبانية (رحلة أنطونيو دي سان مارتين نموذجا) Aspects of social life in nineteenth century Morocco through Spanish expeditions (Antonio de San Martín’s travel as a model)


 

جوانب من الحياة الاجتماعية في مغرب القرن التاسع عشر من خلال الرحلات الاستكشافية الإسبانية  (رحلة أنطونيو دي سان مارتين نموذجا)

Aspects of social life in nineteenth century Morocco through Spanish expeditions

(Antonio de San Martín’s travel as a model)

د. عادل بن محمد جاهل/جامعة ابن زهر، أگادير، المغرب

Adil Ben Mohammed Jahi/ Ibn Zohr University, Agadir, Morocco

مقال نشر في  مجلة جيل العلوم الانسانية والاجتماعية العدد57   الصفحة 9.   

      ملخص:

تهدف هذه الورقة، إلى تسليط الضوء على جانب من الرحلات الاستكشافية الإسبانية، إلى بلاد المغرب الأقصى، خلال فترة ستينات القرن التاسع عشر الميلادي، من خلال نموذج رحلة الروائي والمستكشف الگاليسي أنطونيو دي سان مارتين (Antonio de San Martín)، وتشتمل هذه الورقة، على مجموعة من المباحث، حاولنا من خلالها، التعريف بهذه الرحلة، وبصاحبها، وسياقها التاريخي، وأهم الأهداف التي جاء من أجلها صاحب الرحلة إلى المغرب، ناهيك عن الصور والانطباعات، التي خلّفها الرحالة حول المجال المذكور.

الكلمات المفاتيح: الحياة الاجتماعية، المغرب، القرن التاسع عشر، الرحلات الاستكشافية الإسبانية، أنطونيو دي سان مارتين.

Abstract:

The purpose of this paper is to highlight some of the Spanish expeditions to Morocco during the 1860s, through the model of the journey of novelist and explorer Antonio de San Martín.This paper includes a series ofTopics; we tried through them, the definition of this journey, its owner, its historical context, not to mention images and impressions, left behind by The Exploreron the areamentioned.

Keywords: Social life, Morocco, 19th century, Spanish expeditions, Antonio de San Martin.

 

مقدمة:

يظهر أن أغلب الرحالين والمستكشفين والعسكريين الإسبان، الذين جابوا مجاهل بلاد المغرب الأقصى، على الأقل منذ مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، كانت المغامرة، وارتياد المجهول، واكتشاف العجيب والغريب، والتنقيب عن الطريف والمدهش، والخروج على المألوف، والبحث عن الثراء السريع، والرغبة في الحصول على جائزة خاصة، من الغايات الرئيسة، التي دفعتهم إلى التنقل إلى عين المكان، متجشمين عناء السفر في البر والبحر، ومخاطرين بأرواحهم وأجسادهم، أملا منهم في تحقيق بعض المكاسب، المادية والمعنوية والرمزية. وعلى هذا الأساس، وانطلاقا من تلك الدواعي، وصل إلى بلاد المغرب، الذي كان يكتسي في مخيّلة الأوروبيين بشكل عام، طابعا غرائبيا، جمهرة كبيرة من المغامرين والمدنيين الإسبان، الذين ضاقت بهم سبل العيش في بلادهم، ومنهم أيضا، المستكشفين والرحالين المحترفين، الذين تعوّدوا على الرحلة، وركوب الأمواج، ومنهم رجال الدين، الذين رغبوا في القيام بنشر رسالة المسيح، وتعاليم الإنجيل، ومنهم رجال العلم، حملة الريشة والقلم، الذين استهوتهم الأبحاث عن الغريب في الطبيعة والإنسان. ونجد من بين هؤلاء المستكشفين، أيضا، الضباط العسكريين، الذين عملوا على إعداد معرفة جغرافية، ورصد أحوال المنطقة والساكنة، وجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات والبيانات، مهما بدت صغيرة وتافهة، تمهيدا لغزو قد يأتي لا محالة، ومنهم المستكشف بالصدفة، الذي وصل إلى المنطقة، بكيفية أو بأخرى، فاستهوته مجاهل بلاد المغرب، بلاد “العجائب”، و“الغرائب”، و“الخوارق”، و“الإثارة”، فحرّر على إثرها، ارتسامات وخواطر وانطباعات، مرتبطة بالمجال والإنسان المغربي.

علاوة على ما تقدّم، نجد أن أغلب هؤلاء الرحالين والمستكشفين والعسكريين الإسبان، قبل أن تطأ أقدامهم “الإيالة الشريفة”، كوّنوا خلفية تاريخية، وجغرافية، ودينية، أصيلة وعميقة؛ حيث درسوا الثقافة المغربية، بأبعادها المختلفة، بل أكثر من هذا، تعلموا اللهجات المحلية، والعلوم الإسلامية، وعادات السكان المحليين؛ وذلك كله، من أجل تسهيل مأموريتهم، والنجاح في مهمتهم. وانطلاقا من ذلك، تمكّن هؤلاء الرحالين والمستكشفين والعسكريين الإسبان، من جمع كم هائل ومهم من الأخبار، والمعلومات، والبيانات، القيّمة، عن الوضعية السياسية، والعسكرية، والاجتماعية، والاقتصادية، والقبلية، للمغرب، كما كانوا شهود عيان على الكثير من التفاصيل الدقيقة، عن أوضاع هذه البلاد، وجغرافيتها، ومسالكها، وحياة قاطنيها، ومُثلهم الأخلاقية، خلال طيلة الشهور والسنوات التي قضوها فيها؛ قصد التقصي والاستخبار، عن جزء مهم واستراتيجي من القارة الإفريقية[1].

في المقابل، واجه هؤلاء المستكشفين والرحالين والعسكريين الإسبان، أثناء تسللهم للمجال المذكور، أو أثناء إجراءهم لبحوثهم الميدانية فيه، صعوبات، وعراقيل، ومشقات، جمّة، حيث إن بعضهم تعرض للأسر، والإغارة، والسرقة، والموت، والجوع، والعطش، والتهديدات البشرية، وتباين الألسـنـة، واختلاف العادات، ومنهم أيضا، من واجه الحرارة المفرطة، والمرض، والأوبئة، وآلام الغربة، وعدم وضوح معالم الطريق. وكيفما كان الحال، ورغم الصعوبات، والمشاق، والعقبات، الطبيعية والسوسيو ثقافية، الكثيرة والمتنوعة، التي اعترضت هؤلاء الرحالين، والجوالين، والمستكشفين الإسبان، أثناء تسللهم للمجال المذكور، أو أثناء أبحاثهم وتحرياتهم الميدانية فيه، إلا أنهم تمكّنوا جميعهم، من تقديم مادة معرفية أولية، عمّا شاهدوه، وسمعوه، وعاينوه، عن شؤون وأوضاع هذه البلاد الإفريقية المجهولة، وغير المعروفة لديهم، سكانا، وقبائل، وشيوخا، خاصة وأن هذا المجال، يُعتبر من المجالات التي لم يتيسّر للرواد والمستكشفين الإسبان الأوائل، زيارتها ومعرفة تفاصيل أحوالها وشؤونها عن قرب.

وتُعتبر رحلة “مدينة النعاس: رحلة إلى داخل المغرب” (la Ciudad del Sueño: Viaje al Interior de Marruecos)، للروائي والمستكشف الإسباني أنطونيو دي سان مارتين (Antonio de San Martín)، من بين أوائل الشواهد المصدرية التاريخية الإسبانية، التي أرّخت للمغرب والمغاربة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، خاصة لما لهذه المرحلة من أهمية قصوى، من الناحية التاريخية والاجتماعية والسياسية، حيث تميزت بتسارع الأحداث، وتلاحق الوقائع، إضافة إلى ما كان لها من تأثير كبير في توجيه تاريخ المغرب المعاصر، وإحداث تحولات كان لها وقعا عميقا في بنياته العتيقة، سواء من الناحية السياسية، أو العسكرية، أو الاجتماعية، أو الاقتصادية، أو الدينية، وحتى الثقافية، والفكرية.

وهكذا، تضمّنت الرحلة السالفة الذكر، معلومات، ومعطيات، وإيماءات، نفيسة وكثيفة، عن الأحوال الاجتماعية، والحياة اليومية، والعادات، والتقاليد، والاحتفالات، في مغرب القرن التاسع عشر الميلادي، وهي بيانات، تُعتبر بحق، نادرة، وثمينة، ومثيرة، وقلّما تلتفت إليها المصادر والكتابات المحلية التقليدية، المكتوبة باللغة العربية، والمتميزة بالشح والابتسار، على صعيد عناصرها الإخبارية، حيث نجدها لا تهتم إلا بما هو سياسي، وعسكري، وما ارتبط بالأسر، والسلالات الحاكمة، ومآثر الأمراء، والسلاطين، والأعيان، أمّا ما تعلق بالمجتمع وعناصره المختلفة، فمن النادر ما نجدها تعطي إفادات مهمة حوله، إذ جعلته قطعة من التاريخ “المسكوت عنه”، حيث لا تقدّم إلا إشارات مقتضبة، وضحلة، ومبعثرة، وعابرة، ومتضاربة، يتواتر فيها الوضوح أحيانا، والغموض والإبهام أحيانا أخرى. وهكذا، لا تمكّن هذه البيانات الدارس مُطْلقا، من إماطة اللثام عن معظم ثوابت المجتمع ومتغيراته، كما أنها لا تسمح له بأن يغوص في أعماق الواقع الاجتماعي للمجال المذكور، بكيفية عميقة وأصيلة، وحتى إذا ما قدّمت هذه الكتابات المحلية الكلاسيكية، بيانات ومعلومات حول المجتمع وسواد الشعب، فإننا نجدها فقط تُقدّم إفادات قليلة، وتلميحات خجولة، وشذرات موجزة، متناثرة هنا وهناك، سقطت سهوا من أقلام مُؤَلِّفيها؛ لأن أصحابها اعتادوا التأريخ للخاصة، من دون إيلاء العامة ما تستحق، من حيث أدوارها وأهميتها في تطور مجريات الأحداث والوقائع التاريخية.

وممّا ينبغي لفت النظر إليه بهذا الشأن، هو أن المستكشف الإسباني أنطونيو دي سان مارتين، درس، وبإسهاب، كل ما له علاقة مباشرة بالمجتمع المغربي، من أبسط الأشياء إلى أعمقها دلالةً، كما أنه أرَّخ لمنسيي التاريخ، ولمن لا تاريخ لهم، من: بؤساء، وبسطاء، ومستضعفين، ومهزومين، ومهمشين، وغيرهم، الشيء الذي جعل من رحلته المذكورة، مجال “التاريخ اللاّمفكر فيه”، أو مجال “التاريخ المنسي”، وهكذا أفرز لنا هذا المصنف الرحلي الإسباني المتميز، منتوجا علميا، بالمعنى والكلمة، جدير بالاهتمام والقراءة، وما أحسب أننا أعطيناه حقه من البحث والدراسة، حيث ظل هذا التراث العلمي لحقبة طويلة، مغمورا، خامل الذكر، بعيدا عن كل إشارة؛ لأسباب مختلفة ومتعددة، منها: النظرة السلبية للإنتاج الكولونيالي، الذي يُوصف في الغالب الأعم، وإلى عهد قريب، بأنه تحصيل حاصل، لا يقدّم ولا يؤخّر، أو أداة للهيمنة والسيادة على الآخرين، أو لأنه مرتبط بالسلطة الاستعمارية، إضافة إلى مشكل اللغة، ثم صعوبة الوصول إلى هذه النوعية من المصادر النفيسة، التي تبقى في المجمل حبيسة رفوف الخزانات والربائد الأجنبية.

إذن، ما هي الصور التي رسمها الروائي والمستكشف الإسباني أنطونيو دي سان مارتين عن المغرب والمغاربة؟ وإلى أي حد تمكّن من تشخيص الواقع الاجتماعي للمجال المذكور، في فترة النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي؟

هذه الأسئلة، وما سِواها، هي التي سنحاول البحث عن أجوبة لها، في قادم سطور هذا العرض.

أولا: التعريف بالمستكشف أنطونيو دي سان مارتين ورحلته المغربية

1: من هو أنطونيو دي سان مارتين؟

أول ما يجدر الانتباه إليه، بهذا الصدد، أن المصادر والشواهد التاريخية، لا تمدنا إلا بالنزر اليسير فيما يتصل بجوانب من بيوغرافية صاحب هذه الرحلة الاستكشافية وحياته، ومع ذلك، يمكن أن نستمد من تلك المعطيات القليلة والشحيحة، والمتناثرة هنا وهناك، في بعض المؤلفات الأجنبية، وبصفة خاصة في كتابات الرحالة نفسه، بعضا من تفاصيل شخصيته العلمية والاجتماعية والثقافية. وهكذا، فأنطونيو دي سان مارتين، كما ورد في رحلته الاستكشافية المغربية، هو من مواليد مدينة لا كورونيا (la Coruña)[2]، عاصمة منطقة گاليسيا (Galicia)، الواقعة في شمال غرب إسبانيا، بتاريخ 13 يونيو 1841م، هو روائي وشاعر ومستكشفإسباني، ينتمي إلى عائلة متوسطة الحال[3]، ويظهر من خلال إشارات عدة، أن صاحب الرحلة، كان مغروما ومفتونا، بالسفر والمغامرة، وبالاغتراب وشد الرحال، حيث يقول في هذا الجانب: ”كنت قبل بضع سنوات، موجودا في لا كورونيا، المدينة التي ولدت فيها، وكنت حينئذ لا أزال شابا يافعا، ورغبتي في السفر، ورؤية العالم، جعلتني قلقا للغاية، ولم تسمح لي بالاستمتاع بهدوء وملذات شبابي”[4]، هذا الشغف بالسفر والمغامرة، كان يحده، ويكبح جماحه، عائقا وحيدا، هو ضعف الإمكانات المادية لعائلة أنطونيو دي سان مارتين، في هذا الصدد، يقول:“عائلتي كانت لديها القليل من وسائل الثروة، ولم تستطع إشباع رغبتي المتحمسة للسفر عبر أرجاء أوروبا”[5]. ويضيف بأن عائلته رغم فقرها وظروفها المادية، الصعبة والمزرية، كانت ترسله بانتظام في رحلات صغيرة إلى بعض “البلدات الخلابة”[6] كما يسميها، بيد أنه وكما يقول تزيده تلك الرحلات، ظمأ ورغبة في اكتشاف عوالم ومجالات أخرى مجهولة[7]. وهكذا، كان يتغلب على تلك الرغبة الجامحة والملحة في السفر والاستكشاف، بقراءة كتب الرحلات والمغامرات، لكن تلك القراءات رغم فوائدها ومتعتها الكبيرة، إلا أنها كانت، بكيفية أو بأخرى، تلهب النار في داخله، وتزيده سعيرا، ورغبة في السفر، واكتشاف العوالم والأقطار، الغريبة والمجهولة والمغلقة[8].

بالإضافة إلى ما سبقت الإشارة إليه أعلاه، فإن أنطونيو دي سان مارتين، ستعرف حياته تغييرا جذريا، بعد أن قام أحد أصدقاء طفولته، والذي يشتغل والده في منصب سام بالدولة الإسبانية، حيث كان وزير دولة، بالتوسط له من أجل إيجاد عمل له، وهكذا وجد له وظيفة توازي حجمه وكفاءته، حيث كانت هذه الوظيفة، تتمثل في القيام برحلة استكشافية استخباراتية إلى بلاد المغرب[9]، وحتى نستشف مضمون هذه الوظيفة بشكل دقيق، نستمع إلى الرسالة التي أرسلها النائب في الكورطيس (Cortes) أي البرلمان الإسباني، الدون مانويل كالديرون (Manuel Calderón)، حيث يقول: “قم بتنفيذ المهمة الموكلة إليك، وكن على يقين أن كفاءاتك سترتقي بك يوما ما، عاجلا أو آجلا، إلى تحقيق مسار مهني لامع، إن البلد الذي ستعيش فيه، على الرغم من قربه من إسبانيا، فإنه غير معروف تقريبا. ادرس بعناية عاداتهم، واحرص على نيل رضى رؤسائك، وفي لحظات الترفيه والفراغ، دوِّن كتابا يتيح لنا معرفة أسرار تلك الأرض غير المكتشفة والمجهولة تقريبا”[10].

كانت فرحة أنطونيو دي سان مارتين، بهذه المهمة الجديدة، كبيرة جدا، في هذا الإطار، يقول: “كنت متحمسا وسعيدا للغاية وكدت أُجنُّ بهذه الرحلة غير المتوقعة، التي جاءت لتحقيق أمنياتي ورغباتي، ولا شيء من هذا العالم، كان يمكنه أن يجعلني أتخلى عن أهدافي ونواياي”[11]، بيد أن هذه السعادة، وهذه الفرحة العارمة بهذه المهمة، سرعان ما تحولت إلى حزن ونكد وألم، خاصة بعد أن رفض والديه وأصدقائه سفره إلى بلاد المغرب، يقول في هذا السياق: “حاول والدي وبعض الأشخاص الذين كانت لهم نوعا من السلطة عليّ، إقناعي بالامتناع عن عزمي وأهدافي، بيد أن كل مجهوداتهم كانت بلا جدوى، فقد كنت متحمسا وسعيدا بهذه الرحلة”[12]، وهكذا “قمت بالاستعداد لسفري مع أقصى درجات الفرح والسعادة وإثارة محمومة، في حين أن والدي المسن، وأختي العزيزة، وأقاربي برمتهم، وبعض أصدقائي المقربين، كانوا جد آسفين لهذا الرحيل غير المتوقع”[13].

في نفس المنحى، يرى أنطونيو دي سان مارتين، أن السبب الأول والأخير، الذي جعل عائلته وأصدقائه، لا يرغبون في سفره إلى بلاد المغرب، هو “أن المغاربة الذين انتصرت عليهم [إسبانيا] منذ فترة قصيرة، لا بد أن يحتفظوا في قلوبهم بضغينة إفريقية ضد كل ما ينشأ أو يصدر عن إسبانيا”[14]، ويضيف قائلا: “سيقتلونك بغثة في يوم من الأيام، هكذا صاح والدي والدموع في عينيه، إن الجيش [الإسباني] الذي احتل مدينة تطوان قد غادرها بالفعل، ولم يعد هناك أي جندي من جنودنا في كل بلاد البربر. ماذا سيقع للإسبان التعساء الذين يعيشون منذ تلك اللحظات إلى الآن، في تلك البلاد النصف المتوحشة؟ سيهلكون! سيهلكون! لاريب في ذلك، ضحايا ضغائن وأحقاد الجنس البشري المتأججة، اليوم أكثر من أي وقت مضى، من خلال الحملة [العسكرية الإسبانية] المجيدة التي انتهت بخير لحسن الحظ[15]. ثم يضيف قائلا على لسان والده: “آه لو أن والدتك مازالت حية، فأنا متأكد من أنها ستصل بدموعها وتوسلاتها إلى ما لا أستطيع تحقيقه بملاحظاتي المتكررة”[16]، ويُخبرنا المستكشف أنطونيو دي سان مارتين، أن كلمات وتعابير والده الحزينة، السالفة الذكر، قد سببت له قلقا عظيما، بل ونوعا من الندم، لدرجة أنه اعتقد بأنه كان مخطئا، بيد أن رغباته وولعه الشديد بالسفر والمغامرة، كان أكثر قوة وعمقا من عاطفة البنوة لديه، الشيء الذي جعله لا ينصاع إلى رغبة والده في عدم السفر إلى بلاد المغرب، الذي وصفه ببلاد “التوحش” و“المتوحشين”[17].

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، كان أنطونيو دي سان مارتين، غزير التأليف والإنتاج، خاصة على المستوى الكتابة الروائية؛ إذ دوّن حوالي 200 رواية، ذات البعد التاريخي، مجملها نشرت على شكل حلقات مسترسلة، في أبرز الصحف والمجلات الإسبانية، المعروفة وقتذاك في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وعلى الرغم من غزارة إنتاج أنطونيو دي سان مارتين، الرجل الوطني والتقدمي، إلا أن كتابه رحلة “مدينة النعاس: رحلة إلى داخل المغرب”، الذي هو موضوع هذا العرض، يظل أبرز كتاب أنجزه ودوّنه الرحالة الآنف الذكر، ولا تكمن قيمة وأهمية هذا الكتاب، من حيث ما يزخر به من انطباعات ومشاهد وبيانات حول بلاد المغرب، فحسب، بل وإنما من خلال ما يزخر به من رؤية الآخر الأجنبي، البعيد عن الصراعات والتناحرات القبلية، المستشرية عصرئذ في مختلف الربوع والجهات المغربية.

توفي الروائي والمستكشف الإسباني أنطونيو دي سان مارتين، في مدينة لا كورونيا (la Coruña)، يوم 4 غشت 1887م، وذلك عن عمر لا يتجاوز 46 سنة، توفي في أوج عطائه العلمي والاستكشافي، مخلفا وراءه أعمالا تاريخية وروائية، كثيرة ومتنوعة، والتي تميزت بدقة التصنيف، وسعة الاطلاع، وتفتح في النظر، وحصافة في الرأي.

2: السياق التاريخي لرحلة أنطونيو دي سان مارتين المغربية

جرت أحداث هذه الرحلة الاستكشافية، لصاحبها أنطونيو دي سان مارتين سنة 1863م، أي مباشرة بعد هزيمة المغرب أمام إسبانيا سنة (1859م-1860م) في “وقعة تطوان”، المعروفة في الإسطوغرافيا الإسبانية بـ “الحرب الإفريقية” (la Guerra de Africa)،وهي فترة تاريخية، تميزت بكثرة الأحداث والوقائع السياسية والاجتماعية، وما يميز هذه الظرفية التاريخية، أكثر، هو تزايد واشتداد مظاهر التوتر والصراع في العلاقات المغربية الأوروبية بصفة عامة، والإسبانية على وجه الخصوص، وقد شهد المغرب خلال هذه المرحلة الحرجة من تاريخه، مجموعة من الضغوطات والتناقضات، مست مختلف الميادين والمجالات الاقتصادية، والسياسية، والعسكرية، والديبلوماسية.

ويمكن إجمال هذه الضغوطات[18]، المتنوعة المقاصد والأهداف، في عواقب معركة إيسلي سنة 1844م، ومعاهدة للامغنية سنة 1845م، وما ترتب عليها من إجحاف وتقزيم لحدود المغرب الشرقية والجنوبية، ثم هناك المعاهدة التجارية التي وقعها المغرب مع بريطانيا سنة 1856م، وما حملته من استغلال فاحش لخيرات المغرب، هذا بالإضافة إلى الحرب التي فرضتها إسبانيا على المغرب سنة 1859م-1860م، وما صاحبها من تعنت إسباني أثناء التوقيع على معاهدة الصلح في 26 أبريل 1860م؛ التي التزم فيها المغرب بدفع غرامة مالية باهظة بقيمة 100 مليون بسيطة، كتعويض عن الخسائر التي زعمت إسبانيا أنها لحقت مناطق نفوذها بالمغرب[19]، هذا بالإضافة إلى توقيع المغرب يوم 16 غشت 1863م، تحت تهديد الأسطول الفرنسي بقنبلة الموانئ والمدن المغربية، معاهدة تجارية عرفت في الأدبيات التاريخية المغربية بـ “وفق بيكلار” (Béaclard)، والتي من خلالها رسخت فرنسا تواجدها في التراب المغربي.

3: أهداف رحلةأنطونيو دي سان مارتين المغربية

نستطيع القول، من خلال ما توافر لدينا من معلومات وبيانات، إن رحلة أنطونيو دي سان مارتينالاستكشافية إلى بلاد المغرب، كانت لها ثلاثة أهداف رئيسة ومتمايزة، وهي:

  • الهدف الأول: نكتشفه وعلى لسان النائب في الكورطيس (Cortes) أي البرلمان الإسباني الدون مانويل كالديرون (Manuel Calderón)، حيث يقول: “ادرس بعناية عاداتهم، واحرص على نيل رضى رؤسائك، وفي لحظات الترفيه والفراغ، دوِّن كتابا يُتيح لنا معرفة أسرار تلك الأرض غير المكتشفة والمجهولة تقريبا”[20].
  • الهدف الثاني: فيتجلى في المشاركة ضمن البعثة السِّفارية الإسبانية، التي ترأسها الدون فرانسيسكو ميري إي كولون (Francisco Merry y Colón)، الوزير المفوض للمملكة الإسبانية بمدينة طنجة، التي كانت تهدف إلى لقاء السلطان المغربي المولى محمد بن عبد الرحمن، لأجل التباحث في القضايا المشتركة التي تهم البلدين[21].
  • الهدف الثالث: فيتمثل في المشاركة ضمن الوفد الإسباني، المكلف باستخلاص المداخيل الجمركية بالموانئ المغربية، تطبيقا لبنود معاهدة 26 أبريل 1860م، التي تنص إحداها على تعويض المخزن المغربي لإسبانيا خسائر الحرب، والتي قدرتها بحوالي 20 مليون من الريالات الذهبية، مقابل الخروج من مدينة تطوان، وقد أنيطت بالمستكشف أنطونيو دي سان مارتين، تحصيل هذه المداخيل الجمركية في الجهة الشمالية للمغرب، وتحديدا بمدينة العرائش[22].

4: مسار رحلة أنطونيو دي سان مارتين المغربية

كانت انطلاقة رحلة أنطونيو دي سان مارتين الاستكشافية إلى بلاد المغرب في سنة 1863م، وهكذا قصد في طريق الذهاب المدن والمحطات التالية: لا كورونيا (la Coruña)، قادس (Cádiz)، كارِّيل (Carril)، بيگو (Vigo)، لشبونة (Lisboa)، جبل طارق (Gibraltar)، طريفة (Tarifa)، سبتة (Ceuta)، طنجة (Tánger)، العرائش (Larache)، بادية القصر الكبير (Alcazarquivir)، أصيلة (Ácila)، الريف (Rif)، موگادور (Mogador)، حاحا (Haha)، الشياظمة (Schiedma)، مراكش (Marrakech).

ولعل ما يلاحظ، في هذا الصدد، أن المستكشف والرحالة أنطونيو دي سان مارتين، قد زار مجمل حواضر وبوادي بلاد المغرب، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، في إقبال نادر، ورغبة جامحة، واندفاع غريب، أما غايته الرئيسة من وراء كل هذا، فتتجلى أساسا في القيام بمسح شامل للمجال الجغرافي المغربي، من حيث البنية، والتضاريس، والمناخ، والمجتمع، إضافة إلى دراسة الإمكانات الاقتصادية، التي يتوفر عليها المجال المذكور، تمهيدا لاحتلاله، فجاءت رحلته الاستكشافية الاستعلامية، محتوية على بيانات وفيرة، ذات أهمية بالغة، تعتبر بحق، منجما غنيا، ومنبعا ثَرّا، زاخرا بالأخبار، والطرائف، والعجائب، والغرائب،يندر العثور على مثيلاتها في المصادر التاريخية والجغرافية الأخرى، التي تطرقت إلى تاريخ المغرب وحضارته.

5: رحلة أنطونيو دي سان مارتين المغربية: (قراءة في قيمتها العلمية، ومكانتها التاريخية)

لا مشاحة في أن رحلة “مدينة النعاس: رحلة إلى داخل المغرب”، لمؤلفها أنطونيو دي سان مارتين، تعتبر بحق من أهم الكتابات الرحلية الأجنبية، التي أرخت بدقة متناهية لأوضاع المغرب الاجتماعية، وتحديدا في فترة النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، وهكذا أسهمت هذه الرحلة الاستكشافية الاثنوغرافية، بجلاء، في بلورة ومعالجة قضايا وموضوعات تاريخية واجتماعية وأنثروبولوجية، جد نادرة، بل ومثيرة، لم تكن البتّة تلتفت إليها الكتابات المحلية الكلاسيكية أو تعيرها اهتماما.وإنصافا منا، نقر جازمين بأن هذه النوعية من البيانات والمعطيات، ذات الطبيعة الاجتماعية والأنثروبولوجية، لم نكن نعتقد أو نتصور إطلاقا أن تلتفت إليها هذه الرحلة الاستكشافية الإسبانية، أو بالأحرى أن تكشف عن الكثير من التفاصيل والجزئيات حولها؛ حيث درس صاحب الرحلة وبشكل دقيق ومسهب، الحياة اليومية والمعيشية للمغاربة أو “الموروس” (Moros) أو “المرُّوك” (el Marroc)، كما يسميهم، مثل: (اللباس، والسكن، والاستهلاك)، كما عمل على وصف (أشكال المعاش، والعادات، والتقاليد، والفنون، والفلكلور، والمعتقدات، والطقوس، والمتخيّل)، إضافة إلى ظواهر اجتماعية أخرى، متنوعة، مثل: (الرق، والحرابة، والجنس، والشعوذة، والسحر، واللهو، والجريمة، والدين، والعنف، والتمثلات، والذهنيات، وسلوك السكان المحليين، وعناصر الثقافة المادية، واللامادية).

وهكذا، حاول الرحالة والمستكشف الإسباني الشاب أنطونيو دي سان مارتين، أن يدرس هذا المجتمع المغربي بالحفر في قعره العميق، من أجل تكوين مادة معرفية دقيقة وواضحة، لدوائر الحركة الاستعمارية الاسبانية، وهو المجال، الذي وصفه بـ “المجهول”، و“الغرائبي”، و“المغلق”. بيد أن أهم ما يميّز هذا المصنف الرحلي الإسباني عن غيره، هو أنه عبارة عن تحريات وأبحاث ميدانية مباشرة ومكثفة، وفي عين المكان، كما استغل أيضا مجمل الروايات الشفهية المتواترة، ممّن لهم خبرة وتجربة بالمجال والإنسان المغربي، أجانب كانوا أم من الأهالي.وما ساعد الرحالة السابق الذكر، كثيرا، في مهمته الاستكشافية الاستخباراتية، هي وظيفته الحكومية، المتمثلة في تحصيل مداخيل الجمارك بمدينة العرائش[23]، في إطار تطبيق بنود معاهدة صلح تطوان، المعروفة في الأدبيات التاريخية الإسبانية، بـ “معاهدة واد راس” (el Tratado de Wad-Ras)، والموقعة في 26 أبريل 1860م، ثم أيضا مشاركته في 10 ماي 1863م، عضوا ضمن البعثة السِّفارية الإسبانية تحت قيادة الوزير والدبلوماسي الدون فرانسيسكو ميري إي كولون (Francisco Merry y Colón)، والمكلفة بأمر من الملكة الإسبانية إيزابيل الثانية (Isabel II) بمقابلة السلطان المغربي المولى محمد بن عبد الرحمن[24].هذا إضافة إلى إقامته في المغرب، لمدة تربو عن 6 سنوات ونيف[25]، كل هذا مكّنه من التنقل وزيارة مدن مغربية عديدة ومختلفة، سواء الواقعة في المنطقة الشمالية، أو الواقعة في المنطقة الجنوبية، وعلى إثر كل هذا، استجمع معلومات وارتسامات، دقيقة وثمينة، عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والدينية للبلاد المغربية، الشيء الذي جعل من رحلته المذكورة، عبارة عن تسجيلات وثائقية، تصوِّر بدقة متناهية ما يثير الملاحظة حقا، بحيث قلّما نجد لها نظيرا في باقي المصادر التي أرخت للمغرب والمغاربة، في ستينات وسبعينات القرن التاسع عشر، سواء المحلية منها أو الأجنبية.

هناك نقطة مهمة أخرى، يتوجب التوقف عندها، والإشارة إليها، هي أنه ورغم المشاكل التي تطرحها هذه النوعية من الكتابات الأجنبية، من حيث موضوعيتها، وأحكامها المسبقة والتعسفية، وخطاباتها المليئة بالتناقضات، والتمثلات والمواقف الخاطئة، ناهيك عن مبالغتها في الأوصاف، والشطط في الأحكام، والكلمات والتعابير النابية والجارحة، والتي تتكرر في غير موضع، والتي لا تعكس على الإطلاق حقيقة الأمور، والتي أيضا لا ترتبط ارتباطا عضويا مع الواقع التاريخي والاجتماعي المغربي،كما أن هذه الكتابات الأجنبية، وفي أحايين كثيرة، نجدها قد غابت الحقائق عنها، أو غيّبتها عن عمد أو قصور، لدواعي امبريالية مكشوفة، أملتها الظرفية والمرجعية الاستعمارية، الشيء الذي جعلها تسقط في الكثير من التناقضات والمزالق العلمية، إضافة إلى تكريسها تلك النظرة الاستعلائية النمطية المتحاملة، المبنية على التفوق الغربي، وعلى هيمنت الحضارة الغربية الرأسمالية، وكل ذلك، من أجل خدمة أجندة “الاحتلال” و“الاستغلال”، حيث صوّرت الساكنة المحلية، كأجناس متوحشة وهمجية تارة، ومتخلفة ورجعية تارة أخرى، تعيش خارج نطاق التاريخ، وتفتقد إلى الحضارة والمدنية، وبالتالي، وجب إخراجها من عتمة البدائية إلى دائرة ضوء الحضارة الأوروبية المتقدمة[26].

صحيح، أن كل هذه الأحكام، وهذه الخطابات التعسفية، وغير الموضوعية، التي تطرحها الانتاجات المعرفية الكولونيالية، قد أبعدت مجمل الكتاب الأجانب عن مقاصد التدوين، النزيه والموضوعي، وصحيح أيضا أن هؤلاء الكتاب كان “همهم الوحيد وهدفهم الأكيد ليس دراسة البلاد وأهلها من أجل المعرفة، بل الاهتداء والتمكن من الحصول على ثروات البلاد واستغلال خيراتها وسلبها سيادتها”[27]، وهو الشيء الذي حصل فعلا، بيد أنه في المقابل، لا يجب أن ننكر قيمة وأهمية هذه الكتابات التاريخية الأجنبية؛ حيث تتضمن وبحق، إفادات وإيماءات، بإمكانها أن تساعدنا لا محالة في تعميق المعرفة التاريخية والاجتماعية حول المجتمع المغربي، وأيضا في ملامسة قضايا بحثية، جديدة ومتنوعة، وفي اقتحام زوايا تاريخية واجتماعية، معتمة ومضمرة، خاصة إذا قرئت تلك الكتابات، بطريقة علمية رصينة ومتزنة، وبعيدة عن أي خلفية وسلطة إيديولوجية.

وبالجملة، فإن الكتابات الأجنبية “لا تخلو من الفوائد ولا غنى للمؤرخ المغربي عنها (…) وللكتابات الكولونيالية فضل واضح، لا يمكن أن يجحده إلا جاهل غبي”[28]، وبناء عليه، يجب أن نُخرج هذه الكتابات الأجنبية الإسبانية من ركام النسيان، وإزالة الحيف الذي لحقها من قِبل المؤرخين والدارسين، على اختلاف تخصصاتهم العلمية والمعرفية؛ من أجل الاستفادة مما تزخر به تلك الكتابات، من ارتسامات وإيماءات، تبقى في المجمل نادرة ونفيسة، بل ومثيرة.

ثانيا: جوانب من الحياة الاجتماعية في مغرب القرن التاسع عشر من خلال الرحلة المغربية لأنطونيو دي سان مارتين

يحفل نص رحلة “مدينة النعاس: رحلة إلى داخل المغرب”، للروائي والمستكشف الإسباني أنطونيو دي سان مارتين، بمعطيات عديدة، وبيانات متنوعة، حول مختلف العوائد الاجتماعية، التي كانت منتشرة في مختلف الربوع المغربية، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، كما يحفل النص أيضا، بمعلومات وإيماءات، جد نادرة وثمينة، حول مجمل الظواهر الاجتماعية التي كانت متفشية في المجتمع المغربي، إبان منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، مثل: (شرب الخمر، وشرب الدخان، وتفشي ظواهر السحر، والشعوذة، والجهل، وانتشار جرائم القتل، وتفشي ظاهرة اللصوصية، والعنف، وقطع الطريق، وانتشار العلاقات الجنسية غير الشرعية)، وما سواها من الظواهر والقضايا الاجتماعية المثيرة، والمسكوت عنها، وما زاد من قيمة وجودة المعلومات التي اختزنها رحالتنا في ذاكرته، ودوّنها في مؤلفه، كونها معطيات ميدانية، مستقاة من عين المكان، الشيء الذي جعلها تتميز ببعد توثيقي هام، وهو ما يجعلنا نطمئن إلى نتائجها، ودقتها، وصدقها.

1: العادات الاجتماعية، والاحتفالات الشعبية

أ: حفلات الزفاف

اهتم الروائي والمستكشف الإسباني أنطونيو دي سان مارتين، أثناء تجواله في حواضر وبوادي المغرب، كسابقيه من الرحالين والمغامرين الأوروبيين، بتدوين كل البيانات والتفاصيل المثيرة، المتعلقة بموضوع الزواج وطرق الاحتفال به عند عموم المغاربة، وفي هذا الصدد، يذكر أنه في إحدى الليالي وهو جالس عند عتبة منزله، برفقة حارسه الشخصي المغربي المدعو “الفروج” (el farrux)، سَمِعَا من مسافة بعيدة صوت آلة المزمار المغربي[29]، ويُضيف “سألـ[ت] [الفروج] ما هذا؟ أجابني برزانته المعتادة، إنه حفل زفاف. وبالفعل، وبعد وقت قصير، ظهر موكب زفاف كبير في الشارع الذي يوجد فيه منزلي”[30]. وحسب رحالتنا، يسود في وسط الأوروبيين اعتقاد خاطئ، منتشر بشكل كبير وواسع، مفاده أن المغاربة يتزوجون من دون أن تكون لديهم أدنى معرفة بزوجاتهم، والحقيقة نجد العكس على لسان رحالتنا السالف الذكر، في هذا الجانب يقول: “إن هذا ليس صحيحا، حينما يرغب المورو [أي المغربي] في الزواج، فإنه يكون على علم من هم أصدقاؤه، الذين لديهم بنات أو أخوات في عمر الزواج. ومن تم يختار واحدة التي يبدو له أن لديها مهرا كبيرا، أو تملك صفات جيدة وحميدة، ولا يعدم البتة وجود أَمَة، تقوم إلى جانب توفير كم مهم من الأخبار عن سيّدتها للخاطب، بتوفير فرصة له لرؤية وجه المرأة التي اختارها زوجة له [وهكذا] تكشف [تلك الزوجة المستقبلية] في زقاق ضيق وجهها المليء بالحيوية، وحمرة لطيفة، ورغبة في الإرضاء”[31]، وإذا رضي الخاطب بمخطوبته خلال ذلك الاختبار السريع، فإنه يطلب يد الفتاة من والديها، أو من يتصرفون على هذا النحو، ويرسل لهم هدية تتناسب مع وضعيتهم الاجتماعية ومكانتهم الاقتصادية، وبعد هذه الخطوة التي تعتبر الأولى، وبعد أن يتم قبول طلبه من أبويها، يقومون بكتابة عقد النكاح أمام القاضي، وهذا العقد المكتوب ينص على الصداق الذي ستأخذه تلك العروس، وأيضا على المبلغ الذي يجب على الزوج أن يدفعه في حال إذا ما أعاد العروس إلى أبويها، وهو الأمر الذي يحدث في أحايين كثيرة جدا[32].

وفي ذات الاتجاه، يُشير الرحالة أنطونيو دي سان مارتين، إلى أن موكب العُرس المغربي عادة ما كان يحدث أثناء عبوره أي شارع أو زقاق، ضجيجا عظيما، وفوضى كبيرة، وبصفته شاهد عيان يصف لنا الرحالة الآنف الذكر، جانبا من مواكب الأعراس ومراسيمها في المنطقة الشمالية للمغرب، في أوائل ستينات القرن التاسع عشر الميلادي، في هذا الإطار يُخبرنا أن موكب العُرس الذي شاهده وهو يمر من أمام منزله بمدينة العرائش، كان يتكون من حوالي عشرين أو ثلاثين مغربيا، بعضهم يحملون فوانيس ضخمة ملونة، وآخرون يطلقون النار من بنادقهم في اتجاهات مختلفة، ثم يتبعهم ثلاثة شيوخ ذَوُو لحى طويلة، ووجوه كثة الحواجب، يسبقهم أشخاص يحملون في أيديهم ألوية، مصنوعة من ثوب دمشقي، ذي لون قرمزي، كما يسير إلى جانب هؤلاء فرق موسيقية متنوعة، من غيطات وطبول، مُحْدِثِينَ بموسيقاهم ضجيجا مجنونا ومزعجا لا مثيل له. أما العروس فكانت تتقدم الموكب في قفص ضخم، هو على شكل فانوس قديم، محمولة فوق ظهر بغل قوي البنية، ويُحدثنا رحالتنا أن العروس لم تكن على ما يرام أثناء وجودها في تلك المركبة العجيبة والضيّقة، في حين نجد في آخر الموكب أهل العروس، وحشد كبير من الأطفال الصغار، الهائجين والصائحين، الذين يملؤون المكان بالعويل والصراخ[33]. ويذكر رحالتنا أنه في الوقت الذي لم يجد فيه شيئا يقوم به، نهض من مكانه وتبع موكب العُرس من مكان بعيد، هو وحارسه الشخصي الملقب بـ “الفروج”(el farrux)، ويُبين أنه بعد لحظات توقف موكب العُرس على مسافة قصيرة، أمام منزل ذو مظهر معماري رائع للغاية، وهكذا قام أربعة مغاربة على ما يبدو بإنزال القفص، الذي توجد فيه العروس بعناية وحرص شديدين، ثم قاموا بإدخاله إلى المنزل الذي أغلق بابه بإحكام، أمام تلك الحشود المرافقة، ثم ران صمت عميق وغريب في تلك اللحظات، كما توقفت الموسيقى والعزف والرقص وما سواهما، ويضيف رحالتنا أنه كان يجهل سبب ذلك الصمت العجيب والمثير[34].

وفي نفس المنحى، يُخبرنا رحالتنا السابق الذكر، أنه بعد دخول العروس بيت زوجها، الذي كان ينتظرها بشوق ولهفة كبيرة في غرفة خاصة، وهكذا إذا تَبَيَّنَ أن سيرة تلك الزوجة عفيفة وطاهرة، أي بمعنى أنها عذراء؛ فإن زوجها لا يتأخر في النزول إلى الباب الخارجي، حيث هناك يطلق رصاصة من مسدسه، ثم تنفجر الحشود الحاضرة، في صيحات الفرح والبهجة والزغاريد، ومرة أخرى ينفجر المكان بالموسيقى والغيطة وطلقات البنادق وما إلى ذلك، أما إذا ظهر الزوج عند عتبة باب المنزل، وبدلا من أن يطلق الرصاصة، وأخذ زوجته بيده وأعادها إلى والدها، بوجه عابس وقاتم، في هذه اللحظة تبتعد الحشود والجموع الحاضرة، بشكل ميكانيكي، في صمت حزين، متطأطئين رؤوسهم، معترفين بأن العروس لم تحافظ على عذريتها وطهارتها وعفتها أثناء أيام عزوبتها، وأن زوجها يرفضها بغضب وسخط منقطع النظير، وهنا يذكر رحالتنا مَثَلاً عاميا مشهورا، يصور بدقة متناهية عملية الرفض هذه، بقوله: “لا يريد أن يأخذ القط مكان الأرنب (no queriendo tomar gato por liebre)[35]، ويُشير رحالتنا أنه لاحظ قلقا عظيما، على وجوه جميع أهل العروس والعريس والمدعوين، انتظروا بفارغ الصبر أن يطلق الزوج تلك الرصاصة، التي تؤكد الزواج بل وتجيزه، بيد أن الطلقة لم تخرج من فوهة المسدس، والحضور جميعهم في حالة غير عادية، حيث بلغ الصبر منتهاه، وفجأة فُتِحَ باب بيت العريس على مصراعيه، وظهر منه مغربي لا يزال في سن الشباب، يبدو من مظهره العام أنه شديد الصرامة، يقود امرأة ملفوفة من قمة الرأس إلى أخمص القدمين داخل حايك أبيض اللون، كان ذلك الزوج قد رفض زوجته، وهذه ستعود لا محالة إلى حضن عائلتها، وقد لحقها العار هي وأهلها إلى الأبد[36].

وأمام هذه الوضعية غير المحسود عليها، كانت عيون أب العروس التعيس تثير غضبا، وأنفه ينفرج بفعل غضب داخلي شديد، موجها سؤالا مباشرا للعريس: “ماذا يحدث يا سيدي عبد الرحمن؟”[37] أجابه الزوج بقلب منكسر، “هوأن ابنتك امرأة غير عفيفة وغير طاهرة، لا تليق بك أنت ولا أنا، لقد لطخت سمعتنا جميعا، سأرجعها إليك”[38]، وحينما قال الزوج ذلك الكلام دفع إليه ابنته الملفوفة في الحايك، التي أرسلت أنينا منخفضا، واقتربت من والدها، لقد رفضها بشدة، وظلت تتراجع تلك الشابة التعيسة متعثرة، حتى اصطدمت بجدار المنزل، الذي طردت منه بشكل مخزي[39]. ويضيف رحالتنا أن والد العروس، وبفعل هذه الفضيحة، قام كحيوان متوحش، واستل خنجره بسرعة فائقة من حزامه، والعروس الشابة تطلب منه الرحمة والمغفرة، جاثية على ركبتيها عند قدمي والدها، واضعتا يديها عليها، والدموع تملأ عينيها، إلا أن والدها ضربها بخنجره ضربة قوية، فسقطت تلك الشابة الجميلة فوق الأرض، وهي ترسل أنينا عميقا، وجميع الذين حضروا ذلك المشهد الحزين والرهيب، أطلقوا صيحة جماعية مفزعة ومرعبة، عن هول ما شاهدوه، أما رد فعل والد العروس فيذكر رحالتنا السابق الذكر، أنه انسل هاربا بين جموع الحاضرين، وفي اليوم اللاحق من الكارثة الدامية، فقد الأب عقله، وصار مجنونا[40].

ب: حفلات الختان

تعج رحلة “مدينة النعاس: رحلة إلى داخل المغرب”، للروائي والمستكشف الإسباني أنطونيو دي سان مارتين، ببيانات وإشارات، غزيرة وثمينة، حول كيفية إجراء شعيرة ختان الأطفال بالمغرب، وتحديدا في الجهة الشمالية منه، كما لم يفته ذكر طرق ومراسيم الاحتفال بهذه العملية المؤلمة، على حد تعبير المستكشف السالف الذكر[41].

وهكذا، يُشير صاحب الرحلة، أن شعيرة الختان في المنطقة المذكورة، غالبا ما تتم في المساجد[42]، وتجرى على النحو التالي: “يجلس كل واحد من هؤلاء في مكان مناسب، الأطباء والأولياء والفقهاء وغيرهم من الشخصيات الأخرى، الذين يحضرون إلى الحفل، إما عن التزام أو عن رغبة، ويتم تقديم الطفل الذي سيتم ختانه بواسطة والديه أو دويه، إلى الفقير (al fakir) المسؤول عن إجراء هذه العملية المؤلمة. وحتى لا يقوم الطفل بأي مقاومة، أو بالأحرى، من أجل ترفيهه، يُقدمون له الحلويات والألعاب، في الوقت الذي يقطعون فيه ذلك الجزء من جسده بمقص جد حاد، والذي يجب أن يتطهر منه كل مؤمن، وفقا لشريعة محمد. ثم ينفجر الطفل في صراخ حاد، وبكاء شديد المرارة، عند ذلك يقومون بوضع بعض المساحيق المجففة ونصف بيضة دجاجة طرية على الجرح، من أجل التخفيف من الآلام الحادة التي يعاني منها وليندمل الجرح”[43].

وفي إشارة فريدة، تحمل أكثر من دلالة، احتفظ لنا بها رحالتنا، حيث يُبين أن هذا الطقس الشعائري، الذي وصفه بالقاسي والوحشي، يخلف عادة ضحايا كثر من الأطفال، إذ لا يستطيع جلهم بفعل هزالة بنيتهم الجسمانية، أو بسبب الطريقة الهمجية والبربرية التي تتم بها عملية الختان، أن يصمدوا في وجه تلك العملية الأليمة، وعليه يهلكون في غضون أيام قليلة فقط[44]. بالإضافة إلى ما سبقت الإشارة إليه أعلاه، يُحدثنا رحالتنا أنه بمجرد أن يفرغ هؤلاء من ختان الطفل، يخرجونه من المسجد ويسلمونه إلى والدته، التي تتلقاه بين ذراعيها شاحبا وبلا حياة تقريبا بالقبلات والعناق الحار، وما سوى ذلك[45].

ج: احتفالات عيد المولد النبوي الشريف

يُستشف من معطيات المستكشف الإسباني أنطونيو دي سان مارتين، أنه كان مهتما بشكل كبير بطريقة احتفال المغاربة بعيد المولد النبوي الشريف، وتحديدا في مدينة طنجة شمال المغرب، ويُخبرنا رحالتنا أن الفضول ورغبته الجموح في معرفة طريقة احتفال المغاربة بذلك العيد ومراسيمه، جعلته متلهفا لحضور هذه النوعية من الاحتفالات، رغم تحذيرات الوزير المفوض للمملكة الإسبانية بمدينة طنجة، الدون فرانسيسكو ميري إي كولون (Francisco Merry y Colón)، الذي حذره بأن خروجه إلى شوارع هذه المدينة لحضور مراسيم ذلك الاحتفال، قد يشكل خطرا على حياته، خاصة وأن المدينة المذكورة ستعرف توافد سكان الريف وسكان الجبال، إضافة إلى مجموعات وطوائف متطرفة ومتوحشة، مدججين بالبنادق ومختلف الأسلحة، إلا أن رحالتنا لم يأخذ بهذه النصيحة، فنزل إلى المدينة لمشاهدة الاحتفالات والأجواء المحيطة بها[46].

وممّا أمكن التقاطه من إشارات وشهادات في هذا الجانب، ذكره أن هذه الاحتفالات عادة ما كانت تقام بالموسيقى، من غيطة وطبل وما سواهما، إضافة إلى اللعب بالبارود وغيره[47]، ويُحدثنا صاحب الرحلة أيضا، بأن هذه الاحتفالات غالبا ما كان يحضر فيها أشخاص، ينتمون إلى طائفة عيساوة، حيث يقومون بترويض الأفاعي والحيات، على إيقاع موسيقى صاخبة وهائجة، تنتهي بالتهام شخص أسود من طائفة عيساوة أفعى أو حية، بطريقة همجية ومتوحشة ومقرفة، وفي هذا الصدد يُخبرنا الرحالة السالف الذكر بأنه لا يتذكر مطلقا أنه حضر في حياته برمتها مشهدا أكثر قرفا وفظاعة، مثل ذاك المشهد الآنف الذكر الذي وصفه بالبربري والهمجي[48].

وفي نفس السياق، يُخبرنا صاحب الرحلة، بأنه حضر مشهدا آخر لا يقل أهمية وعنفا ودموية من الأول، ولتقريب هذا المشهد الفظيع، إليك هذا النص “بعد اتساع الدائرة من حوله في رمْشة عين. أيُّ همجية جديدة أو مشهد بغيض، سيقدمه ذاك الرجل المتوحش للناس؟ سرعان ما عرفت ذلك. فبعد أن أطلق صيحة حادة وطويلة، ألقى رصاصة في الهواء، واتخذ مكانا مناسبا ليتلقاها فوق رأسه، الذي نسينا أن نقول إنه كان عاريا تماما، انفجرت جمجمة ذلك الرجل بشكل فظيع. سرعان ما تدفق الدم فوق وجهه وصدره وكتفيه، بيد أنه لم يقلقه ذلك كثيرا، حيث انحنى نحو الأرض، وأخذ حفنة من التراب، ووضعها على جرحه العميق. ثم انطلق لأداء ألعاب جديدة، وقد ازداد حماسه أكثر بفعل تصفيق الجمهور. أما أنا فقد انسحبت في رعب، وأقسمت ألا أرى مرة أخرى في حياتي أي مشهد آخر لأحد هؤلاء المتوحشين المغاربة”[49].

د: احتفالات عيد الأضحى

أورد المستكشف الإسباني أنطونيو دي سان مارتين، بيانات وارتسامات، نادرة وقيمة، حول طريقة احتفال المغاربة بعيد الأضحى (la pascua del carnero)، حيث يُخبرنا في هذا الصدد، أن المغاربة يحتفلون بعيد الأضحى بإجلال كبير منقطع النظير، ولعدة أيام، كما أنه في تلك الأيام المباركة يتلقى السلطان المغربي المولى محمد بن عبد الرحمن الهدايا العينية، التي ترسلها إليه كل الأقاليم المغربية، عن طريق قواده وباشواته المخلصين[50]، واستغل رحالتنا زيارته لقصر السلطان مصحوبا بجميع أفراد سفارته، تحت إشراف الوزير المفوض للمملكة الإسبانية بمدينة طنجة، الدون فرانسيسكو ميري إي كولون (Francisco Merry y Colón)، بتسجيل إشارات عدة حول أجواء العيد في القصر السلطاني، والمعلومات المتعلقة بهذا كثيرة، ولكنني سأتناول بعضها على سبيل المثال لا الحصر، إذ أن المقام لا يسمح بغير ذلك، ومن الإشارات التي استجمعها رحالتنا، ذكره أن القصر السلطاني في مثل هذه الأيام، يكون شديد الإنارة، إضافة إلى الأضواء، كانت تشتعل هناك شموع عديدة ومتنوعة، نصفها أخضر ونصفها قرمزي، وهما لونا السلطان، وقد تم وضع تلك الشموع في شمعدانات جد ضخمة من البرونز[51]، وبالقرب من نافورة تتدفق في وسط الفناء، كانت هناك مائدة كبيرة مكسوة بغطاء، وحولها، فوق الأرضية المبلطة، وضعت أطباق صينية كبيرة، ذات أغطية مخروطية الشكل، مبطنة بمخمل أحمر وأخضر اللون، مطرز بالذهب.

ويُخبرنا أيضا بأنه في إحدى جنبات القصر، كان هناك ثمانية موسيقيين، يؤدون أغاني وأهازيج محلية، مصحوبين بالدفوف، والقيثارات، والرباب، والنايات، وكانت تلك الأغاني تتسم بحلاوة بالغة ومليئة بشجن ساحر للغاية، تلك الموسيقى والأغاني لم تتوقف للحظة[52]. ويضيف رحالتنا، أنه بعد لحظات وزّع خدم القصر على أفراد البعثة الشاي بالطريقة المغربية، أي أن الكأس الأول يكون بالنعناع، والثاني بعشبة أخرى طيبة المذاق، والثالث بالعنبر الرمادي، وبعد الشاي قُدِّمَ لهم اللحم مطهوا بالطريقة البربرية (al estilo de Berbería)، والحلويات بوفرة كبيرة، ومن بين تلك الحلويات، واحدة مصنوعة من العسل والزيت، طعمها ومذاقها جد مميز[53].

ه: حفلات الفروسية أو سباق البارود

يُشير المستكشف الإسباني أنطونيو دي سان مارتين، أن احتفالات الفروسية أو سباق الخيل (las corridas de caballos)، كما يسميها، غالبا ما كان الأثرياء المغاربة، هم الذين يسهرون على تنظيمها، ويُخبرنا بأن هذه النوعية من السباقات، غالبا ما كانت تُقام في أمكنة، هي على شكل ساحات، مليئة بالرمال، أما طريقة الاستعراض، فهي تتمثل في الشكل التالي: “يقف عدد كبير من الأشخاص في ساحة فسيحة أو في مجال مترب واسع، راكبين خيول عربية جميلة، وحسنة المنظر، أخف بكثير من الغزلان. كل فارس يحمل بندقية. وبعد تشكيل صف واسع، يهمزون خيولهم، وينطلقون في سباق سريع، ويرسلون صرخات حادة وطويلة. وحينما يصلون إلى نقطة محددة، يطلقون النيران من بنادقهم، دون أن يتوقفوا عن الركض، ويستمرون على هذه الطريقة، حتى المكان المحدد، الذي يشكل نهاية السباق”[54].

إلى جانب ما سلف، يُحدثنا رحالتنا أن العديد من المغاربة، يحبون كثيرا أن يظهروا بأنهم فرسان ممتازون، حيث يلقون بنادقهم في الهواء عاليا، ويعودون إلى التقاطها دفعة واحدة، دون أن يخطئوا أو يفقدوا تحكمهم في خيولهم المروضة جيدا، وتعرف هذه السباقات حضور جم غفير من النساء، اللواتي يجلسن القرفصاء، مرتدين حايك أبيض اللون، يغطي أجسادهم من قمة الرأس إلى أخمص القدمين، وبين الفينة والأخرى، يطلقن زغاريد قوية للتعبير عن سرورهم وفرحهم الكبير، وحينما يسمع هؤلاء الفرسان تلك الزغاريد، يقومون بتهييج خيولهم التي تكاد تطير بما يهتفون به من صرخات حادة وصيحات قوية، خاصة وأنهم يعلمون أن حبيباتهم وأمهاتهم وأخواتهم، يشاهدنهم ويصفقن لشجاعتهم ومهارتهم في قيادة خيولهم الجموحة[55]،ويضيف رحالتنا أن مثل هذه السباقات، غالبا ما تشهد حوادث جد خطيرة، غير أن ذلك نادرا ما يحدث في بلاد المغرب، ويعلل رحالتنا ذلك بأن المغاربة معروفين بأنهم أجود فرسان العالم (los moros son los mejores ginetes del mundo)[56].

2: اليهود المغاربة

تحتوي رحلة أنطونيو دي سان مارتين المغربية، على تفاصيل كثيرة وغنية، حول طائفة اليهود المغاربة، حيث سجل رحالتنا معلومات جد هامة، تتعلق أساسا بظروف عيش هذه الطائفة، وأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، وحتى مشاكلهم السوسيو ثقافية، وما سوى ذلك من القضايا، وهكذا يُخبرنا صاحب الرحلة، أن مجمل يهود المغرب ثيابهم رثة، وجلودهم دبغتها أشعة الشمس الحارقة[57]، ويضيف رحالتنا بأن اليهود المغاربة،يشكلون جزءً كبيرا من مجموع الساكنة، حيث يعيشون في أحياء معزولة ومنفصلة، وبمجرد أن تغرب الشمس، يغلق قائد مغربي الباب الذي يعزل هذه الأحياء عن باقي أجزاء المدينة، ولا يفتح الباب مرة أخرى، حتى تشرق الشمس من جديد[58].

ويُحدثنا أيضا بأن هؤلاء اليهود المغاربة،يتم معاملتهم في عاصمة بلاد البربر (la capital de Berbería)، معاملة سيئة أقسى بكثير من معاملة البهائم، وهم جد محتقرين، لدرجة أنه لا يوجد هناك في العالم كائنات تعيسة مثلهم، ويُخبرنا بأن أي يهودي حينما يمر أمام مسجد، أو بجانب منزل أحد المسلمين، ولا يبادر بخلع حذائه، فسوف يتعرض لعقوبة فظيعة، تتجلى في تلقيه عددا من السياط![59] أكثر من هذا، يُشير رحالتنا أن بعض اليهود المغاربة، الذين يستقرون في بعض القرى من بلاد البربر، هم جد بؤساء ومحرومون، يعيشون حياةً أقل من الكلاب والخيول! إلى جانب هذه المعلومات الغريبة، والتي تتميز بكثير من المبالغة؛ لغايات استعمارية لا غبار عليها، يذكر رحالتنا أن اليهود المغاربة يحصلون في كثير من الأحيان، على وظائف سامية ورفيعة لدى سلاطينهم، كما أنه يُبين أن عددا كبيرا من هؤلاء اليهود، قد تمكنوا من تجميع ثروات كبيرة وعظيمة، تؤهلهم تلقائيا إلى أن يحظوا بالتقدير والاعتراف، في أي بلد أوروبي يقومون بزيارته[60].

3: المرأة المغربية

خصّص المستكشف الإسباني أنطونيو دي سان مارتين، للمرأة المغربية سواء المسلمة منها أو اليهودية، صفحات مهمة في رحلته الاستكشافية، حيث تحدث عن مشاكلها، وأوضاعها، ومميزاتها، وحتى موقعها في المجتمع المغربي. وهكذا، يُخبرنا صاحب الرحلة أنه كان شديد الرغبة في التعرف إلى المغربيات، خاصة وأنه منذ وصوله إلى أرض المغرب، كان يرى كل النسوة المغربيات، ملفوفات في حايك كبير من الصوف، أبيض اللون، من قمة الرأس إلى أخمص القدمين[61]، ويُحدثنا أيضا بأن استدعائه هو وصديقه مستر بارا (Mister Bara)، نائب القنصل الإنجليزي في مدينة العرائش، من طرف أحد الرعايا الجزائريين يدعى محمد، والمستقر في المدينة الآنفة الذكر، منذ فترة زمنية طويلة، لحضور حفل خاص، شكّل له فرصة ثمينة لا تعوض، للتعرف على هؤلاء النسوة المغربيات عن قرب.

ومن الإشارات العديدة والنفيسة، التي سجلها رحالتنا عن المرأة المغربية، التي وصفها بـ “الحسناء الإفريقية”[62]، قوله إن المرأة المغربية بشكل عام، هي امرأة عاطفية[63]، جميلة، ورشيقة[64]، تقدّر كثيرا الرجل المسيحي، والسبب يرجع بالأساس حسب رحالتنا، دائما، أنه يسود في اعتقاد هذه المرأة المغربية، أن الدين المسيحي لا يسمح للرجل المسيحي، أن يتزوج إلا بزوجة واحدة ليس إلا[65]، كما يضيف بأن النسوة المغربيات اللواتي تمكن من اللقاء بهم في ذلك الحفل المذكور، تزيدهم ملابسهم التقليدية، جمالا وفتنة، وهذه الملابس كانت تتكون أساسا من فساتين حريرية، مطرزة بالذهب والفضة، وشالات بلون النار، بيضاء وزرقاء، يلفن بها رؤوسهن[66].

ويذكر رحالتنا أنه بمجرد أن رأت عيناه وجوه تلك النسوة الحسناوات، ظل مشدوها يتأملهن في صمت وإعجاب، لدرجة طرح على نفسه سؤالا: هل تلك النسوة كائنات ينتمين حقيقة إلى كوكب الأرض؟ أو إلى كوكب آخر، أجمل وأكثر حظا؟[67] في الوقت ذاته، يُشير رحالتنا أن المرأة في بلاد البربر (Berbería)، هي أقل قيمة من الحصان، أو سلاح من نوع ممتاز[68]، حيث تُعامل بطريقة سيئة ووحشية، لدرجة يقول إنها لا تجلس لمائدة الطعام إلا إذا فرغ زوجها من الأكل! أكثر من هذا، يذكر أن المرأة في المجال المذكور، تعيش في عبودية منقطعة النظير[69]، وغالبا ما تشكل في نظر الرجل “حيوان جميل، وضروري، بيد أنها حيوان في آخر المطاف، إنهم لا يرون فيها سوى شيء من الرفاهية أو موضوع متعة”[70]،الشيء الذي جعله يُعَلِّقُ على حال أولئك النسوة بالقول: “ما أبأس نساء بلاد البربر” (pobres mujeres de Berbería)[71].

وبغض النظر عن مدى صحة ومصداقية هذه البيانات، يُشير رحالتنا أن المرأة المغربية اليهودية أو العبرية كما يسميها، غالبا ما كانت ترتدي ملابس ثمينة، بيد أن هذه الأخيرة، خالية من أي شيء يدل على الأناقة والرقة، ومجوهرات ذات قيمة كبيرة، ويضيف بأن العبريات “مخلوقات جميلات” (bellísimas criaturas)[72]، ويستخدمن في زينتهن موادا عديدة ومختلفة، على رأسها مادة الزرنيخ (el arsénico)، والتي يستعملونها في تبييض بشرتهن، وفضلا عن هذا، يذكر رحالتنا أن عددا كثيرا من هؤلاء النسوة العبريات، وخاصة اللواتي يتميزن بجمال فاتن، ومظهر مثير، يفلحن في مناسبات كثيرة في استمالة الأثرياء من المغاربة، وحينما يقع عليها اختيار أحد هؤلاء “السادة المستبدين” (despóticos señores)[73]، كما وصفهم رحالتنا السابق الذكر، ما عليها إلا أن تخضع ذليلة مثل كلب حقير يلعق اليد التي تعاقبه، من دون أن تبدي أي شكوى من وقوعها ضحية حب وحشي، يمكن التأكيد أنها لا تشاركه البتة، وحينما تُشبع رغبات ونزوات ذاك الثري المغربي، ويذبل جمالها، وبمجرد أن تتوقف عن الإثارة والإعجاب، ينتهي بها المقام أَمَةً متواضعة في خدمة إِمَاء سيّدها[74].

4: سلوكيات وظواهر اجتماعية

أ: شرب الدخان

يُستشف من إشارات المستكشف الإسباني أنطونيو دي سان مارتين، الشاهد العيان، أن شرب الدخان زمن تجواله في بلاد المغرب، خلال ستينات القرن التاسع عشر، كان من العادات والسلوكيات الرائجة والمتفشية في بلاد المغرب، ويذكر أن نبتة الكيف (el quif)، والتي يسميها بـ “النبتة السماوية”(yerba celestial)، هي الأكثر انتشارا بين الساكنة المحلية والأجنبية، ويضيف بأن هذه النبتة العجيبة، إذا تناولها أحدهم، سرعان ما تنقله إلى عالم مجهول، بيد أنه “عالم أكثر جمالا ومتعة، مليء بالسحر، بحيث يكون من المستحيل أن تتخيل شيئا ساحرا يعادله، إذا كان الجنس اللطيف يستهويك، فسترى نفسك محاطا بحوريات فاتنات، وإذا كان لديك طموح في الحكم، فستكون لبعض الوقت ملكا مطلقا لدولة قوية لا تضاهى، حيث جميع رعاياك سيقدسونك، وأخيرا، إذا كنت تحب الثروات، فستجد نفسك مالك كنوز لا تنضب. آه، أيها الكيف الإلهي! أنت، لا ريب في ذلك، أروع نباتات الجنة، وبدرتك أحْضرها إلى الأرض بعض الملائكة لأجل متعة البشر”[75].

ولا يخفي رحالتنا إعجابه بهذه النبتة المسكرة، نبتة السعادة (El quif es la felicidad)[76]، كما يسميها، حيث يُخبرنا بأن مذاقها لاذع، بل ونافذ، وأن مفعولها سريع، وقوي للغاية، حيث بمجرد أن جربها لأول مرة، أحدثت في نفسه شعورا، وصفه بالغريب والعجيب، لدرجة اعتقد رحالتنا في نفسه، أنه يغرق وحيدا دون أن يجد من حوله شيئا يتعلق به[77].

ب: معاقرة الخمور

يُبين المستكشف الإسباني أنطونيو دي سان مارتين (Antonio de San Martín)، أن الخمر بأنواعه المختلفة، كان من بين المشروبات التي تقبل عليها بعض الفئات المستقرة في المغرب، إقبالا نادرا، وخاصة من قِبل بعض الجاليات الأجنبية، سواء المسيحية منها أو المسلمة[78].

ج: الجهل والتخلف

إن قراءة متأنية في مضامين رحلة “مدينة النعاس: رحلة إلى داخل المغرب”، لصاحبها الروائي والمستكشف أنطونيو دي سان مارتين، أمكن لنا تحديد مجموعة من الصور والانطباعات، التي ارتكز عليها صاحب التأليف، وهو يدرس مجال وإنسان “الإيالة الشريفة”؛ وهي صور، حاول من خلالها، تقريب الآخر المغربي، غير المسيحي، الذي يعاني من “الفوضى” و“التأخر”، و“الجهل” و“التخلف”.ومن بين الإشارات التي سجلها صاحب الرحلة حول هذه النقطة بالذات، قوله إن في مدينة العرائش مثلا، والتي وصفها بـ “المدينة الحزينة” (triste ciudad)[79]، كانوا يقدسون أحد المدافع تقديسا مبالغا فيه، ويضيف بأن هذا المدفع الذي صنعه أحد المرتدين الإنجليز، كانوا يخصونه بطقوس وعبادات مضحكة للغاية[80]. ويذكر أيضا بأن ساكنة العرائش، يؤكدون برمتهم، وبشكل قاطع، أن ذلك “المدفع المقدس” (el cañón sagrado)، “يغادر السور في كل ليلة، ويذهب بهدوء كبير للصلاة، عند ضريح وَلِيَّة تدعى للا منّانة، الذي يقع قرب المدينة: مائة شخص على الأقل، يشهدون على صحة وقوع تلك المعجزة”[81]. وفي نفس الإطار، يُحدثنا رحالتنا بأنه “ويلٌ لمن يجرؤ على السخرية من ذلك الإيمان الغبي! وشقي من يحاول أن يثبت لهم أن المدفع هو مادة غير حية، غير قادر إطلاقا على التحرك بمفرده”[82].

د: السحر والشعوذة

أورد المستكشف الإسباني أنطونيو دي سان مارتين، معطيات كثيرة حول ظاهرتيْ السحر والشعوذة في بلاد المغرب، ويُخبرنا في هذا الجانب، أن يهود العرائش مثلا ينفردون عن غيرهم في واحدة، وهي أنهم بمجرد أن يولد طفل جديد لهم، يعمل والده على إيقاد مجمرة (brasero) عند باب بيته، ويلقي فيها أحذية قديمة، وحفنة من الملح، وغيرها من الأشياء الأخرى، وكل هذا ينتج فرقعة ودخانا، كثيفا ومقرفا، ويضيف بأن السبب الذي يجعل هؤلاء اليهود يقومون بذلك الفعل، اعتقادهم بأن الأرواح الشريرة التي تمقت الروائح الكريهة، لا يمكنها من خلال ذلك أن تسيطر على روح المولود الجديد. أبعد من هذا، يذكر رحالتنا أن نسبة كبيرة من هؤلاء اليهود المغاربة، لا يقتنعون في أحايين كثيرة بتلك الطريقة، وهكذا يقوم أب المولود الجديد بالتسلح بهراوة كبيرة، ويقف عند مدخل المنزل، ثم يشرع في توجيه ضربات عشوائية، وفي اتجاهات مختلفة، اعتقادا منه أن ما يقوم به يطرد الأرواح الشريرة، ويحول دون أن يتربص أحد هؤلاء الأرواح بطفله الجديد[83]، ويختم رحالتنا كلامه هذا بتعليق مثير، مفاده أن هذه الممارسات والاعتقادات الغيبية، التي يؤمن بها هؤلاء الناس، تعتبر أكثر جهلا وانحطاطا وسخرية في كل إمبراطورية المغرب[84].

 هـ: اللصوصية وقطع الطريق

يحتفظ لنا الرحالة الإسباني أنطونيو دي سان مارتين، بمعطيات تاريخية مهمة، حول اللصوصية وقطع الطريق في المغرب بشكل عام، والصحراء الممتدة جنوبا على وجه الخصوص، خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهكذا كان بإمكان هذه البيانات، أن يطويها الزمن، وتحشر في غياهب النسيان، لولا أنه اختزنها رحالتنا في ذاكرته، ودوّنها في رحلته. هذه المعلومات، هي في الأصل عبارة عن رواية شفهية، استقاها مباشرة من لسان زوجة أحد التجار الأغنياء في مدينة طنجة، الذي يتبين أنه تعرض للإغارة والنهب، هو ورفاقه، من طرف بعض البدو الرحل، الذين احترفوا سرقة القوافل التجارية ونهبها، على طول الطرق والمسالك التجارية الصحراوية، المؤدية إلى إفريقيا جنوب الصحراء.

في هذا الصدد، تقول زوجة الضحية بأسلوب يطغى عليه الحزن والألم النفسي: “سأخبرك بما حدث له، منذ حوالي عامين تقريبا. كان الصغير قد قام برحلة إلى تنبكتُ[85]. وكانت رحلة الذهاب جد سعيدة. ولكن لم يكن كذلك الأمر بالنسبة لرحلة الإياب. عند عبوره الصحراء، أو الصحراء الكبرى، تعرض للهجوم من قبل بعض البدو، الذين كان عددهم أكبر بكثير من مرافقي الصغير وخدمه. بيد أنه دافع عن نفسه بشجاعة، ولم يستسلم إلا عندما سقط على الأرض، وقد خرمته الجراح، وحسبوه ميتا فتركوه، بعد أن سرقوا كل ما لديه، وأسروا كذلك خدمه. كان الصغير مرميا فوق الرمال، وفاقدا للوعي، والله يعلم كم مدة ذلك، لكن الأجل الذي حدده الله لحياته لم يحن بعد. عاد إلى وعيه، عندما كانت ظلمة الليل وسكونه، قد أعقبا بالفعل ضوء النهار الواضح، كانت إصاباته كثيرة، لكن لحسن الحظ لم يكن أي منهما خطيرا. بيد أنه كان ضعيفا للغاية بسبب الدم الكثير الذي فقده (…) نهض بجهد كبير، وانطلق يمشي فوق الرمال الرهيبة، مسترشدا بالنجوم،والتي هي ذات فائدة كبيرة للمسافرين الذين يعبرون ذلك الرداء الضخم من الرمال، حيث لا توجد هناك طرق أو ممرات، ولا لأي شيء يشير إلى الطريق الذي يجب أن يُسلك، باستثناء عظام المسافرين والجِمال، الهالكين من الجوع والعطش، في تلك الأماكن المروعة”[86].

يبدو من الجلي الواضح، من خلال كلام زوجة التاجر الضحية، الذي دوّنه الرحالة الإسباني أنطونيو دي سان مارتين، أن اللصوصية وقطع الطريق والإغارة، كانت من الظواهر الشائعة والمتفشية في منطقة صحراء جنوب المغرب وما ورائها، خلال القرن التاسع عشر، كما أن تلك المعطيات، تمكّن الباحث من إلقاء أضواء كاشفة على الأوضاع الأمنية، التي تبدو هشة ومضطربة في المنطقة المذكورة، خلال الحقبة مدار البحث.

و: ظاهرة العنف

تزخر رحلة أنطونيو دي سان مارتين الاستكشافية، على معطيات كثيفة ومتنوعة حول موضوع ظاهرة العنف في بلاد المغرب، وعلى وجه الخصوص في فترة النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، ومن القضايا التي استهوت رحالتنا في هذا الموضوع، طريقة تنفيذ العقوبات في بعض المناطق المغربية، في هذا الجانب يذكر الرحالة السالف الذكر، أنه حضر مجموعة من المشاهد، وفي أمكنة مختلفة، تتعلق أساسا في كيفية معاقبة بعض المجرمين واللصوص، ومن بين المعلومات التي ذكرها على سبيل المثال لا الحصر، قوله إنه عاين طريقة تنفيذ عقوبة الرجم على إحدى الزانيات. وهكذا، يُشير أن هذه الأخيرة، وبعد أن حكم عليها القاضي، وبعد أن تبثث عليها جريمة الخيانة الزوجية، تم أخذها إلى مكان قريب من البلدة التي ارتكبت فيها جنايتها، وهناك قام بعض المخازنية بتجريدها من ملابسها تماما، ثم وضعوها فوق ألواح خشبية، هي على هيئة جسد بشري تقريبا، حيث قاموا بصلب ذراعيها، كما ثبتوا بالمسامير فوقها ألواحا أخرى، حتى صار جسمها محصورا بدقة متناهية بين الدفتين، وبعد أن انتهوا من ذلك، قاموا بدهن وجهها بالعسل، كما قاموا أيضا بتوقيفها معرضين وجهها للشمس، يتركونها دون أي رحمة، لتتلقى طوفانا من الحجارة، يرجمها بها بعض الأطفال والحاضرين، ويذكر رحالتنا أن هذا العذاب الجهنمي يدوم لفترة طويلة، حتى تحتضر تلك المرأة نهائيا[87].

خاتمة عامة:

يبدو من حصاد ما سلف، أن رحلة “مدينة النعاس: رحلة إلى داخل المغرب” (la Ciudad del Sueño: Viaje al Interior de Marruecos)، لصاحبها الروائي والمستكشف الإسباني أنطونيو دي سان مارتين (Antonio de San Martín)، نفيسة ونادرة، نظرا لما تزخر به من معطيات وبيانات، قيّمة، في غاية من الأهمية، من شأنها، إذا ما استغلت بالكيفية المثلى، أن تساعدنا لا محالة على ملأ الفراغ المعرفي، الذي تشكو منه الكتابات التاريخية المحلية، المتميزة بالشح والابتسار، على صعيد عناصرها الإخبارية. وعليه، فالعودة إلى مثل هذه النوعية من الكتابات الأجنبية، رغم نظرتها الاستعلائية، وأحكامها المسبقة، وخطابها الذي يشرعن للغزو والهيمنة، أضحت اليوم ضرورة ملحة، يفرضها البحث التاريخي المعاصر، من أجل الاستفادة منها، خاصة في مقاربة مواضيع وقضايا جديدة، تهم أساسا:التاريخ الاجتماعي، والذهني، والاقتصادي، والسياسي، والديني. صحيح أن هذه الكتابات، لن تمكننا أبدا من رسم صورة شاملة وكاملة وواضحة، حول تاريخ المغرب وحضارته، بيد أنها على الأقل بإمكانها أن تستكمل لنا بعض التصورات، وتسد بعض الفجوات، التي تعاني منها المصادر المحلية الإخبارية.

قائمة المراجع:

  1. بلحداد، نور الدين، السلطان مولاي الحسن الأول والسيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية 1873-1894م، تقديم مصطفى الكثيري، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، الرباط، الطبعة الثانية، 2016.
  2. بوطالب، إبراهيم، “البحث الكولونيالي حول المجتمع المغاربي في الفترة الاستعمارية: حصيلة وتقويم”، ضمن ندوة بعنوان: البحث في تاريخ المغرب: حصيلة وتقويم، إشراف محمد المنصور، ومحمد كنبيب، وعبد الأحد السبتي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس بالرباط، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 14، الطبعة الأولى، 1989، (صص.107-173).
  3. جاهل، عادل بن محمد، “البحث الكولونيالي الإسباني حول مجتمع إفريقيا (الصحراء الأطلنتية نموذجا): محاولة في التعريف والتركيب”، ضمن مجلة جيل العلوم الانسانية والاجتماعية، مجلة علمية دولية محكمة ومفهرسة، تصدر شهريا عن مركز جيل البحث العلمي، طرابلس، لبنان، العدد 51، مارس 2019، (صص.65-84).
  4. جاهل،عادل بن محمد، “حاضرة تنبكتُ في نهاية القرن التاسع عشر من خلال الكتابات الفرنسية (مونوغرافية الأب أوگوسطان بروسبير هاكار نموذجا)”، ضمن مجلة تنوير للبحوث الإنسانية والاجتماعية، مجلة علمية دولية محكمة، تصدر عن معهد العلوم الإنسانية والاجتماعية، المركز الجامعي آفلو، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، الجزائر، العدد 10، يونيو 2019، (صص.12-40).
  5. الشابي، مصطفى، “أهمية المصادر الدفينة في كتابة تاريخ المغرب”، ضمن كتاب جماعي بعنوان: النهضة والتراكم: دراسات في تاريخ المغرب والنهضة العربية مهداة للأستاذ محمد المنوني، تقديم السعيد بنسعيد، دار توبقال، الدار البيضاء، سلسلة المعرفة التاريخية، الطبعة الأولى، 1986، (صص.347-360).
  6. Martín, Antonio de San, la Ciudad del Sueño: Viaje al Interior de Marruecos, Imprenta de Santos Larié, Editor Urbano Manini, Madrid, 1870.

 

[1]- عادل بن محمد جاهل، “البحث الكولونيالي الإسباني حول مجتمع إفريقيا (الصحراء الأطلنتية نموذجا): محاولة في التعريف والتركيب”، ضمن مجلة جيل العلوم الانسانية والاجتماعية، مجلة علمية دولية محكمة ومفهرسة، تصدر شهريا عن مركز جيل البحث العلمي، طرابلس، لبنان، العدد 51، مارس 2019، (صص.65-84)، ص.67.

[2]- Antonio de San Martín, la Ciudad del Sueño: Viaje al Interior de Marruecos, Imprenta de Santos Larié, Editor Urbano Manini, Madrid, 1870, p.5.

[3]- Ibidem.

[4]- Ibidem.

[5]- Ibidem.

[6]- Ibidem.

[7]- Ibidem.

[8]- Ibid., p.6.

[9]- Ibidem.

[10]- Ibid., pp.6-7.

[11]- Ibid., p.7.

[12]- Ibidem.

[13]- Ibidem.

[14]- Ibid., p.8.

[15]- Ibid., pp.8-9.

[16]- Ibid., p.9.

[17]- Ibidem.

[18]- انظر: نور الدين بلحداد، السلطان مولاي الحسن الأول والسيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية 1873-1894م، تقديم مصطفى الكثيري، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، الرباط، الطبعة الثانية، 2016، صص.12-13.

[19]- Antonio de San Martín,la Ciudad del Sueño…, op.cit., p.7.

[20]- Ibid., pp.6-7.

[21]- Ibid., pp.113-118.

[22]- Ibid., p.8.

[23]- Ibid., p.8.

[24]- Ibid., pp.113-118.

[25]- Ibid., p.247.

[26]- عادل بن محمد جاهل، “حاضرة تنبكتُ في نهاية القرن التاسع عشر من خلال الكتابات الفرنسية (مونوغرافية الأب أوگوسطان بروسبير هاكار نموذجا)”، ضمن مجلة تنوير للبحوث الإنسانية والاجتماعية، مجلة علمية دولية محكمة، تصدر عن معهد العلوم الإنسانية والاجتماعية، المركز الجامعي آفلو، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، الجزائر، العدد 10، يونيو 2019، (صص.12-40)، ص.18.

[27]- مصطفى الشابي، “أهمية المصادر الدفينة في كتابة تاريخ المغرب”، ضمن كتاب جماعي بعنوان: النهضة والتراكم: دراسات في تاريخ المغرب والنهضة العربية مهداة للأستاذ محمد المنوني، تقديم السعيد بنسعيد، دار توبقال، الدار البيضاء سلسلة المعرفة التاريخية، الطبعة الأولى، 1986، ص.347.

[28]- إبراهيم بوطالب، “البحث الكولونيالي حول المجتمع المغاربي في الفترة الاستعمارية: حصيلة وتقويم”، ضمن ندوة بعنوان: البحث في تاريخ المغرب: حصيلة وتقويم، إشراف محمد المنصور، ومحمد كنبيب، وعبد الأحد السبتي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس بالرباط، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 14، الطبعة الأولى، 1989، صص.138-139.

[29]- Antonio de San Martín, la Ciudad del Sueño…, op.cit., p.63.

[30]- Ibidem.

[31]- Ibid., pp.63-64.

[32]-Ibid., pp.64-65.

[33]- Ibid., p.65.

[34]- Ibid., pp.65-66.

[35]- Ibid., pp.66-67.

[36]- Ibidem.

[37]-Ibid., pp.67-68.

[38]- Ibidem.

[39]-Ibidem.

[40]- Ibid., pp.69-70.

[41]- Ibid., p.107.

[42]- Ibidem.

[43]- Ibid., pp.107-108.

[44]- Ibid., p.108.

[45]- Ibidem.

[46]- Ibid., pp.97-98.

[47]- Ibid., pp.98-99.

[48]- Ibid., p.101.

[49]- Ibid., p.103.

[50]- Ibid., p.155.

[51]- Ibid., pp.151-152.

[52]-Ibid., p.152.

[53]- Ibid., p.153.

[54]- Ibid., p.111.

[55]- Ibid., pp.111-112.

[56]- Ibid., p.112.

[57]- Ibid., p.19.

[58]- Ibid., p.169.

[59]- Ibid., pp.169-170.

[60]- Ibid., pp.170-171.

[61]- Ibid., p.43.

[62]- Ibid., p.42.

[63]- Ibid., p.44.

[64]- Ibid., p.47.

[65]- Ibid., p.44.

[66]- Ibid., p.47.

[67]- Ibidem.

[68]- Ibid., p.261.

[69]- Ibid., p.260.

[70]- Ibid., pp.261-262.

[71]- Ibid., p.261.

[72]-Ibid., p.171.

[73]- Ibid., p.170.

[74]- Ibidem.

[75]- Ibid., p.56.

[76]- Ibid., p.57.

[77]- Ibid., pp.57-60.

[78]- Ibid., p.54.

[79]- Ibid., p.39.

[80]-Ibidem.

[81]-Ibidem.

[82]-Ibid., p.40.

[83]- Ibidem.

[84]- Ibidem

[85]- تُعتبر حاضرة تنبكتُ الأسطورية، جوهرة الصحراء الكبرى، وقلب بلاد السودان الغربي، من حواضر بلاد غرب إفريقيا القليلة، التي عرفت رواجا ونشاطا تجاريا مهما، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث سمح موقعها الجغرافي الاستراتيجي المتميز، الذي هو عبارة عن ملتقى طرق القوافل التجارية التي تجوب الصحراء الإفريقية الكبرى، وهمزة وصل بين العالم العربي وإفريقيا السوداء، في خلق مركز تجاري مهم، استقطب مجمل تجار أقطار المعمور، سواء القادمين من إفريقيا الشمالية، أو من المناطق الإفريقية الزنجية، أو من أوروبا الغربية، أو من بعض المناطق العربية، وكل هذا خلق حركة ودينامية اقتصادية مهمة، وعليه اعتبر الأب والمستكشف الفرنسي أوگوسطان بروسبير هاكار (Augustin Prosper Hacquard)، حاضرة تنبكتُ “مكان التقاء أولئك الذين يسافرون بالقوارب وأولئك الذين يسافرون بالجمال”، وحتى نستشف بجلاء القيمة الاقتصادية والتجارية لحاضرة تنبكتُ، في الفترة الزمنية المذكورة أعلاه، يقول شارل بغوسلاغ(Charles Brosselard) أحد أقطاب الإدارة الاستعمارية الفرنسية في القارة الإفريقية على لسان أحد التجار المغاربة: “[تنبكتُ] أرض مباركة. إنها منجم ذهب، كل ما عليك فعله هو الانحناء لجمعه؛ رحلة واحدة إليها تثري المرء”. وفي ذات الاتجاه، يُخبرنا كل من الباحثان الفرنسيان لوسيان هوبير (Lucien Hubert) وموريس دولافوس (Maurice Delafosse)، أن حاضرة تنبكتُ كانت تُشكل لفترة طويلة السوق الكبير للصحراء الغربية المغربية، وهكذا كانت تستقبل تلك الحاضرة وإلى سنة 1887م، ما يقرب عن 400 قافلة تجارية، وكان عدد الإبل المكونة لتلك القوافل حوالي 350 رأس. ومن جهته، يُشير الأب أوگوسطان بروسبير هاكار، إلى أن حاضرة تنبكتُ تُشكل مكانا تجاريا متميزا لتبادل مجمل منتوجات بلاد السودان الغربي بمنتوجات طرابلس، وتونس، والجزائر، والمغرب، وواحات الصحراء، حيث من الشمال تصل كميات معتبرة من (الملح، والأقمشة، والجلود، والأسلحة، ومسحوق البارود، والأواني الزجاجية، والسكاكين، والسكر، والشاي، والتمر). أما جهة الجنوب، فتأتي منها مواد كثيرة ومتنوعة، مثل: (الدخن، والأرز، وزبدة الشيا، والعسل، وجوز الكولا، والأسماك المجففة، والحديد). وتجدر الإشارة هنا، أن ساكنة حاضرة تنبكتُ ورغم أن كل واحد من هذه الساكنة يتوفر على مهنة أو حرفة معينة، إلا أنهم يمتهنون التجارة وعلى نطاق واسع، من البائع الصغير للخبز، والعناب، وبذور البطيخ، إلى كبار التجار في الأقمشة، والحبوب، والعبيد، حيث كلهم لا يستغلون ذكاءهم وفطنتهم إلا لحساب الربح المحتمل في قضية ما. ويذكر الأب أوگوسطان بروسبير هاكار السالف الذكر، أنه بعد استقرار مجموعة من التجار الفرنسيين ومن سانت لويس (Saint-Louis) بحاضرة تنبكتُ، أضحوا يستوردون بعض المنتوجات الأوروبية، وعليها أصبحوا ينافسون التجار المغاربة والطرابلسيين. انظر:

- عادل بن محمد جاهل، “حاضرة تنبكتُ في نهاية القرن التاسع عشر من خلال الكتابات الفرنسية…”، م.س، صص.34-37.

[86]- Antonio de San Martín,la Ciudad del Sueño…, op.cit., pp.263-264.

[87]- Ibid., p.95.


Updated: 2019-10-26 — 20:09

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme