جماعة الرفاق الافتراضية و الهوية / عميرات محمد الأمين


 

جماعة الرفاق الافتراضية و الهوية

د.عميرات محمد الأمين/ المركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ و علم الانسان و التاريخ،الجزائر

  مقال نشر في مجلة جيل العلوم الانسانية والاجتماعية العدد 46 الصفحة 147.

    ملخص:

برزت دراسات كثيرة حول إشكالية الهوية العربية الاسلامية على شكل مشاريع بحثية وظفت من خلالها مجموعة من التصورات و الخبرات ذات خصوصية ثقافية و مخيالية لكل مفكر أراد من خلالها أن يوظف سؤال التجديد على هذه الاشكالية أين برزت وسائل الاعلام الحديثة كمتغيرات جديدة قدمت نوع من الأنساق في العملية البنائية للمجتمعات العربية الاسلامية اين نتكلم عن الهوية الافتراضية وعلاقتها بهذه المؤسسة الغير رسمية المتجسدة في جماعة الرفاق فما دور هذه الجماعة في المجتمعات العربية الاسلامية في تشكيل الهوية؟

الكلمات المفتاحية : جماعة الرفاق- الهوية- الجماعات الافتراضية- التواصل الاجتماعي-تكنولوجيا الاتّصال.

 

مقدمة :

التحوّلات الاجتماعية ، الثقافية والسياسية التي يعيشها العالم العربي اليوم يُبقي الشباب العربي في وضع مقلق متأزّم يبحث من خلاله عن بديل افتراضي له من خلال تلك الأطر الإعلامية ، التكنولوجية والتواصلية التي وجد فيها متنفّسه الأساسي، فمرحلة الشباب فترة انتقال تخضع لتطوّرات تاريخية و اجتماعية دقيقة، فالشباب واقع بيولوجي، ثقافي واجتماعي معقّد، غامض وحسّاس، قلق ومتمرّد، قد تظهر كل هذه الحالات وهذه الوقائع والمحطّات دفعة واحدة كما قد تتجلّى في محطّات مختلفة عن بعضها البعض لكن الأكيد أنها بطريقة أو بأخرى قد تؤدّي و تستدعي بعضها البعض لتخلق لنفسها كيانات مختلفة وهويات متطاحنة في كثير من الأحيان كلما ضاق بها الزمن الاجتماعي والسياسي ، الثقافي والاقتصادي فتسعى إلى تحطيمه والتنكّر له والبحث عن البديل باختراق الواقع نحو أفق مغاير.

I- تعريف ثلّة الأقران (جماعة الرّفاق)

اختلف العلماء والباحثون في تسمية جماعة معينة من الأطفال أو الشباب. فهناك من يطلق اسم جماعة الأقران، وهناك من يسميّها جماعة الأصدقاء، وهناك من يسميها جماعة النواصي، وهناك من يسمّيها جماعة الأصدقاء، وهناك من يطلق عليها اسم جماعة الأتراب. ومهما يكن من اختلاف بين الباحثين في إطلاق التسمية على هذا النّوع من التنظيم الاجتماعي، إلاّ أن المضمون واحد.

فتعرف جماعة الرّفاق بأنها جماعة من الأفراد يلتقون في الميول والدّوافع والطموحات والاهتمامات الاجتماعية، هو مجتمع تلقائي لم يقم أحد بتنظيمه، لم توضع قواعد و قوانين. انه مجتمع نابع من حاجة نفسية واجتماعية حقيقية يتميز بأنه مجتمع يستلب قلوب أفراده ويستوعب بسرعة كل فرد جديد ينظم إليه، كما لا يتميز بالتفكير المنطقي، ولا يحسّ بالمسؤولية لدى وضع خططه.[1]

II- العوامل التي تتحكم في الانتماء إلى جماعة الرفاق:

1- السن: غالبا ما تضم جماعة الرّفاق أفراد من سن واحد أو يتقاربون في العمر، بحيث لا توجد جماعة تجمع في صفوفها أفرادًا تتراوح أعمارهم ما بين العشرين والست سنوات، لأن السن ينعكس على طبيعة السلوك وطبيعة التعامل وطبيعة الحديث، كما يتدخل السن في توفير ظروف مساعدة لانسجام الجماعة وبقاءها وتماسكها كالتقارب في التفكير والاهتمامات والميول.

2- الطبقة الاجتماعية:يتدخل المستوى الاقتصادي والاجتماعي للطّفل في تحديد نوع الأصدقاء الذين يختارهم كشركاء، والاندماج معهم في النّشاطات الاجتماعية المختلفة، ففي جماعة الرّفاق هناك تبارز بالألقاب والمكانة الاجتماعية والاقتصادية والحاجات المتوفرة. والمال والألبسة وأنواع المأكولات، والطّفل لا يصمد أمام هذه الأشياء إذا لم يكن يتقاسمها معهم.

3- الجنس: غالبا ما يميل الفرد إلى مصاحبة الأفراد الذين هم من جنسه. فهناك جماعة الرفاق للبنين، وهناك جماعة الرّفاق للبنات. وهذا الأمر نابع عن الاختلافات الفسيولوجية بين الجنسين، وكذلك الاختلافات البيولوجية والنفسية، ولا يميل الفرد إلى مصاحبة جماعة الرفاق من الجنس الآخر، إلا في الحالات الاستثنائية. فالناس ينظرون بازدراء للفرد الذي ينتمي إلى جماعة الرّفاق من غير جنسه.

4- الاهتمامات الاجتماعية: تتدخل الاهتمامات الاجتماعية للأفراد بشكل كبير في تشكيل جماعة الرفاق والانتماء إليها، لأنّ من الدّوافع المؤدية إلى تشكل الجماعة هي وحدة الاهتمامات وتتبعها وحدة الميول والأهداف الاجتماعية التي تعتبر عاملا مساعدا في تحقيق الأهداف والميول، فهناك جماعة الرّفاق المدرسي، جماعة الرّفاق الرياضية، جماعة الرّفاق المسرحية…

5- المكان لجغرافي: يؤدّي العامل الجغرافي دورا في تكوين جماعة الرّفاق وانتماء الفرد إليها، فهي المجتمع القريب من الطّفل عندما يخرج من المنزل، ويقضي أوقات فراغه معها، ولذلك توجد جماعات الأحياء التي يوجد بينهم المكان الذي يسكنون فيه. فالطّفل عادة ما يميل إلى مصاحبة الأقران الذين يجاورونه في الإقامة ويناصرونه في الشدّة.

III- أنواع الأفراد في جماعة الرّفاق:

1- الأفراد الشعبيون: هم الأفراد الذين يتلقون تأييدا اجتماعيا من قبل زملائهم، ويحظون بقبول اجتماعي إيجابي أكثر.

2- الأفراد المنبوذون: هم لأفراد الذين يتلقون رفضا اجتماعيا من قبل زملائهم ويكونون ذو سمعة سلبية وسط زملائهم. فهم بصفة عامة يحظون بتأييد أقل إيجابية من زملائهم.

3- الأفراد المجادلون: هم الأفراد الذين يتراوحون بين التأييد والرّفض، فتارة يحظون بتأييد وتدعيم من قبل زملائهم وتارة أخرى يحظون برفض وقلّة تأييد، فهم ويتعرّضون للنمطين السابقين من المعاملة.

4- الأفراد المهملون: هم الأفراد الذين يكونون عادة غير معروفين، بحيث يتلقون قليلا من القبول والرّفض، وذلك لسلبيتهم وسلبية دورهم بداخل الجماعة، (فلا يكونوا محل اهتمام من قبل زملائهم، ويكونون على الخطوط الهامشية لعمليّة التفاعل الاجتماعي للجماعة وعادة ما يكونوا مسايرين لتوجهات أغلبية الجماعة.

5- الأفراد المعتدلون: هؤلاء الأفراد هم الذين يتوسطون الجماعة، ويميلون إلى التوفيق بين المجمعات الأخرى ويقفون موقفا وسطا، وبذلك يتلقون قبولا ورفضا متوسطين من قبل زملائهم.

IV- أساليب جماعة الرّفاق:

أولا:الثواب الاجتماعي: فهي تعطي الكثير من الامتيازات النفسية الاجتماعية لعنصرها، وتحيطه بأنواع شتى من الرّعاية والدّفئ الاجتماعي، ممّا يؤدّي بالفرد إلى الحرص على البقاء فيها والاستمتاع لقرارها وتنفيذه، ومسايرة تنظيمها حتى ولو كان كل ذلك يخالف سلطة الأسرة.[2]

ثانيا: العقاب الاجتماعي: أسلوب توظفه جماعة الرّفاق في التّعامل مع أعضائها وضبط سلوكهم ضدّ الأفراد الذين يتسبّبون في إثارة المشاكل داخل الجماعة ويتمثّل هذا العقاب في الرّفض والنبذ وعدم إعطاء أهميّة وتقدير لهذا النّوع من الأفراد، قصد التأثير على السلوك الناتج عن الجماعة وتنظيمها ومحاولة تعديله أو تغييره. فالجماعة تسلب الفرد المكاسب والامتيازات التي أعطته إيّاها وهذا ما يؤدّي بالفرد إلى تعديل سلوكه وإمّا يؤدّي به الأمر إلى تغيير الجماعة.

ثالثا: أسلوب النمذجة: أي تقديم نماذج سلوكية يتوحد معها أعضاء الجماعة. فجماعة الرّفاق تحاول أن ترسخ أفكارا معينة أو تبني اتجاهات جديدة عن طريق إعطاء المثال داخلها، يؤدّي بأعضائها إلى تقليد هذه النماذج وتبنيها.

رابعا: المشاركة الاجتماعية في النشاطات المختلفة، كاللّعب،، الرّحلات، الحملات التطوعية وغيرها من أصناف النشاطات، وهذه الأنشطة لا تتيح فرصة التعلّم والتمرّس على مهارات جديدة فحسب، وإنما تؤدي بالفرد إلى انفتاح شخصيته وانطلاقها والتصرّف بشكل عفوي وتلقائي مع أفراد المجتمع. كما أنّها تؤدي بالفرد إلى التخلّص من الكثير من الأعراض السلوكية السلبية، كالخوف، الارتباك، الاضطراب، الخجل، الاكتئاب، وتربّي فيه صفات إيجابية كالشجاعة والمرح، الانبساط والطلاقة في الحديث.

- وهذه الأنشطة هي التي يجد فيها الفرد فرصة التعبير عن الذات، وإبراز القدرات واكتشاف طاقاته النفسية، وكذا هواياته وميوله التي يستطيع أن يحقّق فيه طموحاته وآماله.

V- السلوك الاجتماعي لجماعة الرفاق و أدوارها:

أولا : السلوك الاجتماعي في جماعة الرّفاق:

أثناء عملية التفاعل الاجتماعي بين أعضاء الجماعة الرفاق، ينتج سلوك متباين للأفراد يكون عبارة عن استجابات يمكن وصفها كالآتي:

1- المسايرة: من أنواع السلوك الاجتماعي للأفراد داخل جماعة الرّفاق، المسايرة التي هي عبارة عن نوع من التعديل والتغيير في السلوك والاتجاهات، ينشأ جرّاء ضغط الجماعة الحقيقي والمتخيّل على أفرادها.[3]

2- الطاعة والانقياد: إن جماعة الرّفاق تعبر عن مجتمع مصغر، وتنظيم اجتماعي يتكوّن من قادة وأتباع ويتلقى القادة الطّاعة من أتباعهم بشكل تلقائي من أجل إنجاز الهدف والعمل في راحة وتبادل الأدوار وإشباع الحاجات التي يرغبون في تحقيقها.

3- الانسحاب والانكفاء: نتيجة للعوائق والمشاكل التي يتعرّض لها الفرد داخل جماعة الرّفاق، فقد ينسحب من جماعة الرّفاق التي هي من جنسه إلى جماعة أخرى، وذلك ضغط عدم الشعور بعدم الإشباع النفسي والاجتماعي، وكذلك الشعور بالفشل والكراهية من قبل زملائه.[4]

4- المنافسة: قد يلجأ الأفراد إلى المنافسة بينهم في أداء أدوار معيّنة، أو استظهار قوى ومهارات، ويتعلّق الأمر بإظهار قدرة بناء علاقات حسنة، واستعطاف الآخرين وجلب تأييدهم وهي من أهم الوظائف الأساسية في حياة الفرد، كما أن الفشل في المنافسة وبناء العلاقات مع أعضاء الجماعة، هو في حدّ ذاته يشكل خطورة كبيرة في التعاون مع الجماعة وإحراز تأييدهم.[5]

5- العدوانية: يمكن أن تكون نتيجة لظاهرة الرّفض الاجتماعي من قبل الجماعة للفرد، عندئذ يلجأ الفرد المنبوذ إلى ارتكاب اعتداءات على زملائه، كالكلام البذيء أو تحطيم أغراضهم أو ضربهم والإيقاع بهم [6] فالأفراد المنبوذون اجتماعيا يكونون أكثر عدوانية تحت تأثير الرّغبة والانتقام.

ثانيا :الأدوار الاجتماعية لجماعة الرّفاق:

جماعة الرّفاق تنظيم اجتماعي داخل المجتمع العام، يأخذ أدوارا اجتماعية مختلفة، بشكل يجعل منه محيطا اجتماعيا حيويا وجذابا بالنسبة للأطفال والمراهقين على حدّ سواء.

1- دور المؤسسة الاجتماعية: يمكن لجماعة الرّفاق أن تأخذ دور مؤسسة اجتماعية تقوم بعملية التنشئة الاجتماعية، ويتعهّد أعضاؤها بالتقويم والتنمية النفسية، وتعلّم مجموعة من المهارات الاجتماعية وتبلغ أهميّة جماعة الرّفاق، في هذا الجانب إلى درجة أن الأطفال يتعلمون أشياء كثيرة. لا يستطيعون تعلّمها من الراشدين، فهم يتعلّمون كيف يتصرّفون مع السلوك العدواني والتسلطي.

2- دور تقديم المساعدة: يمكن أن تؤدّي جماعة الرّفاق دور المساعد للأطفال في كيفية التعامل مع المشاكل الانفعالية الأخرى، وخاصة فيما يتعلّق بالعلاقة مع الوالدين. فالطفل يجد في جماعة الرّفاق من يسمع له، ويوجهه ويرشده ويساعده على تجاوز العقبات وحلّ المشكلات.

3- دور الأولياء: يمكن أن تأخذ جماعة الرّفاق دور الأولياء في الأسرة. فالأشياء التي يتلقاها الطفل في الأسرة يمكن أن تجد تدعيما في جماعة الرّفاق. وتسير جماعة الرّفاق في تعاملها مع أعضائها في خط مساير للأسرة في شكل سلوك تعاوني تكاملي، ويجب أن تتوفّر في هذه الجماعة العلاقات الدّافئة والاهتمام الإيجابي بالفرد، والحرص على تحقيق حاجاته الاجتماعية، والاستجابة لدوافعه النفسية وعدم كبحها وقهرها.

4- دور المدرسين: يمكن أن تأخذ جماعة الرّفاق دور المدرّس في المدرسة وذلك من خلال ما يلاحظ عى بعض جماعات الرّفاق من تعاون في المدرسة والمذاكرة الجماعية، بحيث أن الفرد الذي ينتمي إلى الجماعة التي يتميّز أعضاؤها بالتحصيل الدّراسي المرتفع. فإنه سيتحسّن مستواه الدّراسي حتى ولو كان منخفضا قبل الانتماء لأنه عن طريق التقليد والتحفيز والتشجيع، يلجأ الفرد إلى الامتثال والحرص على التحصيل المدرسي حتى يجد مكانا مقبولا بين زملائه، وتتطوّر هذه العلاقة إلى تخصيص ساعات للمذاكرة الجماعية في البيوت، المكتبات العامّة، …إلخ.

5- دور المنبع للسلوك الانحرافي: وفي المقابل هذه الأدوار، يمكن أن تأخذ جماعة الرّفاق دور المؤسسة المنتجة للسلوك الجانح، والتصرّفات غير الاجتماعية والإبداع في فنون الإجرام ، وتكون المحيط الذي يساعد الفرد على الانحراف السلوكي.

VI – وظيفة جماعة الرّفاق الاجتماعية:

- تؤدّي جماعة الرفاق مجموعة من الوظائف نحو أفرادها وقد أحيطت في العناصر التالية[7]

1- تنمية شخصية الفرد بصفة عامّة وإكسابه نمط الشخصية الجماعية.

2- مساعدة الفرد على النمو الجسمي والعقلي والاجتماعي، الانفعالي.

3- تكوين وبلورة معايير اجتماعية وتنمية الحساسية والنقد نحو بعض المعايير الاجتماعية للسلوك.

4- تهيئة الظروف النفسية والاجتماعية لتمكن الفرد من أداء أدوار اجتماعية جديدة ومهمّة مثل: القيادة.

5- تنمية الولاء الجماعي في نفسية الفرد وتحفيزه على المنافسة مع جماعات أخرى.

6- تنمية مجموعة من السمات الشخصية المهمّة بالنسبة للفرد، كالاستقلال الذاتي، الاعتماد على النفس، الاستماع للآخرين…إلخ.

7- تتيح الفرصة للفرد للقيام بعملية التجريب والتدريب على الأدوار الاجتماعية الجديدة، وعلى تبني السلوك الجديد.

8- تقوم بوظيفة التصحيح والتقويم للسلوك المتطرّف أو المنحرف لأفرادها من خلال النقاش والحوار والنقد الحر والمتسامح.

9- إشباع حاجات الفرد النفسية الاجتماعية، كحاجة الفرد للحب، وحاجته للانتماء والحاجة للمعلومات.

10- استدراك النقص الحاصل في شخصية الفرد وإكمال ما عجزت الأسرة أو المدرسة عن تحقيقه، كإمداد الفرد بثقافة اجتماعية حول العديد من القضايا الاجتماعية المطروحة.

1- الجماعات الاجتماعية:

ما معنى الحركة الاجتماعية؟ وهل لكل حركة أو فعل يمكن أن يوصف بكونه حركة اجتماعية؟ ما هي خصائصها ومحدداتها وما العناصر الأساسية التي تدخل في تشكيلها؟

بهذه الأسئلة تم تصدير مقالة علمية –سجل عليها- تحت عنوان “السوسيولوجيا والمجتمع لدى ألان تورس وبيير بورديو ، تمت الإجابة فيها عن مختلف محددات الحركات الاجتماعية، ومتجاوزا بذلك التعريف الضيق لها، وذلك بأن أعطى لها بعد شمولي: “إن الحركة الاجتماعية هي فعل موجّه ثقافيا وتصارع اجتماعي يقوم به فاعل معرف من خلال وضعه المسيطر أو النابع داخل نمط امتلاك التاريخانية.

إنها ذات طابع شمولي ينقلها من الهامشية إلى المركزية، وذلك بإدراج صراعاتها في مستوى الحقل التاريخاني”.

لقد أرخى مفهوم الجماعة سدوله على علم الاجتماع، وأثيرت حوله عدّة إشكالات. جعلت العديد من آباء العلم يتوحسون منه. لطبيعة التداول اليومي المستهلك لهذا المفهوم، بالإضافة إلى ذهاب فريدناند تونيس إلى أن التحديث modernisation  نجم عنه خسارة الجماعة والتضامن المحلي وفي الاقتصاديات الصناعية النامية لشمال أوربا لن تعد المعركة المتبادلة والضوابط الاجتماعية المتولدة نتيجة العيش في مواقع ريفية صغيرة النطاق نسبيا، ممكنة في المراكز الحضرية الناشئة، كبيرة النطاق والمستقلة والمتنوعة اجتماعيا وأصبحت هذه الفكرة الخاصة بخسارة الجماعة بدورها فكرة محورية في في تطور دراسات مدرسة شيكاغو للتحضر.

لمفهوم الجماعة تعريف تقليدي يحصره في العلاقات الخاصة بالموقع أو الحوار المشترك لمجموعة من الأشخاص وتعريف حديث يحمل أفكار التضامن والارتباط بين أناس يشاركون في الخصائص أو الهويات الاجتماعية نفسها.

وارتبط مفهوم الجماعة أو الحركة بالطبيعة السياسية والاجتماعية لهويتها، التي تتناول الصلة بين المجتمع المدني والنظام السياسي خارج أنماط المشاركة السياسية المؤسسية” وهو ما يميزها عن العصابات واللوبيات، والتي تشتغل بآليات غير واضحة. وفي وسط بطبعه السرية والعنف المادي في غالب الأحيان.

2- الجماعات الافتراضية: المفهوم والتعريف

إنه بالعودة إلى كتاب Les communauté virtuelle يعرف الجماعات الافتراضية بأنها ” تجمعات اجتماعية وثقافية تظهر في الشبكة عندما يكون هناك عدد كاف من الأفراد، يشاركون في مناقشات عامة خلال وقت كاف، ويضعون من وجدانهم ما يكفي لنسج شبكات من العلاقات الإنسانية في الفضاء السيبراني.

انطلاقا من هذا التعريف يمكن أن نستنتج بأن الجماعات الافتراضية تتميز بـ:

  • توفر عدد معين كحد أدنى.
  • إلزامية الدخول في النقاش
  • الاستمرارية الزمنية في النقاش
  • العلاقات غير محددة ومعروفة مسبقا.
  • العلاقات تتشكل من خلال النقاش العام.

ويمكنني أن أزيد مميزات عدة للجماعة الافتراضية: من خلال الممارسة العملية من داخل الفضاء العمومي الافتراضي، وتفكيك عدة حركات افتراضية – مع العلم بأني سأزيد من تفصيلها بالمحور التطبيقي، كي أجمعها في الأمور التالية:

* غياب الرمز أو القائد أو القيادة الإدارية.

* غياب الهياكل المحددة وفقا لقانون أساسي كما هو الحال مع الحركات لواقعية.

* طبيعة العلاقة فيها إرادية وليس ضرورية وفقا للقرابة العائلية أو الجغرافية أو الدينية.

* صناعة نخبة جديدة بدل النخبة الواقعية.

* طبيعة الجماعة ترافعية احتجاجية.

* جماعة تتنتج “الحقيقة” بشكل جماعي غير محدد سلفا.

* استيعاب شرائح مجتمعية مهمة كما وكيفا، كانت إلى وقت قريب منسحبة.

* هامش الإبداع والتدخل واسع وكبير، بدون قيود تنظيمية أو قانونية.

ونتيجة هذا كله هو:

  • نجاوز الحركات التقليدية.
  • نجاوز النخب الواقعية.
  • انتهاج قاموس مفاهيمي جديد.

2-1- تعريف الجماعات الافتراضية:

مفهوم الجماعات الافتراضية هو أحد العناصر المتكررة، للخطاب الذي تضعه المعلوماتية حول نفسها، ويقوم بدوره على الدوام في كل الحالات، بواسطة البوابات التي تقدم خدمة الدردشة، وقوائم وميادين للبث، وبريد إلكتروني وإدراك لصفحة منزلية.

تجدر الإشارة إلى أن هذه الخدمات. من جانب آخر. لا يتم تقديمها على انفراد إلا نادرا، و هو ما يشير إليه فاليري بودو Valerie Beaudoin وهو عالم اجتماع في مختبر العلوم الإنسانية في إنها جانب آخر مترابط تماما بممارسة فاعلين يمضون وقتهم في التجوّل من مكان لآخر، ويشكلون مجموعة.

كما تعتبر الجماعات الافتراضية أحد أبرز الرهانات المتعلقة بالمواقع الاجتماعية، وذلك لما يثيره هذا المفهوم من جدل حول أثر الأنترنت بصفة عامة، والمواقع الاجتماعية بصفة خاصة على اللحمة الاجتماعية Le lien Social.

يعرف راينغولد هاورد العالم الأمريكي المختص في الاتصالات، في كتابه المرجعي لجماعات الافتراضية بأنها “تجمعات اجتماعية وثقافية وسياسية تظهر في الشبكة عندما يكون هناك عدد كاف من الأفراد يشاركون في مناقشات عامّة خلال وقت كاف من الأفراد ويضعون من وجدانهم ما يكفي لنسج شبكات من العلاقات الإنسانية في الفضاء السبيراني.

ظهور هذه لجماعات الافتراضية مع النت، طرح عدّة تساؤلات ذات منحى سوسيولوجي باعتبارها شكلا جديدا من أشكال الاجتماع البشري. مثل التساؤل حول مصداقية ووثوقية العلاقات، التي تربط بين أشخاص لا يعرفون بعضهم البعض؟ أو التساؤل حول دور الأنترنيت في إضعاف اللحمة الاجتماعية؟ عن طريق علاقات افتراضية تحل محل حرارة العلاقات الإنسانية المباشرة، وفي هذا السياق تساءل فيليب بروتون عن دور الأنترنت في تهديد اللحمة الاجتماعية.

2-2- الجماعات الافتراضية ومسألة الهوية:

تؤكد العديد من المؤشرات والتقارير على أن الجيل الناشئ سيكون جيل الشبكات الاجتماعية، والدليل على هذا الانتشار الواسع للتقنية التي عجلت في وثيرة سرعة الانتشار، ولطبيعة بنيتها التي تسمح بظهور وسائط وشبكات اجتماعية مهمة، تحقق نوعا مهما من التواصل السريع. كما تدل مؤشرات أخرى، أيضا، على أن هذه المرحلة هي مرحلة فيس بوك والمدونات والتويتر والبال تولك واليوتيب.

نذكر هنا بأن الفايس بوك على سبيل المثال، ينتمي إليه حاليا حوالي 700 مليون مستخدم حسب آخر الإحصائيات، منها ما يقارن ثلاث ملايين مستخدم في المغرب أغلبهم تتراوح أعمارهم بين 16 سنة و40 سنة، وكذلك هو الأمر مع المدونات التي اعتبرت هي الأخرى، مساهما في التأطير العام ومحققة نسبة مهمة من الاستعمال.

فالوسيطين الإعلاميين اعتبرا في الدول العربية، بمثابة جماعتين افتراضيتين لهما دلالاتهما ورمزيتهما، باعتبارها توطدان الرابطة الاجتماعية الافتراضية للأفراد، القائمة على دلالة حميمية، وفي الوقت نفسه توفر هوية جديدة لمستخدمها.

ففي الآونة الأخيرة تمكن الإجماع على الإقبال لدى الأفراد على المشاركة والفاعلية من داخل الجماعات الافتراضية. ليس فقط في المجتمعات العربية وباقي الدول السائرة في طريق النمو، بل سبق اعتمادها بالدول العربية التي تستعين بالتقنية كوسيلة أساسية في جميع أنظمتها.

على الرغم من اتساع استعمال التقنية بالعالم العربي،  لم يحدث ذلك النقاش الساخن حول هذه التقنية الاتصالية الجديدة، كالذي يحدث في العالم العربي حيث احتدم فيه الجدل حول أثار هذه التقنية، رغم ما أحدثت من تغيرات على مستوى البنيات الاجتماعية التقليدية وشبكة الترابط الاجتماعي الأسرة، العائلة، المدرسة، الحي… بمعنى أنه في المجتمعات التقليدية ما زالت مؤسسة الأسرة كشبكة اجتماعية للتربية والتنشئة، والعائلة كشبكة اجتماعية للترابط والتواصل القرابي، والحي والحومة أو الدرب أيضا كشبكة اجتماعية للعب واللهو، والخيط الناظم بين الشبكات الاجتماعية أن لها خصائص وقواعد ومحددات وعناصر وضوابط تساهم في تحديد الهوية الاجتماعية للفراد.

نحن لا نكاد نرى أو نسمع جدلا بتلك الحدة التي يعرفها المجتمع العربي. فيما يخص أثار الشبكات الافتراضية على نمط العلاقات داخل الشبكات الاجتماعية التقليدية، اللهم بعض النقاش على مستوى الخطاب السياسي والإعلامي، الذي فرضته التحولات الأخيرة على المشهد السياسي العربي، بفعل الدور الذي لعبته هذه الوسائط الإعلامية في هذه اتغيرات.

إن الوسائط الإعلامية أصبحت “جماعات افتراضية” منافسة ومؤشرة، وخصوصا بعد أن راح استخدامها على نطاق واسع، تضاعف بذلك عدد المستخدمين لها بشكل كبير كما توضح المعطيات والأرقام.

ويعود الإقبال الكبير على هذه المواقع لاعتبارات كثيرة نذكر بعضها:

أ- سهولة برنامج استخدامها.

ب- تقديمها لجودة عالية التقنية في التواصل الاجتماعي.

ج- انفتاحها بشكل كبير، إذ تتيح سهولة الإبحار في عالمها رغبة كبيرة للأفراد في نسخ علاقات اجتماعية جديدة، وقضاء مدة زمنية طويلة أمام الحاسوب.

فبتفاوت عدد المستخدمين بين دول العالم المتقدم وبين دول العالم المتخلف. وبين الفئات الاجتماعية داخل المجتمع الواحد.

فما هي إذن دلالات نزوح الأفراد نحو الوسائط الإعلامية “فيس بوك” نموذجا؟ هل نحن حقا أمام موجة ثالثة كما سماها ألفين توفلر؟ هل أصبح الفايسبوك يعبر عن شبكة اجتماعية جديدة لها توجهات خاصة؟ هل مازالت المؤسسات التقليدية كشبكات اجتماعية وكمؤسسات للتنشئة الاجتماعية تحافظ على دورها في تشكيل الهوية الاجتماعية؟ أم أنها متجاورة أمام الإقبال الكبير على الفضاء العمومي الافتراضي؟

بناءا على هذا ارتأينا دراسة هذه الظاهرة الاجتماعية بهدف إثارة النقاش العلمي حولها على غرار تلك الدراسات العلمية التي أجريت حول هذا الموضوع في الدول الغربية.

ارتأيت أن تكون انطلاقتي لفهم وتفسير هذه الظاهرة في مجتمعنا المغربي، وكشف التباينات التي ستتوصل إليها. وقد وقع اختياري على الفايسبوك نموذجا، لظهور تجليات تشكل الجماعات الافتراضية، والمسايرة ومواكبة النقاش المجتمعي الحاصل حوله، ومن أجل مقارنة معرفية حوله.[8]

VII- الواقع الافتراضي وتحدي الهوية:

تعتبر اليوم ظاهرة “الوسائط الإعلامية” من أكثر الظواهر لاجتماعية التي استقطبت الملايين من الأشخاص. بشتى شرائحهم وانتماءاتهم، وفرضت العديد من التحديات التي تؤثر على القيم والثقافة والهوية وأنظمة التربية بالمجتمع، وخصوصا مع التخلف التقني الذي يعرفه البلد لدى فئة عريضة، فمن خلال تفحص الواقع التقني للوسائط، التي ظهرت نتيجة التطبيقات العلمية في مجال الإعلام عبر شبكة الاتصال المعلوماتية (الأنترنيت) سنجد عالما افتراضيا يسهل التحكم فيه عن بعد، مما يجعل منه عالما واقعيا، ولكن لا واقعية العالم الذي اعتاد الإنسان التعامل معه منذ وجد، بل واقعته جديدة يسميها الفيلسوف محمد عابد الجابري: اعتبارية أو افتراضية.[9]

بمعنى أن العولمة في جانبها المعلوماتي تتجاوز الحدود القومية، وتتعامل مع فضاء جغرافي لا يعترف بالحدود، ربما يخلق حدودا جديدة داخل الدولة الواحدة تفصل بين المستخدم للأنترنت (تملك مدونة، أو تملك صفحة في شبكة افتراضية)  وبين غير المستخدم للأنترنت. وبالتالي ستخلق أزمة في بنية المجتمع، وشبكاته الترابطية وهويته الجماعية، وتقضي على خصوصيات الشعوب.

“الجماعات الافتراضية” موضوع هذا البحث ستبين لنا أن اكتشافها واستعمالها للمرة الأولى وانتشارها بكثافة كان في الدول العربية، وبالضبط في الولايات المتحدة الأمريكية التي تتميز بتعدد ثقافي وتعدد هوياتي. كما أن المجتمع الأمريكي تغيب فيه الروابط الاجتماعية (مفكك اجتماعيا)، مجتمع الفردانية، مفكك اللحمة الاجتماعية، وفوق كل هذا فإن الولايات المتحدة الأمريكية هي مركز النظام العالمي الجديد، وموطن “العولمة” (الرأسمال والشركات العملاقة المتعددة الجنسيات): وأثناء تصدير التقنيات التكنولوجية الرقمية الحديثة للدول المتخلفة تصدر معها نموذج الحياة الأمريكية (للباس، الذوق، التفكير، قيم الاستهلاك، الثقافة، السرعة المفرطة، تجريد الإنسان من الوجود الواقعي إلى الوجود الاعتباري…) وبالتالي ستخلق أزمة للمجتمعات المتخلفة صناعيا. خاصة المجتمعات التقليدية والمحافظة التي تتعارض ثقافتها الأصلية والأعراف والمعايير مع الثقافة الأمريكية. فظهور الفايسبوك نموذجا في المجتمع الأمريكي له ما يبرره اجتماعيا وثقافيا وتقنيا، لأنه من جهة لا تتعارض من حيث المحتوى والمضمون مع المعايير الاجتماعية والأخلاقية التي تميز المجتمع الامريكي، ومن جهة أخرى لأن المجتمع الأمريكي متقدم صناعيا ويعتمد التكنولوجيا الرقمية في شتى مناحي الحياة، أما في مجتمع أهلي تقليدي كالمجتمع المغربي فسنطرح مشكل التعارض مع مؤسسة التنشئة الاجتماعية، ومؤسسة المجتمع المدني، والحركات الاجتماعية، والمعايير الأخلاقية اتي تعد فاعلا رئيسيا في رسم هوية الإنسان المغربي.

هل سيؤدي هذا الوضع إلى القضاء على خصوصية وثقافة المجتمع المغربي؟ أم أنها ستتعايش معها دون أن تتعرض للاستلاب الثقافي ودون أن تفقد ثقافتها لهويتها الوطنية.

VIII – إشكالية الهوية:

إن مشكل الهوية أو أزمة الهوية (لا نقصد أزمة القيم) ليست وليدة اليوم، وإنما مرتبطة بعمليات الانفتاح الثقافي حتى قبل ظهور وسائل الإعلام والاتصال، حين كانت الدول والأمم في الماضي تنفتح على ثقافة أمه أخرى فننهل منها ما يعجبها  أو العكس، ويتحقق ذلك بفعل عملية التأثير والتأثر، أما في وقتنا المعاصر فازداد مشكل الهوية أكثر حدة، ليس فقط لأن مبتكروا وسائل الإعلام والاتصال يصدرون ثقافتهم لشعوب الدول النامية، بمعنى أن العلاقة بين الهوية المحلية وهوية العولمة لسبب علاقة وحيدة الاتجاه. وإنما أصبحت الهوية تركيب بين معطيات العالم الواقعي والعالم الافتراضي، الذي يشكل جزءا كبيرا من العالم الواقعي. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى انقسام على صعيد الهوية. (في العالم الواقعي لكل جماعة هوية اجتماعية أما في العالم الافتراضي تعدد الهويات داخل الجماعة الواحدة “حركة 20 فبراير التي تضم نجيب شوقي زعيم “حركة مالي” للإفطار في رمضان، وسعيد بن حبلي الذي ينتمي لجماعة أصولية على سبيل المثال)، إنما راكمتها التحولات الكبرى التي شهدها العالم أواخر القرن العشرين متمثلة بالأساس في العولمة باعتبارها “ثقافة” اكتسحت العالم بالوسائل التكنولوجية الحديثة (هاتف، نقال، ألعاب الفيديو، الحاسوب، انتشار الأنترنيت، تطور خدمات الاتصال) التقنية الجديدة تأتي بمحتوى ثقافي للدول المصنعة “أمريكا” وبالتالي تنتشر معها الثقافة ونمط الحياة الأمريكية، وإذا لاحظنا لباس الشباب وذوق الشباب ونوع الموسيقى التي يستمعون إليها. تمثلاتهم وقيمهم. سنجد أنها متأثرة بالنمط الأمريكي، لكنها لا تستجيب له كليا، وفي نفس الوقت غير مستعدة أن تتخلى عن ثقافتها الأصلية، وهذا الأمر يضع الشباب في “أزمة حسم الخيارات”، وبالتالي أزمة في تحديد الهوية، بين الهوية الأصلية أو الهوية الوافدة الحاملة للحرية المظلمة (التفكير، الاعتقاد، السلوك، التعبير)، والقائمة على الاستهلاك، وتوحيد الذوق ونمط العيش.

IX – التحولات التقنية المتسارعة وانعكاسها على الهوية:

التحولات المتسارعة في مجال التكنولوجيا خلقت أزمة في الهوية، فكلما تزايدت السرعة في أي مجال كلما ازداد البحث عن النات في الهوية، ماذا نقصد بالتحول؟ وما هو التحول أصلا؟ إذا اعتبرنا أن الفايسبوك معطى اجتماعي في بنية تقنية، فهو أحدث تغير على مستوى التفكير بعد انتقال التفاعل الاجتماعي من العقل التأملي إلى العقل التقني.

إذا كانت الدولة روح الجماعات تجمع الفكرة العامة للجماعة  وتحميها، فهل بعد تحرير الفضاء العمومي سيحدث تحوّل في الهوية الجماعية؟

لكن مفهوم التحول هنا، ليس دائما مفهوما إيجابيا، لأننا سوف نبحث في الجوانب السلبية التي أضفتها الشبكات الافتراضية على هوية الأفراد، ويحيلنا مفهوم التحول إلى انتقال الحياة البشرية من المجتمع الصناعي إلى مجتمع المعلومات أو “مجتمع المعرفة” باعتباره الشكل المجتمعي الجديد الذي تنتظم في إطاره البشرية اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، والذي تحتل فيه المعلومات مكانة محورية باعتبارها الثروة الحقيقية التي يتوقف على سرعة الحصول عليها ومعالجتها واستغلالها. تقدم مجتمع معين أو تخلفه، كما نسجل نقطة تحول أخرى حسب مجموعة من المفكرين وتتجلى في انتقال التفكير من العقل التأملي إلى العمل التقني. كما أن ما يمير المجتمع الحديث هو انتشار التقنيات الحديثة للإعلام والاتصال وسيطرتها على مختلف المجالات والأنشطة الاجتماعية، ويتجلى التحول الذي خلفه الفضاء الافتراضي بصفة عامة هو أنه قدم لنا عالما مطابقا لعالم الواقع، لكنه غير محسوس يقوم على تقنيات الاتصال الحديثة، هذا العالم الجديد يضم جميع أنشطة عالمنا الواقعي المعتاد. ومميزاته هو أنه متحرر من المسافة الزمنية والمكانية، وأنه يتم التحكم فيه عن بعد. أما هوية الأشياء التي يحتويها والأنشطة التي تتم فيه فتتحدد بالوصف اعتباري virtuel، حسب محمد عابد الجابري، وليس بافتراضي أو وهمي، كما يعنيه المعني الأصلي للكلمة، لأن الأمر هنا لا يتعلق بمجرد وجود تصوري من صنع الخيال أو الوهم، بل بوجود واقعي: مشاهد عبر الصورة والكلمة وجميع الرموز، ولكنه مع ذلك “اعتباري” بمعنى أن الاتصال فيه يتم عن بعد وعبر رموز.

يمكن القول في البداية أن أي ظاهرة حديثة لا تأتي بدون مقدمات وممهدات ، وإنما تأتي كتتويج لمسلسل طويل هو مسلسل التدويل، وإذا أردنا رصد مسلسل التدويل لظاهرة الشبكات الاجتماعية الافتراضية سيتبين لنا أنها امتداد وتطوير نوعي لتقنية الاتصال والأنترنيت. هذه التقنية التي تعد اليوم دروة ما ابتكره الإنسان اليوم في مجال التكنولوجيا الرقمية. مع موازاتها تعرف الحياة الإنسانية تحولات جوهرية للأفكار الأساسية للأفراد في سياق حركة التطور والتقدم العلمي والتقني. لأن انتشار الفكر التقني أدى إلى خلخلة ثوابت الجماعات البشرية. التقنية الحديثة وفرت للإنسان حرية لا محدودة جعلته ينصهر كليا في فلكها. حيث يلاحظ العديد من الفلاسفة وعلماء الاجتماع إن هناك ارتباطا وثيقا بين تطور التقنية وبين الأهمية المتنامية التي حظي بها المحسوس والحسد والعرائر الطبيعية للإنسان. وهي كلها أصبحت مع هرمان جاكوبي. جوهر الفردية.[10]

X – مظاهر تحول الهوية:

إن من أبرز مظاهر التحول الهوياتي هو التجرد من الخصوصية، ثم إن الهوية تتجرد من مركزيتها في إحكام سلوك وأفعال الأفراد والجماعات. وإلى جانب هذا هناك مؤشرات أخرى تدل على تغير أو تحول في الهوية نذكر منها ما يلي:

أ- فك الارتباط بالوطن

ب- فك الارتباط بالرموز القومية (الذاكرة المشتركة)

ج- فك الارتباط بالرموز الدينية والتاريخية

د- تعبر اللغة المستعملة في التواصل والإشارة والتحية والرموز

إضافة إلى كل ما سبق فهناك تحول آخر مرتبط بإقبال كثيف على المواقع الاجتماعية على شبكة الأنترنت، وهو العلاقات الاجتماعية الافتراضية وانعكاساتها السلبية على العلاقات الاجتماعية التقليدية، الملاحظ أن هذه العلاقات الاجتماعية تنسج إراديا عكس العلاقات التقليدية التي يفرضها لواقع بحكم القرابة العائلية أو علاقات العمل أو الدراسة. فالشبكات الافتراضية تمكن الأفراد من الدخول في علاقات مع من يريدون متى يريدون وكيف يريدون. ويعتبر هذا التحوّل تحوّلا سوسيولوجيا جوهريا أدخله الأنترنت على العلاقات الاجتماعية التي أصبحت اختيارية وليست تراتبية. وعن انعكاسات هذا التحوّل على هوية الأفراد يرى بعض علماء النفس أن ظاهرة تمضية أعداد متزايدة من الناس أوقاتا مطولة أمام شاشة الكمبيوتر لقضاء “حياة أخرى”تحت هوية غير هويتهم المعتادة وذلك سواء عند المشاركة في فضاءات الدردشة كما هو الحال في البال تولك” أو “السكيب” أو في فضاءات افتراضية مفتوحة ل “الفايسبوك” و”تويتر” و”مايسبيس” فيقوم بتقمص شخصية مغايرة لشخصياتهم المعتادة، أو أثناء التواصل عبر هذه الوسائط الاتصالية الحديثة فتتحقق التأثير والتأثر في أحاسيس وعلاقات وهوية الشخص عندما يقضي ساعات طوال في الإبحار على الأنترنيت في عوالم افتراضية يلتقي فيها بطريقة تفاعلية مع اشخاص آخرين تحت هوية غير هويته.

من مظاهر التأثير الهوياتي التي لفتت أنظار كثير من الباحثين في موضوع العولمة هذا الانتشار السريع للثقافة الشعبية الأمريكية في مجالات الموسيقى والسينما والتلفزيون والأطعمة السريعة والملابس وغيرها. وبالأخص في أوساط الشباب. ويفسر بول سالم ذلك بإرجاعه إلى عوامل عدة منها هيمنة شركات الإعلان الأمريكية على التسويق العالمي، وقوة شركات الإنتاج الفني واستغلالها لعصر ازدهار الأقمار الصناعية في ترويج مظاهر ثقافية نجحت بين الشباب الأمريكي، فتنقلها إلى الشرائح الشبانية في أنحاء العالم فيما يشبه “صناعة ثقافية خاصة بالشباب” تتوافر فيها كل عناصر الجذب والتشويق، وتشبع لديهم وهم محاراة العصر والتشبيه بالعربي الأمريكي. إلى جانب الكسب العاجل من وراء هذا التشويق على المستوى العالمي، فإن الكسب الأهم يتمثل في أن شبان اليوم هم تحت المستقبل في بلادهم.

قائمة المراجع:

  • حسن محمود، الأسرة ومشكلاتها، دار النهضة العربية للنشر،1981.
  • حوار مع الفيلسوف داريوش شايغن حول الفضاء الافتراضي، مجلة الأونلاين الالكترونية.
  • دافيد لندال، مدخل إلى علم النفس، ترجمة: الطواب سيد و آخرون، دار ماكجر وهيل للنشر،1980.
  • زهران حامد عبد السلام، علم النفس الاجتماعي، منشورات عالم الكتب،1984.
  • عبد الخالق بدري، الجماعة الافتراضية ومسألة الهوية http://www.alquiam.ma/Article.aspx ?C=5652
  • محمد عابد الجابري، مجلة فكر ونقد، العدد 22، العولمة وهاجس الهوية في الغرب والعولمة والهوية…بين عالمين.
  • Christopher  Martin & others ,(aggressivity inotention Hyperctivity & impulsivity il boys at high & low risk for substance abuse) , Journal of abnor al child psychology, Vo : 22, N°02, 19940
  • Deborah A.Cohen & others ,(The family & children’s leer relations) Journal of social & personal relationship, Vo : 08,19910

[1]  جان شازال، الطفولة الجانحة، ترجمة: أنطوان عبدو، منشورات عويدات، بيروت، ص39.

[2]  زهران حامد عبد السلام، علم النفس الاجتماعي، منشورات عالم الكتب،1984، ص268.

[3] دافيد لندال، مدخل إلى علم النفس، ترجمة: الطواب سيد و آخرون، دار ماكجر وهيل للنشر،1980، ص758.

[4]حسن محمود، الأسرة ومشكلاتها، دار النهضة العربية للنشر،1981، ص252.

[5] Deborah A.Cohen & others ,(The family & children’s leer relations) Journal of social & personal relationship, Vo : 08,1991, P315.

[6] Christopher  S.Martin & others ,(aggressivity inotention Hyperctivity & impulsivity il boys at high & low risk for substance abuse) , Journal of abnor al child psychology, Vo : 22, N°02, 1994, P177.

[7]   زهران حامد عبد السلام، علم النفس الاجتماعي، المرجع السابق، ص 287.

[8] عبد الخالق بدري، الجماعة الافتراضية ومسألة الهويةhttp://www.alquiam.ma/Article.aspx ?C=5652

[9] محمد عابد الجابري، مجلة فكر ونقد، العدد 22، العولمة وهاجس الهوية في الغرب والعولمة والهوية…بين عالمين، ص12.

[10]  حوار مع الفيلسوف داريوش شايغن حول الفضاء الافتراضي، مجلة الأولن الالكترونية


Updated: 2018-10-27 — 22:23

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme