جدلية العجز والوجود الديمقراطي في الاتحاد الأوروبي: دراسة تحليلية / هادي عبد اللطيف النسور


 جدلية العجز والوجود الديمقراطي في الاتحاد الأوروبي: دراسة تحليلية

د. هادي عبد اللطيف النسور

دكتوراة علوم سياسية، هيئة الإعلام، الأردن

   مقال نشر في مجلة جيل الدراسات السياسية والعلاقات الدولية العدد10 ص 79.

   

Abstract

The Dialectic of the Deficit and the Democratic Presence In the European Union: An Analytical Study

This study aimed at questioning about whether the democratic deficit in the EU is a failure or not. Though, A degree of incompatibility over its existence and its disappearance led to a dialectical and procedural debate between two groups, the president of which represents the democratic legitimacy of the Union, on the one hand, and its absence on the other. Which requires clarifying the arguments of each party to find out the consistency of logical and scientific. The study dealt with the concepts of democracy, democratic deficit and trans-national democracy, the analysis of the two sides of the dialogue, and the degree of democratic support provided by the Lisbon Treaty for the democratic reality of the Union.

The research concluded that democracy in the European Union represents the most important challenge in order to achieve the required legitimacy through transient transnational democracy. The criticism of the existence of the deficit comes from the gate of improving the political process and reaching it to a better level. It requires that citizens’ preferences must be more representative of inputs and outputs of policies.

Keywords: European Union, Democratic Deficit, Transnational Democracy, Lisbon Treaty

 

ملخص

يتقفى البحث مسألة العجز الديمقراطي في الاتحاد الأوروبي من عدمه, حيث أن قدرًا من عدم التوافق حول وجوده وانتفائه, أفضت إلى جدلية ذات طبيعة فكرية واجرائية بين فريقين, قوامها الرئيس تمثل الشرعية الديمقراطية في الاتحاد من جهة وغيابها من جهة أخرى. الأمر الذي يتطلب تبيان حجج كل طرف للوقوف على مدى تناسقها منطقيًا وعلميًا. تناول البحث بالوصف, مفاهيم الديمقراطية والعجز الديمقراطي والديمقراطية العابرة للقوميات, وبالتحليل ذرائع طرفي الحوارية, ومقدار التدعيم الديمقراطي الذي قدمته معاهدة لشبونة للواقع الديمقراطي في الاتحاد.

خلص البحث إلى أن الديمقراطية في الاتحاد الأوروبي تمثل التحدي الأبرز في سبيل تحقيق الشرعية المطلوبة, وذلك عبر الديمقراطية العابرة العابرة للقوميات, وأن النقد المتمثل بوجود العجز يأتي من بوابة تجويد العملية السياسية والوصول بها إلى مراقي أفضل, وأن المطلوب لتحقيق الشرعية الديمقراطية بمستوى مرتفع, أن تكون تفضيلات مواطني الاتحاد أكثر تمثلًا كمدخلات ومخرجات للسياسات المنتهجة.

كلمات مفتاحية: الاتحاد الأوروبي, العجز الديمقراطي, الديمقراطية العابرة للقوميات, معاهدة لشبونة.

المقدمة

أنشئ الاتحاد الأوروبي نظامًا سياسيًا فريدًا فوق مستوى الدولة القومية, وإجترح أبنية ومؤسسات ذات ريادة تحقيقًا للتكامل السياسي والاقتصادي. إذ أوجد الاتحاد, منذ نواته الأولى المتمثلة بمنظمة الحديد والصلب التي أسستها ست دول في العام 1952 لحفظ السلام والتنمية الاقتصادية في أوروبا الغربية, نموذجًا رائدًا في الديمقراطية, فمن خلال النظام السياسي والاقتصادي التكاملي, استوعب الاتحاد التنوع في البنى السياسية للدول المنضوية في إطاره, وجسد المعاني والقيم الإنسانية العليا لديمقراطية عابرة للقوميات.

بيد أن هذا النموذج الديمقراطي في الحكم, يواجه انقسامًا كبيرًا شغل العديد من الأدبيات السياسية والفكرية في الاتحاد الأوروبي؛ والمقصود هنا جدلية العجز والوجود الديمقراطي في الاتحاد الأوروبي. فالقائلون بوجود عجز ديمقراطي أنكروا وجود الديمقراطية في الاتحاد الأوروبي وأكدوا بأن النهج السياسي المتبع لا يوسع من قاعدة المشاركة السياسية بجعل المواطن الأوروبي أكثر اهتمامًا بالسياسات المطبقة على الصعيد العام, بل انطوى الأمر على النقيض من ذلك, من حيث انخفاض نسب المشاركة السياسية وابتعاد المواطن الأوروبي عن الشأن العام.

بالمقابل, فإن القائلين بوجود الديمقراطية ونفي العجز الديمقراطي أشاروا إلى ترسخ الديمقراطية تشريعيًا عبر المعاهدات والقوانين, وعمليًا من خلال الاجراءات سواءًا المقترنة منها بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والمتعلقة بشرط الديمقراطية, أو تلك المرتبطة بالعملية السياسية والتشريعية المتبعة في الاتحاد, فضلًا عن تمثل الشرعية من خلال الإنتخاب المباشر لأعضاء البرلمان الأوروبي, ومن الديمقراطية التمثيلية للمنتخبين بشكل غير مباشر في المجلس الوزاري وفي المجلس الأوروبي.

من هنا, فإن من ضمن ما يواجه الاتحاد الأوروربي في العصر الحالي من إشكاليات؛ هو سؤال الاجراء الديمقراطي للعملية السياسية داخل أبنية الاتحاد, وكيفية إسقاط الديمقراطية المطبقة داخل الدول القومية على المستوى فوق القومي. الأمر الذي يثير بشكل مستمر جدلية وجود العجز الديمقراطي على المستوى الاتحاد من عدمه.

المشكلة البحثية والفرضية ومنهجية البحث:

ينطلق هذا البحث من إشكالية بحثية مهمة يمكن تحديدها بدقة, عبر الوقوف على مسألة أو قضية واحدة, هي جدلية وجود عجز ديمقراطي في الاتحاد الأوروبي من عدمه!. وهذه الجدلية تحددت أوروبيًا من خلال النقاش والحوار بين أتباع مفهومي العجز, والوجود الديمقراطي, فمن قال بالعجز قدم له مبررات تعزز مقولته؛ في حين من قال بوجود الديمقراطية في الاتحاد الأوروبي اعتمد على مرجعية الممارسات والاجراءات لوجود الديمقراطية.

من ثم, تقوم الفرضية الأساسية للبحث, على أن الشرعية الديمقراطية تمثل متغير أساسي, ومنطلق لفهم الجدلية والحوارية القائمة بين الفريقين, بالتالي, كلما كان البناء السياسي للاتحاد الأوروبي قائمًا على أسس وقواعد تتوافق وأهداف المجتمعات, ومعبرًا عن قيمها, كلما أدى ذلك إلى الاستقرار الديمقراطي.

 وهذا الأمر يستلزم تحديد المواقف التنظيرية التي منها وبها تتحدد طبيعة النظرة لهذه الجدلية. لذلك, فإن المسألة تحتم من الناحية المنهجية, استعراضًا للجهود التنظيرية المتعلقة بالديمقراطية, وبالديمقراطية العابرة للقوميات, وتقديم تصور فكري لمفهوم العجز الديمقراطي ولأسسه, واستعراضًا لحجج كلا الطرفين, مترافقًا مع تحليل لأثر معاهدة لشبونة على الجدلية الديمقراطية في الاتحاد, وعندها يمكن بيان الرأي حول جدلية العجز والوجود الديمقراطي في الاتحاد.

واستنادًا إلى مشكلة البحث, فإن المنهجية قائمة على استخدام المنهج الوصفي التحليلي, والمنهج المقارن, ومنهج تحليل النظم القائم على المدخلات والعملية والمخرجات والتغذية العكسية.

أولاً: المدخل النظري :النظرية الديمقراطية, الديمقراطية العابرة للقوميات, مفهوم العجز الديمقراطي:

  • النظرية الديمقراطية:

تنشغل النظرية الديمقراطية في بحثها الرئيس عن القيم التي تنهض بالإنسان وتعلي من شأنه, وتجعل منه أقرب إلى امتلاك أدوات أكثر قدرة للسيطرة على خياراته في حياته, ومستقبله. فالمرجعية التأسيسية لفكرة الديمقراطية تعظم القيم المتموضعة في الحرية والمساواة والعدالة والتعددية والمشاركة وغيرها, والتي تعمل على بناء الإنسان, وتطويره فكرًا وممارسة, بغية الوصول إلى منظومة حياتية محورها الإنسان.

ينظر إلى الديمقراطية كإطار من الحكم الذاتي الجماعي, المتمتع بالشرعية, حيث ينعم المواطنون بحرية أكبر ورفاهية وتنمية إنسانية, أكثر من مواطني الأنظمة غير الديمقراطية([1])؛ فهي شكل لحكم نابع من قوة الكل وإرادتهم مجتمعين, تحل من خلال الاتحاد الاجتماعي محل قوة كل فرد وشهوته, ففي النظام الديمقراطي لا يفوض أي فرد حقه الطبيعي إلى فرد آخر بحيث لا يستشار بعد ذلك في شيء بل يفوضه إلى الغالبية العظمى من المجتمع, الذي يؤلف هو ذاته جزءًا منه, وفيها يتساوى الأفراد كما كان الحال من قبل في الحالة الطبيعية([2]). وتعد الديمقراطية أسلوبًا للحياة ونظامًا يقوم على قناعة كاملة من مواطني المجتمع البشري بقيمة الديمقراطية فكرًا, وممارسةً, وقناعة كاملة من حرية ومساواة وعدالة, وأن السيادة للشعب دون سواه([3])؛ وقد ذهب جوزيف شومبيتر في تعريفه للديمقراطية أواسط القرن الماضي, بأنها تلك الترتيبات المؤسساتية الهادفة إلى الوصول إلى قرارات سياسية تحقق الخير العام بجعل الشعب نفسه يقرر المسائل عبر إنتخاب أفراد يجتمعون لتحقيق إرادته([4]).

من ثم, تعد الديمقراطية التعبير النهائي للعملية السياسية المتكاملة الأركان, بحيث تنبني على وجود مؤسسية في الاجراءات؛ ومنافسة شريفة على السلطة السياسية, من قبل مواطنين يشاركون في اختيار تفضيلاتهم عبر ممثلين لهم وتمثل الشرعية القائمة على دعم الرأي العام للنظام السياسي للوصول إلى الاستقرار.

2- الديمقراطية العابرة للقوميات:

جاءت فكرة الديمقراطية العابرة للقوميات من كون الديمقراطية سادت كإطار للحكم في الكثير من النظم السياسية في العالم الحديث, وتجاوزت حدود الدولة القومية, حيث شكلت عمليات التحول الديمقراطي المنتشرة بين الدول, واستمرار العولمة وافرازاتها التأثيرية, مدخلاً نحو نقاش نظري حول فهم الوجود الديمقراطي, والشرعية على مستوى فوق السلطة الوطنية.

وقد تطلب النظام العالمي الجديد الذي تطور منذ نهاية الحرب الباردة, أكثر فأكثر حكمًا أكثر شفافيًة, كما أن المنظمات الدولية رأت في تلك الشفافية ضمانًا للاستقرار العالمي وطريقًا طبيعيًا نحو التكامل بين الدول والأمم, وذلك لضمان أن يكون ازدهار الأمن والاقتصاد العالميين محط إجماع كل الأمم والشعوب. الأمر الذي دعا العلماء إلى التطوير في فكرة النظام السياسي فوق السلطة الوطنية الملائم, والمستند إلى الأفكار الأساسية للديمقراطية, وصولًا إلى فكرة الحكم العالمي الذي يمكن فهمه كأداة للاعتراف بالأنواع المختلفة للديمقراطية.

ويضع Anthony McGrew, أربعة نماذج للديمقراطية العابرة للقوميات هي: الليبرالية الدولتية, الديمقراطية الراديكالية التعددية, الديمقراطية العالمية, والديمقراطية التداولية([5]).

ويستند نموذج الليبرالية الدولتية على حكم القانون والحرية الاقتصادية, وفي هذه الحالة يقوم الفاعلون الاقتصاديون العالميون بالانخراط في إطار دولي من الاعتماد الاقتصادي التكاملي, القائم على حكم القانون والمذهب الاقتصادي الحديث في إطار من الشفافية, والحوكمة, وقرارات جماعية قائمة على الشرعية, من خلال مفاوضات بين النخب والممثلين الوطنيين المنتخبين([6])؛ ويحاول نموذج الديمقراطية الراديكالية التعددية معالجة مشكلة عدم المساواة في وصول تجسيد تفضيلات الشعب إلى مركز صنع القرار, عبر إيجاد اصلاحات دولية تعاونية تعمل على اسقاط أشكال الديمقراطية المباشرة والحكم الذاتي على مستوى الحكم العالمي والمستوى المحلي. إذ أن الديمقراطية المباشرة في المجتمعات المحلية تعزز من عولمة السياسة الدولية وشرعية ممثليها, بحيث يمكن تجنب المركزية في هيكلية الحكم المتعدد المستويات([7]).

 فيما يركز نموذج الديمقراطية العالمية على تدرج السلطة العامة في الحكم المتعدد المستويات, من خلال وضع تصميم هيكلي لنظام سياسي ديمقراطي مكون من مجتمع مدني ومدن وأمم بالإضافة إلى المناطق والشبكات العالمية. ويكون حكم القانون قائم على مبدأ “الدمقرطة المضاعفة” والترتيبات الهيكلية للكونفدرالية([8])؛ حيث يحاول هذا النموذج تجاوز مفهوم تعددية المجتمعات المتباينة أو مفهوم المجتمع المدني العالمي عبر تقسيم السلطة العالمية, وتكون التبعية للسيادة المحلية والوطنية والعالمية محكومة بإطار قانوني مصمم بتقاسم السلطات على مستويات متنوعة([9])؛ أما نموذج الديمقراطية التداولية فيقدم إطاراً جديداً للحكم العالمي القائم على أساس عملية التشاور والتداول, عبر دمقرطة المجال العام العالمي, وجعله أكثر شرعية بالاستناد إلى التداول وليس الإنتخاب أو التمثيل, ذلك أن منظور هذا النموذج يفترض وجود عدة شروط لمخاطبة الصالح العام على المستوى الوطني والعالمي, أهمها أن عملية صنع القرارات تعتمد على المجال العام وخلق شركاء ممثلين ومطلعين والأهم أن يكونوا عقلانيين([10]).

وفي رصد للتجربة الأوروبية في مجال الديمقراطية العابرة للقوميات, يلاحظ أن هناك اقترابًا أوروبيًا من الأخذ بالمزايا الإيجابية لتلك النماذج, وذلك في محاولة للوصول إلى النموذج الرابع, نموذج الديمقراطية التداولية, إذ انتهج الأوروبييون حكم القانون والحرية الاقتصادية, وانخرطوا في إطار دولي من الاعتماد الاقتصادي التكاملي, وهذا ما يمكن ملاحظته منذ بدايات تكوين الاتحاد القائم على أساس الاعتماد والتكامل الاقتصادي.

وعالج الأوروبيون, ولو بشكل نسبي, مشكلة عدم المساواة في وصول تجسيد تفضيلات الشعب إلى مركز صنع القرار, عبر إيجاد اصلاحات دولية تعاونية تعمل على اسقاط أشكال الديمقراطية المباشرة والحكم الذاتي على مستوى الحكم العالمي والمستوى المحلي, وفي هذا السياق تبرز الاصلاحات السياسية المتعلقة بالإنتخاب المباشر لأعضاء البرلمان الأوروبي من قبل مواطني الاتحاد, وبعدها من قبل المقيمين فيه.

إضافة إلى ذلك, اهتم الأوروبيون بمسألة تدرج السلطة العامة في الحكم المتعدد المستويات, من خلال وضع تصميم هيكلي لنظام سياسي ديمقراطي مكون من مجتمع مدني ومدن وأمم بالإضافة إلى المناطق والشبكات العالمية. بحيث استند حكم القانون على مبدأ “الدمقرطة المضاعفة”, والترتيبات الهيكلية للكونفدرالية الأوروبية, ويندرج في هذا الإطار تأسيس أبنية الاتحاد, ومؤسساته القائمة على هيكل نظام سياسي متعدد المستويات, وقابل لاستيعاب منظمات المجتمع المدني ومبادرات المواطنين والمناطق لخدمة الاتحاد وقضاياه.

ولقد قدم الأوروبيون نموذجًا جديدًا للحكم العالمي, القائم على أساس عملية التشاور والتداول, عبر دمقرطة المجال العام وجعله أكثر شرعية بالاستناد إلى التداول وليس الإنتخاب أو التمثيل, وهذا يلاحظ في إحياء الأغورا اليونانية المجسدة للديمقراطية التداولية عبر المؤتمرات التي يعقدها البرلمان الأوروبي بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني لمناقشة المواضيع التي تهم المواطنين في الاتحاد لمعرفة آرائهم حولها([11]).

3- مفهوم العجز الديمقراطي:

يستخدم مفهوم العجز الديمقراطي في الأوساط الأكاديمية, بالمضمون السلبي, من حيث النقص في الموجود أو الضعف وعدم التجانس في القدرة الوظيفية للمؤسسات والأفراد بما يدفع بوجود ضرر ناتج عن ذلك, يؤدي إلى خلل ما في العملية القائمة.

ويعد مصطلح العجز الديمقراطي مصطلحًا أوروبيًا بحتًا, ويصف حالة الاتحاد الأوروبي الديمقراطية, وقد كان أول ظهور له كان عام 1970 عندما قام عضو حزب العمال David Marquand, باستخدامه لوصف الضعف في الشرعية الديمقراطية لمؤسسات الجماعة الأوروبية. مقترحاً انتخابات مباشرة  للبرلمان الأوروبي([12])؛ حيث يصف المصطلح انفصال الاتحاد الأوروبي عن مواطنيه, ومعاناة مؤسسات الاتحاد من فقدانها للمحاسبة في ظل عدم قدرة المواطنين من الوصول إلى تلك المؤسسات كون طرق عمل الأخيرة معقدة([13]).

 يشير العجز الديمقراطي إلى عدم وجود توافق وتوازن بين السلطات الممارسة للعمل السياسي الديمقراطي, الأمر الذي يؤدي إلى فقدان المؤسسات الديمقراطية بعضًا من سلطاتها لصالح أخرى([14])؛ كما يعرف بأنه عدم التوافق بين مطالب المواطنين وقدرة المؤسسات السياسية التعامل مع تلك المطالب([15]).

ووضع كل من Andreas Follesdal & Simon Hix  , ما يدعى النسخة القياسية المطورة للعجز الديمقراطي, التي تتضمن خمسة ادعاءات, هي([16]):

أ-  أن التكامل الأوروبي هدف إلى زيادة صلاحيات السلطة التنفيذية للاتحاد وتقليصها بالنسبة للبرلمانات الوطنية. في الحقيقة, فإن تصميم هيكلية الاتحاد تشير ضمناً إلى أن أعمال الفاعلين التنفيذيين (مثل الوزراء الوطنيين في مجلس الوزراء أو المعينين الحكوميين في المفوضية) هم بعيدين عن سيطرة البرلمانات الوطنية.

ب- أن البرلمان الأوروبي ضعيف جداً, بالرغم من الاصلاحات المتعاقبة على معاهدات الاتحاد وسعت من صلاحيات وسلطات البرلمان. إذ أن الأخير ما زال ضعيفاً بالمقارنة مع التمثيل الحكومي في مجلس الوزراء الأوروبي, أو مع المفوضية غير المنتخبة.

ج- على الرغم من القوة المتزايدة للبرلمان الأوروبي, فإنه لا يوجد إنتخابات أوروبية بالمعنى الحرفي. ذلك أن الإنتخابات للبرلمان الأوروبي لا تجري بانتخاب مرشحين على المستوى الاتحاد بل لكل دولة مرشحيها بحسب عددهم نسبة إلى عدد السكان, بمعنى أن المواطنين الأوروبيين لا يستطيعون التصويت لصالح مرشحين عابرين للقوميات بل على مستوى الدولة, وهذا يمنع أي منافسة سياسية على المستوى الأوروبي.

د- ابتعاد الاتحاد الأوروبي عن مواطنيه نفسياً ومؤسساتياً, فهناك تعقيد وغموض بالنسبة لطريقة التشريع, والاتحاد لا يقدم المساعدة اللازمة للمواطنين لفهم آلياته.

ه- جزئياً, وكنتيجة للعوامل السابقة, يتبنى الاتحاد الأوروبي سياسات غير مدعومة من قبل أغلبية المواطنين. الأمر الذي يؤدي إلى إنجراف في السياسة على مستوى حكومات الدول التي هي من ناحية قادرة على تشريع وتنفيذ السياسات على مستوى الاتحاد الأوروبي, لكنها من ناحية أخرى لا تستطيع متابعتها على المستوى المحلي, حيث هناك عوائق من قبل البرلمانات الوطنية والمحاكم وجماعات المصالح.

تتضمن هذه الادعاءات, إطارًا لحوارية العجز والوجود الديمقراطي في الاتحاد, من حيث تمثل الشرعية الديمقراطية في الاتحاد وانتفائها, بالتالي فعالية مؤسساته أو ضعفها, حيث سيتم مناقشتها في سبيل الوصول إلى قناعة حول واقع الديمقراطية في الاتحاد.

ثانياً: جدلية العجز والوجود الديمقراطي في الاتحاد الأوروبي:

تقع هذه الجدلية ضمن منظور فكري قائم على النظرة لمؤسسات الاتحاد الأوروبي وقدرتها من عدمها على تجسيد البعد الديمقراطي في العملية السياسية وتطبيقاتها التنظيمية والقانونية. إذ ارتبط الجهد التنظيري للعجز الديمقراطي بالاتحاد الأوروبي منذ عقود, وازدادت الآراء بهذا المنحى؛ إذ تنظر إليها كمعضلة أكثر ارتباطًا بغياب النظام السياسي “التمثيلي”, وانخفاض حجم اشراك المواطن الأوروبي بفعالية في ابداء رأيه في العملية السياسية, بالتالي, فهناك غياب للتوازن الديمقراطي والضعف في الشرعية السياسية للنظام السياسي للاتحاد الأوروبي, وهذا ما يتناقض مع النظرة النموذجية للديمقراطية التي توسع من التراكيب التمثيلية للمواطنين.

في حين أن الجهد التنظيري المعاكس, يرى بأن الديمقراطية كمفهوم, غير متوافق عليه بصيغة نهائية, وبتعريف يحمل إجماعًا, بل هناك رؤى وتطبيقات متعددة للديمقراطية؛ إضافة إلى ذلك, فإن الديمقراطية قيمة مجمع عليها في الاتحاد كشرط للدخول في عضويته, وهذا بحد ذاته يقدم دليلاً على مركزيتها كأساس للقبول في الاتحاد, والأهم أن الشرعية السياسية والديمقراطية التمثيلية تتأتي من خلال الانتخاب المباشر للبرلمان الأوروبي من قبل المواطنين في الاتحاد ومن المقيمين فيه, وكذلك عبر التمثيل غير المباشر للمواطنين في المجلس الوزاري وفي مجلس الاتحاد الأوروبي.

يعتبر الاتحاد الأوروبي مثالا رئيساً على الموجة الرابعة للديمقراطية كونه يملك تركيبة خاصة من النظام السياسي, وهو ما يطلق عليه في الكتابات الأكاديمية نموذج الديمقراطية الأوروبية, يتمثل بالإطار المؤسساتي للاتحاد الأوروبي, ضمن العلاقة المتشابكة بين المفوضية الأوروبية والمجلس الوزاري والبرلمان الأوروبي, وتطور وظائف وآلية عمل هذه المؤسسات, بالتالي تمثل هذه العلاقة عاملاً مساعداً على تعزيز الممارسة الديمقراطية([17]).

تم تأطير النقاش حول العجز الديمقراطي في الاتحاد الأوروبي من نموذج نظري تركيبي يميز بين مدخلات ومخرجات الشرعية؛ حيث تشير مدخلات الشرعية إلى مدى تمثيلها للأغلبية على المستوى التنفيذي, فيما تذهب مخرجات الشرعية إلى المدى الذي يتم فيه تحقيق الصالح العام وذلك على المستوى التنفيذي أيضاً. المدافعون عن حجة العجز الديمقراطي يشيرون بشكل رئيس إلى ضعف الشرعية في الاتحاد على مستوى المدخلات الناتجة عن: ضعف مشاركة الناخبين الأوروبيين في انتخابات البرلمان الأوروبي, ولنفي الصفة التمثيلية للسلطة التنفيذية لمؤسسات الاتحاد لأغلبية المواطنين الأوروبيين. بالمقابل يرى المدافعون عن شرعية الاتحاد الأوروبي أن سمات الشرعية تأتي من المخرجات التالية: اهتمام الاتحاد بتصحيح حالات الفشل الاقتصادي؛ وسياساته المتجهة لتحقيق الصالح العام, لذلك فإن العملية تبقى معتمدة على الاجراءات أكثر من كونها عملية سياسية([18]).

ويذهب البعض إلى القول, بأن الحاجة لشرعية المدخلات على مستوى الاتحاد الأوروبي ليست مسألة مهمة بحد ذاتها, لكنها تحمل وجهًا وظيفيًا لتطبيق المخرجات الشرعية لسياسات الاتحاد, وذلك للحاجة إلى الدفاع عن المصلحة العامة من خلال تنفيذ السياسات الأوروبية. لذلك, يجب أن تكون الإنتخابات الأوروبية ساحة للمواجهة بين وجهات النظر المختلفة على التكامل الأوروبي. فإذا استمرت انتخابات البرلمان الأوروبي تواصل الكفاح حول قضايا الاتحاد الأوروبي, فهناك إمكانية لأن يكون هناك مدخل ديمقراطي حول وجهة الاتحاد الأوروبي, وبشكل أكثر تحديداً, إذا شكل التكامل الأوروبي البعد الرئيس للتمثيل الديمقراطي للبرلمان الأوروبي, فإن السؤال حول ماهية التحرك الأوروبي نحو دولة أوروبية كبرى أو تحجيم الاتحاد نحو شكل ما من أشكال التعاون بين الدول الأعضاء, يمكن أن يتحدد من خلال اللعبة الديمقراطية التقليدية للإنتخابات بين الأحزاب الأوروبية([19]).

تأتى العجز الديمقراطي في الاتحاد الأوروبي بحسب المفكر الألماني يورغن هابرماس, من مسألة أساسية تكمن في ضعف الشرعية السياسية لمؤسسات الاتحاد نتيجة توسع الهوة والانفصال بين عمليات صنع القرار لسلطات الاتحاد مع الارادة السياسية للمواطنين الأوروبيين, مما جعل من تأثير تلك الإرادة على السياسات الأوروبية صفراً بالنتيجة([20]).

ويشير منتقدي الاتحاد بالعجز الديمقراطي بأن اختيار المجلس الأوروبي لا يتم بشكل مباشر من قبل الشعب. البرلمان منتخب على مستوى الاتحاد الأوروبي, هناك نوع من الديمقراطية التمثيلية, لكنها ضعيفة جدًا. وتصبح أكثر ضعفاً مع كل توسع للاتحاد الأوروبي, لأنه, وبشكل نسبي, التمثيلية يجب أن تراعي وتمثل المقترعين أكثر من ذي قبل, لذا فإنها ليست قوية ومضغوطة كما في السابق, ولذا تصبح المصالح أكثر تبعثراً. إضافة إلى ذلك, يقترع الناخب لحزب عندما يذهب إلى الإنتخابات, لكن على مستوى برلمان الاتحاد الأوروبي فإن هذه الأحزاب تفقد قوتها وتنضم إلى كتل أكبر وتتحالف معها بالرغم من الاختلاف الفكري معها, وهذا الطريق من الاتصال السياسي بين الناخب وحزبه سيتم فقده, مؤديًا إلى سوء ظن وتضليل متزايد بخصوص العملية ككل([21]).

لكن الشرعية تأتي كما يرى البعض, من خلال الإنتخاب المباشر للبرلمان الأوروبي, ومن النهج المناظر لشرعية الاتحاد الأوروبي التي تأتي من الممثلين القوميين المنتخبين بشكل غير مباشر في المجلس الوزاري وفي المجلس الأوروبي([22])؛ لذا من الضروري بمكان, عند تحليل الشرعية الديمقراطية للاتحاد أن يكون ضمن تركيبته ونشاطاته واجراءاته الخاصة كأبنية ومؤسسات.

لقد حدد المجلس الأوروبي في قمته المنعقدة عام 1993 في كوبنهاجن المتطلبات والمعايير الواجب توفرها في أي عضو يرغب بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي, وتتمثل تلك المعايير للدولة المرشحة توفر ضمانات للديمقراطية, وحكم القانون, وحقوق الإنسان, وحماية واحترام حقوق الأقليات, ووجود اقتصاد السوق المفتوح, والمقدرة على أن تكون الدولة المرشحة في مستوى المنافسة مع قوى السوق داخل الاتحاد الأوروبي. وبالتفصيل, فإن المعايير السياسية تتضمن: إرساء أسس الديمقراطية النيابية, بناء دولة القانون وتفكيك قواعد الاستبداد, احترام حقوق الإنسان وإلغاء التشريعات المنافية لها, احترام حقوق الأقليات ومنحها حرية الممارسة الثقافية وحق التعبير عن هويتها داخل إطار الدولة. أما المعايير الاقتصادية فتضم: وجود نظام اقتصادي فعال يعتمد على نظام السوق, إصلاح النظام المصرفي والمالي ليتكيف مع النظم المعمول بها في دولة الاتحاد؛ إصلاح المؤسسات والمرافق العامة بما يتفق مع المقاييس الموجودة في الاتحاد, وبناء سوق محلية قادرة على تحمل تبعات الانفتاح على السوق الداخلي الأوروبي, ومكافحة الفساد والرشوة في جهاز الدولة([23]).

علاوة على ذلك, هناك من يرى بأن الاتحاد الأوروبي جلب مزية رئيسة, هي تعزيز الاستقرار والديمقراطية داخل البلدان التي طلبت الانضمام إليه؛ فالاتحاد الأوروبي بإصراره على أن يكون لدى جميع الدول التي تطلب الانضمام إليه نظم سياسية ديمقراطية مفعَلة تفعيلًا  كاملاً, تحافظ على سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان, واقتصاد سوق فعال, والالتزام بقواعد الاتحاد الأوروبي قبل أن يسمح بالانضمام له, كان له تأثير هائل للأفضل, فالنتيجة التي لم يتوقعها الكثيرون للتوسع الضخم للاتحاد؛ أنها جعلت أوروبا أكثر ديمقراطية([24])؛ بالتالي فإن المشكلة المركزية للشرعية تستقر في دستورية الدولة القومية التي لا تتكيف مع تبني الاعتماد الاجتماعي والاقتصادي الدولي. لذا فإن ما يسمى بالعجز الديمقراطي للاتحاد الأوروبي, هي مشكلة الدولة القومية, وليست مشكلة الاتحاد([25])؛ إضافة إلى ذلك, يمثل النظام القانوني للاتحاد الأوروبي حالة فريدة ومعقدة, ومن خلال أخذ هذا المعيار, سيكون من الخطأ وعدم العدالة الادعاء بأن الاتحاد الأوروبي كيان غير ديمقراطي. إن التطوير وتعزيز الديمقراطية هو مفهوم مركزي وتأسيسي للسياسة ضمن الاتحاد الأوروبي. بإختصار, الديمقراطية والمؤهل الديمقراطي مهمة جدًا للاتحاد الأوروبي([26]).

هناك عدة رؤى تفند وجود العجز الديمقراطي في الاتحاد الأوروبي, من ناحية أن صنع السياسة على المستوى الأوروبي ليست بحاجة إلى تمثيل سياسي بالمنطق التقليدي, حيث أن الاتحاد ينتج بشكل رئيس سياسات تنظيمية تستهدف تصحيح حالات الفشل في اقتصاد السوق, لذلك, ولكي تكون العملية السياسية كفؤة, وفعالة, يجب أن تكون تقنية بدلاً من كونها سياسية, بالتالي فإن الادعاء بالحاجة إلى الشرعية مسألة غير ضرورية([27])؛ كما إن الاتحاد الأوروبي يملك الشرعية الديمقراطية من جهة أن الحكومات الوطنية مسئوولة بشكل مباشر أمام مواطنيهم, ومن جهة أخرى فإن هناك زيادة في صلاحيات وسلطات البرلمان الأوروبي. بالإضافة, فإن نظام الرقابة على عملية صنع السياسات في الاتحاد تضمن وجود قاعدة اجماع كبيرة لها([28]).

ويرى محللون أن الاتحاد الأوروبي بالنسبة للعديد من المواطنين الأوروبيين, يعد جهازًا بيروقراطيًا بعيدًا عنهم, ويفتقر إلى التراكيب المؤسساتية الملائمة للمساهمة الديمقراطية, ويشتكون من عدم قدرتهم على المشاركة والتأثير في عملية اتخاذ القرار على مستوى الاتحاد, وأنهم لا يرقون لأن يكونوا موضع اهتمام للسياسة الأوروبية… الأمر الذي يشير إلى اللامبالاة العامة والجفاء المتزايد في العلاقة([29]). ويشير آخرون بأن العجز الديمقراطي يكمن في عدم وجود حكومة أوروبية؛ فالمواطنون لا يستطيعون بشكل جماعي تقرير إدارة هذه المصالح العامة, الأمر الذي ساهم بشكل ملحوظ في الأزمة الأوروبية وتزايد المشككين بالاتحاد الأوروبي وبوجود مشكلة العجز الديمقراطي([30]).

بالمقابل, تعتبر عملية صنع القرار في الاتحاد الأوروبي عملية مفتوحة لمدخلات من قبل منظمات المجتمع المدني ومن خلال الشفافية الموجودة في معظم النظم المتطورة, حيث يلتزم التكنوقراطيين بمراعاة المصالح المجتمعية المتعددة, ويمارس البرلمان الأوروبي والبرلمانات الوطنية التدقيق والفحص على القرارات التي تخضع كذلك للمراجعة القضائية من قبل محكمة العدل الأوروبية والمحاكم الوطنية([31]).

إذن, تتباين الآراء والمواقف التنظيرية حول العجز والوجود الديمقراطي في الاتحاد الأوروبي, استنادًا إلى الرؤى والمنطلقات الفكرية والعملية, فالنقد الموجه للديمقراطية في الاتحاد ووسمها بالعجز, والدفاع عن الديمقراطية ووجودها, يتأتى من متغير الشرعية الديمقراطية, التي يرى مؤيدو العجز أنها مفتقدة وغير ناجزة؛ نتيجة التباعد بين مؤسسات الاتحاد والمواطنين, وغياب العنصر التمثيلي في سياساته, فيما يشير المدافعين عن الوجود الديمقراطي إلى تمثل الشرعية الديمقراطية في الاتحاد عن طريق الانتخاب المباشر للبرلمان الأوروبي, واشتراط النظام الديمقراطي في الدولة العضو, بالتالي فالديمقراطية التمثيلية موجودة ضمن النظام السياسي للاتحاد الأوروبي.

ثالثًا: معاهدة لشبونة وجدلية العجز والوجود الديمقراطي في الاتحاد

تعددت حركية الاتحاد الأوروبي نحو ايجاد صيغ وتوافقات حول عملية التكامل, ولعل أهم تلك الصيغ, التوجه نحو عقد اتفاقيات جماعية في سبيل الهدف المقصود. بيد أن آخر تلك المعاهدات, وهي معاهدة لشبونة 2009, التي أوجدت صيغ متجددة في الديمقراطية الأوروبية, كان لها نصيبها من الجدلية حول ايجابياتها وسلبياتها بما يتعلق بالديمقراطية.

لقد تركز التجديد المقترح من معاهدة لشبونة على تقوية الفحص الديمقراطي على كل مستويات صنع السياسة الأوروبية, فتقوية صلاحيات البرلمان يمكن من تجسير الهوة بين الاتحاد ومواطنيه, وربط إنتخاب رئيس المفوضية بنتيجة الإنتخابات الأوروبية, وزيادة عدد الإقتراحات التشريعية التي تتطلب موافقة البرلمان الأوروبي, الأمر الذي يقوي من درجة الاعتمادية بين المؤسستين, ولكونه المؤسسة الوحيدة التي تملك التفويض المباشر من قبل المواطنين, فإن النتيجة هي دعم للديمقراطية.

في حين, يرى باحثون بأن التغييرات التي قدمتها معاهدة لشبونة لتخفيض العجز الديمقراطي لم تكن في إطار تخفيضه, بل كان المطلوب أن تذهب خطوة إلى الأمام, وتعطي الحق بالمبادرة التشريعية إلى البرلمان الأوروبي, وأن لا تترك هذا الحق لصلاحية المفوضية. أيضاً, عند ذكر التغييرات التي كان لا بد من المعاهدة تقديمها, لابد من الإشارة إلى أنها لم تقدم أية آلية للسيطرة على مجلس الوزراء في الاتحاد من قبل أي مؤسسة. لذا فإن الحالة تشير إلى كون أية قرارات ذات أهمية تتخذ في أية مؤسسة هي ليست مسؤولة أمام أية مؤسسة أخرى ما عدا أمام الناخبين الوطنيين([32]).

لقد كان من ضمن أهداف معاهدة لشبونة, من بين أهداف أخرى, تجويد نوعية الشرعية الديمقراطية في الاتحاد الأوروبي, إذ قدمت ثلاثة حلول, هي: تعزيز البرلمان الأوروبي, وزيادة التدخل التشريعي الوطني, وتضمينها عناصر للديمقراطية المباشرة لعملية صنع السياسات في الاتحاد.

قدمت معاهدة لشبونة, كما يرى محللون, المزيد من السلطات التشريعية للبرلمان الأوروبي, الأمر الذي يمكن أن يكون خطوة للأمام نحو تقليص ما يسمى بالعجز الديمقراطي في الاتحاد. من ناحية, غيرت المعاهدة الإجراء التشريعي, فالاجراء التشريعي المعروف سابقاً بالإجراء المشترك تحول إلى إجراء تشريعي منتظم بموجب المعاهدة. من ثم, فإن أي مشروع قانون أو إجراء لا يمكن تبنيه إلا بعد مصادقة مشتركة من قبل البرلمان ومجلس الوزراء الأوروبيين, ومن ناحية أخرى, وسعت المعاهدة من سيطرة البرلمان الأوروبي على المفوضية, فطبقاً للمادة (17), فقرة (7) أصبح من صلاحية البرلمان انتخاب رئيس للمفوضية من خلال الأغلبية, بناءً على اقتراح مجلس الوزراء الأوروبي, الذي لديه التزام بهذا الاقتراح بأخذ نتائج انتخابات البرلمان الأخير والانتماءات السياسية للأغلبية المهيمنة, كما أقرت المعاهدة جعل جلسات مجلس وزراء الاتحاد للعامة من أجل تعزيز الشفافية وإتاحة المعلومات لمواطني الاتحاد([33]).

بالمقابل, يشير بعض مؤيدي وجود العجز الديمقراطي إلى أنه وبالرغم من الاصلاحات والتحسينات المقدمة عبر معاهدة لشبونة, ما زال العجز الديمقراطي للبرلمان الأوروبي كبيراً, ويعود هذا إلى كون المعاهدة لم تعطي حق المبادرة التشريعية للبرلمان, بل أبقته من اختصاصات المفوضية([34]).

في حين يعتبر البعض, أن البرلمان الأوروبي من أكثر المؤسسات التي استفادت من معاهدة لشبونة من خلال تعزيز صلاحياته في التشريع, وفي الموازنة, وفي الترشيح. على الصعيد التشريعي, تبوء البرلمان موطئ قدم متساوي مع مجلس الوزراء الأوروبي من خلال الاجراء التشريعي العادي, إذ وسعت المعاهدة من مجالات التشريع المشترك لتشمل الغالبية العظمى من المواضيع, لترتفع من 45 إلى 85, وخاصة في مجالات الحريات والعدالة والأمن وفي مواضيع الزراعة والثروات السمكية والتجارة, وحتى التنسيق الاقتصادي, بحيث يصوت البرلمان عليها بالأغلبية العادية. وفيما يخص شروط الموازنة, أعطت المعاهدة البرلمان المساواة بالكامل مع المجلس الوزاري في التصديق على كل إنفاق متعلق بالميزانية السنوية للاتحاد. علاوة على ذلك, ألغت التمييز بين الإنفاق الإلزامي وغير الإلزامي, من خلال إعطاء أعضاء البرلمان الكلمة الأخيرة على كل صنف من الإنفاق المالي. وأعطت المعاهدة المزيد من الصلاحية للبرلمان الأوروبي في التصديق على تعيين رئيس المفوضية, حيث يتمتع البرلمان بدور أفضل في عملية الترشيح, كون إنتخاب رئيس المفوضية يقوم على أساس تسمية مرشح من قبل المجلس الوزاري يأخذ بعين الاعتبار نتائج إنتخابات البرلمان الأوروبي([35]).

وتشجع معاهدة لشبونة البرلمانات الوطنية للتدخل في صياغة السياسة الأوروبية, خصوصاً بواسطة ما يسمى ب “البطاقة الصفراء” و”البطاقة البرتقالية” ببنودها, وهو ما يؤسس لآلية إنذار مبكر, يعطي المشرعين المحليين ثمانية أسابيع للفحص بدقة أي اقتراح للتشريع الأوروبي من أجل التقييم من حيث التزامه بمبدأ الدعم والعون للدول([36]).

إن الاعتراضات لعدم تناسب تلك السياسات من قبل كل ثلث البرلمانات الوطنية على الأقل, تتطلب أن تقوم المفوضية لمراجعة الاقتراجات موضوع البحث (البطاقة الصفراء). ويجب على المفوضية أن تقرر المضي على أية حال, فهي ملزمة لتبرير قرارها والإشارة إلى البرلمان الأوروبي والمجلس الوزاري لقول الكلمة الأخيرة. إذا كانت هناك أكثر من أغلبية بسيطة من البرلمانات الوطنية تعترض على السياسة, يمكن للبرلمان والمجلس الوزاري رفض المقترح قبل القراءة الأولى( البطاقة البرتقالية), إضافة إلى ذلك, وفرت البطاقة الصفراء والبرتقالية للمشرعين الوطنيين على مستوى الدولة الوطنية, للمرة الأولى, منفذاً لجعل صوتهم مسموع, ومتميز عن الذي لحكوماتهم… ذلك أن الحاجة المتأصلة للمناقشات البرلمانية الوطنية يمكن أن تواجه الخمول السياسي وتشجع أوربة النقاشات الوطنية, كما سمحت الأسابيع الثمانية للبرلمانات الوطنية من تسجيل شكوى ضد أي اقتراح أوروبي, وهو أمر يعد تغييراً تنظيمياً يدفع بالبرلمانات الوطنية لفحص فعالية التشريعات على مستوى الاتحاد([37]).

وتدفع المعاهدة بالمزيد من المساهمة الشعبية المباشرة في تشريع القوانين الأوروبية استناداً إلى ما يسمى ب”مبادرة المواطنين”. هذه الآلية تسمح لأكثر من مليون مواطن من عدد محدد من الدول الأعضاء لأخذ المبادرة بدعوة المفوضية الأوربية لتقديم إقتراح تشريعي ضمن المقترحات التي يقدمها([38])؛ وتعتبر هذه المبادرة خطوة بالاتجاه الصحيح, ذلك عبر تجميع مليون توقيع تبدأ الاستشارة حول قانون أوروبي معين, وبالرغم من أنه لم يتم التوقيع إلا على مبادرة واحدة من 17 محاولة (حق الحصول على الماء), بيد أن هذه المبادرة تضيف شرعية أكثر للعملية الديمقراطية([39]).

هناك مجموعة من الاجراءات التي تصب في مصلحة تجويد الديمقراطية العابرة للقوميات في الاتحاد الأوروبي تحد من مقولة العجز الديمقراطي. حيث أعطت معاهدة لشبونة مزيداً من القوة للبرلمان الأوروبي في التشريع وإقرار الموازنة, ومكنته من الحصول على تحكم سياسي فعال من خلال اجراء تعيين رئيس المفوضية, وجعلت من جلسات مجلس وزراء الاتحاد منفتحة للجمهور للاطلاع على السياسات العامة للاتحاد, فضلًا عن المبادرة التشريعية للمواطنين الأوروبيين, وهذا الأمر يعد تجويدًا لمخرجات العملية السياسية باتجاه مزيد من الديمقراطية.

الخاتمة:

جوهر هذا البحث خلص, إلى أن الديمقراطية في الاتحاد الأوروبي, تواجه تحد على قدر كبير من الأهمية, متمثلًا بتقديم نموذج متجدد في السياسة, يمكن من خلاله تشكيل شرعية ديمقراطية عابرة للقومية الأوروبية, قادرة على تقوية أواصر الترابط بين المواطن الأوروبي وبين مؤسساته. من هنا, وبما أن الديمقراطية العابرة للقوميات نموذجًا تجديديًا في الفكر الديمقراطي, فهي قابلة للنقد والتجريد في سبيل تعزيزها وتقوية لبناتها, وإن كان النقد المتمثل بالعجز يدخل في هذا الباب, فإن أية تجربة جديدة مهما كان نوعها, تبقى معرضة للنقد, بالمقابل يجتهد الاتحاد الأوروبي بوضع أسس وقواعد تتوافق مع أهداف المجتمعات والدول المنضوية في إطاره في سبيل وضع نظام سياسي مستقر قائم على التعددية التوافقية في القيم والنهج والاجراء.

يظهر مما سبق, القدرة على المحاججة من قبل كلا الإتجاهين, اتجاه العجز الديمقراطي, واتجاه الوجود الديمقراطي, بالتالي, يمكن إيجاز أوجه المقارنة بينهما بما يلي:

  • أن متغير الشرعية هو القاسم المشترك والمنطلق لكلا الاتجاهين, من جهة نفي وجودها بالنسبة لاتجاه العجز الديمقراطي, وتأكيد وجودها بالنسبة لاتجاه الوجود الديمقراطي.
  • يرى اتجاه العجز الديمقراطي, أن هناك انخفاض لمستوى المشاركة السياسية للمواطن الأوروبي, بالتالي ضعف في الديمقراطية التمثيلية, في حين يؤكد اتجاه الوجود الديمقراطي, أن المشاركة السياسية موجودة على مستوى الاتحاد عبر انتخاب الحكومات داخل الدولة الوطنية, الأمر الذي ينعكس بالتمثيل السياسي للدولة في مؤسسات الاتحاد, وأن الانتخاب المباشر للبرلمان الأوروبي, يعبر عن الديمقراطية التمثيلية.
  • يشير اتجاه العجز الديمقراطي, لوجود غياب للتوازن الديمقراطي بين مؤسسات الاتحاد, وأن عملية صنع القرار تكون من صلاحية مؤسسات دون أخرى, في حين يرى الاتجاه المقابل, بأن المعاهدات المتتابعة للاتحاد, وآخرها معاهدة لشبونة, أجرت مزيدًا من التجويد للديمقراطية في الاتحاد بتوسيع صلاحيات البرلمان الأوروبي, من خلال الاجراء التشريعي المشترك, واختيار رئيس المفوضية الأوروبية, وتشجيع البرلمانات الوطنية للتدخل في صياغة السياسة الأوروبية, وكذلك اشراك المواطنين الأوروبيين في المبادرة للتشريع على مستوى الاتحاد.

بالمحصلة, فإن تعزيز الديمقراطية, يكون بتقريب السياسات بين المواطنين الأوروبيين وجعل تفضيلاتهم متقاربة, عبر الاشتراك النشط في القضايا ذات المصلحة العامة, وهو الأمر الذي يعتبر من مدخلات الشرعية الديمقراطية, من ثم جعل عملية اتخاذ القرارات خاضعة لمتطلبات أساسية مثل الشفافية والمسائلة والممارسة الديمقراطية, وذلك كمخرجات للشرعية الديمقراطية. حيث أن المواطن الأوروبي وإن لم يستطع أن يجد نفسه مسموعاً, فإن التفضيلات العامة تبقى بعيدة عن المؤسسات, وبالتالي التسليم والابتعاد عن الاهتمام بالقضايا المتعلقة بالاتحاد الأوروبي, وهذا ما يسعى الاتحاد للحيلولة دون تحققه.  

- ([1])  Warren Mark, Democracy and State, in John Dryzek, Bonnie Honig, Anne Phillips (Eds),, The Oxford Handbook of Political Theory, (Oxford University Press: Oxford, 2006), p:382..

[2]) ) - باروخ اسبينوزا, رسالة في اللاهوت والسياسة, ترجمة حسن حنفي (القاهرة, الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر, 1971), ص: 383.

([3]) – جمال زهران, الأصول الديمقراطية والاصلاح السياسي, (القاهرة: مكتبة الشروق  الدولية, 2005), ص: 39.

[4]) )- جوزيف  شومبيتر, الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية, ترجمة: حيدر حاج اسماعيل(بيروت: المنظمة العربية للترجمة, 2011), ص: 485.

([5]) –  Anthony McGrew, The Models of Transnational Democracy, in Anthony McGrew &David Held, The Global Transformation Readers An Introduction to Globalization Debate (Cambridge: Polity Press, 2003), p: 500.

([6]) – المرجع السابق, ص: 500.

([7]) –  Kimberly Hutchings, International Political Theory, (London, Sage Publication LTD, 1999), p: 166.

([8]) -McGrew., مرجع سبق ذكره, ص: 501.

([9]) –  David Held, The Democracy and the Global Order: From Modern State to Cosmopolitan Governance,(Cambridge: Polity press, 1995), p: 234.

([10]) – McGrew, مرجع سبق ذكره, ص: 504.

([11]) – لمزيد من التفصيل, انظر موقع The European Parliament Agora Electronic Site, على الرابط:

http://www.europarl.europa.eu/aboutparliament/en/00567de5f7/gora.html

([12]) –  Mihail Milev, A Democratic Deficit in the European Union?, M.A. Dissertation in Advanced European and International Studies, Center International de Formation Europeene,(Institute Europeene Des Hautes, Etudies Internationales, 2004), p: 5.

([13]) –  Malvina,Tema, The Democratic Deficit Versus Deliberative Democracy in the Context of the European Union Enlargement Policy, (International Relations Quarterly,  2013), 4(4):1-3, p: 2.

([14]) – Ben Crum, Tailoring Representative Democracy to the European Union: Does the European Constitution Reduce the Democratic Deficit?,( European Law Journal, 2005), Vo.11, No.4, p: 454.

([15]) – Amy Lang, Mark Warren, Supplementry Democracy? Democratic Deficit and Citizens’ Assembles, Paper prepared for: Defining, Meaning, and Fixing the Democracy Deficit in the United States and Canada, Weatherhead Center for International Affairs, Harvard University, May 8-10, 2008, p: 2.

([16]) – Andreas Follesdal & Simon Hix, Why There is a Democratic Deficit in the EU: A Response to Majone and Moravcsik,( Journal of Common Market Studies,2006), Vol. 44. No.3. p: 540.

([17]) – Kubra Azman,  The Problem of “ Democratic Deficit” in the European Union, (International Journal of Humanities and Social Science, 2007), p: 244.

([18]) –  Fritz Scharpf, Legitimacy Intermediation in the Multilevel European Polity,( MPIFG, Discussion Paper No. 12/6, 2012), p: 2.

([19])- Jan Karremans, Why not Solve the Democratic Deficit within the EU through Genuine Transnational Political Conflict? RSCAS 2014/107, p: 2.

([20])- Jurgen Habermas, Democracy in Europe Why the Development of the European Union into a Transnational Democracy is Necessary and How it is Possible, (ARENA Working Paper No. 13, 2014), p: 2.

([21])- Egmond Dulman, Democratic Deficit in the European Union, (Sociologie si Asistentala, 2013),  p: 187, VI (1): 185-196.

([22])- Kubra Azman,  The Problem of “ Democratic Deficit” in the European Union, (International Journal of Humanities and Social Science, 2007), p: 248, 1(5):242- 250.

([23]) – إبراهيم غانم, تركيا بين تحديات الداخل ورهانات الخارج, (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات, 2010), ص: 177.

([24]) – بول ويلكينسون, العلاقات الدولية: مقدمة قصيرة جداً, ترجمة: لبنى تركي, (شركة كلمات عربية للترجمة والنشر, القاهرة, 2013), ص: 95.

([25])- Jurgen Neyer, Justice, not Democracy Legitimacy in the European Union, in Rainer Forst and Rainer Schmalz-Burns (eds), Political Democracy and Democracy in Transnational Perspective, ARENA Report No 2/11 & RECON Report No 13, 2011, Printed at ARENA Center for European Studies, University of Oslo, p:170.

([26]) – Azman, , p:250., مرجع سبق ذكره, ص:250.

([27])- Majone, Giandomenico, The European Commission: The Limits of Centralization and the Perils of Parliamentarization, (Governance, 2002), Vol. 15, No. 3, p: 3.

([28])- Moravcsik, Andrew, The Myth of Europe’s Democratic Deficit, (Intereconomic: Journal of European Economic Policy, 2008), Vol. 43, No 6, p: 2.

([29])- Emmanoulidis, Janis., Stratulat, Corina, Implementing Lisbon: Narrowing the EU’s Democratic Deficit?, Policy Brief, European Policy Center, 2010, p:1.

([30])- Stefan Collignon, The European Union as a Republic, 2013,  [Available at]: www.stefancolligton.eu , (7 Mar 2017), p: 3.

([31]) –  Moravcsik Andrew, In Defence of the Democratic Deficit: Reasoning Legitimacy in the European Union, (Journal of Common Market Studies, 2002), Vol. 40, No 4, p: 618.

([32])- Hristina, Runcheva,. Melina, Apostolvaska, Democratic Deficit of the EU after the Lisbon Treaty- Is There an Institutional Solution?, Paper prepared for the Second Euroacademia International Conference, The European Union and the Politicization of Europe, Budapest, 6-8 December 2012, p: 9.

[33]) )- المرجع السابق, ص: 5.

([34]) – المرجع السابق, ص: 6.

([35])- Janis Emmanoulidis, Corina Stratulat, Implementing Lisbon: Narrowing the EU’s Democratic Deficit?, (Policy Brief, European Policy Center, 2010), p: 2.

([36]) – المرجع السابق, ص: 2.

([37]) – Runcheva& Apostolvaska, مرجع سبق ذكره, ص: 2.

[38] – المرجع السابق, ص: 2.

([39])- Richard Youngs,, The EU Beyond The Crisis, (Carnegie Endowment for International Peace. Carnegie Europe , Belgium, 2013), p: 18.


Updated: 2017-10-19 — 11:43

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme