جدلية الزمن في شعر المخضرمين: قراءة على وفق التأويل الفينومينولوجي


 

جدلية الزمن في شعر المخضرمين: قراءة على وفق التأويل الفينومينولوجي

أ . د. حسين عبود الهلالي /العراق، كلية التربية للعلوم الإنسانية، جامعة البصرة.

و أ . م . حسن سعد لطيف / العراق، كلية التربية للعلوم الإنسانية، جامعة المثنى.

  مقال نشر في مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية العدد 43 الصفحة 33.

   

ملخص :

      يقوم هذا البحث بمحاولة استقصاء التجربة الشعورية لبعض الشعراء المخضرمين التي تجعل من الزمن في أبعاده الثلاثة ( الماضي والحاضر والمستقبل ) محورا لاهتمام الذات في الخطاب الشعري ، وعن طريق آليات التأويل الفينومينولوجي يسعى البحث لتحديد الأجزاء الزمنية في الوعي المصاحب للحدث وما يتعلق به من الانفعالات العاطفية عند الذات الشاعرة .

 

         Reading the three temporal dimensions (past, present, and future) will not be read as a set of dates representing an endless series of instantaneous moments, because by this approach we will discover that neither the past nor the future has not been found yet, the present is the maximum limit of infinite fragmentation, as if a point without dimensions, so the series will be twice because in the future and represents a nonexistent and once achieved by moving to the state of the present lose its future status, so the only way to study them is to determine the basic parts of the constituent in the consciousness of the poet, which brings us to the actual realization of the existence of time in his experience of the three dimensions  .

      مقدمة :

       إن قراءة الأبعاد الزمنية الثلاثة ( الماضي والحاضر والمستقبل ) قراءة فينومينولوجية لن تتأتى بقراءتها كمجموعة تواريخ تمثل سلسلة لا متناهية من اللحظات الآنية ، لأننا بهذه المقاربة سنكتشف أن الماضي لم يعد موجودا ، والمستقبل لم يوجد بعد ، أما الحاضر فهو الحد الأقصى لتجزئة لا متناهية ، فكأنه نقطة من دون أبعاد ، وهكذا تنعدم السلسلة مرتين ، مرة لأنها في المستقبل وتمثل عدما غير موجود ، ومرة تتحقق بانتقالها إلى حالة الحاضر فتفقد صفتها المستقبلية [1] ، لذا فإن الطريقة الوحيدة لدراستها أن يتم تحديد أجزائها الأساسية المكونة لها في وعي الشاعر الذي يوصلنا إلى إدراك فعلي لكينونة الزمن في تجربته الخاصة بأبعاده الثلاثة .

       ويبدو أن الأصل في الزمن هو الحاضر دائما ، لأن الماضي لا يكون ماضيا إلا إذا تم استدعاؤه في لحظة الحضور عبر وسيط الذاكرة ، ومن خلال الوعي المدرك لآنية اللحظة ، وكذلك الأمر بالنسبة للمستقبل فإنه لا يأتي إلا بوصفه تصورا ذهنيا لما يمكن أن يكون عليه الحال فيما بعد ، وهذا التصور يقع في اللحظة الآنية ذاتها ، ولذلك فإن الحاضر يكون المركز الذي يمكن أن تتجلى فيه الحقيقة كاملة ، نتيجة لتمثلها أمام الوعي بصورة مباشرة ، أما الماضي فعبارة عن جزيئات من الحقيقة تختزنها الذاكرة ويستدعيها الوعي ، فلا يكون تمثلها أمام الوعي إلا بصورة جزئية غير مكتملة ، وأما المستقبل فليس إلا صورة متخيلة قد تمثل جانبا من الحقيقة ، وقد تكون الحقيقة مغايرة لها .

الزمن الماضي :

      يظهر الزمن الماضي في دائرة الوعي المدركة في حالات التذكر واسترجاع بعض أحداث الماضي التي تمثل محطات توقف مهمة في تاريخية الذات ، فهذه الأحداث الماضية تستحضرها الذات لحاجة النفس إليها في بعض المواقف التي تمر بها خلال وجودها وانشغالاتها في دوامة الحياة ، فتلجأ الذات إلى مخزون الذاكرة لاستعادة أشياء الزمن الماضي إما لكونها تمثل ذكريات لها جماليتها في الروح ونشوتها على النفس فتستدعيها للتلذذ بها والطرب لما مر من أحداثها السعيدة ، وإما لكونها تنطوي على أحداث سيئة تسعى الذات للتخلص منها بتغيير واقعها في تلك اللحظة ، والبناء على ما هو نقيض لها ، فيكون استدعاؤها من قبل الذات على سبيل البحث عن بدائل لها تعطي الذات صورة جديدة مختلفة عن صورة الماضي السيئة ، وكأن الذات تبحث عن هوية جديدة تمثلها لأن هوية الأمس التي كانت عليها صارت لا تليق بها .

       وقد تلجأ الذات إلى استحضار صورتها في الزمن الماضي لتؤكد على تمسكها بتلك الصورة التي تنظر إليها على أنها مثالية ، فتسعى إلى الاحتفاظ بها في ظل متغيرات الزمن ، فهذه الذات تلجأ إلى محاولة الحفاظ على صورة الماضي لما يمثله من قيمة اجتماعية بالنسبة إليها ، فيكون استدعاؤها على سبيل الافتخار أولا وتثبيت هويتها في البقاء على صورة الأمس المشرقة بما تحمله من قيم ثانيا ، وقد لجأ الشاعر الزبرقان بن بدر إلى هذا النوع من استحضار الماضي ليؤكد على تمسكه بهوية الفارس القائد الذي لا يمكن أن يكون لقومه استغناء عنه .

           وليلة نحسٍ في الأمور شهدتُهـــا         بخطة عزمٍ قد أمرّ مريرهـــــــــــــا

           وقبة ملكٍ قد دخلتُ وفــــــــارسٍ        طعنتُ إذا ما الخيل شدّ مغيرهــــــــا

           ففرجتُ أولاها بنجلاء ثـــــــــرّةٍ        بحيث الذي يرجو الحياة يضيرهــــا

           ومشهد صدقٍ قد شهدتُ فلم أكن         به خاملا والبوم يثنى مصيرهـــــــا

           أرى رهبة الأعداء مني جـراءةً         ويبكي إذا ما النفس يوحي ضميرها [2]

        إن الافتراض الأنطولوجي المسبق أن الماضي لم يعد موجودا ، ومثل هذا الافتراض يجعلنا ننسب الكينونة إلى الحاضر حصرا ، وبما أن الماضي لم يعد موجودا وأنه طواه العدم ، فوجود هذا النوع من التذكر لأشياء قد مضت في وعي الشاعر ينبغي أن يكون ذلك تغييرا حاضرا في كينونته [3] ، فالزبرقان يتذكر أشياء وقعت له في الماضي دون أن ينبهنا إلى تسلسلها التاريخي ، فهو يذكر ليلة مريرة شهدها بشجاعته وبأسه وكانت له فيها رياسة ، وقد وضع خطة محكمة قادته إلى النصر فيها على أعدائه ، كما يذكر أنه دخل خيمة أحد الملوك ، كما يذكر أنه طعن فارسا في معركة شرسة طعنة نجلاء ، ويذكر كذلك مشهدا من المشاهد كان له فيه حضور ورأي ، وكل هذه الأشياء وقعت له في الماضي ، وقد استحضرها الآن على سبيل التذكر .

        ما يبدو واضحا لنا أن أثر الماضي حاضر في وعي الشاعر في لحظة التذكر تلك لغرض ما ، وإن استمرار حضور الذكرى في وعيه دليل على أن الشاعر يستحضر هذه الذكرى لحاجة النفس إليها في الوقت الآني ، وبما أن الوعي يتذكر قصديا فإنه يتجاوز الحاضر ليستهدف الحدث حيثما كان موجودا [4] ، فكل ما جاء به الشاعر من مسلسل الذكريات لم يكن إلا وعيا قصديا لإدراك حسي مرتبط بحالة نفسية يعيشها الشاعر ، وارتباط ذات الشاعر بحالة سايكولوجية معينة قد تدفعه أحيانا إلى استدعاء أحداث ذات حضور مميز إلى مساحة الوعي من جديد رغبة في تأكيد أهمية الذات في واقع اللحظة الزمنية المعيشة .

        إن ما يدعو الشاعر إلى التوجه نحو الماضي واستدعاء حضوره – وقد انقضى وانتهت فاعليته – ليس إلا محاولة لاستحضار كينونة سلفت ومحاولة إعادة بنائها من خلال بعد زمني له قيمته المستمدة من الماضي والباقي أثرها حاضرا في النفس في الزمن الحاضر ، وقد يبقى مستمر الحضور في المستقبل ، ويبدو أن الذات – في اللحظة الآنية – كانت بحاجة ماسة إلى هذا النوع من الفخر بأحداث الماضي كي ترسخ لها وجودا فاعلا ومؤثرا في الزمن الحاضر .

       وهكذا فإن قصدية الذات تتجلى في الافتخار بسلسلة أحداث الماضي التي شكلت هوية الحضور في تاريخيتها من زمن إلى زمن ، وحرصها الدائم على تأكيد هذا الحضور في خطابها المعلن الذي يفتح آفاقا للتأويل ، لأن المعرفة المطلقة بقصدية الذات لا يمكن أن تنكشف أبدا من خلال المعنى العام الذي ينطق به النص ، ولذلك فإن مضمون الخطاب على وفق القراءة الفينومينولوجية لا يمكن أن ينتهي إلى كشف المعنى بصورته القصدية المطلقة ، بل يمنحنا فهما خاصا يمثل تأويلا تابعا للمعنى وليس المعنى كما هو في وعي الذات الشاعرة ، كما أن الإنسان الذي يمثل هذه الذات يمكن أن يوصف بكونه كائنا تاريخيا طالما أن ذاته الإنسانية في حالة دائمة من الصيرورة والتغير ، كما أنه يعيش في عمق التاريخ بلحظاته الثلاث الماضي والحاضر والمستقبل ، فوجوده البشري إمكان يتحقق عبر مستقبله انطلاقا من حاضره الذي تكوّن عن طريق التراث المنحدر إليه من الماضي ، ومن جانب آخر فإن هذا العالم التاريخي والاجتماعي لتلك الذات الشاعرة يحاورنا ويجيبنا ونحن ندركه من الداخل في ملاحظة أنفسنا وليس من خلال إدراكه فحسب ، وهكذا فنحن نتابع أحداثه بحرارة ولا يمكن أن نكون مجرد شهود خارجيين، ذلك أن الماضي الذي نكتب تاريخه ينشأ عنا نحن وإنه يمثل حياتنا نفسها [5] .

      أما تجربة الشاعر في تاريخيتها الخاصة فلن تكون مختلفة كليا عما يمر بنا من تجارب الحياة ، فالمشاعر الإنسانية واحدة في تفاعلها مع مجريات الزمن والأحداث ، ولن تكون هذه المسافات الزمنية الشاسعة بيننا وبين زمن النص ذات أثر فاعل في تحول المشاعر الإنسانية بيننا وبين المؤلف ، إلا أننا لا يمكننا فهم نصوصه – كما يرى غادامير – أفضل منه ، لأننا نفهمها بشكل مختلف فحسب ، وهذا شرط في القراءة وسبب لوجودها أن نختلف عن النص الذي نقرأه ، وأن نكتشف فيه ما لم يكشفه بذاته ، أما تلك القراءة التي تقول ما يقوله المؤلف فلا مبرر لوجودها أصلا ، لأن الأصل أولى منها ويغني عنها ، إلا إذا ادعت القراءة الجديدة أنها تقول ما لم يحسن المؤلف قوله ، ففي هذه الحالة تغني القراءة عن النص وتصبح أولى منه [6] .

       هذا التنقيب في ذاكرة الماضي يحيل الذات إلى حالة أشبه بالاندثار ، فيأتي خطاب الذات ممتزجا باللوعة والألم بسبب التغيرات الهائلة التي طرأت عليها ، وتشير كلها إلى اقتراب متوتر يدنيها من النهاية البشرية المحتملة ، فلا استمرار للذات في سيرورة الزمن ، ولا قانون وجود يثبت للإنسانية قدما في هذه الحياة ، ومن خلال هذا المعنى يمكننا أن نتيقن من وجود صورة الحنين إلى الماضي في وعي الذات كلما شعرت شيئا فشيئا باقترابها من العدم ، فيكون الماضي المقترن بحلم الشباب المدبر ملازما للوعي عند انكشاف الماضي بوصفه موضوعا مستهدفا أما توجه الذات في شكواها من الزمن ، فلا تتقبل الحاضر إلا بكونه جزءا مكملا ويمثل امتدادا لذلك الزمن المندثر بربيع أيامه وصخبه .

        وقد يكون استدعاء الماضي وسيلة للتخلص منه ونبذه إذا كان يحمل صورة للذات ليست مرغوبة أو مطلوبة في الزمن الحاضر ، فالذات في تقلباتها وأطوارها في الحياة تتغير سلوكياتها ومعتقداتها ، وتطمح دائما أن تكون صورتها أفضل مما كانت عليه في الماضي ، لذلك تلجأ إلى استحضار صورة الأمس الذي يمثل صورة الذات في الماضي لنبذها ومحاولة تغييرها ، لكن هذا التغيير لا يقع إلا في الزمن الحاضر للذات ، لأن الماضي يشكل جزءا من تاريخيتها وهويتها ، إلا أن الرغبة في التحول يتطلب هذا النوع من الرجوع إليه للتأكيد على أنه الآن صار مذموما وغير مرغوب فيه ، وعندما وجد العباس بن مرداس السلمي أن ماضيه القائم على الحروب وسفك الدماء لم يكن ماضيا مشرفا ، فقرر استدعاؤه ليؤكد ندمه على ذلك الماضي ، وأن استمراره على تلك الصورة يمثل بالنسبة إليه الآن نوعا من العار والخزي الذي لا يريد له أن يبقى ويستمر .

               ألم ترني كرهت الحـــروب       وأني ندمت على ما مضـى

               ندامة زارٍ على نفســــــــــه       لتلك التي عارهــــــــا يتقى

               وأيقنت أني لما جئتــــــــــهُ       من الأمر لابس ثوبي خزى

               حياء ومثلي حقيق بـــــــــه        ولم يلبس القوم مثل الحيـــا

               وكانت سليم إذا أقدمــــــت        فتى لحوادث كنت الفتـــــى

               وكنت أفيء عليها النهــاب       وأنكى عداها وأحمي الحمى

               فلم أوقد الحرب حتى رمى       خفاف بأسهمه مـــــــا رمى

               فألهب حرباً بأصبارهـــــــا       فلم أكُ فيها ضعيف القوى [7]

         ربما كان الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يطرح مسألة وجوده الماضي ، وهو الوحيد الذي يتفكر فيه ويقيم حياته الحاضرة وفقا لماضيه الغابر [8] ، فالماضي لا يكون له وجود إلا في الزمن الحاضر للإنسان الذي يجعل من الماضي مقياسا يقيم به اعوجاج الحاضر ، ولهذا نجد الشاعر المخضرم العباس بن مرداس السلمي يندم على أمور أحدثها في الزمن الماضي ، وهذا الندم جعله يغير مسار حياته ، فالماضي جزء منه ، وهو غير متمكن من انتزاع نفسه من ذلك الماضي ، ولا يمكنه أن يجعل هذا الماضي شيئا آخر غير ما كان عليه ، ولكنه – على أية حال – قادر على إمكانية تغيير ذاته ، وهكذا لن يكون الماضي مطابقا أو شبيها للحاضر أو للمستقبل ، وهذا ما يسعى الشاعر إلى تحقيقه في تلك اللحظة من وجوده ، وهذا ما ذهب إليه سارتر بقوله : ( إننا نحتفظ دوما بإمكانية تغيير معنى الماضي من حيث أنه حاضر سابق كان له مستقبل ، لكنني لا أستطيع أن أنتزع أي جزء من محتوى هذا الماضي من حيث هو ماض ، ولا أن أضيف إليه أي شيء ، بتعبير آخر : الماضي الذي كنت هو ما عليه إنه في – ذاته كما هي الأشياء في العالم ، وعلاقة الوجود التي عليّ إقامتها مع ماضيّ هي علاقة نمط ما هو في – ذاته ، أي نمط من التماهي مع الذات ) [9] ، فالذات لا يمكنها أن تغير الماضي ، ولكن يمكنها أن تستبدل الماضي باستبدال صورتها أو هويتها في الزمن الحاضر ، وهذا ما يتفق عليه بول ريكور مع هيدغر حول هوية الآنية ، إذ يرى كلاهما أن الهوية ليست شيئا جوهريا ثابتا بل هي أصلا ما يتحقق بالزمان ، أي هوية الزمان التي يحفظها الدوام من التبدد والتبعثر ، وهذه الهوية يمكن تغييرها وفقا للحال ، وهذا التغيير في الهوية لا يتم – بحسب ريكور – إلا عن طريق السرد ، ويسميها الهوية السردية ، أي أن الذات المتحركة لا تتحقق إلا بالسرد [10] ، وهي عينها القصيدة التي يحاول من خلالها العباس بن مرداس أن يغير هويته المتحققة عبر الزمن الماضي إلى صورة مغايرة لها في الزمن الحاضر .

        وهذا ما يمكن أن يحدث عندما يتحول سؤال الكينونة عن ماهية الزمان من ما هو الزمان ؟ إلى من هو الزمان ؟ وكأنه السؤال عمّن يجعل الزمان زمانيا ، وهو ذاته تساؤل هيدغر ( هل نحن أنفسنا الزمان ؟ ) أو بصيغة أكثر قربا ( هل أنا زماني ؟)[11] ، وكأن زمن الذات يتحدد من خلال هوية الذات في ذلك الزمن ، على أن الزمن غالبا ما يحتفظ بآخر هوية تمثل الذات في تقلباتها وتحولاتها ، والذات الشاعرة هي الأقدر على تحقيق صورة جديدة للذات من خلال القصيدة ، ولهذا يلجأ ابن مرداس إلى تثبيت هذه الهوية الجديدة ( كرهه للحروب ) في اللحظة الآنية ، لأنه يعلم أن هذه اللحظة ستكون زمنا ماضيا يمثل زمن الشاعر وزمن الأنا .

      هنا يصبح الحاضر نقيضا للماضي ، ويكون هذا الأخير بالنسبة إلى الذات هو العدم لأنها لا ترغب في حضوره أو بالأحرى في حضورها فيه ، لأن زمنيتها الجديدة أصبحت مغايرة عن تلك التي كانت ملازمة لها في السابق ، فتزامن الذات مع زمنيتها يأتي من خلال هذا التصور لحضورها مع الموجودات في زمن معين يربطهما معا ، وهذه الموجودات تعطينا صورة الذات في تشكلها الأخير ، وإن حضور الوجود تجاه الكائن في اللحظة الزمنية تجعل للكائن زمنا خاصا يعرف من خلاله وجوده ، فترتبط كينونة الكائن بحالات عاطفية وشعورية وأشياء وأمكنة وموجودات أخرى تجعل منه زمنا حاضرا لها في لحظة التزمن تلك .

       وربما كان اللجوء إلى الماضي واستحضاره استحضارا وجوديا لأن الذات تفتقد جزءا مهما منها في الزمن الحاضر ، وهذا الجزء حاضر في الزمن الماضي غائب الآن ، فيكون الماضي بالنسبة للذات هو زمن الحضور ، والحاضر هو زمن الغياب والعدم ، لأن الذات ترغب بحضور هذا الجزء الهام من ذاتها على الدوام ، فتلجأ إلى الزمن الماضي دائما ليكون حاضرا ، هكذا تسعى الخنساء دائما إلى استحضار الماضي لأنها ترغب دائما بوجود صخر ، ولأن صخرا أصبح لا كينونة له في الحاضر وجزءا من العدم الذي لا وجود له فهي ترغب أن تعيش دائما في الماضي ، لأن حضور صخر فيه يمثل حضور الكون بكل أشيائه ومعالمه ، وغيابه عن الأرض يعني غياب كل شيء فيها .

          ضاقت بي الأرض وانقضّت مخارمها       حتى تخاشعت الأعلام والبيـــــــدُ

          وقائلين تعزّي عن تذكّــــــــــــــــــــرهِ       فالصبر ليس لأمر الله مــــــردودُ

          يا صخر قد كنت بدرا يستضاء بــــــه       فقد ثوى يوم متّ المجد والجــــودُ

          فاليوم أمسيت لا يرجوك ذو أمـــــــــلٍ      لمّا هلكت وحوض الموت مورودُ

          وربّ ثغرٍ مهولٍ خضت غمرتـــــــــه       بالمقربات عليهن الفتية الصيــــــدُ

          نصبت للقوم فيه فضل أعينهـــــــــــم        مثل الشهاب وهي منهم عباديـــــدُ [12]

      قد تشكل ظاهرة الحب والتعاطف ظاهرة ذات أثر بالغ في الديمومة الزمنية ، فالإنسان المحب لا يشعر باستمرار الزمن وديمومته بوجود المحبوب ، وكأن هذا المحبوب السبب في بقاء الزمن وفي بقاء الذات ، وفي لحظة غياب المحبوب وافتراقه عن الذات فإن الزمن لم يعد هو الزمن ، لأن اليوم أصبح لا يشبه الأمس ، لذلك تنظر الخنساء إلى الكون وإلى الوجود وكأنه أصبح شيئا آخر غير ما كان عليه بالأمس حين كان صخر موجودا ، لقد كانت الشاعرة تعيش حالة الانسجام مع الحياة والانسجام مع الكون وأشيائه في الطبيعة ، لكن قوى الزمن تجتمع كلها في تلك اللحظة الحاسمة عندما تضع حدا لاستمرارية الحياة ، وهنا تتوقف ديمومة الزمن عن الحراك في بواطن الذات المحبة ، فبعد الموت يكون الفراغ ، وستبقى الذاكرة تحتفظ بتلك اللحظات التي تحسبها الذات جديرة بالدوام .

      هذه هي حال الشاعرة قد وردت بصيغة الإخبار والوصف بحيث لا تدركها العين ، ولكن يتصورها العقل ويقبلها لفرط ما تحمله من ألم ومعاناة وما خيم معهما من حزن وأسى يطول في زمن قاتل ، تجمد فيه الحياة ويتراءى لها الفناء والهمود في إحساسها بالخروج من ضيق الحياة إلى فضاء الموت ، فهي تعيش رحلة العدم في هذا الوجود ، فلا أمل في الحياة دون وجود دافع للعيش ، وقد استسلمت الشاعرة لفيض من الإحساس المر الذي أفقدها التوازن ، فعم الملل روحها وتدفق فيها الظلام ، وغدت في وحشة ذاتها كأنها في دنيا غير دنيا البشر ، وقد امتلأ قلبها بالهموم فلا رفيق غير اليأس والوحدة والشرود ، وبدت لها الحياة اليوم جامدة ميته لا تشبه حياة الأمس قبل مجيء الموت مختطفا أغلى أحبتها [13] .

         وبما أن الحياة ظاهرة أنطولوجية أو نمط كينونة فإن الحياة ظاهرة وجودية قابلة للتأويل ، لكن الموت يشكل إشكالية أنطولوجية لأن الموت يكون عدما وليس وجودا ، وهذا ما دعا هيدغر إلى التساؤل ( كيف تتعين ماهية الموت انطلاقا من الماهية الأنطولوجية للحياة ؟ ) [14] ، وقد أجاب سارتر على هذا التساؤل : ( إن الموت يحول ما هو – لذاته – للآخر إلى مجرد حالة بسيطة للوجود – للآخر ) [15] ، فتجربة الموت يعيشها الآخر الذي ظل على قيد الحياة ، لأن هذا الآخر – الذي تمثله الخنساء في هذا المثال – هو الذي يعاني ألم الموت ، ولأن الخنساء هي الذات الفاعلة في اللحظة الآنية فيكون صخر هو الآخر ، وقد أصبح الآخر جزءا من الماضي ولكنه جزء ملازم للذات الحاضرة ، وعندما يصبح الآخر بسبب الموت خارج الوجود فإن كل الأفعال التي كانت تعبر عن الآخر ستكون جزءا من الوجود الإنساني ، لأنها تشكل جزءا من الماضي للذات الحاضرة .

        إن الماضي بما يحتويه من معنى عدم الوجود لا يعني أن يكون جزءا من التاريخ يخلو من التأثير الفعال ، بل أحيانا يكون تأثيره فعالا جدا كأنه لا يزال حاضرا ، لأنه يؤثر تأثيرا سلبيا أو إيجابيا على الذات في الزمن الآني ، فحين يُفهم من الماضي أنه صار تاريخا سواء نسبنا إليه تأثيرا سلبيا أو إيجابيا فإنه يكون ذا ارتباط وثيق بالحاضر ، وإن لم يكن واقعا يمثل الآن أو لحظة الحضور ، ويضاف إلى ذلك أن للماضي معنى مزدوجا مهما ، لأن الماضي على الرغم من انتمائه إلى الأزمنة التي بادت إلى غير رجعة ويؤلف جزءا من الأحداث الغابرة إلا أنه يمكن أن يكون ذا ديمومة في الحضور بتأثيره الثابت والمستمر على الذات في زمن اللحظة الحاضرة [16] .

     ولا شك في أن صورة الماضي الزاهر بوجود الحياة في نعمائها ورخائها حينما يتواجد فيها صخر ستظل دائمة الوجود في وعي الخنساء التي لا تريد أن تتخلى عن صورة الحياة الجميلة تلك ، لكننا – على أية حال – قد لا نرتضي مثل هذا الرضوخ والاستسلام في مثل ذلك الموقف الذي نفتقد فيه شخصا غيبه الموت ، والاعتقاد أن مسيرة الحياة يمكن أن تتوقف عند ذلك الحد الذي يصبح فيه الغائب جزءا من العدم ، هكذا يمكن أن نستوعب من الشعراء فعالية الحضور للحظات مميزة في ذاكرتنا تمكننا من مواجهة مصاعب الحياة ونوائبها ، لا أن ننظر إليها نظرة يائس قانط ، فقد أخبرتنا تجارب الشعراء أن الأيام في تقلباتها وتداولها لا يستقر لحال فيها قرار .

       هذه الذات تسعى – في محاولة دائبة – إلى استعادة كينونتها الخاصة في ذلك الزمن الماضي ، كأنها تريد أن تجتذبها من العدم الذي مضى ولم يعد له وجود ، فهذه الكينونة الجديدة تحدث شرخا عميقا في الذات لا تقدر على تحمل ألمه ، ولذلك يسود خطابها جو ممتلئ بمشاعر الحزن على ضياع تلك الكينونة التي كانت تمثل حضورا زاهيا للذات تجاه العالم ، إلا أن حضورها قد تغير بفعل متغيرات الزمن وحوادثه ، فالذات لا يمكن أن تحتفظ بصورتها المثالية على الدوام ، ولا يمكن أن تجمد شخصيتها في ظل متغيرات الواقع وتطوراته ، فارتباطها بهذه السلسلة الزمنية التي تتمحور في شكل لحظات متتابعة من متغيرات الحياة وتقلباتها ، ثم تشكل كلا زمنيا خاصا بالذات يمثل مسيرة حياتها ، هي بالنهاية كينونة زمنية تختزل عالم الذات كله في تجربة الحياة التي عاشتها عبر مسيرة الزمن ، فتسعى هذه الذات – في خطابها الموجه – إلى ترسيخ أفضل لحظات الوجود ليمثل صورتها الباقية على الدوام إزاء السيرورة الزمنية وتحولاتها .

الزمن الآني

      الحاضر هو ما يكون موجودا الآن هنا أو هناك ، أي أنه ما يكون ماثلا أمام وعي الذات المدركة له ، فالحاضر هو الذات التي يحدث المثول أمامها لأنها هي من يقوم بفعل الحضور من تلقاء نفسها وفي حقل إدراكها الحسي [17] ، فيتعلق الزمن الحاضر بفاعلية الذات في لحظة الحدث ، ودائما ما نجد الزمن متمثلا في وعي الشاعر من خلال الشكوى والمعاناة من واقع الحياة ومرارة العيش ، فيكون الحديث عن الزمن الحاضر بالنسبة للذات الشاعرة من خلال الشكوى من الوجود ، أي شكوى الذات من لحظات وجودية مرتبطة باللحظة الراهنة وواقع اليوم الأليم ، فيمثل حضور الزمن في لحظة المعاناة التي يتأمل فيها الشاعر قسوة تلك اللحظة ومرارة عيشها ، وقد يكون التألم في الحاضر لأحداث سلفت من الزمن الماضي ، فيكون زمن التألم هو زمن الحضور الحسي للتجربة الحية التي يعيشها الشاعر وإن كانت متعلقة بأحداث جرت قبل زمن الشكوى من معاناتها ، لأن قصدية الشعور كانت تتجه إلى استحضار أحداث الأمس لكن نقل التجربة إلينا بآلامها ومشاعرها التي أثرت في الذات كان مرتبطا بزمن السرد وهو الزمن الحاضر ، لأن كل شيء متعلق بالذات يكون حاضرا في الزمن من أجلها .

      وتلجأ الذات في شكواها من الزمن الحاضر إلى تخير الزمن الآني الملائم لبث همومها وشكواها ، وغالبا ما يكون الليل بسكينته وهدوئه وما يعتري النفس فيه من اضطراب المشاعر ، والتأمل في واقعها بين الأمس واليوم هو الزمن الأمثل لحديث النفس عن تلك المشاعر المضطربة التي تثيرها هموم الذات ، في هذا الوقت المفعم بالسكون والتوجس ينطلق الشاعر ساعدة بن جؤية الهذلي لبث همومه وآلامه بسبب مفارقته لأهله وأحبته ، فهو يبكي ويتألم لابتعاده عنهم لاسيما وقد غادرهم في مكان لا يراه صالحا للعيش ، فيمضي ليلته شاكيا متألما دون أن يغمض له جفن .

             ألا بات من حولي نياما ورقّــــدا        وعاودني حزني الذي يتجـــــــــــددُ

             وعاودني ديني فبتّ كأنمـــــــــــا         خلال ضلوع الصدر شرعٌ ممـــددُ

             بأوب يدي صناجة عند مـــــدمنٍ        غوّيٍ إذا ما ينتشي يتــــــــــــــــغرّدُ

             ولو أنه إذا كان ما صمّ واقعــــــا         بجانب من يحفى ومن يتـــــــــــودد

             ولكنما أهلي بوادٍ أنيســـــــــــــــهُ         سباعٌ تبغي مثنى ومــــــــــــــــوحدُ

             لهنّ بين الأصاغي ومنصـــــــــحٍ         تعاوٍ كما عجّ الحجيج الملبّـــــــــــدُ

             ألا هل أتى أم الصبيين أننــــــــي          على نأيها حملٌ على الحي مقعــدُ

             ومضطجعي نابٍ من الحيّ نازحٌ          وبيتٌ بناه الشوك يضحي ويصردُ  [18]

       عندما يتحدث الشاعر عن لحظة آنية يعيش معاناتها فإن ذلك عبارة عن شكوى من الزمن الحاضر ، والزمن الحاضر هو ذاته الوجود ، فالحديث إذن هو الشكوى من الوجود ، وليس غريبا أن يختار الشاعر لبث شكواه من الزمن زمنا مناسبا هو الليل لما يتسم به هذا الوقت تحديدا من انشغالات الفكر وهموم النفس ، كما أن الذاكرة تنشط في هذا الوقت من اليوم فتستعيد أحداثه الماضية القريبة ، وينشغل الوعي بمجريات الأحداث في سلسلتها المتتابعة مع الاحتفاظ بسيل مشاعر المآسي الجارفة التي تطغى على سطح الذات بسبب المعاناة من الزمن ووقائعه الأليمة أولا ، وبسبب الليل المطبق على النفس بكآبته وثقله ثانيا ، فتنفتح آفاق الخيال على أنواع الشكاية التي يمتلئ بها خطاب الذات مشكلة حضورا بائسا من المشاعر الحزينة في أجواء النص وتشكلاته .

        إن تمثل الزمن الحاضر في وعي الشاعر يتمحور حول واقعه المعيش الذي يشكو فيه من حزن مقيم يعاوده في كل ليلة ، ويساوره بين اللحظة والأخرى حتى كأنه مقيم في حنايا صدره لا يفارقها ، وكأن هذا الزمن الحاضر في وعي الشاعر هو قرين الذات الذي لا يفارقها ، لأن الذات من خلاله تنطق من رحم المعاناة ، لا سيما وأن الشاعر يذكر أنه لو كان يعيش هذا الواقع المؤلم بجوار من يتودد إليه من أهله أو أقاربه لهان عليه الأمر ، ولوجد لنفسه شيئا من التسلية أو العزاء بقربهم ، ولكن أهله في مكان آخر ناء عنه ، وهو مكان لا أنس فيه ولا حياة إلا للسباع .

       إن ما يدفع النفس لتحمل عبء معاناة اللحظة هو وجود الآخر في موضع من العالم الخارجي ، ففي الطرف الآخر يوجد الأهل والحبيب ( أم الصبيين ) ، وإن كان هذا الآخر الذي تبحث عنه النفس نائيا ولا يعيش حياة وادعة ، إلا أن مجرد وجوده في هذا العالم يمثل دافعا للتمسك بالحياة والتشبث بالأمل على الرغم من قسوة ومرارة اللحظة والزمن المعادي

       تمثل بعض لحظات الزمن الحاضر تحولا في كينونة الذات الراغبة في التخلص من مساوئ الأمس التي تمثل نوعا من العار في تاريخيتها ، وتطمح إلى جعل صورة الحاضر للذات مغايرة عما كانت عليه صورتها في الماضي بما انطوت عليه من مساوئ وعيوب ، فتعلن الذات تبرأها من ذلك التاريخ الذي صار في اللحظة الحاضرة منبوذا ، ولا يمثل هوية الذات بحلتها الجديدة ، في مثل تلك اللحظة التي مثلت نقطة تحول في حياة أبي محجن الثقفي الجديدة يعلن توبته الصادقة وندمه الصريح على ما كان منه في حياته السابقة من ملازمته على شرب الخمرة ، وإدمانه على معاقرتها .

            أتوبُ إلى الله الرحيم فإنــــــــــــــــه        غفورٌ لذنب المرء ما لم يعــــاود ِ

            ولستُ إلى الصهباء ما عشتُ عائداً         ولا تابعا قول السفيه المعانـــــــد ِ

            وكيف وقد أعطيتُ ربي موثقـــــــا         أعود لها والله ذو العرش شاهدي

            سأتركها مذمومة لا أذوقهــــــــــــا         وإن رغمت فيها أنوف حواسدي [19]

       إن من أهم مميزات الزمن الحاضر أنه دائما يقع في المنطقة الوسطى بين الماضي والمستقبل ، وعلى الرغم من أن الماضي لم يعد موجودا ، وأن المستقبل لم يوجد بعد ، إلا أن كلا الزمنين حاضر في تأثيره في اللحظة الحاضرة ، فالحاضر هو السريان الطبيعي لمسار الزمن من الماضي إلى المستقبل ، وهو ينقل في سريانه هذا كل مخلفات الماضي من لحظات ذات موطن تأثير بالغ على النفس تستقر في مدارج الوعي وتحتفظ بها الذاكرة في مسيرة الزمن لتصل إلى لحظة من لحظات التحول في حياة المرء ، فتصبح الذات تتألم من تذكر الماضي وتحاول التخلص منه والابتعاد عنه ، ويصبح هدف الذات الاستقرار في الحاضر والبحث عن مستقبل أفضل .

        في هذه اللحظة من الزمن الحاضر التي تمثل تحولا مهما في حياة أبي محجن الثقفي نجده يعلن توبة صريحة أنه سيتخلى عن أهم حدث راسخ في حياته يشكل علامة فارقة للذات عنده ، ذلك الحدث الذي تمثل عبر زمن طويل من سني عمره ولم يتخل عنه ولم يفارقه ألا وهو معاقرة الصهباء ( الخمرة ) ، في إعلان صادق وواضح بعدم الرجوع إليها فيما بقي له من زمن العيش في المستقبل ، وقد جعل على نفسه مواثقا وعهودا بينه وبين الله ، سيتركها مذمومة بعد أن قضى زمنا طويلا يتغنى بمدائحها ، وهذا التحول في كينونة الذات بين ما كانت عليه في الماضي وما آلت إليه في الحاضر ، وما ستكون عليه في المستقبل هو ذات الأمر الذي يصوغه هوسرل في مشكلة ما يجب أن يكون في مقابل ما هو كائن .

        يجيبنا هوسرل على معنى ذلك بأن ما يجب أن يكون الذي ارتبط ارتباطا تقليديا بالرغبة أو الإرادة أو الطلب هو معنى ضيق، فحكم الوجوب أو ما يجب أن يكون هو مستقل عن رغبات الناس وأهوائهم ، فما يجب أن يكون في قبال ما هو كائن لا يأتي ملبيا الرغبات والأهواء [20] ، وهذا ما يتضح جليا في موقف أبي محجن الثقفي من كينونة صريحة في تلبية الرغبة وهوى النفس في شرب الخمرة ، وبين ما يجب أن يكون في الإقلاع عنها ونبذها لما فيها من أذى على النفس والجسد ، فتكون العلاقة بين ما هو كائن وبين ما يجب أن يكون على جانب كبير من التضاد بين ما ترغب فيه النفس وما تشتهيه ، وبين ما يجب أن تقوم به إزاء ذلك .

       ويشكل التوقف في آثار الديار لحظة مؤثرة من لحظات الزمن الحاضر قائمة على بث الهموم وسكب الدموع بسبب ما أحدثه الزمن من الانقطاع بين الذات وبين محفزات السعادة والهناء ممن ترغب الذات في حضورهم وتواجدهم إلى جوارها على الدوام ، وفي تلك اللحظة التي تفقد فيها الذات قدرتها على الاستمتاع بحضور هذه الصحبة تفسح المجال للمشاعر الملتهبة أن تعبر عن ألمها وحزنها لفراقهم ، تلك المشاعر الغافية التي أيقظتها آثار الديار من هدأتها وجعلتها تعلن عن حضورها في تلك اللحظة ، فزمن الحضور هنا يتمثل بحضور الذات إزاء معالم المكان التي أيقظت هذه المشاعر ، وفي لحظة الحضور تلك يتوقف الشماخ بن ضرار متأملا مستعيدا لحظة خروج ظعائن أحبته من سهب بوانة ، وكأن لحظة الخروج تلك ماثلة أمام عينيه في لحظة التوقف الحاضرة عند آثار المكان .

              نظرتُ وسهبٌ من بوانة بيننــــــــا        وأفيح من روض الرباب عميقُ

              إلى ظعنٍ هاجت عليّ صبابــــــــةً        لهنّ بأعلى القرنتين حــــــــريقُ

              فقلتُ خليليّ انظرا اليوم نظــــــرةً        لعهد الصبا إذا كنت لستُ أفيـقُ

              إلى بقرٍ فيهنّ للعين منظـــــــــــــرٌ        وملهى لمن يلهو بهنّ أنيـــــــقُ

              رعين الندى حتى إذا وقد الحصى        ولم يبق من نور السماك بروقُ

              تصدّع فيه الحيّ وانشقت العصـــا        كذاك النوى بين الخليط شقوقُ

              ولمّا رأيتُ الدار قفراً تبــــــادرت         دموعٌ للوم العاذلات سبـــــوقُ [21]

        لاشك أن أهم ما يميز الزمن الحاضر في الوجود هو خاصية الحضور ، ولكن كيف يكون الزمن الحاضر حاضرا ؟ وما الذي يحدد حضور الزمن ؟ لا ريب أن الحضور نقيض الغياب ، وهذا ما يمكن أن نتمثله بقول الجندي أو التلميذ : (( حاضر )) عندما يتم النداء باسمه ليثبت أنه ليس بغائب ، على أن التساؤل عن حضور الزمن يبقى معلقا بكيفية أو آلية حضوره ، ويبدو أن الحاضر ليس هو الزمن وإنما الذات هي الحاضرة تجاه الزمن ، فالحضور يمثل حضور الذات بالنسبة للزمن أي حضورها الحدث في لحظة حدوثه ، وحاضري الآن هو أنني حاضر داخل الوجود ، أي حاضر للوجود في ذاته ، وهنا يتساءل سارتر : هل الوجود حاضر لي كما أنا حاضر له ؟ فإذا كان الأمر كذلك فإن الحاضر يصبح علاقة متبادلة بين مواضيع حاضرة لبعضها البعض ، ولكن الأمر ليس كذلك ، إن الحضور تجاه شيء ما هو علاقة داخلية لدى كائن موجود مع الكائنات التي هو حاضر تجاهها ، والحضور تجاه شيء ما يعني الكينونة خارج الذات قرب شيء ما [22] .

       إن الذات هي التي تكون حاضرة تجاه الأشياء في الوجود ، فهي في حالة تزامن مع الأشياء ، فإذا كانت الأشياء غائبة فإن الذات تكون جزءا من الماضي لعدم وجود التزامن للذات مع الأشياء ، وعندما نظر الشاعر الشماخ بن ضرار إلى الظعائن وكان يشعر بوجودها بالقرب منه ويصفها وصفا دقيقا ، إذ فيهن منظر جميل لعين الناظر ، وملهى أنيق لمن أراد اللهو ، وإبلها ترعى الأرض ولها أصوات أثناء الرعي ، فكان الشاعر يحس بوجود هذه الظعائن في لحظة النظر تلك ، ولكنه عندما فقد ذلك المنظر وأصبحت الديار قفرا صارت تلك الظعائن جزءا من الماضي ، فحضور الزمن كان يتمثل بحضور الظعائن إلى جوار الذات ، ولما أصبحت الظعائن غير حاضرة في الصورة الماثلة أمام عيني الشاعر صارت شيئا من الزمن الماضي ، وأصبح الزمن الحاضر متمثلا بتلك الدموع التي سكبها الشاعر على أولئك الراحلين عنه .

       ويمكن القول أن لحظة الحضور تلك التي وصف بها الشاعر خروج الظعائن من سهب بوانة لم تكن جزءا من الواقع الفعلي في لحظة الوقوف على الديار ، وإنما جزءا من الوعي الخاص للذات الحاضرة التي استدعت حضور الصورة بكل تفاصيلها لما أثارته هذه الديار من مشاعر الصبابة الراقدة في خبايا الذاكرة ، فصورة الظعائن ليست جزءا حيا أو واقعيا في الزمن الحاضر للحظة التوقف ، إن الواقعي هو ما يكون على اتصال مباشر مع الذات ، فالواقعي حاضر في اللحظة المباشرة حيث يمكن إدراكه وتلمسه ، وهذا يعني أن الواقعي متداخل مع وجود الذات في ذات المكان ، فإذا لم يكن كذلك فلن تتأكد منه ، وكذلك الحاضر المباشر واقعي لكنه مستمر ، أما الواقعة الحاضرة لا يمكن أن تثبت هذا الحضور وإلا لكان الحاضر هو الزمن ، والصحيح أنه جزء من الزمن ، فالواقع محصور في اللحظة الآنية ويصبح خاصا بالذات التي تعيه وتدرك موضوعاته ومحتوياته إلى حيث يتوجه اهتمامها في نطاق محدد بالتجربة الحسية المباشرة للإدراك [23] .

    إن هذا الحضور الحسي الذي تحدده التجربة المعاشة هو حضور المشاعر المتعلقة برحلة الظعائن تلك ، وقد استلزم في نهاية الأمر أن يبكي الشاعر لما لاقاه من معاناة التجربة فعلا ، ومن خلال قصدية الشعور الذي أثارته أثار الديار في لحظة المشاهدة انتقل الإحساس بالزمن من لحظة الوقوف إلى تتبع خطى الرحلة التي قد يكون مضى عليها زمن طويل في القدم ، إلا أن الذاكرة الحية تستطيع الاحتفاظ بدقائق تفاصيلها لتعيدها إلى ساحة الحضور من جديد ، وهكذا يصبح كل شيء متعلق بالذات حاضر في الزمن من أجلها ، وكل ما يغيب عن الذات في لحظة الحضور هو جزء من ماضيها المنسي .

      وقد تشكل لحظة وجودية من التأمل في جمال الطبيعة وسحرها مدعاة إلى بث المعاناة التي يعيشها الشاعر بسبب تعلقه بالمرأة ، ففي لحظة حضور بعض ظواهر الطبيعة وأنوائها تتجلى مظاهر النفس الإنسانية فتضج بما تحمله من مشاعر وما تكتمه من أهواء ، لأن تلك المؤثرات الطبيعية في العالم الخارجي أثارت كوامن العشق والأحاسيس المكتومة في الذات العاشقة ، فأنطقتها بعد أن لاذت بالصمت ، وأيقظتها بعد أن لجأت إلى الرقاد ، في تلك اللحظة التي أضاء فيها البرق سماء نجد فاضت مشاعر حميد بن ثور عشقا واشتياقا ، فشكى لصاحبيه ما يعاني من عذاب الحب ولوعته ليعلما مقدار معاناته ويكونا عونا له في الاتصال بليلى التي أدنفت قلبه وأسقمت جسده .

              خليليّ هيّا عللاني وانظـــــــــــرا       إلى البرق إذ يفري سناً وتبسما

              عروضاً تعدت من تهامة أهديت        لنجدٍ فساح البرق نجداً وأتهمــا

              خليليّ إني مشتكٍ ما أصابنــــــي        لتستيقنا ما قد لقيتُ وتعلمـــــــا

              أمليكما إن الأمانة من يخــــــــن        بها يحتمل يوما من الله مأثمـــا

              فلا تفشيا سري ولا تخذلا أخــاً         أبثكما من الحديث المكتّمــــــــا

              لتتخذا لي بارك الله فيكمـــــــــا         إلى آل ليلى العامرية سلّمــــــا

              وقولا إذا جاوزتما آل عامــــرٍ         وجاوزتما الحيين نهداً وخثعما

              وقولا لها ما تأمرين بصاحـبٍ          لنا قد تركتِ القلب منه متيمــا [24]

        إن كل حاضر في الزمن سيغدو في نهاية الأمر ماضيا ، ولأن الذات حاضرة مع الأشياء في الطبيعة فهي تنظر إلى هذه الأشياء جزءا من الوجود في زمن التأمل والكلام ، لأن هذه الأشياء ستثير في الذات مزيجا من مشاعر الترقب والتبسم والألم ، ويمكن أن تصبح الأشياء في الطبيعة صورة عاكسة لما يعتمل في النفس من مشاعر مضطربة ، ومثلما يرى هيغل ( أن الواقع ليس هو الواقع المادي بل هو الواقع الشعوري ، والعالم ليس هو العالم المادي بل هو عالم الحياة ، العالم كما يحياه الإنسان ويشعر به ، المادة خالية من المعنى وخاوية من الماهية ، ولا تحصل المادة على معناها أو ماهيتها إلا بعد أن يحياها الشعور ، فالمادية أيضا مثل الصورية نسيان لعالم الحياة ، وهنا جاء الاقتضاب الفينومينولوجي حتى يحرر الشعور من الموقف الطبيعي ، ويرد المادية على أعقابها ، حتى يحياها الشعور ويدرك معناها وماهيتها ) [25] .

       وإذ يتأمل حميد بن ثور ويدعو صاحبيه إلى التأمل والنظر إلى البرق يملأ سماء نجد ضياء وتبسما ، وما يصحبه من سحب أهديت إليه من تهامة فساحت أرض نجد مطرا وارتوت ، إن هذا المنظر بما يحمله من سحر الطبيعة وزهوها وجمالها أثار في نفس حميد مشاعر الألم والتحسر لغياب من تعشقه النفس وتحن إليه وتهوى قربه ، ، فراح يبث شكواه إلى صاحبيه ويحملهما أمانة إيصال هذه الشكوى إلى الحبيب الغائب ( ليلى العامرية ) ، ويطلب منهما أن لا يفشيا سره لأحد ، وأن يحملا الأمانة إليها بصدق ، ويطلبان رأيها فيه وقد تركاه مضنى القلب متيما .

        إن لحظة تأمل قصيرة إلى ضوء البرق قد حملت في أثنائها علاقة زمنية بين ماه خارجي يظهر في الطبيعة على أرضها وفي أجوائها وبين ما هو داخلي في في وعي الشاعر وما يحتفظ به من مشاعر العشق وآلام الهوى ، بين ما هم مستقر في النفس من شعور وما هو موجود في الطبيعة من مؤثرات تزامنية قائمة على حضور الموجودات الخارجية في مدركات الوعي الداخلي ، فتتجلى هذه الظواهر الخارجية على النفس وتحرك فيها دوافعها ومحفزاتها للإفضاء بما تكتمه النفس من أحاسيس ومشاعر مخبوءة ، وهكذا تتجلى مظاهر النفس في لحظات آنية معينة عندما تتزامن مع مظاهر خارجية لها تأثيراتها الجانبية على مكونات الذات وكينونتها .

       هذه الموضوعات الخارجية المتعلقة بالذات تحتاج إلى مثل هذا الإجراء الفينومينولوجي الذي يقضي بتعليق الأحكام ، وتصفية الفكر بالإحالة المتواصلة من معنى إلى معنى ، ومن عالم إلى عالم سعيا لبلوغ الأشياء في ذاتها ، ولا يكون ذلك إلا بالإحالة بين الأشياء ، فما من شيء في هذا الوجود إلا وله نسبة إلى أشياء كثيرة يوصف بها ، فكل شيء ينتسب إلى غيره من الأشياء مادام العالم ينبثق من أصل واحد ، ويمثل عينا وجودية واحدة مما يسهل علينا أن نستعير ما يتناهى من الأسماء لشيء واحد بعينه، وهو إمكان أنطولوجي مفتوح يجعل من المعرفة سلسلة من التأويلات ، فمعرفة الأشياء لا تتم دون آلية استعارية قوامها نسبة الشيء إلى غيره ، ووصفه بصفات سواه إذ أن الكل مرتبط بالكل [26] .

        إن فهم الوجود من خلال النفس يتأثر بما هو معطى من حالات النفس في تجلياتها الزمانية المختلفة ، فعندما يكون الماضي لا يزال مؤثرا تأثيرا فعالا على النفس حتى اللحظة الآنية فإن هذا التأثير سيمتد على التجربة الإنسانية ليستمد منها ما هو إيجابي بوصف هذه النفس ذاتا فعالة ، وهذه الأفعال وإن كانت تنسب إلى الماضي لكنها ستكون حاضرة ، لأنها في الزمن الحاضر ستكون مدعاة للتباهي والافتخار ، مما يكسب هذه الأفعال سمة الاستمرارية الوجودية ، لأنها تمثل هوية الذات ، ولهذا يحرص الشاعر عبده بن الطبيب على أن تبقى هذه الهوية حاضرة حتى بعد رحيله ، فهو يوصي أبناءه بالحفاظ على هذا الإرث – وإن لم يكن ماديا – لأنه جزء من الذات ، ولا يعني انتسابه للزمن الماضي بأنه مضى ، لأنه لا يمكن أن يدخل في خانة عدم الوجود ، فهو موجود الآن في الزمن الحاضر كما كان موجودا في الماضي لأنه يتسم بديمومة التواتر والبقاء ويمثل تاريخانية إنسانية لحضور الذات في أزمنة متعاقبة ، وهي محاولة من الشاعر أن يكسب هذا التراث شيئا من الاستمرارية والأصالة .

       وهوية الذات تنوجد في أفعالها وليس في سماتها وانتماءاتها ، وإذا استمرت الذات بكونها كائنا فاعلا فإنها تواصل صنع هويتها، إلا أن التصور الصحيح للهوية لا ينبغي أن يؤخذ من خلال الأفعال بعد حصولها فحسب بل من خلال حصولها أيضا، لأن الأفعال بعد حصولها جزء من الواقع ، وتحمل أثبت السمات والعناصر المكونة لهوية صاحبها ، لكن الذات لا تتوقف عن الفعل وعن إضافة أفعال جديدة إلى أفعالها السابقة ، ولا يكفي لمعرفة كيفية صنع هوية الذات أن نحيل أفعالها إلى حريتها ، لأن الفعل الحر يتحول إلى فعل حاصل ويدخل في نسيج هوية الفاعل لكن ذلك يحصل بعد حسم الاختيار بين الأفعال الممكنة المتاحة أمام الذات الفاعلة [27] .

       وقد يتمثل الزمن الحاضر عند الذات من خلال الشكوى من الزمن ومن تأثيراته على النفس ، ففي حضور ساعات معينة من الزمن تصبح الذات في مواجهة الزمن الحاضر بقسوته ومرارته ، فتضج بالشكوى مما أحدثه الزمن لها من مآس وما جره عليها من نكبات ، وفي ساعة من هدوء الليل ونوم البشر يتجافى النوم عن عيني متمم بن نويرة فيمتلئ كيانه بمشاعر الحزن والألم ، إذ أنه في هذه اللحظة بالذات تتراءى له صورة أخيه الذي غيبه الموت ، فلا يكون حضوره إلا طيفا أو خيالا يهيج مشاعر التذكر في قلبه الكسير ، ويجتر الدمع من مآقيه  على هذا الغياب الذي سيدوم ، ولن يكون بعده لقاء أو اجتماع .

             أرقتُ ونام الأخلياء وهاجنـــــــــــي        مع الليل همّ في الفؤاد وجيــــــــــعُ

             وهيّج لي حزناً تذكر مالـــــــــــــــكٍ       فما نمتُ إلا والفؤاد مـــــــــــــروعُ

             إذا عبرةٌ ورعتها بعد عبـــــــــــــرةٍ       أبت واستهلت عبرةٌ ودمــــــــــــوعُ

             كما فاض غربٌ بين بين أقرن قامةٍ        يروي دياراً مـــــــــــــاؤه وزروعُ

             جديد الكلى واهي الأديم تبينــــــــــه       عن العبر زوراء المدام نــــــــزوعُ

             لذكرى حبيبٍ بعد هدءٍ ذكـــــــــرته        وقد حان من تالي النجوم طلـــــوعُ

             إذا رفأت عيني ذكرني بـــــــــــــه         حمامٌ تنادى في الغصون وقــــــوعُ

             دعون هديلا فاحتزنتُ لمـــــــــالكٍ         وفي الصدر من وجدٍ عليه صدوعُ

             كأن لم أجالسه ولم أمسِ ليلــــــــة         أراه ولم نصبح ونحن جميـــــــــــعُ [28]

        قد تمثل هواجس الليل صورة الذات في قلقها وخوفها وترقبها في لحظة الإحساس بفقدان الحياة ، وفقدان لذة الكون وجماله وسعادته ، وهي لحظة آنية وإن كانت قائمة على التذكر واستدعاء الصور المعبرة من الأمس القريب إلا أنها تمثل لحظة معاناة للذات من سطوة الليل المكبل للنفس بقيود الخوف والترقب والألم ، ففي ذلك الوقت المظلم يتحول الوجود إلى رؤيا مفزعة ، ولا تمتلك الذات رغبة في مسايرة الوجود بل في مخاطبة الموتى والانشغال بهم عن مواصلة الحياة ، وفي هذا الزمن الآني الذي نام فيه الأخلياء من الحزن يجد متمم بن نويرة نفسه وقد جمعه مع الليل حزن طويل له في القلب ألم مقيم ، وما ذلك إلا بسبب تذكره مالكا الذي زرعت ذكرياته الروع في قلبه الكسير ، وكلما حاول أن يكف دموعه عن بكاء مالك أبت واستهلت وفاضت مرة أخرى كأنها دلو عظيمة ملئت من بئر وروت الناس والزروع ، وهي دلو قديمة متخرقة ولكن رقاعها جديدة، فيسيل الماء من خلل رقاعها كما تسيل دموعه الغزيرة ، وفي ذلك الوقت المتأخر من الليل أطلت ذكرى مالك فلم تتوقف عيناه عن سكب الدموع ، وإن سكنت للحظة ذكره صوت الحمام على الأغصان فعاد إلى حالته من التفجع والعويل حتى تصدع صدره من شدة الحزن والألم ، وحتى صار يشعر بسبب آلامه على فقد أخيه كأنه لم يجلس معه يوما ، ولم يره ليلة ، ولم يصبح وهو إلى جواره .

        إن حضور الذات تجاه الزمن في لحظة المعاناة من واقعه الأليم يكون حضورا مزدوجا ، لأنه يشمل حضور الذات إلى ذاتها وحضورها أيضا بالنسبة إلى غيرها ، وتكون الذات حاضرة إلى غيرها لثلاثة أسباب ، أولا : لأنها ليست الكائن الوحيد في الوجود ، ثانيا : لأن وجود غيرها مفروض عليها بصفته معطى مختلف عنها ، ثالثا : لأنه ليس بإمكانها الغياب عنه أو الانغلاق دونه [29] ، وهكذا لن يكون للذات حضورا مجردا ، لأنها تتعلق بالكائن الآخر الغائب عن ساحة الوجود غيابا عينيا ، لكنه الحاضر ذهنيا في وعي الذات في لحظة الشكوى من جريرة الزمن ، فوجود الذات في هذه اللحظة الأبدية القائمة على القلق الوجودي وعدم الاستقرار ، والخوف من الوحدة والاغتراب بعد رحيل الأخ المواسي تجعل الزمن يتباطئ والليل يطول ، والذات تفقد فاعليتها تجاه الزمن وكأنها فقدت مسوغات البقاء .

الزمن المتخيل

      غالبا ما يكون الزمن المتخيل متعلقا بأحداث يمكن أن تقع في المستقبل ، وهو يمثل بالنسبة للذات نوعا من الهروب إلى زمن آخر يمكن أن تجد فيه الأمن والسلام بعيدا عن قلق الوجود في اللحظة الحاضرة ، فتمضي الذات إلى نوع من التصور الذهني بما سيكون عليه الحال في الزمن القابل ، لكنها غالبا ما تبني تلك التصورات وفق معطيات استمدتها من زمنها الماضي ومن وضعها الراهن ، فيكون هذا النوع من التصور الذهني للمستقبل المتخيل على هيأة أمنية وإن لم تصرح بها الذات فعلا لكنها ترغب بتحققها بهذه الصورة ، لأنها تجد الطمأنينة والسلام الروحي وسلامة النفس والجسد ، وقد تكون معطيات ذلك التصور للمستقبل واقعية فعلا استمدتها الذات من خلال خبرتها وتجربتها في الحياة وتأملاتها في الكون والطبيعة والنفس البشرية ، فترسم صورة لما يمكن أن يكون عليه المستقبل من خلال فلسفتها في الحياة ، لكنها من تجارب الحياة في سنوات العمر الطويل.

       وتمثل لحظات الخوف والقلق من المجهول وما تجهله الذات من المصير الذي سوف تؤول إليه سببا لإطلاق العنان لتصوراتها لما سوف يحدث ، وهذه التجربة مر بها كعب بن زهير عندما جاء محملا بالأمل ليعتذر للرسول (ص) عما كان قد بدر منه وما فعله من أحداث مشينة في أيام كفره ، وعلى الرغم مما أشاعه الناس عن وجوب إعدامه لما اقترفه من جرائر بحق المسلمين إلا أنه ظل متمسكا بالأمل ، وأن المستقبل الذي يخشى عواقبه سيحمل له العفو والنجاة .

           يسعى الوشاة بجنبيها وقولهـــــم        إنك يا ابن أبي سلمى لمقتولُ

           فقلت خلوا طريقي لا أبا لكــــــم        فكل ما قدر الرحمن مفعـولُ

           كل ابن أنثى وإن طالت سلامته        يوما على آلةٍ حدباء محمـولُ

           أنبئت أن رسول الله أوعدنـــــي        والعفو عند رسول الله مأمولُ

           مهلاً هداك الذي أعطاك نافلــة         القرآن فيها مواعظ وتفصيـلُ

           لا تأخذنّي بأقوال الوشاة ولــــم         أذنب ولو كثرت فيّ الأقاويلُ

           لقد أقوم مقاماً لو يقوم بـــــــــه         أرى وأسمع ما لا يسمع الفيلُ

           لظلّ يرعد إلا أن يكون لـــــــهُ         من الرسول بإذن الله تنويــــلُ [30]

         عندما تتجه الذات نحو النظر إلى المستقبل فإنها تتمسك باعتقاد أنها ستبقى هي عينها ، على الرغم من التغير المتوقع في بعض كيانها وأحوالها ، إلا أن هذا الاعتقاد بالنسبة إليها يتخذ عمليا شكل إرادة البقاء بكيفية صريحة أو ضمنية [31] ، وبما أن المستقبل يوجد كتصور فإن هذا التصور قابل لأن يطرح بأكثر من شكل معين ، ولتمثل صورة المستقبل في الوعي البشري فإن هذه الصورة تكون على شكل موضوع يقصده الوعي المدرك للحدث ، ويذهب الوعي إلى تجاوز الزمن الحاضر باتجاه المستقبل للبحث عن موضوع متخيل يمكن أن يشكل حدثا قادما ، ولكن هذا النوع من التصور للمستقبل أو التوقع بما يمكن أن يحدث لا يشكل إدراكا حسيا ، وإنما يتم إدراكه بمدى ارتباطه بالحدث الراهن في الزمن الحاضر ، فلا يمكن للذات أن تدرك المستقبل بمعزل عن الحاضر ومعطياته ، وكذلك الأمر بالنسبة للزمن الماضي ، فمهما ابتعد الزمن بحدث معين فإنه يظل مرتبطا بمسيرته الزمنية في الوعي البشري ، ويكون هذا الماضي جزءا من المستقبل ، فلا يمكن تصور حالة موضوعية مرتبطة بمحددات الوعي مستقبلا دون أن تكون لها معطيات مسبقة .

      في أبيات كعب السالفة يتمحور الحدث بين الأزمنة الثلاثة ، فأولا هناك الماضي الذي يمثل بالنسبة للشاعر حالة غير مرضية ، يحاول الفرار منها وافتكاك نفسه من مغبتها بتغيير ما كانت عليه صورة الماضي بصورة أخرى جديدة مغايرة ، لا تكون امتدادا لذلك الماضي الذي يحاول الخروج منه وطي صفحته ، وثانيا هناك الحاضر الذي يمثل لحظة المواجهة وهي لحظة حاسمة في الصراع بين الماضي والمستقبل ، لأن الشاعر جاء معتذرا معلنا التوبة والندم عما بدر منه في الزمن الماضي مؤكدا حرصه على عدم تكراره في المستقبل ، ثم يأتي المستقبل ثالثا بصورة متخيلة غير واضحة المعالم ، فالوشاة يزعمون أن الرجل مقتول ، وهو يرى أن كل شيء بقضاء وقدر من الله ، وأن الموت واقع لا محالة لكل نفس ، غير أنه يرسم صورة للمستقبل مغايرة لما يتخيله الوشاة ، فهو يعتقد بوجود الأمل وأن الرسول ( ص ) سيعفو عنه .

      إن التموقع في المستقبل لا يستقيم على أساس الوقائع الحاصلة فحسب بل على أساس تصورات وغايات تسعى الذات إلى تحقيقها أو منعها من التحقق ، إلا أن الواقعة الوحيدة الأكيدة التي يحملها المستقبل للذات هي واقعة موتها ، لكنها واقعة غير محددة بوقت معلوم غير أنها سوف تحصل حتما ، لذلك فإن الذات تسعى من خلال النظر في حاضرها إلى اعتبار ما سيترتب عليها من مفاعيل ، لأن التموقع في المستقبل في مثل هذه الحالة الخاصة يبنى على واقعة أكيدة قادمة وعلى تفسير لها ولنتائجها ، لكن ذلك لن يكون تمركزا فيها ، لأن تلك الواقعة – في حد ذاتها – نفي لوجود الكائن الذي يمارس التموقع والتمركز ، وفيما عدا ذلك فإن التموقع في المستقبل مفتوح مبدئيا لكل أنواع التصور والتخيل ، كما أن مسيرة الحياة تستدعيه دوما ، لكن لا يصح أن ينتقل مركز الثقل في وعي الذات لوجودها الزمني إلى المستقبل لأنه – على أية حال – لا يمكن أن يكتسب قيمته الفعلية إلا من خلال حضوره ، وحضوره يعني قلب معطيات الحاضر بالنسبة إلى الذات [32] .

        وقد لا يقع التصور بالنسبة للزمن المقبل على أنه من المستقبل القريب الذي يمكن أن يتوقع حدوثه ، أو يمكن للمخيلة أن تتنبأ بوصف ملامح حوادثه أو هيأته ، فقد يخرج الزمن المتخيل عن نطاق الوصف المادي للأشياء والأحداث حيث لا يكون الوصف هنا من خلال معطيات وجودية تنقلها وقائع التجربة المعيشة في العالم السفلي ، إنما تبتعد الذات بمخيلتها إلى وصف أحداث سوف تقع خارج الزمن الكوني ، عندما يعن للذات أن تتأمل بعيدا خارج حدود واقعها ، فتنتقل بالزمن من غدها القريب إلى غد مجهول لا يمكن أن تتكهن بموعد أوانه ، هذا ما يحاول أن يصفه لنا أمية بن أبي الصلت من خلال تأملاته الذاتية لحوادث يوم القيامة .

                ويوم موعدهم أن يحشروا زمرا       يوم التغابن إذ لا ينفع الحـــــذرُ

                مستوسقين مع الداعي كأنهــــــم       رجل الجراد رفته الريح تنتشرُ

                وأبرزوا بصعيدٍ مستوٍ جــــــرزٍ       وأنزل العرش والميزان والزبرُ

                وحوسبوا بالذي لم يحصه أحـدٌ        منهم وفي مثل ذاك اليوم معتبرُ

               فمنهم فرحٌ راض ٍ بمبعثـــــــــه        وآخرون عصوا مأواهم السقــرُ

               يقول خزانها ما كان عندكــــــم        ألم يكن جاءكم من ربكم نـــــذرُ

               قالوا بلى فأطعنا سادة بطـــروا         وغرّنا طول هذا العيش والعمرُ [33]

      إذا كان الزمن الماضي بمعطياته الوجودية يمكن من خلاله أن نرسم زمنا متوقعا بالنسبة للمستقبل إلا أن الذات يمكن لها أحيانا وضع تصور زمني للمستقبل يخلو من كل معطيات حسية تنتمي إلى الزمن الماضي أو الحاضر ، فابن أبي الصلت يتصور في تأملاته كيف يمكن أن يكون يوم التغابن ( يوم القيامة ) ، فهو يصف أحداثه كمن رآها رؤي العين ، على أن هذه الرؤية وإن كان استمد معظم مكوناتها من آيات القرآن الكريم أو من غيره من الكتب السماوية التي اطلع عليها إلا أن إعادة صياغة هذه الحوادث وفق رؤية الشاعر الخاصة لا تنتمي إلى أحداث زمن واقعي يمكن معايشة تجربته ، فتكون هذه التجربة تجربة خاصة قائمة على الوعي المؤول للصور والأحداث التي تنتمي إلى عالم الفكر أكثر من انتمائها إلى الوجود .

        إن مثل هذا التبصر في زمن متخيل ليس له شبيه على أرض الواقع قائم على الوعي والتأمل في عوالم ليس لها وجود هو زمن روحي مرتبط بالذات الحالمة المتأملة ، ولا علاقة له بالزمن الكوني أو زمن الحياة ، وكأنه نوع من الهروب بالذاكرة إلى زمن آخر وعدم الرضوخ لمعطيات الزمن المعيش أو البقاء في دوامته ، وإن رغبة النفس في هذا النوع من الخروج على الزمن هي حاجة ملحة تنتاب النفس الإنسانية للمضي بعيدا عبر زمن الحياة إلى زمن آخر مثالي خال من انشغالات العصر وهمومه ومساوئه ، وربما كان الشاعر أقدر على أن يعيش هذا النوع من الحلم القائم على تفكيك مركبات الأزمنة من التراتب والتعاقب إلى عالم لا يحكمه نظام الزمن .

         إن الزمن الشخصي بالنسبة لحياة شاعر لا يقوم على تجربة الراهن أو المعطى من تجربة الحياة ، وإنما هو زمن شعوري محكوم بما يطغى على الصعيد النفسي من تأملات الفكر ، وهذا التأمل لن يظل حبيس اللحظة الزمنية الراهنة ، أو مقيدا بقيود الماضي والحاضر من واقع التجربة بل هو كسر لقيد الزمن وإكراه على التحرر من الوجود ، وهذا الانعتاق الزمني هو حدس مشروط بدرجة من الروحانية التي لا تتأتى إلا عن طريق حكمة فيلسوف أو فلسفة شاعر .

       وفي تجربة مشابهة لتجربة أمية بن أبي الصلت يذهب لبيد بن ربيعة إلى وضع تصوره الخاص عما يحمله ذلك اليوم من أحداث سوف تقع للإنسان ، وهي أحداث استمد الشاعر معظم تصوراتها مما تكشف بين يديه من محصلة اطلاعه على آيات الذكر الحكيم التي جعلها مقياسا للتأمل في القدرة الإلهية ، إلا أن فلسفة الشاعر تكمن في الخروج من نطاق التجربة الواقعية في الحياة اليومية إلى تجربة لا يمكن أن تقع إلا في عالم التصور الذهني لزمن مقبل ، لا يمكن التيقن بتفاصيل وقائعه إلا من خلال مخيلة شاعر يرسمها وفق فلسفته الذاتية ووعيه الخاص .

              إنما يحفظ التقى الأبـــــــــرارُ        وإلى الله يستقر القــــــرارُ

              وإلى الله ترجعون وعنـــــــــد       الله ورد الأمور والإصدارُ

              كل شيء أحصى كتابا وعلما        ولديه تجلت الأســــــــرارُ

               يوم أرزاق من يفضل عـــــمّ        موسقات وحفّلٌ أبكـــــــارُ

              فاخرات ضروعها في ذراهـا        وأناض العيدان والجبـــارُ

              يوم لا يدخل المدارس فـــــي        الرحمة إلا براءة واعتذارُ [34]

      إن الزمن يدرك في الوجود عن طريق مساراته المتكونة في تجربة الحياة ، وعندما ينعتق الزمن من هذه التجربة المعيشة فإن مسار الزمن يخرج من إطار تراتبيته المعهودة لأنه لم يعد يمثل لحظة من لحظات تجربة الحياة ، وهكذا فإن أبعاد الزمن تتحقق من خلال حضور الكائن المتزمن فيها بطابعه الذاتي الوجودي سواء كان ماضيا متحقق الحضور ، أو حاضرا آنيا ، أو مستقبلا يحمل إمكانية الحضور ، لكن انفصال الذات عن هذه الأزمنة المتعاقبة والذهاب إلى أبعد من إمكانية حضور مقبلة يحمل طابعا ميتافيزيقيا قد لا يتعلق بوجوده الإنساني في مسيرته الحياتية .

      إن تصور ما يمكن أن يكون عليه الشيء تصورا مستقبليا وفق منظور الذات قابل للحدوث مع اللحظة الزمنية المرتبطة بحقيقة الوجود الإنساني ، فآفاق الزمانية في مثل هذا الوجود الإنساني تنفتح على التواجد الوقائعي مع الوجود الحاضر وأفق المستقبل ، وهذا التواجد المرتبط بحالات الوجود الإنساني هي التي تمثل حقيقة الزمانية ، فالموجود الإنساني ليس هو الزمان لكنه الزمانية بأبعادها الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل ، لأن الإنسان مرتبط بجزء من الزمان هو زمانيته الخاصة في أبعاده الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل ، والخروج من هذه الزمانية المقيدة إلى زمن كلي مطلق هو انفكاك ذاتي من ظاهرة الزمن الوجودي إلى زمن روحي يمضي إلى ما هو أبعد من التأمل في المستقبل القريب .

       إن هذا النوع من التأمل فيما وراء الزمن لا يمكن أن يكون في ماهيته خيالا أو وهما أو ابتعادا عن الحقيقة ، فليس مشكل الحقيقة – كما يرى بول ريكور – كونها انسجاما منطقيا داخليا وتوافقا مع نظام خارجي للأشياء ، بمعنى أنه ليس مشكلا ابستمولوجيا بقدر ما هم مشكل أسس يتعلق بضرب من الوجود الذي نستند إليه ، لأن هذا العالم قائم على محسوسات ، والوعي المتأمل في الظواهر قد يخرج في تصوراته عن واقع هذه المحسوسات ، فالموضوعات العلمية هي تحديدات مخصوصة لهذا العالم المحسوس ، ولكن هذه الموضوعات العلمية التي تقوم على امتصاص المحسوس في التجربة لا يمكن أن ينظر إليها على أنها نفي لما سواها ، وإن كانت تمثل مرجعا وشرطا وجوديا للخصوصية العلمية [35] .

       إن لبيد بن ربيعة يتأمل في زمن خارج عن حدود التصور ، فهو يذهب إلى التأمل في القدرة الإلهية على جمع البشر وإحصاء أعمالهم وانكشاف أسرارهم بين يديه ، ومحاسبتهم على ما اقترفت أيديهم في الحياة الدنيا ، فالمؤمن الذي ينال الفضل تكون أرزاقه وفيرة وخيراته كثيرة ، أما الضال عن الطريق فلن يدخل في رحمة الله ، هذا التأمل في الملكوت الإلهي من لدن الشاعر الحكيم يخرج به من إطار الزمنية المقيدة بحضور معين إلى زمن ليس له حضور ، وربما ليس له وجود زمني لأنه سيكون خارج إطار الزمن ، وستكون مهمة الشاعر المتفلسف أن لا يقبل البقاء في ديمومة زمنية قائمة على التراتب والتعاقب ، بل الإقلاع بعيدا إلى مواطن محرمة على الفكر المستقر على حالة الانجماد لأن فينومينولوجيا الوعي الباطن لا تنقاد بصورة أولية لتموجات زمنية لا تستوعب أكثر مما يمكن أن يقع في الحياة اليومية القائمة على الرتابة .

      وفي تلقائية التعامل مع الزمن كمحصلة لتجارب وأحداث تتوالى قد تتحصل الذات الواعية على إمكانية قراءة الأحداث في سيرورتها نحو المستقبل ، فهذه الذات تنظر بعين الحكمة إلى مجريات الأمور في تعاقبها الزمني ، ومن خلال واقعها المعيش تستمد منها آلية النظر إلى ما هو قادم بمنظار الحكمة الذي يقدر الأمور ويقيسها وفق محصلة التجارب وخبرة الحياة ، هكذا يقرأ لبيد مصير الإنسان المحتوم الذي يجهل قدر أمره ، ويدع عقله في غفلة عما يجري حوله من أحداث تجره نحو الهاوية دون أن يلتفت إليها أو يتفطن لها .

              أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم       بلى كلّ ذي لبّ إلى الله واسلُ

              ألا كلّ شيءٍ  خلا الله باطـــــــــــــلُ       وكلّ نعيمٍ لا محالة زائـــــــلُ

              وكلّ أناسٍ سوف تدخلُ بينهــــــــــم        دويهيّة تصفرّ منها الأنامـــلُ

              وكلّ امرئٍ يوماً سيُعلم سعيـــــــــهُ        إذا كشفت عند الإله المحاصلُ [36]

        إن محصلة تجارب الإنسان في تعامله وتفاعله مع الحوادث عبر الزمن سيجعله في النهاية قادرا على أن يقرأ ما يمكن أن يقع في المستقبل من أحداث ، فخلاصة هذه التجارب تمنح الحكمة للذات الواعية التي تصبح قادرة على توقع ما يمكن أن يكون وفق ما هو كائن ، فكل لحظة من لحظات الوعي ستحددها علاقات داخلية مرتبطة بالمستقبل ، هذه العلاقات هي تنظيرات حسابية عقلية تكون ثمرة نتائجها أحداث مستقبلية سوف تقع ، لأن مقدمات وقوعها قد حدثت بالفعل ، ولأن لبيد بن ربيعة مر بتجارب كثيرة على امتداد حياته الطويلة فهو يعلم أن أشياء متماثلة في مقدماتها ستكون متشابهة في نهاياتها ، ولذلك هو متيقن من أشياء معينة ، فمثلا ( كل نعيم لا محالة زائل )  ففي ذلك إعلان صريح بأن لا نعيم يبقى على الدوام ، وقد حصل لبيد على هذه النتيجة المستقبلية المحتومة من خلال قراءته للأيام وأحداثها عبر الزمن ، وكذلك هو يعلم يقينا أن كل أناس سيتعرضون إلى داهية عظيمة ربما تكون بمثابة ابتلاء لهم في الحياة الدنيا ، وبعد ذلك فكل إنسان سيعطى في نهاية الأمر ثمار محصلة أعماله ، لأن محصلة هذه الأعمال ستنكشف بين يدي الإله .

       إن منظور الذات الواعية في قراءة المستقبل تجري من خلال المكشوف من الأحداث ، ولأن كل شيء لا بد أن يكون له مستقبل فإن الذات ممكن أن تجعل ( ما لم يوجد بعد ) موجودا مدركا ، وكأنه استكمل مكونات وجوده ولم يتبق له إلا مسافة ضئيلة ليظهر إلى حيز الوجود ، لأن علامات المعيش الحاضرة دلت على حضوره حتما وإن لم يقع حضوره فعلا ، وإن شكل هذا الحضور لم يتحقق رؤي العين إلا أنه تحقق في الوعي المدرك لمستقبل الأشياء والأحداث ومبررات وجودها وديمومتها وفنائها .

      ولهذا فإن بول ريكور يرى أن السردية ومنها تجربة الشعر هذه بإفلاتها من هاجس الصراع بوجه الموت تفتح تأملا ما بالزمن في أفق آخر غير الموت على مشكلة الاتصال ليس فقط بالموجودات الحية بل بالمعاصرين السابقين واللاحقين ، وهو يقر بوجود نوعين من الزمانية ، الأول : زمانية الوجود في العالم مع الآخرين ، والثاني : الزمانية العميقة التي يكمن مضمونها في محاولة حل لغز الموت والأبدية ، وعليه فهناك نوعان من المرجعية ، الأولى : يشير بها النص السردي إلى واقعه المباشر ، والثانية : هي بنية الزمانية التي يتولى فيها الإجابة على معضلة معيشة ينقلها المخيال الاجتماعي ، ومن هنا فإن التاريخية هي استدعاء الزمان للتفكير بالوجود ، ولكن لا الوجود الفردي بل الوجود في العالم مع الآخرين بكل غناه الدلالي والتأويلي [37]

      إن الوجود يسير بخطى نحو المستقبل ، وإن لم تتحقق كينونة المستقبل لكنه – على أية حال – كائن ، وبما أن الذات الواعية يمكن أن تتبنى موقفا معينا من هذه الكينونة المستقبلية ، فإن هذا الموقف يسجل لمصلحة الذات في امتلاك القدرة على التأمل والاستنتاج واستخلاص العبر منها ، فهذه الذات المميزة يمكن أن تصف لي ما ينتظرني ، وتمنحني ميزة الالتحاق بالمستقبل وأنا أعيش في كينونة الحاضر ، فالحضور تجاه الوجود – في منظور حكمة الشاعر – هو أبعد من الوجود ذاته .

      ونلحظ دائما في تأملات الشعراء لقضية الحياة والموت هذه النظرة المستقبلية لفناء الجسد في صراعه مع آلام الحياة من أجل البقاء ، لكن فلسفة الذات الواعية تميل دائما إلى عد هذه الحياة محطة عبور إلى عالم آخر يكون المصير فيه مجهولا ، فلا تكون صورة الحياة في نظر هذه الذات إلا منهلا يستقي منه الدروس والعبر لاستقبال المصير المحتوم ، وقد أعد له عدته ، هكذا يرى عبده بن الطبيب الحياة طريقا مؤديا إلى نهاية معلومة ، وهي نهاية يتمثلها الوعي من خلال واقع الحياة وتجاربها ، واستجلاء النفس الإنسانية في هذا الوجود الذي يسير بخطى حثيثة نحو النهاية المعلومة والمستقبل المجهول .

               ولقد علمتُ بأن قصري حفرةٌ         غبراء يحملني إليها شرجــعُ

               فإن قضيتُ إلى سبيلي فابعثوا         رجلا له قلبٌ حديدٌ أصمــــعُ

               إن الحوادث يُخترقن وإنمـــــا         عمر الفتى في أهله مستودعُ

               يسعى ويجمع جاهداً مستهتراً          حدّاً ليس بآكلٍ ما يجمــــــــعُ

               حتى إذا وافى الحمام لوقتـــه         ولكلّ جنبٍ لا محالة مصـرعُ

               نبذوا إليه بالسلام فلم يُجــــب         أحداً وصمّ عن الدعاء الأسمعُ [38]

       من البديهي أن الوعي يتمثل من خلال قصد الشعور نحو موضوع معين ، وهو لا يتمثل إلا من خلال هذه القصدية وفق المنظور الفينومينولوجي ، واتجاه الوعي إلى الشعور بقصر مساحة الحياة وقلة شأنها ، لأنها لا تضمن للبشر الخلود فيها هو توجه نحو واقعية الوعي في تطلعه للتأمل بتحولات هذا الوجود في العالم الخارجي ، التأمل في مصير الإنسان وحتمية فنائه لأنه يتمتع بهذه الحيوية وليس جلمودا كالصخر ، وهذا التأمل في الطبيعة الإنسانية التي تنقاد إلى مصير محتوم هو الهلاك هذا التأمل وإن كان يأتي بشيء من الانفعالية إلا أنه يشير إلى وعي تام بطبيعة النفس البشرية التي تخشى أن تنقاد إلى مصير لا مفر منه هو العودة إلى رحم الأرض التي جاء منها ، في حفرة غبراء محمولا على شرجع وهي أعواد تحمل على الأكتاف ، لذلك ينظر عبده بن الطبيب هذه النظرة المستقبلية إلى ما سوف يصار إليه مصيره من حتمية الفناء بعيدا عن الأهل والصحب لا يسمع نداءهم ولا يجيب دعاءهم .

       وعي الشاعر في لحظة القصدية تلك يتجه إلى التأمل في لحظة الموت ، وهي لحظة زمنية مستقبلية تعقب مسيرة الحياة ، لذا لا يمكن لهذا القصد أن يكون هو الفعل لأن الفعل مرتبط بحالة مستقبلية لم تحضر بعد ، فالشاعر يتأمل في الفعل الذي سيقوم به  مستقبلا ، وهو يتصور هذا الفعل تصورا ، لأنه بعد أن يولج في حفرته سيكون قد أصم عن سماع النداء ولا يسمع تسليم أصحابه عليه ، وإن كان المستقبل يعني – في تصوره الوجودي – إمكانية الحضور إلا أن هذا الحضور سيشكل واقعا وجوديا للذات في العالم المستقبلي ، أما عدم الحضور الواقعي بسبب الفناء فإن هذا يدل على أن المستقبل قد يكون دالا على إمكانية الغياب عن الوجود .

     وقد ذهب هيدغر من خلال كشفه عن يومية الدازاين ( الكائن الإنساني المقذوف في العالم ) إلى الكشف عن كينونته نحو الموت ، بما أن الحس العمومي للكائن في يوميته أنه يعرف الموت بوصفه عارضا يحدث باستمرار ، وهو يعرض بوصفه حدثا معروفا يطرأ داخل العالم ، وقد يبقى في نطاق ( ما لا يلفت النظر ) الذي يعرض لنا في كل يوم نظرا لتكراره ، وإن واقعية الدازاين تذهب إلى الاعتقاد أنهم يموتون في النهاية يوما ما ، ومن شأن تحليل ( أنهم يموتون ) أن يرفع النقاب – على نحو لا لبس فيه – عن نمط الكينونة الخاص بالكينونة اليومية نحو الموت ، وهذه سوف تُفهم من ضمن كلام كهذا الوارد عن عبده بن الطبيب ، ولكنه لأول وهلة لا يزال بالنسبة إليه غير قائم بعد ولا يشكل تهديدا ، والكلام المميز لذلك إنما يعبر عن الموت بوصفه حالة تعرض باستمرار ، وهو يقدمه بوصفه فعلا قادما ، لكنه يسدل الستار على طابع الإمكان المستقبلي الذي سيكون له [39].

       وكذلك يقترب باشلار من هيدغر في رؤيته للوجود الإنساني الذي يكون دائما في حالة تخارج ( أي الوجود الإنساني بوصفه مشروعا مقذوفا به في العالم ) ، حيث أنه يبقى خارج ذاته متجها نحو الوجود لينفتح عليه في تكشفه وظهوره ، بمعنى أن الإنسان يتخطى أو يتجاوز نفسه ليبقى في حقيقة الوجود ، فهو لا يمثل ذاتا إلا من خلال وجوده في الانفتاح الذي يتعرض فيه لكشف الموجودات ، وهو يعيش في حالة فهم الوجود على ضوء إمكانيات وجوده ، ومن خلال القدرة على الوجود في العالم الذي قذف فيه ، وهذا يؤكد دور الزمانية في تحليل هيدغر لعملية الفهم أي دور المستقبل في كل عمل يقوم به الإنسان ، فالوجود الإنساني ( الكائن ) يستبق ذاته إلى أقصى إمكانياته لفهم الوجود واكتشاف حقيقته ، حتى لو تخطى في اكتشافاته حقيقة المضي إلى أبعد من وجوده في هذا العالم في توجهه نحو الموت [40] .

      وقد أصبح الوعي – من خلال مفهوم القصدية – هو المسار الوجودي الذي ألغى كل إمكان قبلي لوجود الأشياء في ذاتها ، فلم تعد هذه الأشياء تحمل أي استقلالية عن وعي الذات المدركة لها ، على الرغم من إقرار هوسرل بأن هناك وجود واقعي متمثل بديمومته الموضوعية الخارجية التي تتغير بحسب نوع المعطى الواقعي وأدواره الزمنية غير المتصلة ، إلا أنه يرى أن هناك ديمومة داخلية تتمثل بديمومة الشيء في الوعي ولها أدوار زمنية ، وهي ليست محض ارتباط متصل من الأفكار بل هي وحدة وعي واحد ، وفيها تقوم وحدة وعي قصدي يمثل الجوهر ذاته بمعناه الموضوعي المحايث للوعي ، فكل هذه المعطيات الشعورية المنتمية لقصدية الذات في توجهاتها المتأملة بحسب أدوارها الزمنية تتمثل بديمومة ذاتية متصلة لكنها تتغير بحسب المعطى الخارجي لها من الواقع المفروض عليها ، إلا أنها لن تخرج عن إطار الذات الواعية في لحظاتها الزمنية المختلفة .

خاتمة :

      يتمثل الزمن في وعي الشاعر المخضرم في لحظة التقائه بالعالم حينما يكون الوعي محتشدا بجملة الانفعالات التي تصور أهمية الزمن من خلال شعور الذات الواعية ، لأن المنهجية الفينومينولوجية ركزت على حضور الأشياء تجاه الذات ، فينكشف الزمن بأبعاده المختلفة ( الماضي والحاضر والمستقبل ) بما يتجلى في صحيفة الذات من إحساس بتقلبات الزمن وآثاره عليها ، عن طريق حضوره في دائرة الوعي المدركة للأحداث المتغيرة في الوجود .

      وتلجأ الذات إلى استحضار الزمن الماضي حينما يكون مرتبطا بما يعتمل في نفس الشاعر من إحساسات تحيل إلى التذكر لأحداث جرت في السابق ، تمثل محطات توقف مهمة في تاريخية الذات ، فتلجأ إلى مخزون الذاكرة لاستعادة ذكريات الماضي لأهميتها في بناء هويتها على الدوام ، وتمسكها بصورة الماضي الذي يمثل فخرا واعتزازا بما كانت عليه في السابق ، لترسخ لها وجودا فاعلا ومؤثرا في الواقع المعيش في ظل متغيرات الزمن ، وهي رغبة الذات في استحضار كينونة سلفت من أجل إعادة بنائها عن طريق بعد زمني له قيمته المستمدة من عمق الماضي الذي يمثل تاريخية الذات .

       أما الزمن الحاضر فيتعلق بفاعلية الذات في لحظة حضور الحدث ، وغالبا ما يتمثل في وعي الشاعر من خلال الشكوى من الوجود ، إذ يتمثل الزمن الحاضر في تلك اللحظات الوجودية المرتبطة بمعاناة الذات في اللحظة الراهنة ، وهكذا يكون الزمن الحاضر قرين الذات لأنه يتمحور حول وجودها وانشغالاتها وهمومها ، فيتمثل في خطابها في لحظة الوعي المدركة لمجريات الأحداث الممتزجة بسيل المشاعر التي تطغى على سطح الذات بسبب المعاناة من وقع الزمن عليها ، فيمتلئ خطاب الذات حضورا بائسا في أجواء النص وتشكلاته .

       ولا يتوقف تأثير الزمن على الذات الشاعرة من خلال أحداثه الماضية والحاضرة فحسب ، إنما يكون للمستقبل الحاضر ذهنيا في وعي الذات آثاره السلبية أو الإيجابية عليها ، من خلال انعكاساته المباشرة في لحظة المواجهة بينها وبين ما يمكن أن يقع لها على حساب السيرورة الزمنية وما سوف تأتي به من أحداث ، فتمتلئ الذات بمشاعر الخوف والقلق من اللحظة الزمنية القابلة ، وينطلق خطاب الذات كاشفا عن حالات النفس المتوقعة التي يمكن تبينها من خلال القراءة والتأويل الفينومينولوجي لأنساق الزمن المختلفة في وعي الذات المدركة لسلسلة الأحداث المرتبطة بتاريخيتها الزمنية وانتقالاتها بين ما كان وما هو كائن وما يمكن أن يكون .

      ويمكن الوصول إلى الفهم الصحيح لما يمثله الزمن في وعي الذات وآفاق المعنى المرتبط بتشكلاته في الخطاب الشعري عن طريق التأويل الذي يعد المفتاح السحري لفهم النص ، وضرورته القصوى في الكشف عما يخفى من المعاني التي لا يظهرها النص إلا من خلاله ، بحيث يصير النص تجربة وجودية شاملة لأننا لا نتلقاه بشعور فارغ ، وإنما نتلقاه من خلال إحساسنا بالعالم من حولنا ، وما يثيره فينا من محفزات لهذا الإحساس فيجعلنا ندرك الوجود ونفهمه من خلال انفتاحنا على النص وعلى العالم معا .

المصادر والمراجع :

  1 – أسئلة الحقيقة ورهانات الفكر ، مقاربات نقدية سجالية : علي حرب ، دار الطليعة للطباعة والنشر ، بيروت ، ط1 ، 1994 .

2 – تعالي الأنا موجود : جان بول سارتر ، ترجمة وتقديم : د. حسن حنفي ، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت 2008 .

3 – جاستون باشلار جماليات الصورة : غادة الإمام ، التنوير للطباعة والنشر ، بيروت ، ط1 ، 2010 .

4 – دراسات في الفلسفة الوجودية : د. عبد الرحمن بدوي ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، ط1 ، 1980 .

5 – ديوان أبي محجن الثقفي ، لأبي هلال الحسن بن سهل ، مطبعة الأزهار البارونية بمصر .

6 – ديوان أمية بن أبي الصلت ، جمع وتحقيق : د. سجيع جميل الجبيلي ، دار صادر ، بيروت ، ط1 ، 1998 .

7 – ديوان حميد بن ثور ، تحقيق : عبدالعزيز الميمني ، دار الكتب المصرية ، 1951 .

8 – ديوان الخنساء ، تحقيق : د. أنور أبو سويلم ، دار عمار للنشر والتوزيع ، عمان ، الأردن ، ط1 ، 1988 .

9 – ديوان الشماخ بن ضرار الذبياني ، حققه وشرحه : صلاح الدين الهادي ، دار المعارف ، مصر ، 1968 .

10 – ديوان العباس بن مرداس السلمي ، جمعه وحققه : د. يحيى الجبوري ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، ط1 ، 1991 .

11 – ديوان كعب بن زهير ، شرح ودراسة : مفيد قميحة ، دار الشواف للطباعة والنشر ، السعودية ، ط1 ، 1989 .

12 – ديوان لبيد بن ربيعة ، د. حنا نصر ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، ط1 ، 1994 .

13 – الذات والحضور ، بحث في مبادئ الوجود التاريخي : ناصيف نصار ، دار الطليعة للطباعة والنشر ، بيروت ، ط1 ، 2005.

14 – السيمياء والتأويل ، دراسة إجرائية في آليات التأويل وحدوده ومستوياته : د. أحمد عمار مداس ، عالم الكتب الحديث ، أربد ، الأردن ، ط1 ، 2011 .

15 – شرح أشعار الهذليين : تحقيق : عبدالستار أحمد فراج ، مطبعة المدني ، مكتبة العروبة ، القاهرة .

16 – شعر الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم ، دراسة وتحقيق د. سعود محمود عبد الجابر ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، ط1، 1984 .

17 – شعر عبدة بن الطبيب : د. يحيى الجبوري ، دار التربية للطباعة والنشر والتوزيع ، بغداد ، 1971 .

18 – الفلسفة وقضايا اللغة ، قراءة في التصور التحليلي : بشير خليفي ، الدار العربية للعلوم ناشرون ، بيروت ، منشورات الاختلاف ، الجزائر ، ط1 ، 2010 .

19 – الفينومينولوجيا المنطق عند إدموند هسرل : يوسف سليم سلامة ، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت ، ط1، 2007 .

20 – الكينونة والزمان : مارتن هيدغر ، ترجمة : د. فتحي المسكيني ، دار الكتاب الجديد المتحدة ، بيروت ، ط 1 ، 2012 .

21 – الكينونة والعدم ، بحث في الأنطولوجيا الفنومينولوجية : جان بول سارتر ، ترجمة : د.نقولا متيني ، المنظمة العربية للترجمة ، بيروت ، ط1 ، 2009 .

22 – مالك ومتمم ابنا نويرة : د. ابتسام مرهون الصفار ، مطبعة الإرشاد ، بغداد ، 1968

23 – مفهوم الزمان والمكان في فلسفة الظاهر والحقيقة ، دراسة في ميتافيزيقا برادلي : د. محمد توفيق الضوي ، منشأة المعارف بالاسكندرية ، مصر .

24 – من نظرية المعرفة إلى الهرمينوطيقا ، د. مجدي عزالدين حسن : دار نيبور للطباعة والنشر والتوزيع ، العراق ، ط1 ، 2014 .

25 –  النظرية التأويلية عند ريكور ، حسن بن حسن : دار تينمل للطباعة والنشر ، مراكش ، ط1 ، 1992 .

26 –  الهوية والزمان ، تأويلات فينومينولوجية لمسألة النحن : فتحي المسكيني ، دار الطليعة للطباعة والنشر ، بيروت ، ط1 ، 2001 .

27 – الوجود والزمان والسرد ، فلسفة بول ريكور ، تحرير : ديفيد وورد ، ترجمة : سعيد الغانمي ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، ط1 ، 1991 .

[1] – ينظر : الكينونة والعدم ، بحث في الأنطولوجيا الفنومينولوجية : جان بول سارتر ، ترجمة د.نقولا متيني ، المنظمة العربية للترجمة ، بيروت ، ط1 ، 2009  : 169 .

[2] – شعر الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم ، دراسة وتحقيق د. سعود محمود عبد الجابر ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، ط1 ، 1984 : 44 .

[3] – ينظر : الكينونة والعدم : 170 .

[4] – ينظر : المصدر نفسه : 170 .

[5] – ينظر : من نظرية المعرفة إلى الهرمينوطيقا ، د. مجدي عزالدين حسن ، دار نيبور للطباعة والنشر والتوزيع ، العراق ، ط1 ، 2014  : 326 .

[6] – ينظر : المصدر نفسه : 273 .

[7] – ديوان العباس بن مرداس السلمي ، جمعه وحققه : د. يحيى الجبوري ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، ط1 ، 1991 : 35 – 36 .

[8] – ينظر : الفلسفة وقضايا اللغة ، قراءة في التصور التحليلي ،  بشير خليفي ، الدار العربية للعلوم ناشرون ، بيروت ، منشورات الاختلاف ، الجزائر ، ط1 ، 2010  : 32 .

[9] – الكينونة والعدم : 180 .

[10] – ينظر : الوجود والزمان والسرد ، فلسفة بول ريكور ، تحرير : ديفيد وورد ، ترجمة : سعيد الغانمي ، المركز الثقافي العربي ، الدار البضاء ، ط1 ، 1991 : 28 .

[11] – ينظر : الهوية والزمان ، تأويلات فينومينولوجية لمسألة النحن ، فتحي المسكيني ، دار الطليعة للطباعة والنشر ، بيروت ، ط1 ، 2001  : 27 .

[12] – ديوان الخنساء ، تحقيق : د. أنور أبو سويلم ، دار عمار للنشر والتوزيع ، عمان ، الأردن ، ط1 ، 1988 : 256 – 257 .

[13] – ينظر : السيمياء والتأويل ، دراسة إجرائية في آليات التأويل وحدوده ومستوياته ، د. أحمد عمار مداس ، عالم الكتب الحديث ، أربد ، الأردن ، ط1 ، 2011  : 84 .

[14] – الكينونة والزمان ، مارتن هيدغر ، ترجمة وتعليق : د. فتحي المسكيني ، دار الكتاب الجديد المتحدة ، بيروت ، ط1 ، 2012 : 446 .

[15] – الكينونة والعدم : 176 .

[16] – ينظر : دراسات في الفلسفة الوجودية ، د. عبد الرحمن بدوي ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، ط1 ، 1980 : 107 – 108 .

[17] – ينظر : الذات والحضور ، بحث في مبادئ الوجود التاريخي ، ناصيف نصار ، دار الطليعة للطباعة والنشر ، بيروت ، ط1 ، 2005  : 9 .

[18] – شرح أشعار الهذليين ، تحقيق : عبدالستار أحمد فراج ، مطبعة المدني ، مكتبة العروبة ، القاهرة : 1165 – 1167 .

[19] – ديوان أبي محجن الثقفي ، لأبي هلال الحسن بن سهل ، مطبعة الأزهار البارونية بمصر : 16 – 17 .

[20] – ينظر : الفينومينولوجيا المنطق عند إدموند هسرل  ، يوسف سليم سلامة ، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت ، ط1 ، 2007 : 224 .

[21] –  ديوان الشماخ بن ضرار الذبياني ، حققه وشرحه : صلاح الدين الهادي ، دار المعرف ، مصر ، 1968 : 241 – 242 .

[22] – ينظر : الكينونة والعدم : 187 .

[23] – ينظر : مفهوم المكان والزمن في فلسفة الظاهر والحقيقة : 68 .

[24] – ديوان حميد بن ثور ، تحقيق : عبدالعزيز الميمني ، دار الكتب المصرية ، 1951 : 27 – 28 .

[25] – تعالي الأنا موجود : 34 .

[26] – ينظر : أسئلة الحقيقة ورهانات الفكر ، مقاربات نقدية سجالية ، علي حرب ، دار الطليعة للطباعة والنشر ، بيروت ، ط1 ، 1994 : 18 .

[27] – ينظر : الذات والحضور : 107 .

[28] – مالك ومتمم ابنا نويرة ، د. ابتسام مرهون الصفار ، مطبعة الإرشاد ، بغداد ، 1968 : 102 – 103 .

[29] – ينظر : الذات والحضور : 11 .

[30] – ديوان كعب بن زهير ، شرح ودراسة : مفيد قميحة ، دار الشواف للطباعة والنشر ، السعودية ، ط1 ، 1989 : 114 .

[31] – ينظر : الذات والحضور : 127 .

[32] – ينظر : الذات والحضور : 80 .

[33] – ديوان أمية بن أبي الصلت ، جمع وتحقيق : د. سجيع جميل الجبيلي ، دار صادر ، بيروت ، ط1 ، 1998 : 79 .

[34] – ديوان لبيد بن ربعة ، د. حنا نصر ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، ط1 ، 1994  : 76 – 77 .

[35] – ينظر : النظرية التأويلية عند ريكور ، حسن بن حسن ، دار تينمل للطباعة والنشر ، مراكش ، ط1 ، 1992 : 18 – 19 .

[36] – ديوان لبيد بن ربيعة : 145 .

[37] – ينظر : الوجود والزمان والسرد في فلسفة بول ريكور ( ديفيد وورد ) : 30 .

[38] – شعر عبدة بن الطبيب ، د. يحيى الجبوري ، دار التربية للطباعة والنشر والتوزيع ، بغداد ، 1971 : 50 – 51 .

[39] – ينظر : الكينونة والزمان : 454 – 455 .

[40] – ينظر : جاستون باشلار جماليات الصورة ، غادة الإمام ، التنوير للطباعة والنشر ، بيروت ، ط1 ، 2010 : 135 .


Updated: 2018-09-03 — 20:18

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme