تَـشْـكِيلُ الـلُّـغة و بناءُ الـصُّورة فــي مُوَشَّحـات الشُّشْتَرِي / مـحمد مـحجوب مـحمد عبد الـمجيد


تَـشْـكِيلُ الـلُّـغة و بناءُ الـصُّورة فــي مُوَشَّحـات الشُّشْتَرِي

د.مـحمد مـحجوب مـحمد عبد الـمجيد  أستاذ مساعد بقسم اللغة العربية وآدابها

كلية التربية ـ جامعة أم درمان الإسلامية (السودان)

مقال نشر  في  :مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية العدد 37 الصفحة 23.

      الملخص:

  يقوم هذا البحث بدراسة تـشـكيل الـلغة وبناء الـصورة فــي موشحـات أبي الحسن الشُّشْتَرِي،وخلص إلى أن لغته تميزت بالسهولة والبساطة،وكانت موافقة للذوق الأندلسي،وملائمة لطبيعة الملتقي،كما تنوع تشيكله اللغوي مابين التكرار وحشد الضمائر،فضلاً على عنصري التضاد والاشتقاق،وكلها كانت خادمة لشرح غايات التصوف،ومعبرة عنه فكره،وجاذبة لمريديه،كما برهن معجمه الشعري على تمركز شعوره ووجدانه حول بؤر:الفناء والإشراق والخمر والطبيعة،أما صوره فطغت عليها النزعة الحسية وطابع البساطة،كذلك تعددت أدوات بنائها “التشبيه والاستعارة والبديع”ومصادرها التي استقاها منها”البادية”،كما عمد إلى مراسلة الحواس وتحميلها غير وظائفها،وقد استطاع – إلى حد كبير- أن يشرح غايات ومفاهيم التصوف من جهة،وأن يرضي الذوق الأندلسي(جمهور العامة )من جهه ثانية.

الكلمات المفتاحية: الششتري – الموشحات الصوفية – اللغة- الصورة

المقدمة:

       يتكون هذا البحث من محورين،أما المحور الأول(تشكيل اللغة) فسنقوم فيه -بعد مناقشة موقف النقاد من لغة الموشحات-بتحليل جزئيات موشحات أبي الحسن الششتري([1])باعتبارها نصاً لغوياً ذا طابع صوفي/ فلسفي،واكتشاف العلاقات بين هذه الجزئيات،ومعرفة ما يهيمن علي النص( المعجم)،وأما المحور الثاني(بناء الصورة)فسنقوم فيه -بعد بيان ماهيّة الصورة-باختبار قدرة أدوات بنائها(التشبيه والاستعارة وغيرها)على توضيح غايات  التصوف وشرحها،دون إغفال لأدوات بناء أخرى(الرحى- الخيمة) ثم نختم البحث بالنتائج التي توصلنا إليها،فضلاً عن المراجع التي اعتمدنا عليها.

  1. تشكيل اللغة :

       تعتبر اللغة عنصراً أساسياً وركيزة مهمة في العمل الأدبي،فهي وسيلة الأديب في نقل أفكاره ورسم إحساسه وتصوير مشاعره،وهي أداته في التعبير عن موقفه تجاه الآخرين.

   اختلفت آراء النقاد وتباينت اتجاهاتهم إزاء لغة الموشحات،فكان أن وصفوها بالرقة والسهولة تارة، وبالضعف والركاكة تارة أخرى،يقول المرحوم الدكتور شوقي ضيف”وقد نحى الأندلسيون عن طريقهم الكلمات الغريبة التي لا تلائم حياتهم المتحضرة اللينة الرقيقة،مما جعل السهولة تشع في موشحاتهم، فكلماتهم دائماً من المعجم المألوف المزاج والذوق المهذب المصفى”([2])،وفي مقابل هذا الرأي يقول المرحوم الدكتور جودت الركابي”إن لغة الموشحات يغلب عليها الضعف والركاكة،وإنها في لينها وحريتها وائتلافها مع روح العامة قادت اللغة الشعرية إلى الركاكة وأساءت من هذه الناحية إلى اللغة العربية”([3])ونحن لا نميل إلى هذا الرأي،فالموشحة إذ تلقى على العامة فإنها تعوز السهولة في اللفظ،والرقة في التعبير،والوضوح في المقصد،والمباشرة في الخطاب،فلا داعي إذاً للتعقيد.وقد تنبه الوشاحون أنفسهم لذلك يقول ابن حزمون”ما الموشح بموشح حتى يكون عارياً من التكلف”([4])

   لم يكن الششتري بدعاً عن رصفائه الوشاحين،إذ حافظ- مثلهم-على بساطة اللغة وسهولتها،فلم يكن يتردى في حمئة التقريرية أو فجاجة العامية،بل كان الفصيح همه وغاياته.فالقارئ لأدبه يصعب عليه أن يجد لفظاً غريباً،أو كلمة حوشية،أو تعبيراً معقداً يحوجه إلى القاموس بحثاً عن معناه.كما تميزت موشحاته بتراكيب لغوية عديدة وظفها جميعها في التعبير عن إحساسه وتجربته ونقل فكره الصوفي إلى المتلقي(المريد)،ولعل أبرزها التكرار الذي خبئ في عبائته عدداً من الغايات التي تخدم مذهبه،كقوله:

يا طَالِبَاً رَحْمَةَ الله                 سَلِّمْ أمُورَكَ لله ([5])

وَقُلْ بِصِدْقٍ وَجِد                  الـلَّهُ الـــلَّهُ الـلَّه

   ويحقق التكرار- هنا- ثلاث غايات:الأولى”اعتقادية”وهي التي تقرر الإذعان والخضوع لله وحده،إذ لا ملجأ منه إلا إليه،والثانية “نفسية” أي ما يبعثه تكرار اسم الجلالة من طمأنينة واستقرار نفسي عند ذكره،أما الثالثة”فموسيقية”.والحق أن التكرار -في النص السابق -لا يناسب الإنشاد الديني عند الصوفية فحسب،بل يلهب حماسة المنشدين ويزيد عزمهم ويقوي ضربهم على الأرض.ومن غايات التكرار،شرح معاني التصوف وتوضيحها،بل وتقريبها إلى المريدين،مثل قوله:

القَلْبُ غَيْبٌ والرَّبُ غَيْبٌ             والغَيْبُ للغيبِ يُنْسَبُ([6])

    فالتكرار يشرح بيسر شديد معنى الغيب ويزيل عنه كل إبهام.وقد يأخذ التكرار جانبا تعليمياً إرشادياً:

وأنا إليَّ سَبَبُ تَعْذِيبي                     وأنا إليَّ سَبَبُ تَنْكِيدِي ([7])

وأنا إليَّ سَبَبُ تَقْرِيبِي                      وأنـا إليَّ سببُ تَبْعِيدِي

 فأفعال المرء هي التي تفضي به إلى نيل السعادة أو الشقاء،وهي من يبلغه الطريق الصوفي أو يضيعه عنه.

    ولما  كانت موشحاته تنزع -في مجملها- منزعا وعظيا إرشاديا فهي في حاجة إلى ملء الفم ورفع الصوت والجهر بالقول،وهذا توفره الجملة الإنشائية من أمر ونداء وغيره:

بالــله افهم سُؤالي                       وانتـبه يا حـبيب ([8])

وقُم أحي الليالي                      فجرُ وصلك قريب

واصـغِ واسمَعْ مقالي                 وارتجِع من قريب

  والأبيات إذ تستند إلى أفعال الأمر فإنها منزهة عن التعالي،بريئة من التكبر،بل هي مواعظ أبوية وإرشادات   قوامها قيام الليل ومراقبة النفس ومناهضة شهواتها،ودعوة للمريد بالجد في طلب العلم الحق الذي يبلغ به الأماني وينفي به الشِّرك،أي العلم الذي يقود صاحبه إلى التوحيد الخالص.

 ولا يفهم من حديثنا أن أفعال الأمر تنحو منحى الوعظ والإرشاد،فأحيانا تلزم الردع والزجر لا سيما في مخاطبة خصومه من الفقهاء:

أنت يا فقيه سَلِّم                                                      وافْهَمْ الرُّمُوز ([9])

واقتــدِ بمن يَعْلَم                       حَـلَّ ذي اللُغـوز

وادنُ مِنِّي تتعــلَّمْ                               كُـلَّ  ما تَعُوز

     ويقول -بحزم-إن الفقهاء عيال في حجر الصوفي،أو ناشئة تجلس على أرضه انتجاعاً لعلمه وطلباً لمعارفه،فهو من يوضح لهم الغامض،ويفك لهم اللغز،ويفهمهم الرمز،ولا يكتفي بذلك،بل يأمرهم بالدنو منه ليمنحهم كل ما يعوزوه.ومن النداء، قوله:

صـاحِ هذي الأســـرار                     قد اشعَلتْ في الحشا مني النار([10])

وقوله:                صاحِ لاح الصباحُ للحَبْرِ            نعـد لـيـلٌ دُجـاه كالِحْـبرِ([11])

    ويشعرك النداء بأدب جم وتواضع منقطع النظير،ففي قوله”صاح”إلغاء للحدود الفاصلة بينه وبين مريديه،ودعوة جادة وملحة لإقامة علاقة بينهما،مما يجعل المريد يرهف سمعه،ويهيؤ نفسه،ويفتح قلبه لكل ما يقول،بل يتلقاه كالموعود المنتظر.إما النهي فنصيبه كان ضنينا،لأن معانيه ذات طابع استعلائي،وهذا كاف ليشعر المريد بشيء من الدونية،كما أن صرامته قد توسع الفجوة بين الشيخ والمريد،فبدلاً من أن يأخذ بيده يغدو ناهياً  زاجرا.

   حرص أبو الحسن في معظم مطالع موشحاته على الأسلوب  الخبري إعلاما للمخاطب-وهو المريد في الغالب-بتجربته الصوفية ومراحلها وما اكتنفها من أحداث جسام،وأغلب الظن أن مقصده وراء ذلك “إثارة انفعال مشابه لدى المريد فتحقق بذلك المشاركة النفسية والوجدانية”([12]).فالمشاركة -إذاً-هي الخطوة الممهدة لسلوك الطريق الذي سلكه شيخه من قبل،ومن مطالعه الخبرية:

تغربتُ عن أوطاني                       لعلي أرى أوطــانك([13])

ومنها:           سكرتُ جوىً وبُحْتُ بشرحِ حالي          وقلتُ نعم عشقْتُ فلا أُبالي([14])

ونلاحظ أن معظمها ذو طابع يقيني، فهاك قوله:

قـد ظـهرت في مــرآتي                               عـند رمي لمـــنسآتي([15])

  ومن أدوات تشكيله اللغوي،حشده للضمائر،فها هو يقيم علاقة على هيئة مقابلة بين ضميري “الأنا”و”الأنت” أو بمعنى ثانٍ بين “الأنا” الإنسانية و”الأنت الإلهية”:

تَغَـرَّبْتُ عن أوطاني                                    لَعَـلِّي أرى أوْطَــانَك ([16])

وقد غَرَّنِي سُلْطَاني                                          لمـا هِمْـتُ في سُلْطَانِك

وَنُودِيت من جنـاني                                أحْفَظ سِرِّي من جنـانك

وتطرد ظاهرة تكرار“الأنا” في كثير من موشحاته،مثل:

أنا مـــا أنا خَلُّـــونِي                               أنـا فَـتَى الأنا لَمْ أبُوحْ ([17])

بالله يا أنا افْرغ عَنِّي                                      كَفَى ما جَرَى لي مِنَّكْ

     وعلو نبرة الأنا وطغيانها على النص قد يصدم القارئ،أو قد يجعله يعيد النظر في ما يعتقده المتصوفة لاسيما وهم يدعون الإيثار ونكران الذات والبعد عن الشهرة وذيوع الصيت.إذاً فما الذي دفعه لذلك؟.أغلب الظن أنه متأثر بمذهبه الصوفي- الوحدة المطلقة- الذي يَعُدُّ الـــ “أنا” و الــــ”نحن” شيئاً واحداً.ومما يقوي هذا الاعتقاد أنه يسقط الحجب والحدود بين ضميري “الأنا” و”الهو” فيغدو “الهو” عين “الأنا”،يقول أبو الحسن:

ومَالِي غَرِيمٌ إلا أنا                           بالله خَلِّصُوني مِـنِّي ([18])

   وقوله:

إنْ حُجِبْتُ عن ذاتي بالطِّين               فالغِنَي غِنَى الفَقِير يُدْنِينِي إليَّا عِنْدِي ([19])

    وأكبر الظن أن هذه الظاهرة اللغوية-ذات الطابع الاعتقادي-قد تسربت إليه خلال اطلاعه على التراث الصوفي لاسيما تراث الحلَّاج،الذي تكثر عنده هذه التعبيرات،على شاكلة قوله”فإن اختطفني مِنَّي، وليس يردني عَليَّ”([20]).

    أما البديع فلا يمكننا أن نقلل من أهميته كعنصر لغوي فاعل،فما يحتجنه من مزايا فنية قد تجعله كافياً لصنع عوالم أسطورية مناسبة للتجربة الصوفية،شريطة أن يفهم فهماً واعياً ومستوعباً،فإذا تجاوز التضاد- مثلاً-الجمع الساذج بين اللفظ ومقابله قد يكون قادراً على تحقيق الوحدة المطلقة التي يؤمن بها أديبنا،أعني التي تجمع بين الشيء ونقيضه في وقت واحد،كقوله:

خــــيْرُ مَــوْجُودْ                                 عـَابــدٌ وَمَــعْبُــودْ ([21])

لَيْـسَ بالـــمَفْقُودْ                           وَبِــمَحْوِى هـــُ إثْــبَاتِــي

وفي موضع ثانٍ يقول:

إنَّ في تَحْلِيلِي تَرْكِيبِي                                     ثُمَّ في تأسِيسِي تَخْرِيبِي ([22])

     فهو يؤمن باتحاد الأضداد والتآلف بينهما(عابد ومعبود،محو واثبات،تحليل وتركيب..)انطلاقاً من إيمانه بالوحدة المطلقة التي تقول بإمكانية الجمع بين النقائض عن طريق الغيب والحس.وبالتالي فليس بغريب إذاً أن يكون العابد معبوداً،والموجود مفقوداً،والتخريب تأسيساً،والتحليل تركيباً وبناءً. ويمزج بين ألوان مختلفة من البديع مثل :

كـم نهاك َالسرورُ والحـزْنُ               كم براك َالزمانُ والأينُ([23])

كم سـبــاكَ الدُّنو والـــبينُ                   انتبه كي تقَرَّكَ الــعينُ

كم تخبـَّطتُ في دُجى عُمْري     فـيه زيدٌ سما على عَمرو

     والقطعة تنوء بألوان وأشكال بديعية،كالتضاد بين(السرور)و(الحزن)،و(الدنو)و(البين)،والمجانسة بين(عمري)و(عمرو)،والجمع بين الزمان والمكان “الأين”،فضلا عن التكرار”كم”.ولا شك أن مثل هذا الامتزاج يخلق جواً فنياً صوفياً.

   ويستخدم نوعاً دقيقاً من الاشتقاق،نوعاً وجدنا إرهاصاته عند الحلاج أيضاً،لاسيما في أقواله التي كان يجذب بها الناس على شاكلة “غَيَّبْتُ أغْيَابِي”لذلك رأينا تسميته بالاشتقاق الصوفي.ومنه قوله”لم أجد بُدّاً من بُدِّي”،وقوله:”ومَرْقُومُ الأرَاقِم”،و”مَوْجُود الوجود”،و”مُنَوِّر الأنوار”([24])ولهذا الاشتقاق قيمة عظيمة،إذ يصطنع علاقات لغوية غريبة،تثير الفضول وتدعو إلى التساؤل.

  لم يكن بمقدور الششتري- رغم تطوافه الطويل في معظم بلاد المشرق- أن يتخلص من الخصائص المحلية للهجته الأندلسية التي كان حضورها قوياً في معظم موشحاته،ولعل أبرزها،قصر الممدود، مثل:

أيا محلَ الجودِ يا قُطْبَ الوَفَا                    يا سالكاً على طَرِيقِ الخُلَفَا([25])

    والقصر واضح في قوله”الوفا و الخلفا”.ومن خصائص اللهجة الأندلسية،أن المتكلم المفرد يكون فعله المضارع بالنون بدلاً عن الهمزة،مثل قوله:

                                 خمرى نشرب في ديري دون ثان([26])

فقوله “نشرب”يقصد به اشرب.وقد يقطع الكلمات قبل إتمامها، كأن يقول “هـُ” عوضاً عن هو،مثل:    أنــت يا محبوب هـُ الفَنَا                                ارفــعِ الحُـجْبَ بَيْـنَنَا([27])

   وكذلك كان يكثر من استخدام”لس”بدلاً عن”ليس”و”إش”بدلاً عن” أي شيء”،كما كانت موشحاته معرضاً للألفاظ الجاهزة والتعابير المحفوظة،على شاكلة”عُج على الأقداح،خلع العذار،ضربة لازم”وغير ذلك كثير.كما تدثر تشكيله اللغوي بحجاب من الغموض،مثل تتابع أحرف الجر على نحو غير مألوف، مثل:

                                          وَبـي مِنِّي لِي شَيٌء عَجِيْبُ([28])

   والحق أن مثل هذه التعبيرات تكثر عند المتصوفة،فقول الششتري أعلاه يشبه إلى حد كبير قول أبي علي السِنْدِي”كنت في حالٍ مِنِّي بِي لِي ثم صرت في حَالٍ مِنْهُ بِهِ لَهُ”([29]).ومع حرص أديبنا على سلامة اللغة وبساطة التعبير لم تسلم موشحاته من بعض الأخطاء اللغوية والنحوية،فضلاً عن فساد التعبير.فمن أخطائه النحوية قوله: أنا في الأنا لم أبوح([30])“وصوابها:لم أَبُـح”،وقوله:

                            فعندنا الصالحين                          لس يدخلوا الحمَّام ([31])

   وصوابها الصالحون،ومن ركاكة أسلوبه قوله:

                                    أنا في مـهرجان                  طول حياتي عمري([32])

     ولا يخفى على القارئ ما في الشطر الثاني من ركاكة وسطحية.يمكننا أن نقول إن حرص أبي الحسن الششتري على المعاني وصحتها أكثر من الألفاظ هو من أوقعه في شراك الأخطاء النحوية والتعبيرية.

كما خلت موشحاته من اللغة الرومانثية(اللغة الإسبانية الشعبية)،ولعل ذلك بسبب مريديه الذين ينتشرون في مصر والشام والمغرب،فمعظمهم مما لا قبل لهم بأعجمية الأندلس*.

المعجم الفني:

                يعرف المعجم بأنه “قائمة الكلمات المنعزلة التي تتردد بنسب مختلفة أثناء النص،فتردد بعض الكلمات بصيغة واحدة،أو بصيغة ذات دلالة واحدة لا بد أن تؤدي إلى دلالة ما”([33])وعلى ضوء هذا تفيد دراستنا من التكرار التراكمي للألفاظ بغية الوصول إلى كنه المعاني.فالأديب إذ يكرر ألفاظاً ومفردات ذات جذور واحدة أو معان قريبة،فإنه يصور جانباً لما يعتمل في نفسه ويجول في خاطر،مبيناً بذلك أي إحساس أو معنى يتمركز شعوره نحوه.فعن طريق المعجم الفني إذاً نستطيع أن نستبطن ذات الأديب،وأن نسبر غوره،وأن نتعرف على مكوناته الثقافية.وفق هذا التصور يمكننا أن نقول بلا استحياء إن المعجم الفني هو المرشد الحقيقي لكنه النص،والباحث الجاد عن حقيقته وهويته.بعد استقرائنا لموشحاته يمكننا أن نقسم معجمه الفني إلى عدة محاور،أو مواد لغوية:

الفناء:

      يحظى الفناء بمكانة كبيرة في دنيا التصوف فهو غاية الصوفي ومبتغاه الوحيد،والحق أن طريقه شاق ومضن بحيث لا يتيسر إلا للقلة القليلة،القلة التي نفضت عن نفسها كل الأغيار ونبذتها مكاناً قصياً، وأخذت نفسها بالمجاهدة والشدة حتى صفت روحها من درن الرغبات الإنسانية باستثناء الرغبة في الوصل والاتصال بالمطلق.إذاً من الطبيعي أن يأخذ الفناء طريقه إلى فكر الششتري وتصوره،مثلما أخذ طريقه إلى روحه.يعد لفظ “الفناء “أكثر الألفاظ دوراناً على لسانه،بل لا نعدو الحق إذا قلنا إنه يتعذر عليك أن تجد موشحة يخلو منه أو من الحديث عنه.ارتبط الفناء في معظم موشحاته بالبقاء ارتباطا وثيقاً ومنها:

                قوله:                         الفَانِي يَفْنَى وَتَبْقَى حَيَاتِي([34])

               وقوله  :                      وَمَنْ يَفْنَى يَبْقَى فَنَائِي بَقَاءُ([35])

  وأحيانا،بل أحيانا قليلة، ينفك ارتباطهما الوثيق ليبقى الفناء يحلق وحيدا،كقوله:فَافْنَى وَاتَّحِدْ([36])  وقوله: فَنَائي هُو سَمَائِي([37]).وأحيانا يغدو الفناء دينه الذي يعتقده،وإيمانه الذي يتمسك به:الفَنَا غَايَةُ الدِّيْنْ([38])،فالفناء يحلق في كل أفق يجوبه، ففي الأرض هو دينه الذي يؤمن به،وبستانه الذي يجول فيه ،وحبه الذي يتمسك به،وفي السماء هو مسرحه ومجال تطوافه.

الخمر.

      من المعروف أن ثمة فرقاً بين خمر المجان وخمر المتصوفة،فعند المجان هي وسيلة توأد بها آلام الحياة وطريقة تقصى بها الهموم،وسبيل يميتون به شعورهم باليأس والقنوط،بينما هي عند المتصوفة وسيلة للتعبير عن النشوة والترقي في سلم الوصول،وحقاً أن ثمة عنصراً مشتركاً بينهما ونعني هنا النشوة،لكن يظل الفرق قائماً والاختلاف مستمراً،فنشوة الماجن لحظية فانية ما تلبث أن تزول ليعود صاحبها إلى سيرته الأولى، بينما تظل نشوة الصوفي سرمدية لا تنقطع ولا تزول.

     استعار أبو الحسن إلى عالمه الصوفي كل عناصر الخمر،بل لم يترك عنصراً خمرياً إلا ودسه في تضاعيف نظمه،فكان الكأس والطاس،الورد والآس،الساقي والنديم،هو جسره وسلم وصوله للنشوة:

                    طّابَ نُقْلِي وَشَرابِي                          وَحَبِيبي اعْتَنَى بِي([39])

                   فَاعْذُرُوني يا صِحَابي                            في سُجُودي واقْـتِرَابِي

                    خَـمْرَةٌ رَقَّ شَذَاهــا                        كُلُّ نُورٍ مِنْ سَنَاها

                    قَامَ سَـاقِيــها سَقَاهَا              اجْعَـلُوها احْتِسَابِي

                    أنا سَكْرَانُ مِنْ هَوَاهُ                               ليس لي رَاحٌ سِوَاهُ

وتستدعي الأبيات كل ما يتعلق ببيئة الخمر،في نُقلها وزهرها،في لونها ورائحتها،في ساقيها ونديمها:

                    يا مُدِيرَ الرَّاحْ إسْقِينِي                         خَمْرَةَ الأرواحِ تُحْيِينِي([40])

                    فيها الأفْراحُ تـَـأتِينِي                وَتَزلْ عَــنِّي رَوَعاتِي

 وتصور الأبيات الخمر وتأثيرها في نفوس الشاربين.إذاً لم تدع موشحاته عنصراً خمرياً إلا استدعته،ولم تكتف بذلك،بل عمدت إلى إقامة علاقة لغوية بين أدوات الخمر وعناصر المحبة،فللأنس كأس وللمحبة كأس وللعشق كأس وللكمال كأس .

  الإشراق.

      يعتقد معظم فلاسفة المتصوفة بأهمية الإشراق،ويعدونه وثيق الصلة بالحقيقة والمعرفة،فالإشراق أو النور هو فيض يغمر قلب المريد ويشعره بدنو اللقاء،وهو أيضا قبس يقذف في نفوس المريدين ليهديهم سواء السبيل.لا يختلف الششتري عن رصفائه من المتصوفة،فغايته مثل غايتهم ورغبته مثل رغبتهم وأقصاها رؤية النور دليله وبرهانه،دليله لطريق الحقيقة،وبرهانه لبلوغ المعرفة، فمن الطبيعي إذاً أن يحشد لموشحاته الألفاظ الدالة على النور والإشراق التي يمكننا أن نقسمها إلى أفعال وأسماء ذات دلالات حقيقية ومجازية.أما الأفعال فأكثرها دورانا الفعل أشرق،الذي تأرجح بين المعنيين الحقيقي والمجاز،فمن الحقيقي إشراق النهار مثل قوله:

                       حتى إذا أشرق النهار      واكْتهل الطِّفلُ واهتدى([41])

ومن المعني المجازي إشراق الحقيقة وتبديها للأنبياء،فها هي تتبدى لذي النون يونس عليه السلام وهو في ظلمات اليم:

                                   أشرقتْ كالشُموس           في زجاجِ القلبِ ([42])

                          ورآها عَيَان                  يُونسُ في البحرِ

أما الأسماء فيكثر من استخدام الشمس والقمر بالدلالة الحقيقية والمجازية،فمن الأولى:

  اسمُ الأعظم محمد المختار([43])

وهو شمس ٌ تلوح بين أقمار

وهو نور ٌ ومشكاةُ  الأنوار

 ومن الأخرى:

قمرُ الرشدِلاح        وأنارَ الفكرا ([44])

   ومنه أيضا “شمس العلا”،”شمس المنى”،”شمس البقاء”([45])،لقد استحال العالم كله إلى فيض من ضياء،فللعلاء شمس،وللمنى شمس،وللبقاء شمس،وللرشد قمر،إنه لم يترك عنصراً  كونياً إلا وأسند إليه النور أو بعض عناصره.

الرؤية.

     إذا كان النور أو الإشراق هو دليل خروج الحقيقة من حجابها العظيم إلى الوجود المعاين،فإن العين (حقيقة ومجازاً )هي التي تحسها وتستشعرها،أليست آلة البصر وأداته في التأكد من الأشياء والتيقن منها؟.والحق أن طلب الرؤية على الحقيقة مطلب نبوي قبل أن يكون صوفياً،قال تعالى:{وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ}([46]).يمكننا أن نقول إن الغاية الصوفية والنبوية واحدة في هذا المجال،فكلاهما يرغب في الرؤية،وكلاهما ينشد الوصال،لذلك لم يكن بغريب أن ينعت بعض المتصوفة سيدنا موسى عليه السلام بالصوفي الأول لاشتراكه معهم في الغاية والمقصد.

    خص صاحبنا مادة “الرؤية”بقطاع عريض من موشحاته والتي يمكننا ردها إلى مستويين:         الأول:الأفعال المتعلقة بالرؤية مثل”يرى،أبصر،يشهد،ينظر”ولعل أكثر الأفعال ذيوعاً الفعل”يرى”،وذلك لارتباطه المباشر بالرؤية(حقيقة)فمنه :

                         من رآه بليلةِ القَدْرِ               ما له في الوُجودِ من قَدْرِ([47])

وقوله:            ينجلي لك الاسمُ في الحين            وترى امتدادَ الكاف والنون من المبدي ([48])

 أما المستوى الثاني:فآلة الرؤية(العين)وفيها يكثر من ذكر عين القلب:

                        إن كنتَ تغيبُ عن بصري          بعين قلبي نُبصِركْ([49])

                          ترى بعينِ قلبك                      معنى  الخبر([50])

  ويكثر من ربط العين بالقلب لأن العين أداة الرؤية المادية والقلب وعاء التيقن والاطمئنان،فالجمع بينهما جمع بين التيقن والاطمئنان حسا ومعنى.

الطبيعة.

اكتست الطبيعة الأندلسية بحلة بديعة تبهج النفس،وتسر النظر،فإذا رأيت ثَمَّ رأيت طيراً صداحاً وزهراً فواحاً وماء منساباً.ولما كانت النفس نَزَّاعة للجمال،ميّالة للفتنة،فليس بغريب-إذاً- أن يغمس وشاحنا ريشته في الطبيعة ليلون لوحاته ويوشي تصويره من جانب،ويجمِّل بستان التصوف ويزينه من جانب آخر،يقول:

                     هَزَّني الزَّهرُ وَشَاقَنِي الغِنَا                   مع جَـريِ النَّهْرِ([51])

                     تَغْريدُ القُمْرِي وخَمْرُ حُـبِّنَا                   شُــرْبُنَا فَادْرِي

ويستدعي عناصر الطبيعة ليؤلف منها لوحة جميلة فيها الريحان والطيب والورد والبستان :

                  وبه يَحْـلالِي مَشْرُوبِي                               وبـه نَجْـنِي الوُرُودْ([52])

                 أنا نَسْرحْ في بُسْتَاني                                في ريْـحَانْ وَطِيبْ.

    والأبيات السابقة إذ تكتظ بمشاهد الطبيعة فإنها ترضى حواسك جميعها”فجري النهر”يسر العين و”تغريد القمري “يمتع الأذن و”عبق الريحان”ينعش الأنف،كما أن اهتزاز الزهر يغري باللمس والمداعبة.والحق أن الششتري حريص- في كثير من نظمه -على إرضاء مريديه حساً ومعنى،تجردا صوفياً ورغبةً دنيوية.

  1. بناء الصورة:

      تعد الصورة “واحدة من الأدوات الأساسية التي يستخدمها الشاعر في بناء قصيدته وتجسيد الأبعاد المختلفة لرؤيته الشعرية،فبواسطة الصورة يشكل الشاعر أحاسيسه وأفكاره وخواطره في شكل فني محسوس،وبواسطتها يصور رؤيته الخاصة للوجود وللعلاقات الخفية بين عناصره”([53]) وفي سبيل ذلك يتكئ على الحقيقة والمجاز،ويتوسل بالكناية والمباشرة،ويستعين بالتشبيه والتمثيل،وعلينا ألا نغفل عن دور الخيال في تشكيلها،فهو أشبه بالومضة التي تشرق في النفس وتضيء الروح وتنير العقل،إنه المنسق بين المتوهم والمتخيل،والملائم بين المتناقض والمعقول.

  سلك أبو الحسن في تشبيهاته سبيلاً واحداً،هو الاعتماد على تكرار المصدر،أو ما يعرف عند البلاغيين بالتشبيه البليغ،ومثل قوله:

          رَقَّ مَعْــنَاكَ رِقَّةَ الـشَّعْر                              وَفَـهِمْتُ الرُّمُوزَ في الشِّعْرِ([54])

 والحق أن الششتري لا يكتفي بالتشبيه فحسب،بل يسبغ عليه حلية لفظية جميلة،هي المجانسة بين الشَّعْر والشِّعر،ومنه قوله:

               وَدَارَ كَأسُ الأنْسِ ما بين الرِّجَالِ          وَهَزَّهُمْ هّزَّ القَضِيبِ المَائِلِ([55])

وقوله:

                  عُرَيَانْ نُرِيْدْ نَمْشِي أجَلَّ شَىْ                                كَمَا مَشَى قَبْلِي غَيْلانُ مَىْ([56])

  والتشبيه في الشاهد الأخير يستدعي أنموذجا فذا للصبابة واللوعة،وهو غيلان مي(ذو الرمة)الذي يشابه الششتري في ولعه ولهفته وخلوص قلبه من كل شيء سوى الحب والتعلق بمن يحب.أما صورة العري المادي أو المعنوي(التجرد)التي استدعاها الششتري في قوله(عُرَيَانْ نُرِيْدْ نَمْشِي)فلها دلالة صوفية،هي، التخلص(التجرد)من الحظوظ الدنيوية التي تعوق المحب أو المريد من الوصول إلى مبتغاه(المحبوب عند العشاق والمطلق عند المتصوفة).إن معظم صور  الششتري التشبيهية تستدعي عنصرا ماديا بصريا(رِقَّةَ الـشَّعْر-هّزَّ القَضِيبِ المَائِلِ)،أو تاريخيا صارخا(غَيْلانُ مَىْ)لتتقوى به ولترسخه في روع المريد.

  وأحيانا تتردى صورته التشبيهية في درك من الابتذال كتشبيهه للحظة الوصول إلى الحقيقة بلذة العروس في عرسه:

                   وكُنْ في شُربِك كُوِّيس                                 تـــصل بها للحقيقه([57])

                   تبـِـتْ مِـثـل العُـرِيسْ                                     إذا  يبـِتْ مع رفـِـيقه*

    وأغلب الظن أن شعوره أحيانا بضيق عطن اللغة عن تصوير الإحساس باللذة،وشعوره بحاجة المريد الملحة إلى الصورة الحسية،هو من دفعه إلى مثل هذا الابتذال،وما كان أغناه عن ذلك.

   والحق أن للصورة التشبيهية عن الششتري غايات،منها،تقريب المعاني من المريدين،أو شرح مفاهيم التصوف التجريدية الغامضة،وربما تسعى لتحقيق رغبة صوفية جامحة،فحذف أداة التشبيه-في التشبيه البليغ- يجعل المشبه والمشبه به يتحدان مع بعضهما اتحاداً يشبه اتحاد المتصوفة مع المطلق.

   أما الاستعارة فتمتاز عن التشبيه وعن غيره من أدوات بناء الصورة بأنها تعطيك معانيا عميقةً،بل شديدة التأثير،مثل :

                   يَا عُشَّاقْ    سَقَانا في الحَانِ القَدِيْمْ                  شَرَابَ الرِّضَا في كأسَةِ النَّعِيْمْ([58])

  فالششتري يستعير من عالمي الغزل”عشاق”والخمر”الحان-الشراب-الكأس”أدواته ليشكل بها صورة مغايرة للواقع،صورةً تحيل الرضا شرابا سائغا،والنعيم كأسا لذة للشاربين،والششتري إذ ينقل المعقولات إلى متصورات محسوسة وملموسة فإنه يقرب معاني التصوف من تخوم المريد درجة يكاد يراها ويلمسها. وتسجل عناصر الطبيعة حضوراً قوياً في استعارته، مثل قوله:

           لاحَـتْ شَمُولْ                         مَعْـنَى تَجُولْ                               فيه العُقُولْ([59])

           حَيْثُ الأكَامْ                             لها ابْـتِسَامْ                  وَلِلـغَمَـامْ

            دَمْـعٌ هَتُــونْ             عَلَى فُنُونْ            سِرٌ مَصُونْ

  ونلاحظ الاستعارات الجميلة التي تجعل الآكام يبتسم،والغمام يبكي بدمع هتون.ومن صوره الجميلة قوله:

 مُقلتي  تُبْدِي                    ما أخْفَيْتُ من وجدي([60])

                       كيف بالكتمان                    وقد  نَمَّ  بي  دمعي

                        لِنتُ  للهجران                   وما اللين ُ من طبعي

     فمقلته فضحت سره(الوجد)الذي أخفاه بين جوانحه لتعذر الكتم عليها،وقوله”نم دمعي”تعبير استعاري جميل إذ لا يكتفي ببوح خبر عشقه فحسب،بل بسيرورته في البادية والحاضرة،أما قوله”لنت “و”ما اللين”فيؤكد استبداد سلطان العشق به وعجزه عن مدافعته.يمكننا أن نقول إن الاستعارة تتيح للناظم فرصة الانتقال بقارئه من عالمه إلى عالم يرى”فيه الجماد حياً ناطقاً والأعجم فصيحاً،والمعاني الخفية بادية جلية”([61]).

    أما الكناية فلم تلق في نفسه استجابة على نحو ما لقيه التشبيه والاستعارة،ويبدو أن اعتماده على المباشرة قد صرفه عن مواراة المعاني وإخفائها،مع ذلك لم تحرم موشحاته من بعض صور الكناية،مثل التكنية عن التهتك بخلع العذار”خلعت عذاري في الخلاعة”([62])،وعن المتصوفة بأصحاب الشراسح(الخرقة)”ونصحب من أصحاب الشراسح”([63]).

    وتستغني الصورة عن أدوات البيان من تشبيه واستعارة وكناية لتستعيض عنها بالتشكيل اللغوي البديع،كأن تعتمد على تركيب الجمل وبنائها دلالياً ومنطقياً وموسيقياً لتقريب المعنى وإيصال الصورة،مثل صورة الـحَــيْرَة التي تظل ملازمة للصوفي الحق أنَّى ذهب،حتى إذا أحس بشيء من طمأنينة أو استقرار أدرك زيف الطريق الذي يسلكه،يقول أبو الحسن:

            كُنْتُ قَبْل اليَوم حَائِرْ                      في زوايا الفِكْرِ دَائِرْ([64])

            في بِحَارِ الفِكْرِ مُلْقَىً                    بَيْــنَ أمْوِاجِ الخَواطِرْ

            والذي كان مُرَادي                    لَمْ يَزَل في القَـْلبِ حَائِرْ

   وتتجاوز الأبيات إطار الوضوح والملائمة الذي سنه النقاد القدماء لتجوب في عالم النفس وخباياه، إنها صورة للتخبط الإنساني وبيان للحيرة والشكوك اللذين يستبدان به،ونلاحظ أننا أمام علاقات لغوية جديدة وغير مألوفة في معجم الموشحات الأندلسية مثل قوله:”بحار الفكر”و”أمواج الخواطر”.فالموشحة مليئة بالصور الموحية،فالبحر يوحي بحالة من الخوف والهلع،أما الموج فيعكس قلقه واضطرابه،إن صورتي البحر الهائج والموج المائج تحكيان البعد النفسي لشخصية الصوفي القلق.ومن صوره الفنية التي تشرح غايات التصوف وتبسطها قوله:

                دَارَتْ عَلَيْكَ الأقْدَاحْ                               بـِرَوْحٍ وَرَاحْ([65])

                فَعُجْ عَلـى الخَـمَّارْ                               بِخَـلْعِ العَذَار

                تُبْصِر سَـنَا الأنْوَار                             إذا مـا تُدَارْ

                وَعـالَمُ الأسْرَارْ                                يَلُـحْ لَكَ جَهَارْ

     وحقًا أن ثمّة علاقةً قويةً بينهما،فكلاهما من مادة لغوية واحدة “روح”،وكلاهما رهين بالقدح،وكلاهما يَعْتَمِدُ عليه في تحقيق غايته(النشوة عند المجان والحقيقة عند المتصوفة)،وكلاهما يُشْعِر بلذة الانتصار.فالراح (الخمر)إذ ترتقي بشاربها (أو مريدها)من الأرض(عالم المادية) إلى السماء(عالم الطهر والنقاء)فإنها تنتهي به إلى السعادة والبُلَهْنيّة.فالرَّوح والراح إذًا يلتزمان حركة دائبة تبدأ من أرض الحس وتنتهي بأرض المعنى،ولعل هذا ما دفعه إلى اختيار الأفعال الدالة على الحركة والدوران في تصويره على شاكلة (عج،دار،درت)، كذلك نلاحظ إلحاحه على تكرار المطلع”دارت عليك الأقداح بروح وراح”في كل قفل من أقفال الموشحة،وكأنه يقرر أن الروح والراح موجودتان في قدح واحد،فسواء ارتشفت منه الحقيقة أو الرحيق فأنت في ظمأ سرمدي،أو أن القدح شبيه بقلب الإنسان وروعه،فسواء ألقيت فيه الخمر الحقيقية أو الخمر المجازية(طلب الحقيقة)ولعل التأويل الأخير ينسجم مع مذهبه القائل بالوحدة المطلقة التي لا تميز بين الحقيقة والمجاز،بل تجعلهما شيئًا واحدًا.

    ويعدد الششتري المصادر التي يمتح منها صوره مخافة سأم المريد،فسلوك الوشاح لمهيع واحد في بناء الصورة قد يضجر المتلقي وربما ينفره،فها هو يرتد إلى البادية ويستعير واحدا من أهم معطياتها ليكسوه مسوح التصوف،ونعني بذلك الخيمة التي يحيلها من أطناب وأوتاد وأسباب إلى أنموذج فذ لقسوة الحياة وتقلبها بالإنسان:

             هَــلْ للــشَــــبَابْ                                             يــرجع إيـَـابْ([66])

            بَذْلُ الدُمُوع وَاجِبْ                          في حَضْرَةِ الخِيَامْ

            مـَنْ فَارَقَ الحَبَايِبْ                         دُمُوعُهُ له انْسِجَامْ

     والحق أن الخيمة تشبه حياة الإنسان وتحاكيها من وجوه عديدة،فمثلما تتقلب الخيمة بين الوهاد والربوع يتقلب الإنسان بين بسط وقبض،ومثلما يتعذر على الخيمة الاستقرار يتعذر على الإنسان الراحة.وعلى هذه الشاكلة يظل الإنسان والخيمة في تطواف دائم وترحال مستمر حتى ينتهي بهما الأمر إلى تقوض أو موت.ومن رموز حياة البادية عنده أيضاً “الرحى”الذي يلتمسه معادلاً موضوعياً يماثله في أزمته،ويشاكله في استحالة بلوغ مقصده،يقول أبو الحسن:

                            كَــمْ دُرْتُ في ذَاتِي                      دَوْرَ الـــرَّحَــى ([67])

                           في الحِـسِّ والـمَعْنَى                          تــُــفَتـِّشْ عـَـلَيَّ

    فمثلما تدور الرحى حول ذاتها بلا طائل،يدور هو بين الحس والمعنى دون قدرة على الاختيار بينهما، ومثلما تجد عنتاً ومشقةً في الانفصال عن قطبها الآخر،يجد هو المشقة نفسها في الانفصال عن أهوائه. إن أبا الحسن والرحى وجهان لعملة واحدة،هي الفشل في الانتقال من وطن إلى وطن آخر.

ويقوده ضيقه بالمدركات الحسية وشعوره بقصورها في تصوير معانيه الصوفية إلى مراسلة الحواس وتسميتها بغير مسمياتها،أو تحميلها غير وظائفها، كأن يمنح القلب عينا مبصرة،ويقول- بحسب الاعتقاد الصوفي – إنه وحده من يرى الأشياء ويتيقن منها:

                 يَرَى بِعَـيْنِ قَلْبِ                          مَا غَابَ عَنْ بَصَرْ ([68])

    وقبل أن نغادر دراسة الصورة علينا أن نشير إلى ميزتين تميزت بهما،وهما،البصرية والبساطة،أما الأولى فلأن البصر هو أقوى الحواس،وأكثرها تأثيراً،وقدرة على توضيح المعاني وتقريب الشقة بين الناظم ومتلقيه،وهو في الغالب الأعم مريد بسيط ساذج.أما البساطة فمن الخطل أن نقلل من قيمتها وخطورتها في أداء المعنى لأن غايتها- فيما نعتقد- المريد الساذج لا الناقد الواعي،انظر لقوله:

                        شَوْقِي إليك المفْتَاحْ                    لِبَابِ الفَلَاحْ([69])

    يمكننا أن نقول إن بساطة الصورة عند الششتري لها مغزى تعليمي،هو تيسير المفاهيم الصوفية لإفهام العامة،أو بمعنى ثانٍ نقل المعاني الصوفية من التجريد إلى الحسية.

الخاتمة

      تميزت لغة موشحاته بالسهولة والبساطة وكانت موافقة تماماً للذوق الأندلسي وملائمة لطبيعة الملتقى،كذلك تنوع تشيكله اللغوي مابين التكرار وحشد الضمائر،فضلاً على عنصري التضاد   والاشتقاق،وكلها كانت خادمة لشرح غايات التصوف(التكرار)ومعبرة عنه فكره(التضاد)،وجاذبة لمريديه (الاشتقاق)،كما برهن معجمه الشعري على تمركز شعوره ووجدانه حول بؤر الفناء والإشراق والخمر والطبيعة .

    أما صوره فطغت عليها النزعة الحسية وطابع البساطة،أما الحسية فيغلب عليها الصورة البصرية ولا غرو في ذلك فالبصر هو أقوى الحواس،وأكثرها تأثيراً،وأما البساطة فمن الخطل أن نقلل من قيمتها وخطورتها في أداء المعنى،كذلك قاده ضيقه بأدوات بناء الصورة التقليدية “التشبيه والاستعارة والبديع” إلى اصطناع أدوات بناء أخرى من البيئة البدوية(الرحى- الخيمة) ،كما عمد إلى مراسلة الحواس وتحميلها غير وظائفها.

الـــــمصادر والمراجع

  • ابن الخطيب.لسان الدين،الإحاطة في أخبار غرناطة، تحقيق محمد عبد الله عنان،مكتبة الخانجي، مصر،ط 1997م .
  • ابن سعيد.الأندلسي، المقتطف من أزاهر الطرف،تحقيق:د. سيد حنفي،الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984م .
  • ابن عجيبة الحسني،إيقاظ الهمم في شرح الحكم، تقديم ومراجعة محمد أحمد حسب الله، دار المعارف، القاهرة، د. ت
  • أبو موسى.د.محمد ،خصائص التراكيب،مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1996م
  • أمين.أحمد،ظهر الإسام،دار الفكر، القاهرة، د.ت .
  • الجرجاني.عبد القاهر ،أسرار البلاغة ،إشراف محمد رشيد رضا،مكتبة القاهرة،الطبعة السادسة، 1959م.
  • الركابي.د.جودة ،في الأدب الأندلسي،دار المعارف،القاهرة، 1963م .
  • زايد.د.علي عشري،عن بناء القصيدة العربية الحديثة،دار العلوم ،القاهرة،1979
  • الششتري (الديوان)،تحقيق: د.علي سامي النشار، منشأة المعارف،الإسكندرية، الطبعة الأولى،1960م.
  • ضيف.د. شوقي،فصول في الشعر ونقده،دار المعارف، القاهرة،د.ت.
  • مفتاح.د.محمد،تحليل الخطاب الشعري، بيروت،طبعة 1983.
  • المقري،نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب،تحقيق:محمد محيي الدين عبد الحميد،دار الكتاب العربي،بيروت،د.ت.

 

 

[1] هو أبو الحسن علي بن عبد الله الشُّشْتَري،ولد في قرية ششتر فنسب إليها سنة 610هـ ،حفظ قسطاً من القرآن الكريم،ودرس علوم العربية،وفي أحدى رحلاته يلقى مريدي المـدْيَنِية -أتباع أبي مَدْين الغوث- فيعجب بهم ما يلبث أن يلزمهم ويأخذ عنهم التصوف،حتى إذا التقى ابن سَبْعِين غَيَّر الاتجاه الروحي الباطني له ،أي انتقل من تصوف أبي مدين السني إلى تصوف ابن سبعين الفلسفي،ويبدو أنه كان مفتوناً به لدرجة جعلته يلقب نفسه بعبد ابن سبعين،وبعد وفاته ينفرد بالرياسة والإمامة على الفقراء والمتجردين،حتى اخترمته المنية سنة 668ه.خَلَّف الششتري تراثاً صوفيا كبيرا إلى جوار ديوان واحد،فيه جمع فيه بين الشعر والزجل والموشحات.انظر في ترجمته:

المقري،نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب،تحقيق:محمد محيي الدين عبد الحميد،دار الكتاب العربي،بيروت،د.ت، ج2،ص269،وابن الخطيب.لسان الدين،الإحاطة في أخبار غرناطة،تحقيق:محمد عبد الله عنان،مكتبة الخانجي،مصر،ط 1997م،ج4،ص206،وابن عجيبة الحسني،إيقاظ الهمم في شرح الحكم،تقديم ومراجعة:محمد أحمد حسب الله،دار المعارف،القاهرة،د.ت،ص55.

[2] ضيف.شوقي فصول في الشعر ونقده،دار المعارف،القاهرة،د.ت،ص170.

[3] الركابي.جودة،في الأدب الأندلسي،دار المعارف،القاهرة، 1963م،ص360

[4] ابن سعيد.الأندلسي،المقتطف من أزاهر الطرف،تحقيق:سيد حنفي،الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984م،ص261.

[5] الششتري(الديوان)،تحقيق:د.علي سامي النشار،منشأة المعارف،الإسكندرية،الطبعة الأولى،1960م،ص 351.

[6] السابق نفسه،ص 144.

[7] السابق نفسه،ص217.

[8] السابق نفسه،ص102

[9] السابق نفسه،ص104.

10 السابق نفسه،ص133

11 السابق نفسه،ص163

12 أبو موسى.د.محمد،خصائص التراكيب،مكتبة وهبة، القاهرة،الطبعة الرابعة،1996م،ص79.

 13 الششتري(الديوان)،ص332.

 14 السابق نفسه،ص327.

 15  السابق نفسه،ص117.

[16] السابق نفسه،ص129.

[17] السابق نفسه ،ص217،وفي قوله أبوح خطأ نحوي صوابه أبح.

 [18]السابق نفسه،الصفحة نفسها.

[19] السابق نفسه،ص129.

[20] انظر بحثنا:موشحات الششتري(موسيقاها وعناصرها التراثية)،مجلة آفاق الثقافة والتراث،مركز جمعة الماجد بدبي،العدد(92)،ديسمبر 2015 م،ص ص48-63.ففيه توضيح لأثر الحلاج في فكر الششتري وفي موشحاته.

[21] الششتري(الديوان)،ص117.

[22] السابق نفسه،ص118.

[23] السابق نفسه،ص163.

[24] انظر الصفحات 118،192من الديوان.

[25] السابق نفسه،ص228.

[26] السابق نفسه،ص160.

[27] السابق نفسه،ص126.

[28] السابق نفسه،ص271.

[29] أمين.أحمد،ظهر الإسلام،دار الفكر،القاهرة،د.ت،ج 4،ص 177.

[30] الششتري(الديوان)، ص272

[31] السابق نفسه،ص211.

[32] السابق نفسه،ص146.

* قلتُ: اتخذ متصوفة الأندلس(الششتري،ابن عربي،ابن سبعين)موقفاً صارماً من اللغة الرومانثية إذ نزهوا موشحاتهم منها،وأكبر الظن أن حرصهم على مريديهم المنتشرين في بلاد المشرق،وجلهم جاهل بها.

[33] مفتاح.محمد،تحليل الخطاب الشعري،بيروت،طبعة 1983م،ص58.

[34] الششتري(الديوان)،ص87.

[35] السابق نفسه،ص102.

[36] السابق نفسه،ص127.

[37] السابق نفسه،ص170.

[38] السابق نفسه،ص130

[39] السابق نفسه،ص101.

[40] السابق نفسه،ص111.

[41] السابق نفسه،ص143

[42] السابق نفسه،ص 146

[43] السابق نفسه،ص 61

[44] السابق نفسه،ص 145

[45] انظر(الديوان)،ص 168

[46] سورة الأعراف،آية (143).

[47] الششتري(الديوان)،ص 162

[48] السابق نفسه،ص 130

[49] السابق نفسه،ص 150

[50] السابق نفسه،ص 136

[51] السابق نفسه،ص168.

[52] السابق نفسه،ص95.

[53] زايد.د.علي عشري،عن بناء القصيدة العربية الحديثة،دار العلوم ،القاهرة،1979،ص 68

[54] الششتري (الديوان)،ص163.

[55] السابق نفسه،ص227.

[56] السابق نفسه،ص288.

[57] السابق نفسه، ص200.

*في قوله العريس خطأ صوابه العروس

[58] السابق نفسه،ص398.

[59] السابق نفسه،ص381.

[60] السابق نفسه،ص128

[61] الجرجاني.عبد القاهر،أسرار البلاغة،إشراف محمد رشيد رضا،مكتبة القاهرة، الطبعة السادسة، 1959م،ص29.

[62] الششتري(الديوان)،ص 281

[63] السابق نفسه،الصفحة نفسها

[64] السابق نفسه ص362.

 [65]السابق نفسه،ص102.

[66] السابق نفسه،ص389.

[67] السابق نفسه،ص 273.

[68] السابق نفسه،ص 136.

[69] السابق نفسه،ص121.


Updated: 2018-02-03 — 21:53

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme