تجليات التراث التاريخي في المسرح الجزائري قبل الاستقلال قراءة تحليلية في آليات التوظيف Reflections of the historical heritage in Algerian theatre before independence Analytical reading in recruitment mechanisms


 

تجليات التراث التاريخي في المسرح الجزائري قبل الاستقلال

قراءة تحليلية في آليات التوظيف

Reflections of the historical heritage in Algerian theatre before independence

Analytical reading in recruitment mechanisms

Dr. DINE EL HANNANI Ahmed                      د. دين الهناني أحمد

Department of Literatures, Languages and Arts - كليّة الآداب و اللّغات و الفنون -

Djilali Lyabes University        جامعة جيلالي ليابس- سيدي بلعباس-

Algeria            الجزائر

مقال نشر في  مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية العدد 53 الصفحة 69.

 

 

  ملخّص:

عرف الجزائريون المسرح في بداية القرن العشرين، فكانت المحاولات الأولى تدخل في نطاق التّجريب، ووضع الأسس لبناء شكل فنيٍّ جديد، وغالباً ما تكون التّجارب الأولى عرضة للنّقائص والهفوات، ولكن الشّيء الّذي ميّز الكتابة المسرحيّة في بدايتها، هو لجوء الكتّاب إلى التّاريخ يستمدّون منه المادّة الخام لتشكيل نسيج مسرحيّاتهم، مع اختلافهم في المصدر الّذي يستقون منه الأحداث، والشّخصيّات بالإضافة إلى اعتمادهم على آليّات متنوّعة بتوظيف التّراث التّاريخي فنيّاً.

الكلمات المفتاحيّة: المسرح الجزائري- التّراث التّاريخي- آليّات التوظيف.  

Abstract:

Algerians knew theatre at the beginning of the 20th century, the first attempts were part of experimentation, laying the foundations for building a new artistic form, and often the first experiences were prone to imperfections and failures. But what characterised the playwriting is the authors resort to history, derive from it the raw material to form the fabric of their plays, their differences from source from which they take events, and characters from it. In addition to relying on variety of mechanisms to employ artistically historical heritage.

Key words: Algerian Theatre- Historical heritage- Employment mechanisms.

    مقدّمة:

إنّ العلاقة بين المسرح، والتّاريخ وطيدة منذ أن عرف الإنسان هذا النّشاط الغنيّ، فقد اقترنت الأعمال المسرحيّة العالميّة بلحظات تاريخيّة، أو بشخصيّات مستوحاة من التّراث التّاريخي، فقد وجد كتّاب المسرح في التّاريخ مادّة خصبة لكتابة نصوص دراميّة تفيض بالمتعة الفنيّة، والفكريّة، والأدبيّة. هذا التّوظيف عرفه الإغريق قبل الميلاد، من خلال مآسيهم الخالدة كأوديب، واونتيقون، وإلكترا، كما عرفه الأوروبيّون بعد بعث الكلاسيكيّة في القرون الوسطى مع تراجيديّات كورناي، وراسين، وشكسبير. وعلى النّهج نفسه سار كتّاب الدّراما في الجزائر قبل الاستقلال، حيث استعملوا التّاريخ العربيّ الإسلاميّ، والمغاربيّ، والعالميّ مادّة خاماً للتّواصل مع القرّاء والمتفرّجين، فقد تمكّنت هذه العروض من التّعريف بأهمّ الشّخصيّات التّاريخيّة كماسينيسا، ويوغرطة، وحنّبعل، والكاهنة، وصلاح الدّين الأيّوبي. لكن السّؤال المطروح: هل استطاع كتّاب المسرح في الجزائر أن يوفّقوا في توظيفهم للتّراث التّاريخي في نصوصهم؟ وهل وصلت أعمالهم إلى المستوى الفنيّ الّذي عرفه المسرح العالميّ؟ وما هي الآليّات الّتي اعتمدوا عليها في توظيفهم للتّاريخ مسرحيّاً؟

  1. المسرح والتاريخ

     إنّ المسرح من الفنون الّتي التصقت بالتّاريخ، فالمتتبّع لحركة التّأليف المسرحيّة منذ نشأتها يجد هذه الصّلة الوثيقة الّتي تربطهما، فالتّاريخ هو مصدر إلهام المسرحيّين منذ العصر اليوناني، فأرسطو الّذي أصّل للمسرح قديماً ربط بين العمل الدّراميّ، والمحاكاة، حيث جعلها عنصراً أساسيّاً لأيّ عمل مسرحيّ «فهي تمثيل لأفعال النّاس ما بين أفعال خيّرة، وأفعال شرّيرة، أو أداء أو موضوع، أو موقف إنسانيّ، وتمثيله، أي أنّها تحاكي وتصوّر شريحة بعينها من الحياة، ولكنّها لا تتناول حياة الأشخاص بأكملها، ولا فترات طويلة منها، إنّما تتناول أزمة بعينها، أو حادثة معيّنة من تلك الّتي تحدث في حياة هؤلاء الأشخاص في فترة من الفترات»[1].

      إنّ العودة إلى التّاريخ هي السّمة الغالبة الّتي ميّزت الأعمال المسرحيّة العالميّة، والعربيّة، فأشهر الأعمال الدّراميّة لها ارتباط بشخصيّات، أو أحداث تاريخيّة، وما على المؤلّف سوى اختيار ما يوافق طبيعة أفكاره الّتي، يريد أن ينقلها إلى المتلقّي، فهو تارة يسمّي المسرحيّة باسم البطل، أو باسم الحادثة التّاريخيّة الّتي يعرضها فنيّاً، ولنا من الأمثلة مسرحيّة ” الفرس” الّتي ألّفها اسخيلوس يتناول فيها الحرب الّتي انتصر فيها الإغريق على الفرس.

     كما نجد شخصيّة ” أوديبوس” في العديد من الأعمال الدّراميّة القديمة ،والحديثة، فمن القدامى نجد سوفوكليس، ويوربيدس، وأسخيلوس، ومن المعاصرين ” أندري جيد”[2] وتوفيق الحكيم[3]. ومن أشهر المؤلّفين الّذين وظّفوا الشّخصيّات التّاريخيّة نجد شكسبير الّذي ،أطلق على مسرحيّاته أسماء الملوك ،والأمراء ،وقادة الجيوش، والنّبلاء، مثل هملت، والملك لير، وماكبث، ويوليوس القيصر، وكوريولينس.

     طبيعيّ أنّ المؤلّف المسرحيّ حين يوظّف شخصيّة تاريخيّة، فإنّه لا يوظّف من ملامحها، إلا ما يتلاءم وطبيعة التّجربة الّتي يريد التّعبير عنها، أو الفكرة الّتي يدافع عنها، فمسرحيّة أوديب تحمل صراعاً بين الإرادة الإنسانيّة، والإرادة الإلهيّة، لهذا نجد كلّ كاتب يخضعها لرؤيته، وقناعاته الفكريّة، والإيديولوجيّة، فـ “أندري جيد” أوّلها تأويلاً مسيحيّاً، «وانتصر لسلطان القدر المطلق ضدّ حريّة الإرادة الإنسانيّة»[4]، أمّا توفيق الحكيم ،فحاول في مسرحيّته أن «تتماشى الأسطورة، – في رأي المؤلّف- مع تعاليم الإسلام الّتي تقتضي بأنّ الشّرّ لا يسند للإله، وإنّما الشّرّ من تدبير النّاس أنفسهم»[5].

     بناءً على هذا التّعبير نلاحظ ،أنّ لكلّ أديب هدفاً معيّناً من اختيار هذا الموضوع المحدّد ،بحيث يتّخذه وسيلة للتّعبير عن مشكلة تشغل مجتمعه، أو تشغل الإنسانيّة كلّها، وهو في معالجته لموضوع تاريخيّ لا بد أن يختار من الأحداث ما يلائم، ويوافق هدفه، وأن يترك في الظلال ما لا يفيده من تلك الأحداث، وهو بذلك يختلف عن علم التّاريخ الّذي ،لا بدّ من الاستقصاء، والجمع حتّى بين المتناقضات. كما يستطيع الفنّان أن يستعين بخياله بما لا يتنافى مع المعقول، ولا يتضارب مع الكليات ،والخطوط العريضة للحقائق التّاريخيّة ،حتّى لا يجعل الخيال وسيلة للتّزوير، والانحراف.

     إنّ التّوظيف التّاريخي في المسرح يحدث بصورة مقصودة، وواعية إذا استعملت فيه أحداث، وشخصيّات من التّراث لنقل أفكار، وتصوّرات معاصرة. فهو عملية مزج بين الماضي، والحاضر في محاولة لإظهار زمن ثالث، وهو أيضاً «الاستفادة من الخامات التّراثيّة في الأعمال الأدبيّة، وشحنها برؤى فكريّة جديدة لم تكن موجودة في نصوصها الأصليّة».[6] يلجأ المؤلّف إلى التّاريخ، ويقوم باستلهام الموضوعات الّتي ،تؤمّن له الوصول إلى هدفه من جهة، وإلى إيصال الزّمن المطلوب، والمفهوم لدى المتفرّج من جهة ثانية، ونجاحه مرهون بمدى تعامله مع الأحداث،والشّخصيّات، فعليه «أن يتعامل معها على أنّها مادّة قابلة للتجدّد والانبعاث»[7]. ويكون بذلك التّوظيف مرحلة أخيرة، و متطوّرة من مراحل التّعامل مع التّراث التّاريخي لحمل قضايا راهنة تخصّ الإنسان عامّة، والمواطن المحلّي بصفة خاصّة.

     إنّ عمليّة التّوظيف تتطلّب معرفة واسعة بحوادث التّاريخ، وبالشّخصيّات المستعارة فيختار المؤلّف، أو المخرج الحادثة، والشّخصيّة المناسبة للموقف المناسب، وإلا فقدَ التّوظيف قيمته، وهدفه، فلا يمكن إلصاق صفة الجبن  بشخصيّة عنترة بن شداد ،وقد اشتهر بالشّجاعة ،والإقدام، كما أنّ استعادة الأحداث، والشّخصيّات دون إجراء تعديلات تحمل تجارب، ورؤى معاصرة تجعل عمليّة التّوظيف مجرّد نقل، أو إعادة لدرس تاريخيّ لحادثة معيّنة، أو شخصيّة تاريخيّة. فكلّما ارتقى المؤلّف في تعامله مع التّاريخ إلى درجة الإتقان اقترب من درجة التّوظيف، لأنّ نقل التّراث التّاريخي دون الاستفادة منه في حمل هموم المسرحيّ، وهموم النّاس، يُعدُّ عمليّة تسجيل ،وتوثيق لهذا التّراث، ويصبح المؤلّف في هذه الحالة مؤرّخاً لا فنّاناً ،ونحن نعلم أنّ الفنّان ليس مؤرّخاً يتقيّد بالأحداث كما هي، بل يحقُّ له أن يتصرّف وفق الأحداث الّتي يتوخّاها من عمله الفنّي، فهو يقوم «بمحاولة تصوير التّجارب التّاريخيّة الماضية برؤية جديدة مرتبطة بالأحوال الاجتماعيّة، والسّياسيّة الّتي يعيش فيها كتّاب مسرح الإسقاط المعاصرون»[8].

  1. استلهام التّراث التّاريخي في المسرح الجزائريّ :

     إنّ للتّوظيف التّاريخي في المسرح أسباباً ،ومسوّغات تحفّز المبدع للعودة إلى الماضي حيث وجد فيه خير معين للتّعبير عن أفكاره ،ومن بين هذه الأسباب، الظّروف السّياسيّة والاجتماعيّة القاسيّة الّتي مرّت بها الجزائر، والّتي دفعت المؤلّف إلى الاستتار وراء شخصيّات من التّاريخ، فيرسل من خلالها بعض الرّموز، والرّسائل، فاستدعاء الأحداث، والشّخصيّات التّاريخيّة في المسرح يعدّ طريقة غير مباشرة للتّصدّي لهذا الوضع السّياسي، والاجتماعي المزري. إضافة إلى هذا السّبب وجد المؤلّف المسرحيّ أنّ توظيف التّاريخ الغنيّ بالبطولات، والأمجاد يجذب المتفرّج، ويترك له المجال واسعاً للاستفادة من هذا المخزون باستنباط الحِكم، والحُكم على الأمور بتعقّل، فيعرف حقيقة ما يعيشه من أمور من خلال تلك الحقائق التّاريخيّة الّتي يعاينها بطريقة فنّيّة.

     إذا رجعنا إلى بداية المسرح الجزائريّ المعتمد على التّراث التّاريخيّ في موضوعاته، لوجدنا صعوبة في تحديد طرق التّوظيف، والآليّات الّتي اعتمد عليها المؤلّفون في استدعاء الشّخصيّات من التّراث التّاريخيّ، وهذه الصّعوبة تعود إلى عدّة عوامل منها:

- إنّ المسرح الجزائريّ في بدايته التّاريخيّة كان ارتجاليّاً بعيداً عن القوالب الأدبيّة الفنيّة الرّسميّة، فهو أساساً اعتمد على الموهبة، والعفويّة.

- ارتباط النّصّ المسرحيّ بالعرض كما ذكر سلالو علي[9] (المدعو علالو) في مذكّراته، وذلك لإرضاء الجمهور، وإضحاكه، وتوفير المتعة ،والفرجة.

- أغلب الروّاد الأوائل الّذين اهتمّوا بالمسرح كانوا عصاميّين يجهلون أبجديّات الكتابة الدّراميّة، وبذلك هم يجهلون عمليّة التّوظيف الفنّي، والإسقاط الاجتماعي ،والسّياسيّ في المسرح[10].

- ضياع النّصوص الّتي كتبت قبل الحرب العالميّة الأولى، سواء المكتوبة باللّغة الفصحى، أو المقدّمة باللّهجة العاميّة، فلم يبق منها إلا عناوينها ،أو بعض الملخّصات المقتضبة الّتي وردت في مذكّرات سلالو علي، ومذكّرات محي الدين باشترزي[11].

     بعد ظهور الحركة الإصلاحيّة بالجزائر سنة 1931 الّتي كان يترأسها عبد الحميد بن باديس. أحسّ كتّاب هذه الحركة أنّ المسرح لن يستطيع أن يكون ذا دور فعّال في التّربية والتّوعية، إلا إذا وقف على أرضيّة صلبة، وهذه الأرضيّة تتمثّل في الاعتماد على اللّغة العربيّة الفصحى أداة للتّعبير، واستلهام التّراث التّاريخيّ لإعداد النّصوص الدّراميّة.

     اكتشف محمد العيد آل خليفة بفطرته الشّعريّة أنّه لا قيمة للعروض المسرحيّة بغير ربطها بالتّراث العريق، وبالشّخصيّات الّتي صنعت أمجاد الأمّة ،ومن ثمّ عكف على التّاريخ العربيّ الإسلاميّ يستقرئه، ويعمل على بعثه، وإحيائه، ولتحقيق هذه الغاية كتب مسرحيّته “بلال بن رباح” فقدّمها للجزائريّين نموذجاً للمسرح الأصيل، فحرّك بهذه المحاولة القرائح، ودفع بقيّة الكتّاب إلى إعادة الارتباط بالأصالة ،والتّراث العربيّ الإسلاميّ.

     استمرّ التّيّار الّذي بدأه محمد العيد آل خليفة في الازدهار ،والنّموّ ،حيث ازداد المؤلّفون اقتناعاً بضرورة إحياء التّاريخ، وقد شجّعهم على ذلك تنوّع الأحداث ،وغناها بالعبر، وكثرة الشّخصيّات النّموذجيّة ،وقد تطوّرت علاقة الكتّاب من الحركة الإصلاحيّة بهذه العناصر التّاريخيّة، فظهرت في شكلين مختلفين:

 -الشّكل الأوّل: يتمثّل في عروض مسرحيّة عبّر فيها أصحابها عن التّاريخ، و شخصيّاته حيث قاموا بتسجيله، فقد اقتصر جهدهم على تصوير العناصر التّاريخيّة سواء كانت أحداثاً، أو نماذج بشريّة مع الحرص على أن تتطابق أعمالهم مع روّاة التّاريخ، بعد محمد العيد آل خليفة، الّذي يمثّل هذا الشّكل جاء العديد من المؤلّفين ساروا على دربه، فاختاروا بعض الشّخصيّات التّاريخيّة ،أو بعض المحطّات التّاريخيّة المشهورة، فصنعوا من خلالها بعض الأعمال المسرحيّة الهدف منها التّعبير عن التّراث ،وتعريف النّاس به، ومن هؤلاء الكتّاب ” محمد الصالح رمضان” في المسرحيتيّن التّاريخيّتين ” الخنساء، النّاشئة المهاجرة”، فالأحداث مأخوذة من الوقائع التّاريخيّة، والغاية منها تصوير الحياة الّتي اُستُمِدّ جوّها من التّاريخ الإسلاميّ في فجر الدّعوة الإسلاميّة في شكل مسرحيّة دينيّة إسلاميّة على نحو ما فعل الكتّاب المصريّون الكلاسيكيّون ” كشوقي وعزيز أباضة”. و على الطّريقة نفسها كتب “عبد الرحمان الجيلالي” النّصّين ” المولد والهجرة”، حيث كان شديد الحرص على الالتزام بالأحداث التّاريخيّة كما هي، فهو حسب تعبير “محمد حسين هيكل”: «يقوم بعمليّة تسجيل هذه الحوادث، وتدوينها»[12].

     إنّ الالتزام بالتّاريخ عند هؤلاء الكتّاب أوجب عليهم محاكاة الأساليب الخطابيّة الّتي وجدت في تلك الفترات التّاريخيّة، فاضطرّوا إلى تعميق حوارهم ،وزخرفته بمختلف الصّيغ البلاغيّة مثل مسرحيّة ” المولد ” الّتي كتبت بلغة فصيحة، اعتمد فيها مؤلّفها على صنوف البيان، و البديع ممّا جعل الممثّلين عاجزين عن أداء حوارها، و هذا الأمر نفسه ينطبق على مسرحيّة ” بلال بن رباح”، ومسرحيّات ” محمد الصالح رمضان”.

- الشّكل الثّاني فهو خاصّ بالعروض المسرحيّة التّاريخيّة، الّتي أصبح فيها المؤلّف يعبّر بها، و لا يعبّر عن التّراث التّاريخيّ، فقد تغيّرت علاقة المؤلّف بالتّاريخ حيث أصبح أكثر نضجاً، ففهم عمليّة إحياء التّراث من أحداث، وشخصيّات، وأدرك بأنّها تتطلّب استلهامه، وبعث روح الحياة فيه، و في شخصيّاته لجعلها تخرج من زمنها الّذي عاشت فيه لتكون حاضرة في زمنه، ومستقبل أمّته. هذا الشّكل الجديد في التّعامل مع التّاريخ هو ما عناه البحث بكلمة التّوظيف، وهو الأسلوب الأفضل الّذي لا يتمّ عن طريق سرد العناصر التّاريخيّة ،وإحصائها، وإنّما عن طريق إحيائها من جديد بفضل الدّلالات الجديدة الّتي تكتسبها، بالإضافة إلى أنّ العناصر القديمة سيضفي عليها المؤلّف بعض النضارة، والشّباب ممّا يجعلها تستوعب التّجارب، والأفكار الحديثة.

     هذا الشّكل تجده مجسّداً في المسرحيّات الّتي تحمل طابعاً سياسيّاً نضاليّاً مثل مسرحيّة “حنّبعل” لأحمد توفيق المدني، فقد خاطب الكاتب الشّعب الجزائريّ، وأظهر له مواقفه السّياسيّة على لسان أبطال هذه المسرحيّة، فقد جاء على  لسان ملكة اليونان قولها: «إنّه لا عظمة ولا مجد ولا خلود إلا لمن عاش مجاهداً في سبيل الحريّة، ومات شهيداً في سبيل الوطن»[13]، والموقف نفسه نجده في مسرحيّة ” يوغرطة” لعبد الرحمان ماضوي الّتي ضمنها العديد من الدّلالات الثّوريّة، والإيحاءات القوميّة الّتي ،جاءت على شكل رسائل موجّهة للمتفرّجين حيث قال يوغرطة لزوجته بعد أن اختار الحرب على روما: «كلا لن ندنّس أرضنا. لن نكون عبيداً، وإن أُريد منّا الحرب، فللحرب نحن مستعدّون»[14].

  1. تقنيّات تّوظيف التّراث التّاريخي:

- التّوظيف الطّرديّ: يتمثّل في توظيف الأحداث التّاريخيّة، والشّخصيّات دون تغيير في مسار الأحداث، فالكاتب لا يتصرّف في المادّة التّاريخيّة، ولا يغيّر شيئاً ممّا اشتهرت به الشّخصيّة الموظّفة، فيلجأ الكاتب إلى هذا النّوع من التّوظيف للمحافظة على الواقعة التّاريخيّة، و هذا ما أكّده عبد الكريم برشيد في كتابه ” حدود الكائن والممكن في المسرح الاحتفاليّ” حيث وضع بعض الشّروط للتّعامل مع التّراث التّاريخيّ منها الالتزام بالوقائع التّاريخيّة كما ذكرها المؤرّخون في كلّيّاتها ،وجزئيّاتها كما عكسته مسرحيّات كثيرة منها “صلاح الدّين الأيوبي” لنجيب حداد، و ” قمبيز ومصرع كليوباترة ” لأحمد شوقي…[15].

     هذه الطّريقة نجدها مطبّقة في النّصوص الأولى الّتي كُتبت، و عُرضت باللّغة العربيّة الفصحى مثل مسرحيّة “صلاح الدين الأيوبي”،[16] الّتي حافظ فيها مقتبسها، ومخرجها على الخصائص العامّة لشخصيّة البطل من شجاعة، و جرأة، وصبر،  كما حافظ على النّسق التّاريخيّ للأحداث. الشّيء نفسه نلاحظه في مسرحيّة “المروءة والوفاء ” لخليل اليازجي الّتي اعتمد فيها مؤلّفها على الحقائق التّاريخيّة المستمدّة من كتب التّراث العربيّ، ككتاب “الأغاني” لأبي فرج الأصفهاني. هذه المسرحيّة أرسل نصّها الكاتب المصريّ جورج أبيض إلى الأمير خالد، بعد أن التقى به في باريس سنة [17]1910. أمّا مسرحيّة ” فتح الأندلس” الّتي اقتبسها “محمد رضا المنصالي” من “سليم النقاش”، فهي مجموعة من الحقائق الّتي حدثت أثناء فتح الأندلس، فقد حافظ المقتبس على الشّخصيّات التّاريخيّة، دون إحداث تغيير على صفاتها، وأبعادها مثل شخصيّة ” طارق بن زياد ” الّذي عرف بقوّته، وصلابته، وحنكته العسكريّة.

    حافظ كتّاب الحركة الإصلاحيّة الجزائريّة على هذه الطّريقة الشّائعة في توظيف التّاريخ، لأنّها تتوافق طرديّاً مع تجربة الكاتب، وأهدافه التّربويّة، والدّينيّة ،والسّياسيّة، كتوظيف عنترة بن الشدّاد عند محمد الطاهر فضلاء للتّعبير عن الشّجاعة الّتي عرفها الإنسان العربيّ قديماً. وللتّعبير أيضاً عن الشّهامة، والدّفاع عن الحقّ، وتوظيف حنبعل، ويوغرطة للتّعبير عن قيمة الدّفاع عن الوطن ،والتّضحيّة بالنّفس ،والأهل من أجل سيادته ،واستقلاله. في هذا الأسلوب يتّخذ الكاتب من التّراث التّاريخيّ موقفاً من موقفين، أو يمزج بينهما، وهما: إمّا أن يتحدّث من خلال الشّخصيّات، ويتستّر وراءها ،ويجعلها وسيلة لنقل أفكاره، وقناعاته، ونجد هذا الشّكل عند أحمد توفيق المدني في مسرحيّته ” حنّبعل “، فقد جعل عدّة شخصيّات تنطق بما يعتقده من أفكار سياسيّة، ومواقفه من الاستعمار منها قول حنّبعل: «لقد ولدتنا أمّهاتنا أحراراً… وما قيمة الحياة الدّنيا إن لم تكن حياة عزّة و شرف وكرامة»[18]. وقوله أيضاً: «إن عشنا فالوطن لنا جميعاً، وإن متنا فالوطن لأبنائنا من بعدنا إلى الأبد»[19]. وقد لا يظهر المؤلّف الغاية من توظيفه للتّاريخ، وشخصيّاته بألسنة أبطاله خوفاً من الرّقابة، والعقاب الاستعماريّ، فيلجأ إلى الموقف الثّاني: وهو أن يتحدّث عن الأحداث، وعن الشّخصيّات التّاريخيّة، ولكنّه يشير في الإهداء إلى أهدافه من هذا الاستدعاء التّاريخي، وهذه الغاية تختلف من كاتب إلى آخر، فنجد محمد العيد آل خليفة يشير إلى الهدف الأخلاقي ،والتّربويّ في مقدّمة مسرحيّة ” بلال بن رباح ” حيث قال: «أرجو أن تتلقّى ناشئتنا درساً نافعاً على الثّبات على المبدأ، وقوّة اليقين، والصّبر على المكاره في سبيل الدّين، وأنّ العظمة الحقّة، والمجد الخالد إنّما يكونان بسموّ النّفس، وطهارة الرّوح، وكمال الخلق»[20].

     أمّا عبد الرحمان ماضوي، فقد كانت غايته خفيّة، لكن عبد الله شريط استطاع أن يوضّحها من خلال المقدّمة الّتي وضعها للمسرحيّة، فقد ذكر أنّ هذا العمل، جاء وصفاً لروح الثّورة الّتي كانت تتأجّج في نفوس الجزائريّين قبل اندلاعها سنة 1954، وكما بيّن الأبعاد الحقيقيّة من هذا التّوظيف حيث قال: «إنّ المؤلّف لم يسجن نفسه في حدود الفترة الّتي كتب عنها، وإنّما أراد أن يعطي لهذه القصّة أبعاداً أخرى تتجاوز الظّروف الزّمنيّة الّتي تتعلّق بها»[21]. وهذه الأبعاد ذكرها في قوله: « وأراد المؤلّف أن يجعل منها ملحمة يبرز فيها الملامح الخالدة للشّخصيّة الجزائريّة، وهذه الشّخصيّة الّتي ظلّت على مرّ التّاريخ تصارع الطّغيان، والإستبداد»[22].

     إنّ الغاية من التّوظيف نفسها نلاحظها في مسرحيّة “حنّبعل” لأحمد توفيق المدني، حيث وجّه نداءً ثوريّاً من خلال الإهداء، يدعو فيه الشّباب المغاربيّ إلى حمل راية الجهاد اقتداءً بالبطل التّاريخيّ “حنّبعل” جاء فيه: « إلى الشّباب المغربي حامل راية الكفاح… أقدّم هذه الرّواية الّتي تحيي له صفحة من جهاد الأبطال الأوّلين فيها عبرة وذكرى».[23]

- التّوظيف العكسي: هو الطّريقة الثّانية في توظيف بعض الشّخصيّات، والأحداث التّاريخيّة، وفيها يعطي المؤلّف بعض الملامح، والسّلوكات لشخصيّاته، تتناقض مع مدلولها التّاريخيّ، ويركّز على الصّفة الرّئيسيّة الّتي اشتهرت بها في التّاريخ، وبهذا التّغيير يحسّ المتفرّج بألم المفارقة بين الصّفات القديمة، والصّفات الّتي أعطاها لهذه الشّخصيّة.

    من الشّخصيّات الموظّفة في المسرح الجزائريّ في بدايته – توظيفاً عكسيّاً – شخصية عنترة بن شدّاد في العرض الّذي قدّمه علالو سنة 1930 بعنوان ” عنتر الحشايشي”، فهو لا يؤرّخ لملحمة بطل بني عبس، بل يعالج قصّة رجل مدمن على المخدّرات يعيش مغامرات خياليّة، شبّهها الأستاذ سعد الدين بن شنب بمغامرات ” دون كيشوت “[24] فالأمران اللّذان يشترك فيهما البطلان هما: حبّهما لعبلة ،وموتهما الأسطوريّ. لجأ علالو إلى هذا التّوظيف لتوليد إحساس بالمفارقة العجيبة الّتي يراها بين الإنسان العربيّ قديماً الّذي اتّصف بالشّجاعة، والرّجولة، والرّجل العربيّ في عصرنا، الّذي أهلكته المخدّرات، فهو يعيش المغامرات الخياليّة. فاسم عنترة رمز للشّجاعة، وعدم الخوف، والعفّة لكنّه في زمننا هذا أصبح مدمناً على الحشيشة.

     الهدف من هذا التّوظيف العكسيّ يختلف من كاتب إلى آخر، فهناك من يريد أن يعطي للمتفرّج نظرة سلبيّة عن الأوضاع الّتي يعيشها حيث يجعله يقارن بين الصّورة القديمة لهذه الشّخصيّة، وبين الوضع الرّاهن الّذي يعيشه، والبعض الآخر يريد تشويه التّاريخ حيث ينزع من الشّخصيّات التّاريخيّة كلّ الصّفات الجليلة الّتي التصقت بها، ويلبسها صفات سلبيّة متناقضة مع الحقائق المعروفة.

     هذا النّوع من التّوظيف قليل، ونادر في المسرح الإصلاحيّ، لأنّ الكتّاب كانوا يعتمدون على الجديّة في الأخذ من التّاريخ. كما أنّ الأمانة العلميّة، والخوف من التّحريف يدفعان المؤلّفين إلى البقاء في إطار المعالم، والخطوط العريضة الّتي اتّفق عليها المؤرّخونّ، فالتّاريخ شيء مقدّس لا يجوز للكتّاب أن يتصرّفوا في شخصيّاته بطريقة عابثة.

     إنّ العمل الوحيد الّذي وظّفت فيه شخصيّة تاريخيّة توظيفاً عكسيّاً، نجده عند أحمد رضا حوحو في مسرحيّته “عنبسة” [25] شخصيّة ظهرت في بداية حكم المسلمين للأندلس، فقد لعب دوراً سياسيّاً، كما أنّه قائد مشهور في أوائل القرن الثّاني للهجري. أقنع الحكّام الأمويّين بدمشق بحنكته، وقيادته فنصّبوه والياً. لكن أحمد رضا حوحو جعل منه خادماً لأحد الأمراء ” ابن حفصون”، ويساهم معه في عمليّة انتقام دنيئة من ملكة غرناطة، كما جرّده من كلّ الصّفات الحسنة، وصنع منه نموذجاً للشّرّ حيث فتن الملكة، وهو يعلم أنّها متزوّجة، فجعلته كبير الوزراء رغم علمها بعدم كفاءته، واستحقاقه لهذا المنصب، و في النّهاية يرتكب جريمتين بقتله لسيّده، وقتله نفسه خوفاً من اكتشاف أمره. إنّ الغاية من هذا التّوظيف العكسيّ غير واضحة، وربّما أراد أن يصوّر مرحلة تاريخيّة كان يراها منحطّة، وفاسدة في العصر الأندلسيّ، ليبيّن أسباب سقوط هذا البلد في يد الصّليبيّين، وربّما أراد أن يدلّ على أنّ السّياسة تفسد الإنسان، وتحوّله إلى رجل شرّير، تتحكّم فيه غريزة التّملّك، وعاطفة الانتقام.

- التّوظيف الإسميّ: في هذا الشّكل من التّوظيف يستغلّ المؤلّف اسم شخصيّة تاريخيّة مشهورة، فيجعله عنواناً لعمله المسرحيّ مع تغيير الأحداث، والشّخصيّات الثّانويّة الأخرى، كما يستطيع المؤلّف استعارة الصّفات الفيزيولوجيّة للشّخصيّة التّاريخيّة ،مع تغيير اسمها. إنّ القارئ ،أو المتفرّج يدرك بذاكرته قصّة هذه الشّخصيّة التّراثيّة بمجرّد ذكر اسمها ،أو مشاهدة ملامحها الخارجيّة على خشبة المسرح. فدلالة العنوان تمارس ” سلطة على تأويل المتلقّي للعمل”[26].

    هذا التّوظيف نجده في مسرحيّة “لونجا الأندلسيّة” لرشيد القسنطيني الّتي أوجد فيها شخصيّات وهميّة، وقدّمها بطريقة مغايرة للتّاريخ.[27] رغم هذا الخيال، والتّغييرات الّتي أحدثها رشيد القسنطيني في الأحداث إلا أنّنا لا نستطيع أن نجد شخصيّة أخرى تحمل هذا الاسم سوى شخصيّة ولادة بنت المستكفي الّتي تناولها القصّاصون، والمسرحيّون في مؤلّفاتهم بأسماء مختلفة مثل ” غانية الأندلس” لنجيب حداد، و” فتاة الأندلس” لجرجي زيدان، و”أميرة الأندلس” لأحمد شوقي.

      في إطار التّوظيف الاسميّ يلجأ المؤلّف إلى تغيير بعض الأسماء التّاريخيّة، لغرض الجمع بين شخصيّات لم تعش في زمن واحد حتّى لا يقع في التّدليس التّاريخيّ، وهذا ما لجأ إليه علالو في مسرحيّة “جحا”، فمن النّاحية التّاريخيّة لم يعش “جحا” في زمن هارون الرّشيد، ولكي يجمع بينهما في عمل فنيّ عمد المؤلّف إلى التّغيير، والتّصرّف في أسماء الشّخصيّات، فهارون الرّشيد أصبح ” قارون الرشيد”، و”جعفر البرمكي” أصبح “جعفر المهري”، و”مسرور” أصبح “مهرو”، و”المأمون” أطلق عليه اسم “ميمون”.

     إنّ التّوظيف الاسميّ استعمله الكاتب ،والمخرج محمد الطاهر فضلاء في عملين مسرحيّين: العمل الأوّل يتمثّل في “ليلى بنت الكرامة” فقد استعار المؤلّف اسمين معروفين في التّاريخ العربيّ الإسلاميّ، اشتهرا بأحداث عاطفيّة استهوت الكثير من المؤلّفين ،وكانت مصدر إلهام للشّعراء ،والمسرحيّين. الشّخصيّة الأولى هي “ليلى العامريّة” الّتي اقترن اسمها بقيس الّذي خلّد اسمها بأشعاره ،وكانت عنوان أعمال مسرحيّة منها مسرحيّة مجنون ليلى لأحمد شوقي، والشّخصيّة الثّانية  هي” جميل بن معمر” الّذي خصّص شعره للحديث عن ابنة عمّه بثينة، فالشّخصيّتان لا تجمعهما رابطة عاطفيّة في التّاريخ الحقيقيّ ،لكنّ المؤلّف محمد الطاهر فضلاء استطاع أن يجمعهما في عمل واحد مستغلاً الإطار المكانيّ ،وهو البادية، وموظّفاً الظّروف الاجتماعيّة الّتي كانت سائدة في البادية العربيّة. إنّ الهدف من هذا التّوظيف الاسميّ، هو معالجة قضيّة اجتماعيّة تتمثّل في تدخّل العادات، والتّقاليد في الزواج، فالمعروف عن الارتباط بين الأسر الجزائريّة، أنّه يتمّ وفق أعراف لا تراعي مشاعر الشّابين، لهذا السّبب جعل الشّاعر محمد الطاهر فضلاء مسرحيّته تنتهي بطريقة سعيدة حيث قبل والد ليلى أن يزوّج ابنته لجميل عكس ما حدث في مسرحيّة مجنون ليلى لشوقي، الّتي أنهيت بنهاية مأساويّة.

    أمّا العمل الثّاني فهو عمل مغاير حيث استغلّ الملامح الخارجيّة، وبعض المواقف مع تغيير الاسم، ويظهر ذلك في مسرحيّة الصحراء الّتي، تدور حول شخصيّة ” عمر المختار ” لكنّ المؤلّف لم يذكر اسمه بل عمد إلى تغييره، فسمّاه ” عماد الدين” مع المحافظة على الصّفات الخارجيّة للبطل اللّيبي عمر المختار، كالملابس، والشّعر الأبيض، ووضع النّظارات، إلى قيادته للمقاومة اللّيبيّة ضدّ الاستعمار الإيطاليّ.

     إنّ المشاهد يدرك للوهلة الأولى أنّ محور المسرحيّة، هو تلك الشّخصيّة الأسطوريّة الّتي ترمز إلى الجهاد، وعدم الاستسلام، لكنّ المؤلّف غيّر اسمه ،ليكون له هامش التّصرّف في الأحداث ،واستعمال الخيال بإضافة بعض الأحداث ،والشّخصيّات مثل شخصيّة المرأة الإيطاليّة ،وابنها من عماد الدين، وقضيّة تعذيب البطل من قبل الجنود الإيطالييّن. تناول محمد الطاهر فضلاء ” من خلال هذا التّوظيف قضيّة الجهاد”، والدّفاع عن الأرض والتّضحية بالنّفس، والأولاد، فقد صرّح بالهدف من وراء هذه المسرحيّة في قوله: «ووضعنا في المسرحيّة من شخص المجاهد عمر المختار الشّخصيّة المثاليّة، والأسطوريّة لكلّ المناضلين، والمجاهدين الأحرار»[28]، فهو يريد من المجتمعات العربيّة الّتي تحيا حياة القهر مع جلاديها أن تقتدي بمواقف هذا البطل ،وأن يختاروا بين الموت الكريم، وحياة البؤس والشّقاء، وأن يجعلوا قوله الأخير في المسرحيّة قاعدة يتعاملون بها مع الاستعمار: «هيّا أبيدونا جميعاً واحصدونا حصداً، لا تتركوا منّا فرداً، ولكن ثقوا أنّ روح الصّحراء لن تموت وهي خالدة خلود الزّمن».[29] فالتّوظيف ظاهر في هذه المسرحيّة من خلال استعارة المواقف، واستعارة الشّكل الخارجيّ للبطل عمر المختار، كاللّباس، والملامح الجسديّة.

   خاتمة:

    إنّ توظيف الأحداث، والشّخصيّات التّاريخيّة في المسرح الجزائري قبل الاستقلال، كان الاتّجاه الأساسي الّذي اعتمد عليه جلّ كتّاب الدّراما الجزائريّين، لمخاطبة أكبر شريحة من المجتمع الجزائري، فقد وجدوا ضالّتهم في هذا التّوظيف للتّعبير عن قناعاتهم الإيديولوجيّة، والسّياسيّة، واهتماماتهم الفنيّة، والأدبيّة، كما تحوّل هذا التّوظيف من مجرّد اقتباس، وتقليد للأعمال الدّراميّة المصريّة إلى إبداع جزائريّ خالص، معتمدين على طرق، وآليّات مختلفة من توظيف طرديّ إلى عكسيّ، واسميّ. إنّ الأعمال المسرحيّة التّاريخيّة الّتي قدّمها الكتّاب الجزائريّون رغم قلّتها، والنّقائص الموجودة فيها، إلّا أنّها تُعدّ من النّماذج الأدبيّة، والفنيّة الّتي تعكس مدى تأقلم الأدباء مع هذا الجنس الأدبيّ الجديد، وحرصهم الكبير على الإبداع فيه.

 

[1] فكري عبد الوهاب. النص المسرحي دراسة تحليلية تاريخية لفن الكتابة المسرحيّة. المكتب العربي الحديث. الإسكندرية، مصر. ط1 1997. ص9.

[2]  كتب مسرحيّة أوديب سنة 1931.

[3] كتب مسرحيّة أوديب سنة 1949.

[4] محمد غنيمي هلال. الأدب المقارن. دار الثّقافة و دار العودة. بيروت لبنان. ط5. د.ت. ص296.

[5] المرجع نفسه ص 296.

[6] بوشعيرة الرشيد. دراسات في المسرح العربي المعاصر. دار الأهالي. دمشق. ط1 1997. ص 45.

[7] عمارة محمد. نظرة جديدة إلى التّراث. دار قتيبة. بيروت. ط2 1988. ص8.

[8] أحمد العشري. مقدّمة في نظريّة المسرح السّياسي. الهيئة المصريّة العامّة للكتاب. ط1 1989. ص142.

[9] سلالو علي: فنّان جزائري موهوب ولد سنة 1902 بالجزائر العاصمة، ترك العديد من المسرحيّات الفكاهيّة أشهرها جحا سنة 1926، له كتاب مطبوع ” شروق المسرح الجزائري”.

[10] أنظر صالح لمباركيّة. المسرح في الجزائري النّشأة و الرّواد. دار الهدى. عين مليلة. الجزائر. ط1 2005. ص46.

[11] محي الدين باشترزي: فنّان جزائري ولد سنة 1887 بالجزائر العاصمة، كتب العشرات من المسرحيّات، كتب مذكّراته في ثلاثة أجزاء.

[12] محمد حسين هيكل. مسرحيّة العباسة لعزيز أباضة. دار المعارف. مصر 1965. ص05.

[13]  أحمد توفيق المدني. حنّبعل. المؤسّسة الوطنيّة للكتاب. الجزائر. ط2 1969. ص44.

[14] عبد الرحمان ماضوي. يوغرطة. المؤسّسة الوطنيّة للكتاب. الجزائر. ط2 1984. ص26.

[15] أنظر عبد الكريم برشيد. حدود الكائن و الممكن في المسرح الاحتفالي. دار الثّقافة. الدّار البيضاء. المغرب. ط1 1985. ص83.

[16] قدّمت الفرقة المسرحيّة التّونسيّة هذه المسرحيّة في الجزائر سنة 1911 بمشاركة بعض الممثّلين الجزائريّين، صالح لمباركيّة. المسرح في الجزائر. ص42.

[17] صالح لمباركيّة. المسرح في الجزائر. م.س. ص37.

[18] توفيق المدني. حنّبعل. م.س. ص27.

[19] المصدر نفسه. ص20.

[20] محمد العيد آل خليفة. مسرحيّة بلال بن رباح من كتاب النّصوص الأدبيّة لمحمد الصالح رمضان، وتوفيق شاهين. ش. وللتّأليف والتّرجمة والنّشر. ط1 1967. ص03.

[21] عبد الرحمان ماضوي. يوغرطة. م. س. ص03.

[22] المصدر نفسه. ص03.

[23] أحمد توفيق المدني. حنّبعل. ص02.

[24] سعد الدين بن شنب. المسرح العربي الجزائري. المجلّة الأفريقيّة. ج4 سنة 1935. ص05.

[25] اسمه عنبسه ين سحيم الكلبي، أحد قادة جيش بني أميّة بالأندلس.

[26] محمد فكري الجزار. العنوان و سيميوطيقا الاتّصال الأدبي. الهيئة المصريّة العامّة للكتاب. ط1 1998. ص115.

[27] سعد الدين بن شنب. المسرح العربي الجزائري. المجلّة الإفريقيّة. الجزء4 1935. ص06.

[28] محمد الطّاهر فضلاء. المسرح تاريخا و نضالا. ج2. دار هومة الجزائر. ط1 2000. ص196.

[29] حمد الطاهر فضلاء. مسرحيّة الصّحراء. المكتبة الوطنيّة الجزائريّة. ط1 2007. ص93.


Updated: 2019-07-06 — 20:42

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme