تبسيط السرد القصصي للناطقين بغير العربية:الوظائف – الإشكاليات– المعايير / هاني إسماعيل رمضان


 

تبسيط السرد القصصي للناطقين بغير العربية:الوظائف – الإشكاليات– المعايير

د. هاني إسماعيل رمضان/جامعة غيرسون،تركيا

مقال نشر في  مجلة جيل العلوم الانسانية والاجتماعية العدد 44 الصفحة 31.

    ملخص:

للأدب دور مهم في تعلم اللغات وتعليمها، وينبثق هذا الدور الفاعل من كون الأدب وعاءً ثقافيًّا وحضاريًّا، مما يسهم في رفع الكفاءتين: اللغوية والثقافية للدارسين، بيد أن النص الأدبي تكتنفه بعض التحديات المتعلقة بلغته المجازية، وخلفيته الثقافية، لذا جاءت فكرة تبسيط الأدب للتغلب على هذه التحديات، مما يسهم في تقريب النص الأدبي للدارسين واتخاذه قنطرة للعبور إلى النص الأصلي.

وبالرغم من انتشار فكرة التبسيط في تعليم اللغات الأجنبية وصدور السلاسل المتخصصة إلا أن المكتبة العربية للناطقين بغيرها تفتقر هذا النوع  من السلاسل، وهذا الافتقار هو الدافع الرئيسي لإعداد هذا البحث، إذ هدف البحث إلى تناول استراتيجية التبسيط للأدب؛ من خلال تناول وظائف التبسيط وإشكالياته، ومعاييره، وبذلك انتهى البحث إلى جملة نتائج على رأسها تحديد معايير إرشادية لعملية التبسيط.

الكلمات المفتاحية:تبسيط الأدب، الكفاية الأدبية، الكفاية اللغوية، القصص للناطقين بغير العربية.

 

مقدمة:

إن تقديم القصة إلى متعلمي العربية من الناطقين بغيرها يسهم بشكل بارز في تنمية الكفاءة الاتصالية، من خلال الحوارات والعبارات التي تتناول الموضوعات الحياتية، والمتضمنة في القصة، بالإضافة إلى إكساب الكفاءتين اللغوية والأدبية، ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى تبسيط السرد القصصي ليكون قنطرة للمتعلم يعبر بها إلى واحة الأدب العربي، فيتذوق جمالياته، ويستمتع بنصوصه بجانب تنمية حصيلته اللغوية.

لاسيما أن توظيف الأدب المبسط في تعليم اللغات أمر تفتقر إليه المكتبة العربية، بالرغم من انتشاره في تعليم اللغات الأجنبية، وبالرغم من تعدد الدراسات([1]) التي تناولت الأدب العربي للناطقين بغير العربية، بصفة عامة، والقصة بصفة خاصة، فإن الباحث لم يطلع على بحث يتناول تبسيط الأدب للناطقين بغير العربية، مع أهمية التبسيط في العملية التعليمية والعملية الإبداعية على حد سواء.

فإن كان السرد القصصي باعتباره نصا أدبيا يواجه بعض الإشكاليات لدى المتلقي العربي، فإنهيواجه إشكاليات أكبر لدى المتلقي/المتعلم الأجنبي، ويرجع السبب الرئيسي في ذلك إلى اختلاف الثقافات وتباين طبيعةاللغة، ولما كان الهدف من تبسيط القصص تعليميا تربويا من جانب، وأدبيا فنيا من جانب آخر؛ فالجمع بين الهدفين يمثل تحديا آخر.

وعليه فإن هذا البحث يسعى إلى استقراء هذه الإشكاليات التي تقف عائقا أمام تبسيط السرد القصصي إلى غير الناطقين بالعربية، بعد تحديد وظائفه وآلياته، مع المحاولة إلى وضع معايير وضوابط لهذا السرد تنطلق من خصوصية المتلقي، وذلك من خلال مباحث ثلاث، إضافة إلى المقدمة والخاتمة، وهي:

  • وظائف السرد القصصي للناطقين بغير العربية.
  • إشكاليات السرد القصصي للناطقين بغير العربية.
  • معايير السرد القصصي للناطقين بغير العربية.

أولا: وظائف السرد القصصي للناطقين بغير العربية:

يفرض متعلم العربية من الناطقين بغيرها سلطته على النص الأدبي، مستمدًا هذه السلطة بصفته قارئًا في المقام الأول، وبصفته متعلمًا في المقام الثاني، فهو متلقٍّ ذو خصوصية متفردة، خصوصية تتطلب قراءة مغايرة ترعى هذه الخصوصية، “فإن الشيء الأساسي في قراءة كل عمل أدبي هو التفاعل بين بنيته ومتلقيه”([2]) ولن يتم هذا التفاعل بين المتلقي/المتعلم إلا بقراءة تستنطق من النص الأدبي البعدين اللغوي والجمالي في آن.

وبذلك يختلف المتلقي/المتعلم للعربية من الناطقين بغيرها، عن المتلقي من أبناء اللغة، فالأخير يسعى إلى قراءة تستجلي البعد الجمالي وتستنطق تمظهراته الظاهرة والمستترة، ولا تقف على حدود الفهم الأولية للنص، بل تتجاوزها إلى تأويل النص، “مما يستدعي منه ممارسة عملية الفهم والتحليل والتفسير باللجوء إلى التأويل الذي يبني عليه مفهومه مما يؤدي إلى تعدد تأويلاته وتكثيف معناه”([3]).

وبالتالي فإنه يمكن – إجمالا – تقسيم وظيفة السرد القصصي لمتعلمي العربية من الناطقين بغيرها إلى وظيفتين كبريين، هما:

  • الوظيفة اللغوية التعليمية، أو ما يصطلح عليه في تعليمية اللغة بالكفاية اللغوية.
  • الوظيفة الجمالية الفنية، وهي تندرج تحت مصطلح الكفاية الأدبية.

الوظيفة اللغوية:

السرد في أحد مفاهيمه هو “نقل الحادثة من صورتها الواقعة إلى صورتها اللغوية”([4])، وهذه الصورة اللغوية في حد ذاتها هدف رئيسي للمتلقي الناطق بغير العربية، إذ يسعى المتعلم إلى تحقيق الكفاية اللغوية Linguistic Competence من خلال اكتساب عناصر اللغة، ومهاراتها، متخذا من السرد القصصي وسيلة إلى ذلك، فالكفاية اللغوية “تجعلهم قادرين على فهم طبيعة اللغة والقواعد التي تضبطها،

 والنظام التي [كذا] يحكم ظواهرها والخصائص التي تتميز بها مكوناتها أصواتا، ومفردات وتراكيب ومفاهيم”([5]) ومن ثم ينتقل المتعلم من “مرحلة تعلم القراءة إلى التعلم بالقراءة”([6])

بذلك يسهم السرد القصصي بشكل مباشر استمرارية التعلم والتعلم الذاتي، ولا سيما أن اكتساب اللغة عملية مستمرة ومتطورة في آن، لذا يعد السرد القصصي مصدرًا من مصادر الدخل اللغوي LanguageInput التيتشكل الحصيلة اللغوية Language Intake عند المتعلم، مما يسهم في إثراء مفرداته على المستوى الدلالي والمستوى المعجمي، ولا سيما أن المتعلمين للعربية يولون اهتماما كبيرا بتحصيل المفردات بشكل ملحوظ، فقد أكدت إحدى الدراسات حرص متعلمي العربية الشديد “على عنصر المفردات، ونظرتهم إلى أن عنصر المفردات يمثل أهم عناصر اللغة عند اكتسابها”([7]).

وهو وجهة نظر تتفق مع رأي المتخصصين الذين يرون أن أول أهداف تدريس الأدب بفروعه للناطقين بغير العربية هو “تنمية الثروة اللغوية عند الدارسين، والارتقاء بها عن طريق اطلاعهم على نماذج أدبية ذات مستوى رفيع”([8])، ويترتب على زيادة الثروة اللغوية ارتقاء المستوى الدلالي وتجاوز المعنى الحرفي إلى المعنى الإشاري بما يكتنفه من أبعاد ثقافية، أو خلفيات معرفية، مما يؤهل المتعلم إلى اكتساب الكفاية الثقافيةCultural Competence ولاسيما “أن من المتعلمين من يظن بأن المعنى المعجمي وحده يكفي لبيان معنى الكلمة، غافلين – غير مدركين – لظلال المعنى المعجمي – المعنى الثانوي أو الاجتماعي – الذي قد توحي به الكلمة أو الجملة باختلاف الثقافة والحضارة”([9]).

الوظيفة الجمالية:

ثمة وظيفة أساسية للسرد القصصي – باعتباره عملا أدبيا – هي تحقيق المتعة الفنية واللذة الجمالية، إذ إنها الغاية المقصودة من الأدب والفنون بصفة عامة، ومن السرد بصفة خاصة.

هذه المتعة هي التي جعلت من الأدب وسيلة تربوية تطهر النفس البشرية وتسمو بها، فالمتعة في الأدب متعة راقية، متعة عقلية وليست حسية، «لأنها تأتي عن طريق نشاط سام، وهو التأمل المنـزه عن الغرض”([10]).

وفي المقابل فإن منفعة الأدب والفن منفعة ممتعة، وإن جديته في التعليم جدية فنية “لأن جدية الأدب تختلف عن جدية الواجب الذي لا مناص من أدائه، أو الدرس الذي ينبغي تحصيله، فهي جدية جمالية”([11]) تُدرَك بالشعور والعقل الباطني من جانب، وتكون طواعية لا إجبارية من جانب آخر، وهو ما يجعل تأثيرها أعمق أثرا من التعليم المباشر، “فإذا كان لعمل أدبي أن يؤدي وظيفته بنجاح، فإن صفتي المتعة والفائدة لا تقتصران على مجرد التلازم، وإنما تندمجان كليا”([12]).

ومن ثم فإن تقديم السرد القصصي للناطقين بغير العربية إن لم يجمع بين المتعة الفنية، والمنفعة التعليمية، فإنه يفقد أهليته وجدواه، وأصبح بمثابة نص من نصوص فهم المقروء، وعليه فإن الوظيفة الجمالية (المتعة الفنية) هي الغاية المقصودة، بينما الوظيفة اللغوية (النفعية) هي وظيفة ضمنية غير مقصودة في ذاتها، وهذه المعادلة بين طرفي المتعة والمنفعة هي الدافع الرئيسي لتبسيط السرد القصصي للناطقين بغير العربية، وذلك كي يتسنى للمتعلم الشعور باللذة الفنية أثناء قراءته، ولا تقف تحديات السرد القصصي عائقا أمامه.

وبالرغم بأن المتعة الفنية هي مقصد في ذاتها، فإنها ليست المقصد الوحيد للسرد القصصي، فثمة وظائف أخرى تنبثق من السرد القصصي بوصفه نصا أدبيا، فالنصوص الأدبية لا تقتصر فقط على “تحقيق الأهداف الجمالية الخالصة، فهي بوابة واسعة تقود إلى القيم الفكرية، والثقافية، التي تسكن هذه اللغة”([13])وبالتالي يكون السرد القصصي بوابة إلى الكفاية الثقافية كما أشرنا آنفا، حيث إن الأدب “يعد المرآة العاكسة لثقافة الأمة التي كتب عنها، وأفضل طريقة للتوصل إلى فهم ثقافة أمة من الأمم هو أن يُقرأ أدبها في اللغة التي كتبت فيها وليس منقولا أو مترجما إلى لغة أخرى، لأن الترجمة تفقد العمل المترجم روحه وجماله”([14]).

ثانيا: إشكاليات السرد القصصي للناطقين بغير العربية:

يواجه المتلقي/المتعلم إشكاليات عديدة في السرد القصصي تتراوح بين بنية السرد وتقنياته، وبين لغة السرد ومستوياتها الأدبية والبلاغية، فإن كان النص السردي قد يمثل في أحيان كثيرة تحديا لأبناء اللغة بوصفه نصًّا أدبيًّا له خصوصية فنيه تحتاج إلى فك شفراته، فإن هذا النص السردي – عينه – يمثل تحديا أكبر للمتلقي/المتعلم للعربية من الناطقين بغيرها، وبوصفه نصًّا لغويا يحتاج إلى فهمه أولا، وبوصفه نصًّا أدبيا يحتاج إلى فك شفراته – كالمتلقي من أبناء اللغة – من جانب آخر، لهذا يمكن أن نجمل الإشكاليات التي تواجه المتلقي/المتعلم في السرد القصصي في إشكاليتين رأسيتين هما: إشكالية اللغة بمستوياتها المختلفة، وإشكالية تقنيات السرد بأشكاله المتنوعة، التي تتمظهر في صور عديدة من الإشكاليات الفرعية، بيد أن هذه الصور لا تخرج عن هاتين الإشكاليتين، وتندرج تحت عباءتهما، وهو ما سيتضح من خلال تناولهما بالتفصيل، والتمثيل إلى بعض هذه الصور فيما يأتي:

إشكالية اللغة:

يحتاج المتلقي/المتعلم إلى حصيلة لغوية كافية لفهم السرد القصصي، فمحدودية المعجم اللغوي للمتلقي/المتعلم تمثل إشكالية واضحة أمام تلقيه للسرد واستيعابه له، فكلما زادت المفردات الجديدة في السرد كلما زادت صعوبته وقلَّت نسبة استيعابه مما يُفقد السرد قيمته الجمالية ووظيفته الفنية.

ولا تقتصر إشكالية اللغة على محدودية المعجم اللغوي للمتلقي/المتعلم، بل تتجاوزها إلى مجازية اللغة، وإدراك المتلقي/المتعلم للإشارات المجازية، والدلالات الضمنية، “فالمقدرة اللغوية قد تظل عاجزة عن فهم نصوص ذات طبيعة أدبية وفنية”([15]) لما تحمله من دلالات مجازيه وإشارات غير لغوية.

تأمل قول المنفلوطي في العبرات: “وقف الأمير أمام قصر الحمراء فرأى سماء تطاول السماء”([16]) كيف للمتلقي/المتعلم أن يفهم المقصود الدلالي من سماء تطاول السماء، إذا اقتصر فهمه على المعنى اللغوي للمفردات، دون المغزى المجازي المبثوث بين ثنايا المفردات؟ لا سيما أن أكثر اللغة – في الأصل – مجاز لا حقيقة كما قرر ابن جني في الخصائص([17]) وهذا المجاز “تزخر به عادة لغة الأدب، ومصدر الصعوبة هنا افتقاد الخبرة اللغوية والحساسية المفضية إلى استنكاه المسالك العديدة التي تنساب خلالها عملية التجوز”([18]) ويزداد الأمر صعوبة إذا كان المجاز يختلف مدلوله بين اللغة الهدف (العربية) واللغة الأم للمتلقي/المتعلم، فعلى سبيل المثال يرمز الحمار في الثقافة العربية المعاصرة إلى الغباء، بينما يرمز في الثقافة الغربية إلى القوة والتحمل، حتى أنه صار شعارًا سياسيا في أمريكا.

ومن ثم يقع المتلقي/المتعلم في سوء فهم لعدم إدراكه المعنى المجازي لرمز الحمار في السياق، لا سيما أنه لا توجد علاقة منطقية بين الرمز (الحمار) ودلالته المجازية (الغباء) بل العلاقة علاقة عُرفية إذ إن “الاستخدام الرمزي صيغة أو أسلوب لا يكون في الدال فيه مشابها للمدلول، بل تكون العلاقة بينهما علاقة اعتباطية أو علاقة عرفية محضة”([19]).

إشكالية تقنيات السرد:

تنبع جماليات السرد القصصي من تقنياته التي تشكله أدبيا، وتميزه فنيا، بتنوعاتها الشتى، التي ترتكز على تشكيل فني للسرد القصصي عبر أدوات اللغة، وآليات السرد، مما يترتب عليه تماهي اللغة مع المبنى الحكائي، وفيه يبدو المتن الحكائي وحدة لغوية متداخلة الأنماط، ولقد أشار إلى ذلك ميخائيل بختين عند وصفه للرواية بأنها “ظاهرة متعددة في أساليبها متنوعة في أنماطها الكلامية، متباينة في أصواتها، يقع الباحث فيها على عدة وحدات أسلوبية غير متجانسة، توجد أحيانا في مستويات لغوية مختلفة، وتخضع لقوانين أسلوبية مختلفة”([20]).

وهذا التنوع والتباين في تقنيات السرد القصصي يمثل إشكالية للمتلقي/المتعلم غير الناطق بالعربية، فكي يتسنى له فهم السياق في السرد، ينبغي له أن يدرك التقنيات المتنوعة، التي تسعى إلى توظيف جملة من أدوات السرد، مثل التناص بأنماطه العديدة: الدينية، والتاريخية، والاجتماعية، التي تطلب من القارئ/المتعلم أن يكون لديه معرفة مسبقة بالمحمولات الثقافية للتناص، حتى يتسنى له إدراك مدلولاتها في السياق السردي.

ومن تقنيات السرد التي قد توقع المتلقي/المتعلم في اللبس، وتسبب له إشكالية من إشكاليات فهم المتن الحكائي؛ تقنية الراوي، التي يختبئ الكاتب الروائي خلفها، وبناء عليها تختلف زاوية رؤيته، بين الرؤية من الخلف، والرؤية مع، والرؤية من الخارج، “وكثيرا ما لجأ الكُتَّاب الروائيون إلى تنويع الراوي لعالم في العمل الروائي الواحد، وفق ما يقتضيه سياق السرد”([21]) وينعكس هذا التنويع على المتلقي/المتعلم، الذي قد يقع في تشتيت ذهني بين أنماط الراوي في السرد، مما ينتج عنه صعوبة في إدراك العلائق بين الشخصيات والوظائف، بالرغم من إدراك مدلولات الألفاظ في المتن الحكائي.

وما ينطبق على تقنية الراوي ينطبق أيضا على الزمن في السرد، وما ينتج منه من تقنيات فنية، فإن الزمن في السرد “زمن خطي، يخضع لنظام كتابة الرواية على أسطر صفحاتها، في حين أن زمن الحكاية، زمن متعدد الأبعاد يسمح بوقوع أكثر من حدث في آن واحد، الأمر الذي ينشأ عنه ظهور مفارقتين، أو تقنيتين سرديتين، هما: تقنية الاسترجاع وتقنية الاستباق (الاستشراف)”([22]) اللتان تتطلبان من المتلقي/المتعلم الوعي التام بالمتن والمبنى الحكائيين في آن، وإلا سقط في ضبابية المتوالية السردية وتنوعاتها.

ثالثا: معايير تبسيط السرد القصصي للناطقين بغير العربية:

حتى يكون التبسيطقنطرة للسرد القصصي العربي يعبر عليها المتعلم الناطق بغير العربية للنص الأصلي؛ لا بد من وضع جملة من المعايير التي ينبغي وضعها في الاعتبار عند القيام بعملية التبسيط للنص الأصلي، على رأسها أن الهدف من تعلم اللغة هو تذوقها والتفكير بها، وليس التواصل بها فحسب، وهو ما عبر عنه ابن فارس حين قال: “إن كنتَ تريد أن المتكلّم بغير اللغة العربية قد يُعرِب عن نفسه حتى يفهم السامع مراده فهذا أخس مراتب البيان، لأن الأبكم قد يدلُّ بإشارات وحركات له على أكثر مراده ثم لا يسمّى متكلما”([23]) وبناء على هذا الرأي يمكن استخلاص أول معيار من معايير التبسيط، ألا وهو عدم تغليب الوظيفة اللغوية (النفعية) على الوظيفة الجمالية (المتعة الفنية) فالغاية الأسمى أن يقرأ المتعلم النص الأصلي ويتجاوب معه، وهو ما يجعل عملية التبسيط عملية فنية صعبة “إذ لا بد أن يتوفر في الأدب المبسط المقومات الأساسية للأدب الأصلي، سواء أكان هذا الأدب قصة أم مسرحية أم مجموعة من الأشعار، مع ضرورة الاحتفاظ بالروح العامة للكاتب الأصلي، وما يتميز به أسلوبه من مقومات خاصة”([24]) ومن ثم فإن عملية التبسيط وما تتخذ من معايير تسعى إلى تقريب النص الأصلي أكثر من تجاوزه.

ومن المعايير التي تسهم في تبسيط النص الأصلي للمتلقي/المتعلم دون الإخلال – إلى حد ما – من مقومات النص الأصلي؛ التقليل من المجاز والرمز والكنايات والأساليب البلاغية، خاصة تلك الأساليب التي تميل إلى الغموض، أو التي تحمل أكثر من وجه للتأويل والقراءة، فإن كانت هذه الأساليب تتناسب مع المتلقي العربي بيد أنها تكون بمثابة عقبة كئود للمتلقي/المتعلم من غير الناطقين بالعربية، “وهنا يجب القول أن تلك الظواهر المشار إليها، والتي ينسب إليها غموض العبارة الأدبية وصعوبتها – غالبا – أمام الطالب الأجنبي ليست على درجة واحدة من الغموض، بل إن الظاهرة الواحدة تتفاوت أمثلتها سهولة وصعوبة في المواضع المختلفة، كما أن أساليب الأدباء على ذاته تختلف في مدى الحرص على هذه الظواهر: فالتشبيه – مثلا – له صور مختلفة، بعضها أوضح من بعض، كما أن التشبيه في عمومه أوضح من الاستعارة، والمجاز المفرد أبسط من المجاز المركب، وصور الكناية تتفاوت خفاءً ووضوحا تبعا لبعد العلاقات أو قربها”([25]).

ومن نافلة القول الإشارة إلى أنعملية التبسيط لا بد أن تنحي الألفاظ الغريبة والمهجورة، وأن تستعيض عنها بالألفاظ الشائعة والمألوفة، وبذلك يكون النص السرد أقرب إلى فهم المتلقي/المتعلم، بالإضافة إلى أن المفردات الجديدة ستثري معجمه اللغوي، وتفيد في تنمية كفاءته التواصلية، وتجدر الإشارة هنا إلى أن عملية التبسيط لا يقصد بها حصر المتعلم في قائمة المفردات الشائعة أو المكتسبة سلفا، بقدر ما تعني إثراء مفردات المتعلم بمفردات متداولة يمكن توظيفها تواصليا وأدبيا في آن، حتى لا يؤدي التبسيط إلى “الحد من المهارات القرائية وتجميدها، وحصر المتعلم في قائمة المفردات التي يعرفها حسب”([26]).

وبما أن التبسيط هو قنطرة إلى النص الأصلي فإن من المعايير التي ينبغي الالتزام بها “الاحتفاظ بقاموس المؤلف الأول، وأسلوبه قدر الإمكان، حتى إذا حاول المتعلم قراءة النص الأصلي لا يجد تباين بين الأسلوبين، بالإضافة إلى أن تكون مفردات القصص المبسطة ذخيرة يتقوى بها المتعلم في فهم واستيعاب مفردات النص الأصلي”([27]).

وفي المحافظة على أسلوب المؤلف وقاموسه وسيلة من وسائل الارتقاء بمستوى المتعلم، وردم الهوة التي قد يستشعرها المتعلم عند التعامل مع النصوص السردية الأصيلة، فغاية التبسيط هي غرس الثقة عند المتلقي، من خلال التعامل مع النص السردي واستشعار لذته الفنية، وقيمته الجمالية، كما على المؤلف الثاني (المُبَسِّط) أن يدرك أنه مجرد وسيط بين المؤلف الأصيل والمتلقي/المتعلم، ومن ثم لا يحق له تحوير أو تحريف فكرة المؤلف.

ولا يفوتنا الإشارة إلى أهمية صياغة تركيب الجمل طبقا للتراكيب البسيطة، التي ترتكز على الترتيب المنطقي للجملةلا سيما في المستويات الأولى، وتجنب التأخير والتقديم في أركان الجملة وعناصرها، كي تكون الرتبة قرينة على فهم النص واستيعابه، وأمن اللبس.

وإن كانت الرتبة في تركيب الجملة قرينة على أمن اللبس، فإن ترتيب الأحداث وسردها طبقا للترتيب الزمني يعد معيارًا مهمًا من معايير التبسيط، التي تساعد المتلقي/المتعلمعلى فهم النص واستيعاب أحداثه، وهو ما يعني استبعاد تقنيتي الاسترجاع والاستباق، أو الحد منهما على أقل تقدير.

وفي ذات السياق فإن توظيف تقنيات السرد الكلاسيكية، التي لا تعتمد على التداخل والتماهي، الذي يؤدي بدوره إلى الغموض والإبهام،تكون أنسب في عملية التبسيط، فعلى سبيل المثال، يجدر بمن يقوم بعملية التبسيط أن يعتمد تقنية واحدة من تقنيات الراوي، وألا يعدد أصوات الرواةفي القصة.

وإجمالا يمكن القول بأن كل ما يؤدي إلى وضوح المعنى وبسط الفكرة دون تعقيد وغموض سواء على مستوى الألفاظ والتراكيب، أو على مستوى التقنيات والأساليب الفنية يعد معيارًا حاكما في عملية التبسيط شريطة ألا يتجاوز فكرة النص الأول.

خاتمة:

تتمركز أهمية السرد القصصي في تقديم الأدب العربي بجمالياته وقيمه للناطق بغير العربية في ثوب يتلاءم مع مستواه اللغوي، وهو ما يبدو سهلا من الوهلة الأولى، بيد عند الإمعان تتضح الصعوبة الكامنة في الحفاظ على هوية السرد باعتباره نصًّا أدبيا من جانب، وإعادة صياغته بلغة وأسلوب ميسر يتناسب مع مستوى المتلقي/المتعلم.

وعليه استخلص البحث الإشكاليات التي تواجه عملية التبسيط في عنصرين رئيسيين هما: اللغة والسرد، ولتجاوز هاتين الإشكاليتين انتهى البحث بوضع جملة من المعايير التي تسهم – من وجهة نظر الباحث –في تبسيط النص الأصلي دون تجاوز المؤلف الأول وأسلوبه، من أهمها الاتجاه إلى المفردات الشائعة، والتراكيب البسيطة، والتعابير الصريحة، مع توظيف تقنيات السرد الكلاسيكية واستبعاد التقنيات التي تؤدي إلى الغموص والتأويل.

كما انتهى البحث إلى ندرة الدراسات والأبحاث – إن لم يكن عدمها – في مجال تبسيط الأدب للناطقين بغير العربية، وفي ذات السياق ندرة الأعمال المبسطة لهذه الشريحة المهمة التي تزداد يومًا بعد يوم.

لذا يوصي الباحث بضرورة إجراء البحوث والدراسات النظرية من جانب، وإصدار أعمال مبسطة لكلاسيكيات الأدب العربي تكون موجهة للناطقين بغير العربية من جانب آخر ليستعان بها في تعليمهم العربية، فمن المؤسف أن نرى حكايات الأطفال تقدم للبالغين والشباب الذين يدرسون العربية بدعوى أنها تناسب مستواهم اللغوي، غاضين الطرف عن مستواهم العقلي والفكري، لذا فإن التبسيط ضرورة من ضرورات تعليم اللغة بصفة عامة والأدب بصفة خاصة.

 

 

قائمة المصادر:

  1. أحمد بن فارس: الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها، تحقيق أحمد حسن بسج، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997م.
  2. آمنة يوسف: تقنيات السرد في النظرية والتطبيقية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت، ط2، 2015م.
  3. دانيال تشاندلر: معجم المصطلحات الأساسية في علم العلامات، ترجمة وتقديم: د. شاكر عبد الحميد، أكاديمية الفنون – القاهرة، ط1، 2002م.
  4. رشدي أحمد طعيمة: المرجع في تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى، جامعة أم القرى، سلسلة دراسات في تعليم العربية (18) 1986م.
  5. رشدي أحمد طعيمة: قضايا وتوجيهات في تدريس الأدب العربي، مجلة معهد اللغة العربية، جامعة أم القرى، ع1، 1982م.
  6. رنيه وليك، وأوستنوآرن: نظرية الأدب، تعريب: عادل سلامة، الرياض: دار المريخ، 2004م.
  7. سهير أحمد محفوظ: تبسيط أدب الكبار للأطفال دراسة نظرية مع نماذج تحليلية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1991م.
  8. عبد الحكم راضي: تدريس النصوص الأدبية لطلاب اللغة الثانية في المراحل المبتدئة، ملاحظات حول الصعوبات والحلول، مجلة معهد اللغة العربية، جامعة أم القرى السعودية، ع1، 1982م.
  9. عبد الله بن عبد العزيز الحسيني: اكتساب المفردات عند متعلمي اللغة العربية، مجلة العربية للناطقين بغيرها، معهد اللغة العربية بجامعة أفريقيا العالمية، السودان، ع12، يونيو2011م.
  10. عثمان بن جني: الخصائص، دار الكتب المصرية، القاهرة، (د. ت).
  11. عزالدين إسماعيل: الأدب وفنونه دراسة ونقد، دار الفكر العربي، 2004م.
  12. فاطمة محمد العليمات، و نزار مسند فبيلات: نحو رؤية منهجية في تدريس النص الأدبي للناطقين بغير العربية، مجلة المنارة للبحوث والدراسات، الأردن، مج 20 ع4، 2014م.
  13. فولفغانغ إيزر: فعل القراءة نظرية جمالية التجاوب في الأدب، ترجمة حميد لحمداني، الجلالي الكدية، مكتبة المناهل، فاس – المغرب، 1995م.
  14. ليندة سماحي: سلطة القارئ وعالم النص، مجلة إشكالات في اللغة والأدب ع8، ديسمبر 2015م.
  15. محمد عايد القضاة، وفاطمة محمد العمري: أثر اللغة الأم في تعلم اللغة الثانية: العربية للناطقين بغيرها أنموذجا، دراسات، العلوم الإنسانية والاجتماعية، الأردن، ملحق مج 42، 2015م.
  16. محمد عبد الخالق محمد: اختبارات اللغة، جامعة الملك سعود، 1996م.
  17. محمود العشيري: من الكفاءة اللغوية إلى الكفاءة الأدبية، نحو منهجية لبناء مقررات في تعلم اللغة ارتكازا على النص الأدبي، أعمال مؤتمر Education of Arabic Language & Literature in Modern Society ، جامعة هانكوك، 23 نوفمبر 2013م.
  18. مصطفى لطفي المنفلوطي: العبرات، دار الهدى الوطنية، بيروت، (د.ت).
  19. ميخائيل بختين: الكلمة في الراوية، ترجمة يوسف خلاق، منشورات وزارة الثقافة، دمشق 1988م.
  20. هاني إسماعيل رمضان: العبرات للمنفلوطي، سلسلة الأدب للجميع، المستوى المتوسط، دار تكين، تركيا، 2017م.
  21. وليد العناتي: رؤى لسانية في تدريس القصة القصيرة للناطقين بغير العربية، مجلة النجاح للأبحاث (العلوم الإنسانية) المجلد 23(1) 2009م.
  22. يمنى العبد: تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي، دار الفارابي – بيروت، ط3، 2010م.

([1]) منها على سبيل المثال:

  1. دراسة عبد الحكم راضي: تدريس النصوص الأدبية لطلاب اللغة الثانية في المراحل المبتدئة، ملاحظات حول الصعوبات والحلول، مجلة معهد اللغة العربية، جامعة أم القرى السعودية، ع1، 1982م، ص231 -246.
  2. رشدي أحمد طعيمة: قضايا وتوجيهات في تدريس الأدب العربي، مجلة معهد اللغة العربية، جامعة أم القرى، ع1، 1982م، ص247 – 289.
  3. رؤى لسانية في تدريس القصة القصيرة للناطقين بغير العربية، مجلة النجاح للأبحاث (العلوم الإنسانية) المجلد 23(1) 2009م، ص 73 – 94.
  4. محمود العشيري: من الكفاءة اللغوية إلى الكفاءة الأدبية، نحو منهجية لبناء مقررات في تعلم اللغة ارتكازا على النص الأدبي، أعمال مؤتمر Education of Arabic Language & Literature in Modern Society جامعة هانكوك، 23 نوفمبر 2013م، ص 95 – 105.
  5. فاطمة محمد العليمات، ونزار مسند فبيلات: نحو رؤية منهجية في تدريس النص الأدبي للناطقين بغير العربية، مجلة المنارة للبحوث والدراسات، الأردن، مج 20 ع4، 2014م، ص225 – 244.

([2]) فولفغانغ إيزر: فعل القراءة نظرية جمالية التجاوب في الأدب، ترجمة حميد لحمداني، الجلالي الكدية، مكتبة المناهل، فاس – المغرب، 1995، ص12.

([3]) ليندة سماحي: سلطة القارئ وعالم النص، مجلة إشكالات في اللغة والأدب ع8، ديسمبر 2015، ص293.

([4]) عزالدين إسماعيل: الأدب وفنونه دراسة ونقد، دار الفكر العربي، 2004، ص104.

([5]) رشدي أحمد طعيمة: المرجع في تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى، جامعة أم القرى، سلسلة دراسات في تعليم العربية (18) 1986، ص61.

([6]) محمد عبد الخالق محمد: اختبارات اللغة، جامعة الملك سعود، 1996، ص281.

([7]) عبد الله بن عبد العزيز الحسيني: اكتساب المفردات عند متعلمي اللغة العربية، مجلة العربية للناطقين بغيرها، معهد اللغة العربية بجامعة أفريقيا العالمية، السودان، ع12، يونيو2011، ص404.

([8]) رشدي أحمد طعيمة: المرجع في تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى، ص676.

([9]) محمد عايد القضاة، وفاطمة محمد العمري: أثر اللغة الأم في تعلم اللغة الثانية: العربية للناطقين بغيرها أنموذجا، دراسات، العلوم الإنسانية والاجتماعية، الأردن، ملحق مج 42، 2015، ص1171.

([10]) رنيه وليك، وأوستن وآرن: نظرية الأدب، تعريب: عادل سلامة، الرياض: دار المريخ، 2004، ص46.

([11]) المرجع نفسه: ص46.

([12]) المرجع نفسه، ص45.

([13]) محمود العشيري: من الكفاءة اللغوية إلى الكفاءة الأدبية، ص101.

([14]) محمد عبد الخالق محمد: اختبارات اللغة، جامعة الملك سعود، 1996، ص281.

([15]) محمود العشيري: من الكفاءة اللغوية إلى الكفاءة الأدبية، ص101.

([16]) مصطفى لطفي المنفلوطي: العبرات، دار الهدى الوطنية، بيروت، (د.ت) ، ص65.

([17]) عثمان بن جني: الخصائص، دار الكتب المصرية، القاهرة، (د. ت)، 2/447.

([18]) عبد الحكيم راضي، تدريس النصوص الأدبية لطلاب اللغة الثانية في المراحل المبتدئة: ملاحظات حول الصعوبات والحلول، ص 235.

([19]) دانيال تشاندلر: معجم المصطلحات الأساسية في علم العلامات، ترجمة وتقديم: د. شاكر عبد الحميد، أكاديمية الفنون – القاهرة، ط1، 2002، ص264.

([20]) ميخائيل بختين: الكلمة في الراوية، ترجمة يوسف خلاق، منشورات وزارة الثقافة، دمشق 1988، ص9.

([21]) يمنى العبد: تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي، دار الفارابي – بيروت، ط3، 2010، ص135.

([22]) آمنة يوسف: تقنيات السرد في النظرية والتطبيقية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت، ط2، 2015، ص31.

([23]) أحمد بن فارس: الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها، تحقيق أحمد حسن بسج، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997م، ص19.

([24]) سهير أحمد محفوظ: تبسيط أدب الكبار للأطفال دراسة نظرية مع نماذج تحليلية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1991، ص5.

([25]) عبد الحكم راضي: تدريس النصوص الأدبية لطلاب اللغة الثانية في المراحل المبتدئة، ص243.

([26]) وليد العناتي: رؤى لسانية في تدريس القصة القصيرة للناطقين بغير العربية، ص80.

([27]) هاني إسماعيل رمضان: العبرات للمنفلوطي، سلسلة الأدب للجميع، المستوى المتوسط، دار تكين، تركيا، 2017، ص3.


Updated: 2018-07-29 — 10:53

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme