بواكير علم الأرطفونيا عند العربي من خلال المساهمة الجاحظية”


بواكير علم الأرطفونيا عند العربي من خلال المساهمة الجاحظية”

د.خديجة بصالح ـ المركز الجامعي –بلحاج بوشعيب –  عين تموشنت (الجزائر)

 مقال نشر في مجلة جيل الدراسات الادبية والفكرية العدد 48 الصفحة 51.

 

    الملخص

إن الباحث في تراث “الجاحظ” يمكنه اكتشاف بعض الجوانب الخفية حينا، والمهملة حينا آخر للعبقرية اللسانية التي ميّزت هذه الشخصية الفذة، وخاصة إدراكه المذهل للوظيفة الأساسية للغة –طبعا- دون إقصاء الوظائف الأخرى.

لقد أدرك الجاحظ إدراكا تاما لأصول اللسانيات، عندما تطرق في كتابه الحيوان للغة إذ يراها بين الإلهام والاصطلاح، في أوّلها إلهام من الله للناس جميعا، ولكن مكّن الله البشر من الاشتقاق والتصرف بها، ودليله في ذلك أنه لو كانت اللغة إلهاما لما تمكن الناس من الاستبدال والاشتقاق ووضع كلمات جديدة، ويقول في ذلك: ” …فإذا كان العرب يشتقون كلاما من كلامهم، وأسماء من أسمائهم، واللغة عارية في أيديهم ممن خلقهم ومكنهم وألهمهم وعلمهم، وكان ذلك منهم صوابا عند جميع الناس، فالذي أعارهم هذه النعمة أحق بالاشتقاق وأوجب طاعة، كما أن له أن يبتدئ الأسماء فكذلك له يبتدئها مما أحب.”[1] أما في الجانب الاصطلاحي فنلفيه يتكلم عن إسهام المتكلمين والمنظرين في إثراء اللغة بألفاظ جديدة فيقول: “وهم تخيروا تلك الألفاظ لتلك المعاني، وهم اشتقوا لها من كلام العرب تلك الأسماء، وهم اصطلحوا على تسمية ما لم يكن له في لغة العرب اسم فصاروا في ذلك سلفا لكل خلف، وقدوة لكل تابع…”[2] بهذا يقترب الجاحظ من الرؤية الحديثة لعلم اللسانيات النظري في معالجته النظرية لمفهوم اللغة، حيث يعتقد ما اعتقد العالم الغربي اللغوي تشومسكي Chomsky  في نظريته التي تقول:” إن اللغة إلهام على حد تعبير الجاحظ وذلك أن الطفل مهيأ لتعلمها، بل إن المراكز البيولوجية في دماغه مصوغة ومخططة لتعلُّم النظام اللغوي واكتسابه…”[3]

تكاد تجمع المصادر على أنّ علم اللسانيات منجز غربي، في حين أن المتتبع للدرس اللغوي العربي يدرك أن التراث العربي غنيّ بالدراسات اللسانية، إذ توجه العلماء العرب أمثال الخليل وسيبويه وابن جنّي… إلى الظاهرة اللغوية وتناولوا مجموعة من الدراسات الصوتية التركيبية، كالإبدال، والإعلال، والقلب، والإدغام، والإخفاء، والإظهار، والوقف، والمعاقبة). إن الكثير من المعارف اللسانية التي أصبحت رائجة في الساحة اللغوية المعاصرة نلفي جذورا لها في الدراسات اللغوية التراثية العربية، ولعلّ خير دليل على ذلك ما قدّمه العالم الجليل “الجاحظ” حين اهتم بالظاهرة اللغوية وما يصيبها من اضطراب وعيوب، ذاكرا الحروف التي تلحقها هذه الاضطرابات، والأعضاء النطقية المسؤولة عنها، وبالتالي نجده يشير بشكل غير مباشر إلى علم جديد هو ما يصطلح على تسميته حاليا بـ ” الأرطفونيا”. لنا أن نتساءل: فيما تتجلى المساهمة الفعالة للجاحظ في إرساء هذا العلم؟

  • الكلمات المفتاحية: عيوب النطق – الدرس اللغوي – الدراسة الصوتية – التراث – المساهمة الجاحظية.

- تقديــم:

                إنّ الباحث المتعمق في التراث العربي يدرك أن “الجاحظ” رائد من رواد البيان العربي، أسهم في الكشف عن معناه في مؤلفاته المختلفة، وبالخصوص في كتابه “البيان والتبيين”. لقد شرح “الجاحظ” معنى البيان في مؤلفه المذكور، وأظهر أهميته وقيمته، فالبيان “اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير، حتى يفضي السامع إلى حقيقته ويهجم على محصوله كائنًا ما كان ذلك البيان، ومن أي جنس كان الدليل، لأن الأمر والغاية التي إليها يجري القائل والسامع، إنّما هو الفهم والإفهام، فبأي شيء بلغت الإفهام، وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع.”[4]

                تعرض “الجاحظ” أثناء حديثه عن صفات البيان العربي للأجانب الذين يتكلمون العربية فيمزجون بين لكنة لغتهم الأصلية وبين اللكنة العربية، فمهما أتقنوا اللغة العربية بما لها من أحكام إعرابية، وبالغوا في اختيار الألفاظ الفاخرة والمعاني الشريفة، فإن النزعات اللغوية الباطنية لا تلبث أن تكشف عن هويتهم وتنم عن أصولهم. فالبيان من وجهة نظر الجاحظ، هو أن يكون الكلام واضحا مفهوما خالي من الغموض والتشويش الذي قد يسببه أحيانا النطق السيئ للحروف لوجود علة ما.

                -الظاهرة اللغوية عند الجاحظ .

                إن الباحث في تراث الجاحظ بإمكانه اكتشاف بعض الجوانب الخفية حينا والمهملة حينا آخر للعبقرية اللسانية التي ميّزت هذه الشخصية الفذّة، حيث أدرك الوظيفة الأساسية للغة دون إقصاء للوظائف الأخرى، بل أدرك أصول اللسانيات، هذا العلم الذي ظهر مع بداية القرن العشرين في أوربا.  تكاد تجمع معظم المصادر على أن علم اللسانيات بشقّيه النظري والتطبيقي وليد البيئة الغربية، خاصة مع ظهور كتاب “فرديناند دي سوسير” Ferdinand DE Saussure(محاضرات في اللسانيات العامة –Cours de Linguistique Générale ) الذي صدر عام 1916 ، و تناول فيه الظاهرة اللغوية. إذا توغلنا في تاريخ اللسانيات يمكن تعيين تاريخ هذا المصطلح في عام 1933 ، لكن اللسانيات كانت قبل هذا التاريخ.[5] وبالتالي يمكن القول أن التراث العربي حافل بالدراسات اللسانية، حيث توجه العرب إلى الظاهرة اللغوية يدرسونها من مختلف مستوياتها اللسانية (الصوتي، النحوي، التركيبي، الدلالي)، مما يؤكد أن الكثير من المعارف اللسانية التي أصبحت رائجة في الساحة  اللغوية  المعاصرة، نجد لها جذورا في الدراسات اللغوية التراثية العربية، ولعلّ خير دليل على ذلك تلك الأعمال التي جادت بها قريحة العالم العربي  الجاحظ ومن سبقه من العلماء الأجلاّء أمثال “الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت170 هـ) الذي عني بأوزان الشعر، وهو واضع علم العروض، وصاحب (معجم العين)، إذ رتّب ألفاظ اللغة حسب مخارج الأصوات.[6] أما سيبويه (ت180 هـ) صاحب (الكتاب) فقد “وضع ستة عشر مخرجا لحروف العربية، وتناول صفات الأصوات من جهر وهمس وشدّة ورخاوة ومنحرفة ومكررة ولينة ومطبقة ومنفتحة…”[7]، في حين يعد ابن جنّي (ت392 هـ) أوّل من نظر إلى المبحث الصوتي على أنه علم قائم بذاته، وأنه أوّل من استعمل مصطلحا لغويا للدلالة على هذا العلم، وما زال مستعملا لحدّ الآن وهو “علم الصوت”. أما ابن سينا (ت 428 هـ)، فقد تناول في رسالته (أسباب حدوث الحروف) طبيعة الصوت، ولم يغفل السكّاكي (ت 626 هـ)” في كتابه (مفتاح العلوم) الجانب الصوتي، حيث تعرض إلى مخارج الحروف وصفاتها.[8] إنها مساهمات فعالة جادت بها قرائح علماءنا العرب من أجل توسيع مجال الدرس اللغوي العربي.

                اهتم الجاحظ كأسلافه بالظاهرة اللغوية في مختلف مستوياتها اللغوية، بدءا بالمستوى الصوتي الذي يعدّ المادة الخام التي تتشكل منها العناصر اللسانية، وتقوم على أساسه المستويات الأخرى. فالصوت هو لبّ التقطيع (Syllabisation) (الذي يعتمد على الحركات الوظيفية للأعضاء المصوتة عند الإنسان، وعلى ضوئه تتشكل العناصر اللسانية وفق تركيب خاص تفرضه الطبيعة الخطية لكل لغة، وبناء على ذلك يفرق الجاحظ بين اللغة باعتبارها نظاما من العلامات الدالة، والصوت. ويعرف الصوت على أنه): “آلة اللفظ، والجوهر الذي يقوم به التقطيع، وبه يوجد التأليف. ولن تكون حركات اللسان لفظا ولا كلاما موزونا ولا منثورا إلا بظهور الصوت، ولا تكون الحروف كلاما إلا بالتقطيع والتأليف.”[9]

                -إسهامات الجاحظ في تأسيس علم الأرطفونيا.

شدّت انتباه الجاحظ ظاهرة الأمراض اللغوية والعيوب النطقية عندما تطرق للآليات إنتاج الخطاب البليغ، فتناولها بالبحث والاستقصاء، وهو ما ينعت حاليا بعلم الأرطفونيا الذي هو “الدراسة العلمية للاتصال اللغوي وغير اللغوي في مختلف أشكاله العادية والمرضية، والتي تهدف إلى التكفل بمشاكل الاتصال بصفة عامة واضطرابات اللغة والكلام بصفة خاصة”[10]، وذلك من منظور خاص، محدّدا أنواعها بدقة متناهية، ذاكرا الحروف التي تلحقها هذه الأمراض، والأعضاء النطقية المسؤولة عنها كسقوط الأسنان، أو كسر في الفكّ، أو اللسان المشدود إلى الأسفل…الخ بهذا يؤسس الجاحظ لعلم خاص قائم بذاته، و”يصبح رائدا في علم تقويم اللسان (L’orthophonie) الذي شاع في أيامنا هذه.”[11]معتمدا في ذلك على دقة الملاحظة سيرا على نهج العلماء العرب قديما في تعاملهم مع الظواهر اللغوية، وخبرتهم بالحالات النطقية التي تظهر فيها هذه الأمراض، على الرغم من أن البحوث الطبية الحديثة ترجع هذه الأمراض والعيوب إلى وجود خلل على مستوى الدماغ، مما يؤثر في المريض ويعيق عملية التواصل مع غيره. لقد أثبتت الدراسات الحديثة التي تناولت الظاهرة اللغوية أن “الخلل الفسلجي الذي يعتري الأقسام الدماغية العليا الأكثر تعقيدا، والأعلى تطورا والأحدث من ناحية النشوء والارتقاء يؤدي إلى تفككها الوظيفي – بما فيها بالطبع وبدرجة أهم – المراكز المخية اللغوية والأدوات الفسلجية الأخرى المرتبطة بها”.[12]

اعتمد الجاحظ في تجاربه ودراسته للظاهرة اللغوية على الملاحظة والإحصاء، ومن بين تجاربه نذكر على سبيل المثال ما قاله: “أنشدني أبو محمّد اليزيديّ:

وخلّة اللفظ في الياءات إن ذكرت // كخلة اللفظ فـي اللامـات والألف

وخصلة الراء فيها غير خـــافية // فاعرف مواقعها في القول والصحف

يزعم أن هذه الحروف أكثر تردادا من غيرها، والحاجة إليها أشدّ. واعتبر بأن تأخذ عدة رسائل وعدة خطب من جملة خطب الناس ورسائلهم، فإنك متى حصّلت جميع حروفها، وعددت كل شكل على حدة، علمت أن هذه الحروف الحاجة إليها أشّد.”[13]

يشير الجاحظ إلى مسألة صوتية شديدة الأهمية تتعلق بالحروف الأكثر دورانا في الكلام، ويزعم أن هذه الحروف الحاجة إليها أشد، كان يقوم بدراسة إحصائية في الخطب والرسائل الصادرة عن عامة الناس، ويتتبع كيفية استعمال الحروف لدى أصحاب تلك الخطب، فغالبية الاستعمال للحرف دليل على أهميته والحاجة إليه في العملية التواصلية. وأشار في موضع آخر إلى أسهل الحروف نطقا عند بعض الأمم فقال: “لكل لغة ألفاظ تدور في أكثر كلامها، كنحو استعمال الروم للسين، واستعمال الجرامقة للعين.”[14]

لقد تمكّن الجاحظ وغيره من العلماء (كابن جني، وسيبويه) أن يصلوا إلى نتائج جدّ مقنعة في ملاحظتهم للظاهرة اللغوية في جميع مستوياتها اللسانية، نتائج أقرّتها البحوث العلمية الغربية في مجال اللسانيات وعلم الأرطفونيا استنادا إلى أجهزة مخبرية عالية التقنية، في حين أن الجاحظ كان “ينصت إلى الخطباء بكل اهتمام قصد تفحص سلامة ألسنتهم وفصاحتها، فكان يراقب زلات ألسنتهم ومن ثمة يستخرج العيب بتحديد الحرف المتعرض له وكذا تحديد مخرجه.”[15] لقد اعتمد الجاحظ في دراسته للظاهرة اللغوية وما يصيبها من عيوب على الملاحظة والتحليل الدقيق.

-الأمراض النطقية عند الجاحظ وكيفية التعرف عليها. 

                أدرك الجاحظ –الفونولوجي العربي- ما أصبح يعرف في علم الصوتيات بمفهوم الوظيفة الحرفية، مستدلا على ما يطرأ على حرف (الراء) من تحريف وإبدال عند الألثغ، وحدد الحروف التي تصيبها اللثغة فجعلها أربعة أحرف وهي: القاف، والسين، واللام، والراء. فأما اللثغة التي تعرض للسين فتكون ثاء، كقولهم لأبي يسكوم: أبي يثكوم، وكما يقولون بثرة إذا أرادوا بسرة، وبثم الله إذا أرادوا باسم الله. والثانية اللثغة التي تعرض للقاف، فإن صاحبها يجعل القاف طاء، فإذا أراد أن يقول: قلت له، قال: طلت له، وإذا أراد أن يقول: قال: قال لي، قال: طال لي. وأما اللثغة التي تقع في اللام فإن من أهلها من يجعل اللام ياء، فيقول بدل قوله: اعتللت: اعتييت، وبدل: جمل: جَميْ، وآخرون يجعلون اللام كافا، كالذي عرض لعمر أخو هلال، فإنه إذا أراد أن يقول: ما العلّة في هذا، قال: ما كعكة في هذا. وأما اللثغة التي تقع في الراء فإن عددها يضعف على عدد لثغة اللام، لأن الذي يعرض لها أربعة أحرف: فمنهم من إذا أراد أن يقول عمرو، قال: عميْ، فيجعل الراء ياء، ومنهم من إذا أراد أن يقول: عمرو، قال: عمغ، فيجعل الراء غينا، ومنهم من إذا أراد أن يقول: عمرو، قال: عمذو، فيجعل الراء ذالا. [16]

                ضبط الجاحظ الحروف التي تدخل عليها اللثغة بطريقة علمية وموضوعية وهي أربعة أحرف (القاف، السين، اللام، الراء)، أما الشين المعجمة فيرى أنه شيء لا يصوّره الخط لأنه ليس من الحروف المعروفة وإنما هو مخرج من المخارج، والمخارج لا تحصى ولا يوقف عليها، وكذلك القول في حروف كثيرة من حروف لغات العجم، وليس ذلك في شيء أكثر منه في لغة الخوز، وفي سواحل البحر من أسياف فارس ناس كثر كلامهم يشبه الصفير ممن يستطيع أن يصور كثيرا من حروف الزمزمة، والحروف التي تظهر من فم المجوسي إذا ترك الإفصاح عن معانيه وأخذ في باب الكناية وهو على الطعام.[17]

                لم يتوقف الجاحظ عند ذكر العيوب النطقية، بل ذكر أيضا بعض أسماء الشعراء والخطباء من اعترى ألسنتهم هذا العيب اللغوي معتمدا في ذلك على الملاحظة والتجربة، حتى أصبح هذا النهج معتمدا من قبل عامة الناس حفاظا على النطق السليم للحروف العربية، وخوفا من تسرّب هذه العيوب إلى ألسنة الناس، وخير دليل على ذلك أنّ أبا رمادة “طلق زوجته حين وجدها لثغاء، وخاف أن تجيئه بولد ألثغ، فقال:

                لثغــاء تــأتي بحــيفس ألثــغ  //  تميس في الموشــى والمــصبع  [18]

                إن ما قام به أبو رمادة يؤكّد أن العرب كانت على علم بأن الجانب الوراثي عامل مهم في ظهور هذه الأمراض عند الأطفال، ولعلّ الجاحظ يؤيّد هذا الرأي، والدليل أنه أورده أثناء حديثه عن اللثغة. نستنتج هاهنا أن الجاحظ سبق الدراسات الحديثة في علم اللسانيات العصبية والنفسية على حد قول الباحث مازن الوعر:

“لقد اقترب أبو عثمان الجاحظ في بحثه في الأمراض اللغوية وطبيعتها من البحوث اللسانية المعاصرة القائمة على المعايير اللسانية البيولوجية، ولاسيما المعايير اللسانية النفسية.” [19] ثم أن القبائل العربية جعلت نخاسا في سوق النخاسة لامتحان الجواري من حيث فصاحتهن وبيانهن، فكان “يمتحن لسان الجارية إذا ظنّ أنها رومية وأهلها يزعمون أنها مولدة، باستنطاقها بأن تقول (ناعمة وشمس) ثلاث مرّات.”[20]

على الرغم من الجهود المضنية التي بذلها الجاحظ  في دراسة هذه الأنواع المرضية النطقية، والناتجة عن خلل في الجهاز النطقي، إلا أن الرجل يعترف ضمنيا أن بعض الأصوات قد أفلتت منه، فلم يتمكن من تقديم تفسير علميّ مقنع بشأنها، كتلك اللثغة التي “كانت تعرض لواصل بن عطاء، ولسليمان بن يزيد العدويّ الشاعر، فليس إلى تصويرها سبيل. وكذلك اللثغة التي تعرض في (السين) كنحو ما كان يعرض لمحمد بن الحجاج كاتب داود بن محمد، كاتب أم جعفر، فإن تلك أيضا ليست لها صورة في الخط ترى بالعين، إنما يصورها اللسان و تلتقط بالسمع، وربّما اجتمعت في الواحد لثغتان في حرفين…”[21]

                تناول الجاحظ بالشرح والتعليل الأنواع الأخرى من الأمراض النطقية كالحبسة، والفأفأة، والعقلة، واللكنة فقال: “ويقال في لسانه حبسة، إذا كان الكلام يثقل عليه ولم يبلغ حدّ الفأفأة، والتمتام. ويقال في لسانه عقلة، إذا تعقّل عليه الكلام. ويقال في لسانه لمنة، إذا أدخل بعض حرف العجم في حروف العرب، وجذبت لسانه العادة الأولى إلى المخرج الأوّل. فإذا قالوا في لسانه حكلة، فإنما يذهبون إلى نقصان آلة المنطَق، وعجز أداة اللفظ حتّى لا تعرف معانيه إلا بالاستدلال.”[22]

                ومما يضر بطلاقة اللسان أيضا وتدفقه: طول الصمت، الذي عدّه الجاحظ عيبا ومرضا إذ يقول بهذا الشأن: “طول الصمت يفسد اللسان، وقال بكر بن عبد الله المزني: “طول الصمت حبسة”، كما قال عمر بن الخطاب رحمه الله: “ترك الحركة عقلة، وإذا ترك الإنسان القول ماتت خواطره، وتبلّدت نفسه، وفسد حسّه، وكانوا يروون صبيانهم الأرجاز ويعلمونهم المناقلات، ويأمرونهم برفع الصوت وتحقيق الإعراب، لأن ذلك يفتق اللهات…”[23] يتضح مما سبق أن العرب القدماء كانوا على دراية بالعيوب اللغوية وما تسببه من خلل على مستوى الكينونة، وبالتالي يقدمون بعض الأساليب لمعالجة تلك العيوب النطقية كالتمرّن على التلفظ السليم للكلمات مع مراعاة الحركات الإعرابية، وحفظ الأشعار العربية لما تحتويه من فصاحة وبيان، بالإضافة إلى المجاهرة بالصوت لمعرفة الخلل عند الناطق وتصحيحه تماما كما يفعل عالم الأرطفونيا حاليا، حيث يعقد جلسات مع الأطفال المصابين بالأمراض النطقية واللغوية ويمرنهم على النطق السليم للأصوات باستعمال بعض الوسائل العلمية في ذلك.

                -نظرة الجاحظ السوسيو لسانية.

                للجاحظ –بحسب لسانيي التراث- ملاحظات تألّف في مجموعها إدراكا واضحا ومباشرا للبعد الاجتماعي للغة، وعلاقة اللغة بالمجتمع، إذ يتحدث عن التنوعات اللغوية والمجتمعات الكلامية ، وتفرع اللغة إلى لهجات، واللهجات الاجتماعية واللغة الفصحى وعلاقاتها بالعامية، واللكنة واللهجات الإقليمية، وغير ذلك في إطار العربية وتنوعاتها المختلفة.[24] 

                عندما تطرق الجاحظ لأعراض اللكنة تنبّه إلى اللغة الطبيعية التي ينشأ عليها الفرد، فتصبح ملكة في نفسه على حدّ قول ابن خلدون، وإذا تعلّم لغة أجنبية أخرى موازية للغته يكون سببا في تسرّب اللكنة إلى لسانه. وهذا ما تشير إليه اللسانيات التطبيقية وحقل تعليمية اللغات، على أن تعلّم اللغة الأجنبية للطفل لا يجب أن يكون  هذا التعبير غير سليم لغة بل نقول يجب أن لا يكون  في السنوات الأولى من عمره، حفاظا على البيان العربي وسلامة نطقه للأصوات العربية محدّدة من خلال مخارجها. إن  الأجانب “الذين يتكلّمون العربية والذين يمزجون بين لكنة لغتهم الأم، وبين لكنة عربية، فمهما بالغوا في تعلمهم العربية واختيار الألفاظ الفاخرة والمعاني الشريفة، ومهما أخذوا أنفسهم بالدّقة ورعاية الأحكام الإعرابية في اللغة، فإن النزعات اللغوية الباطنة لا تلبث أن تكشف عنهم ذلك القناع الذي يصطنعونه وينم على أصولهم.”[25] أدرك الجاحظ بعمق خصائص الأصوات العربية من حيث موقعها ضمن الملفوظ اللساني، وهي خصائص الفصاحة العربية، وهذا باب يتعلق بالبيان أسهم فيه مؤلفون عرب كثر من خلال تمييز اللفظة العربية عن سواها من الألفاظ الدخيلة وذلك من خلال اقتران الحروف بعضها ببعض “فالجيم لا تقارن الظاء ولا القاف ولا الطاء ولا الغين، بتقديم ولا تأخير. والزاي لا تقارن الظاء ولا السين ولا الضاد ولا الذال، بتقديم ولا تأخير. وقد يتكلم المغلاق (الذي يستعصي عليه الكلام) الذي نشأ في سواد الكوفة بالعربية المعروفة، ويكون لفظه متخيّرا فاخرا، ومعناه شريفا كريما، ويعلم مع ذلك السامع لكلامه ومخارج حروفه أنه نبطيّ. وكذلك إذا تكلم الخراساني غلى هذه الصفة، فإنك تعلم من إعرابه، وتخيّر ألفاظه في مخرج كلامه أنه خراساني، وكذلك إن كان من كتاب الأهواز.”[26] إن ما يدّعم هذا الرأي، ما ذهب إليه رمضان عبد التواب قائلا: “… وكذلك النبطي القح خلاف المغلاق الذي نشأ في بلاد النبط، لأن النبطي القح يجعل الزاي سينا، ويجعل العين همزة، فإذا أراد أن يقول: شمعل، قال شمئل.”[27] ولنا هنا أن ندرج رواية من الروايات التي تبرز لنا اللكنة التي تعتري الأعاجم، وما تخلفه من سوء الفهم وتحريف الدلالة، ومنها: “قيل لنبطيّ: لمَ ابتعتَ هذه الأتان؟ فقال: أركبها وـَلَدَ (بالفتح المتتابع للحروف) لي.” فجاء بالمعنى بعينه ولم يبدّل الحروف بغيرها، ولا زاد ولا نقص، ولكنه فتح المكسور حين قال وتلد (بفتح اللام)، ولم يقل تلد (بكسر اللام). [28]

                لم يكتف الجاحظ بالجوانب النفسية والعضوية، وحتّى العصبية التي تكون سببا أساسيا في إصابة الطفل بأي نوع من الأمراض السالفة الذكر، بل كان عالما اجتماعيا يحدد دور البيئة اللغوية التي ينشأ عليها الطفل، لأن هذا الأخير يتفاعل مع بيئته ومجتمعه، ويكتسب لغته الطبيعية دون عناء وبجهد يسير من خلال الأسرة اعتمادا على كفايته اللغوية،  ومن تقليده للأصوات اللغوية أيضا.

                لقد ربطت البحوث بين العوامل الوراثية وظاهرة الأمراض اللغوية، بل إن بعض الباحثين من “يميّز بين التأتأة التي تعود إلى عامل وراثي، وبين التأتأة التي تعود إلى عامل اجتماعي مؤكدين على أن العامل الوراثي أشدّ تأثيرا وفاعلية من العامل الاجتماعي، فإذا كان الباحثون يؤكّدون على العامل الوراثي للتأتأة، فمنهم في الوقت نفسه لا يعرفون الطريق التي يتم بها انتقال التأتأة من الآباء إلى الأبناء(…)ولكن الغريب أن هؤلاء الباحثين لم يكتشفوا أي خلل عضوي في الجهاز النطقي عند المتأتئين، فقد أثبتوا أنه ليس هناك اختلاف كبير بين الجهاز النطقي عند المتأتئين وغير المتأتئين.”[29]

لقد عمّق الجاحظ نظرته السوسيولسانية لظاهرة الأمراض اللغوية مستخلصا تأثيراتها على الطفل فقال: “والذي يعتري اللسان مما يمنع من البيان أمور: اللثغة التي تعتري الصبيان إلى أن ينشئوا، وهو خلاف ما يعتري الشيخ الهرم الماج…” [30] يفرق الجاحظ بين اللثغة التي تصيب الشيخ المتقدم في السن والناتجة عن خلل في الجهاز النطقي كسقوط الأسنان، أو كسر في الفك مثلا، واللثغة عند الطفل التي تكون نتيجة عامل وراثي.

إن تتبع الجاحظ للاستعمالات اللغوية في سياقها الاجتماعي، و حالات الانجاز أو التحقق اللغوي غير السوي، سواء في مستواه الدلالي أو الشكلي، وتحليله للأمراض اللغوية وبيان أسبابها، وما يمكن أن تؤديه من تنافر اجتماعي ومزالق لسانية خطيرة، جعله يقترب بآرائه من البحوث اللسانية المعاصرة القائمة على المقاييس النفسية والطبية وقضايا علم الاجتماع اللغوي وما أنتجته التكنولوجيا الحديثة في هذا الميدان.[31]

                -خــلاصــة.

                سعى البحث إلى تسليط الضوء على دور الجاحظ في الدرس الصوتي العربي، و توضيح إسهاماته الهامة في هذا المجال، وعرض آ رائه التي ميزته عمن سبقوه. وقد جاءت آراؤه من واقع ملاحظاته الشخصية .

                ثمة إشارات مهمة أوردها الجاحظ، والتي تتعلق  بظاهرة الأمراض اللغوية وأشكالها وتشعبها، وتداخل الكثير من العوامل في إثارتها، و تظل آراءه في مجالات شتى تستوقفنا ما دمنا نطالع كتبه، حيث خلّف لنا وجهات نظر قيمة ما تزال محطات اهتمام وإعجاب الدارسين، كحديثه عن عيوب النطق سواء أكانت عيوبا ناتجة عن نطق الأعاجم لأصوات العربية، أو ناتجة عن عاهات.

وبهذا نلاحظ “أن أبا عثمان بحسه العلمي المرهف يلمس ظاهرة لسانية مهمة جدّا في حقل اللسانيات البيولوجية التي تعالج الأمراض معالجة علمية تجريبية دقيقة، تخضع لأساليب الموضوعية الخالصة”.[32] وبالتالي يكون قد طرق هذا العلم قبل الأبحاث الغربية في مجال الأمراض اللغوية  (Pathologie du Langage )، خاصة إذا ما علمنا أن البحث العلمي للأمراض والعيوب النطقية ظهر عند الغرب في القرن التاسع عشر، مع تحديد علميّ لمصطلح “الحبسة” ((Aphasieوهي “عدم القدرة على الكلام إثر خلل في قشرة النصف الأيسر للمخ (اليمنى أو اليسرى)، ومع تعيين منطقتها يتحدد نوع الحبسة.”[33]

إذًا لنا أن نفتخر بهذه العبقرية الناذرة التي جاد بها العصر العباسي، ووجب علينا أن ننزل هذا العالم الموسوعي المنزلة التي هو جدير بها، ونفاخر به علماء الغرب، كما ينبغي علينا أن نستنطق التراث العربي اللغوي واللساني وننشره في ضوء اللسانيات الحديثة، ويكون هذا – بالطبع – بالقراءة الواعية بمنظار حداثي .

[1] الجاحظ (أبو عثمان) : الحيوان، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 1، 1969، ج 1، ص348.

[2] الجاحظ : البيان والتبيين،  تح وشرح: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ،ج 1، ص139-140 .

[3] مازن الوعر: قضايا أساسية في علم اللسانيات الحديث، دار طلاس، دمشق، ط 1، 1988، ص559 .

[4] – الجاحظ: البيان والتبيين، تح وشرح: عبد السلام محمّد هارون، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ص76 .

[5]Georges Mounin : Histoire de la linguistique des origines au 20eme siècle , Presses universitaires de France, 1 éd : 1967, P 50 (Introduction).

[6]رمضان عبد التواب: المدخل إلى علم اللغة، مكتبة الخاجي، مصر، ط3 ، 1998، ص16 .

[7]المرجع السابق ص16 .

[8]أحمد عزوز: مقال: مصادر التراث الصوتي العربي، مجلة التراث العربي، العدد 71-72 ، 1998،إتحاد الكتاب العرب، دمشق، سورية، ص121 / 129.        

[9]الجاحظ: البيان والتبيين، ج1 ، ص 79 .

[10]محمد حولة: الأرطفونيا: علم اضطرابات اللغة والكلام والصوت، دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، 2007 ، ص13.

[11]محمد الصغير بناّني: النظرية اللسانية والبلاغية والأدبية عند الجاحظ من خلال البيان والتبيين، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1994 ، ص 114 .

[12]عبد السلام المسدّي: اللسانيات من خلال النصوص، الدار التونسية للنشر، ط2، 1986 ، ص 22 .

 [13]الجاحظ: البيان والتبيين، ص 22 .

[14] المصدر السابق، 1/65 .

[15]أحمد عبد المجيد هريدي: الألعاب الكلامية اللسانية- دراسة صوتية تركيبية- الشركة الدولية للطباعة، القاهرة، ط1 ، 1999 ، ص 67 .

[16]الجاحظ: البيان والتبيين، ص 34/35 .       

   [17]المصدرالسابق ، ص 34 .

  [18]  المصدر السابق، ص 57 .

  [19] مازن الوعر: قضايا أساسية في علم اللسانيات الحديثة ، ص550 .

[20] المصدر السابق، ص 56 .

[21]المصدر السابق، ص ن .

[22]الجاحظ : البيان والتبيين، ص 39/40

[23]المصدر السابق، 1/ 272 .

[24]ينظر: حلمي خليل: دراسات في اللسانيات التطبيقية، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 2000، ص155 .

[25]مازن الوعر: قضايا أساسية في علم اللسانيات الحديثة، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، ط1 ، 1988 ، ص 549 .

[26]الجاحظ: البيان والتبيين، ص 69 .

[27] رمضان عبد التواب: التطور اللغوي، مظاهره وعلله وقوانينه، مكتبة الخانجي ، القاهرة، ط 3، 1997، ص 124 .

[28]المصدر السابق، ص 74 .

[29]مازن الوعر: قضايا أساسية في علم اللسانيات الحديثة ، ص 537 .

[30]الجاحظ: البيان والتبيين، ص 71 .

[31]  ينظر: أحمد حابس: اللثغة عند الجاحظ، مجلة اللسانيات واللغة، منشورات مخبر اللسانيات واللغة العربية، العدد 1، 2006، ص 65 .

[32]مازن الوعر: قضايا أساسية في علم اللسانيات الحديثة، ص 550 .

[33]Di Dictionnaire petit Larousse , Librairie Larousse, 1983 , p 51.

.


Updated: 2019-02-10 — 19:03

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme