الدور المتجدد للأب في الطفولة المبكرة من منظور علم النفس المعاصر و علاقته بالصحة النفسية للطفل


 

الدور المتجدد للأب في الطفولة المبكرة من منظور علم النفس المعاصر

و علاقته بالصحة النفسية للطفل

د.بن عبد الله محمد/جامعة وهران 2

مقال منشور في   مجلة جيل العلوم الانسانية والاجتماعية العدد 45 الصفحة 65.

    ملخص:

تهدف هذه الدراسة إلى الكشف عن الدور المتجدد للأب في الطفولة المبكرة و علاقته بالصحة النفسية لدى الطفل من منظور علم النفس المعاصر.

هذا المنظور الجديد يريد أن يتجاوز الطرح القديم الذي ظل منشغلا بعلاقة الأم و طفلها بحجة أن الرضيع في هذه الفترة هو مجبول على التعلق بها و هو في حاجة ماسة أكثر إلى تفاعله معها و إلى عنايتها ليظفر بالتوازن  العاطفي و يتجنب الحرمانات المخلة به. و هو في نفس الوقت يحصر دور الأب في دعم الأم  ومساندتها و الاعتناء بطفله من خلالها .

 و في المقابل يحاول التنظير الجديد أن يعيد الاعتبار لدور الأب في هذه المرحلة و يهتم بحضوره المبكر و بأهمية وظيفته الاجتماعية التي يؤديها إلى جانب الأم من أجل تلبية حاجيات الطفل بفضل جودة مشاركته الملائمة و الفعالة .هذه المشاركة  التي تسهم في تزويد الطفل بكثير من المهارات و القدرات الضرورية لبناء شخصيته و لتشكيلته النفسية العاطفية بأبعادها المختلفة الحسية و الحركية و التعليمية والمعرفية التي تكسب الطفل كثيرا من الخصال و تصرفه عن كثير من الإخفاقات .

الكلمات المفتاحية : دور الأب ، الطفولة المبكرة ، الصحة النفسية .

 

مقدمة:

حينما نتصفح الأدبيات ذات الصلة بالعلوم الإنسانية وعلوم الطب وعلم النفس نكتشف بأن المعارف التي أنتجتها هذه العلوم حول مسألة الأب ظلت متصارعة لعقود وإلى يومنا هذا.

هذه الصراعات هي بالطبع مرتبطة بالنظرة الاجتماعية للدور الذي يرجى من الأب ممارسته بجانب الطفل وبخاصة في السنوات الأولى من حياته.

وإذا راجعنا تاريخ إنتاج هذه المعارف منذ أن بدأ الاهتمام يوجه بالدرجة الأولى إلى الطفل ككائن بشري في حاجة إلى رعاية نفسية وليس فقط ككائن ينتظم حول “شفويته” (oralité) كما يقول Gérard Neyrand ,2011 )  )[1] تبين لنا بأن مسألة الأب ودوره ووظيفته ضمن نسق الأبوة تمت تناولها من خلال تنظيرين اثنين.

التنظير الأول الذي ركز كل اهتمامه على علاقة الأم بطفلها من أجل تحقيق التوازن العاطفي لدى الطفل وبخاصة خلال السنة الأولى وتفادي الاضطرابات التي يمكن أن تلحق به بسبب الحرمانات العاطفية لم ينشغل في هذه المرحلة بحرمان الأب ولا بحضوره المادي بجانب الطفل إلا كعنصر داعم لموقف الأم كما كان يرى جاك لاكان من خلال منافحته عن مبدأ “الأم الوحيدة” (  Jean Lecamus ,1995).[2]

هذا الإبعاد “المفيد” للأب في هذه المرحلة بالذات تبناه كثير من السيكولوجيين من أمثال (1958Spitz,1945,) و ( ,19691951Bowlby,) بحجة أن الرضيع في هذه الفترة هو مجبول على التعلق بأمه وهو في حاجة ماسة أكثر إلى تفاعله معها وعنايتها لتفادي “الغرق السيكولوجي”           (Le naufrage psychologique) المفضي إلى الاضطرابات (الاكتئاب الخوري، مرض المصحات (سبيتس) وقلق الانفصال (بولبي)).

هذا الإبعاد وهذا التهميش كما يفضل جيرار نايرند وصفه لم يمكنه من ممارسة وظيفته الأبوية الضرورية لتنمية الطفل والاستفادة من حضوره R. G. Aubry ,1960,1961) ) وظل دوره محصورا في ممارسة وظيفته كعنصر داعم وكممثل رمزي للنسق الاجتماعي ومساهمته في تكوين النسق الأسري من خلال وجوده الرمزي (جاك لاكان).

وظل هذا الإبعاد مستمرا إلى نهاية السبعينيات بدعم من النظرة المنددة بتعسف السلطة الأبوية التي أفضت إلى تراجع الصورة الأبوية وتقهقر مكانته بسبب فقد سلطته والتحكم في الإنجاب       (Michel Tort,2005)[3] وبسبب الاستراتيجيات الأمومية التي أدت إلى الاعتداءات على الآباء وأطفالهم (Delaisi De Parseval, 1980 ، Clerget, 1992  في ميشال طور).

وفي مقابل هذه النظرة الكلاسيكية عن دور الأب برزت قناعة أخرى تبناها كثير من الباحثين من أمثال (لوكامو 1994-1995، Hurstel, 1991 ، Bataille P. ، E. Sullerot, 1992 ، B. Cyrulnik, 1989  Delaisi 1985).

هذه القناعة انصرفت إلى الانشغال بإعادة الاعتبار إلى وظيفة الأب والمطالبة بحضوره في وقت مبكر من أجل تقديم الرعاية الضرورية للطفل واستقباله ومواجهة “التدهور الاجتماعي لصورة الأب”، (جاك لاكان 1938) ومن أجل أن يسترجع الآباء مكانتهم و أن يتمكنوا من نسج رباط فعال للتعلق واكتساب الدور المريح والمهدئ لأن السياق الثقافي في نظرهم أصبح مزودا بالمعارف العلمية الجديدة عن الأب وعن عالم الرضيع (بوريس سيرولنيك 1989)[4]  وليس فقط لأن الأب أصبح يمارس الدور المساند والحامي التي كانت تمارسه فيما مضى النساء القريبات (جون لوكاميو و أديل ايسبينوزا) .

ويبدو أن هذا الالتزام المبكر للأب الذي يتسم بكثير من الرمزية في الدول الغربية على وجه الخصوص أصبح متبنيا بقوة من قبل الزوجين وبالتالي صار الأب يتسم بجودة التوافق الأبوي الذي يعادل التوافق الأمومي (Labrell, 1995). النظرة الأخيرة هذه المنبثقة عن التحولات في الأدوار الاجتماعية للآباء رغم اعترافها  بالتوافق الأبوي تريد أن تمنح لكل طرف في الأسرة أسلوبا خاصا ومتميزا في التعاطي مع الطفل في هذه المرحلة المبكرة.

هذه التناولات المتنوعة هي التي نريد أن نستجليها في هذه الورقة ونركز فيها بالدرجة الأولى على الدور المتجدد للأب وعلاقته بالصحة النفسية الإيجابية للطفل من منظور علم النفس المعاصر من خلال العناصر التالية :

1 . مدلول الأب .

2 . التنظير الكلاسيكي لدور الأب و وظيفته ضمن النسق الأسري.

3 . التنظير المتجدد للدور الأبوي من منظور علم النفس المعاصر و علاقته بالصحة النفسية  للطفل.

مدلول الأب :

مدلول الأب تم التطرق إليه من خلال عدة تناولات أدبية، نفسية، دينية، اجتماعية و ثقافية، إيديولوجية وحتى سياسية.

وقبل أن ننصرف إلى الاهتمام بدور الأب  من منظور علم النفس الكلاسيكي و علم النفس المعاصر يجدر بنا أن نلتفت إلى مدلول هذا المفهوم من خلال الطروحات الأخرى التي حاولت أن تكشف عن أبعاد مختلفة متمثلة عند البعض في الجانب البيولوجي أحيانا و عند البعض الآخر في الجانب الاجتماعي والثقافي.

إن مدلول الأب بالنسبة لبعض الباحثين لا يمكن أن يتحدد من خلال النظرة البيولوجية  النفسية الحتمية، بل هو مفهوم ثقافي بامتياز إذ أن وظيفة الأب نجدها تتغير بتغير الأزمنة و الأمكنة. وبالتالي فإن وجوده قد يبدو للبعض ضروريا و بالنسبة للآخرين نسبيا فحسب. وجوده ضروريا لأنه يمثل السلطة القانونية التي تتكفل بضبط النظام ضمن الأسرة و الحرص على سلامتها و استقرارها.  و لكن هذه السلطة هي تتعرض اليوم في بعض المجتمعات إن لم يكن في أغلبها إلى نوع من التقهقر، و بات دور الأب كممثل اجتماعي يواجه كثيرا من الصعوبات و بخاصة فيما يتعلق بتدبير شؤون الأسرة وفق معتقداته الدينية   أو الإيديولوجية أو السياسية. و قد يجد الأب نفسه حينئذ متذبذبا بين الامتثال للقانون و دعمه و القبول بالتخلي عن سلطته و بين الإصرار على إبراز رجولته و مازوشيته. و بالتالي قد يجنح إلى ممارسة إما  دور المستبد  أو دور المنسحب المجرد من مسؤوليته الذي لا يحظى بأي تقدير ولا أي احترام. و قد يتولد عن هذا التذبذب و هذا الاختلال في الأدوار اختلال في القيادة قد يؤدي إلى صراع بين النماذج التربوية يضر بالأطفال و بالتوافق الأسري في حد ذاته (Robert Neuburger, 2015).[5]

مفهوم السلطة الأبوية بحكم التطورات التي حدثت في كثير من المجتمعات وبسبب “الثورة الأنتربولوجية”  التي ترفض حصر التأثير على العلاقات الاجتماعية في العامل البيولوجي النفسي وبحكم النظرة المتجددة التي تسعى إلى تجاوز هذه الازدواجية و تحقيق المعادلة الرمزية بين الزوجين من أجل التصدي لمسببات الاختلالات الأسرية  يكون قد تحول من سلطة  ذكورية أبوية إلى سلطة ثنائية جنسية و زوجية منشغلة أكثر بالعلاقة مع الطفل و مصلحته  و مستعدة لعدم الخلط بين الدور الاجتماعي و الوظيفة النفسية البيولوجية (Gerard Neyrand, 2014).[6] ولكن يبدو أن هذا المسعى الذي يريد إعادة توزيع الأدوار بين الأبوين و إنهاء التمايز ضمن النسق الأسري يصطدم ببعض الصعوبات في الواقع بسبب عدم القدرة على الامتثال للمعايير الجديدة المستحدثة أحيانا من قبل كلا الزوجين و بسبب استحالة القيام باستبدال المكانات المحددة لكل منهما. إن احترام المكانة الأبوية هي التي تجعل الطفل يذعن للسلطة الأبوية و يمتثل لقانونه ما دامت هذه السلطة تظل شرعيتها  ومصداقيتها مرتبطة بانتماء الطفل إلى السلالة الأمومية و الأبوية (Françoise Hurstel, 2001).[7]

و ضمن هذا السياق فإن (Colette Chiland, 2001)[8] تصر على اعتبار الأب ذلك الرجل الذي يتكفل بنقل الاسم  و الأملاك و يتمتع بالمسؤولية التربوية ويؤدي الواجبات تجاه الطفل و يستحق بدوره العناية خلال الشيخوخة. وهو الذي يجنح حاليا إلى نسج علاقات من الحنان مع أبناءه الصغار والاهتمام برعايتهم دون أن ينتابه أي شعور بالنقص في رجولته. و هو الذي يقوم بدور أساسي في بناء نرجسية طفله السليمة لكي يتمتع بالسعادة . وهو يمثل العمود الفقري الذي يمكن من رفع رأس هذا الطفل .

 و لكن مشاركة الأب في الاعتناء بطفله و رعايته تختلف هي الأخرى باختلاف الثقافات و الأجيال      (Alain Bouregba, 2011)[9]. فالأب كما تذكرنا كولات شيلاند لا يمكن أن يعد رجلا في بعض الثقافات إلا إذا أظهر و أثبت بالفعل رجولته و أدى واجبه بإنجابه للابن أو لعدة أبناء.

و هي الخاصية الأولى ا لتي ينشدها هذا الأب في المجتمع المغاربي كما يتضح من خلال الملمح الذي يحاول رسمه عبد الوهاب بوحديبة  وهو يتحدث عن “الآباء المغاربة في بحثهم عن الشرعية”  وعن استراتيجيات التحالف في الأسرة (عبد الوهاب بوحديبة، 1995)[10]. إنه الأب الذي تتجاوزه مسؤوليته للانشغال بذريته  و نسله لأنه مغمور بالبحث المذهول عن البقاء  والخلود. و لهذا فهو يجعل من المرأة الشريك الحتمي والضروري. إنه القائد الملهم الذي لا ينازع في تدبير شؤون الأسرة والتكفل  بنسج الاستراتيجيات لإبرام الأحلاف و توزيع الأدوار. فالرجل قبل أن يكون أبا هو يتميز بمكانة و دور، لأنه مكلف بتأدية رسالة و مهمة و الطفل هو خليفته لأنه مكلف بوعد و ضمان المستقبل. و لكنه قد يظهر بمظاهر أخرى حينما لا يوفق في تحقيق هذه الأهداف  ويبوء بالفشل بسبب تعدد الأدوار و المكانات بالرغم من توفر النموذج المثالي المستمد من المرجعية الدينية و الثقافية المتمثل في الأب بامتياز أو “الأب الجميل” كما يقول بوحديبة. ولأن الأدوار ضمن الأسرة المغاربية طرأت عليها كثير من التحولات فيبدو أن صورة الأب انتقلت من مكانة “أفضلية précellence” الأب إلى “الشراكة المتساوية” للزوجين  ، الأمر الذي أضحى يحملهما المسؤولية و الاتزامات المشتركة أمام أطفالهم لتنشئتهم في كنف الحب و العطف. وبالتالي تكون هذه التحولات قد تمكنت من وضع نهاية لـ “إمبراطورية” الآباء و”مملكة الأمهات”. و لم تعد صورة الأب في نظر بوحديبة تتمتع بتلك المركزية و لا بتلك المهابة التاريخية.

فقدان الأسرة المغاربية لهذه القيم و تجريد الأب من دوره كمراقب وكمحاسب  هو الذي أفضى  إلى   اختلال المعالم و ضياع الأبناء. ولتجاوز هذه الوضعية المؤلمة ينصح الباحث بترسيخ عملية الحوار والقبول بالإسهام في عملية بناء مشتركة تجند كل الشركاء الآباء و الأمهات.

هذه النظرة الاجتماعية الثقافية للوظيفة الأبوية يتبناها كذلك (دانيال كوم، 2004)[11] ويطالب بإعادة الاعتبار للأب  غير”المعين celui qui est” الذي أرغم على الاستقالة ليتمكن من جديد من ممارسة مسؤوليته الضرورية ضمن وجود الطفل لإسماع صوته و ليظفر بنوع من الاحترام من خلال إعادة النظر في العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة  والاعتراف بوظيفته من الناحية الاجتماعية و تحقيق تأهيله عن طريق تأكيد شرعيته .إن نفي الأب و تجريده من سلطته و مكانته و استبدالها بمصلحة الطفل قد جنت على الطفل آثارا سلبية يقول دانيال كوم لأنه حرم من ممارسة ما هو مطلوب منه. و المطلوب منه في تصوره هو قدرته على تقديم الخدمة ليس بالنظر إلى مهارته الأبوية و إنما من منظور المبدأ المنظم للمهنة. ويقصد بمبدأ المهنة ممارسة الوظيفة في إطار النسق الذي يسمح للأطراف المختلفة بتبادل  الخدمات. إنه ليس ذلك الأب المقيد بأي تكليف أو أي دور أو أي مهنة محددة مسبقا. وبالتالي فهو يعترض على النظرة المعيارية لدور الأب التي تميز بين السلوك الأبوي و السلوك الأمومي و يعتبره تمايزا نسبيا في إشارة واضحة إلى مواقف جون لكامو و قناعاته  السيكولوجية  بحجة ما يصفه بتشتت الوظيفة الأبوية   وتجمعها و توزيعها و تكيفها مع سيناريوهات الواقع المتعددة التي تمنح الطفل فرصة التعبير خارج العلاقة الزوجية المقدسة.

  1. التنظير الكلاسيكي لدور الأب و وظيفته ضمن النسق الأسري :

الاهتمام بالأم الوحيدة :

بعد العقدين الأولين من القرن العشرين بدا الاهتمام موجها بالدرجة الأولى إلى الرضيع ككائن بشري في حاجة ماسة إلى إشباع “شفويته”، و لم ينصرف الباحثون الأوائل للانشغال بالظروف العلائقية لدى الأطفال الصغار و توازنهم العاطفي إلا بعدما اقتنعوا بأن حرمان الطفل من العناية الأمومية و الرباط العاطفي القوي قد يخل بصحته العقلية و بسواء الأسرة كخلية اجتماعية  (Michel Tort, 2005). فالرضيع و الطفل خلال السنوات الأولى من حياتهم محتاجان بالأساس إلى مناخ دافئ و إلى جودة العناية للحصول على الرضا والسعادة و الارتياح النفسي  (Bowlby John, 1951). في هذه المرحلة إذن بالنسبة لبولبي التفاعل بين الأم و طفلها هو الذي يجب أن يحظى بكل التقدير لأن غياب العناية أو عدم القدرة على الاعتناء بالطفل قد يؤدي إلى الحرمان العاطفي. والحرمان العاطفي قد يتولد عنه تداعيات تخل بصحته النفسية تتمثل فيما يعرف  بـ “القلق الأولي” “l’angoisse primaire”. هذا القلق الناجم عن الانفصال و عدم تلبية حاجة الطفل إلى التعلق  يتبدى في علامات  الاحتجاج و الأسى والانفصال  (Ajuriaguerra J. De, 1980،Marcelli Daniel, 2006 ). و قد تتأخر عملية اكتساب اللغة حتى و إن تخلص من الحرمان بعد السنة الثانية.  فإذا بدأ هذا الحرمان خلال السنة الأولى واستمر لثلاث سنوات فقد يؤثر على العمليات العقلية والشخصية بشكل نهائي (Ainsworth في مرسيلي دانيال).

و في نفس السياق يحاول بولبي إقناعنا بأن عدم الاهتمام بالأب في هذه المرحلة يعود إلى الأهمية الكبرى التي تميز علاقة الأم بطفلها خلال السنوات الأولى من حياته. بينما “الأب بالنسبة للطفل الصغير لا يمارس إلا دورا ثانويا وأهميته لا تزداد إلا حينما يصبح الطفل أقل إحساسا بالحرمان من الرعاية الأمومية” (مشال طور).

(Spitz, 1958) هو الآخر يرى بأن الطفل يجنح إلى التعلق بأمه قبل الشهر الثامن و يصبح حضور الأم بجانب طفلها ضروريا بعد السنة الثانية عندما يتمكن الطفل من التعرف على أمه . فإذا عانى الطفل من حرمان جزئي فقد يتعرض إلى حالة الاكتئاب الخوري (dépression anaclitique) يتبدى في العلامات الأساسية الثلاثة المتمثلة في الأنين وفي التذمر و فقد الوزن و توقف النمو و في الانعزال و رفض الاتصال (د. مرسيلي). وفي حالة معاناته من حرمان كلي فقد يصاب بمرض المصحات (hospitalisme) (جرار نيراند). هذا الاضطراب يسلم الطفل إلى وضعية جمود و إلى تفاقم فقد الوزن و إلى تأخر واضح في  المجال الحركي  بعد توقف البكاءات. وإذا استمر الحرمان لخمسة أشهر تحول التأخر النفسي الحركي و التدهور العقلي إلى اضطرابات مزمنة.

(جيني أبري 1961) في فرنسا من خلال اهتمامها  بالآثار السلبية الناجمة عن الحرمان العاطفي بسبب غياب رعاية الأم بادرت هي الأخرى إلى دعم إشكالية الحرمان الأمومي و التحذير من الاضطرابات الخطيرة (تشوه كامل للشخصية، معاناة) التي يمكن أن تلحق بالطفل من جراء هذه الممارسة وإن كانت تعتبر بأن هذه الاضطرابات يمكن أن تكون قابلة للتحسن بفضل العلاج النفسي.

و قد تكون الأم حاضرة و الطفل بجانبها  ولكن بسبب نقص الرعاية الأمومية التي تسميه (Odile Bourguignon, 1984)[12] بالعوز الأمومي (privation maternelle) فإن الطفل قد يتعرض إلى نفس الزملة المميزة بنفس الخصائص الإكلينيكية.

دور الأب  المساند  و الداعم للأم :

 بالنسبة  لفنيكوت المحلل النفسي الإنجليزي  فإن الأب في هذه المرحلة الطفولية المبكرة “يلمع بغيابه”  (J. Pontalis ، François Duparc, 2003)[13] لأنه لا وجود  للأب إلا في الضاحية، ضاحية الخلية والنواة الأساسية المكونة من  الرضيع و أمه (فنيكوت، 1956، 1978 في Igor Tchernicheff, 2005 ).[14]  بل إن الأب عنده هو ممزوج بالأم و متماهي معها و لم يعبأ بوجوده إلا في وقت متأخر حينما يتمكن من خلافة الأم. و ظل انشغاله هو الآخر موجه للأم الطيبة و المقبولة و العادية و السيئة. و يكون الأب المفضل و الطيب عنده هو من يمارس عدة وظائف مع طفله مباشرة أو غير مباشرة من خلال الأم و بيتها. يمارس وظيفة الدعم  والعطف و الحماية بفضل مهاراته و قدراته الأمومية. إنه الأب المكمل للأم أو البديل الأمومي الممهد والراعي للثلاثية الأوديبية. الأب المجسد للقانون والمعلم لمدلول وقول كلمة “لا” و معنى الممنوع الذي يمكن الطفل من التعبير وكضم الكراهية تجاه الأم. الأب المبدع  المعين على التقمص و مصدر للغواية و الجذب بالنسبة للطفل (فرانسوا دوبارك). و لكن رغم هذه المهارات التي يمتلكها فإنه يخفق في التكيف مع الطفل بسبب غيابه المحتوم  و حضوره النادر إذ لا وجود له إلا في الكواليس و في مخيلة الأم   (فينيكوت، 1975 في تشرنيشاف).

إبعاد الأب الذي لم يقو على ممارسة واجبه الأنتربولوجي (الأب المنجب و الشرعي و المربي في إطار الزواج في نظر هرستل فراسواز، 2001)  والمتمثل في نظر (Irène Théry) في (مشال طور) في مأسسة البنوة الرامية إلى مأسسة الحدود باتجاه كل طفل ضمن النسق الأسري سببه  يعود إلى عدم الحصول على الدعم من قبل التركيبات الاجتماعية، و إلى عملية الخلط بين المكانة الاجتماعية و الوظيفة الأوديبية و تسوية مفهوم الأبوة بنمط الأمومة و إلغاء الأب كطرف ثالث بالنسبة لهرستل وإلى قصر الأبوة على الجانب البيولوجي  وتفشي ظاهرة العزوبة (إيران تيري في مشال طور).

(كرستيان أليفيي، 1994) تعتقد من ناحيتها بأن الآباء منعوا من ممارسة أبوتهم من قبل النساء لثلاثة أسباب:

النساء يعتبرن أنفسهن في أغلب الأوقات بأنهن يمثلن الوالد الضروري الوحيد لأنهن في حاجة إلى الشعور بأنهن ضروريات للطفل من أجل تعزيز هويتهن الخاصة و من أجل الإثبات للجميع بأنهن هن الأمهات.

الرجال لا يجرأون أخذ المكان الذي كانت تشغله من قبل أمهاتهم و ليس آباءهم.

المؤسسة تهتم أكثر بتوازنها المالي و سيرها الجيد أكثر مما تهتم بتوازن و سير الأسر التي تستخدم أحد أعضائها.

 و أما فرانسواز هرستل  فترى بأن إشكالية الحرمان العاطفي هي التي تسببت في إقبار إشكالية الحرمان الأبوي، بينما يرى آخرون بأن الآباء المحرمون (carents) قد تم إبعادهم خلال القرن العشرين من قبل منظري التربية و معدي الصياغات و التشريعيات القانونية (جرار نيراند).

وقد تولد عن هذا التهميش أبناء غير منتسبين (désaffiliés) و مشتتين (hamelétisés) و مغيبين (manqués)  (مشال طور و Corneau Guy, 1989)[15].

و إذا كان مشال طور يعتقد بأن تناول هذه المسألة بهذا الشكل يهدف بالدرجة الأولى إلى “تمريض” الجديد و تزكية القديم فإن هرستل تراها وعكة أبوية يمكن تجاوزها من خلال ثلاثة حلول: حل نظري متمثل في الأوديب اللكاني (اسم- الأب) وحل انتربولوجي و قانوني و حل نفسي تحليلي.

حل لكاني يجعل من الأب أبا رمزيا صاحب السلطة الطبيعية التي تسمح بتحقيق التمايز الجنسي  والانتقال من الطبيعة إلى الثقافة. و حل انتربولوجي قانوني لأنه يتمتع بمبدأ العقل والمبدأ العالمي الذي يمكن من مواصلة عملية التناسل و مواجهة “طابو زنا المحارم” (Legendre في مشال طور). و حل نفسي تحليلي لأنه  بفضل “الكلمة” يساعد على تفادي “التأنيث” (le féminisme) من منظور (Françoise Dolto).

الدور الرمزي للأب :

كما كان  يعتقد جاك لكان فإن وظيفة الأب تظل رمزية و معبرة عن التمثل البنيوي للنظام العلائقي الأسري الذي يمنح لكل عضو مكانته و دوره الخاص . فمن خلال اللغة يتمكن الأب من الظفر بمكانة مرموقة و تحقيق أبوته ) le parlêtre).  بمعنى آخر فإن الكلام عوض الاتصال البدني هو الذي يسهم في الحصول على الحب العاطفي و الاحترام من قبل الأطفال (فرانسواز دلطو، 1990). إن وظيفة الأب وفق (Bernard This, 1980 ، في جرار نيراند) المناصر لنظرة جاك لكان تسمح بالتفريق بين الطفل وأمه لأن الأب يحقق عملية التثليث trinifie)) و يمنع من الخلط و الدمج الأصلي و المتخيل. فالطفل من هذا المنظور لا يعد صناعة أمومية صرفة وإنما كممثل برمز هو نتاج زوج منجب و طفل رجل و امرأة. إن وظيفة المدلول الممثلة في “اسم – الأب” (le Nom-du-père) وفق عبارة جاك لكان (1957) وليس الأب الحقيقي أب الديانات والثقافات هي التي تشرط الأبوة و تثبت إلحاق الإنجاب بالأب  و الاعتراف به.

وهو الموقف الذي يدعمه (Aldo Naouri في جرار نيراند) بتأكيده على ضرورة تقوية الرباط الأبوي وحضوره المبكر إلى جانب الأم  كطرف محاور و مشارك لتحقيق الأبوة و تمايز الأدوار بين الزوجين، دور الأم المرتبط بالرغبة و دور الأب ذات الصلة بالقانون والممارس لوظيفة الكلام. “الأبوة يقول برنار تيس هي بالأساس مرتبطة بفعل الكلام. إن الكلمة هي التي تشكلنا و تجعل منا “أبا” أو “ابنا” أو “بنتا”. إننا نعتقد أحيانا عن سذاجة بأننا نحن الذين ننتج  و نتحكم في الكلام، و لكن في الواقع الكلام هو الذي يجعل منا كائنات متكلمة (parlêtre)، مذعنة لقوانينها” (برنار تيس، 1980)[16] وهو بهذا المسعى يخلص في النهاية إلى الاعتقاد بأن الأمومة مطلب و مكسب حقيقي  وأن الأبوة دين (une dette) و حضور رمزي .

  1. التنظير المتجدد للدور الأبوي من منظور علم النفس المعاصر

و علاقته بالصحة النفسية للطفل :

الأب الحاضر و المفيد :

انتقاد نظرية التعلق من قبل (Wallon, 1954) و أتباعه من أمثال (Irene Lezine) و (Stambak) هو الذي يكون قد مهد لتوجيه الاهتمام في بداية الأمر إلى حرمان الأب الذي اعتبر عاملا مضرا بنمو الطفل ضمن النسق الأسري حيث يقوم كل عضو من أعضاءه  بدوره الخاص إلى  جانب دور المحيط.

لكن مسألة الأب أصبحت في الواقع  تحظى بكثير من الاهتمام منذ بداية السبعينيات لاقتناع كثير من السيكولوجيين  والباحثين بأهمية دوره الاجتماعي و وجوده بقرب الطفل إلى جانب الأم في وقت مبكر من أجل تلبية حاجياته و التكفل بحقوقه المعترف بها  ومن أجل توفير الرعاية المطلوبة لتقوية ا لرباط الأبوي       و تزويده بالحنان و الظفر بالاعتراف و التقدير و المساهمة في نفس الوقت في تحقيق التوازن بين الأبوين في مجال التأثير على الطفل (Catherine Valabregue, 1968)[17].

فهذا روني زازو (René Zazzo, 1975) السيكولوجي الذي ارتبط اسمه بتعديل مقياس الذكاء لبينيه وسيمون نجده هو الآخر في مطلع السبعينيات بالرغم من اعترافه بالدور الأساسي للأم في الأشهر الأولى المشرط و الضروري لتحقيق توازن شخصية الطفل يرفض أن يجعل من العلاقة الثنائية بين الأم و طفلها علاقة مطلقة و يدعو إلى تجاوزها بحجة أن جودة هذه العلاقة إنما تعود في نظره إلى جودة الرباط الزوجي. وهو يستعين في تبنيه لهذا الموقف بالأعمال العلمية التي تثبت بأن التربية الفعالة تظل مرتبطة بجودة العناية التي يمارسها كل شخص. و من ثم يصبح حضور الأب إلى جانب الأم في هذه المرحلة المبكرة أمرا مهما ملحا من أجل تقديم الرعاية المطلوبة لاستفادة الطفل بمزاياه النفسية.

و رغم اعتراف البعض بصعوبة التسوية بين دوري الأبوين خلال هذه السنوات المهمة لمستقبل الطفل فإنه يوجد من يصر على المطالبة بممارسة هذا الدور إلى جانب الأم من أمثال (برنار تيس، 1980) عبر كتابه “الأب: شهادة ميلاد،le père: acte de naissance ” الذي يدعو من خلاله إلى ضرورة ملازمة الأم أثناء الحمل لاشتراكه في عملية الاحتضان (la couvade) ومقاسمته آلام الأم و أحاسيسها. ثم يأتي من يهتم كذلك بالاتصال البدني و يعده وسيلة مفضلة لحصول الأب على مودة الطفل دون أن تؤثر هذه الوسيلة بأي شكل من الأشكال في رجولته (Olivier Christiane, 1994، في جرار نيراند، جون لكامو، 2001)[18].

(Geneviève Delaisi De Parseval, 1981)[19] هي الأخرى تعد من المناصرين لإعادة الاعتبار للدور المتجدد للأب من خلال إصدارها “حيز الأب” (la part du père). ما يميزها هو حرصها الشديد على التنديد بتحويل مبدأ الأب إلى “كمية تافهة” بسبب التغطية الإديولوجية والواقع الفسيولوجي. و تستعين في موقفها هذا بحجة التشابه الموجود بين الأب و الأم في مجال السير النفسي و الطابع الإنساني (دولايسي، 1981). وهي تجنح في نفس الوقت إلى البراءة من العناصر الأوديبية الكلاسيكية و من نظريات الحرمان الأمومي التي تراها قد أسهمت  في ترسيخها للثقافة السائدة في المجتمع الغربي و تأييدها لهذه الاعتقادات التي جردت الأب من أبوته  وحرمته من فرصة تحقيق رغباته المتخيلة عن مستقبل الطفل. وتقترح  دولايسي من أجل إعادة الاستثمار في الأب ضمن النسق الأسري الاهتمام بأخذ القرارات بالتراضي مع الزوجة قبل الإنجاب و الامتثال إلى أسلوب التحاور والتواصل بين الزوجين الذين يقرران معا مجيء الطفل و يحققان معنى الأبوة قبل الشروع في تربية الطفل. ولأن نمو الطفل يظل خاضعا لتأثيرات المحيط خلال السنتين الأوليين كما ترى (Hélene Stork, 1995) في (جرار نيراد، 2011)[20] فإن هذه التأثيرات لكي تكون موائمة و مفيدة، يجب أن تحدث في وسط من العلاقات  الودية و المنسجمة التي تغذي عاطفية الطفل. ولهذا  تنصرف دولايسي إلى التأكيد على رفض التسوية بين الوظيفة الاجتماعية للأب المتمثلة في السلطة والقانون والوظيفة النفسية بالرغم من الهيمنة العاطفية والتربوية التي تتمتع بها الأم بدعم من المشرع وبخاصة بعد الطلاق و بالرغم من التأثير الأكثر تسكينا لجسم النساء.

ومع ذلك و بفضل المعارف العلمية التي أحدثت تحولات هامة في الأدوار الاجتماعية ضمن السياق الثقافي والأسري الجديد و غيرت دارات التعلق فإن “الرجال الأموميين” (maternels) كما يصفهم (Boris Cyrulnik, 1989) أصبح بإمكانهم الحضور إلى جانب الأم خلال الأيام الأولى من الحياة  (Jean Le camus, 1991) من أجل تعزيز عملية التعلق و ممارسة دور المهدئ الكبير وذلك منذ المرحلة الحساسة للحمل و في اللحظات الأولى التي تتبع فعل الولادة لأن المولود الجديد في حاجة ماسة إلى الالتزام المبكر للأب واحتضانه ورعايته من قبل الزوجين و ليس من قبل الأم فقط ( لوكامو ، اسبنوزا، Spinoza   Odile   ,   Jean le Camus 1991)[21]. الالتزام المبكر للأب يبرره هذان الباحثان بإمكانية انغماس الرضيع ضمن شبكة من الروابط العائلية بفضل  تعدد اللقاءات المبكرة  والدائمة التي تعرض على الرضيع الغربي – و لاسيما الرضيع الفرنسي – في الوقت الراهن. و بالتالي فإن التعلق الوحيد (monopotropie) لم يعد مقبولا في نظرهما رغم ميل الطفل بالفعل إلى تعلقه بالصورة الأمومية  أو بشخص أو عدة أشخاص مألوفين (أنسورث، 1985) في (جرار نيراند).

ونفس الطرح يتبناه (Joël Clerget, 2008)[22] حينما يطالب بحضور الأب  ومشاركته الفعالة إلى جانب الأم خلال مرحلة الانشغال الأمومي الأولى لكي تصبح هذه الأم طيبة بالفعل في نظره. إن الآباء يقول كلرجي يشاركون في حياة الرضع بعنايتهم ومنحهم الرعاية والاهتمام وحضورهم الفعلي. إن الرضيع  بهذه الطريقة يتموضع و ينخرط بين أبيه و أمه التي ليست بالكلية له و ليست كلها له، إنه يكتشفهما معا، إنه يحيى بهما، إنه يلتقي و يجد أباه في أمه في علاقة ثلاثية ضمن الفضاء المشكل بالأب و الأم. فلا توجد أم إلا من خلال ارتباطها بشخص الأب، و ليس كطرف ثالث بينهما أو مفرق كما تريده العقيدة التحليلية النفسية.

إعادة الاعتبار للآباء نجدها كذلك تحققت بفضل “الممارسات الوالدية للرعاية الأبوية للطفل و بفضل الإرادة التقليدية لمقاومة التدهور الاجتماعي لصورة الأب التي خاضها في وقت مبكر جاك لكان” وبدعم من المهنيين الذين بادروا إلى دعوة الآباء حضور أماكن استقبال الأطفال المنشأة (من روضات و مدارس تحضيرية ودور خضراء و دور لعب) لاقتناع البعض (Singly, 1998) بضرورة تحقيق المساواة بين الرجال و النساء في مثل هذه الأماكن طالما أن هناك نظريات قديمة (فرويد، لكان) ترى بأن تشكيل الذات وحصوله على الاستقلالية يتطلب و جود عائلة بأب و أم من جنسين مختلفين (جرار نيراد).

وإذا كان فينيكوت ومن حدا حدوه يرى بأن “الأب غير قادر على الانتفاع بمتعة الدور الذي يجب أن يمارسه و غير قادر على مشاركة الأم المسؤولية الكبرى ذات الصلة بتعلق الرضيع بأحد الأشخاص” (جرار نيراند، 2002)[23] بسبب انشغاله بمحيط الأم و تهيئة طفله للانفتاح على الحياة الاجتماعية  وانصرافه إلى القيام بدوره المتمثل في فصم الرابطة الأولية بين الأم والطفل فإن أصواتا عديدة في صفوف الإكلينيكيين ظلت تتعالى خلال العقود الأخيرة لتعلن بأن الوظيفة الوالدية إنما تكمن فيما “يقدمه الوالد للطفل من أجل مساندته و مساعدته على تشكله” (شانطال زاوش- جودرون). ومن خلال رفضها للمحتويات النظرية المحددة للأدوار الوالدية القديمة تريد هذه الأصوات أن تستبدلها بالنظرة الوالدية الثلاثية (أم – أب ـ طفل) لأن النظرة الثنائية (أم – طفل) في نظرهم ليست طبيعية و إنما هي ثقافية (جرار نيراند). ومن ثم فإن دور الأب لا يمكن أن يكون ثانويا و إنما هو ضروري منذ مجيء الطفل إلى الوجود للظفر بمودته و تلبية حاجياته والاستفادة من الاتصال البدني بقربه. و لما كانت الأبوة مثل الأمومة في نظر هذا التوجه الأخير عملية نفسية ديناميكية و ليست غريزية فإن حرمان الأب من ممارسة هذا الدور و “إخصائه من أبوته” كما تقول دولايسي قد يسبب له إعاقة كبرى يترتب عنها تداعيات خطيرة. وبالتالي فإن إلحاق الطفل بأبيه وإبعاده عن أمه في بعض الحالات واعتباره عملا مضرا يبدو في نظر (جرار نيراند، 2002) غير صحيح بل مؤذيا للطفل لأن الدور الإيجابي يتمثل في قدرة الراعي و المربي على الإصغاء لحاجيات الطفل وتلبيتها.

التعلق المزدوج :

 (Elisabeth Badinter, 1992)[24] غير المحسوبة على التيار التقليدي والمعروفة بقناعاتها النسوية تجنح هي الأخرى إلى جانب نظيرتها إفلين سولرو (Evelyne Sullerot   1992)[25] وفي وقت متزامن إلى المطالبة بإيجاد حيز مناسب للأب للتكفل بالرضيع وتنافح عن تبني نظرية التعلق المزدوج بحجة أن “العلاقة الجديدة بين الأم / الأب تقدم نقضا صارخا لنظرية تعلق الرضيع الحصري بالأم (جون بولبي) ولنتيجتها: الرضيع لا يمكن أن يتعلق إلا بشخص واحد …” وتستند في ذلك على أعمال (M. Lamb) و (M. Yogman) المنجزة في مجال علم النفس التجريبي الأمريكي التي تثبت عكس هذا الرأي الأخير وتؤكد على أن الرضيع يتعلق بالوالد الذي يستثمر أكثر في مولوده دون أي فرق بين الجنسين. “إن قدرة الآباء على إقامة علاقة ثرية مع أطفالهم في سن مبكرة جدا تعتبر حقيقة ويمكن إثباتها بشكل كامل يقول (ميكائيل يوجمان، 1987) في (جرار نيراند). خلافا للنظريات القديمة التي كانت تعتبر العلاقة مع الطفل مسألة غريزية و محددة بيولوجيا وأمومية بشكل حصري، فإن الفحص الدقيق للمعطيات الحيوانية والأنتربولوجية والاجتماعية في الغرب يناقض في الوقت الراهن طرح عدم الكفاية الأبوية بالنسبة للأطفال الصغار”.

(Michèle Ferrand, 2004) هي الأخرى تصطف ضمن من يصر على إلحاق تربية الأطفال والتكفل العاطفي بهم بالمسألة الجنسية وتعتبر أنها مسألة إنسانية قبل كل شيء، لا علاقة لها بالغريزة الأمومية. وهي بالتالي ترى بأن الرجال يتمتعون بنفس المهارات حينما يقررون التكفل برعاية رضيعهم. فبعض الأدوار الزوجية (مثل السلطة الأبوية) في نظرها قد لا تتمحض بالضرورة إلى عامل الجنس. ومن هنا فإن الطفل بإمكانه أن يستفيد من تربية أمه كما يستفيد من تربية أبيه أو أي شخص آخر يقوم بدور المربي مهما كان جنسه.

(R. G. Andry, 1961) كان من السباقين هو الآخر في الستينيات إلى المطالبة بعدالة أبوية لتربية الأطفال والتنديد بهيمنة الأم في علاقتها مع الطفل وتهميش الأب من خلال منحه العناية المطلوبة لممارسة دوره الأبوي الضروري لتنمية الطفل ووقايته من الانحرافات (جنوح الأطفال) التي يمكن أن تلحق به بسبب هذا التمايز.

وبالتالي فإننا نجد كثيرا من الباحثين في الغرب (Le Camus و  Labrell وZaouche-Gaudron   وGuy Corneau  إلخ…)  قد انحازوا إلى هذا الرأي ويرفضون أن يظل الأب ينظر إليه كـ”زائدة” (appendice) للأم، لأن الرضيع في نظرهم هو قادر على إقامة عدة علاقات ثرية في نفس الوقت. و إن تميزت مساهمة الأب عن دور الأم بسبب خصوصية مكانته فإنها تبقى ضرورية في تصورهم لأنها تحدث انعكاسات إيجابية على نماء الطفل. ومن ثم فإن وظيفة الأب تستدعي أن تمارس بشكل مباشر دون أي وساطة عبر كلمة الأم وتمثلاتها خلال التفاعلات الحقيقية والهوامية للحياة اليومية لأن الآباء مثل الأمهات لا تنقصهم المهارات المطلوبة لرعاية أطفالهم وإن كانوا أقل كفاية منهن. لكن دورهم الأساسي يكمن في جودة حضورهم  (لوكامو، زاووش كدرون، 1998)[26].

هذا النموذج الأبوي الجديد كما نلاحظ يريد أن يجعل من الأب  أبا طيبا و هادئا و مريحا و حاضرا و مفيدا . دوره الاجتماعي الأسري و المشكل للهوية الجنسية يظل متميزا عن الوضعية النفسية للمرأة و عن مكانة الأم  لأنه غير قابل للاستبدال مع دور الأم (Françoise Hurstel, 1997)[27].

الاهتمام بجودة العلاقة لحسم الصراع :

ينصرف بعض الباحثين (Chivot, 1981) في (جرار نيراند) لحسم الصراع بين دور الأب و دور الأم في المرحلة الطفولية المبكرة إلى التركيز على جودة العلاقة مع الرضيع أكثر من التركيز على مكانة الشخص أو الأشخاص الذين ينشغلون برعايته. فالأم كالأب أو أي شخص آخر يمكن أن يصبح شريكا أساسيا للطفل الصغير بشرط أن يحتفظ كل من الأبوين بأدوارهما الخاصة.

وبالتالي قد يكلف الأب إلى جانب الأم بأنشطة الكلام واللعب والتنشئة الاجتماعية. كما يمكن أن يوجه اهتمامه إلى مراقبة سلوك الطفل والمشاركة في تنظيم قواعد الحياة الأسرية وفي استثارة لغة الطفل من خلال محتوى الحوار و شكله.  و بإمكانه كذلك أن يسهم في تهيئة الطفل لإقامة جسر مع العالم الخارجي من خلال تشجيعه على حل مشاكله بنفسه عوض تقديم المساعدة له كما تفعل الأمهات في نظر (Labrell, 1995) في (جرار نيراند، 2011).

هذا الدور المتميز للأب و المتكامل مع دور الأم ينافح عنه بقوة الباحث و الأستاذ الجامعي جون لوكامو في عدة إصدارات منذ التسعينيات  حيث نجده يبرز هذا الدور الأساسي من خلال إحدى العناوين “الأب المربي للطفل الصغير” (Le père éducateur du jeune enfant, 1999 Jean le Camus,)[28] الذي يكشف من خلاله عن وظيفته الخاصة التي يمارسها منذ ولادة الطفل بالتوازي مع الأم  و ليس من خلال خطابها. فهو الأب الممثل لما يسميه “نموذج الوظائف الوالدية المتزامنة”. الأب الموصوف بالأب المجسد، الحي، الحاضر والملتزم الذي يتحرك ضمن واقع تفاعلات الحياة اليومية قبل ممارسته لوظيفته الرمزية. الأب الأليف، المهتم والحنون، الأب “الشمس” إلى جانب الأم “القمر” الذي يترتب عن حضوره المبكر تداعيات إيجابية على البناء النفسي للطفل الصغير (جون لوكامو، 1999).

وظيفة هذا الأب يعتبرها (جون لوكامو) متعددة الأبعاد. فهي ليست مقصورة على الجانب الاجتماعي وإنما تعنى كذلك بالأبعاد الأخرى الحسية و الحركية و التعليمية و العاطفية. فهو يساعد على تحقيق استباقية النمو والتحريض على الكفاية و مواجهة التحدي. و دوره مهم في بناء و اكتساب المعارف خلال الطفولة الأولى. وهو يؤدي دور الممارس لعملية التواصل غير اللغوي و التبادلات الترفيهية والتشجيعات ويزوده بمدلول الممنوعات. وهو بهذا الأسلوب يسهم  في بناء شخصية الطفل و تشكيلته النفسية العاطفية (جون لوكامو).  بل إن الحضور المبكر للأب بجانبه قد يعود عليه هو ذاته بالنفع، فقد يظفر حينها بكثير من الرضا بسبب ممارسته لوظيفته الأبوية والحصول على الاعتراف بهويته الذكورية. “إن الآباء يقول (Pruett, 1993) نقلا عن (جون لوكامو) أستاذ الطب النفسي في جامعة يال Yale بالولايات المتحدة بفضل مشاركتهم يشعرون بتقدير أحسن لذواتهم وهم أقل عرضة للمرض العضوي و يتمتعون بعلاقات تكون زوجاتهم خلالها أكثر رضا و لديهم أطفال أقدر على التكيف مع ضغوط الحياة”.

وعوض التركيز على وظيفة الفصل و التجنس (sexuation) والتسمية (nomination) أو على دور الأب الذي يتكفل بنقل “قانون الفرق بين الأجيال” فإن (جون  لوكامو) باستناده إلى دراسات علم النفس المعاصرة والبحوث الـتي أجراها مع فريقه بجامعة تولوز (Toulouse) يعتقد بأنه لا مجال للتسوية بين وظيفة الأم ووظيفة الأب المتمثلة في بناء شخصية الطفل كما يتضح ذلك من خلال مواقف كثير من الباحثين منذ الثمانينيات. إن الأب من منظور (Postic, 1993) مثلا يمثل “القانون و يحدد ما هو مسموح أو ممنوع ويراقب الرغبات” و “هو يجسد بصورة حية ممنوع زنا المحارم” في حين أن الأم “تجسد العالم المحمي للأسرة”. وبالتالي عوض القدح في هذه النظرة الجديدة لوظيفة الأب من قبل “حراس القصر” كما يقول جون لوكامو فإنه يدعو إلى القبول بإيجاد “مكان للأب في الحياة اليومية” كما فعل و اقتنع بذلك كثير من المحللين النفسيين المعاصرين الفرويدين من أمثال (De Parseval, 1980) و( Chiland, 1983, 1990) و(Lebovici, 1983, 1990, 1997) واللكانيين من أمثال (This, 1980) و(Clerget, 1990) ومن البديهي و الطبيعي في نظره أن يتخلى علماء النفس في الوقت الراهن عن هذه النظرة المجازية الصرفة للأب المنحازة لتقديس الأب ” كاسم ” و يقتنعوا بدور الأب المجسد و الحاضر و الفاعل في الحياة اليومية (جون لكامو، 2001)[29]. وهو بهذا الطرح يتبنى مفهوم “المشاركة المتباينة” (l’implication différenciée) وهو يقصد بها ما قد يقدمه كل واحد من الأبوين من دعم تربوي للطفل و ما يسمح به حضور كل واحد منهما من تلبية لحاجياته. وبهذا الأسلوب يمكن أن نبقي على نوع من الاختلاف في مجال التحرك بين الأبوين و التكامل بين الأدوار. و نبقي كذلك الباب مفتوحا أمام تعدد نماذج التنشئة الاجتماعية  لتمكين الأنساق الأسرية من اختيار الأسلوب المفضل لتربية أطفالهم.

 دور الأب، من المشاركة المتزايدة إلى المشاركة الملائمة ( De l’implication accrue à l’implication congrue     ):

 المشاركة المتزايدة تعني المشاركة في الأشغال الوالدية المطلوبة لرعاية الطفل من قبل الأب الجديد الحاضن (nourricier). هذه المشاركة يراها (جون لكامو) مفيدة حينما تتوجه لعناية الطفل والتربية الأولية و اللعب و تتميز بعلاقة جيدة بين آباء حنونين وأطفالهم. آباء يشاركون أمهاتهم باستمرار من خلال اهتمامهم وتحفيز أبناءهم  على  الرياضة ومراقبة عملهم الدراسي والتواصل مع أساتذتهم و التكفل بهم ماديا.

وتتبدى هذه المشاركة المتزايدة في نظر الباحث الأمريكي (Lamb) وزملائه في التفاعل والاستعداد والمسؤولية. و قد نجدها متباينة بينهم بسبب عوامل التحفيز والمهارات والدعم الاجتماعي الممنوح والممارسات المؤسساتية. وتكون في الغالب مصحوبة بتداعيات وآثار إيجابية على الطفل في مجال الهوية الجنسية والنجاح الدراسي والتكيف الاجتماعي حينما تكون العلاقة تتميز بجودة عالية وحارة و وثيقة. وتتجلى أكثر على مستوى شخصية الطفل من خلال مهاراته المعرفية و التعاطف والمرونة في اتجاهاته نحو أدوار الجنس والخصائص الإيجابية (l’internalité) والنفسية الداخلية.

هذه المعارف التي أسهم (Lebovici, 1983) في ترويجها ضمن الفضاء الفرنسي و تبناها جون لكامو وكثير من الباحثين المشار إليهم سلفا تؤكد و تعزز أهمية التدخل و مشاركة الأب للأم في وقت مبكر.

و لكن الباحثين و السيكولوجيين المنشغلين بهذا التدخل المبكر للأب في العقود المتأخرة لم يعد اهتمامهم موجها إلى المشاركة المتزايدة أي إلى ضرورة المشاركة ومدة الحضور وفوائدها و إنما انصرف انشغالهم إلى ما يصفونه  بالمشاركة “الإيجابية” (Pleck, 1997) أو المشاركة “الملائمة” (جون لكامو، 1999) أي إلى جودة المشاركة وإلى طريقة التعامل مع الطفل وإلى نمط شخصية الأب وجنسه واستراتيجياته التربوية  (Lamb, 1997 وParke, 1996 ).

لجودة التفاعلات بين الأب و الطفل انعكاسات إيجابية على نمو الطفل (Daniel Paquette, 2004)[30]. فقد تقيه من التعرض إلى مشاكل التكيف الاجتماعي والإخفاق المدرسي والإدمان والانتحار واضطرابات السلوك المختلفة (الفرط الحركي و الانتباه و السلوكات العدوانية و السرقة والاندفاعية والعناد والكذب والتخريب وعدم احترام القوانين). و قد تسهم الأساليب التربوية المعتمدة من قبل الأب في تقوية تعلق الطفل بأبيه و تكسبه كثيرا من الخصال. هذه الأساليب الضرورية المكملة لما تقوم به الأم هي أساليب مميزة تعتمد في الغالب على التفاعلات البدنية والإثارة من خلال اللجوء إلى استخدام الألعاب البدنية القوية المتمثلة في المصارعة و القفز على الركبتين و محاكاة الحصان والرمي في الهواء التي تهدف إلى زعزعة استقراره الانفعالي ونموه المعرفي و تدريبه على المخاطرة  وحمله على أخذ المبادرات والاستكشاف والمغامرة ومواجهة العوائق والتحلي بالجرأة أمام الأجانب  وتأكيد الذات (دانيال باكات، 2004). إن الأب من خلال ممارسته لهذا الدور الأساسي بحسب السيكولوجيين المعاصرين من أمثال (جون لكامو، 1995) و (لامب، 1984)  و (يوقمان، 1987، 1994) و(باكات) كما مر معنا يساعد على تحقيق استقلالية الطفل وانفتاحه على العالم ويقوي رغبته في النجاح بعد تزويده بكثير من الدفء و تعزيز عزيمته بمراقبته وجودة علاقته الزوجية منذ السنوات الأولى من حياته.

هذه الخصائص الإيجابية المميزة للآباء “الطيبين” (Abramovitch, 1997) هي التي تسمح بارتقاء الطفل إلى مستوى عال من الارتياح النفسي. وهي التي تمكنهم من التمتع بدرجات أعلى من التعاطف ومن الخصال الداخلية  الإيجابية (l’internalité) ومن الأمن والمرونة في الهوية الجنسية، مقارنة بأطفال العائلات التقليدية غير المشاركة بشكل فعال (Sagi, 1982) ، (Radin, 1981) ، (Pruett, 1983) في (جون لكامو، 1999). كما أن النمو النفسي لدى هؤلاء الأطفال قد تحسن بشكل واضح (رادان، 1994) ونفس الملاحظة يسجلها (1997Pleck, ) فيما يتعلق بالمهارة المعرفية و مرونة أدوار الجنس والتعاطف والخصال الداخلية الإيجابية.

وفيما يتعلق بالتداعيات الإيجابية  لهذه المشاركة الأبوية الملائمة والفعالة على الأطفال فإن (جون لكامو، 1999) يتحدث عن ديناميكية أكبر وعن النضج العاطفي وعن التفاعل الاجتماعي الذي يتميزون به. وهم في نظره ميالون أكثر إلى المصارعة والانتساب (agonistiques et affiliés).

وهم أكثر استعدادا لقبول أقرانهم وممارسة اللعب الجماعي معهم، ويشعرون بأكبر قدر من الأمن في غياب آباءهم، و إنجازاتهم تبدو مميزة عن إنجازات غيرهم.

الأب المنجز لكل هذه النتائج هو بالفعل أبا “طيبا” وأبا “هادئا جدا” (Godard-Bouchard, 1989) وأبا قريبا مشبعا بالانضباط ومعني بالرعاية ومشجعا على الاستقلالية وحاضرا جدا (Gaudron-Zaouche, 1997).[31]

الخلاصة التي ينتهي إليها جون لوكامو أن الأب المناسب لانتظاراته وطموحاته وتوصياته هو الأب المشارك المتميز، الأب الذي يمكن الطفل من الظفر بالحماية و الاحترام من الأبوين، الأب الذي يتدخل في الوقت المناسب دون أن يخشى الإفصاح عن حنانه وعطفه الذي يعلم بأنه يتمتع مثل الأم بالقدرة على الإسهام في النماء المتعدد الأبعاد للطفل.

إن الدور الحقيقي للأب (جون لكامو، 2000)[32]  لا يتمثل في قول “لا، لا لكل شيء” كما يعتقد (Aldo Naouri) وإنما يكمن في مساعدة طفله على الانفتاح على العالم. إن قرب الأب من الطفل وارتباطه به والتفاعل معه قد يثمر بناء للغيرية والهوية لدى الطفل وعلى الحصول على استقلاله الاجتماعي والاندماج ضمن أوساط أخرى وعلى اكتساب القدرة على تحمل فراق الأم ومواجهة الصعاب وابتكار الحدود الجديدة  والاستفادة من مخالطة الآخرين (جون لكامو، 2006). إنه الأب المنهمك في التفكير في كيفية الوصول بهذا الابن إلى الرشد والنضج الكامل من جميع النواحي النفسية والمعرفية والاجتماعية الذي يروم بناء ذاته كشخص متميز ومستقل (جون لكامو، 2002).

إنه الأب الذي يسهم في تقاسم المسؤوليات إلى جانب الأم ويستثمر في موقف الفاتح والمستثير والمحرك والمانح للأحلام. الأب الذي لا يقيم الحواجز وإنما من يشعل الأنوار ويلتزم في وقت مبكر برعاية طفله وبمداعبته من خلال ألعاب المرحلة الأولى من العمر وأنشطة اليقظة والمنافسة الرياضية المحاكية والانفتاح على البيئة وعالم الآخرين ومواجهة محن الحياة. وبهذا التعاطي إلى جانب الأم مع البعد الانفعالي والتربوي للطفل و بوعي كامل و متعة مريحة يتمكن الطفل من أن يكبر بشكل جيد (جون لكامو، 2011)[33].

وفي الختام يحاول (جون لكامو، 1999) إقناعنا بهذا الطرح الذي يتقاسمه معه الكثير من السيكولوجيين في هذه العقود الأخيرة بكلمة جامعة ومختصرة يؤكد من خلالها أن العالم في حاجة إلى “نعم” الأب و ليس إلى “اسم” الأب.

قائمة  المراجع :

  

  1. Badinter Elisabeth (1992) , XY , de l’identité masculine , Odile Jacob , Paris.
  2. Bouhdiba Abdelwahab (1995), les pères maghrébins en quête de légitimation , in Quêtes sociologiques , Eres , Tunis.
  3. Bouregba Alain (2011) , l’enfant et son parent . L’histoire d’une empreinte, Dunod , Paris .
  4. Bourguignon Odile (1984) , mort des enfants et structures familiales , PUf , Paris .
  5. Chiland Colette (2001) , a-t-on besoin du père ? , in Chantal Zaouche – Gaudron , la problématique paternelle , «  Petite enfance et parentalité «   , Eres , Toulouse .
  6. Cyrulnik Boris (1989) , sous le signe du lien , Hachette , Paris.
  7. Clerget Joël (2008) , «  Père naissant «  , Comment un garçon devient-il papa ? , «  Enfance et parentalité «  , Eres , Toulouse .
  8. Corneau Guy (1989) , père manquant , fils manqué , Editions de l’homme , Québec .
  9. Coum Daniel (2004) , «  le père est mort , vive le père «  in Daniel Coum , qu’est- ce qu’un père , Eres , Toulouse
  10. Delaisi De Parseval Geneviève (1981) , la part du père , Seuil , Paris .
  11. Duparc François (2003) , le père chez Winnicott ( est- il suffisamment bon ) ? in Jean Guillaume et al , le père , l’esprit du temps , «  Perspectives psychanalytiques .
  12. Hurstel Françoise (1997) , identité masculine , inversion des rôles parentaux , fonction paternelle , Enfance ,  vol 50 , 3.
  13. Hurstel Françoise (2001) , le père comme Alter , dans la problématique paternelle , Eres , Toulouse .
  14. Le Camus ( 2011 ) , un père pour grandir : Essai sur la paternité , Robert Laffon , Paris .
  15. Le Camus Jean ( 1999) , le père éducateur du jeune enfant , Puf , Paris .
  16. Le Camus Jean ( 2000 ) , le vrai rôle du père ,Odile Jacob , Paris .
  17. Le camus Jean , Chantal Zaouche -Gaudron (1998 ) , la présence du père auprés du jeune enfant : de l’implication accrue à l’implication congrue . Psychiatrie de l’enfant , XLI , (1) , 297 -319 .
  18. Le camus Jean , la fonction du père dans les premières années de la vie de l’enfant . Perspectives ouvertes par la psychologie du développement , in Chantal Zaouche – Gaudron (2001) , la problématique paternelle , Eres , Toulouse .
  19. Le Camus Jean (2006) , le devenir père : merveilles et déconvenues , Informations sociales, , 132 .
  20. Le Camus Jean ( 2006) , ton père tu découvriras pour de vrai , Spirale , 3, 39 , p . 12 – 20 .
  21. Le Camus Jean (2002 ), le père – bébé , Devenir , 2 , Vol 14 .
  22. Neuburger Robert (2015), Qu’est – ce qu’un père ? , Cahiers critiques de thérapie familiale et de pratiques de réseaux , 1 , 54 .
  23. Neyrand Gérard ( 2011 ) , l’enfant , la mère et la question du père , PUf , Paris.
  24. Neyrand Gérard (2004) , Autorité parentale et différence de sexes , quels enjeux ?, Dialogue , 3 , 165.
  25. Neyrand Gérard (2002) , de l’incapacité présumée du père à s’occuper du bébé . La question de la résidence alternée du jeune enfant , Dialogue , 2, 156 , p. 111 – 117 .
  26. Neyrand Gérard et Zaouche – Gaudron Chantal (2014) , le livre blanc de la résidence alternée , enfance et parentalité , Eres , Toulouse .
  27. Paquette Daniel ( 2004) , la relation père – enfant et l’ouverture au monde , Enfance ,2 , Vol 56 .
  28. Spinoza Odile , Jean le Camus (1991) , les relations interpersonnelles précoces , in la socialisation de l’enfance à l’adolescence , PUF , Paris .
  29. Sullerot Eveline (1992) , quels pères ? , quels fils ? , Fayard , Paris .
  30. Tchernicheff Igor (2005) , la question du père chez Winnicott et chez quelques autres, Empan,57.
  31. This Bernard (1980) , le père : acte de naissance , Seuil , Paris .
  32. Tort Michel (2005) , Comment le «  père «  devint la cause des pathologies familiales , Actuel Marx , 1 , 37 . .
  33. Valabregue Catherine (1968) , la condition masculine , Payot , Paris .
  34. Yogman Michael , la présence du père in Geneviève Delaisi  de Parseval  et al (1987), Objectif bébé , Le Seuil.
  35. Zaouche – Gaudron Chantal (1997) , la différenciation paternelle et le père suffisamment présent , Neuropsychiatrie de l’enfance et de l’adolescence , 45(3) , 153-161 .

[1]  Neyrand Gérard  ( 2011 ) , l’enfant , la mère et la question du père , PUf , Paris.

[2] Le Camus Jean (1995), Les interactions père-enfant en milieu aquatique, Revue internationale de pédiatrie; 255: 7-17

[3] Tort Michel (2005) , Comment le «  père «  devint la cause des pathologies familiales , Actuel Marx , 1 , 37 , p. 89 – 125 .

[4] Cyrulnik Boris (1989) , sous le signe du lien , Hachette , Paris.

[5] Neuburger  Robert (2015),  Qu’est – ce qu’un père ? , Cahiers critiques de thérapie familiale et de pratiques de réseaux , 1 , 54 , p. 73 – 80

[6] Neyrand Gérard  et Zaouche – Gaudron Chantal (2014) , le livre blanc de la résidence alternée , enfance et parentalité , Eres , Toulouse

[7] Hurstel Françoise (2001) , le père comme Alter , dans la problématique paternelle , Eres , Toulouse

[8] Chiland Colette (2001) , a-t-on besoin du père ? , in Chantal Zaouche – Gaudron , la problématique paternelle , «  Petite enfance et parentalité «   ,  Eres , Toulouse , , p.105 – 114

[9] Bouregba  Alain (2011) , l’enfant et son parent . L’histoire d’une empreinte, Dunod , Paris

[10] Bouhdiba  Abdelwahab (1995), les pères maghrébins en quête de légitimation , in Quêtes sociologiques , Eres , Tunis.

[11] Coum Daniel (2004) , «  le père est mort , vive le père «  in Daniel Coum , qu’est- ce qu’un père , Eres , Toulouse , , p . 7 – 32

[12] Bourguignon Odile (1984) ,  mort des enfants et structures familiales , PUf , Paris.

[13] Duparc François (2003) , le père chez Winnicott  ( est- il suffisamment bon ) ? in Jean Guillaume et al , le père , l’esprit du temps , «  Perspectives psychanalytiques «  , , p. 205 – 231.

[14] Tchernicheff Igor (2005) , la question du père chez Winnicott et chez quelques autres, Empan,57,p. 142-152.

[15] Corneau Guy (1989) , père manquant , fils manqué  , Editions de l’homme , Québec.

[16] This Bernard (1980) , le père : acte de naissance , Seuil , Paris.

[17] Valabregue  Catherine (1968) , la condition masculine , Payot , Paris.

[18] Le camus Jean , la fonction du père dans les premières années de la vie de l’enfant . Perspectives ouvertes par la psychologie du développement , in Chantal Zaouche – Gaudron (2001) , la problématique paternelle , Eres , Toulouse , , p. 75-93.

[19] Delaisi De Parseval Geneviève (1981) , la part du père , Seuil , Paris.

[20] Neyrand Gérard  ( 2011 ) , l’enfant , la mère et la question du père , PUf , Paris.

[21] Spinoza Odile , Jean le Camus (1991) , les relations interpersonnelles précoces , in la socialisation de l’enfance à l’adolescence ,  PUF , Paris.

[22] Clerget Joël (2008)  , «  Père naissant «  , Comment un garçon devient-il papa ? , «  Enfance et parentalité «  , Eres , Toulouse , , p. 27 – 49.

[23] Neyrand Gérard (2002) , de l’incapacité présumée du père à s’occuper du bébé . La question de la résidence alternée du jeune enfant , Dialogue , 2, 156 , p. 111 – 117.

[24] Badinter Elisabeth (1992) , XY , de l’identité masculine , Odile Jacob , Paris.

[25] Sullerot Eveline (1992) , quels pères ? , quels fils ? , Fayard , Paris.

[26] Le camus Jean , Chantal Zaouche -Gaudron  (1998 ) , la présence du père auprés du jeune enfant : de l’implication accrue à l’implication congrue . Psychiatrie de l’enfant , XLI , (1) , 297 -319.

[27] Hurstel Françoise  (1997) , identité masculine , inversion des rôles parentaux , fonction paternelle , Enfance  ,  vol 50 , 3 , p. 411-42.

[28] Le Camus Jean ( 1999) , le père éducateur du jeune enfant , Puf , Paris.

[29] Le camus Jean , la fonction du père dans les premières années de la vie de l’enfant . Perspectives ouvertes par la psychologie du développement , in Chantal Zaouche – Gaudron (2001) , la problématique paternelle , Eres , Toulouse , , p. 75-93.

[30] Paquette Daniel ( 2004) , la relation père – enfant et l’ouverture au monde , Enfance ,2 , Vol 56 , p. 205 – 225.

[31] Zaouche – Gaudron Chantal (1997) , la différenciation paternelle et le père suffisamment présent , Neuropsychiatrie de l’enfance et de l’adolescence , 45(3) , 153-161.

[32] Le Camus Jean ( 2000 ) , le vrai rôle du père ,Odile Jacob , Paris.

[33] Le Camus ( 2011 ) , un père pour grandir : Essai sur la paternité , Robert Laffon , Paris.


Updated: 2018-09-27 — 15:16

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme