بلاغة السحر الشعري مدخل نقدي / محسن محوش


بلاغة السحر الشعري، مدخل نقدي.

الأستاذ محسن محوش، أستاذ التعليم العالي مساعد، جامعة المولى إسماعيل،

الكلية المتعددة التخصصات – الرشيدية ـ المغرب.

مقال نشر  في  :مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية العدد 37 الصفحة 9.

    ملخص:

  حفل الدرس النقدي العربي القديم بالنص الشعري معتبرا إياه نمطا إبداعيا صبت فيه العرب عصارة ما جادت به غرائزها وقرائحها وخبراتها، حتى صار لديهم أتقن صناعة لا يستطيع سواهم من الأقوام أن يضاهوهم فيها ويقولوا مثل الذي قالوه من أغراض موحية، وصور فنية معجبة، جعلت الخطاب الشعري يرقى إلى تخوم السحر من حيث أثره الفاعل في نفوس المتلقين. وبناء على هذا الطرح تروم هذه المقالة استقراء بعض مواقف النقاد ومذاهب الشعراء في هذا الموضوع، متوسلة بخطة منهجية أساسها عرض نصوصهم ومحاورة آرائهم خلال محطات تاريخية متميزة في مسيرة الشعر والبلاغة العربيين. لنجدهم يتفقون على محورية دور الأساليب والصور البلاغية في تأثيث جمالية الشعر، مما يجعلنا نتساءل: هل فعلا سحر الشعر من سحر البلاغة ؟ وإلى أي حدّ كانت مواقف النقاد والشعراء داعمة لهذا الطرح ؟ لنؤكد على ضرورة إعادة النظر في مصطلح “السحر”، باعتباره دالا على البلاغة التي ترتبط أساسا بالنص الشعري، ونسجل حضوره الملفت للانتباه سواء لدى نقاد الشعر وعلماء البلاغة، أو توظيفه كمعنى شعري تداوله المبدعون في منجزهم الشعري.

المفاتيح:

الشعر والسحر- بلاغة الشعر- التخييل- سحر التشبيه- ابن الخطيب- حازم القرطاجني- عبد القاهر الجرجاني.

توطئة:

   كثيرة هي المداخل التي يمكن من خلالها ولوج عوالم الدرس البلاغي قديمه وحديثه، فقد شقت البلاغة خلال مسيرتها التاريخية مسالك عدة، لتعقد تواصلاتها مع علوم ومعارف وخطابات متنوعة، وتدخل معها في حوارات، وتطرح عليها أسئلة مُلِحّة، وتقدم لها حلولا وآفاقا جديدة وفاعلة من وجهات نظر أدبية ولغوية ومنطقية وفلسفية ولسانية..، ولا شك أن الدارسين المهتمين أفاضوا في الحديث عن الضميمة المعرفية للبلاغة ورحابة محيطها العلمي، مما أكسبها طابعا شموليا وموسوعيا أهلها لتصير بحق صناعة “علم كلي” كما أكد ذلك حازم القرطاجني في القرن الثامن الهجري، وكما سيتمكن من إثبات ذلك بعض المهتمين في وقتنا المعاصر، عربًا وغربيين، مثل د. محمد العمري، الذي رهن مسيرته البحثية في سبيل تأسيس مشروع علمي متين قوامه التراث البلاغي بشقيه العربي واليوناني، مسترشدا بما أُنْجِز في ظل الدراسات الغربية الحديثة من أبحاث ومشاريع لم تَحِدْ -هي أيضا- عن استلهام البلاغة اليونانية مع تأطيرها وفق مستجدات المناهج النقدية واللسانية، ولعل أحدث ثمرات هذا المشروع المائز كتابه “المحاضرة والمناظرة في تأسيس البلاغة العامة”، إذ سلك في محوره الأهم -كما سبق وفعل في تآليفه السابقة- مسلكا تنويريًا كشف فيه مزالق البلاغيين الذين راموا تقعيد البلاغة، وتحنيط قوانينها، واختصار مؤلفاتها، وإقامة شروح عليها بعد عبد القاهر الجرجاني والزمخشري، كمالم يتوان في تصحيح الأخطاء الناتجة عن محاولة فهم البلاغة العربية القديمة كلها انطلاقًا من التصور الضيق لَدَى كثير من المتمسكين بالبلاغة المختزلة حتى في وقتنا الحالي[1].

فكما أن القدماء في مسعاهم التقعيدي حولوا البلاغة إلى قواعد جامدة، واختصارات مخلة، وشروح متكررة، وظنوا أنهم بذلك يقدمون  للشعراء والخطباء والأدباء ما يسعفهم في تطوير إبداعاتهم وتجويد صناعتهم، فإن الأمر انتهى إلى تقزيم مشهد البلاغة العربية ليس فقط على المستوى التأليفي، بل أيضا في صميم تحققها الإبداعي، الذي يعتبر فن الشعر أبرز مجال لتمظهرها الجمالي؛ حيث انتشر مذهب الصنعة البديعية ورامه الشعراء، متنكبين بذلك مذاهب الفحول، وتجافى الشعر الموضوعات الذاتية والأغراض الشعرية الأصيلة بمظهرها الحكمي الذي جسد الأبعاد القيمية للقصيدة العربية، واستعاض عن ذلك بالزخرفة اللفظية والتشكيل اللغوي الذي أبرز شعرية العقل أكثر من شعرية الوجدان،كما أصبح الشعر قريبا إلى النظم التعليمي، وشاعت المقصورات والبديعيات باعتبارهما أبرز تجَلٍّ لتأثُّر الشعر بالصناعة البديعية المدرسية.

 إن هذا الواقع البلاغي الهزيل هو ما قصده الناقد حازم القرطاجني، عندما سجل في زمنه واقع البلاغة مؤكدا أنه قد: “رانَ على قلوب شعراء المشرق المتأخرين وأعمى بصائرهم عن حقيقة الشعر منذ مائتي سنة. فلم يوجد فيهم على طول هذه المدة من نحا نحو الفحول ولا من ذهب مذاهبهم في تأصيل مبادئ الكلام وإحكام وضعه وانتقاء مواده التي يجب نحته منها. فخرجوا بذلك عن مهيع الشعر…”[2].

لقد وفر هذا الجو النقدي الذي أشر عليه حازم القرطاجني في القرن السابع الهجري على تبلور البيئة الإبداعية التي بلغت أوج نضجها في بلاد الغرب الإسلامي بإزاء بداية أفول المذاهب الشعرية الأصيلة في بلاد المشرق الإسلامي، وهذا ما سيوفر المجال المناسب لشيوع مفهوم السحر باعتباره مفهوما نقديا يروم الكشف عن خصوصية الشعر الفنية. ولذلك سندير الحديث هنا عن بلاغة الشعر، لأنها في نظري اللّبنة الأساس التي تقوم عليها الشعرية في أرقى تجلياتها الإبداعية والجمالية، وبها يصل الشعر إلى تخوم السِّحر..، محاولين تجلية سياق انبثاق المفهوم وتبلوره في الخطابين الشعري والنقدي إلى أن استوى تام الخلقة في المدونة الإبداعية بالغرب الإسلامي.

  1. بيئة الغرب الإسلامي ونضج مفهوم “السحر”:

   أمام هذا الوضع المأزوم الذي آلت إليه البلاغة والشعر في المشرق، سطع نجم بعض أعلام الحركة الأدبية في الغرب الإسلامي -خاصة الأندلس- أدركوا حقيقة الشعر، وخَبَروا وظيفة البلاغة، فأعادوا للشعر قيمته الجمالية، وللبلاغة سلطتها التخييلية كما عهدناهما مع عبد القاهر الجرجاني في “أسراره”، وكل ذلك في سبيل تحقق شعرية النص الشعري، ولعل صنيع حازم القرطاجني في منهاجه غني عن كل تعريف، فقد بعث في الدرس النقدي المتعلق بالشعرية العربية روحا جديدة مستمدة من “مرقاة البلاغة المعضودة بالأصول المنطقية والحكميّة”[3]. وإذا كان حازم قد اهتم في مشروعه البلاغي بالنص الشعري والخطابي في الآن ذاته، مبرزا حدود تمايزهما من خلال قيام الأول على التخييل والثاني على التداول والإقناع، فإنه راهن على تحديد منطقة تداخلهما واتحادهما في الغرض والمقصد، إذِ “القصد في التخييل والإقناع حمل النفوس على فعل شيء أو اعتقاده…”[4]. وهذا الهدف المتمثل في استمالة النفوس والتأثير فيها يبدو أكثر انسجاما وتلاؤما مع التأثير التخييلي الذي يطمح إليه الشاعر ويحقق به شاعريته.

 ولأن الشعر من أرقى أنماط الخطاب الإنساني فقد صب فيه العرب منتهى ما أبدعته طِباعهم وجاشت به خواطرهم ولقحت به عقولهم من كلام جميل وإيقاع مطرب جعله الله لهم “طبعا وخلقة، وفيهم غريزة وقوة يأتون منه على البديهة بالعجب…فيأتون من ذلك بالسحر الحلال، ويطوقون من أوصافهم أجمل من سمط اللآل، فيخدعون الألباب، ويذللون الصعاب، ويذهبون الإحن، ويهيِّجون الدمن، ويجرِّؤون الجبان، ويبسطون يد الجعد البنان، ويصيرون الناقص كاملا، ويتركون النبيه خاملا “[5].

 وقد أُثر عن العرب تشبيه البيان بالسحر الحلال[6]، وبما أنهم كانوا يقيسون شاعرية الشعراء بمعايير البلاغة وقوانينها، فإن أساليبها وسِحْر بيانها سيضفي على النص الشعري طلاوة ومسحة جمالية، وهذا ما تقَصّده ابن طباطبا عند قوله: ” فإذا ورد عليك الشعر اللطيف المعنى، الحلو اللفظ، التّام البيان، المعتدل الوزن، مازج الروح ولاءم الفهم، وكان أنفذ من نفث السحر، وأخفى دبيباً من الرقى، وأشد إطراباً..، وكان كالخمر من لطف دبيبه وإلهائه، وهزه وإثارته”[7]، وذهب عبد القاهر الجرجاني في باب الحذف من دلائل الإعجاز على وصف هذا المسلك من مسالك الأداء اللغوي في العربية إلى أنه: “باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة، أزيد للإفادة، وتجدك أنطقَ ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بيانًا إذا لم تبنْ”[8]. وكثيرا ما وجدنا في كتب النقد القديم، ما يدل على أن الشعر أصبح لدى العرب أجود صناعة وأتم علم لا يستطيع سواهم من الأقوام أن يضاهوهم فيه ويقولوا مثل الذي قالوه في جودة السبك والنحت، وكثرة الماء والرونق[9].

 وهذا ما تفطن له أديب الأندلس وشاعرها المبرَّز لسان الدين بن الخطيب السلماني فطرّزَ تأليفا في الاختيارات الشعرية وسمه بِ”السحر والشعر” ورأى فيه أنه: “من الواجب أن يسمى الصنف من الشعر الذي يخلب النفوس ويستفزها، ويثني الأعطاف ويهزها، باِسم السحر الذي ظهرت عليه آثار طباعه وتبين أنه نوع من أنواعه…”[10]. ولا مِراء في أن هذا النمط من الشعر يسترفد سحره من بلاغته المائزة، وبذلك يصرح في قوله: “فمن الشعر عندهم الصور الممثلة واللعب المخيلة، وما تأسس على المحاكاة والتخييل مبناه، ككتاب كليلة ودمنة وما في معناه، إلا أنه في العرب أظهر وهم به أشهر..، فما جنح منه إلى التخييل والتشبيه، وحل من الاستعارة بالمكان النبيه، لم ينم عنه عرق أبيه، وأعرق في الشعر أتمَّ الإعراق..”[11].

لقد ربط ابن الخطيب بين لغة الشعر القائمة على المجاز والتخييل والتصوير البلاغي وبين مصطلح السحر فكان بذلك ابن الخطيب مرسخا لهذا المفهوم في الذائقة النقدية، على اعتبار أن هذا المفهوم يروم تكثيف بلاغة الشعر في مصطلح لم تقم البدائل البلاغية مقامه في الكشف عن خصوصيات اللغة الشعرية التي تتجاوز حدود الوصف البلاغي إلى دوائر ترفعها إلى مقام اللغة العليا أو السامية بتعبير الأسلوبيين المحدثين.

  وسنلفي بعد ابن الخطيب شيوع مصطلح السحر في مجال التداول التراثي عند وصف لغة الشعر، وعلى سبيل التمثيل نذكر صنيع بعض البلاغيين المتأخرين، فقد وسم تأليفه في البلاغة بِ”حدائق السحر في دقائق الشعر”[12]، وإن كان الكتاب يندرج ضمن لائحة المصنفات البلاغية التعليمية الجامدة.

 لقد تنبه الدرس النقدي إلى أن هناك علاقة حميمة بين البلاغة والشعر  ولم يكن له من الكفاية الوصفية ما يتيح له تحديدها بدقة فعبر عن هذا التأثير النفسي الذي تحدثه لغة الشعر في المتلقي بمصطلح السحر، كما ألمعنا سابقا، وهذا ما يجعلنا لا نجازف إذا ما صرحنا بمحورية ودينامية المكون البلاغي في الخطاب الشعري الذي يراهن على الإثارة والتأثير والغرابة والتعجيب والإبهار والإيهام…، وغيرها من المصطلحات والمفاهيم الضاربة في عمق الممارسة الطقوسية للسحر.

  1. العلاقة: الشعر والسحر محاولة استجلاء:

   على الرغم من قلة الدراسات الحديثة التي ألمحت إلى العلاقة بين الشعر والسحر، فإننا نجد بعض الباحثين المهتمين بتاريخ الشعر العربي خاضوا في الحديث عن حلقته المفقودة التي تمثل مرحلة الأصل والنشأة قبل أن يصلنا ناضجا في صورة القصيدة الجاهلية مع مهلهل وامرئ القيس، فاجتهدوا في تقديم آراء وفرضيات وتخمينات يمكن اعتبارها إشارات وإرهاصات أولى للعلاقة بين الشعر والسحر.

لقد بحث المستشرق مارجليوت[13] وغيره من المستشرقين في الأصول الغيبية للشعر، لأن الصلة بين الشعر والتنبؤ بالغيب كانت قائمة، واضطلع الشعر بمهمة كهنوتية لدى القدماء، ولغته غامضة مبهمة كطلاسم الكهان وأحجبة السحرة ورقاهم وتعويذاتهم[14]، ومن ثم “قد يكون النثر المسجع الذي دار على ألسنة الكهان والعرافين مظهراً من مظاهر البداية الشعرية، لأنه قائم على الوزن والتقفية، أي على عنصر الموسيقى الصوتية”[15]. ويضيف باحث آخر أن هذا السجع المنثور هو ما تطور إلى الرجز يقول: ” ثم تدرجوا من الرجز إلى القصيد. فالسجع هو الطور الأول من أطوار الشعر توخاه الكهان مناجاة للآلهة، وتقييدا للحكمة، وتعمية للجواب، وفتنة للسامع. وكهان العرب ككهان الإغريق هم الشعراء الأولون، زعموا أنهم مهبط الإلهام، وأنجياء الآلهة..”[16]. حتى إن حكماء اليونان وفلاسفتهم عرَّضوا بشعرائهم، فعلى الرغم من أشعارهم الجميلة والمؤثرة فإنهم، كما يقول سقراط،: “كالقديسين أو المتنبئين الذين ينطقون بالآيات الرائعات، وهم لا يفقهون معناها”[17]. فالشاعر اليوناني ليس هو المبدع لما ينشد، وإنما ربة الشعر هي ملهمته الحقيقية التي تنفث الشعر على لسانه؛ إن مصدر الشعر إذن قوى خارقة، هي الآلهة وربات الشعر لدى شعراء اليونان، بينما اكتفى المبدع العربي القديم باستلهام أشعاره من صاحب أو رَئِيّ أو قرين من الجن، ومما زاد من ترسيخ هذا الزعم ادعاء الشعراء أنفسهم بوجود شياطين يوحون إليهم بالشعر[18]، بل افتخروا بذلك ضمن قصائدهم، مُجاهِرين بقدرات قواهم العجيبة على افتراع سائر فنون الشعر والارتقاء بها إلى أقصى درجات التجويد والإبداع، والأمثلة على ذلك كثيرة، نذكر منها قول أحدهم:[19]

إني وإن كنــــت صغيـــــر الســــــــــن       وكــــــــان في العيـــــــــــن نبــــــــــــو عــــــــــــني

فـــــــــإن شيطـــــاني أمــيـــــــــــر الجــــــــن       يذهب بي في الشعر كل فـــــــــــــــــــــن

وقول الفرزدق مادحاً:

ليبلغـــن أبا الأشبال مدحتنــــــــــا       من كان بالغور أو مروى خراسان

كأنها الذهب الإبريــــز حبرهـــــــا       لســــانُ أشعـــــر خلـــــق الله شيطــــانا

وسواء كان القصد من هذه الإشارات إضفاء الشعراء الجاهليين وشعراء القرون الأولى من العصر الإسلامي هالة من القداسة على إبداعهم الشعري، أم مجرد معان أُعجب بها الشعراء في العصر الأموي والعباسي فترسموها -كرمز تراثي- في قصائدهم إثباتًا لفحولتهم وافتنانهم؛ فإن الأمر كما يرى بعض الباحثين “قد يكون له ارتباط أبعد غوراً بما في طبيعة العمل الشعري من صبغة عجائبية وإعجازية أضفاها الخيال الجمعي عليه وقبلها هو قبول تميز ورضيها الشعراء لأنفسهم عن اعتقاد حقيقي، على ما يبدو، لأنها تدعم سلطانهم على الكلام والأنفس على حد سواء. والمهم أن ربط الظاهرتين (الشعر والسحر) بالإلهام يجعل تكون الكلام خارجا عن دائرة المتكلم بل يحوله إلى مخاطب- قناة أو معبر للكلام فيحدث بذلك بلبلة في ذهن المتلقي ويشوش متصوراته”[20]. بل لعلنا لن نجانب الصواب إذا ما أقررنا أن نفث سحر الشياطين وإلهامهم ليس إلا مجرد لحظة انبثاق ومضة الإبداع الشعريِّ المركوزِ في غريزة الشاعر وطبعه، والمتحقق بقوة التّخيُّل لديه.

   لقد أورد المستشرق الألماني كارل بروكلمان آراء بعض الدارسين الذين ربطوا أولية الشعر بالأغاني والأنغام التي تصحب العمل، فارتأوا أنه  إذا كان “الغناء يسلي العمال ويسعفهم بقوى سحرية..، فلابد أن يكون الغرض الذي قصد إليه الشعر في الأصل، ما دام لم يكن مقصودا منه مجرد المسامرة، هو الغرض من جميع فن القول عند البدائيين، وهو تشجيع العمل بريق سحري”[21].

  1. فاعلية الغرض الشعري وتحقق سحرية الشعر:

  إن الحديث عن فاعلية الغرض الشعري في تشكل الفن والإبداع خطوة ضرورية وفكرة مشروعة، مادامت هناك أغراض مثل الهجاء والرثاء والحماسة -بما تحمله من دلالات نمطية- تروم استكانة السامعين والتأثير في نفوس المتلقين وفي ذلك يقول بروكلمان في غرض الهجاء: “حقا لا تبدو آثار واضحة لمثل هذا التأثير السحري في بلاد العرب إلا في أوائل شعر الهجاء فحسب..، فمن قبل أن ينحدر الهجاء إلى شعر السخرية والاستهزاء، كان في يد الشاعر سحرا يقصد به تعطيل قوى الخصم بتأثير سحري، ومن ثم كان الشاعر إذا تهيأ لإطلاق مثل ذلك اللعن، يلبس زيًّا خاصًّا شبيها بزي الكاهن. ومن هنا أيضا تسميته بالشاعر، أي العالم..، بمعنى أنه كان شاعرا بقوة شعره السحرية، كما أن قصيدته كانت هي القالب المادي لذلك الشعر. وكذلك الأغاني الصغيرة، التي يرددها البدائي في المواقف الكبرى للحياة الإنسانية، من حالات السرور أو التهيج، كانت غايتها في الأصل أن تحدث آثارًا سحرية. فما كان الإنسان يهواه ويشتهيه، كان يصوره بخياله في الشعر تصويرًا فنيًا”[22]. وبعد إقراره بأن غاية الرثاء الأصلية أيضا هي السحر[23]، انتقل للحديث عن غرض الحماسة والحرب، وخلص إلى أن له التأثير السحري نفسه الذي كان لأغاني الصيد والحرب لدى الأمم البائدة، وبخاصة أن العرب أفرغوا حمية الشجاعة في أبيات من الشعر أو قصائد قبل المعارك وفي أثناء احتدامها، وقد وصلتنا أشعار كثيرة ذات وظيفة سحرية تحريضية رامت تشجيع قلب الجبان، واستنهاض همم الرجال، وتثبيت عزائم المحاربين في ساحات القتال، ولا أدل على ذلك من قول الخليفة معاوية ابن أبي سفيان: “ولقد رأيتني ليلة الهرير بصفين، وقد أتيت بفرس أغر محجل، بعيد البطن من الأرض، وأنا أريد الهرب لشدة البلوى، فما حملني على الإقامة إلا أبيات عمرو بن الإطنابة:

                        أبـــــت لي همــــــتي وأبى بــلائـــــــي       وأخذي الحمد بالثمن الربيح.”[24]

ومثل موقف الخليفة معاوية، ما أثر عن الإمام إدريس بن إدريس في إحدى غزواته للخوارج الصفرية من بلاد البربر، أنه أنشد أبياتا من إنشائه في ميدان المعركة، وهي:[25]

أليـــس أبونــا هاشــم شــد أزره       وأوصى بنيه بالطعان وبالضـــــــرب

فلسنا نمــــل الحــرب حتى تملنا       ولا نتشكى ما يهول من النكــب

ولكننــــا أهــــل الحفائظ والنهى       إذا طار أرواح الكماة من الرعب

فلا شك أنه أراد بهذه المقطوعة الحماسية تثبيت نفسه في حومة الوغى أولا ، ثم التأثير في صفوف المحاربين ثانيا، فهي تمثل شحنة تلهب حماسهم، وتقوي عزيمتهم، وهنا أصبح الشعر يضطلع بوظيفة الخطابة وصار وسيلة من وسائل إقناع السامع والتأثير في المتلقي، وتحفيز المبدع نفسه على الانفعال والامتثال إلى سلطة إبداعه حتى أثناء انبثاق قصيدته أو شعره، خصوصا إذا كان الحدث جلَلاً باعثاً على القول والإبداع. فالنفس حين تستولي عليها جلائل الأحداث، لا تلهيها الحقائق الكبرى عن حقائق النفس، بل تتحرى بعض الاستقرار والطمأنينة، فتخلق لنفسها من الظلام نورا، ومن الجحيم نعيما، “يأخذه الشاعر فيصوغه صورة يغلب عليها جلال الانفعال، وحدة الشعور التي تضاعف من قوتها الأحداث، فتجد الشعر يجمع بين الجليل والدقيق، بين العام والخاص، مما تثور له نفس شاعره، وتفرضه عليها الأحداث، ومما تطلبه نفس الشاعر فيفرضه هو على الأحداث”[26]

   إن مقاربة سحرية الشعر من وجهة أغراضية ومن خلال البواعث التي أدت إلى نظمه، كما ألمعنا إليها، أمر طبعي، وسنجد لها امتدادا في عمل ابن الخطيب في كتابه الذي أشرنا إليه سابقا، فقد اعتمد مبدأ الغرض الشعري في تصنيف اختياراته، فنبه إلى أنه قد ظهر له وهو يسعى إلى ترتيبها استجابة لطالبها: “أن ييسر له مجموع هذه الأناشيد ليحاضر بها ويتمثل ويتأسى البيان لذكرها لديه ويتأثل، في رقاع تزهو بالقلائد، وتجعل تمائم على نحور الولائد، على ترتيب معلوم، ووصف مرسوم من المدح وما يقاربه والنسيب وما يناسبه، والوصف وإن تشعبت مذاهبه، والملح ومحاسن الشيء ومعائبه، والحكم والزهد وما اشتمل عليه واجبه، فجاء تمامه نسك، وختامه مسك، ليكون أجمع للفكر وأسهل للذكر”[27].

 فهذه الأغراض التي اختارها ليقيم عليها فصول كتابه، تتضمن نمطين أو نوعين من جنس الشعر؛ نمط الشعر ونمط السحر، يقول: “وقسمت ما تضمنه قسمين: سحر وشعر، وربما عوجلت بالاستفهام، عن هذا الإفهام، فنقول إن الشعر ليس في أمة من الأمم بمحصور، ولا على صنف من البشر بمقصور، وهو فيما يوجد للأوائل ويلفى أعم من أن يشمله الوزن المقفى، أو يختص به عروض يكمل وزنه فيه ويوفى، فمن الشعر عندهم الصور الممثلة، واللعب المخيلة، وما تأسس على المحاكاة والتخييل مبناه، ككتاب كليلة ودمنة وما في معناه، إلا أنه في العرب أنهر، وهم به أشهر”[28].

 إن هذا التقسيم الثنائي الذي اختاره ابن الخطيب يحيلنا على ذائقته الفنية وحسه النقدي المتميز الجامع بين الاتجاهين النقديين: النقد الأدبي العربي الخالص، والنقد اليوناني الفلسفي الأرسطي، ومنه ميز بين:

-  الشعر الساحر الذي يخلب النفوس؛

-  والشعر الذي يقل تأثيره فيها.

 فالأول ساحر بتخييله ولغته وصوره وخصائصه الصوتية والإيقاعية والنغمية وغير ذلك من شرائط تجويد الشعر: “فإذا عضد بما يناسبه وتفضي إليه مذاهبه، وقرنت به الألحان على اختلاف حالاتها وما يقتضيه قوى استحالاتها، عظم الأثر وظهرت العبر، فشجع وأقدم وسهر، وقوم وحبب السخاء إلى النفس وشهى، وأضحك حتى ألهى، وأحزن وأبكى، وكثير من ذلك يحكى، وهذه قوى سحرية، ومعان بالإضافة إلى السحر حرية”[29].

 والثاني: “قاعد عن السحر، فسمي شعرا لاختلاف أحواله عند الاعتبار، وتمايز شبهه من النظار، وتقسيمه إلى أقسام منها ما يلفظ، عندما به يلفظ، فلا يروى ولا يحفظ، ومنها ما يعبث به ويسخر، فلا يقتنى ولا يذخر، ومنها ما يستخف ويستثقل، فلا يروى ولا ينقل، ومنها ما اشتمل على لفظ فصيح، ووصف صحيح، وقافية وثيقة، وإشارة من العبارة أنيقة، واشتمل على الحكم والأمثال، ومعظم الشعر على هذا المثال”.[30]

   إن اختيار ابن الخطيب لهذا التقسيم لا نفهم منه أنه أبو عذرته، بل تلك فكرة تداولها النقاد والبلاغيون والشعراء في المشرق العربي قبله بزمن مديد، ونذكر في هذا السياق ابن طباطبا العلوي وعبد القاهر الجرجاني وأبا نواس وأبا تمام وغيرهم كثير…

لقد وظف هذا المفهوم في تراث المشرق الإسلامي، ونمثل لذلك بما نصادفه في دواوين الشعر من أبيات وقصائد تغنى فيها الشعراء بإبداعاتهم فأضفوا عليها صفة السحر، كقول أبي نواس:[31]

فما زلت بالأشعار في كل مشهد       ألينهــا والشعر من عقــــد السحـــــر

وقول أبي تمام مادحا أبا سعيد محمد بن يوسف الثغري:[32]

وَلِذاك شعري فيك قد سمعوا بــــــــــــه       سحــــرٌ وأشعــــــــاري لهــــمْ أشعـــــــــــــــار

فأبو تمام خص ممدوحه بنمط الشعر الساحر، على غير عادته في مخاطبة ومدح عامة الناس إذ يكتفي بتقريضهم في أبيات شعرية قد توصف بالجودة لكن دون أن تلامس خيط السحر. ومن الذين سبقوا إلى هذه الرؤية النقدية، وبالغوا في وصف الشعر بالسحر، الملك الناقد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان الذي جعله إعجابه بشعر كثير عزة وطربه له يقول: “أراه يسبق السحر ويغلب الشعر”[33]. فشعر كُثَيِّر بما حققه من إطراب وإرقاص للخليفة، ارتقى إلى منزلة تفوق سائر الشعر، بل تتجاوز تخوم السحر، وهذا موقف نقدي ورؤية أكثر طرافة لأنه رأى في براعة شعر الشاعر وبلاغته ما ارتقى به إلى أعلى مراتب الجودة والإبداع بشكل فاق معه نمط السحر.

إلا أن تلقف هذا المفهوم وتلقيه في بلاد الغرب الإسلامي سيوفر له بيئة نقدية يصير فيها مفهوما رائجا وأكثر تداولا عما كان عليه واقعه المشرقي، كما أشرنا سابقا. وكتاب ابن الخطيب ومؤلفات أخرى في السياق المعرفي نفسه [34] تؤكد على ذيوع هذا المصطلح في البيئة الثقافية الأندلسية والمغربية بشكل ملفت للانتباه، حتى أصبح التغني بسحرية الشعر معنىً ملازما  لقصائدهم ومقطوعاتهم ومراسلاتهم الشعرية. ومن ذلك قول الأديب محمد بن عبد الملك الفشتالي في رسالة شعرية جاوب بها الشاعر ابن الخطيب السلماني[35]:

وافت يجـر الزهــــــو فضلـــــة بردهـــــــا       حسناء قد أضحت نسيجة وحدها

لله أي قصيـــــــــــــدة أهــــــــــديــتَ لـــــــــو       يهدى المعــــــارض نحو غاية قصدها

لابن الخطيب بها محاسن قارعت       عنـــــه الخطـــوب فقللــــــت مــن حدها

ســــر البلاغــــــــة منــــه أودع حافـــــلا       قد صاغـــــه حتى فشـــــا مـــــن عنـــدهــا

في غير ما عقـــد نفثـــت بسحرها       فلذا أتـــــى سلســـــا منظـــــــم عقــــــــدهــا

ومن ذلك أيضا قول ابن عبد المنان يمدح أبا عنان[36]:

ودونكهـــــا عذراء أجلـو عروسهــــــــــــا         عليـــــك ومرجُــــــوُّ القبــــول لها مهرُ

لها نسب في السحر تعرفه النهى         وإن قالت الأسماع والدها الشعرُ.

فالشاعر وهو يحقق بطولته الشعرية في نهاية القصيدة المادحة يرى أن قصيدته على قدر مهم من الإبداع والتجويد، جعلها ترتقي إلى مرتبة السحر. وكأن الشاعر يعترف بنمط متميز من أنماط الشعر، لا يستطيع كشف جماليته إلا متلق يجمع بين سلامة الطبع وقوة العقل. إنه نمط السحر الذي سيكشف أسراره شعراء ونقاد مثل الشاعر الأندلسي ذي الوزارتين لسان الدين بن الخطيب الذي ألف كتابا في الاختيارات الشعرية وسمه ب “السحر والشعر”.

  إن ما يهمنا –انطلاقا مما سلف- ليس محاولة استقصاء أوجه التقاء الشعر بالسحر أو تحديد فاعلية أحدهما عن الآخر، وإنما نتوخى استجلاء السحر باعتباره مفهوما فنيا ومصطلحا بلاغيا يضفي حينما ننسبه للإبداع الشعري وقعا جماليا وإحساسا بالأثر الذي يحدثه في نفس المتلقي فيستفز مشاعره ويهز كيانه ويستحثه على التجاوب والتفاعل.

  1. السحر أو بلاغة الشعر: تركيب للمفهوم:

  يقول ابن الخطيب في خطبة كتابه “السحر والشعر” مفصحا عن حدود التمايز بين نمطي الشعر والسحر: “فما جنح منه (أي الشعر) إلى التخييل والتشبيه، وحلَّ من الاستعارة بالمحل النبيه، لم ينم عنه عرق أبيه، وأعرق في باب الشعر أتم الإعراق، وكان شعرا على الإطلاق، وما قعد عن درجه، ولم يعرج على منعرجه، فهو شعر عند العرب تستحسنه وترتضيه، ويوجبه لسانها ويقتضيه..”[37]. هذا كلام واضح الإشارة على أن الشعر كلما اقترن بالصور البلاغية المفضية إلى التخييل كان أكثر إبداعا وأرقى درجة. وهذا أمر معهود عند العرب إذ يعتبرون حقيقة الشعر نابعة من مغارس البلاغة. ذلك ما خلص إليه الباحث حمادي صمود عندما أكد “أن العرب تجاوزت مجرد التذوق والانفعال إلى ربط البراعة في نظم الشعر بالبراعة في صياغة الصورة الفنية”[38]، فقد ذكر الجاحظ أن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت قال لأبيه وهو صبي- ورجع إليه وهو يبكي ويقول: لسعني طائر، قال: فصفه لي يا بني قال: كأنه ثوب حبرة، قال حسان: قال ابني الشعر ورب الكعبة، وكان الذي لسعه زنبورا”[39]، فحسان بن ثابت توسم شاعرية ولده عندما اقتدر على التشبيه. ومن ذلك أيضا ما كان من أمر زهير مع ابنه كعب وإشفاقه عليه من قول الشعر صبيا، فكان يمنعه من ذلك، لأنه لم يكن متأكدا من قدرته عليه، فلما رآه يجيد الوصف ويدقق التشبيه سمح له بتعاطيه[40]. وكأننا بزهير ابن أبي سلمى وهو الشاعر الجامع بين الطبع السليم والصنعة المحكمة، يخشى على شاعرية كعب قبل أن تستحكم وتستكمل بالخبرة البلاغية متمثلة في التشبيه الدقيق باعتباره أصلا لباقي الصور البلاغية. وقد جعل عبد القاهر الجرجاني التشبيه الدقيق تشبيها ساحرا[41]. ولعل مصوغات ربط البلاغة بالسحر تبدو أكثر انسجاما وتناسبا مادامت المقومات البلاغية تروم في مجمل تجلياتها التخييلية والأسلوبية التحول عن سياقاتها الإخبارية إلى وظائفها التأثيرية والجمالية تمويها وإيهاما كما يراها حازم القرطاجني[42]، أو حدثا انحرافيا ساحرا على حد تعبير الغذامي[43]، وفي السياق نفسه أكد عبد القاهر الجرجاني في أسراره على الجانب السحري للبلاغة؛ تشبيها وتمثيلا واستعارة، وهو في مذهبه هذا يعترف ضمنا بفاعلية سحر البلاغة خصوصا في النص الشعري، فكل الصور والأساليب البلاغية التي تقوم في نفس المبدع على أساس التخيُّل وتؤثر في المتلقي بفعل التخْيِيل، تنتظم فعلا في مدارج البلاغة الساحرة. فمن جوانبها ما أدرجه الجرجاني في مبحث حسن التعليل التخييلي من باب التشبيهات عند قوله: “وينبغي أن تعلم أن باب التشبيهات قد حظي من هذه الطريقة بضرب من السحر لا تأتي الصفة على غرابته، ولا يبلُغ البيان كنه ما ناله من اللطف والظرف، فإنه قد بلغ حدًّا يرد المعروف في طباع الغَزِل، ويلهي الثكلان عن الثكل، وينفث في عقد الوحشة، وينشد ما ضلّ عنك من المسرّة، ويشهد للشعر بما يطيل لسانه في الفخر، ويبين جملة ما للبيان من القدرة والقدر..، ثم زادته الفطنة الثاقبة والطبع المثمر في سحر البيان[44]. وفضلا عن حسن التعليل التخييلي المدعوم بالفطنة والطبع، يتحقق سحر البلاغة –أيضا- في الصورة التشبيهية عندما يروم الشاعر جعل الفرع أصلا طلبا للمبالغة “وقد يقصد الشاعر، على عادة التخييل أن يوهم في الشيء وهو قاصر عن نظيره في الصفة أنه زائد عليه في استحقاقها، واستيجاب أن يجعل أصلا فيها، فيصح، أن يجعل الفرع أصلا، وإن كنا إذا رجعنا إلى التحقيق، لم نجد الأمر يستقيم على ظاهر ما يضع اللفظ عليه ومثاله قول محمد بن وهيب:

وبــــدا الصبــــاحُ كــــأنَّ غُــرَّتَـــه       وجــــهُ الخليفــــة حيــــن يُمتــدَح

فهذا على أنه جعل وجه الخليفة كأنه أعرفُ وأشهرُ وأتمُّ وأكمل في النور والضياء من الصباح، فاستقام له بحكم هذه النية أن يجعل الصباح فرعا، ووجه الخليفة أصلا..، فإن في الطريقة الأولى خلابة وشيئا من السحر، وهو أنه كأنه يستكثر للصباح أن يشبه بوجه الخليفة، ويوهم أنه قد احتشد له، واجتهد في طلب تشبيه يفخم به أمره، وجهته الساحرة أنه يوقع المبالغة في نفسك من حيث لا تشعر”[45].

   وعند حديث عبد القاهر عن شروط التأليف بين مختلفي الجنس وإصابة الشبه الصحيح الخفي حيث يقول: “ولم يكن إعجاب هذا التشبيه لك وإيناسه إياك لأن الشيئين مختلفان في الجنس أشد الاختلاف فقط، بل لأنْ حصل بإزاء الاختلاف اتفاقا كأحسن ما يكون وأتمه، فبمجموع الأمرين، شدة ائتلاف في شدة اختلاف، حلا وحسن وراق وفتن… ومما ينظر إلى هذا الفصل ويداخله ويرجع إليه حين تحصيله، الجنس الذي يراد فيه كون الشيء من الأفعال سببًا لضده…فيدل ذلك بما يكون فيه من الوفاق الحسن مع الخلاف البين، على حذق شاعره، وعلى جودة طبعه وحدة خاطره، وعلوِّ مصعده وبعد غوصه، إذا لم يفسده بسوء العبارة، ولم يخطئه التوفيق في تلخيص الدلالة، وكشف تمام الكشف عن سُرَرِ المعنى وسِرِّه بحسن البيان وسحره[46]. فجمال المعنى وخلابته رهين بحذق الشاعر- مستعينا بحسه وطبعه – في تأليف الصورة البيانية التي بفضلها تتشكل مزاياه وأسراره، مسهمة في بوتقة عمل إبداعي ساحر. فلا شك أن الإبداع الشعري القائم على تجويد الأساليب والصور البلاغية هو المستحق تسميته بالسحر، ولعل الشعراء أنفسهم أدرى بما تنفثه البلاغة من خلابة في المعاني الشعرية، يقول الشاعر الخطيب محمد بن علي بن عبد الرزاق الجزولي[47]:

أما ومعــــان قــــد نظمتها مقصرًا       فأطلــــعتهـــا غــــــــــراء في أفــــق الفـــكــر

وأودعتها من حِلِّ سحركَ نفْثَةً       أحالت إلى التحليل غائلة السكــر

وأهديتـــني بكـــراً تكامل حسنهـا       فأكــــــرم بهــــــا حسنـــــاء عالية القــــدر

وليس مقصد الشاعر من “حِلِّ السحر” إلا ما تشتمل عليه القصيدة المـُـراجَعَة من صور وأساليب رائقة حركت ذائقة متلقيها ليُقرِّضها بأبيات ناقدة يصرح فيها بامتلاك مبدعها آيات البلاغة الساحرة. ولاشك أن الشعراء أقدر على فهم سِرِّ البلاغة في الكشف عن سُرَر المعاني، فطرزوا قصائد ونحتوا صورا شعرية لا يمتلك مفاتيح جمالها وتمائم سحرها إلا بلاغيٌّ خبير  مثل عبد القاهر الجرجاني الذي كان ناقدا ساحراً من خلال تفكيكه لبيت الناقد الشاعر ابن المعتز، واستجلائه إشراقات صورته الشعرية الطريفة، يقول الجرجاني: “ومن أبلغ الاستقصاء (الاستقصاء في التشبيه)، وعجيبه قول ابن المعتز:

كَأَنَّا وضوءُ الصبح يستعجل الضحى       نُطيــــــــرُ غرابًــــــــا ذا قـــــــــــوادمَ جــــــــــونِ

شبَّه ظلام الليل حين يظهر فيه الصبح بأشخاص الغربان، ثم شرطَ أن تكون قوادمُ ريشها بيضًا، لأن تلك الفِرَقَ من الظلمة تقع في حواشيها، من حيث تلي معظمَ الصبح وعمودَه لُمَعُ نورٍ يُتَخَيّل منها في العين كشكل قوادمَ إذا كانت بيضًا.

وتمام التدقيق والسحر في هذا التشبيه في شيء آخر، وهو أن جعل ضوء الصبح، لقوة ظهوره ودفعه لظلام الليل، كأنه يحفز الدجى ويستعجلها ولا يرضى منها بأن تتمهل في حركتها. ثم لما بدأ بذلك أولاً اعتبره في التشبيه آخِرًا فقال: “نُطِيرُ غرابًا”، ولم يقل: “غرابٌ يطير” مثلا، وذلك أن الغرابَ وكلَّ طائر إذا كان واقعا هادئًا في مكان، فأُزعِج وأخيف وأطير منه، أو كان قد حبس في يدٍ أو قفصٍ فأُرسل، كان ذلك لا محالة أسرع لطيرانه وأعجل وأمدَّ له وأبعدَ لأمده، فإن تلك الفزعة التي تعرض له من تنفيره، أوالفرحة التي تُدركه وتحدُثُ فيه من خلاصه وانفلاته، ربما دعته إلى أن يستمر حتى يغيب عن الأفق ويصير إلى حيث لا تراه العيون، وليس كذلك إذا طار عن اختيار، لأنه يجوز حينئذ أن يصير إلى مكان قريب من مكانه الأول، وأن لا يسرع في طيرانه، بل يمضي على هِينَته،  ويتحرك حركة غير المستعجل.”[48]

  يظهر لنا من خلال هذا النص  فاعلية مفهوم السحر في تبين بلاغة الشعر عند عبد القاهر الجرجاني، فقد نبَّهَ على “تمام التدقيق والسحر في هذا التشبيه”، ثُم أَثْبَتَ التحقيق البلاغي للشاهد الشعري كما هو معروف لدى علماء اللغة، والأدباء، والبلاغيين، ليشرع في بناء تأويل جديد أكثر تخييلا وأنْفذَ إلى عمق هذه الصورة التشبيهية، فالجرجاني وهو بصدد تلقي هذا البيت الشعري –باعتباره أديبا متذوقا وناقداً بلاغياً- تجاوز التلقي التخييلي إلى مستوى التلقي العقلي التأويلي، قصد تفكيكه واستجلاء مكوناته الدقيقة التي ألحقته بنمط السحر الناجمِ أساسًا عن تحليله المتقن لنسيج الصورة البلاغية الساحرة. فسحرُ الشعر مِنْ سحرِ البلاغة، والكشف عن سحر البلاغة يقتضي عالماً متمكناً –كالجرجاني- من طرائق بناء الكلام وتفكيكه، وإعادة صوغه في حُلّةٍ عجيبة تأسر عقول المتلقين وتستهوي أفئدتههم كما هو حال الساحر في نفث عزائمه. وهذا من كفاءة الشيخ عبد القاهر وقدرته على ولوج عوالم ما وراء الصور البلاغية من آيات السحر التخيلي الذي يسبك به الشعراء كلامهم

 

خلاصة:

  مما لا شك فيه أن الجرجاني اتخذ مفهوم السحر مفهوما واصفا لبلاغة التصوير وبراعته في كلام الشعراء، أي أن الصور والأساليب البلاغية التي تقوم في نفس المبدع على أساس التخيُّل وتؤثر في المتلقي بفعل التخْيِيل – على مذهب حازم القرطاجنّي – تنتظم فعلا في مدارج البلاغة الساحرة. غير أن لسان الدين ابن الخطيب ارتقى بهذا المفهوم إلى مستوى الاصطلاحية، فاعتبره مصطلحا دالا على نمط خاص من الشعر، كما اعتبر السحر وصفا يميز لغة الشعر عن غيرها من لغات الأجناس الأدبية الأخرى.

  ومن هنا نرى ضرورة إعادة النظر في مصطلح “السحر”، باعتباره دالا على بلاغة الشعر بإزاء ما بلورته البلاغة الكلاسيكية من مفاهيم ومصطلحات تسري على كل كلام بليغ سواء كان شعرا أم نثرا، فقد اجترح القدماء مصطلح السحر بوصفه يكشف عن مستويات عجزت البلاغة الكلاسيكية عن وصفه، بما يكشف عن فاعليته في حقل الدراسات البلاغية التي ترتبط أساسا بالنص الشعري قديمه وحديثه اعتبارا لحضوره الملفت للانتباه سواء لدى نقاد الشعر وعلماء البلاغة، أو توظيفه كمعنى شعري تداوله المبدعون في منجزهم الشعري.

  وإذا كان الحديث عن البلاغة الساحرة يرتبط دون شك بجملة مفاهيم ومصطلحات تُدُووِلت في الدرس النقدي اليوناني والعربي والغربي مثل التخييل والتغيير والبراعة والغرابة والتعجيب والإرقاص والإطراب والإنزياح..، فإنا نأمل أن تكون هذه المحاولة مقدمة وإرهاصا لدراسات وأبحاث تستشرف رصدَ “السحر”، مصطلحا ومفهوما، في النصوص البلاغية والشعرية؛ العربية والغربية، ومقاربته من وجهات نظر إحصائية ونقدية ومقارنة وتأويلية.

مسرد المصادر والمراجع :

المصادر:

  • أسرار البلاغة، عبد القاهر الجرجاني، قراءة وتعليق: محمود محمد شاكر، دار المدني جدة، ط1، 1991م.
  • الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني، شرحه وكتب هوامشه: عبد الأعلى مهنا، دار الفكر، ط1، 1986م.
  • الأنيس المطرب بروض القرطاس، علي بن أبي زرع الفاسي، دار المنصور للطباعة والوراقة الرباط، 1972م.
  • ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، تحقيق: محمد خلف الله أحمد ود. محمد زغلول سلام، دار المعارف – القاهرة، ط4، 1991م.
  • ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، أبو منصور الثعاليبي، تحقيق: محمد أبو الفضل، دار المعارف مصر، 1985م.
  • حدائق السحر ودقائق الشعر، رشيد الدين الوطواط، ترجمه عن الفارسية، ابراهيم أمين الشواربي، المركز القومي للترجمة-القاهرة، ط2، 2009م.
  • الحيوان، الجاحظ، تحقيق: عبد السلام هارون، ط3، 1969م.
  • دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، قرأه وعلق عليه: محمود محمد شاكر، دار المدني جدة، ط3، 1992م.
  • السحر والشعر، لسان الدين بن الخطيب ، تحقيق: ج.م.كونتننته بيرير، مراجعة: محمد سعيد إسبر، بدايات للطباعة، جبلة – سورية، ط1، 2006م.
  • شرح ديوان أبي نواس، ضبط وشرح: إيليا الحاوي، دار الكتاب اللبناني، ط1، 1983م.
  • الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الكتاب العربي بيروت، 1984م.
  • العمدة في محاسن الشعر وآدابه، ابن رشيق القيرواني، تحقيق: محمد قرقزان، دار المعرفة بيروت، ط1، 1408ه/1988م.
  • عيار الشعر، ابن طباطبا العلوي، تحقيق عباس عبد الساتر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1402ه/ 1982م.
  • محاورات أفلاطون، ترجمة د. زكي نجيب محمود، مكتبة الأسرة، مصر، 2001م.
  • المستوفى من شعر أبي تمام، صنعه: د. محمد مصطفى أبوشوارب، مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين، الكويت 2014م.
  • منهاج البلغاء وسراج الأدباء، حازم القرطاجني، تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، ط3، 1986م.
  • نثير الجمان في شعر من نظمني و إياه الزمان، اسماعيل بن الأحمر، تحقيق: محمد رضوان الداية، مؤسسة الرسالة- بيروت، ط1، 1976م.

المراجع:

  • الأدب الجاهلي منطلقاته العربية وآفاقه الإنسانية، د عادل جاسم البياتي، دار النشر العربية- الدار البيضاء، 1986م.
  • أصول الشعر العربي، د.ص مرجوليوث، ترجمة: د إبراهيم عوض، دار الفردوس، 2006م.
  • تاريخ الأدب العربي، أحمد حسن الزيات، دار الشرق العربي، بيروت، د ت.
  • تاريخ الأدب العربي، كارل بروكلمان، دار المعارف، ط4، 1977م.
  • تاريخ الشعر العربي، نجيب محمد البهبيتي، دار الثقافة، الدار البيضاء، 1982م.
  • التفكير البلاغي عند العرب، حمادي صمود، المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية، 1981م.
  • الجامع في تاريخ الأدب العربي، حنا الفاخوري، دار الجيل – بيروت، د ت.
  • الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية، عبد الله الغدامي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط4، 1998م.
  • الشعر والسحر، د. مبروك المناعي، دار الغرب الإسلامي، ط1، 2004م.
  • المحاضرة والمناظرة في تأسيس البلاغة العامة، د. محمد العمري، أفريقيا الشرق، 2017م.
  • النبوغ المغربي في الأدب العربي، عبد الله كنون، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط3، 1975م.

 

[1] – المحاضرة والمناظرة في تأسيس البلاغة العامة، د. محمد العمري، ص: 6.

[2] – منهاج البلغاء، حازم القرطاجني، تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة، ص: 10.

[3] – المصدر نفسه، ص: 231.

[4] – نفسه، ص: 20.

[5] – الشفا، القاضي عياض، تحقيق: علي محمد البجاوي، ص: 358-359.

[6] – النكت في إعجاز القرآن، الرماني، ضمن كتاب ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، تحقيق: محمد خلف الله أحمد ود. محمد زغلول سلام، ص 81.

[7] – عيار الشعر، ابن طباطبا العلوي، تحقيق: عباس عبد الستار، ص: 22.

[8] – دلائل الإعجاز: عبد القاهر الجرجاني، قراءة وتعليق: محمود محمد شاكر، ص: 146.

[9] – ثلاث رسائل في إعجاز القرآن: ص: 137.

[10] – السحر والشعر، لسان الدين بن الخطيب ، تحقيق: ج.م.كونتننته بيرير، مراجعة: محمد سعيد إسبر، ص: 13.

[11] – المصدر نفسه، ص: 11- 12.

[12] – حدائق السحر ودقائق الشعر، رشيد الدين الوطواط، ترجمه عن الفارسية، ابراهيم أمين الشواربي، المركز القومي للترجمة-القاهرة، ط2، 2009م.

[13] – يرى مرجوليوت أنه قبل نزول القرآن “كان هناك عند العرب نوع من العرافين يسمون بالشعراء تجنح أقوالهم إلى الغموض كما هو الحال دائما في النبوات” أصول الشعر العربي، د.ص مرجوليوث، ترجمة: د إبراهيم عوض، ص:16.

[14] – الأدب الجاهلي منطلقاته العربية وآفاقه الإنسانية، د عادل جاسم البياتي، 1/29.

[15] – الجامع في تاريخ الأدب العربي، حنا الفاخوري، ص: 132.

[16] – تاريخ الأدب العربي، أحمد حسن الزيات، ص: 33.

[17] – محاورات أفلاطون، ترجمة د. زكي نجيب محمود، ص: 78.

[18] – تنظر هذه النماذج الشعرية في كتاب؛  ثمار القلوب في المضاف والمنسوب  صص64- 67. وفيه يقول الثعاليبي: ” وكانت الشعراء تزعم أن الشياطين تلقي على أفواهها الشعر، وتلقنها إياه وتعينها عليه، وتدعي أن لكل فحل منهم شيطانا يقول الشعر على لسانه، فمن كان شيطانه أمرد كان شعره أجود.” ص: 64.

[19] – المصدر نفسه، ص:66.

[20] – الشعر والسحر، د. مبروك المناعي، ص: 68.

[21] – تاريخ الأدب العربي، كارل بروكلمان، 1/45.

[22] – المرجع نفسه، 1/ 45-46.

[23] – نفسه، ص: 47.

[24] – العمدة، ابن رشيق، تحقيق محمد قرقزان، 1/88.

[25] – ينظر الخبر في الأنيس المطرب بروض القرطاس، ابن أبي زرع، ص:31-32.

[26] – تاريخ الشعر العربي، نجيب محمد البهبيتي، ص: 55.

[27] – السحر والشعر، ص: 11.

[28] – المصدر نفسه، ص: 11-12.

[29] – نفسه، ص: 13.

[30] – نفسه، ص: 13-14.

[31] – شرح ديوان أبي نواس، ضبط وشرح: إيليا الحاوي، 1/458.

[32] – المستوفى من شعر أبي تمام، صنعه: د. محمد مصطفى أبو شوارب، 1/ 102.

[33] – الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني، 9/30.

[34] – منها: كتاب “نوافث السحر في دمائث الشعر” لأبي حيان النحوي، ينظر: نفح الطيب، لأحمد المقري التلمساني، تحقيق: إحسان عباس، ص 2/552. و”أبو حيان النحوي” للدكتورة خديجة الحديثي، مكتبة النهضة بغداد، ط1، 1966م، ص: 259. وكتاب “لمح السحر من روح الشعر وروض الشحر” لابن ليون التجيبي، توجد نسخة مخطوطة منه بالخزانة الحسنية بالرباط تحت رقم 1033د.

[35] – نثير الجمان، ابن الأحمر، تحقيق: محمد رضوان الداية، ص: 362-363.

[36] – النبوغ المغربي،  عبد الله كنون، 3/219.

[37] – السحر والشعر، ص: 12.

[38] – التفكير البلاغي عند العرب، حمادي صمود، ص: 29.

[39] – الحيوان، الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، 5/65.

[40] – الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني، 17/57-59.

[41] – يقول: “اعلم أن ما يزداد به التشبيه دقة وسحراً، أن يجيء في الهيئات التي تقع عليها الحركات، والهيئة المقصودة في التشبيه على وجهين: أحدهما أن تقترن بغيرها من الأوصاف كالشكل واللون ونحوهما. والثاني أن تُجرَّد هيأة الحركة لا يراد غيرها. فمن الأول قوله: والشمس كالمرآة في كف الأشلّْ. أراد أن يريك مع الشكل الذي هو الاستدارة، ومع الإشراق والتلألؤ على الجملة، الحركة التي تراها للشمس إذا أنعمت التأمل ثم ما يحصل في نورها من أجل تلك الحركة..، وبدوام الحركة العجيبة وشدة القلق فيها، يتموج نور المرآة، ويقع الاضطراب الذي كأنه يسحر الطرف..، وحقيقة حالها في ذلك مما لا يكمل البصر لتقريره وتصويره في النفس، فضلا عن أن تكمل العبارة لتأديته، ويبلغ البيان كنه صورته.”، أسرار البلاغة ، عبد القاهر الجرجاني، ص: 153.

[42] – منهاج البلغاء، ص: 120.

[43] – الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية، عبد الله محمد الغذامي، ص18.

[44] – أسرار البلاغة، ص: 285.

[45] – نفسه، ص 223.

[46] – أسرار البلاغة: 153-154.

[47] – نثير الجمان: 356.

[48] – أسرار البلاغة، ص: 177-178.


Updated: 2018-02-03 — 21:46

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme