الوعي بإشكالية المنهج في الدراسات النقدية العربية المعاصرة: التشخيص وآفاق الحلول / إبراهيم نادن


 

الوعي بإشكالية المنهج في الدراسات النقدية العربية المعاصرة: التشخيص وآفاق الحلول

د.إبراهيم نادن ـ الجامعة: القاضي عياض، المغرب.

مقال نشر  في  :مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية العدد 37 الصفحة 89.

    ملخص:

سعت هذه الدراسة إلى  الحديث عن أزمة المنهج في النقد الأدبي وانشغال الدراسات النقدية العربية بمتابعتها وبيان أثرها على دراسة النص الأدبي العربي، ومن خلال ذلك تمت الإشارة إلى تشخيص  النقاد العرب  لهذه الأزمة والمستويات التي تتبدى فيها،  واقفين على علاقة المنهج بالنظرية في سبيل تحليل النص الأدبي، وقراءته والحكم عليه،مع عرض مختلف  النظريات التي تقف وراء هذه المناهج النقدية،وأهمها النظرية الاجتماعية والنظرية النفسية الفرويدية والنظرية اللسانية.ومن أجل ذلك عملنا في هذه الدراسة على تقديم بعض أصداء هذه الأزمة، وآفاق الحلول المقترحة من خلال بعض الدراسات النقدية العربية المعاصرة، لاستخلاص الجو الثقافي العام الذي  يهيمن على الساحة النقدية العربية حول الحاجة الملحة لمنهج نقدي تؤطره نظرية نقدية تراعي خصوصية الإبداع الأدبي العربي.

الكلمات المفتاحية:

المنهج-  الدراسات النقدية العربية المعاصرة- مفهوم النص الأدبي – – المقاربة  العلمية- التفكير المنهجي- الأزمة المنهجية.المناهج النقدية .

  • مقدمة:

  موضوع هذا البحث هو”الوعي بإشكالية المنهج في الدراسات النقدية العربية المعاصرة:التشخيص وآفاق الحلول”.ويهدف إلى إبراز أهمية المنهج في قراءة النصوص وإضاءتها وفهمها، إذ يرتبط مفهوم المنهج بالطريقة المتبعة للوصول إلى حقائق الظواهر المختلفة، وفق تنظيم صحيح لجملة من القواعد والأفكار،واشتدت الحاجة إلى هذه الروح المنهجية بعد النهضة الأوروبية التي شهدت في ميدان الدرس الأدبي نشأة مناهج نقدية متعددة كانت تستهدف المقاربة العلمية للظاهرة الأدبية،دون أن يعني ذلك أن الذاكرة الثقافية العربية لا تعرف في تاريخها اعتماد المنهجية العلمية في البحث عن الحقيقة بمختلف تجلياتها،بل إن توفر الثقافة العربية على مرجعية قوية في مجال الاعتماد على التفكير المنهجي أتاح للنقاد والدارسين والمفكرين العرب  المعاصرين ملاحقة الثورة المنهجية التي عرفتها الثقافة الغربية الأوروبية والأمريكية  الراهنة من أجل تمثلها في الثقافة العربية، والاستعانة بها في القراءة الأدبية في أفق إيجاد حل للأزمة المنهجية التي تعرفها دراسة الأدب العربي.

وبناء على ما سبق سيقوم هذا البحث على العناصر التالية:

  • مقدمة.
  • إرهاصات الوعي بإشكالية المنهج في الدراسات النقدية العربية.
  • التطور اللغوي الحديث وأثره في مفهوم النص الأدبي.
  • النقد الأدبي العربي المعاصر والحاجة الملحة للمقاربة المنهجية للنص الأدبي.
  • قراءة الوعي بأزمة المنهج في بعض الدراسات النقدية العربية المعاصرة.
  • خاتمة.

 

2- إرهاصات الوعي بإشكالية المنهج في الدراسات النقدية العربية:

أنطلق في تحليل هذا العنوان من الإشارة إلى الثورة المنهجية التي عرفها الدرس النقدي في الحضارة الغربية، وساهم التقدم الذي عرفه الدرس اللساني بعد اكتشاف اللغة السنسكريتية من جهة،و اكتشاف الثنائيات السوسيرية من جهة أخرى، على انقسامها إلى مناهج خارجية،  تعنى بالتناول الخارجي للأدب، كالمنهج التاريخي والمنهج النفسي والمنهج الاجتماعي،وأخرى داخلية، تركز على التناول الداخلي للأدب، كالاتجاهات والمناهج الشعرية والأسلوبية والسيميائية واللسانية وغيرها، والتي انتقلت في إطار اللقاء الحضاري الحديث للغة العربية بالحضارة الغربية وثقافتها إلى الساحة النقدية العربية،بأسسها النظرية ومصطلحاتها،وعرفت التطبيق والممارسة على النص الأدبي العربي قديمه وحديثه،على الرغم من أننا لا نرى  في ذلك من خطر على الفكر الأدبي العربي الذي يركز في تنظيراته على مسؤولية الفنان أو الأديب في إطار الحضارة المعاصرة،فالأديب يجب أن يكون “كالفيلسوف لا يمكن أن ينعزل عن حقول العلم،إذا كان يطمح إلى أن يكون أديبا على مستوى عالمي،يتحسس آمال الإنسانية وآلامها،فيصورها تصويرا فيه السعة والشمول،وفيه الدقة والصدق،ويستشرف اتجاه تيارات الحياة،فيقدر بعين بصيرته ما هو آت،ويعد له عدته…”[1]، الشيء الذي يفسرأن اطلاعنا على المناهج النقدية الغربية الحديثة لا يشكل عقدة ثقافية للفكر الأدبي العربي بقدر ما يمثل دفعة علمية في الدرس النقدي العربي تساعده على القراءة الصحيحة للنص الأدبي العربي المتعدد الروافد الثقافية غير أن ذلك لا يمنع من التنبيه   على أن الأزمة التي خلفها هذا المد المنهجي قد حدت من تحرك الإبداعية العربية  لإنتاج منهج نقدي يساير خصوصية الإبداع الأدبي العربي مثلما حدث ذلك في اللقاءات الحضارية السابقة مما سيمدد  مرحلة  الوصول  إلى  تحقيق  ذلك الهدف الثقافي  في الوقت الراهن. وقد تنبه  النقاد العرب المعاصرون إلى هذه الإشكالية فكان مما قاله  الدكتور أحمد أحمد بدوي في  مقدمة كتابه”أسس النقد الأدبي عند العرب”:”وفي هذا الكتاب الذي أقدمه اليوم للقراء عرض موجز لما وصل إليه العرب في النقد الأدبي من نظرات(…).وأراني مضطرا إلى استخدام مصطلحاتنا الحديثة في النقد،مبينا مدى إلمامهم بهذه المصطلحات،أو مدى معرفتهم بحقيقتها،وإن لم يعرفوا اسمها.وفي هذه الطريقة تقريب لأذهان القراء اليوم لصورة النقد عند العرب في هذه الأزمان البعيدة،فتكون الصورة لذلك أبين وأوضح.وإني (…) مؤمن بضرورة مثل هذا البحث،إذا أردنا أن نبني حاضرنا على أساس من ماضينا(…و)سأنتهي عند مشارف عصرنا الحديث الذي قوى اتصالنا فيه بالغرب اتصالا وثيقا،واشتد أخذنا عنه،ودراستنا لمذاهب النقد فيه،ومحاولتنا تطبيق هذه المذاهب على ما ننتجه من أدب حديث، بل قد حاول بعض النقاد تطبيقها على الأدب العربي القديم”[2].

إن المطلع على الكتاب يقف على المصطلحات التي شكلت فيما مضى دعائم العمل النقدي التراثي، ومرتكزاته النظرية في الممارسة النقدية،ولا محالة فإن العرب كانوا يستفيدون في كل مرة من اللقاءات الحضارية والثقافية مع الأمم الأخرى، مما عمق رؤيتهم العلمية للقضايا المعرفية المختلفة,ورسخ فلسفتهم المنهجية في الكشف عن الحقيقة العلمية في كافة مجالات النشاط الفكري،وليس أحد ينكر قيام الثقافة العربية في عهد إشعاعها العلمي العالمي على الروح المنهجية المؤسسة على الملاحظة القوية,والتجارب الصادقة,وعلى القواعد العلمية فليس”المنهج إلا الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم بوساطة طائفة من القواعد العامة تهيمن على سير العقل،وتحديد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة، (…)ويبرهن على صحتها أو فسادها,ومن تم فان الصورة المنهجية لأي علم من العلوم لا تتحقق ما لم تهدف إلى وجود:

-خطة تهدف إلى الكشف عن شئ ما.

-إقامة البراهين على صحة ما قدمته الخطة أو خطأه.

وهكذا يتضح أن المنهج علم له وظيفة معينة هي وضع الخطة,والكشف عن الحقيقة,ومن دون هذا التصور تبقى الحقيقة مجهولة،والمعرفة عقيمة (…)،ومن أجل ذلك كانت للمنهج خطورته في الدراسة العلمية,والتفكير العقلي,فهو يوجه الباحث إلى ما ينبغي اتخاذه من خطوات,ويرسم له خطة الانتقال من جزئية إلى أخرى تليها,ويعينه على استخلاص الأحكام العامة بعد دراسة الجزئيات,ويمنعه من الزلل(…),فالمنهج الخاطئ يؤدي إلى نتائج خاطئة[3].ومعنى ذلك أن الأسس النقدية التي أفرزتها النظرية النقدية العربية القديمةلم تعد قادرة بمفردها على تحليل النص الأدبي وقراءته، على الرغم من الدور الكبير الذي قام به النقد الأدبي القديم في إضاءة النص الأدبي في الحضارة العربية لكونه نتاج علاقاتها المتنوعة، يقول أحد الباحثين في هذا الصدد: “إن النص الأدبي كيان لغوي منبثق عن كيان ثقافي وحضاري(…)،إن تداخل النص الأدبي القديم مع سائر فنون المعرفة في التراث العربي الإسلامي ظاهرة بارزة في ثقافتنا،وسمة واضحة من سماتها,وهو ما جعل النص الأدبي منفتحا على فضاءات معرفية رحبة,منبثقا عن تراكم علمي وثقافي يجعل منه نصاغنيا بالإحالات,مليئا بالإيحاءات,قابلا لتعدد القراءات,يستعصي اقتحامه على القراءة الانطباعية السطحية,ويستوجب قراءة دقيقة واعية,ولن تكون القراءة كذلك إلا إذا كانت محيطة بكل معطياته ومكوناته,مدركة لمصادر ولادته,ولن تفلح في ذلك إلا إذا كان القارئ يمتلك أدوات هذه القراءة وضوابطها التي تمنعها من العشوائية، والتسيب والافتراء على النص، أو تحميله ما لا يطيق من الدلالات.فالقراءة الواعية للنص الأدبي القديم، هي تلك التي لا تفصل بينه وبين باقي عناصر التراث ومجالاته باعتباره يتفاعل معها وتتفاعل معه”[4]. ومن خلال هذه الرؤية للنص الأدبي العربي القديم ووقوفنا على جهود النقاد العرب القدامى في قراءته، تتضح وظيفة النقد العلمية والجمالية في قراءة الإبداع الأدبي، لأهميته في خدمة الإنسانية وتقريبها من النصوص الأدبية الخالدة، ولعل هذا ما جعل الناقد الفلسطيني سامي يوسف يستنتج” أن تاريخ البشرية الثقافي  لا يعرف إلا نقدين أدبيين ناضجين:النقد الأدبي

 في الثقافة العربية التراثية،والنقد الأدبي في الثقافة الأورو-أمريكية الحديثة،ففي الهند والصين القديمتين لايقع المرء إلا على فتات نقدي وكفى،وإن كان هذا الفتات ذا شأن خطير دون ريب،وفي الدائرة اليونانية الرومانية لم تزد الحركة النقدية عن إنتاج بضع كتابات نقدية أبرزها ثلاث:الشعر لأرسطو، والشعر لهوراس،والسامي للونجينوس،ومع  ظهور العرب فقط صار النقد الأدبي إيقاعا ثقافيا غزيرا من جهة،ومتنوعا من جهة أخرى،أو قل صار حركة ثقافية من حركات الثقافة الكثيرة الوجوه،ولأول مرة في التاريخ يظهر الناقد المتخصص بالنقد الأدبي،فلا أرسطو،ولا هوراس كان ناقدا كل تراثه،أو جله،في النقد”[5].ويتجلى من خلال هذا كونية النقد الأدبي وأنه علم إنساني ساهم العرب بنظرهم وممارساتهم في بناء العديد من حلقاته ذلك أن “العلم الإنساني هو كل فعالية علمية عملية تهتم بدراسة فعالية إنسانية ترتبط بإحدى نواحي النشاط البشري.والنقد الأدبي بهذا المعنى،ينسجم مع هذا التعريف،إذ النقد فعالية عقلية وذوقية،تتلو الفعالية الأدبية التي هي فعالية إنسانية.فالناقد يقوم بعمليات القراءة والتحليل والتأويل والفهم والحكم،وهي عمليات ذهنية وذوقية تتدخل فيها القدرات العقلية والكفاءات الفنية عند الناقد.وبالنظر إلى هذه الأصول التي يعول عليها في كل عمل نقدي،تتأكد الصفة الإنسانية في هذا العلم أكثر فأكثر”[6]،مما يفسر طبيعة التطور في مكونات العمل النقدي النظرية والمنهجية،وصلاحيتها للانتشار الكوني بين الثقافات.

3-التطور اللغوي الحديث وأثره في مفهوم النص الأدبي:

يستنتج مما سبق  أن  التحول الكبير الذي حدث في دراسة اللغة في الثقافتين الأوروبية والأمريكية،والدور الذي أحدثته أفكار  دو سوسير وثنائياته العلمية في قيادة تلك الثورة اللغوية التي يستعان بها حديثا في معرفة كيف ينتج الخطاب،وما هي الوسائل المعتمدة في إنتاجه،وكيف نستطيع فهمه؟بل  لنا أن نقول  إن مفهوم النص الأدبي يعتبر من أهم ما تداولته  المدارس اللغوية  التي ظهرت بعد ميلاد اللسانيات،وكان لذلك أثر كبير في تحليل الخطاب الأدبي،كما كان له بعد ذلك الانعكاس على منهج الدرس الأدبي العربي، يقول د.حسن مسكين:”وقد كان لظهور اللسانيات  بوصفها الدراسة العلمية للغة الأثر الأكبر في شيوع هذا النوع من المناهج التي تتناول الأثر الأدبي من داخله بعد أن حدد سوسير المنظر الأكبر للسانيات موضوعها:”في دراسة اللسان في ذاته ولذاته.ذلك أن اللغة هي الموضوع الأساس الذي ينطلق منه المحلل لكشف ماهيةوطبيعة ووظيفة النص،انطلاقا من هذه الرؤية الخاصة للغة،في حين ركز شومسكي على المنحى العقلاني،حيث اللغة ملكة فطرية منظمة ومتميزة،أي أنها استعداد فطري يولد مع الإنسان، ويتطور تبعا لنوع الظروف،التي تنقلها في الأخير من حال الكمون إلى حال التحقق،وهذا ما جعل تشومسكي يتحدث عن مفاهيم خاصة مثل (القدرة-الكفاية-الإنجاز-الإرادة) إلى غيرها من المفاهيم المرتبطة بإنجاز اللغة”[7]،وقبل ذلك كان ينظر إلى النص الأدبي على أنه نتاج إيديولوجي لمرحلة معينة من تاريخ التطور الاجتماعي،فجاء الشكلانيون مركزين على الخصيصة اللسانيةللخطاب الأدبي التي تتضح للدارس بالرجوع إلى الخطاطة التي  ميز فيها جاكبسون وظائف اللغة عامة(وظيفة مرجعية، وظيفة تعبيرية،وظيفة شعرية،وظيفة تأثيرية،وظيفة انتباهية،وظيفة ماوراء لغوية)،مبينا أن وظيفة الخطاب لا تكون مهيمنة بمفردها، بل تكون معها باقي الوظائف، إلا أنها تكون ثانوية بالقياس إليها،وقد جعل التركيز على هذه الوظيفة الشعرية الخطاب الأدبي مقصودا لذاته،الشيء الذي جعل جاكبسون  ينظر إلى التعامل مع النص ككلية في حالة عمل،موجها الدراسات النقدية إلى تلك الكلية،حيث حث على أن الشعر هو اللغة في وظيفتها الجمالية، وأهمية هذه الوظيفة تكمن في أنها تضفي على العناصر اللغوية المكونة للنص الشعري قيمة خاصة،فيدرك النص على أنه رسالة تركز على ذاتها دون إحالة على الواقع،ووضح جاكبسون ذلك بقوله:”إنها تتجلى في كون الكلمة تدرك بوصفها كلمة  وليست مجرد بديل عن الشيء المسمى ولا كانبثاق للانفعال،وتتجلى في كون الكلمات وتركيبها ودلالتها وشكلها الخارجي والداخلي ليست مجرد أمارات مختلفة عن الواقع،بل لها وزنها الخاص وقيمتها الخاصة..”[8]، ومن ثمة أكد الشكلانيون الروس على أن الشعر ليس هو الفكر،ولكن هو التناغم الداخلي لكل الأفعال الكلامية ولكل العناصر الأدبية[9]،وعموما فإن رومان جاكبسون يعتبر أهم ممثل للاتجاه البنيوي في تحديد مفهوم النص الأدبي الذي قام بتأصيل أسس الشعرية الحديثة،بفضل أعماله النظرية والتطبيقية،كما أننا إذا أردنا أن نطلع على مفهوم النص في النظرية السيميائية، أمكننا أن نشير إلى تصور بعض أقطاب هذا الاتجاه،فقد عرفته جوليا كريستيفا بقولها إن النص “يحدد باعتباره جهازا عبر لغوي translinguistique ،يعيد توزيع  نظام اللغة رابطا بين كلام تواصلي هدفه الإخبار المباشر،وبين أنواع مختلفة من الملفوظات السابقة عليه،أو المتزامنة معه…”[10] ،وقد ركزت في تعريفها ذلك على عنصر التناص في تكوين النص الأدبي بقولها:”ما من نص إلا وهو فسيفساء من الاستشهادات،إلا وهو امتصاص،وتحويل لنص آخر.”[11] ، ويمكن لنا متابعة التحولات المعرفية التي عرفها تحديد مفهوم النص الأدبي مع رولان بارت في كتابه”درس السيميولوجيا”،أو يوري لوتمان في كتابه”بنية النص الفني “،أوفان ديجك ;أوغيرهم، مما يشهد على المتابعة  العلمية لتطوير عمليات فهم وتحليل الخطاب الأدبي مسايرة للثورة التي عرفها الدرس اللغوي بعد القرن التاسع عشر[12]،الشيء الذي يشير إلى أن العلوم الإنسانية عموما ظلت توجه النقد الأدبي في العصر الحديث في مختلف الاتجاهات النقدية المعاصرة،مما كان له أبلغ الأثر في إضاءة النص رغم  المآخذ التي أخذها الدارسون عن كل منهج من هذه المنهج يقول أحد الباحثين:”لا يستطيع ناقد متمرس أن يتجاهل الاستبصارات النقدية الجليلة التي اهتدت إليها بعض المنهجيات النقدية المعاصرة في وضع آليات صارمة لقراءة النص الأدبي، وتوظيف مكتسبات التحولات العلمية في مجال العلوم الإنسانية،ومع ظهور هذا الركام الهائل من المقاربات المنهجية، تجاوزت بعض هذه الممارسات التأويلية أفق النص الأدبي، إلى أفاق غريبة عن القيم الفنية والجمالية، حيث أضحى النص بلا خصائص جوهرية ولا انتماء.”[13]

4- النقد الأدبي العربي المعاصر والحاجة الملحة للمقاربة المنهجية للنص الأدبي:

أشرت سابقا إلى أن الدفعة الحية في تراثنا الأدبي والنقدي لم تعد هي المرجعية المهيمنة في الدراسات النقدية العربية المعاصرة على الرغم من أن النقد “قد بدأ في عصر النهضة في البلاد العربية كغيره من العلوم،بالرجوع إلى التراث العربي للامتياح منه[14]، وقد أتى بديل آخر عن ذلك أخذ سهمه من السؤال الكبير الذي يحير الفكر العربي  منذ فجر النهضة العربية عن سر تأخرنا وتقدم الغرب، وما هي الوصفة السحرية للحاق بالركب الحضاري من جديد؟،وبين هاتين الدفعتين الدفعة الحية التي نجدها في الأصول العلمية التراثية، وبين الدفعة الحية المبثوثة في الدرس النقدي  العربي المعاصر، الذي يسعى إلى  ابتكار منهج نقدي عربي قادر على توجيه الأديب العربي المعاصر إلى إنتاج النص المواكب للحضارة الإنسانية المعاصرة، والمبدع من خلال وقعها للشكل الذي يواصل الحضور الفاعل للنص الأدبي العربي في الآداب الإنسانية،وقادر على وضع الخطوات العلمية المنهجية للناقد العربي للوصول إلى حقيقة النص الأدبي باعتباره متعدد المسؤوليات في المجتمع العربي، بل وفي المجتمع الإنساني عامة،  استشعر النقاد العرب المعاصرون” ضرورة البحث عن أصول نظرية للفكر النقدي تتكامل فيها عناصر الحقيقة الأدبية.فكانت الممارسة النقدية وتحليل النصوص الأدبية معتمدين لدى النقاد العرب على تصورات ونظريات فكرية عامة لها علاقة بالعلوم الإنسانية من لغوية واجتماعية ونفسية وتاريخية وغيرها…”[15]،وفي البداية “كان للظروف الخاصة التي عاشتها بلاد مصر أثر هام في بروز الوعي بمسألة المنهج،في شخص عميد الأدب  العربي د.طه حسين…”[16]،إذ عد من أوائل السالكين في إطار المنهج التاريخي من الباحثين العرب إذ بين في مقدمة كتابه (حديث الأربعاء) أنه اختط منهجا جديدا في الأدب العربي القديم وخفاياه من جهة،ويقارن بينه وبين الحاضر من جهة أخرى[17].ومنذ ذلك الوقت “تعددت المناهج وتنوعت،وانبثقت عنها مجموعة مفاهيم ونظريات تهدف إلى الاقتراب أكثر من فهم الأثر الأدبي،وتقييمه بدقة وإحكام…[18]،كما تعددت الدراسات في الأدب العربي التي تعرف بمختلف المناهج وتجليات تطبيقها على النصوص الأدبية، و التي تلتقي جميعها في هدف واحد هو “إكساب النقد الأدبي طابعا علميا،وإنتاج معرفة علمية بالأدب ظاهرة ونصوصا(…)،وهي في ذلك تقع مقابلة أو مجاوزة لتوجهين نقديين آخرين، وجدا لهما مساحة واسعة في النقد الأبي العربي الحديث وهما:النقد الفني  أو الجمالي الذي شدد على (الطابع الفني أو الجمالي) للأدب وللنقد الأدبي،والنقد الذي يؤكد (الطابع الإيديولوجي) للأدب وللممارسة النقدية”[19].

غير أن الخلاصة التي ينتهي إليها الدارس من خلال تتبع ذلك الشريط الذي عرفته مقاربة الظاهرة الأدبية في الأدبين العربي والغربي العالمي هو الأزمة الخانقة التي يعاني منها تحليل النص الأدبي دافعها الرغبة الأكيدة في الاقتراب من النص وإكساب هذه المقاربة طابعا علميا.ومن تم يتضح أن هذا “الوعي بمشكلة المنهج أو إشكالية المنهج ضرورة ملحة،فرضتها طبيعة العمل الأدبي والنقدي،بل والحضارة الإنسانية عبر تطورها،وتعاقب نشاطها في مجالات معرفية عديدة،جعلت من المنهج علامة على تشكل الحضارة الإنسانية في مظهرها المنظم(…)غير أن الذي يجب التأكيد عليه هنا هو أن الفترة التي نعيشها الآن هي فترة جدل وصراع حول مسألة المناهج،وذلك راجع للتطور الهائل الذي تشهده مختلف العلوم الإنسانية ،وبخاصة العلوم اللغوية،هذه الأخيرة التي أفادت كثيرا من منجزات علوم أخرى،وذلك سعيا وراء محاولة إبراز خصائص ومضامين الأثر الأدبي إلى الحد الذي ذهبت فيه-أحيانا – إلى اختبار مناهج مختلفة،ومتعارضة للكشف عن مدى صلاحيتها في مقاربة عالم النص الذي هو في أبسط مظاهره كلام،ولأنه كذلك وجدت علوم اللسان إليه السبيل،ولأنه نص يبدعه فرد منغرس في الجماعة،ويتجه به إلى جموع القراء،فقد تناوله علم الاجتماع بالدرس،وهكذا إلى آخر العلوم الإنسانية.علما أن لكل منها طريقا تسلكه إلى الظاهرة الأدبية فتمتحن مناهجها عليه”[20].وحيث كان الأمر كذلك في صورته النظرية فإن الرجة التي أحدثها التطور اللغوي الحديث،وفي باقي العلوم الأخرى قد ساهم في تغير لهجة الكتابات النقدية العربية المعاصرة، التي تتابع التحول الذي يعرفه درس الأدب في الآداب العالمية محاولة تشخيص الأزمة التي يعرفها النقد الأدبي  في كونها متجلية في التجاوز الحاصل في تاريخ النقد  من نظرية لأخرى ومن منهج إلى آخر،يقول د.محمد أديوان:” وهكذا يبدو أن الأزمة قدر لا مفر منه على أي حال.وهذا يستدعي تشخيصها في الوقت الراهن.ويمكن القيام بذلك على ثلاث مستويات تظهر فيها أزمة المنهج في النقد الأدبي وتحليل النص:مستوى الذات القارئة،مستوى الموضوع أو النص الأدبي،مستوى المنهج إذ أن المنهج باعتباره طريقة للتحليل الأدبي لا يقوم دون عناصر تدعمه، وتكمل وظيفته التحليلية، ومن أهمها عنصر النظرية والتصور(…)،وبالنظر إلى تعامل الذات العربية مع المنهج  في تحليل النص الأدبي نراها قد راوحت بين النظرة الموضوعية والنظرة الذاتية في حال تبنيها لمنهج نقدي عربي قديم أو منهج غربي معاصر.واستمر هذا الوضع المتميز من التعامل منذ عصر النهضة إلى الآن”[21].

5- قراءة الوعي بأزمة المنهج في بعض الدراسات النقدية العربية المعاصرة:

بعد  هذا العرض النظري العام والسريع حول أزمة المنهج في النقد الأدبي وانشغال الدراسات النقدية العربية بمتابعتها وبيان أثرها على دراسة النص الأدبي العربي مشيرين من خلال ذلك  إلى تشخيص النقاد العرب لهذه الأزمة والمستويات التي تتبدى فيها من خلال وقوفهم على علاقة المنهج بالنظرية، في سبيل تحليل النص الأدبي وقراءته والحكم عليه،و تناولهم في أثناء ذلك مختلف  النظريات التي تقف وراء هذه المناهج النقدية،وأهمها النظرية الاجتماعية والنظرية النفسية الفرويدية والنظرية اللسانية [22]،سنعمل على تقديم بعض أصداء هذه الأزمة وآفاق الحلول المقترحة من خلال بعض الدراسات النقدية العربية المعاصرة لنستخلص الجو الثقافي العام الذي  يهيمن في الساحة النقدية العربية المعاصرة حول الحاجة الملحة لمنهج نقدي تؤطره نظرية نقدية تراعي خصوصية الإبداع الأدبي العربي،وسنعتمد في هذا الصدد على  أربعة كتب:الأول كتاب”في معرفة النص”للدكتورة يمنى العيد،والثاني جدلية الخفاء والتجلي”للدكتور كمال أبو ديب،والثالث”مناهج الدراسات الأدبية الحديثة من التاريخ إلى الحجاج” للدكتور حسن مسكين، والرابع كتاب “الفكر الأدبي العربي” للدكتور سعيد يقطين.وتعود دواعي اختيار هذه الكتب  إلى أنها من الدراسات التي وجهتني إلى متابعة التحولات التي أحدثها الدرس اللغوي الحديث في دراسة الخطاب الأدبي،إذيمتلك أصحابها رغبة في انفتاح الدرس النقدي على تلك التحولات ،وعدم إغفال ما قدمه علماء اللغة في التراث العربي أمثال ابن جني وعبد القاهر الجرجاني وغيرهما،الشيء الذي يحمل في طياته إشادة بالفكر الأدبي العربي،وقدرته على تدبير الأزمة المنهجية في الدرس النقدي، وابتكار مقاربة منهجية ذات مواصفات تلامس خصوصية الأدب العربي  في انفتاحه على الثقافات والآداب العالمية قديما وحديثا.وهكذا إذا أردنا أن نطلع على أصداء تغير المفاهيم الناتجة عن التحول في قراءة النص وتعدد النظريات والمفاهيم الموجهة لتلك القراءة،نتيجة الانفتاح على التيارات النقدية الجديدة، فإننا نجد الدكتورة يمنى العيد  تتناول  ذلك بلهجة تطبعها الثورة على السياق المحيط بالفكر العربي،مبرزة علاقة ذلك بالنقد الأدبي الذي  قالت عن  مفهومه،وعما يدور في فلكه،وعن مفهوم النص،وموقعه في المجتمع ،وآليات إنتاجه،ومفاهيم  قراءته،وخصوصياته العربية التاريخية و الراهنة  في سياق التحولات اللسانية والفكرية الحديثة:”النقد هو شغل على النصوص وهو بذلك ممارسة،وهو كممارسة,ليس تنظيرا على التنظير يكرر المفاهيم أو يضيف إليها ما يضيف, بعيدا عن النص أو واصفا له: فقد يأتي التنظير أحيانا بمثابة وصف للنصوص،أو بمثابة تعريف بها أو تعليل لها،أو أننا نسمي مثل هذا الوصف،أو ذاك التعريف والتعليل تنظيرا،وقد يأتي التنظير أحيانا أخرى بمثابة تكرار للمفاهيم الجاهزة أو المنتجة قبلا،والتي قد لا تعود صالحة لتمييز النصوص أو لمعرفتها في خصوصيتها،ذلك أن النصوص الأدبية تختلف،وهي لا تحافظ  أبدا على قوانينها،أو على خصائصها،أو على بنيتها ونسقها…”[23]،ومما لاشك فإن أصداء الدرس اللغوي الحديث بادية في صنع هذا  الخطاب النقدي العربي الحديث،وقد نبهت الباحثة على حضور ذلك في مقاربة النص العربي لكنها لا ترى ذلك  كافيا في غياب الشروط القادرة على إفراز أدوات إنتاج النصوص في المجتمع العربي وقراءتها، وفي غياب مد الجسور بين الخطاب النقدي العربي المعاصر،والدرس اللغوي العربي التراثي في عصره الذهبي،تقول الناقدة:”يتكرر في الكتابة عند بعضنا،وبشكل لا يخلو من البلبلة أحيانا،استعمال المفاهيم التالية:الشعرية،الخطاب أو القول، البنية، النسق، الدلالة، الإشارة المحاور، محور البدائل، المكونات، اللغة، الكلام، المتخيل، المنظور أو الرؤية (…) كل هذا  وغيره مما أنتجه النشاط الفكري النقدي،الذي اتخذ النص موضوعا له يشتغل عليه،ومما هو ليس ملكية فرد(…) كل هذا لا يجدينا أمر تكراره،ولا أمر تطبيقه،ولا أمر إدراجه في الكتابة،تحت غطاء التنظير النقدي(…)لا يجدينا كثيرا أن نستعمل هذه المفاهيم بشكل انتقائي وعشوائي،لا يجدينا أن نستعملها خارج سياق منهجي يوضحها إذ يوضح علاقتها بموضوعها،ويحافظ على قيمتها، كأدوات بحثية، منتجة ومنتجة، لا تثمر هذه المفاهيم، إلا في إطار بنية فكريةتستكمل قدرتها على الإنتاج،المفاهيم أدوات،وهي لا تنتج إلا بفكر يمارسها في الشغل على موضوع،أي بفكر يعيد إنتاجها،على أن إعادة إنتاج هذه المفاهيم في نقدنا يطرح ضرورة إقامة جسور هدمت بيننا وبين تراثنا النقدي،بيننا وبين ما كان منه بحثا علميا في ميدان اللغة كمفردات وأصوات وتركيب ونظم،وأعتقد أن لدينا الكثير،مما خلفه بحاثة كبار،أمثال :ابن جني ،وابن حازم،وعبد القاهر الجرجاني،وغيرهم…”[24]، وحيث كان الأمر كذلك فإنها تصرح بحاجة النقد العربي المعاصر إلى إنتاج المفاهيم النابعة من الاشتغال على النصوص الأدبية العربية: “لنقلها صراحة،لنقل إن النقد الأدبي المعاصر،تعوزه المفاهيم النقدية،كي يخرج على وضعيته الوصفية،والرؤيوية(…) كي يتجاوزها إلى ما هو بحث علمي،وشغل ينتج معرفة بالنص.أمام هذه الوضعية ما الذي يجدينا؟هل يجدينا نقل المفاهيم وتكرارها؟(…) ما يجدينا اليوم،كما أرى(…)هو إعادة إنتاج مفاهيم ومصطلحات أنتجها البحث النقدي في النصوص الأدبية(…)لا يضيرنا أن نستعين بهذه المفاهيم،فنستخدمها كأدوات،نكشف بها النص،فيمكننا كشفه من تحديد موقعه في العلاقات الاجتماعية التي تحكمنا،أو التي تحكم حياتنا وزماننا،

فنسأل  عن نسق هذا النص الزمن العربي في النص، ،وعن علاقة الكلام،كلامنا باللغة،لغتنا فيه،نسأل عن نظامه،نرى إلى اختلاف هذا النظام والى حدود هذا الاختلاف ومعناه.”[25]،والواقع فإن أصداء التحولات اللسانية التي كانت السبب المباشر في التناول الداخلي للأدب تمثل محركا رئيسا في توجيه دراسة د.يمنى العيد في أفق بحثها عن مخرج لأزمة الخطاب النقدي العربي المعاصر،الذي تجعل من عوامل تحققه العمل على النص العربي من خلال تلك المفاهيم العلمية التي أنتجها الدرس اللساني الغربي الحديث،إذ “أن هذه المفاهيم هي مفاهيم نظرية،مجردة،أنتجها البحث على النص في أكثر من بلد في العالم،وتوضيحها خارج سياقها الفكري،وعلى مستواها المجرد،قد يشوهها.إن توضيحها ليس إلا اكتسابها ثقافة،و الإفادة منها لا تكون بنقلها وتكرارها،أو بوضعها قيد الاستعمال في ميدان النقد الأدبي العربي،بل بإعادة إنتاجها بالشغل على النص الأدبي العربي.”[26]،وحينما نستحضر كلامنا عن أثر التحول اللساني الحديث في علم النص الأدبي،الذي غدا كما قال د.صلاح فضل “أكثر المناهج المعاصرة تبلورا وإفادة من المقولات السابقة عليه واستيعابا لها لإدراجها في منظومته العلمية بعد أن كانت مبثوثة في أشتات مبعثرة،و(أن)هناك تعريفات عديدة تشرح مفهوم النص عامة،وأخرى تبرز الخواص النوعية الماثلة في بعض أنماطه،خاصة الأدبية،لكن التجربة النقدية تشير دائما إلى عدم كفاية التعريفات،فعلينا أن نتبنى موقفا آخر يقيم تصورا للنص من جملة المقولات التي قدمت له في البحوث البنيوية و السيميولوجية الحديثة”[27]،ونبحث عن ذلك في بحث د.يمنى العيد نجد أنها تعترف بصعوبة معرفة النص الأدبي العربي رغم الجهود المضنية التي تقوم بها المعرفة النقدية في هذا الصدد،إذ يبدو أن النص الأدبي فاقد لشروط تكونه الثقافية داخل المجتمع العربي الذي يعيش حلقة مفرغة بين ماضيه وحاضره،والتي لابد من استعادتها من أجل ضمان تأسيس الاستمرار وإقامة الجديد،ويتضح من قولها:”ما يجدينا هو أن نعرف النص الأدبي العربي،وقد يصل بنا مثل هذا العمل إلى صعوبة تتحدد في كون المعاناة الأدبية هي أيضا المعاناة النقدية.أي في كونهما معاناة واحدة قائمة في مستوى ثقافي واحد في المجتمع.نوضح فنقول:إذا كان النقد، كنشاط فكري يسعى إلى كيانه الثقافي الخاص بإعادة إنتاج مفاهيمه عن طريق تخصيصها بموضوعها،الذي هو نصوصنا الأدبية،فهل بإمكان النقد أن  يصل إلى هذا الكيان إذا كان نصنا الأدبي ذاته فاقدا لكيانه الثقافي الخاص؟هنا (…) نتساءل:هل ينتج الأدب،أدبنا، موضوعه الذي هو الحياة،حياتنا،في طابعها الاجتماعي الخاص،وفي طابعها الإنساني العام،في الذاتي فيها والكوني؟كيف يمكن للنقد أن ينتج موضوعه حين لا ينتج الأدب موضوعه؟وهل تطرح هذه المسالة النقدية مشكلة الثقافة،ثقافتنا،ومشكلة الفكر،فكرنا،المنتج لهذه الثقافة؟هل يدور السؤال حين نرى إلى النقد و الأدب، والى الأدب والحياة عندنا في الحلقة المفرغة؟أم أن الحلقة تنكسر حين نخترق المستوى الثقافي إلى الأساسي المادي لنراه في وضعيته التاريخية وفي السياسي الذي يحكمه؟نعم ليس لنا إلا أن نخترق المستوى الثقافي إلى هذا الأساسي، والى هذا التاريخي فنرى إلى صراعيته ونكشف بذرة الحياة الأبدية(…)إن هذه الرؤية الواسعة..الذاهبة إلى أبعد من حدود النقد والأدب،نحو أرضهما العميقة،لا يجديها،في نظري،(…)إلا التأسيس على كل مستوى من مستويات الثقافة،وفي كل حقل من حقول المعرفة وحتى ضمن الموضوع الواحد في جزئياته المكونة له.إلا أن البداية هي شكل من الاستمرار،كما أن التأسيس هو شكل من إقامة الجديد،وهما بذلك لا يتنكران،ولا يمكنهما  أن يتنكرا لجهود سابقة” [28].

وإذا كانت هذه الآراء التي وقفنا عندها داخل  هذه الدراسة تعود في جل تجلياتها إلى التطور اللغوي، ووصول أصدائه إلى الدرس الأدبي العربي،فإن الدراسات الأخرى المعتمدة التي  رجعنا  إليها للإشارة إلى الوعي بأزمة المنهج في الدرس النقدي  الحديث،تتضمن  الصدى نفسه،  وهكذا فإذا كان د.حسن مسكين يتحدث عن مسألة المنهج بشكل عام مشيرا من خلال ذلك إلى افتقار الثقافة العربية المعاصرة إلى الروح المنهجية القادرة على تسريع وتيرة تقدم المجتمعات العربية من خلال تمييزه بين أنماط المجتمعات في علاقتها بالمنهج إلى الأنماط التالية:”

 1-نمط تمثله مجتمعات لم يعرف تاريخها الفكري بناء نقديا،لغياب خاصية المنهج.

 2-ونمط تشكله مجتمعات أخرى,أتيح لها أن تتمتع من حين لآخر، أو من مرحلة إلى أخرى بلمحات نقدية,لكن دون أن ترقى إلى مستوى إحداث قطيعة مع الإشكال السابقة غير الممنهجة.

 3-ونمط تجسده مجتمعات يشكل المنهج المحكم أساس توجهاتها،ولب فكرها,وضامن تطورها,فليس غريبا-إذن-أن تكون هي التي تقود الآن العالم في عصر المعرفة والإبداع.”[29]، فان د.كمال أبوديب دعا في كتابه إلى تغيير الفكر العربي من خلال تبني المنهج البنيوي في الممارسة النقدية قائلا:”ليست البنيوية فلسفة,لكنها طريقة في الرؤية ومنهج في معاينة الوجود,ولأنها كذلك فهي تثوير جذري للفكر وعلاقته بالعالم وموقعه منه وبإزائه,في اللغة لا تغير البنيوية اللغة,وفي المجتمع,لا تغير البنيوية المجتمع,وفي الشعر,لا تغير البنيوية الشعر,لكنها,بصرامتها وإصرارها على الاكتناه المتعمق,والإدراك متعدد الأبعاد,والغوص على المكونات الفعلية للشيء والعلاقات التي تنشأ بين هذه المكونات,تغير الفكر المعاين للغة والمجتمع والشعر وتحوله إلى فكر متسائل(…)ومع البنيوية ومفاهيم التزامن,والثنائيات الضدية,والإصرار على أن العلاقات بين العلامات,لا العلامات نفسها,هي التي تعني,أصبح محالا أن نعاين الوجود-الإنسان والثقافة والطبيعة- كما كان يعاينه الذين سبقوا البنيوية”[30]،والملاحظ أن كتاب “جدلية الخفاء والتجلي” كسابقه يأتي في نفس السياق الذي وصفه د.حسن مسكين بتنبه العرب للإفادة من منجزات الدرس اللساني ” الذي بلغ ذروته في البلاد الغربية،فنادوا بدورهم إلى التخلي عن الأساليب القديمة في تحليل الأثر الأدبي(…)(وكان ذلك)عبر التحول إلى مناهج تدرس الأدب من داخل بنياته ومكوناته الصوتية والمعجمية والتركيبية والدلالية،فحللوا مستوى الوظائف والسرد والعوامل والمعنى والبرامج السردية،وغير ذلك من المستويات والوحدات التي تشكل عالم الشعر أو السرد،والتي انبنت على ركائز لسانية في الأساس.ثم إن إفادة الباحثين من هذه المناهج الحديثة قد أفرز أساليب وطرائق تحليل مختلفة ومتنوعة،لكنها تحاول أن تعيد الاعتبار للنص من حيث هو لغة،تتميز بخصائصها النوعية التي تفارق السياسي والاقتصادي والاجتماعي والنفسي،لتشكل عالمها المتفرد،الذي يلزم تعاملا علميا وتحليلا خاصا..”[31]،وكان ذلك التنبه  من نتائج الاطلاع على نتائج الدرس اللغوي الحديث،وأثره في فهم الخطاب الأدبي،وشروط إنتاجه وفهمه ،وعلاقة كل ذلك بالبنى المختلفة المكونة للمجتمعات،ولوجهها الحضاري عموما،ولذلك بدا من خلال هذه الدراسات النقدية العربية دعوة هؤلاء الباحثين إلى إعادة النظر في العلاقات المختلفة المكونة للمجتمع العربي  من أجل الاستفادة من الثورة المنهجية الحديثة في مجال إنتاج النص وتحليله،وفي إطار هذا الفهم صرح د.كمال أبوديب”بهذه الرؤية البنيوية يصبح فهم القصيدة مثلا لفهم العالم,ويصبح وعي العلاقات التي تنشأ بين مكونات الثقافة وعيا للعلاقات التي تنشأ بين مكونات البنية الاقتصا-سية والنفسية والاجتماعية.وفي هذه العملية تتعقد الدراسة و الاكتناه، وتصبح عملية الإدراك معادلا لعملية الإبداع والخلق.ويصير التلقي نشاطا يفرض على المتلقي مطالب عنيدة جديدة،والقراءة عملا عسيرا.ومن هنا عسر عملية القراءة و الإدراك للدراسات البنيوية بشكل عام وللدراسات البنيوية التي تصنع هذا الكتاب أيضا,ذلك أن فهم بنية ما,بكل تعقيدها وتشابكها,بجدلية الخفاء والتجلي فيها,عمل قد لا يعادله في صعوبته إلا خلق هذه البنية في المكان الأول.وفرض مثل هذا الوعي الجديد لعملية القراءة طموح آخر من طموحات هذه الدراسات,في زمن تطغى فيه على الثقافة العربية مطالب السهولة والسطحية، و يندر فيه البحث الدائب المتقصي الجاد.”[32]،مما يعكس غياب الروح المنهجية في العقلية العربية المعاصرة الشيء الذي ينذر بتعمق الشعور بالأزمة المنهجية في مقاربة النصوص الأدبية وقراءتها وتمثلها من أجل بناء الذات واللحاق بالركب الحضاري للمجتمعات المتقدمة التي استطاعت القضاء على التخلف وبناء مجتمعاتها بناء متقدما قائما على القواعد المنهجية.وذلك ما جعل  د.حسن مسكين في كتابه يكتفي  بتشخيص هذه الوضعية مع الدعوة إلى الاطلاع على مختلف المناهج النقدية والاستعانة بها في القراءة المنهجية للنصوص والآثار الأدبية في انتظار تحقيق الآمال المنشودة في الثقافة العربية التي تتجاذبها لحظتان زمنيتان لا تفتؤ تبعث فيها روح المقاومة من أجل ضمان بقاء الكيان العلمي الثقافي للغة العربية في الحضارة الإنسانية حفاظا على توازنها التاريخي المستمر،ويبرز ذلك في قوله: “لاشك أن الإشكال الذي تتخبط فيه الثقافة العربية الآن يكمن في جزء كبير منه في غياب وعي عميق وواضح بإشكالية المنهج,و إذا كنا نؤمن بأنه لا أحد يزعم أنه قادر على تقديم وصفات جاهزة وعاجلة لهذه القضية,بحكم تشعبها وتعقدها,فإن ذلك لا يمنع البتة من تقديم بعض الملاحظات المبينة، والتي منها:

1-إذا كانت الغاية من تطبيق المناهج الحديثة هي الاقتراب أكثر من عالم النص,وكشف رموزه(…)فان تساؤلات أخرى تطرح حول إمكانات هذه المناهج في مقاربة الظاهرة الأدبية,خاصة وأن أصحاب هذه النظريات والمناهج-غالبا-ما يقفون عند مستوى المكاسب أيا كان مصدرها،دون أن يقووا على الخروج عليها,أو مجابهتها,خوفا من إمكانية التورط في الخطأ.

2-يجب الاعتراف –بأن هذه المناهج والنظريات,رغم تباينها واختلاف توجهاتها,تتسم بنوع من التكامل في بعض مناحيها,مادامت تندرج إما في التوجه الذي يدرس الأدب بالتركيز على العناصر الخارجية,و إما إلى التوجه الذي يدرس الأدب بالتركيز على عناصره الداخلية(…).

3-والذي ينبغي التنبيه إليه هنا بالذات أنه ليست نجاعة التحليل أو النقد في اطراد النتائج,و إنما أيضا في مدى إمكانية هذه الأخيرة على تفسير القيم الجمالية لعمل ما(…).

4-إن الاهتمام بكافة عناصر الأثر الأدبي,دون تفضيل جانب على أخر,من شأنه أن يساعد على تأسيس رؤية متميزة عن هذا العمل الأدبي,تقوم أساسا على إدراك واع ومنهجي يهتم بالنسيج المكون من علاقات متعددة,لكنها مترابطة ومنسجمة بما يسمح بتكون معرفة منظمة,تهتم بالغوص في عمق النص والحفر في مظانه,قصد الاقتراب أكثر من تلمس خصوصياته و أبعاده,ليست باعتبارها وثائق تاريخية أو مضامين اجتماعية جافة,أو أشكال لغوية صماء,ولكن بوصفها نموذجا في الإبداع والخلق الجماليين(….).

5-إن المناهج –رغم ما يبدو عليها من تعارض واختلاف تتكامل,وتتفاعل,و تتناص.ومهمتنا نحن تكمن-أساسا- في استغلال هذه الإمكانات,دون إهمال أي عنصر من شانه أن يضيء معالم النص,فعبر اختراق هذه العناصر كلها,يمكن أن نكشف بنيات النص,ونستوعب مقاصده و إيحاءاته”[33].وهذه الوصفة تبدو شديدة الصلة بالأدبي في الأدب  باعتباره يتضمن بذرة الخلود في النص الأدبي ،ومن ثمة كانت العملية النقدية تستهدف أسرار التأثير الجمالي في تبين اللحظة الجمالية في النص أكثر من البحث عن المضامين باعتبارها ليست إلا مكونا من مكونات هذه اللحظة التي تستشكل المناهج مقاربتها للجمهور الأدبي،وتظل طول الوقت منشغلة بالتنظير لقواعد الوصول إليها،وهكذا يبدو حقا”أن عملية التقويم النقدي ليست عملية أيديولوجية،ودليل ذلك أن النصوص الأدبية الخالدة في مختلف الحضارات الإنسانية،إنما بقيت حية متدفقة بالحيوية،لا لكونها تحمل قيما أيديولوجية،ولو كان الأمر كذلك،لقبرت معلقات الشعر الجاهلي(…)،وهي آية الشعر عند عرب الجاهلية،وإنما الذي يعطي سر خلود الآثار الأدبية راقية هو قيمها الفنية الخالدة المتجددة بتجدد قرائها،وتعدد قراءتها،ثم هل كل الأعمال الأدبية تحمل قيما أيديولوجية؟وهل معظم الشعر العربي القديم شكل على نحو يستجيب لهذه النزوات الفكرية المزعومة؟وهل الحكم النقدي هو حكم أيديولوجي؟ثم أليس من التعسف اعتبار الأحكام النقدية الرصينة الطامحة إلى كشف قيم النص الأدبية من الأحكام الفكرية؟ثم لم هذه الملازمة غير المشروعة بين ما هو فني وما هو أيديولوجي؟ولم يقذف زورا كل ناقد لم يظفر بحاجته من القيم الأيديولوجية في النص-بتوجه أيديولوجي-يصرف النظر عن موضع القيم الفكرية.”[34]

إن الذي يستنتج الدارس من هذه الدراسات النقدية المعاصرة هو الاهتمام بهذه الأزمة التي تعرفها طريقة معالجة الأدب وقراءته رغبة في تشخيصها بدقة وتقديم حل يجد لدى دارسي الأدب الطمأنينة التي تبقي صلتهم بلذة النص الأدبي باعتباره فعالية إنسانية مخالفة للفعالية النقدية، ومعنى ذلك أن النص الأدبي يأتي ليشكل تعويضا عن انعدام التوازن في الواقع ، فإنه يتناول الواقع ويعيد صياغته في شكل فني له خصوصياته الفنية،بينما يقوم عمل الخطاب النقدي  على الجدل بينه وبين النص الأدبي لذلك يكون العمل الأدبي مختلفا عن قراءة الناقد له، وأما أفق الانتظار لدى الجمهور الأدبي المتابع للفعاليتين فهي كما تبين-إدراك اللحظة الجمالية في النص باعتباره يشكل لديه التوازن في البنية الأدبية باعتبارها غير معزولة عن البنية الخارجية برمتها أو كما تقول د.يمنى العيد:”ليس النص داخلا معزولا عن خارج هو مرجعه.الخارج هو حضور في النص ينهض به عالما مستقلا.عالما يساعد استقلاله على إقناعنا به أدبيا متميزا ببنيته,بما هو نسق هذه البنية،هيأتها ونظامها،وعليه فإن النظر في العلاقات الداخلية في النص ليس مرحلة أولى تليها مرحلة ثانية يتم فيها الربط بين هذه العلاقات بعد كشفها وبين ما اسمه الخارج في النص,بل إن النظر في هذه العلاقات الداخلية هو أيضا,وفي الوقت نفسه,النظر في حضور الخارج في هذه العلاقات في النص.”[35]

وتأسيسا على ما سبق تبدو لنا جدية العناية بأزمة الأدب في الدراسات النقدية المعاصرة وأساليب قراءته ،وتبين ذلك في لهجة مختلف الدراسات النقدية العربية التي وقفنا عندها،ويعود السبب الرئيس في ذلك إلى الأهمية التي يعترف بها هؤلاء الدارسون للأدب في المجتمع والثقافات الإنسانية برمتها لاتصاله المستمر بالتجدد الذي تعرفه الحياة في مختلف مراحلها مما هو لصيق جدا  بتطور العقليات البشرية التي يرصدها الفكر،ومن هذا المنطلق تناول د.سعيد يقطين أزمة الدرس الأدبي في كتابه :”الفكر الأدبي العربي”، والذي عمل فيه على تقديم تصور جديد لحل هذه الأزمة من خلال النظر في متغيرات مختلفة،إذ”منذ نهايات التسعينات من القرن العشرين وبدايات الألفية الجديدة بدأت تتعالى بعض الأصوات في الغرب تنادي بأزمة الأدب وبأنه في خطر،ووجدت لها بعض الأصداء في الوطن العربي التي باتت تنادي بدورها بموت النقد الأدبي ونهاية السرديات وانسداد الأفق الأدبي “[36]، وقد جاء ذلك غير منسجم مع المرحلة التاريخية التي تمثل شكلا جديدا في تاريخ الحضارة الإنسانية حيث” تم التجاوب مع مثل هذه الصيحات التي ظهرت في الغرب من خلال العمل على إنهاء حقبة البنيوية التي عرفت في الساحة العربية منذ الثمانينات.وبدأت عمليات التفكير في ما بعد البنيوية تجد صداها في دراسات بعض المشتغلين بالأدب،وكان ل”النقد الثقافي “كما رام الترويج له عبد الله الغدامي أثره البالغ في هذا المسار.وبقي آخرون يشتغلون بالطريقة نفسها في قراءة الأدب وتحليله وتدريسه،يجترون أفكارا وتصورات من حقب متعددة،يجمعون أشتات النظريات الأدبية كما تحصلت لهم من خلال بعض الترجمات المبتسرة والناقصة.وعندما نطلع على جديد الدراسات والمقالات نجدها تشتغل بلا رؤية فكرية أو نظرية.فهي تحلل النص وفق جاهز الانطباعات والتأويلات،وبدون أسئلة معرفية أو إجراءات منهجية”[37].وكأن بنا ونحن نقرأ ذلك ندرك أن لا جدوى- الآن- في أساليب دراسة الأدب التي دأب الدارسون في اتباعها لقراءة الأدب بالنظر إلى المنعطف الجديد الذي دخله الأدب لعوامل متعددة تتصل بالثورة المعلوماتية التي يعرفها العصر،و” بدأت تتغير ملامح الصور التقليدية للأدب وتدريسه وتحليله،لأننا  ببساطة صرنا أمام منعطف جديد في إنتاج الأدب وقراءته وفهمه.لذلك لا عجب أن نجد تودوروف في كتابه” الأدب في خطر” يتحدث عن البنيوية وكيفية تدريس الأدب،في الثانوي والجامعة،ويناقش كل المشاكل التي بات يفرضها هذا الواقع الجديد،لكنه وعلى غرار العديدين من أنصار التصور التقليدي للأدب،بدل أن يلتفت إلى أننا أمام حقبة جديدة وأفكار جديدة،راح يناقش القضايا من منظور بعيد عن روح العصر،لقد ظل الأدب على صلة دائمة بالحياة، وحتى المنظور البنيوي في رأيي،ظل مهتما بالحياة،بربطه إياه باللغة،وبطريقة إنتاج الفن والجمال،وكذلك بفهم بنياته وطبيعته،ولذلك يمكننا أن نستنتج أن ليس ” الأدب في خطر”،ولكن التصور الكلاسيكي للأدب والفن هو الذي بات،فعلا،في خطر؟وليس من معنى لل”خطر”هنا غير التبدل والتحول”[38].وكأي باحث مسؤول حاول د.سعيد يقطين أن يوجه إلى  جدوى التجاوب مع هذا التحول في الأدب،والذي أصبح أكثر تجاوبا مع العقليات الجديدة في المراكز  الثقافية والإعلامية الحساسة في المجتمع العالمي بأجمعه،يقول:”هذه هي  الإشكالية التي نركز عليها في هذا الكتاب .نريد أن نقف على هذا المنعطف الأدبي الجديد لنفهمه في سياق التحولات الكبرى التي شهدها العصر الجديد.كما أننا من خلال ذلك نروم إعادة صياغة تصورنا للأدب منذ عصر النهضة إلى الآن،سواء في الآداب الغربية أو آثارها على الفكر الأدبي العربي،لتكون لنا رؤية تاريخية للتطور نفهم بمقتضاها كيف تطورت الأدبية (عالميا)،ومدى انعكاسها على تصورنا للأدب وآليات تفكيرنا فيه،لتصحيح المسار،وتغيير الرؤية،واستشراف آفاق جديدة للمستقبل”[39].

يبدو إذن، أن هذه المحاولات تستهدف إنتاج المنهج القادر على درس الأدب دراسة تنسجم مع مكانة الأدب في تمثلاتنا العربية،عن دوره في الحياة،عن علاقته بالآداب العالمية،عن متطلبات العقلية الجديدة للقارئ، و” بدون الانطلاق من هذا التصور في فهم الأدب، لا يمكن لتاريخ فكرنا الأدبي الحديث إلا أن يظل قائما على الانقطاع، وفي كل حقبة أدبية جديدة نجدنا ننتقل إليها بدون تصور محكم أو موقف مضبوط،فيظل فكرنا الأدبي قاصرا على المستوى الجامعي والمدرسي والإعلامي والحياتي،وبذلك يقصر الأدب عن لعب الدور الأساس في الحياة العربية لأننا لم نجذر فهمنا له في سياقاته المختلفة وتطوراته المتباينة”[40].ومن أجل ذلك اختار د.سعيد يقطين أن يسمي هذا التناول للأدب  بمفهوم الفكر الأدبي قائلا”أرى قبل إنهاء هذا التمهيد،توضيح عنوان الكتاب:لقد استعملت “الفكر الأدبي” العربي، وليس النقد الأدبي،لأني أرى أن”النقد الأدبي” قاصر عن الإلمام بكل ما يتعلق بالتفكير في الأدب (باعتباره إبداعا) وبالاشتغال به،لأنه يتصل بجزء بسيط من التفكير والممارسة المتصلين بالأدب.ولذلك أرى من الضروري استجماع مختلف أنماط التفكير في الأدب وممارسة التطبيق عليه في مفهوم عام وجامع هو”الفكر الأدبي”.لم أستعمل النظرية الأدبية،ولا النقد الأدبي،ولا العلم الأدبي،و لا فلسفة الأدب،و الدراسات الأدبية،لأني أرى أن الفكر الأدبي يجب أن يتسع لكل هذه الممارسات لأنها جميعا وليدة صيرورة من التفكير في الأدب وتحليله وتفسيره وتقويمه وتأويله،على ما بينها من اختلاف وتكامل.وبذلك يمكن أن يغدو الفكر الأدبي ذا تاريخ هو تاريخ التفكير في الأدب من أقدم العصور إلى الآن”[41].وقد شرح تصوره لهذا المفهوم من خلال أبواب  وفصول الكتاب التي يراها محققة لغايات طرحه للتناول الجديد للأدب في الفكر الأدبي العربي، ومما قاله في التقديم لذلك،”(و) لتحقيق هذه الغايات جعلنا الباب الأول من ثلاثة فصول.خصصنا الفصل الأول لطرح أزمة الدراسات الأدبية الحديثة كما تتردد في الكتابات الأجنبية، بينما جاء الثاني محاولة  منا لرصد التحولات الكبرى التي عرفها الفكر الأدبي الغربي في أوروبا وأمريكا،في التاريخ الحديث،منذ القرن التاسع عشر إلى الآن(…)أما الثالث فجاء تدقيقا واستكمالا للفصل الثاني من خلال توقفه على ثلاث حقب كبرى تحقق من خلالها الانتقال من “التيمات” إلى “البنيات” إلى “الأنساق”(…)وفي الباب الثاني حاولنا الوقوف على “الرؤية الأدبية” العربية الحديثة تحت تأثير اتصالها بالنقد الغربي،من جهة،أو عبر تفاعلها مع التراث النقدي العربي،من جهة ثانية،(…)أما الباب الثالث فجعلناه خاصا للتطبيق أو “الممارسة النقدية”، وهي تشتغل بالنص الأدبي العربي،من خلال الانطلاق من بعض النماذج فقط،لاستخلاص آثار تلك الرؤية الأدبية على الممارسة النقدية.وختمنا بتركيب عام نستجمع فيه كبريات الإشكالات والقضايا المتعلقة بالفكر الأدبي فاتحين إياها على المستقبل بهدف تطوير رؤيتنا وممارستنا وتفاعلنا مع الفكر الأدبي العربي القديم والغربي المعاصر،من جهة،ومع الإبداع العربي في مختلف صوره وأشكاله”[42].

وبهذه الإشارة نكون قد وقفنا عند آخر دراسة في سياق حديثنا عن انشغال الدارسين العرب بالفوضى المنهجية في دراسة الأدب في سبيل محاولتهم تبين الطريق الأسلم لقراءة خصوصية الإبداع الأدبي العربي الذي يمتاح من تراث بلاغي في التأثير وصناعة الجمال،ويتطلع على الدوام للانفتاح على الجديد من أفكار الأمم وثقافاتها.

6- الخاتمة:

اتضح مما سبق أن هذا البحث سعى إلى الوقوف على جملة من القضايا تخص أهمية المنهج في القراءة النقدية للنص الأدبي،ومن ذلك:

-إبراز أهمية المنهج في اكتشاف الحقيقة العلمية، مع التعريف بالمنهج وانشغال الدارسين ببيان دوره في تقدم المجتمعات،مع الوقوف على فقدان الروح المنهجية في الثقافة العربية المعاصرة التي لا تعدم في تاريخها العلمي الاستناد إلى هذه الروح في البحث العلمي،الشيء الذي جعل الدارسين والمفكرين والنقاد العرب المعاصرين يعنون بملاحقة الثورة المنهجية التي تعرفها الثقافة الغربية المعاصرة،وتحميس أبناء الثقافة العربية لتمثلها.

-  العمل على إبراز العوامل المختلفة التي ساهمت في الثورة المنهجية التي عرفها الدرس الأدبي، ولاسيما التطور الذي عرفته مناهج دراسة اللغة، والعلاقة بين ذلك وبين تغير النظر إلى مفهوم النص الأدبي،الشيء الذي جعلنا لا نغفل عن الإشارة إلى مفهوم النص الأدبي في التراث النقدي العربي الذي  يحتفظ له النقاد المعاصرون بالمكانة المتميزة،والتي تجعلهم ينادون بربط جسور  التواصل  معه باستمرار في أفق التنظير لمنهج نقدي عربي لمقاربة خصوصية الإبداع الأدبي العربي المنفتح باستمرار على الثقافات العالمية.

  • أن متابعة تجليات التحولات اللغوية الحديثة في دراسة الخطاب الأدبي العربي قد جعلتنا نستنتج أن الساحة الأدبية العربية عموما قد استشعرت الأهمية الشديدة في الاطلاع على تلك التحولات نظرا للمسافة الكبيرة التي قطعتها في مجال معرفة الخطاب الأدبي،وآليات إنتاجه،وقوانين تحليله وإدراكه وفهمه لاستفادة علم النص من نتائج البحث اللغوي والسيميائي والأسلوبي،وظهور الكثير من المفاهيم والنظريات في مجال النقد نتيجة الاشتغال على النصوص الأدبية المختلفة،الشيء الذي أوضح المسؤولية الكبيرة في مجال إنتاج الأدب وتحليله،هذه الرؤية التي لم نعدم لها مثيلا في الدرس الأدبي التراثي .
  • تميز الكتابات النقدية العربية المعاصرة بالجدية في تشخيص الأزمة المنهجية التي تعرفها دراسة الأدب،ومن أجل ذلك عملت هذه الدراسات في جل تناولها للأزمة بالعمل على تقديم حلول تعمل على تطوير رؤية دارسي الأدب وإكسابهم مصطلحات ومفاهيم علمية للنظر الأدبي في النصوص دون القطع بأنها وحدها القادرة على الوصول إلى خصوصية الإبداع الأدبي العربي.وقد تتبعنا ذلك من خلال بعض الدراسات التي أفضى بنا بعضها إلى الوقوف على مميزات المرحلة الراهنة التي أصبحت تستدعي نظرا يقوم على مواصفات جديدة لمقاربة الأدب تنسجم مع الثورة المعلوماتية التي جاء ت بها الألفية الثالثة.

المصادر والمراجع:

  • أبوديب(كمال):جدلية الخفاء والتجلي،دار العلم للملايين،ط1981.
  • أديوان(محمد):النص والمنهج،منشورات دار الأمان،الرباط،1427/أكتوبر) 1988-صفر1408.
  • بدوي(أحمد أحمد):أسس النقد الأدبي عند العرب،دار نهضة مصر للطبع والنشر،الفجالة- القاهرة.
  • جاكبسون :قضايا الشعرية،ترجمة محمد الولي ومبارك حنون دار توبقال ،للنشر،الدار البيضاء،المغرب ،ط 1988.
  • جسوس(عبد العزيز):خطاب علم النفس في النقد الأدبي العربي الحديث،المطبعة والوراقة الوطنية بمراكش،ط1،2006.
  • الرديني( محمد علي عبد الكريم):فصول في علم اللغة العام،دار الهدى،عين مليلة- الجزائر.
  • سعيدان(احمد سليم):مقدمة لتاريخ الفكر العلمي في الإسلام، سلسلة عالم المعرفة ع131، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت، مطابع الرسالة.
  • الطالب (عمر  محمد)   :مناهج الدراسات الأدبية الحديثة،دار اليسر للنشر والتوزيع،الدار البيضاء،ط1،1988.
  • فضل( صلاح):مناهج النقد المعاصر(الفصل السادس :علم النص)، أفريقيا الشرق.
  • العيد (يمنى):في معرفة النص،منشورات دار الآفاق الجديدة،بيروت،ط1،1403-1983.
  • مسكين(حسن):مناهج الدراسات الأدبية الحديثة من التاريخ إلى الحجاج،مؤسسة الرحاب الحديثة للطباعة والنشر،بيروت،ط1،2010.
  • يقطين (سعيد):. الفكر الأدبي العربي (البنيات والأنساق)، منشورات دار الأمان ،الرباط منشورات الاختلاف ،الجزائر،منشورات ضفاف ،بيروت،ط1،1435- 2014.

 

مراجع أجنبية:

_julia kristiva :recherches pour une sémanalyse .coll.points-ed:seuil 1969-paris.  -1

 

المجلات  والمحاضرات:

1-حوليات كلية اللغة العربية،العدد الثالث عشر 1420 /1990،المطبعة والوراقة الوطنية بمراكش.

2- مجلة عالم الفكر العدد2المجلد33 أكتوبر-ديسمبر2004.

3- مجلة الوحدة(عدد خاص عن النقد والإبداع العربي)،س5،ع49،تشرين الأول(أكتوبر) 1988-صفر1408.

4-محاضرات في مادة النقد الأدبي الحديث،كلية اللغة العربية،جامعة القرويين،المغرب،السنة الجامعية :1987-1988.

 

[1] – د. (سعيدان)  أحمد سليم:مقدمة لتاريخ الفكر العلمي في الإسلام، سلسلة عالم المعرفة ع131، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت، مطابع الرسالة، ص:19-20.

[2] – د. (بدوي):أحمد أحمد:أسس النقد الأدبي عند العرب،دار نهضة مصر للطبع والنشر،الفجالة- القاهرة،ص:9- 10.

[3] – انظر :د.(الرديني)محمد علي عبد الكريم :فصول في علم اللغة العام،دار الهدى،عين مليلة- الجزائر،ص:68- 70.

[4]   – د.  الحلوي)عبد العزيز :تداخل النص الأدبي القديم مع سائر فنون المعرفة في التراث العربي الإسلامي،حوليات كلية اللغة العربية،العدد الثالث عشر 1420 /1990،المطبعة والوراقة الوطنية بمراكش،ص:124-134.

[5] -د.(اليوسف)يوسف سامي  :النقد العربي،آفاقه وممكناته،مجلة الوحدة(عدد خاص عن النقد والإبداع العربي)،س5،ع49،تشرين الأول(أكتوبر) 1988-صفر1408،ص 10.

[6] – (أديوان)محمد:النص والمنهج،منشورات دار الأمان،الرباط،1427/2006،ص:65.

[7] -د(مسكين) حسن.:مناهج الدراسات الأدبية الحديثة من التاريخ إلى الحجاج،مؤسسة الرحاب الحديثة للطباعة والنشر،بيروت،ط1،2010،ص 70.

[8] -جاكبسون :قضايا الشعرية،ترجمة محمد الولي ومبارك حنون،دار توبقال للنشر،الدار البيضاء،المغرب ،ط 1988،ص:19.

[9] -د.(حلي)عمر  :محاضرات في مادة النقد الأدبي الحديث،كلية اللغة العربية،جامعة القرويين،المغرب،السنة الجامعية :1987-1988،ص8.

[10] _julia kristiva :recherches pour une semanalyse.coll.points-ed:seuil 1969-1.p:10

[11] – نفسه،:6.

[12] -أنظر :د. (فضل)صلاح:مناهج النقد المعاصر(الفصل السادس :علم النص)، أفريقيا الشرق ، ص :127-136.

[13] - د (عدمان).عزيز: قراءة النص الأدبي في ضوء فلسفة التفكيك مجلة عالم الفكر العدد2المجلد33 أكتوبر-ديسمبر2004،ص:49.

[14] – (أديوان)محمد :النص والمنهج(مذكور)،ص:103.

[15] –  (أديوان)محمد :النص والمنهج(مذكور)،ص:102.

[16] – د.(مسكين)حسن :مناهج الدراسات الأدبية(مذكور):36.

[17] – د.(الطالب)عمر  محمد :مناهج الدراسات الأدبية الحديثة،دار اليسر للنشر والتوزيع،الدار البيضاء،ط1،1988،ص:35.

[18] – د. (مسكين)حسن:مناهج الدراسات الأدبية(مذكور)،ص:9.

[19] – د.-(جسوس)عبد العزيز :خطاب علم النفس في النقد الأدبي العربي الحديث،المطبعة والوراقة الوطنية بمراكش،ط1،2006،ص:5-6.

[20] – د.(مسكين)حسن:مناهج الدراسات الأدبية(مذكور)،ص:7-9.

[21] – (أديوان)محمد :النص والمنهج(مذكور)،ص:117-118.

[22] – انظر على سبيل التمثيل الكتب المعتمدة في هذه الدراسة،ومنها :كتاب النص والمنهج.وكتاب مناهج الدراسات الأدبية الحديثة من التاريخ إلى الحجاج.

[23] -د.(العيد)يمنى  :في معرفة النص،منشورات دار الآفاق الجديدة،بيروت،ط1،1403-1983،ص16-17.

[24] – نفسه :21.

[25] – د.(العيد)يمنى :في معرفة النص:(مذكور)،ص:21-22.

[26] – نفسه :20.

[27] -د.(فضل)صلاح  :مناهج النقد المعاصر(مذكور)،ص:127

[28] – د.(فضل)صلاح  :مناهج النقد المعاصر(مذكور)،ص :22-23.

[29] – د.(مسكين)حسن :مناهج الدراسات الأدبية(مذكور)،ص:8

[30] – د.(أبوديب)كمال:جدلية الخفاء والتجلي،دار العلم للملايين،ط1981،ص:7-8.

[31] -د(مسكين)حسن  :مناهج الدراسات الأدبية(مذكور)،ص:94.

[32] -د.(أبوديب)كمال :جدلية الخفاء والتجلي(مذكور)، ص :15.

[33] – د(مسكين)حسن  :مناهج الدراسات الأدبية(مذكور)،ص:11-13.

[34] – د.(عدمان)عزيز: قراءة النص الأدبي في ضوء فلسفة التفكيك (مذكور) ،ص:65- 66.

[35] – د.ي(العيد):في معرفة النص(مذكور)،ص:12.

[36] – د.(يقطين)سعيد  : الفكر الأدبي العربي (البنيات والأنساق)، منشورات دار الأمان ،الرباط منشورات الاختلاف ،الجزائر،منشورات ضفاف ،بيروت،ط1،1435- 2014، ص:9.

[37] – نفسه.9-10.

[38] – د.(يقطين)سعيد  : الفكر الأدبي العربي (البنيات والأنساق)(مذكور)،ص:14.

[39] – : د.(يقطين)سعيد  : الفكر الأدبي العربي (البنيات والأنساق)،(مذكور)،ص:15.

[40] – نفسه:15.

[41] – د.(يقطين)سعيد  : الفكر الأدبي العربي (البنيات والأنساق)،(مذكور)، ص :17-18.

[42] – :15 نفسه: 16.


Updated: 2018-02-03 — 22:29

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme