النّصوص الأسطوريّة بين التّراث الشّعبي و المعتقدات الدّينيّة Mythological texts between the popular heritage and religious doctrine


 

النّصوص الأسطوريّة بين التّراث الشّعبي و المعتقدات الدّينيّة

Mythological texts between the popular heritage and religious doctrine

الأستاذة : د. رتيبة حميود، المدرسة العليا للأساتذة بوزريعة الجزائر العاصمة. الجزائر

Professor : Dr.Ratiba HAMIOUD  High school of teachers Bouzareah Algiers  

مقال منشور في  مجلة جيل الدراسات الادبية والفكرية العدد 61 الصفحة 111.

     

الملخص :

     ارتبطت الأسطورة بالإنسان الأوّل و هو يعيش  حياته البدائيّة، عندما كان يمارس الطقوس الدينيّة و السّحر، و كان يحاول من خلالها تقديم تفسيرات لكل ما يحيط به من الكون و الطبيعة ، و أخذ يسنّ الشّرائع و القواعد و القوانين و المبادئ الأخلاقيّة الواجب إتباعها و السّير على نهجها ،  فأسفر عن نصوص استطاعت أن تؤدي وظائف عديدة و تمكنت من اختراق الأبعاد الزّمانيّة و المكانيّة ، لتصلنا مفعمة بكل ما هو قدسي ، و يتّخذ منها الباحث المعاصر في مختلف التّخصّصات و الميادين أرضية خصبة و أرشيفا  للتّراث الشّعبي العالمي  تعكس بصدق صورة المجتمع البدائي الأوّل بكل تفاصيله .

الكلمات المفتاحيّة : الأسطورة ، الحياة البدائيّة ، الطقوس  الدينية.

Abstract :

The legend was related to the first man who lived his primitive life , when he practiced religious rituals and magic , and was trying to give explanations for all that surrounds him of the universe and nature , and to adopt and follow the ethical principles , and to follow them , leading to texts that were able to perform many functions and managed to penetrate the temporal and spatial dimensions of our imagination , taking a piece of all that the contemporary researcher in different specializations and fields that truly reflect the primitive world heritage.

Keywords: legend, primitive life ,religious rituals .

مقدمة

    ارتبطت كلمة الأسطورة بالحياة الأولى للإنسان ، أو كما يطلق عليها العديد من الباحثين  بدائيّة البشر ، عندما كانوا يمارسون الطقوس الدّينيّة و السّحر ، في محاولة ميتافيزيقيّة لتفسير ما يحيط بهم من الطّبيعة و الكون ، فالإنسان مخلوق مفكّر بطبيعته  كما يقول كلود ليفي ستروس ” Claude Levi-Strauss “: ( إنّ الإنسان قد فكّر منذ القدم في مثل حسن تفكيره اليوم )[1] . و من ثمّ  يبدو أنّ الإنسان الأوّل قد شغل فكره لتفسير ما يحيط به ، و تعليل الظّواهر الطّبيعيّة التي لازمت حياته .

    الإشكالية:

   هل وجدت الأسطورة لممارسة المعتقدات و الطقوس الدينية ؟ أم أنّها وضعت من أجل تفسير و تعليل الظواهر الكونيّة المتباينة المحيطة بالإنسان؟

    منهجية البحث:

   يتتبع البحث المنهج الوصفي التحليلي ، و يعرض مصطلح الأسطورة و يفسّر و يناقش وجودها ، مستخلصا النتائج اللّازمة ، و التي تساهم في إثراء الموضوع مستقبلا.

   1- تعريف الأسطورة:

    و تأخذ كلمة الأسطورة معنى متفقا عليه في جلّ المعاجم العربيّة على أنّها :( أحاديث لا نظام لها …و سطّر علينا أتانا بالأساطير…و يقال سطّر علينا فلان يسطّر إذا جاء بأحاديث تشبه الباطل .   يقال : هو يسطّر ما لا أصل له أي يؤلّف … يقال سطّر فلان إذا زخرف له الأقاويل و نمّقها ، و تلك الأقاويل الأساطير)[2]. و بذلك فإنّ كلمة الأساطير ترتبط بكل ما هو خيالي يبتعد عن الواقع و منطق الحياة التي يعيشها الإنسان .

    2- نشأة الأسطورة بين التراث الشّعبي المعتقدات الدينيّة:

     يرى العديد من الباحثين في ميدان الأسطورة ، أنّها لم تنشأ من أجل الحصول على إجابات أوجدها فضول علمي    أو فلسفي ، بل هي معتقدات و ممارسات تبنى عليها المجتمعات البدائيّة ، و هذا يشرحه رأي  الباحث ليفي برول  ” Levy-Bruhl ” : (  لم تنشأ الأساطير و الطقوس الجنائزيّة  و عمليات السّحر و الزّراعة _ فيما يبدو_ عن حاجة الرّجل البدائي إلى تفسير الظّواهر الطّبيعيّة تفسيرا قائما على العقل ، لكن هذه نشأت استجابة لعواطف الجماعة القاهرة )[3] .

    و هذا يبرز أنّ الأساطير هي أقدم مصدر للمعرفة الإنسانيّة ، و الصّورة الحيّة لوجدانها . تعكس حياتها بجميع مناحيها و تصوّر خريطتها الحضاريّة بكلّ أبعادها الزّمانية و المكانيّة ، إنّها (  علم مبكر ، نتيجة محاولة الإنسان الأولى ليفسر ما يرى حوله )[4] .

     إنّ الأساطير تعكس جهود البشر في فهمهم للظّواهر الطبيعيّة و الكون ، و هي كذلك كما عبّر عنها مالينوفسكي   ” Malinowski” : ( إحياء قصصي لواقع فطري ، يروى استجابة لنزعات دينيّة عميقة، و ميولات أخلاقيّة و ارتباطات عاطفيّة . فهي تقوم من الثّقافة البدائيّة بوظيفة لا غنى عنها )[5].

    يبدو أنّ النّصوص الأسطوريّة قد ارتبطت بشكل واضح بالمعتقدات الدّينيّة والسّمات الأخلاقيّة للمجتمعات الأولى بل هي المرآة الصّافية للطّقوس التي كانت تمارسها البشريّة في بدايات حضاراتها البائدة و السّائدة منها ، تشرّع القوانين    و تسنّ القواعد العمليّة للإنسان ( فهي تعبّر عن المعتقدات وتسمو بها، وتقنّنها و تحفظ المبادئ الأخلاقيّة و تفرضها كما تضمن نجاعة الاحتفالات الطّقوسيّة، و توفّر للإنسان قواعد سلوكه العمليّة )[6].

   بل إنّها تذهب إلى أبعد من ذلك ، فهي تشكّل نصّا قدسيّا ينفرد بتعليل وجود الإنسان و الكون يستند عليه البشر لفهم الكون و معنى الخلق و يقرّ ميرسيا إلياد ( أنّ الأسطورة خطاب يحكي تاريخا مقدّسا كان في بدء الزّمان ، و يهتمّ هذا التّاريخ برواية وضع كوني جديد ، أي كيف حدث شيء ما، وكيف بدأ يكون ، وهذا الخطاب يكشف كذلك سرّ الخلق لماذا أنشيء الكون  ولماذا خلق الإنسان)[7].

   إنّ الأسطورة بهذا المفهوم خطاب يشبه القصّة ، كونها تتّبع نظام السّرد المعروف من بداية  وتأزّم في الأحداث  ثمّ نهاية ، بقيت حيّة بين النّاس كأي عنصر تراثي تمكن من أداء بعض الوظائف التي تساير مناحي الحياة ، أهمّها: التّاريخيّة و الدّينيّة و الاجتماعيّة و النّفسيّة فهي تضمّ نصوصا كثيرة ( حاملة لأفكار دينيّة و فلسفيّة و أخلاقيّة، إذا ما فككنا طلاسمها تحصّلنا على ثروة من المعارف تساعدنا على فهم الإنسان أكثر )[8].

   و الأسطورة بذلك لهجة تواصل بين البشر استطاعت أن تخترق الأبعاد الزّمانيّة و المكانيّة  لتصل إلينا اليوم مفعمة بالحياة ( إنّها من إنشاء تأملات الجماعة و خلاصة حكمتها و عصارة ثقافتها ، و من ثمّ حضورها الدّائم بيننا رغم اختلاف الحضارات و تباين الثّقافات، خاصّة في بعض المناسبات المتجدّدة بطريقة دوريّة تذكيرا بما حدث في البدء لذلك فالأسطورة لا تقصّ عمّا جرى في الماضي و انتهى ، بل عن أمر ماثل أبدا يتحوّل إلى ماض )[9].

    لقد تغنّى الشّاعر اليوناني الضرير هوميروس بأبطال هذه الأساطير و مجّدهم ، و خلّد أسماءهم في شعره الملحمي الذي ( كان يحلّ محلّ التّاريخ لأقدم عصور الشّعب اليوناني القديم . فبمجرّد أن أخذ المجتمع يعي ماضيه رأيناه يحرص على تدوينه في صورة الملاحم الشّعريّة ، و كان هذا التّاريخ لتلك العصور الموغلة في القدم يختلط عندئد بالأساطير ، أي أنّ الحقائق التّاريخيّة كانت تتّخذ طابعا أسطوريّا غذّاه الخيال البدائي بعجائب الأمور و غرائبها عن طريق المبالغة و التّهويل حينا ، و عن طريق التّخيّل و التّهويم حينا آخر )[10].

    ونحى فن المسرح عند اليونانين القدماء منحى الملاحم في تجسيد شخصيات المسرحيّة اليونانيّة و التي : ( لم تعد مقصورة على أسطورة الإله ديونيزوس، بل اتسعت آفاقها فأخذت تستخدم كوسيلة لتجسيد أساطير جميع الآلهة من صراع أو ما يجري بينهم و بين البشر )[11].

   وكان بذلك لأبطال الأساطير حظا وافرا في المسرح الإغريقي على غرار ما لقيته في الإلياذة والأوديسة لهوميروس ، كما أنّ الأسطورة كانت من أهم المحاور التي عني بها الفن المسرحي عند المصريين القدماء حيث ( كانت أسطورة أوزيريس إله الخير و الخصب و النّماء ، و ما كان بينه وبين أخيه إله الشّر ” ست ” من صراع عنيف )[12].

   و أغلب الأساطير التي نعرفها اليوم ، تنطلق ممّا خلّفه الشّاعر اليوناني هوميروس في ملحمتيه الإلياذة والأوديسة ، و الذي كانت حياته أسطورة في حد ذاتها يتناقلها الشعب اليوناني و اختلف في ضبطها الباحثون و النّقاد حيث ( يعتقد أنّه عاش قبل المسيح ليس بأكثر من ألف  سنة )[13].

   صنع الإغريق لأنفسهم نظاما خاصّا و معتقدا فريدا ، يصوّر الآلهة بنماذج لا يمكن أن تجول في عقل الإنسان، فهي لا تقترب من الواقع الذي يعيشه الإنسان ىولاتشبهه ، و في المعتقدات الأخرى المحيطة بها كمصر مثلا ، توجد التّماثيل الضخمة التي تختلف أشكالها بين أنصاف البشر والحيوان كتمثال أبي الهول ، أو ما كان عند البابليين من أشكال حيوانيّة لا تقترب من الصّور الحقيقيّة للحيوانات الموجودة .

    و مع  ذلك الانتشار الواسع للأساطير عند الإغريق ( تكونت الميثيولوجيا اليونانيّة من قصص عن الآلهة و الآلهات ، لكن يجب ألّا تقرأ كنوع من التّوراة اليونانيّة كنوع من الدّيانة اليونانيّة حسب الفكرة الحديثة . لا تؤثر الأسطورة الحقيقيّة على الدّين إنّها تفسّر لشيء  في الطبيعة كيف _ على سبيل المثال _ انطلق في الكون هذا الشّيء أو ذاك )[14].

   إنّ الأفعال التي كانت تصدر عن الآلهة في مناسبات متغيّرة ، تعبّبر عن انفعالات تتأرحج بين الغضب و الهدوء       و السّخط و الرّضا ، و العقاب و المكافئة ، هي التي تحدث كل تلك الظّواهر الطّبيعيّة من أمطار و رعود و برق و رياح تعصف ، و صواعق تضرب الأرض و هيجان البحر وغيرها.

     جاء _ بعد ذلك كلّه _  القرآن الكريم ، ليضع منهاجا متكاملا لحياة الإنسان و يرسم له طريقا مضبوطا مستقيما يسير عليه ، و شكّل بذلك خلاصة ما سبق من الكتب السّماويّة التي نزلت قبل مجيء الرّسول _ صلى الله عليه و سلّم _ كخاتم للأنبياء و الرّسل كلّفه الله عز و جلّ بوساطة من جبريل _ عليه السّلام _ بتبليغ الرّسالة المتمثّلة في النّص القرآني دستور الحياة الذي يجمع كلّ ما تناثر ممّا سبق و يمنع كلّ ما هو آت بعده .

     ذكرت الآيات القرآنيّة في سبع سور من القرآن الكريم مصطلح الأساطير مقرونا بلفظ الأوّلين  و هذا يدلّ على أنّ النّصوص الأسطوريّة قديمة قدم الإنسان نفسه ، كان يعرفها العربي و الأعجمي و يعرف ما جاء فيها حيث اتّهم أهل قريش الرّسول _ صلّى الله عليه و سلّم _  بالنّسج على منوالها و الإتيان بخطاب يماثلها لأنّها لم تكن نهجهم في حياتهم الوثنيّة .

    جاء في سورة الإنعام قوله عزّ و جلّ : ( وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إلَيكَ وَ جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهْم أكِنَّة أنْ يفقَهُوه ُو فِي آذانِهَم وَقْرا ، و إنْ يَرَوا كلَّ آيَةٍ لاَ يُؤمِنُوا بِها حَتى إذَا جَاءوكَ يُجَادلوك يقول الذِين كَفَرُوا إنْ هَذَا إلّاَ أسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)[15].

    و لقد ورد معنى الآية الكريمة فيما فسّره الطبري : ( يقول الذين جحدوا آيات اللّه ما هذا إلّا خرافات و أباطيل الأوّلين )[16].

    إنّ الأسطورة بهذا المفهوم ماهي إلّا قصص الأوّلين تداوله الكهان و رجال الدّين في كتبهم حتى وصل إلى الرّسول _ صلّى اللّه عليه وسلّم _ و هذا ما دلت عليه الآية الكريمة في قوله تعالى : ( و قَالُوا أسَاطِيرُ الأوَّلينَ اكتَتبَها فَهِي تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً )[17].

    و المقصود بذلك الكتب الدّينيّة التي سبقت القرآن الكريم ، و في ذلك يقول الطّبري في تفسيره لمعنى الآية : (أحاديث الأوّلين اكتتبها من يهودا )[18].

     هؤلاء الذين يروون تاريخا مقدسّا يتكلّم عن وقائع فعليّة قامت بها كائنات خياليّة و غريبة  قدمت مآثر خالدة في أزمنة غابرة  على شكل نصوص أسطوريّة (   تتحدّث عن أفعال الكائنات الخارقة و عن تجليات قدرتها المقدسة لهذا باتت النّموذج المثالي لمجمل الأنشطة الإنسانيّة ذات الدّلالة  و المعنى )[19].

    و كانت  الأساطير تلازم المعتقدات الدّينيّة ، بل تشكّل العنصر المحوري و الأساسي فيها إلى أن أثبتت الآيات القرآنيّة المكانة الحقيقيّة للنّصوص الأسطوريّة بأنّها إنتاجات بشريّة ممزوجة بمخلّفات قدسيّة أعطت لها قواعد و أسسا مضبوطة عن خلق الكون و الذّات الإلاهيّة لتترك الخيال الواسع للعقل البشري يعثو فيها كما يشاء فتخرج على هذه الشّاكلة .

 و هذا مادلت عليه الآية الكريمة في قوله تعالى : ( لَقَدْ وَ عِدْنَا نَحْنُ وَ آبُاؤُنا مِنْ قَبْلُ إنْ هذَا إلَّا أَسَاطِيرُ الأَوّلينَ)[20].

 و يقول الطبري في تفسيره للآية : ( ما هذا إلّا خرافات الأوّلين سطّروها في كتبهم لا صحّة لها و لا حقيقة )[21].

 و جاءت الآية المشابهة لها في قوله تعالى : (  لَقَدْ وُعِدْنَا هذا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَٰذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)[22].

   وهي تؤكد المعنى السّابق ، الذي يضع ما كتبه الأوّلون في خانة الأعاجيب و الروايات الخرافية ثبّتوه في كتبهم ونصت عليها معتقداتهم ، و لكّنها لا تمت بصلة للواقع الذي يعيشه البشر حتى نزول القرآن حينذاك.

    ونفس المعنى يرد في الآية الكريمة في قوله عزّ و جلّ : ( وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)[23].

     ويضرب اللّه لنا فيها مثل الذي جاهداه والداه في أن يؤمن بالبعث و الحساب و العقاب  وبأنّ وعد الله الذي وعد خلقه أنه باعثهم من قبورهم حق لا ريب فيه ،  و وقوفهم أمام اللهّ تعالى للحساب على أعمالهم الدنيويّة حقّ لا شكّ فيه، فيقول هذا الابن العاق المكذّب  مجيبا لوالديه وردًّا عليهما نصيحتهما ، أنّ كلّ ما تقولانه مجرد خرافات و أباطيل مرّت على أمم سابقة و حضارات إنسانية بائدة ، و لكّنها لم تك شيئا صحيحا ، و مسألة البعث هي كلام سطّره السّابقون و ذكروه و أسهبوا في تفصيلاته قاصدا بذلك النّصوص الأسطوريّة .

   و تعدّد ذكر كلمة الأساطير الذي اقترن بالإنسان الأوّل في العديد من الآيات القرآنيّة و من ذلك ما جاء في  قوله تعالى : ( وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا  إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ )[24].

    و اتفقت جلّ التّفاسير على الرّواية التي نزلت في حقّها الآية الكريمة ، هو أنّ رجلا في قريش تمادى و اعتدى على القرآن الكريم و كلام اللّه عزّ و جلّ و قارنه بما كان يسمعه من أساطير جاء بها من خارج البلاد العربيّة في رحلاته إلى الفرس و الرّوم ، فكان كلّما تكّلم الرّسول _صلى الله عليه و سلّم _ بما أوحي إليه من السّماء ، جاء خلفه و تكلّم بما قصّ عليه من قصص و أساطير الرّوم و الفرس و تباهى بها بأنّها أحسن ممّا يسمعون عن النّبي الكريم _عليه الصّلاة و السّلام_ .

    و قد قيل : إن القائل لذلك هو النضر بن الحارث – لعنه الله – كما قد نص على ذلك ما ورد في السّيرة         النبويّة :( و كان النّضر بن الحارث من شياطين قريش ، و ممّن كان يؤذي رسول الله _ صلى الله عليه و سلّم_ وينصب له العداوة ، و كان قد قدم الحيرة و تعلّم بها أحاديث ملوك الفرس ، و أحاديث رستم و اسفنديار ، فكان إذا جلس رسول الله _صلّى الله عليه و سلّم_ مجلسا فذكر فيه الله ، خلفه في مجلسه إذا قام، ثمّ قال : أنا و اللّه يا معشر قريش أحسن حديثا منه ، فهلمّ إلىّ ، فأنا أحدّثكم أحسن من حديثه ، ثمّ يحدّثهم عن ملوك فارس، و رستم واسنفديار، ثمّ يقول : بماذا محمّد أحسن منّي ؟)[25]

     لقد ارتبط لفظ الأساطير فيما ورد في الآيات القرآنية بالأباطيل و كل ما تحمله من الخرافات و الخيال ، فهي الأكاذيب التي عاش بها الإنسان الأوّل ، و لهذا قابل كفّار قريش كلام اللّه عزّ و جلّ بهذه المقارنة للتّعبير عن عدم تصديقهم لما يتلوه الرّسول _ صلى الله عليه و سلم_ من سور القرآن الكريم ، بل  ذهبوا إلى أبعد من ذلك عندما ادّعوا القدرة على الإتيان بمثل هذه الخرافات و النّسج على منوالها لو كانوا يريدون .

   و كلّما جاءهم الرّسول _ صلّى الله عليه وسلّم_ بالمزيد ممّا كان يوحى إليه كانوا يتعنتون ويزدادون تمرّدا و تكذيبا و رفضا للاعتراف بأنّ هذه الكلمات ليست من تأليف البشر لقوله تعالى : (وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ  قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ )[26].

    إنّ حديثنا عن النّصوص الأسطوريّة و تتبع الفترات الزمنيّة التي عبرتها، والأماكن التي سيطرت فيها على عقول البشريّة ، جعلنا ندرك أنّ الإنسان حاول منذ البداية أن يجد مسلكا صحيحا و طريقا سويّا و صراطا مستقيما يسير عليه و أنّه كان ينسج لنفسه ما استطاع عقله أن يتصوّره و تمكّن تفكيره من تحليله ، و حاول في شتى العصور أن يصل إلى حقيقة مطلقة تغنيه عمّا يجول في ذهنه من ألغاز هذا الكون و هذه الطّبيعة و هذه النّفس .

الخاتمة:

   وعليه نستخلص في الأخير و ممّا سبق ذكره و تحليله من أقوال الباحثين و الدّارسين فيما تعلّق بهذا الموضوع:

   – أنّ القرآن الكريم يضع الأسطورة في المكان و الزّمان الأوّل حين أراد الإنسان أن يخوض مغامراته الأولى مع الكون    و حاول تعليل و تفسير أسراره و كشف خباياه ، فكانت تلك النّصوص هي أدبه و فنّه و فلسفته و معارفه ، إنّها مرجع حياته الفكريّة و الرّوحيّة ، أي هي دينه و تاريخه و فلسفته الأولى .

    – أنّه عندما مرّت الأزمنة و أخذت الحضارات تندثر بما جاءت به و لم يتحقّق منها مراد البشر صارت الأساطير  كلّها نصوصا كاذبة و خيالات لا معنى لها ، و أباطيل زعمها الأوّلون ، حتى جاء القرآن الكريم و وضع حدّا لكل تلك الخلافات البشريّة ، و حددّ لهم السبيل السوي الذي يجب اتباعه  و السير على نهجه للوصول إلى الحقائق المطلقة التي طالما بحثت عنها البشرية و لم تلقاها إلّا في كتاب اللّ عزّ وجلّ .

    -أنّ القرآن الكريم أشبع شغف الإنسان وفضوله فيما كانت تنقله الأساطير من الكذب و الخرافة و قدّم له التفاسير و الدلائل و البراهين اللازمة التي انطبقت تماما مع منطق عقله و أجابت عن كلّ تساؤلاته بل و أعجزته في كثير من المواقف ، و هو يخوض تجارب حياته البشريّة في علاقاتها مع الكون و المظاهر الطبيعيّة .

قائمة المصادر و المراجع المعتمدة :

  • القرآن الكريم .
  • إليا ميرسيا: ملامح الأسطورة ، ترجمة حسيب كاسوحة ، منشورات وزارة الثّقافة دمشق 1995م.
  • الربيعي جلال : قراءات أنتروبولوجيّة ، دراسة في كتابات الدكتور محمّد الجويلي ، الطبعة الأولى مكتبة علاء الدّين صفاقس ، دار نهى للطّباعة و النّشر ، تونس 2008م.
  • زكي أحمد كمال : الأساطير ، المكتبة الثّقافيّة المصريّة العامة للكتاب ، الطبعة الأولى 1997م.
  • سوّاح فراس : الأسطورة و المعنى ، دراسات في الميثيولوجيا و الدّيانات المشرقيّة ،  الطبعة الثّانيّة ، منشورات دار علاء الدّين سوريا 2001م.
  • الطّبري أبو جعفر محمّد بن جرير: مختصر تفسي الطّبري جامع البيان عن تأويل آية القرآن اختصار و تحقيق الشّيخ محمّد علي الصّابوني و الدّكتور صالح أحمد رضا، المجلد الأوّل والثّاني ، الطّبعة الثّانية 1987م ، وحدة رغاية الجزائر 1991م.
  • عجينة محمّد : موسوعة أساطير العرب عن الجاهليّة و دلالتها، دار محمّد علي للنّشر ، دار الفارابي ، طبعة 2005م بيروت لبنان.
  • علوي الصّافي فاطمة: الأسطورة اليمنيّة في الأدب العربي، مذكّرة دكتوراه، قسم العربيّة  جامعة البنجاب باكستان 1976م.
  • مندور محمّد  : الأدب و فنونه ، الطبعة الخامسة ، شركة نهضة مصر للطّباعة و النّشر والتّوزيع ، أغسطس 2006م.
  • - ابن منظور جمال الدّين محمّد بن مكرم بن علي : لسان العرب،  الطّبعة الثالثة ، ج 4  دار صادر بيروت لبنان.
  • – هاملتون أديث : الميثيولوجيا ، ترجمة حنّا عبّور ، منشورات إتّحاد الكتّاب العرب 1990م.
  • – ابن هشام عبد الملك : السّيرة النّبويّة ، الطبعة الثالثة ، دار الكتاب العربي بيروت 1990م ، الجزء الأوّل.

[1] محمد عجينة : موسوعة أساطير العرب عن الجاهليّة و دلالتها ، دار محمد علي للنّشر ، دار الفارابي ، طبعة 2005 م ، بيروت لبنان ص 56.

[2] ابن منظور جمال الدّين محمّد بن مكرم بن علي : لسان العرب ،  الطّبعة الثالثة ، ج 4 ، دار صادر بيروت لبنان ص 363-364.

[3] Herbet Read : Art and society . London 1949 p 29  ، نقلا عن أحمد كمال زكي  الأساطير ، المكتبة الثّقافيّة المصريّة العامة للكتاب ، الطبعة الأولى 1997م ، ص 4.

[4] أديث هاملتون : الميثيولوجيا ، ترجمة حنّا عبّور ، منشورات إتّحاد الكتّاب العرب 1990م ، ص 19.

[5] فاطمة علوي الصّافي : الأسطورة اليمنيّة في الأدب العربي ، مذكّرة دكتوراه ، قسم العربيّة  جامعة البنجاب باكستان 1976م، ص 16.

[6] محمّد عجينة : مرجع سابق ، ص 45.

[7] ميرسيا إلياد : المقدّس و الدنيوي ، ترجمة نهاد خياطة ، دار العرب للطّباعة و النّشر و التّوزيع ، الطبعة الأولى ، دمشق 1987م ، ص 90.

[8] جلال الرّبيعي : قراءات أنتروبولوجيّة ، دراسة في كتابات الدكتور محمّد الجويلي، الطبعة الأولى ، مكتبة علاء الدّين صفاقس، دار نهى للطّباعة و النّشر، تونس 2008م ، ص 32.

[9] فراس سوّاح : الأسطورة و المعنى ، دراسات في الميثيولوجيا والدّيانات المشرقيّة ،  الطبعة الثّانيّة ، منشورات دار علاء الدّين سوريا 2001م ، ص 13.

[10] محمّد مندور : الأدب و فنونه ، الطبعة الخامسة ، شركة نهضة مصر للطّباعة و النّشر و التّوزيع ، أغسطس 2006م ، ص 40، 41 .

[11] نفس المرجع ، ص 62.

[12] نفس المرجع ، ص63.

[13] أديث هاملتون : الميثيولوجيا ، ترجمة حنّا عبّور ، منشورات اتحاد الكتّاب العرب 1990م ، ص 13.

[14] نفس المرجع ، ص 18.

[15] سورة الأنعام الآية 25.

[16]  الطّبري (أبو جعفر محمّد بن جرير) : مختصر تفسير الطبري جامع البيان عن تأويل آي القرآن اختصار و تحقيق الشّيخ محمد علي الصّابوني و الدّكتور صالح أحمد رضا ، المجلد الأوّل ، الطبعة الثانيّة  1987م المؤسّسة الوطنيّة للفنون المطبعيّة ، وحدة رغاية الجزائر 1991م ، ص 225.

[17] سورة الفرقان الآية 05.

[18] أبو جعفر محمّد بن جرير الطّبري : مختصر تفسير الطّبري ، المجلد الثاني ص 108.

[19] ميرسيا إلياد : ملامح الأسطورة ، ترجمة حسيب كاسوحة ، منشورات وزارة الثّقافة دمشق 1995م ص 11.

[20] سورة النّمل الآية 68.

[21] أبو جعفر محمّد بن جرير الطّبري : مختصر تفسير الطّبري ، المجلد الثّاني ، ص 146.

[22] سورة  المؤمنون الآية 83.

[23] سورة  الأحقاف الآية 17.

[24] سورة  الأنفال الآية 31.

[25] عبد الملك ابن هشام : السّيرة النّبويّة ، الطبعة الثالثة ، دار الكتاب العربي بيروت 1990م ، الجزء الأوّل ص 228.

[26] سورة النّحل الآية 24.


Updated: 2020-07-24 — 12:39
JiL Scientific Research Center © Frontier Theme