المغرب العربي في السياسة الخارجية الأمريكية منذ منتصف التسعينيات أبعاد فرص وقيود / قط سمير


المغرب العربي في السياسة الخارجية الأمريكية منذ منتصف التسعينيات أبعاد فرص وقيود د. قط سمير، مخبر الحقوق والحريات جامعة جامعة محمد خيضر بسكرة (الجزائر). مقال نشر بالعدد 9 من مجلة جيل الدراسات السياسية والعلاقات الدولية لشهر جوان 2017، ص 127. حمل من هنا: مجلة جيل الدراسات السياسية والعلاقات الدولية العدد 9

 

ملخص

       تاريخيا، كان المغرب العربي يعتبر كمنطقة هامشية في السياسة الخارجية الأمريكية، غير أن نهاية الحرب الباردة ومنذ منتصف تسعينيات القرن الماضي (تحديدا) عرفت السياسة الأمريكية تحولا تجاه المنطقة، أين راجعت أمريكا مبدأ احترام خرائط النفوذ. وذلك، كان نتيجة لاعتبارات اقتصادية-استراتيجية في البداية، تتعلق “بغزو” الأسواق المغاربية بالمنتجات الأمريكية والاستثمار في القطاع الطاقوي (خاصة) في الجزائر مزاحمة بذلك النفوذ الفرنسي والانتشار الصيني. وبعد 11 سبتمبر 2001، لتحدد بعدا آخر للسياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة المغاربية، وهو البعد الأمني، أين صار “مكافحة الإرهاب” محور هذه السياسة.

Abstract

Historically, the Maghreb was considered to be less important to US foreign policy, however, the post cold war and since the middle of 1990s, the American policy witnessed many changes, so it revised the principle of influence maps, for strategic economic considerations at first, related essentially to invading the Maghreb markets with US products, in addition to the energy investments, especially in Algeria as a form of competition in face of both France and China. In the aftermath of 9\11, a new dimension appeared to influence the US foreign policy in Maghreb, namely the security , so that fighting terrorism tended to be a ficus of that policy.

 

مقدمة

       بعد تهميش طويل للمغرب العربي في السياسة الخارجية الأمريكية، عرفت نهايات تسعينيات القرن الماضي اهتماماً أمريكياً ملحوظاً بهذه المنطقة. فبعد استهداف هذا الفضاء لأغراض اقتصادية –وطاقوية- في المقام الأول تتصل باعتماد واشنطن المتزايد على النفط الإفريقي في إطار خيارها الجديد المتعلق بتنويع مصادر إمداداتها النفطية، بتخفيف تبعيتها لبترول الشرق الأوسط. واستراتيجية، تتعلق بمزاحمة القوى الكبرى ذات النفوذ التقليدي في المغرب العربي (فرنسا)، علاوة على الدول الأخرى الصاعدة والتي بات لها موضع قدم في المنطقة (خاصة الصين). لتأتي أحداث 11 سبتمبر 2001 وتعطي بعداً آخر –أمنياً-  للسياسة الخارجية الأمريكية في المغرب العربي، ولتدشن عصراً جديداً في الإستراتيجية الأمريكية، في إطار حربها العالمية على الإرهاب، والتي وضعت المنطقة المغاربية كإحدى الفضاءات المحورية في هذه الإستراتيجية.

       بات المغرب العربي يشكل أهمية إستراتيجية من منظور أمريكي. فبعد الحرب الباردة، صار العالم بأسره محط اهتمام الإمبراطورية الأمريكية، فقد راجعت الأخيرة مبدأً كان سائداً طيلة الحرب الباردة، وهو؛ “احترام خرائط النفوذ” بين القوى الكبرى. أين كان المغرب العربي يعتبر كـ “مجال محجوز” للنفوذ الفرنسي. وقد نال الفضاء المغاربي هذه الأهمية الإستراتيجية في أنظار أمريكا لاعتبارات عديدة؛ جيوسياسية، اقتصادية وأمنية.. (سنأتي على تفصيلها فيما بعد). هذا الاهتمام الأمريكي الجديد بمنطقة المغرب العربي ترجمه الإنزال الاقتصادي والدبلوماسي والعسكري الأمريكي المعتبر في دول المغرب العربي. فقد عرفت الأخيرة مشاريع اقتصادية مهمة، كما تعددت الزيارات عالية المستوى للمسؤولين الأمريكيين للبلدان المغاربية.

       ضمن هذا المنظور، تسعى هذه المقالة لتحليل السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة المغاربية، من خلال تفكيك أبعادها، ورصد تطوراتها بتحديد الثابت والمتحول فيها، ومحاولة تحليل أهدافها، وتقديم قراءة نقدية للفرص والمخاطر التي قد تترتب على هذه السياسة بالنسبة لدول المغرب العربي.   

   الفضاء المغاربي في الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة العربية: الارتباط / فك الارتباط مع الشرق الأوسط

يبدو أن الاعتبارات الإستراتيجية والاقتصادية -وليس الهويتية- هي ما يحدد السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المغرب العربي. فأحياناً تعتبره “كملحقة” للشرق الأوسط، وأحياناً أخرى، كبوابة لإفريقيا لما يتعلق الأمر بمكافحة الإرهاب والأمن الطاقوي.

1) المنطقة المغاربية كملحقة للشرق الأوسط

       المفكر والسياسي الأمريكي هنري كيسنجر، هو صاحب مبدأ “المغرب العربي ملحقة للشرق الأوسط”. إذ يحث الإدارة الأمريكية على عدم فك الارتباط بين المنطقتين في السياسة الأمريكية، خاصة للاعتبارات الاستراتيجية، ومنها “مسار السلام”. وقد ترجم هذا التصور في مشروع الولايات المتحدة الذي تحول اسمه من الشرق الأوسط الكبيرGME  إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الموسع BMENA، وذلك لإرضاء حلفائها الأوروبيين وخاصة الفرنسيين ذوي النفوذ التقليدي العميق في المنطقة المغاربية، وذلك، لضمان دعم الأوروبيين لإستراتيجيتها الشرق أوسطية الجديدة.([1]) بإلحاق المغرب العربي في إستراتيجيتها الشرق أوسطية الموسعة، تعتبر واشنطن أن الدول المغاربية قادرة على مساعدتها في العديد من القضايا الشائكة في المشرق العربي. وعلى رأسها مسألة دفع “مسار السلام” أو بالأحرى التطبيع مع إسرائيل. فقد حكمت علاقات مصلحية بين إسرائيل وبعض دول المغرب العربي خاصة المغرب وتونس، فقد كانتا ضد التيار الراديكالي العروبي منذ الاستقلال، والمملكة المغربية على وجه الخصوص حكمتها علاقات ودية-مصلحية مع الكيان الإسرائيلي(*) فقد دعمت الأخيرة نظام الحسن الثاني، وفي المقابل، ساعد المغرب في تسهيل عملية تطبيع العلاقات العربية-الاسرائيلية، وذلك بالتعاون مع كبار أعضاء الجالية اليهودية المغربية سواء في داخل المغرب أو في إسرائيل أو في الشتات اليهود المغاربة الذين يحملون الجنسية الفرنسية.[2] كما تمكنت إسرائيل بعد توقيع مؤتمري أوسلو ومدريد، من تحقيق اختراقات كبرى على الصعيد الرسمي والعلني في المغرب العربي. علاوة على ذلك، فقد ساعدت بعض دول المغرب العربي الولايات المتحدة في حرب الخليج الثانية أين أرسلت المملكة المغربية 2000 جندي للمشاركة مباشرة في الحرب على العراق.

       تعتبر أمريكا دول المغرب العربي كملحقة بالمشرق العربي كذلك، في مبادرتها حول نشر الديمقراطية في العالم العربي. فهي لا تستثني أي بلد عربي من هذا الخطاب. هذه المبادرة التي انطلقت بعد 11 سبتمبر في ظل إدارة الرئيس بوش الابن، تمحورت حول ثلاث عناصر وهي، 1) عسكرة الديمقراطية؛ بكلمات أخرى، فرض النموذج الديمقراطي الغربي بواسطة القوة العسكرية، وكان العراق أول نموذج. 2) الانتقائية؛ بمعنى ممارسة الضغط على دول معينة دون الأخرى بغرض تغيير نظامها. 3) الفجوة بين الخطاب والأهداف من جهة، والإمكانات المرصودة لهذه المبادرة فقد خصصت 430 مليون دولار فقط خلال ستة سنوات لهذه المبادرة.([3]) منيت هذه المبادرة بالفشل الذريع بطبيعة الحال، فسياسة القفز على الواقع المنتهجة من طرف الإدارة الأمريكية، بفرض الديمقراطية لم تؤد إلا إلى تكريس الطائفية، كما قادت إلى فوز الأحزاب الإسلامية في الانتخابات التي جرت بشفافية.([4]) على أية حال، فإن المصالح الإستراتيجية الأمنية والطاقوية، هي التي كانت تحرك الإدارة الأمريكية في علاقاتها بالعالم العربي وليس القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.

       ينسحب الأمر بخصوص دول المغرب العربي، فمبادرة دعم الديمقراطية من طرف الإدارة الأمريكية لم تكن سوى من قبيل “اليوتوبيا” السياسية والقيمية، إذ أن الاعتبارات الأمنية كانت تحظى بالأولوية في سياسة أمريكا المغاربية على حساب الديمقراطية. فمنذ 2001، اعتبرت الإدارة الأمريكية الفضاء المغاربي منطقة أمن جديدة، إذ كان انشغال أمريكا ربط علاقات عسكرية-أمنية مع كل دول المنطقة لمكافحة الحركات الجهادية المنتشرة هناك خاصة القاعدة.([5])

2) المنطقة المغاربية بوابة إفريقيا

       تدرج الولايات المتحدة الأمريكية المغرب العربي ضمن سياستها الإفريقية، إذ تفك الارتباط بالشرق الأوسط، لما يتعلق الأمر بالملف الأمني الاقتصادي. منذ بدايات سنة 2000 صارت الولايات المتحدة تنظر للمغرب العربي ككتلة جيو-أمنية معرضة لكل المخاطر التي تنعكس سلبا على الفضاء المتوسطي الأوروبي. وهي في ذلك تعد كبوابة لإفريقيا خاصة منطقة الساحل والصحراء فمنذ سبتمبر 2001، كان هدف الولايات المتحدة تطوير علاقات متقدمة بين الأنظمة المغاربية والساحلية في مجال مكافحة الإرهاب ومختلف المخاطر الأمنية الأخرى.([6]) يظهر ذلك أيضاً في خصوصية العلاقة بين دول المغرب العربي والحلف الأطلسي أين يركز الأخير على المنطقة المغاربية في إطار الحوار المتوسطي([7]) بشكل منفصل عن الشرق الأوسط، الذي يستهدفه بمبادرات أخرى.

       البعد الاقتصادي هو الآخر تقوم من خلاله واشنطن بفك ارتباط دول المغرب العربي مع الشرق الأوسط، والمثال الأبرز على ذلك مشروع “ايزنستات”، أين عرضت الولايات المتحدة مشروعا اقتصاديا على دول المغرب العربي يهدف إلى تطوير التبادلات التجارية والاستثمارات بين الطرفين.([8])

تحول السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المغرب العربي: منذ 1998

       منذ منتصف التسعينيات (1998 تحديدا) شهدت السياسة الخارجية الأمريكية تحولات جذرية تجاه المغرب العربي وإفريقيا عموماً. فبعد عقود من التهميش والاقتصار على عقلية الاستقطاب الأيديولوجي لدول المنطقة في ظل الحرب الباردة، قامت الإدارة الأمريكية على تجديد سياستها المغاربية وتحويل الاهتمام إلى الشراكة الاقتصادية والتجارية. يمكن تفسير هذا التحول من زاويتين، أولاً: وصول إدارة ديمقراطية للبيت الأبيض تحت رئاسة بيل كلينتون (مبدأ كلينتون*)؛ والمعروف أن الديمقراطيين أكثر ميلا للاقتصاد والتجارة (السياسة الدنيا) منه إلى القضايا الإستراتيجية الكبرى. ثانياً: الأنظمة الحاكمة في المغرب العربي رحبت كثيراً بالتوجه الأمريكي الجديد تجاه المنطقة المغاربية القائم على “الشراكة”. فهي كانت تبحث عن شريك استراتيجي بحجم الولايات المتحدة الأمريكية، لمساعدتها في الكثير من الملفات خاصة دعمها للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، كما اعتبرت دول المغرب العربي أن الشريك الأمريكي يمكن أن يكون موازناً، في إطار تنويعها لخياراتها الإستراتيجية، حتى لا تستمر في كونها مجالاً محجوزاً خاصاً لأوروبا وفرنسا على الخصوص. زيادةً على المساعدات التنموية التي كانت في حاجة إليها دول المغرب العربي، والتي كانت موعودة من طرف واشنطن بوعود سخية.

       منذ وصول بوش الابن للحكم في الولايات المتحدة سنة 2000 رفقة المحافظين الجدد، بدأت ملامح عسكرة السياسة الخارجية فقد بدأ بوش بسياسة التدخلات العنيفة. وقد جاءت أحداث 11 سبتمبر لتضع قطيعة مع سياسة كلينتون الاقتصادية وتركز على الأبعاد الأمنية. وفي سياسته في المغرب العربي قام بوش بتبني توجهات جديدة عنوانها الأبرز “مكافحة الإرهاب”. أين أدرجت واشنطن منطقتي المغرب العربي والساحل الإفريقي في أجندتها الأمنية، إذ تمكنت لأول مرة من الجمع على طاولة واحدة بين ثماني دول للتباحث حول الأمن في المنطقة.([9])

       فترة رئاسة أوباما، عرفت انسحاباً ملحوظاً من الفضاء المغاربي. فمنذ وصوله عاد أوباما لرؤية كيسنجر لمنطقة شمال إفريقية التي يعتبرها ملحقة للشرق الأوسط، إذ أعلن عن سياسة جديدة تجاه المنطقة العربية عموماً، وهي الانسحاب الاستراتيجي، قصد تحسين صورة أمريكا لدى الشعوب العربية. مع الحفاظ على المكاسب العسكرية المحققة من طرف سلفه بوش، وقد ظهر ذلك في موقف أمريكا من الربيع العربي الذي انطلق من شمال إفريقيا أساسا، إذ لم تولي انشغالاً ذا بال بالثورة التونسية ولا بالحرب الأهلية في ليبيا، إذ تركت مهمة إسقاط القذافي للحلف الأطلسي و”لحليفتها” فرنسا.

أبعاد السياسة الخارجية الأمريكية في المغرب العربي

أولاً: مكافحة الإرهاب

       لقد كان مبدأ بوش الابن يقوم على مفهوم “العمل الوقائي” بمعنى؛ حتى يشعر المواطن الأمريكي بالأمن يجب نقل الحرب نحو كل ما يسبب أو يمكن أن يسبب تهديدا له. هكذا كانت فلسفة ما يسمى الحرب على الإرهاب.([10]) هذا الأخير الذي صار يعد أكبر تهديد لأمريكا في هذا الزمن. هذا التصور هو الذي حكم السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة المغاربية. قلنا قبل قليل، أن ملف مكافحة الإرهاب صار حجر الزاوية في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المغرب العربي منذ 11 سبتمبر 2001، ظهر هذا التوجه على مستوى الخطابات السياسية والمؤتمرات، وعلى صعيد الزيارات عالية المستوى للمسؤولين العسكريين والأمنيين الأمريكيين لدول المنطقة.

       فانتشار الجماعات الإرهابية في المغرب العربي والساحل الإفريقي، خاصة القاعدة في المغرب الإسلامي، فضلاً عن جماعة بوكو حرام وأنصار الدين في مالي، وحديثاً، هناك تقارير عن بداية تشكيل خلايا لتنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق “داعش”، سيما بعد الأحداث التي أعقبت سقوط القذافي في ليبيا، والتي عرفت من خلاله هذه الجماعات انتعاشاً في نشاطها بفضل استفادتها من ترسانة الأسلحة التي انتشرت في كامل ربوع المنطقة. هذه الجماعات الإرهابية شكلت تهديدات على المصالح الحيوية الأمريكية ولحلفائها الأوروبيين.

       لذلك، فقد كان هدف واشنطن من تطوير علاقاتها الأمنية والعسكرية بدول المنطقة، هو مساعدتها في زيادة قدراتها على مكافحة هذه الظاهرة بفعالية أكبر. لذلك، وكما يلاحظ الجامعي يحي زوبير أن أمريكا استطاعت الجمع على طاولة واحدة بين دول مغاربية وأخرى ساحلية في شتوتغارت بألمانيا، للتباحث في سبل التنسيق فيما بينها لمكافحة الإرهاب، رغم كل الاختلاف في التصورات والأهداف والشواغل الأمنية لكل دولة. في سبيل تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي، أطلقت إدارة بوش مبادرة تحت اسم “بان ساحل-pan sahel” في 2002، وهو برنامج خصصت له ميزانية ضئيلة نوعاً ما مقارنةً بأهدافه الكبيرة، تقدر بـ 8 ملايين دولار. الغرض من هذا البرنامج، كان تكوين وتجهيز قوة مشكلة مما لا يقل عن 150 جندي في كل من مالي نيجر تشاد وموريتانيا. ثم تم بعد ذلك، توسيع وتطوير هذا البرنامج سنة 2005، ويتحول اسمه إلى “الشراكة عبر الصحراء لمكافحة الإرهاب”. لتنظم إليها كل من الجزائر المغرب تونس بوركينافاصو نيجيريا والسنغال. هذه المبادرة كانت أكثر طموحاً من سابقتها، فقد كان هدفها الأساسي منع الجماعات الإرهابية من تجنيد إرهابيين جدد، وإنقاذ المنطقة من أن تتحول إلى ملاذ للإرهاب الدولي على شاكلة أفغانستان.([11])

       ساعدت كذلك الولايات المتحدة الأمريكية الاستراتيجيات التي وضعتها دول المنطقة، نذكر منها خاصة “استراتيجية دول الميدان” والتي كانت برعاية وقيادة الجزائر. دول الميدان مشكلة من أربع دول إفريقية، مغاربية وساحلية وهي: الجزائر، موريتانيا، مالي ونيجر. تسعى هذه الإستراتيجية لمواجهة التحديات الأمنية المشتركة في الساحل وهي مقاربة موسعة؛ فهي تشمل الإرهاب، الجريمة المنظمة والفقر. فهي تقوم على منطق الربط بين الأمن والتنمية. وهي كذلك، استراتيجية متعددة الأبعاد؛ إذ لا تعتمد على الأدوات العسكرية فحسب، لكن أيضاً على الوسائل التنموية. تبلورت هذه الإستراتيجية سنة 2010 في إطار الاجتماعات العديدة التي جمعت رؤساء دبلوماسية الدول الأربعة وقادة أركانها. هدفها تشكيل رؤية إقليمية متكاملة ومتجانسة، تستجيب بشكل مشترك لهذه التحديات.

       تنبني إستراتيجية دول الميدان، على ثلاث ركائز أساسية؛ 1) سياسية-دبلوماسية 2) عسكرية-عملياتية 3) مالية. وقد تم مأسسة هذه الأبعاد الثلاثة، فقد اتفقت الدول الأربعة على الالتقاء في ندوة كل ستة أشهر، تجمع رؤساء دبلوماسية هذه الدول في أحد عواصم هذه البلدان؛ للتنسيق فيما بينهم وتقييم جهودهم. بالإضافة إلى تنسيق جهودها، مع استراتيجيات شركائها الأوروبيين والأمريكيين. أما من الناحية العسكرية والعملياتية، فقد تم تشكيل لجنة قيادة الأركان المشتركة  (CEMOC) في أفريل 2010 ومقرها مدينة تمنراست، تجمع كما هو واضح قيادة أركان الدول الأربعة. بمساعدة مركز استعلامات، مقره العاصمة الجزائرية، هدفه التنسيق بشكل أكثر نجاعة في مجال العمليات العسكرية، لمكافحة التهديدات في الساحل. كما عملت على تشكيل وحدة الدمج والاتصال (ULF) والمكونة من سبع دول، فبالإضافة إلى دول الميدان الأربعة تضم هذه الوحدة كلا من بوركينافاصو، ليبيا وتشاد. مهمتها (ULF) تزويد الآلية العسكرية الأولى (CEMOC) بالمعلومات الأمنية والتكتيكية والعملياتية الضرورية، لقيادة العمليات المشتركة لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.([12]). لإستراتيجية دول الميدان في الساحل، آلية مالية، فقد اتفقت على إنشاء صندوق يحتوي على غلاف مالي من أجل جعل هذه الإستراتيجية ملموسة وعملية أكثر.([13])

       كما يظهر التعاون متعدد الأطراف الأمريكي-المغاربي في مكافحة الإرهاب على مستوى الحلف الأطلسي، أي من خلال الحوار المتوسطي للحلف الأطلسي، والتي يضع-كما سبق وذكرنا- منطقة المغرب العربي في مركز اهتمامه. التعاون العسكري بين الناتو والدول المغاربية ترجم في ما يسمى بعملية “المسعى النشط”. وتعد عملية المسعى النشط التي نظمها الحلف الأطلسي، أحد الأطر متعددة الأطراف والتي يقودها، والموجهة لدول الحوار بما فيها بلدان المغرب العربي. أصبح الإرهاب كتهديد لأمن أعضاء حلف الناتو منذ المفهوم الإستراتيجي المتبنى سنة 1999 في واشنطن، (قبل هجمات سبتمبر 2001). وبعد هذه الأحداث أطلق الحلف عملية المسعى النشط، تفعيلاً للمادة الخامسة من ميثاق الحلف. هدف هذه العملية، اكتشاف وإفشال أي نشاطات إرهابية في حوض البحر المتوسط.

       في مارس 2003، تم توسيع هذه العملية لتضطلع بمهام جديدة تتعلق بمرافقة السفن غير العسكرية التابعة لأعضاء الحلف التي تطلب ذلك، في مضيق جبل طارق. وفي أفريل 2003، توسعت العملية من جديد أين بدأت القوات المشاركة في العملية في زيارات منتظمة للسفن المشتبه بها. وفي مارس 2004، غطت عملية المسعى النشط حوض المتوسط برمته. فهي إذن؛ عملية تتجاوز إطار الحوار المتوسطي لتظم كذلك دول الشراكة من أجل السلام إضافةً إلى روسيا.

الجزائر، كدولة محورية في الإستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب: مخاطر الارتهان الاستراتيجي

       الدولة المحورية، مفهوم أطلقه الأمريكيون بوصف بعض الدول في العالم كنقاط ارتكاز إقليمية للإستراتيجية الأمريكية خاصة في مجال مكافحة الإرهاب. يقصد بالدولة المحورية، تلك الدولة التي يشكل نشاطها بمثابة نقطة إشعاعية لا يؤثر مصيرها خاصة عدم استقرارها عليها أو في منطقتها فحسب، بل على الاستقرار العالمي، وعلى المصالح الأمريكية. بعبارة أخرى، الدولة المحورية يكون لوضعها واستقرارها والمخاطر المحيطة بها والمشاكل التي تهدد وجودها، آثار إقليمية ودولية تضر بالمصالح الأمريكية. وفيما يخص الجزائر، وبالنظر إلى موقعها الجغرافي وعلى اعتبار استمرار التهديد الاسلاماوي، وبسبب ما تمتلكه من احتياطي نفطي وغازي تزود به أوروبا الغربية، فضلاً عن جوارها الملتهب على جميع الصعد، لكل هذه الاعتبارات، ترى أمريكا أن أي تصدع للاستقرار في الجزائر يمكن أن يحدث إرهاصات سلبية على منطقتها الإقليمية وعلى أوروبا وعلى المصالح الأمريكية في نهاية التحليل.

       يحذر الباحث عبد النور بن عنتر، من وقوع الجزائر في ما يسميه “فخ النرجسية”([14])، فيما يتعلق باعتبارها دولة محورية في الإستراتيجية الأمريكية. إذ يرى أن هذه الصفة هي مأرُبة لا حفاوة، فقد صيغت من منضور المصالح الإستراتيجية الأمريكية. لذا على الجزائر وسائر دول المغرب العربي أن تتحلى باليقضة الإستراتيجية، وعدم الانزلاق في تصورات قد تبدو في ظاهرها فرصاً، ولكن قد يترتب عنها انعكاسات سلبية على الأمن القومي لدول المغرب العربي.

       أحداث 11 سبتمبر أعطت انطلاقة جديدة في العلاقات الجزائرية-الأمريكية، خاصة على المستوى العسكري والأمني. فبعد الأحداث مباشرة، قام الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بزيارة للولايات المتحدة الأمريكية قررت على إثرها واشنطن بيع أسلحة متطورة للجزائر خاصة بحرب العصابات، بإمكانها تحديد مواقع الحركات الإرهابية، شرط أن لا تستخدمها الجزائر ضد جيرانها !،([15]) في هذا الصدد صرح بوش:” أمريكا تستمر في اعتبار الجزائر بصفتها شريك ذو قيمة كبيرة في مكافحة الإرهاب، وفي أهدافنا المشتركة في ترقية الديمقراطية والطمأنينة في المنطقة والعالم.” فإلى جانب التعاون العسكري والأمني كان هناك تنسيق استخباراتي. وواشنطن تثق كثيرا في القدرات الاستخباراتية الجزائرية خاصة في مجال مكافحة الإرهاب، والتي اكتسبتها عبر سنوات طويلة من مكافحة هذه الظاهرة. فقد تحدثت وسائل الإعلام الجزائرية، عن وجود هياكل سرية في الجزائر العاصمة بما فيها وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA وأجهزة الاستعلامات الجزائرية. هذه الأجهزة التي يمكن أن نطلق عليها قواعد تحالف alliance base وجدت من أجل تحليل حركات الجماعات الإرهابية العابرة للأوطان، وإطلاق عمليات لضبطها والتجسس عليها.([16])

المغرب: حليف أساسي لأمريكا خارج الحلف الأطلسي

       يعد المغرب ركيزة السياسة الخارجية الأمريكية في المغرب العربي. وذلك نظير العلاقات التاريخية المتميزة التي حكمت البلدين، ونتيجة أيضاً ما تقدمه المملكة المغربية لأمريكا من مساعدات في العديد من قضايا الشرق الأوسط خاصة ما يسمى بـ “مسار السلام”. فضلاً عن ذلك، “حضيت” المملكة المغربية بصفة حليف أساسي للولايات المتحدة الأمريكية خارج الحلف الأطلسي سنة 2003 سنتين بعد أحداث سبتمبر 2001، وذلك لإشراكها أكثر في الحرب على الإرهاب في المنطقة. هذه الصفة “حليف أساسي خارج الحلف الأطلسي”، لها مغازي عديدة؛ فهي تعني أن المغرب لم يفقد قيمته الإستراتيجية في أنظار أمريكا بعد الحرب الباردة، كما تقتضي هذه الصفة منح تسهيلات عسكرية وحتى السماح بإنشاء قواعد عسكرية للقوات الأمريكية ولو ظرفيا، كما تفرض كذلك، أن تظل البلدان المتحصلة على هذه الصفة تحت المضلة الأمريكية من الناحية الردعية.([17])

ثانيا: البعد الاقتصادي للسياسة الخارجية الأمريكية في المغرب العربي

        بدأ الفضاء المغاربي يسترعي الاهتمام الاقتصادي الأمريكي شيئا فشيئا منذ منتصف التسعينيات. تركز هذا الاهتمام الاقتصادي على الموارد الطاقوية المعتبرة التي تستحوذ عليها دول المغرب العربي. فضلاً عن توسيع فرص شركاتها المستثمرة في هذه الدول للولوج إلى أسواقها. الإستراتيجية الاقتصادية الأمريكية في المنطقة المغاربية، تأخذ نمطين أحدها متعدد الأطراف-multilatérale ويتجلى خصوصاً في مبادرة ايزنستات الأمريكية والتي تهدف إلى جعل كل المنطقة المغاربية سوقا واحدة مفتوحة دون حدود أو قيود جمركية. ونمط ثاني؛ ثنائي الأطراف-bilatérale أين طورت الولايات المتحدة علاقاتها التجارية والاستثمارية مع كل دولة على حدة، وكان تركيزها على الجزائر كمصدر للنفط.

المقاربة متعددة الأطراف: مبادرة ايزنستات

       و هو برنامج أطلقته الإدارة الأمريكية والذي اقترحه “ستيوارت ايزنستات” نائب الأمين العام الدولة، المكلف بالقضايا الاقتصادية والزراعة. توجه هذا البرنامج إلى الدول المغاربية الثلاث الجزائر، المغرب وتونس. يهدف هذا البرنامج إلى تحقيق شراكة اقتصادية على المدى البعيد. وذلك بتشجيع الاندماج الاقتصادي المغاربي. إذن، فالاندماج المغاربي كان الهدف النهائي لهذه المبادرة. فمن مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية التعامل مع سوق مغاربية كبيرة وبدون حدود، مشكلة من ما يقارب 100 مليون نسمة، أفضل من الشراكة مع منطقة مفككة المفاصل، كل دولة تضع قيوداً خاصة بها مما سيعيق المصالح الاقتصادية الأمريكية. هذه الشراكة، قامت على أساس تطوير المبادلات التجارية والمالية مع دول المنطقة، إذن، فبرنامج ايزنستات وضع الإطار العام وترك لكل دولة الحرية في اختبار سبل تطوير علاقاتها التجارية مع أمريكا. ورغم أن هذا البرنامج نص على الحوار على المستوى الحكومي، إلا أنه أعطى للقطاع الخاص دور محوري في هذه الشراكة. فالهدف كان أساساً إدراج المنطقة المغاربية ككل في الاقتصاد الليبيرالي العالمي.([18])                

المقاربة ثنائية الأطراف في العلاقات الاقتصادية الأمريكية-المغاربية

       تجدر الإشارة إلى أنه رغم التطور الكبير الذي شهدته العلاقات الاقتصادية الأمريكية المغاربية، إلا أنها لا تزال “ضعيفة” مقارنة بنظيرتها الأوروبية. فالاستثمارات الأمريكية في الجزائر خارج قطاع المحروقات، لم تعرف تطوراً شبيها بذلك الذي عرفه قطاع النفط، وينسحب ذلك على بقية الدول المغاربية التي تشهد علاقاتها التجارية والاستثمارية مع الولايات المتحدة انخفاضاً ملحوظاً، باستثناء المغرب الذي وقَع مع واشنطن اتفاق التجارة الحرة.

1) ضعف الاستثمارات الأمريكية خارج المحروقات في الجزائر

       تطمح الجزائر منذ سنوات إلى تنويع صادراتها خارج المحروقات، وتعتبر الولايات المتحدة الشريك الإستراتيجية والاقتصادي الذي كانت ترجو الجزائر أن يساعدها في مسعاها هذا. غير أن الواقع كان مخيباً، فالعلاقات التجارية بين البلدين مازالت مقتصرة على المحروقات حصراً. تعد واشنطن الزبون الأول للجزائر، ومصدَرها الثالث بعد فرنسا وايطاليا. في المقابل، الجزائر تعد ثالث ممول للولايات المتحدة الأمريكية على صعيد المواد الطاقوية بعد العربية السعودية والعراق. تقدر صادرات الجزائر لأمريكا ما يفوق 7 ملايير دولار، في حين أن الواردات، لا تفوق المليار دولار. إذن، هناك فائض تجاري معتبر لصالح الجزائر، بيد أن هذا الفائض لا يفسره سوى مركزية المحروقات في الصادرات الجزائرية نحو أمريكا. زيادة على ذلك، فواردات الجزائر من الولايات المتحدة الأمريكية، لا تتعدى %6,5 من مجمل الواردات الجزائرية العالمية.([19]) يبرر المسؤولون الأمريكيون ضعف الاستثمارات الأمريكية خارج المحروقات، بالبيئة الاستثمارية غير المشجعة، خاصة استمرار قاعدة 51/49. فضلاً عن دور الدولة القوي في الاقتصاد الجزائري، والذي لا يترك المجال أمام القطاع الخاص.([20])

2) اتفاق التجارة الحرة مع المغرب

       وقَع المغرب اتفاق التجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأمريكية عام 2004، ولا شك أن التنافس الأوروبي الأمريكي على المنطقة، هو ما دفعها لإبرام هذا الاتفاق، قصد موازنة دور الاتحاد الأوروبي الذي وقعت معه اتفاقاً مشابهاً قبل ذلك بعقد كامل. رغم أنه من المبكر تقييم أثر الاتفاق على الاقتصاد المغربي، إلا أن المؤشرات الأولية تدل على تطور التبادلات التجارية بين البلدين بنسبة 52% إلا أنها لا تزال ضعيفة مقارنة بالتبادلات التجارية مع الاتحاد الأوروبي.([21]) رغم ما يمكن أن تجنيه المملكة من هذا الاتفاق، إذ سيسمح لها بالوصول إلى سوق نشطة قوامها 300 مليون نسمة، وتشجيع التدفق السياحي، وجذب الاستثمارات الأمريكية، وتنويع أسواق التصدير.. بيد أنها ستواجه العواقب من جهة أخرى، فقد تتضرر الصناعات المغربية الدوائية[22] والغذائية، إذ ليس من الممكن منافسة المنتجات الأمريكية ذات الجودة العالية.

3) تونس: عجز تجاري مزمن

       المبادلات التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية وتونس تشهد عجزاً بنيوياً مزمناً في غير صالح تونس. صادرات تونس الأساسية نحو أمريكا تشمل، مواد التشحيم بكميات قليلة، الزيوت الحيوانية والنباتية، بعض المواد المصنعة.. أما وارداتها فتتمثل في الآلات، وتجهيزات النقل، المواد الغذائية، الأسمدة الكيميائية، المواد الأولية، التبغ ومواد أخرى. كل هذه المبادلات بين البلدين وفي الاتجاهين أي الصادرات والواردات، لا تتعدى في الحقيقة 2% من التجارة الخارجية التونسية.([23])

ثالثا: مزاحمة فرنسا واحتواء الانتشار الصيني

       ذكرنا، أن الولايات المتحدة بخروجها من الحرب الباردة كقوة عظمى، قامت في إستراتيجيتها العالمية على مراجعة مبدأ احترام خرائط النفوذ الذي كان سائداً إبان الحرب الباردة بين القوى الكبرى. ومن ثمَ، كانت منطقة المغرب العربي أحد الفضاءات الجيوسياسية التي استهدفتها واشنطن لمزاحمة النفوذ الفرنسي التقليدي، واحتواء الانتشار الاقتصادي الصيني في القارة الإفريقية.

1) مزاحمة فرنسا

       فرضت العولمة وجود تنافس اقتصادي حتى بين من تحالفوا ضد العدو المشترك إبان الحرب الباردة، وبالتالي، فواشنطن، سعت إلى إعادة النظر في علاقاتها مع الميتروبول الأوروبي خاصة الفرنسي. ففي المغرب العربي، بدأت تجهر بمواقف سياسية واقتصادية مزاحمة للسياسة الفرنسية أو المناوئة لها أحيانا. خاصة بعد ما عاينت باريس مواقف دول المغرب العربي التي باتت حريصة على إقامة علاقات وثيقة مع أمريكا، في إطار تنويعها لشركائها الاستراتيجيين.([24]) وربما، كان هذا أحد أهم العوامل التي دفعت الأوروبيين والفرنسيين بكيفية خاصة، إلى إطلاق مشاريع إستراتيجية تجاه المتوسط الغربي على الخصوص، من أجل استعادة مصالحها فيه وتأطير علاقاتها بدول المنطقة.

الرهان الاقتصادي

       كما سبق وأشرنا، بالرغم من هيمنة فرنسا على أسواق المغرب العربي، بدأت أمريكا تكتشف هذه الأخيرة شيئا فشيئا، وتخترقها. فالواردات الأمريكية لدول المنطقة تزيد عن 34% من إجمالي وارداتها. في المقابل، وصلت صادراتها إلى ما يبربو عن 22%، رغم الإقرار بحصرية الواردات الأمريكية في الجانب الطاقوي -كما أشرنا-. هذه الهجمة التجارية والاستثمارية الأمريكية في المغرب العربي حركت الأوروبيين والفرنسيين على الخصوص، لإعلان سياسة جديدة للجوار قائمة على الشراكة وتحرير التجارة… يلاحظ الباحث عمر بغزوز، أن التوترات التي حدثت على المستوى عبر-الأطلسي، ما هي إلا نتيجة التنافس الأمريكي-الأوروبي بلا هوادة على الأسواق العالمية([25]) والمغاربية إحداها.

        الوارد الطاقة في المغرب العربي، صارت إحدى الرهانات الاقتصادية والإستراتيجية الكبرى للقوى الكبرى، وهو ما كان أحد الأسباب التي أجَجت التنافس بين الأمريكيين والفرنسيين. فكلاهما يطمحان لتنويع مصادر إمداداتهما النفطية، من أجل تحقيق أمنهما الطاقوي.

الرهان الأمني-العسكري

       في الحقيقة، لا يمكننا الحديث عن تنافس أمني-عسكري بين فرنسا والولايات المتحدة الأوروبية في المغرب العربي، بقدر ما نتكلم على اختلاف في التصورات الأمنية في المنطقة بشكل عام وفي مسألة مكافحة الإرهاب على الخصوص. فرنسا، وبالنظر لقدراتها العسكرية المحدودة، لا يمكنها سوى أن تطبق “الأمن الناعم” في المنطقة المغاربية، ففرنسا مقدمة نفسها كقوة “معيارية”، تتعامل مع التهديدات القادمة من المنطقة خاصة الهجرة غير الشرعية والإرهاب، بوسائل مختلفة قائمة -على مستوى الخطاب على الأقل- على تشجيع التنمية، زيادة على ربط مساعداتها المالية لها بشروط تتعلق بإدخال الأخيرة لإصلاحات بنيوية سياسية اقتصادية ومجتمعية. في حين تستمر الولايات المتحدة الأمريكية متبجحة بقدراتها العسكرية- في تبني مقاربة صلبة للأمن في المنطقة، خاصة في مجال مكافحة الإرهاب.

       مهما يكن من أمر، فالتطور السريع في العلاقات الأمريكية-الجزائرية، وتموقع واشنطن في المنطقة المغاربية-الساحلية، هو ما أثار حفيظة فرنسا. وعليه يمكن النظر للتطور في العلاقات الفرنسية-الجزائرية أنه يندرج في إطار مواجهة الانتشار الجيوسياسي الأمريكي. فقد تكثفت الزيارات الفرنسية للجزائر عالية المستوى، زيادة على الاتفاق على إرساء شراكة في مجال الدفاع بين البلدين، وتكثيف التشاور حول سبل مكافحة الإرهاب. علاوة على ذلك، تتحرك فرنسا عبر أطر أخرى خاصة منها مجموعة 5+5 دفاع،([26]) وهي مبادرة تظم دول المغرب العربي، إضافة إلى دول أوروبية أخرى على رأسها فرنسا هدفها التباحث في سبل تعزيز التعاون الأمني بينها. كما تسعى فرنسا لتعزيز حضورها العسكري في الساحل الإفريقي، من خلال المساهمة في تجهيز جيوش المنطقة والتعاون الاستخباراتي معها.

2) إحتواء الانتشار الصيني

       السنوات الأولى من التسعينيات، عرفت انتشاراً اقتصادياً صينياً كثيفاً في القارة الإفريقية بشكل عام ومنها المنطقة المغاربية. فقد استفادت الصين من توجه دول القارة شرقاً، راغبةً في التنصل من المشروطية السياسية المتعلقة بالدمقرطة وحقوق الإنسان.. التي يفرضها الغرب. وبالتالي، صار لبكين نفوذ معتبر في القارة،([27]) فقد تكثفت الزيارات الرسمية عالية المستوى المتبادلة بين الطرفين، فضلاً عن تأطير هذه العلاقات في إطار المنتدى الصيني-الإفريقي. وبذلك، فقد ازدادت المبادلات التجارية والاستثمارات الصينية في دول المغرب العربي بشكل ملحوظ.

       الحضور الصيني في المغرب العربي/شمال إفريقيا، يأتي في إطار إستراتيجية الصين في إفريقيا. فهو إذن، حضور إقتصادي بالدرجة الأولى تجاري-استثماري. وقد زاد اهتمام بكين بهذه المنطقة في السنوات الأخيرة، ففي دراسة قامت بها “مصادر عالمية” عام 2005، وهي وكالة من هونغ كونغ متخصصة في دراسات السوق؛ أكدت أنه من بين 741 مؤسسة صناعية صينية هناك حوالي 29% منها أكدوا إرادتهم التصدير للأسواق المغاربية، الشرق أوسطية والإفريقية. قبلها بسنة فقط كانت نسبة الشركات الصينية التي تريد التصدير إلى هذه المناطق لا يتعدى 11%، وتقدر الإستثمارات الخارجية المباشرة الصينية تجاه شمال إفريقيا بــ 15% من الإستثمارات الإجمالية.([28]) هناك عدة أسباب دعت الصين لإيلاء إهتمام أكبر بهذا الفضاء؛ وهي: أولاً: وقوعها في تقاطع طرق بين أوروبا ، إفريقيا والشرق الأوسط، فضلاً عن أنها تشكل سوقاً واسعةً لمنتجاتها. ثانياً: إحتياطات الطاقة الكبيرة التي تتربع عليها خاصة البترول في الجزائر وليبيا، والتي تمثل أهمية محورية في مجال تحقيقها للأمن الطاقوي. تعتمد الصين في علاقاتها المغاربية على مقاربة دولة بدولة، وذلك لغياب فضاء مغاربي واحد يمكن أن تتعامل معه.

       هذا الانتشار الصيني في المغرب العربي وإفريقيا، أثار توجساً أمريكاً. لذلك فهي تسعى جاهدةً للحد من هذا الانتشار واحتوائه. وهي في ذلك تتبنى مقاربةً ناعمةً أحيانا، وهي الاعتماد على شركاتها ذات القدرة التنافسية العالية، وأحياناً تلجأ للمقاربة القسرية، أي استخدام الضغوط على النظم الحاكمة لإجبارها على التخلي عن التعامل مع الصين وهو ما حدث ويحدث مع السودان منذ سنوات.

خاتمة

       شكلت سنة 1998، منعطفاً في السياسة الخارجية الأمريكية في المغرب العربي، فلم تعد واشنطن تعترف بخرائط النفوذ الموروثة عن حقبة الحرب الباردة القائمة على اقتسام مناطق النفوذ بين القوى الكبرى. فهي (أمريكا) كقوة عظمى، تبنت سياسة امبراطورية بعد الحرب الباردة فلم تعد أي نقطة في العالم في منأى عن النفوذ الأمريكي، بما فيها منطقة المغرب العربي، التي لطالما اعتبرت مجالاً محجوزاً للنفوذ الفرنسي.

       الأهمية الجيوسياسية لمنطقة المغرب العربي، جعلت الولايات المتحدة تولي انشغالاً بالفضاء المغاربي. لذلك فقد أدخلته في كل المشاريع الإستراتيجية الجديدة التي توجهت نحو الشرق الأوسط مركزاً للإستراتيجية الأمريكية العالمية، غير أن واشنطن تدرج المنطقة المغاربية في هذه المشاريع أحياناً كملحقة للشرق الأوسط عملاً بمبدأ كيسنجر، وأحياناً أخرى تقوم بفك الارتباط بين المنطقتين لاعتبارات أخرى. هذا من جهة، من جهة أخرى، تتعامل أمريكا مع دول المغرب العربي بمقاربتين، الأولى، متعددة الأطراف، ويظهر ذلك في مبادراتها الاقتصادي خاصة (مبادرة ايزنستات)، وذلك سعيا منها لتوحيد السوق المغاربية المعتبرة لتكون وجهة للمنتجات الأمريكية. المقاربة الثانية، تتبنى من خلالها واشنطن علاقات ثنائية مع دول المغرب العربي، ويبرز ذلك أساساً في الأبعاد الأمنية والعسكرية خاصة ملف مكافحة الإرهاب، أين تعتمد على دول محددة في هذا الشأن خاصة الجزائر، التي اعتبرتها دولة محورية في المنطقة المغاربية والساحلية، والمغرب الذي رفعته إلى مصاف حليف أساسي لها خارج الحلف الأطلسي.

       العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول المغرب العربي لا تزال ضعيفة بالمقارنة نظيرتها الأوروبية، باستثناء الجزائر الطاقوية. إذن، فالاهتمام الجديد بالمنطقة المغاربية، بأخذ الأبعاد الإستراتيجية أكثر من الجوانب الاقتصادية، خاصة بعد 11 سبتمبر2001، أين أصبحت الأبعاد الأمنية المحدد الأساسي للسياسة الخارجية الأمريكية في المغرب العربي، فضلاً عن الرغبة في التموقع في المنطقة لمزاحمة القوى الأوروبية خاصةً فرنسا، واحتواء النفوذ الصيني المتزايد في إفريقيا.

 

([1]) Abdennour benantar. « les initiatives américaines (MEPI, GME, BMENA) et le maghreb » dans les etats-unis et le maghreb regain d’intérêt ? (dir: abdenour benantar) alger:cread,2007.pp 25-27.

(*) والملاحظ في هذا الصدد هو استضافة اللقاء السري بين دايان والتهامي، والذي مهد الطريق لزيارة السادات إلى القدس، ورعاية قرارات القمة العربية في قمة فاس 1982، واستضافة الملك الحسن الثاني لرئيس الوزراء الإسرائيلي شيمون بيريز في عام 1986. وفي عام 1993، التقى الملك الحسن أيضا رئيس الوزراء الإسرائيلي اسحق رابين والوفد المرافق له في طريق عودتهم من التوقيع على اتفاقيات أوسلو التي جرت مراسم التوقيع عليها في حديقة البيت الأبيض.

 ([2])بروس مادي فرايتسمان. “علاقات دول المغرب العربي مع اسرائيل: المصالح المتوازية والعلاقات الاستراتيجية”. ترجمة: صادق أبوالسعود. مركز القدس للدراسات السياسية، عمان. 17-09-2009.

([3] ) مارينا أوتاوي. “دعم الديمقراطية في الشرق الأوسط: استعادة المصداقية”. كارنيغي للسلام الدولي، (أيار/ماي 2008.) ص ص 1-2.

([4])فارس بريزات. دمقرطة العالم العربي: فشل إستراتيجية القفز على الواقع. على الرابط:

https://www.arabbarometer.org/sites/…/arabdemocratization.pdf

)[5]( Yahia zoubir. « Les etats unis et le maghreb: primauté de la sécurité et marginalité de la démocratie. » l’année du maghreb, 11, 2005-2006,

)[6]( ــــــــــ  ـــــــــــ la politiqueetrangérealgerienne americaine au maghreb:constances et adaptations. Journal d’etude des relations internationales au moyen orient, Vol. 1, No.1 (juiet 2006). PP 124-125.

([7] ) انظر: قط سمير. خصوصية الشراكة الأطلسية-المغاربية في إطار الحوار المتوسطي للحلف الأطلسي. المجلة الجزائرية للسياسات العامة. العدد: 8، جانفي 2017.

)[8]( Stuart eizenstat. « La politique etrangére americaine à l’egard du maghreb: la nécessité d’une nouveau depart. » www.iemed.org/anuari/2010/farticles/Eizenstat_politique_fr.pdf

(* ) في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 1992 اختار بيل كلينتون لعب الورقة الاقتصادية تحت شعار أمريكا أولاً، ومنذ أيامه الأولى في البيت الأبيض كان تركيزه على الجوانب الاقتصادية ما أعاد انتخابه رئيساً للولايات المتحدة وشجعه على جعل أول أولوياته الانتهاء من عجز الموازنة في مطلع القرن المقبل والوصول إلى موازنة حكومية متوازنة في العام 2002. وعلى المستوى الخارجي، عمل كلينتون على دعم شركات الامريكية للضفر بفرص الاستثمار في مختلف مناطق العالم.

([9] ) السيد خالد التزاني. الانتشار العسكري الأمريكي في إفريقيا: الدوافع والرهانات. المستقبل العربي،  2012. ص 27.

([10] ) اسكندر وولف. تدخلات الولايات المتحدة الأمريكية في الخارج: ظهور مذهب باول؟.ص ص 45-46.

www.au.af.mil/au/afri/aspj/…/apj-a/…2/2011_2_03_Wolf.pdf

)[11]( Antonin tisesron. « Enchevêtrements géopolitiques autour de la lutte contre le terrorisme dans le sahara. » Hérodote n°. 142, la découverte, 3 trimestre, 2011. PP 99-100.

([12] ) أنوار بوخرص. “الجزائر والصراع في مالي.” أوراق كارنيغي، 23 تشرين الأول/أكتوبر 2012. متوفر على الرابط: Http://:www.CarnegieEndowment.org

([13]) قط سمير. “استراتيجية دول الميدان في مواجهة التهديدات الأمنية في الساحل”. ورقة قدمت في إطار ملتقى دولي حول: المقاربة الأمنية الجزائرية في الساحل الإفريقي. كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة سكيكدة، الجزائر، 2014.

([14] ) عبد النور بن عنتر. البعد المتوسطي للأمن الجزائري. الجزائر، المطبعة العصرية، 2005. ص ص 60-61.

)[15]( Bernar ravenel. «  L’Algérie s’intègre dans l’empire ». Confluences méditerranée. N°. 45, printemps 2003. P 120.

)[16]( Luisa dris-ait Hamadouche. « Les relations algero-americaines sous le prisme du terrorisme ». Dans les états unis et le Maghreb (dir: benantar abdennour) op.cit.. P P 167-168.

([17] ) عبد النور بن عنتر. البعد المتوسطي للأمن الجزائري.. مرجع سابق. ص 71.

)[18]( Jean-François coustilliére et helen prestat. « Les etats-unis et le maghreb. » la méditerranée en partage. JFC conseil, www.jfcconseilmed.fr/files/06-10—-EU-et-Maghreb–Geo-economie-n-39.pdf

)[19]( Tahar haroun. « Les investissements americaines au maghreb: etat des lieux et perspectives. » dans les etats-unis et le maghreb. (dir: abdennour benantar) , op. cit PP 77-78.

([20] ) حوار مع الدبلوماسي الأمريكي دوغلاس. ج. ولاس. السفارة الأمريكية بالجزائر.

https://arabic.algeria.usembassy.gov/

([21] ) رياض الخوري. “تقييم اتفاقيات التجارة الحرة بين الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة من جهة، وبعض دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من الجهة الأخرى.” مركز كارنيغي للشرق الأوسط، العدد 8، (حزيران/يونيو 2008). ص 19.

([22] ) قط سمير. أوروبا أمريكا.. رهان المغرب العربي. تنافس اقتصادي أم تكامل أمني؟ مجلة المفكر، العدد: 10، (جوان 2010.) ص 451.

)[23]( Tahar haroun. Op.cit. PP 79.

([24] ) عبد الاله بلقزيز. “الولايات المتحدة الأمريكية والمغرب العربي: من الاهتمام الاستراتيجي إلى الاختراق التكتيكي.” في: الوطن العربي في السياسة الأمريكية. (مؤلف جماعي) (مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2004.) ص ص 74-75.

)[25]( Aomar. Baghzouz. « Rivalité américano-europeénne au maghreb ». Dans (les etats-unis et le maghreb). Op.cit. P 102.

([26] ) عبد النور بن عنتر. مرجع سابق. ص ص 76-77.

([27] ) السيد خالد التزاني. مرجع سابق. ص 30.

)[28]( Investissement chinois et création d’emplois en Algérie et en égypt. African devlopment found, Rapport. P 03.

www.afdb.org/fileadmin/uploads/…/Brochure%20China%20français.pdf


Updated: 2017-07-08 — 10:27

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme