المغالطات الحجاجية وأهميتها التواصلية / يوسف بن زحاف،


 

المغالطات الحجاجية  وأهميتها التواصلية

د.يوسف بن زحاف، قسم اللغة العربية – المركز الجامعي أحمد زبانة، غليزان – الجزائر

مقال نشر في  مجلة جيل الدراسات الادبية والفكرية العدد 49الصفحة 49.

 

 

Abstract

This article deals with the study of the fallacies, which is an authentic branch of the science of argumentation. And tries to clarify the subject, and examine the nature, and its relationship to logic, in terms of being a reversed logic, starting from the goals, and then arrange the necessary premises, and as not based on mental formal logic, but on the emotional logic that the current psychological and neurological studies focus on, How the human self interacts with other selves and objects. Hence, we have tried to emphasize the importance of the fallacies in the communicative process, in terms of which it motivate the dialogue, and establish the philosophy of diversity, which requires the proof and the counter proof. We have also tried to explain their occurrence, the reasons that it calls for.

On the other hand, we have highlighted the interest of ancient scholars in studying and elaborating on their types, both in the Greek philosophical tradition, as the origin of the Aristotelian logic itself was a reaction to the activity of the sophism, or the contemporary linguistic and philosophical studies, which expanded the circle of understanding of this phenomenon.

In order to draw a clearer picture of the fallacies, we have presented some common types of them as examples.

    ملخص

يتناول هذا المقال مبحث المغالطات الحجاجية، التي هي فرع أصيل من فروع علم الحجاج. ويحاول أن يستجلي موضوعها، ويفحص عن طبيعتها، وعلاقتها بالمنطق، من حيث كونها منطقا معكوسا، ينطلق من النتائج والغايات، ثم يرتّب لها المقدمات اللازمة، وباعتبارها لا تتأسس على المنطق العقلي الصوري، ولكن على المنطق العاطفي الذي التفتت إليه الدراسات النفسية والعصبية المعاصرة، فأبرزت كيفية تفاعل الذات الإنسانية مع غيرها من الذوات والأشياء. ومن هنا فقد حاولنا أن نقف على الأهمية التي تكتسيها المغالطات الحجاجية في العملية التواصلية، من حيث هي المحرك الأول للحوار، والقاعدة التي تتأسس عليها فلسفة الاختلاف، بما تستدعيه من اعتراض واعتراض مضاد، وبرهان وبرهان مضاد. كما حاولنا أيضا أن نعلّل حدوثها، والأسباب والدواعي التي تستدعيها.

ومن جهة أخرى أبرزنا اهتمام العلماء منذ القديم بدراستها والإسهاب في تبيان أصنافها، سواء في التراث الفلسفي اليوناني، باعتبار نشأة المنطق الأرسطي نفسه كان ردّة فعل على النشاط السوفسطائي المغالطي، أم في الدراسات اللسانية والفلسفية المعاصرة، التي وسعت من دائرة الفهم لهذه الظاهرة، وآليات اشتغالها.

ومن أجل رسم صورة أوضح للمغالطات الحجاجية، قدمنا بعض النماذج الشائعة منها على سبيل التمثيل لا الحصر.

الكلمات المفتاحية : اللغة – الحجاج – المغالطة – المنطق – الإقناع

مقدمة

  يحتل مبحث المغالطات الحجاجية مرتبة متقدمة في البحث الحجاجي المعاصر. إن هذا المبحث فرع أصيل، وتطوّر طبيعي للدراسات اللسانية، التي عُنيت بالتواصل الإنساني، وبطبيعة هذا التواصل، وبالأساليب التي تعتمدها أطراف التواصل من أجل التأثير في الغير أو الاستحواذ عليه وتطويعه.

وفي هذه الورقة البحثية سنحاول أن  نستجلي موضوع المغالطات الحجاجية، ونفحص طبيعتها، وأهميتها في العملية التواصلية، وأسباب حدوثها. ونقدم في الأخير النماذج الشائعة منها.

مفهوم المغالطة الحجاجية

المغالطة نوع من أنواع الحجاج، وهي تحتل الموضع المقابل للحجاج البرهاني، ولذا فهي ” استدلال فاسد أو غير صحيح يبدو كأنه صحيح، لأنه مقنع سيكولوجيا، لا منطقيا، على الرغم مما به من غلط مقصود “[1]، أو غير مقصود؛ فليس بالضرورة أن يكون يكون الغلط مقصودا ليكون تغليطا. وهذا يعني أن المغالطة حجاج يهدف إلى الإقناع بوجهة نظر ما، أو فعل أمر أو تركه، ولكنه يعتمد أساليب متنوعة، شديدة التنوع من أجل الوصول إلى الهدف المنشود، لا غير. ويعرفها الشريف الجرجاني بالقول : ” المغالطة : قياس فاسد، إما من جهة الصورة أو من جهة المادة (…) وقيل المغالطة مركبة من مقدمات شبيهة بالحق، ولا يكون حقا، ويسمى سفسطة، أو شبيهة بالمقدمات المشهورة، وتسمى مشاغبة “[2].

مبررات دراسة المغالطات الحجاجية

إنّ مبحث المغالطات الحجاجية مبحث مكمّل وداعم لمبحث الحجاج المنطقي. وإذا كان الصواب لا يُعرف حقيقةً إلا بالخطأ، فإن دراسة المغالطات الحجاجية تُعتبر واجبا لا معدَل عنه؛ ذلك أن النمو المعرفي للإنسان، حسب بياجيه ( J. Piaget)، عملية معقدة جدّا، وتعتبر الأخطاء المنطقية والاستدلالية فعلا طبيعيا عبر مراحل مختلفة من مراحل التعلّم، فـ ” كل مفهوم مكتسب ينطوي على استدلال ما “[3]. ثم إن ” الأخطاء ليست في الغالب نتيجة عدم الانتباه، بل نتيجة شكل أولي من التفكير الاستدلالي “[4]. ولذلك، لا يجب أن ينظر إلى المغالطات الحجاجية كنشاط منافٍ لطبيعة الإنسان، بل هو نشاط يدخل في صميم تكوينه السيكولوجي. وهو مظهر مهم من مظاهر النمو المعرفي لديه. كل ما في الأمر أن فحص هذه المغالطات ودراستها يفتح آفاق جديدة من المعرفة بالتفكير الإنساني من جهة، وبطرائق الاستدلال لديه، ومن ثمّ المحاججة والإقناع.

أهمية المغالطات الحجاجية في العملية التواصلية

ومن جهة أخرى تعتبر المغالطات الحجاجية هي المحرك الأول لفعالية الحوار، إذا لا ينفك المتحاوران يعترض أحدهما على الأخر، أو يصحّح له، أو يوافقه، أو يخالفه، فـ ” المنطوق به الذي يستحق أن يكون خطابا، هو الذي يقوم بتمام المقتضيات التعاملية الواجبة في حق ما يسمى بـ « الحجاج »، إذ حدُّ الحجاج أنه كل منطوق به موجه إلى الغير لإفهامه دعوى مخصوصة بحق له الاعتراض عليها.

وهكذا يتضح أن حقيقة الخطاب ليست هي مجرد الدخول في علاقة مع الغير، وإنما هي الدخول معه فيها على مقتضى الادعاء والاعتراض، بمعنى أن الذي يحدّد ماهية الخطاب إنما هو « العلاقة الاستدلالية »، وليس العلاقة التخاطبية وحدها : فلا خطاب بغير حجاج، ولا مخاطِب  )بكسر الطاء( من غير أن تكون له وظيفة « المدّعي »، ولا مخاطَب )بفتح الطاء( من غير أن تكون له وظيفة « المعترض »”[5].

نخلص من هذا كله إلى أن العملية التخاطبية هي عملية حجاجية في الأساس، وتدخل المغالطة في بنيتها بصورة طبيعية ومتكرّرة، جليّة حينا، وخفيّة في أحيان كثيرة. ومع تعدّد الأسباب والدواعي التي تدعو إليها. فالذي لا شك فيه أنها تلعب دورا مهما في تنشيط عملية الحوار، ودوامه. كما أنها تعلب دورا مهما في البناء المعرفي للإنسان؛ فمن خلال الاعتراض، والمطالبة بالبرهان، يرتقي الحوار إلى مستويات عليا من البيان الحجاجي، ومن ثمّ إعدام الدعاوى غير البرهانية والإبقاء على الدعاوى البرهانية.

ثم إن المغالطات الحجاجية هي المعيار الصريح لفلسفة الاختلاف، كونها ترشدنا إلى مذاهب الناس وتوجّهاتهم وإيديولوجياتهم، وخلفياتهم الاجتماعية والفكرية. إذ لا ينفك المتعارضان يدافعان عمّا يذهبان إليه من رأي، ويتوسلون إليه الوسائل السليمة والمضلّلة. وفي كل ذلك ثراء لا يخفى على أعين النقاد.

وعلى عكس ما يتم تداوله في دراسة المنطق الصوري، من أمثلة منتقاة بعناية، ومجرّدة من كل الملابسات الفعلية للخطاب الحجاجي، فإن الحجاج في واقع الأمر نسيج شديد التعقيد، تتداخل فيه مجموعة كبيرة من العوامل، لعل أهمها العوامل اللسانية، فـ ” الحجة حين ترد في الواقع الحيّ لا تأتي مجرّدة مصفّاةً، ولا تكشف صيغتها المنطقية للمتلقي بسهولة وطواعية، إذن لكان تمحيصها أيسر عليه بما لا يحدّ، إنما تأتي الحجة دائما ممتزجة بلحم اللغة ودمها، متلفّعة بانفعالات الناس وأعرافهم، مورّبة بتضاريس الواقع، وبشؤون الناس وشجونهم.

وما تشكّل الصيغة المجردة للحجة (المقدمات المؤدية إلى نتائج) إلا لبّا ضئيلا أو هيكلا نحيلا متواريا وراء طبقة كثيفة من الاعتبارات الدلالية (…) والتداولية (…) للغة، ومن طبيعة الخصم وأيديولوجيته وسيكولوجيته، من مقام الحديث وسياق الجدل، من عواطف جمهور الحاضرين وانتماءاتهم وتحيّزاتهم “[6].

المنطق العاطفي

إن التواصل الإنساني الطبيعي لا يُبنى، في أغلب الأحيان، على المنطق البرهاني. وأطراف التواصل تعمد بقصد أو بغير قصد إلى أساليب المغالطة المخادعة من أجل الوصول إلى غاياتها ومقاصدها، دون مراعاة البناء المنطقي السليم. وهذا يدلّنا في مبتدإ الأمر على أن طبيعة التواصل ترتكز في الأساس على مبادئ مقاصدية براغماتية، لأنها محكومة بالعواطف، التي تتموضع الرغبة في مركزها. وعلى عكس من يرى أن التواصل اللغوي منطقي في الأساس، نرى نحن أن هذا التواصل تتحكم فيه معطيات كثيرة غير منطقية في أغلبها. وفي مركزها تتموضع العواطف. على أساس أن ” وراء كل عاطفة أحكام ومعتقدات عليها ينصب الفعل الحجاجي، وعنها يدافع المتكلم إذا أراد أن يبرر العاطفة التي يشعر بها، وإليها يصوّب نقده حين يروم تقويض مشروعية عواطف غيره “[7].

وقد أثبتت الدراسات النفسية والفسيولوجية الحديثة أن الكائن البشري يمتلك نشاطين عقلين متمايزين تشريحيا ووظيفيا : عقلا منطقيا، وعقلا عاطفيا انفعاليا.

و” هاتان الطريقتان اﻟﻤﺨتلفتان اختلافا جوهريا للمعرفة، تتفاعلان لبناء حياتنا العقلية. الأولى، طريقة العقل المنطقي، وهي طريقة فهم ما ندركه تمام الإدراك، والواضح وضوحا كاملا في وعينا، وما يحتاج منا إلى التفكير فيه بعمق وتأمّله. ولكن … إلى جانب هذا، هناك نظام آخر للمعرفة قوي ومندفع، وأحيانا غير منطقي. هذا النظام هو العقل العاطفي “[8].

ومع ما قد يكون بين هذين العقلين من تفاعل وتعاون في مواقف حياتية عديدة، ففي الأغلب الأعم يتم التضحية بالعقل المنطقي، ليفسح المجال لهيمنة العقل العاطفي، فـ ” عقول البشر، [ كما يقول علماء الأعصاب ]، لا تعمل بالطريقة التي يقول بها المناطقة. فإذا كان اقتناع رجل بفكرة «أ»، ينبغي منطقيا اقتناعه بالفكرة «ب»، فإن الواقع يخبرنا أن هذا الانتقال المنطقي هو الاستثناء وليس القاعدة. فالأعم الأغلب هو الانتقال بين الأفكار عن طريق التداعي النفسي والإيحاء، [ وإذن فهذه الانتقالات هي ] انتقالات نفسية وليست منطقية “[9].

المغالطة منطق معكوس

إن من أهم الأسباب التي تؤدي إلى الوقوع في المغالطة الحجاجية، قصدا أو عن غير قصد، هو في الحقيقة القيام بعملية منطقية معكوسة، يتم الانطلاق فيها من النتيجة ثم الاتجاه نحو صوغ المقدمات المؤدية إليها. أي أن العملية المنطقية برمّتها تكون معكوسة. ولعل هذا من الخصائص التي تميّز الإنسان عن الحيوان. إن قدرة الإنسان على تصّور المآلات التي تؤول إليها الأحداث والوقائع والمنازعات تصورا خياليا[10]، وارتباط الإرادة بهذه المآلات سلبا وإيجابا، هو الذي يؤخر دور المنطق لحساب الإرادة. ومن هنا تنشأ المغالطات الحجاجية بشكل طبيعي ومتكرّر، يخفى على المتكلم نفسه، فضلا عن المتلقي.

إن جلاء هذه الإشكال يتطلب البحث في كيفية تعلّق الإرادة بمتعلّقاتها، وهل هذا التعلق يكون عقلانيا أو غير عقلاني. ومهما تكن حجج القائلين بعقلانية الإرادة، فالذي لا شك فيه أن هناك جانبا لاعقلانيا كبيرا في قرارات الإنسان ومواقفه، أو هو على الأقل يستند إلى قرارات لاواعية تنبعث من أعماق النفس الإنسانية. ويذهب شوبنهور(A. Schopenhauer)، على خلاف أستاذه كانت (E. Kant) إلى أن ” الإرادة ليست مبدأ عاقلا منظما، يستهدف غايات محددة ويسير نحو تحقيقها تبعا لخطة مرسومة، وإنما هي أساسا اندفاع أعمى، وقوة طاغية لا ضباط لها ولا نظام، أما ذلك الذي نطلق عليه اسم العقل، أو الروح، أو الذكاء، فما هو إلا أداة في يد هذه القوة الغاشمة تتحكم فيه كما تشاء “[11]. ومعنى هذا أن فعل الإرادة أعمق جذرا من فعل التعقّل، أو بالأحرى تعتبر الإرادةُ التعقلَ وسيلة من وسائلها وأداة من أدواتها، لا العكس. ولذلك فهي تفعّله أو تثبّطه تبعا لأحوالها المختلفة.

جذور الحجاج المغالطي في الحضارات القديمة

ولعل تفطّن الإنسان لما في المغالطة الحجاجية من قوّة، وقدرة على التأثير، بغض النظر عن كونها تعّبر عن الحقيقة أم لا، هو الذي دفع البعض من الفلاسفة إلى احترافها، وتوظيفها من أجل الغلبة، والتكسّب بتعليمها للناس. وفي اليونان القديمة نشأ تيار فلسفي قائم بذاته هو التيار السوفسطائي؛ وأصحابه ”  كانوا يفاخرون بتأييد القول الواحد ونقيضه على السواء، وبإيراد الحجج الخلابة في مختلف المسائل والمواقف. ومن كانت هذه غايته، فهو لا يبحث عن الحقيقة، بل عن وسائل الإقناع والتأثير الخطابي”[12]. وأبرز زعماء هذا التيار : بروتاغوراس الإبديري (Protagoras of Abdera) وغورغياس الصقلي (Gorgias of Siceliot) وبروديكوس دو سيوس (Prodicos de Ceos).

ولا ينبغي إنكار إسهام الأساتذة السوفسطائين في تطوير أساليب الحجاج بعامة، والحجاج المغالطي على وجه الخصوص، ” إن إسهام السفسطائيين في نظرية الحجاج تبقى جوهرية، (وكذلك أفكارهم عن اللغة)، فلقد وضعوا، على سبيل المثال، نظاما لاستخدام محسنات التأطير (figures de cadrage) التي تسمح بتقديم وجهة نظر، أو تصويب رؤية، أو ميزة لموضوع، أو لرأي ما. وقد كان ذلك أيضا فنّا يسمح بإظهار الأقل ضعفا. وهذا يعدّ السمة الأكثر قوة “[13].

 لقد راهنوا في الأساس على ” عالم يمكن أن يكون متعلقا باللغة، عالم مخلوق ومحتوى في الكلام الإنساني فقط “[14]، وهذا في حد ذاته تعبير عن وعي عميق بدور اللغة، وأهميتها، وخطورتها كسلاح لا يختلف في شيء عن أي نوع من أنواع الأسلحة المادية التي يستخدمها الإنسان في الحفاظ على وجودة والدفاع عن كيانه، أو هذه الأدوات التي يصطنعها لقضاء حوائجه ومآربه.

 وفي المقابل نشط تيار آخر يقوده أرسطو (Aristote) متسلحا بالمنطق العقلي، ليفضح مغالطات هذا التيار. وفي الحق : لولا السوفسطائية، وما اعتمدته من مغالطات حجاجية، لما أنشأ أرسطو المنطق الصوري. إن منطق أرسطو كما يتجلى في شروحات ابن رشد منطق استدلالي بامتياز، أكثر منه منطق مشاعر، ولذلك فقد أخد أرسطو على صناع الكلام من سوفسطائيين وأفلاطونيين أنهم يخصّصون الجزء الأكبر من احتجاجاتهم لمسائل خارجة عن ماهية الموضوع، وبالتالي فهم، لكي يؤثروا في القضاة، فإنهم يستخدمون الظنّ والشفقة والغضب وغيرها من المشاعر النفسية.

 وفي تاريخ الاسلام نشأت مدرسة الكلام الاعتزالية بعد تفشي الحجاج المغالط بين الفرق السياسية الإسلامية، التي تحولت بعد حين إلى فرق كلامية. تعتمد كل أساليب المغالطة من أجل الغلبة والظهور على الخصم. ولذلك يقول الجاحظ : ” ولولا الكلام لم يَقُم لله دين، ولم نَبِنْ من الملحدين، ولم يكن بين الباطل والحقّ فرق، ولا بين النبي والمتنبِّي فصل، ولا بانت الحُجة من الحيلة، والدليل من الشُّبهة “[15].

وأنت ترى أن الجاحظ في هذه العبارة يقسم الكلام قسمين : قسم يعتمد الحجة والدليل، وقسم آخر يعتمد الحيلة والشبهة، أي المغالطة. ويبيّن بوضوح أن دور علم الكلام دورٌ معياري يفضح المغالطة ويكشف عن جوهرها الواهي.

والحقيقة : إن تاريخ الكلام في الاسلام هو تاريخ حافل بالنضال الحجاجي، ومن الطبيعي أن تحتل فيه المغالطة الحجاجية موقعا متميزا. وإذا كنا لا نعرف على وجه الدقة تيارا بعينه احترف المغالطة كاستراتيجية كلامية، كما احترفها السوفسطائيون اليونان، فإن التيارات والمذاهب الاسلامية، دون استثناء، قد انتهجت المغالطة كأسلوب يتغيّى الغلبة والظهور على الخصم. ويكفي أن تراجع أيّ كتاب من كتب الكلام القديمة لتقف على  حجم المناورات التي يعتمدها هذا التيار أو ذاك.

دراسة المغالطات الحجاجية

وإذن فقد كان للمغالطة الحجاجية إسهام كبير في نشأة العلوم المعيارية كالمنطق الصوري عند اليونان، وعلم الكلام في الإسلام. وفي اليونان القديمة درس أرسطو المغالطات الحجاجية وأحصاها وصنفها في كتاب السوفسطيقا[16]. ويستعرض لنا عبد الرحمان بدوي هذا الكتاب، الذي كثرت ترجماته العربية، وأشهر أبوابه : (1) القياس والمغالطة، (2) أنواع الحجج في المناقشة، (3) الأغراض الخمسة للحجاج السوفسطائي، (4) التبكيت في القول، (5) التبكيتات التي خارج القول، (6) رد الأغاليط إلى تجاهل الرد، (7) أسباب الأغاليط، (8) المباكتات السوفسطائية في المادة، (9) استحالة معرفة كل التضليلات، وغيرها.

إن كثرة أبواب المغالطات الحجاجية، وتنوعها، يدل دلالة واضحة، على أن هذا المبحث قد درس دراسة متأنية مستوفية، كما هي الحال في أبواب المنطق الأخرى، التي تتجلى بوضوح في شروحات ابن رشد[17]. ومهما يكن فهم الفلاسفة اليونان لطبيعة اللغة ودورها التواصلي، فالذي لا شك فيه أنه كان هناك وعي عميق بطبيعتها الحجاجية، وقدرتها على بيان الحقيقة أو تزييفها. ويعتبر استثمار المغالطات الحجاجية في تطويع الغير والاستحواذ عليه، من جهة، ودراستها دراسة كشف وتعرية، من جهة أخرى، أكبر دليل على هذا الوعي.

وفي العصر الحديث درست المغالطات الحجاجية، من نواحي عديدة، لعل من أبرزها دراسات تيار ما يسمى بالتفكير النقدي Critical Thinking ، في أمريكا، والذي عمل على ” رسم الحدود بين مسلكين في الاستدلال والاحتجاج للرأي : مسلك أوّل يكون فيه الاستدلال منتجا لأنه يصدر عن نية حسنة، وينأى من ثمّ عن المغالطة والخداع، ومسلك ثان، همُّ أصحابه الإيقاع بالآخر وحمله على الإذعان، حتى إن اقتضى ذلك تضليله ومخادعته … [ولذلك فقد] كان من أبرز أهدافه إنشاء نماذج تعليمية تعمل على إشاعة التفكير النقدي وتنميته عند المتعلمين، ومدهم بطرائق تحليلية، حتى يتملّكوا حسّا نقديا يمكنهم من إعمال عقولهم إعمالا نقديا في مختلف المسائل التي تعرض عليهم في حياتهم اليومية “[18].

ومن هؤلاء : دوجلاس والتون (Douglas W.) في كتابه : النظرية التداولية للمغالطة (A Pragmatic Theory of Fallacy, 1995)، وجون وودس (John W.) في كتابه : الحجاج : منطق المغالطات (Argument : The logic of falacies, 1982)، وشارلز هامبلن  (Charles H.) في كتابه : المغالطات (Falacies, 1970).

ولكن ما هي أبرز المغالطات الحجاجية ؟

سنعرض فيما يلي طائفة صغيرة من المغالطات الحجاجية، وهي طائفة نقدمها على سبيل التمثيل لا الحصر، وإلا فإن أنواع المغالطات تتعدد بصور لا نهائية، ولا يمكن حصرها بحال، وهي تتجلى في أشكال غاية في التعقيد والمراوغة.

مغالطة المصادرة على المطلوب

ومن أبرز المغالطات التي تتكرر بصورة دورية، ما يسميه علماء المنطق بمغالطة المصادرة على المطلوب، وهي أن يجعل المطلوب نفسه مقدمة في قياس يراد إنتاجه. بمعنى أنك ” تفترض صحة القضية التي تريد البرهنة عليها، وتضعها بشكل صريح أو ضمني في إحدى مقدمات الاستدلال. وأنت بذلك تجعل النتيجة مقدمة، وتجعل المشكلة حلا، وتجعل الدعوى دليلا. وهو ضرب من الحجة الدائرية arguing in a circle. والاستدلال الدائري ليس مغالطا في صميمه، ولكنه يغدو كذلك حيثما استخدم لكي يموه على فشل في حمل عبء البرهان. وتنجم المشكلة حيثما كانت النتيجة المراد إثباتها مفترضة أصلا داخل المقدمات التي يتعين على الخصم أن يسلم بها ويبدأ منها “[19].

وقد انتبه إليها علماء العرب القدامى بصورة مطابقة لما هو متعارف عليه اليوم. وقد رصدها التهانوي في معجمه قائلا : هي ” عند أهل النظر، تطلق على قسم من الخطاء في البرهان لخطاء مادته من جهة المعنى، هي جعل النتيجة مقدمة من مقدمتي البرهان، بتغيير ما، وإنما اعتبر التغيير بوجه ما ليقع الالتباس، كقولنا هذه نقلة، وكل نقلة حركة، فهذه حركة، فالصغرى ههنا عين النتيجة “[20].

وإذن فمن المفترض أن يكون البرهان أبين مما يراد البرهنة عليه. وذلك هو الأصل. وإلا، فإن كان هناك اختلاف حول قضية ما، فمن الطبيعي أن يرتدّ الحجاج إلى قضية لا خلاف عليها، لتكون بمثابة الأرضية المشتركة التي يصح الوقوف عليها.

والمصادرة، لدقتها، قد تخفى على حذّاق المتكلمين؛ لأنها ” تتلون … بألوان كثيرة وتتخذ أشكالا متعددة، وتجيد التخفي أحيانا في هيئة يتعذر كشفها إلا على المنطقي الخبير”[21]. وقد حدثت بالفعل مع أرسطو، وهو أب المنطق الصوري من غير منازع، وقع فيها حين استنتج أن الأرض هي مركز الكون، بناء على احتجاج معكوس، وبقي تصوّره هذا سائدا إلى بدايات العصر الحديث. وذلك أنه افترض أن الأجسام الثقيلة تميل إلى مركز الأرض، والخفيفة تبتعد عنه، والتجربة تعلمنا أن الأجسام الثقيلة تميل فعلا إلى مركز الأرض، وإذن فمركز الأرض هو مركز العالم. يقول بدوي : ” إن المقدمة الكبرى هنا فيها مصادرة على المطلوب، فإن التجربة تدلنا حقّا على أن الأجسام الثقيلة تميل إلى مركز الأرض، والخفيفة تبتعد عنه، ولكن من أين يقول لنا أرسطو إنها تميل إلى مركز العالم، إذا لم يكن يفترض أن مركز الأرض هو بعينه مركز العالم؟ وهذا هو المطلوب البرهنة عليه”[22].

وفي الدراسات المتعلقة بإعجاز القرآن الكريم، نجد مثل هذه المغالطات عند العجز عن البرهنة على فكرة بعينها، أو القصور عن إيجاد الشاهد والدليل على ما يذهب إليه المتكلم، كما حدث مع الرافعي عندما فحص دعوى إعجاز القرآن، وتتبع تاريخها الطويل، وانتهى إلى رأي عبد القاهر الجرجاني في « النظم ». وأعلن هذه النتيجة الغريبة : ” ومحصل هذا المذهب أن الإعجاز في القرآن كله، لأن القرآن كله معجز .. وهو معجز لأنه معجز .. “[23].

إن هذا النوع من المغالطات يُبيّن بوضوح مجموعة من المسائل : يبين أولا كيفية عمل العقل البشري، ففي الأغلب الأعم ينطلق المتكلم من قناعات مُضمرة، هي بالنسبة إليه مسلمات لا نقاش فيها، ومن ثمّ فهو يعمد، إلى تبريرها، لا إلى بنائها، وذلك بالانطلاق من النتيجة صوب بناء المقدمات، وليس العكس، كما يفترضه المنطق السليم. وعليه، فلو لم يكن أرسطو على قناعة تامة أن الأرض هي مركز الكون، لما كان له أن يبني مثل هذه الحجة المعكوسة. ولو لم يكن الرافعي على قناعة تامة بإعجاز القرآن، لما استدل على القضية بنفسها.

ومن جهة ثانية، فإن الكلام في الواقع الحي يختلف جدا عما هو عليه في علم المنطق. إن الواقع اللغوي الحي هو على درجة كبيرة جدا من التعقيد، يجعل منا ننتبه إلى أن اللغة هي في حد ذاتها شبكة منطقية قائمة بذاتها. ولذلك فمن المناسب أن نتكلم عن منطق اللغة لا عن لغة المنطق، أو ما يسميه بعض الباحثين بالمنطق الطبيعي La logique naturelle ، في مقابل المنطق الصوري والرياضي[24].

مغالطة الحجاج بسلطان القوة

ومن أشيع أساليب المغالطة الحجاج بسلطان القوة. وهذا الأسلوب يصادر أول ما يصادر حق الاعتراض، الذي هو حقٌّ مؤسّس لمشروعية الخطاب، كما ذهب إلى ذلك طه عبد الرحمان. بل هو يصادر الحق في الاختلاف، ويصادر حق الاستقلال في النظر. إنه بكل بساطة « يُعدم » الآخر إعداما نهائيا. ولا يرضى إلا بالوحدانية، التي هي ليست من صفات البشر على الإطلاق. وفي القرآن الكريم يقول فرعون : ﴿ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾ [القصص 38]، بصيغة الحسم، والتي إن دلت على شيء فإنما تدل على إغلاق الحوار بصورة باتّة ونهائية. ونجد في تفسير الرازي تحليلا دقيقا لهذه المغالطة، نلخصه كالتالي :

يقول الرازي : ” اعلم أن فرعون، كانت عادته، متى ظهرت حجة موسى، أن يتعلق في دفع تلك الحجة بشبهة يروجها على أغمار قومه … [أما] قوله : « مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِى »، [فـ] هذا في الحقيقة يشتمل على كلامين : أحدهما : نفي إله غيره، والثاني : إثبات إلهية نفسه.

فأما الأول فقد كان اعتماده على أن ما لا دليل عليه لم يجز إثباته، أما أنه لا دليل عليه، فلأن هذه الكواكب والأفلاك كافية في اختلاف أحوال هذا العالم السفلي فلا حاجة إلى إثبات صانع، وأما أن ما لا دليل عليه لم يجز إثباته فالأمر فيه ظاهر. واعلم أن المقدمة الأولى كاذبة، فإنّا لا نسلم أنه لا دليل على وجود الصانع، وذلك لأنا إذا عرفنا بالدليل حدوث الأجسام عرفنا حدوث الأفلاك والكواكب، وعرفنا بالضرورة أن المحدث لا بدّ له من محدث فحينئذ نعرف بالدليل أن هذا العالم له صانع … وإن فرعون لم يقطع بالنفي، بل قال لا دليل عليه فلا أثبته بل أظنه كاذباً في دعواه …

أما الثاني وهو إثباته إلهية نفسه، فاعلم أنه ليس المراد منه أنه كان يدعي كونه خالقاً للسموات والأرض والبحار والجبال وخالقاً لذوات الناس وصفاتهم، فإن العلم بامتناع ذلك من أوائل العقول فالشك فيه يقتضي زوال العقل، بل الإله هو المعبود فالرجل كان ينفي الصانع ويقول لا تكليف على الناس إلا أن يطيعوا ملكهم وينقادوا لأمره، فهذا هو المراد من ادعائه الإلهية لا ما ظنه الجمهور من ادعائه كونه خالقاً للسماء والأرض “[25].

وأنت ترى ما في هذا التحليل من دقة وعمق، وهو يركز أول ما يركز على فضح هذا النوع من المغالطات، وتفكيكه إلى وحداته الصغرى، من أجل كشف زيفه من الوجهة الحجاجية. إلا أن ما نريد أن نلفت إليه النظر، هو استغلال المتكلم سلطان القوة استغلالا بشعا من أجل إرساء قناعات لا يؤيدها المنطق البرهاني. وأنت تلاحظ أيضا كيف أن الرازي تفطّن إلى أن هذه الدعوى، لم تكن في جوهرها من أجل إثبات دعوى الألوهية حقيقة، ولكنها كانت لإثبات وجوب الطاعة للسلطان والانقياد لأمره. ما يجعلنا نؤكد مرة أخرى أن جوهر الأغلوطة الحجاجية، هو أنها لا تبنى بناء برهانيا طبيعيا، بحيث يتم الانتقال من المقدمات إلى النتائج، انتقالا طبيعيا، ولكن بالعكس يتم تحديد الهدف والغاية، ثم قولبة المقدمات حسب هذه النتيجة.

وفي مثال آخر، يتكرر هذا النوع من الحجاج المغالطي مع زياد بن أبيه والي البصرة في بداية العصر الأموي، عندما ألقى على العراقيين تلك الخطبة التي سماها المؤرخون : البتراء، وأثبتها الجاحظ في البيان والتبيين. قال زياد ” إني أقسم بالله لآخذن الولي بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والمطيع بالعاصي، والصحيح منكم في نفسه بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول:  انجُ سعد فقد هلك سعيد … أيها الناس، إنا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء لله الذي خوَّلنا، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل فيما وُلِّينا “[26]. فانظر إليه كيف يحتجّ بسلطان القوة، ليصل إلى إقناع مخاطبيه بوجوب الطاعة، والاستكانة لإرادة الحاكم، من حيث هو محق فيما يذهب إليه أو غير محق.

ومن الوجهة النفسية، تدل مغالطة الحجاج بسلطان القوة على نرجسية متورمة جدا، لا تؤمن بالاختلاف، ولا بتعدد وجهات النظر. وهذا ما يخرج الحوار من دائرة الممكن إلى مزالق العنف، كما يرى محمد العمري، حيث ” يصادر أحد الطرفين حق الآخر في المعرفة أو النظر أو الاعتبار …. وهو أخطر الانزلاقات، لكونه يضرب المبدأ “[27].  ويؤكد من جهة أخرى ما قلناه من أن الأغلوطة الحجاجية تتجاوز المنطق لتتأسس على العاطفة، التي تكون الرغبة جوهرها.

مغالطة الحجاج بالسلطة

تتنوع أشكال السلطة في حياة الإنسان. وهي تمارس في لا وعيه ضغطا رهيبا يحول دون اعتبار الأشياء اعتبارا مجردا، والقصور الطبيعي الذاتي للفرد عن الإحاطة علما بكل شيء، يحمله مضطرا إلى أن يصل علمه بعلوم غيره من الأفراد، أو الهيئات، أو العلماء، أو الأجداد، أو غيرهم، من حيث تكون هذه الأصناف موضع ثقة لديه. وهنا مكمن الخطر، فقد تكون هذه الأصناف، التي ذكرناها، وغيرها، متصفة فعلا بما يزعم لها المحاجج من صفات العلم والخبرة والمصداقية. وهنا تكون هذه الدعائم معززا للمضمون الحجاجي لدى المدعي. ولكن في الوقت نفسه قد تكون على غير ما يزعم لها المحاجج من علم وخبرة ومصداقية، أو قد تكون فعلا ذات علم ومصداقية وخبرة، ولكن اجتهادها في ذلك الموضع غير موفق وغير صائب، فيكون هنالك السقوط في مأزق المغالطة بالسلطة. وعليه تكون المحاججة بالسلطة قائمة دائما وأبدا مقام الارتياب من قبل المخاطَب.

وعلى سبيل المثال، فإن الذي حمل عبد القاهر على صياغة نظريته حول النظم، هو تفشي القول ببلاغة الكلام بناء على فصاحة الكلمة المفردة، أعني اعتماد هذا الرأي من قبل علماء لهم صيت ومكانة، وتفشيه بين طلابهم. حتى صارت مراجعة هذا الرأي، فضلا عن معارضته، تقع موقع التهمة، ما حمله على أن يقول : ” واعلم أن القول الفاسدَ والرأي المدخولَ، إذا كان صدَرُه عن قوم لهم نباهةٌ وصيتٌ وعلوّ منزلةٍ في أنواع من العلوم، غير العلم الذي قالوا ذلك القول فيه، ثم وقع في الألسن فتداولته ونشرته، وفشا وظهر، وكثر الناقلون له والمشيدون بذكره، صار ترك النظر فيه سنّة، والتقليد دينا. ورأيت الذين هم أهل ذلك العلم وخاصته والممارسون له، والذين هم خلقاء أن يعرفوا وجه الغلط والخطإ فيه، لو أنهم نظروا فيه، كالأجانب الذين ليسوا من أهله، في قبوله والعمل به والركون إليه. ووجدتهم قد أعطوه مقادتهم، وألانوا له جانبهم … وكم من خطإ ظاهر ورأي فاسد حظي بهذا السّببِ عند الناس، حتى بوّأوه أخص موضع من قلوبهم، ومنحوه المحبّة الصادقة من نفوسهم، وعطفوا عليه عطف الأم على واحدها. وكم من داء دويّ قد استحكم بهذه العِلّة، حتى أعيا علاجه، حتى بعل به الطبيب”[28].

 وإذن، لم تمنع سلطة هؤلاء العلماء عبد القاهر من أن يراجع القضية برمتها، ويخرج بدلائل الإعجاز، مبرهنا ومحاججا عن تصوره فيما يخص السرّ في بلاغة القول، ولو أنه ركن إلى احتجاج خصومه بسلطة العلماء وأسمائهم الفخمة لما وصل إلى شيء.

كذلك فعل عمرو شريف في مناقشته لقضية الإلحاد من منظور علمي بحت، عندما ناقش طائفة كبيرة من كبار العلماء حول هذه القضية، ولم تمنعه ضخامة الأسماء التي تبنت الإلحاد من المراجعة والبحث والتقصي، وعندما وصل إلى ستيفن هوكنغ قال : ” عندما يتبنّى هوكنج أن الكون أنشأ نفسه من عدم، فقد وقع في مغالطة علمية وعقلية كبيرة. فرأيه يعني أن شيئا لم يوجد بعدُ قادر على إيجاد ذاته. إن اللامنطقية تظل لا منطقية، حتى وإن صدرت عن عالم عالمي شهير “[29]. فانظر إلى الدقة في النفاذ إلى حجة خصمه ليوهنها، فاللامنطقية تظل لا منطقية حتى وإن صدرت عن عالم عالمي مشهور، أي أن الاحتجاج بالسلطة مغالطة شائعة بين المتخاصمين في كل وقت وحين. وكل احتجاج برهاني، يقوم أول ما يقوم على الكشف عن زيف هذا النوع من المغالطات.

وإذن متى يكون الاحتكام إلى السلطة من المغالطات المنطقية[30] ؟

  1. إذا كان الاحتكام إلى السلطة غير ضروري، كأن يخضع الأمر إلى الملاحظة أو الحساب، فهما أعلى يقينا ويجبّان أي سلطة. (…).
  2. إذا كانت الدعوى خارج مجال الشخص الذي يحتكم إليه كسلطة. (…).
  3. إذا كان هناك خلاف بين الخبراء في المسألة لمعينة. ففي هذه الحالة تكون الدعوى ونقيضها مدعومتين برأي بعض الخبراء الثقات، بحيث لا يمكن حسم المسألة بمجرد الالتجاء إلى رأي خبير. (…).
  4. إذا كان الخبير متحيّزا أو تكتنفه شبهة التحيز. فالخبراء بشر، غير معصومين من غريزة التحيز والهوى.(…).
  5. إذا كان مجال الخبرة علما زائفا. فالخبرة بالوهم ليست خبرة على الإطلاق. (…).
  6. إذا كانت الخبرة أو الفتوى غير معاصرة. فالمعرفة تتقدم بسرعة، مما يجعل الكثير من الآراء العلمية عرضة للنسخ أو التعديل خلال سنوات قليلة وربما أشهر. (…).
  7. إذا كان الخبير المزعوم مجهولا أو غير محدد. فالكثيرون يدّعون كذبا أن آراءهم مصدّقة من جانب خبراء ثقات أو مؤسسات أو منظمات أو متخصصين أو … عند ذلك يكون من المحال التحقق مما إذا كانت تلك سلطة على الإطلاق. انتهى.

هذا ويمكن أن نشير إلى أن الكشف عن زيف الاحتجاج بالسلطة، قد يتعدى الكشف عن المغالطة في الجملة والعبارة والنص، ويرتقى إلى أن يكون مشروعا متكاملا، ولذلك تسعى الحداثة دائما وأبدا إلى تفتيت سلطة النصوص التاريخية على الوعي المعاصر. وأعني بالنصوص التاريخية تلك النصوص الفلسفية والفقهية والكلامية، التي أنتجتها العقول عبر التاريخ، والتي لا يجد العقل المعاصر مناصا من مساءلتها، لأن طبيعة البحث العلمي تقتضي المراجعة والتفنيد والتصويب والتعديل.

مغالطة الحجاج بالاستقراء الناقص

وفيها يتم التغافل عن بعض أجزاء القضية التي هي موضوع الخلاف، إغفالا جزئيا أو كليا، ويكون هذا التغافل متعمدا في بعض الأحيان ونسيانا أحيانا أخرى. وفي هذه الحالة يكون استقراء الوقائع المكوّنة للقضية استقراء ناقصا، وبالتالي يكون عرضها مبتورا، لأن تصورها أصلا كان ناقضا أو مُشوّشا. مثال ذلك، تلك الواقعة الحجاجية بين مشركي مكة وبين النبي محمد صلى الله عليه وسلم حول إمكانية البعث أو استحالته على قدرة الله تعالى، فيحدثنا القرآن عن هذه الواقعة، ويعرضها عرضا دقيقا فيقول : ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾ [ يس 77 ]. فأنت تلاحظ أن منكر البعث في هذه الحالة لم يقم باستقراء شامل وكلي لطبيعة الحياة والموت. ولم ينتبه إلى مظاهر الحياة والموت في واقعه الذي يحياه يوما بعد يوم. ومن هنا تكوّن لديه ذلك التصور الناقص والمشوّش، الذي حمله على أن يحاجّ باستقراء ناقص. فلا غرابة إذن أن يكون الردّ بالتنبيه إلى طبيعة هذه المغالطة الحجاجية القائم على بتر جزء من القضية، الذي عبر عنه القرآن بالفعل « نسي ». ولم يكن الرد من جهة أخرى بذكر الفاعل حقيقة وهو الله تعالى، إذ لو كان ذلك كذلك لبطل الاحتجاج. ولكن كان بالتنبيه إلى الخالق الأصلي المفترض، الذي عبرت عنه المحاججة بـ « من أنشأها أول مرّة »، فكأن المحاججة لا تحاول الإجابة عن السؤال، لأن الإجابة عن السؤال لا معنى له عند المنكر، ولكنها تحيل إلى مستوى آخر من التفكير، وهو التفكير في العلّة الأولى، أعني إذا كان هناك اتفاق مسبق وبديهي ومسلم به من قبل طرفي النزاع جميعا على أنه لا مفعول من غير فاعل، ولا معلول من غير علة، و” وراء كل حدث سبب “[31]، فالسؤال الجدير بالإجابة عنه لا ينبغي أن يتمحور حول إمكانية البعث من عدمها، أي إعادة الإحياء، ولكن ينبغي أن يتمحور حول طبيعة الإنشاء الأصلي، من حيث لا نزاع حول أنه لا وجود من غير موجد.

وبهذا الرد يتم تعرية مثل هذه المغالطات التي هي اقرب إلى تلاعبات العامة منها إلى تفكير العالم المتفحص، والخبير المتدبر، ولذلك قال صاحب التنوير : ” ولما أُبطلتْ شُبهُ المشركين في إشراكهم بعبادة الله، وإحالتهم قدرتَه على البعث، وتكذيبهم محمدا (ص) في إنبائه بذلك إبطالا كليا، عطف الكلام إلى جانب تسفيه أقوال جزئية لزعماء المكذبين بالبعث، توبيخا لهم على وقاحتهم، وكفرهم بنعمة ربهم، وهم رجال من أهل مكّة أحسَب أنهم كانوا يموهون الدلائل، ويزينون الجدال للناس، ويأتون لهم بأقوال إقناعية جارية على وفق أفهام العامة “[32].

خاتمة

لم يكن من غرضنا في هذا البحث أن نحصي جميع أشكال المغالطات الحجاجية، وإنما كان غرضنا هو تبيان طبيعتها ودورها في نسيج التواصل اللغوي، والكشف عن آليات اشتغالها.

ويمكن أن نلخص نتائج هذا البحث فيما يلي :

تعتبر المغالطات الحجاجية مظهرا من مظاهر التكوين السيكولوجي والمعرفي لدى الإنسان.

وتعتبر أيضا المحرك الأول لفعالية الحوار ودوامه، وهي تلعب دورا مهما في الارتقاء إلى مستويات عليا من البيان الحجاجي، مع كونها معيارا لفلسفة الاختلاف، كونها ترشد إلى مذاهب الناس وتوجّهاتهم وإيديولوجياتهم، وخلفياتهم الاجتماعية والفكرية.

وأهم شيء لفتنا إليه النظر هو الأساس النفسي والعصبي للمغالطة، والأسباب والدواعي التي تدفع بالمتكلم أن يلجأ إليها بوعي أو بغير وعي.

كما سجلنا أن التفكير المنطقي السليم لا يشكل إلا جزءا يسيرا من نشاط الإنسان اللغوي، ولا يتم استدعاؤه إلا في الحالات الاستثنائية، وفي أغلب الحالات يحاجج الإنسان بصورة براغماتية بحتة، ولذلك تعتبر اللغة بأساليب تعبيرها الثرية جدا هي الصورة الحقيقية لمنطق الإنسان، الذي هو المنطق الطبيعي. ومن ثمّ فإن دراسة هذه الأساليب على اختلاف أنواعها هو المدخل الحقيقي للوقوف على منطق الإنسان وطرائق تفكيره. وهي تعطي نموذجا واضحا لقدرته على التكيف معطيات الحياة والأحداث والذوات.

وتعتبر المقاصد هي الموجه الأول للبناء الحجاجي، وليس للمنطق في مظهره الصوري أي دور إلا في الحالات الاستثنائية، أو عند الفئة الممتازة من المجتمع وهي فئة العلماء أو الفلاسفة.

قائمة المصادر والمراجع

  1. أبو بكر العزاوي : اللغة والمنطق، طوب بريس، الرباط، دط، 2010.
  2. ابن رشد : تلخيص منطق أرسطو، تح. جيرار جهامي، دار الفكر اللبناني، ط1، 1992.
  3. التهانوي : كشاف اصطلاحات الفنون، تح علي دحروج، مكتبة لبنان ناشرون، ط1، 1996.
  4. حاتم عبيد : منزلة العواطف في نظرية الحجاج، مجلة عالم الفكر، العدد 2، المجلد 40، الكويت، 2011.
  5. حافظ إسماعيلي علوي ومحمد أسيداه :اللسانيات والحجاج ، الحجاج المغالط ، نحو مقاربة لسانية وظيفية ، ضمن كتاب الحجاج مفهومه ومجالاته ، جـ3، عالم الكتب الحديث ، الأردن ،2010، ص 272.
  6. دانيال جولمان : الذكاء العاطفي، ترجمة ليلى الجبالي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ط1، 2000.
  7. الشريف الجرجاني : معجم التعريفات، تحقيق محمد صديق المنشاوي، دار الفضيلة، القاهرة ودبي، دط، 2004، ص 187.
  8. طه عبد الرحمان : اللسان والميزان، المركز الثقافي العربي، بيروت والدار البيضاء، ط1، 1998.
  9. الطاهر بن عاشور : التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس، دط، 1984.
  10. عادل مصطفى : المغالطات المنطقية، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط1، 2007.
  11. عمرو شريف : رحلة عقل، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، ط4، 2011.
  12. عمرو شريف : ثم صار المخ عقلا، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، ط1، 2012.
  13. عمرو شريف : خرافة الإلحاد، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، ط1، 2014.
  14. عمرو شريف : أنا تتحدث عن نفسها، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، ط2، 2014.
  15. عمرو شريف : حادي العقول، نور للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 2017.
  16. عمرو بن بحر الجاحظ : رسائل الجاحظ، تح عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، دط، 1964.
  17. عمرو بن بحر الجاحظ : البيان والتبيين، تح. عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط7، 1998.
  18. عبد الرحمان بدوي : منطق أرسطو، وكالة المطبوعات، الكويت، ودار القلم، بيروت، ط1، 1980.
  19. عبد الرحمان بدوي : المنطق الصوري والرياضي، وكالة المطبوعات، الكويت، ط5.
  20. عبد القاهر الجرجاني : دلائل الإعجاز، تح محمود شاكر، مطبعة المدني بالقاهرة، ودار المدني بجدة، ط3، 1992.
  21. فؤاد زكريا : آفاق الفلسفة، دار التنوير والمركز الثقافي العربي، بيروت والدار البيضاء، ط1، 1988.
  22. فخر الدين الرازي : مفاتيح الغيب، دار الفكر، بيروت، ط1، 1981.
  23. فيليب بروتون وجيل غوتييه : تاريخ نظريات الحجاج، تر. محمد صالح الغامدي، مركز النشر العلمي، جامعة الملك عبد العزيز، ط1،
  24. مصطفى صادق الرافعي : تاريخ آداب العرب، دار الكتاب العربي، بيروت، ط5، 1999.
  25. مصطفى ناصف : نظريات التعلّم، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ط1، 1983.
  26. محمد العمري : دائرة الحوار وأساليب المغالطة، إفريقيا الشرق، بيروت والدار البيضاء، دط، 2002.
  27. يوسف كرم : تاريخ الفلسفة اليونانية، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، دط، 1936.

[1]  حافظ إسماعيلي علوي ومحمد أسيداه :اللسانيات والحجاج ، الحجاج المغالط ، نحو مقاربة لسانية وظيفية ، ضمن كتاب الحجاج مفهومه ومجالاته ، جـ3، عالم الكتب الحديث ، الأردن ،2010، ص 272.

[2]  الشريف الجرجاني : معجم التعريفات، تحقيق محمد صديق المنشاوي، دار الفضيلة، القاهرة ودبي، دط، 2004، ص 187.

[3]  مصطفى ناصف : نظريات التعلّم، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ط1، 1983، ص 308.

[4]  المرجع نفسه، ص 310.

[5] طه عبد الرحمان : اللسان والميزان، المركز الثقافي العربي، بيروت والدار البيضاء، ط1، 1998، ص 226.

[6]  عادل مصطفى : المغالطات المنطقية، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط1، 2007، ص 14.

[7] حاتم عبيد : منزلة العواطف في نظرية الحجاج، مجلة عالم الفكر، العدد 2، المجلد 40، الكويت، 2011، ص 244.

[8] دانيال جولمان : الذكاء العاطفي، ترجمة ليلى الجبالي، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ط1، 2000، ص 24.

[9]عمرو شريف : رحلة عقل، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، ط4، 2011، ص 18.

[10] انظر: عمرو شريف : ثم صار المخ عقلا، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، ط1، 2012، ص 117-118.

[11] فؤاد زكريا : آفاق الفلسفة، دار التنوير والمركز الثقافي العربي، بيروت والدار البيضاء، ط1، 1988 ، ص 199.

[12]  يوسف كرم : تاريخ الفلسفة اليونانية، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، د.ط، 1936، ص 58.

[13]  فيليب بروتون وجيل غوتييه : تاريخ نظريات الحجاج، ترجمة محمد صالح الغامدي، مركز النشر العلمي، جامعة الملك عبد العزيز، ط1،2011، ص 24.

[14]  المرجع نفسه، ص 23.

[15]  عمرو بن بحر الجاحظ : رسائل الجاحظ، تح عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، دط، 1964، ج1، ص 285.

[16]  انظر :عبد الرحمان بدوي : منطق أرسطو، وكالة المطبوعات، الكويت، ودار القلم، بيروت، ط1، 1980، ج3، ص 773 وما بعدها.

[17]  انظر تلخيص منطق أرسطو لابن رشد، تح. جيرار جهامي، دار الفكر اللبناني، ط1، 1992.

[18]  حاتم عبيد : منزلة العواطف في نظريات الحجاج، مجلة عالم الفكر، المجلد 40، 2011، ص 245.

[19]  عادل مصطفى : المغالطات المنطقية، ص 25.

[20]  التهانوي : كشاف اصطلاحات الفنون، تحقيق علي دحروج، مكتبة لبنان ناشرون، ط1، 1996، ج2، ص 1554.

[21]  عادل مصطفى : المغالطات المنطقية، ص 26.

[22]  عبد الرحمان بدوي : المنطق الصوري والرياضي، وكالة المطبوعات، الكويت، ط5، ص 244.

[23]  مصطفى صادق الرافعي : تاريخ آداب العرب، دار الكتاب اللبناني، ط5، 1999، ج2، ص 148.

[24]  أبو بكر العزاوي : اللغة والمنطق، طوب بريس، الرباط، دط، 2014، ص 30.

[25]  فخر الدين الرازي : مفاتيح الغيب، دار الفكر، بيروت، ط1، 1981، ج 24، ص 252.

[26]  عمرو بن بحر الجاحظ : البيان والتبيين، تح عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط7، 1998، ج2، ص 63-64.

[27]  محمد العمري : دائرة الحوار وأساليب المغالطة، إفريقيا الشرق، بيروت والدار البيضاء، دط، 2002، ص 14.

[28]  عبد القاهر الجرجاني : دلائل الإعجاز، تح محمود شاكر، مطبعة المدني بالقاهرة، ودار المدني بجدة، ط3، 1992، ص 464.

[29]  عمرو شريف : خرافة الإلحاد، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، ط1، 2014، ص 363.

[30]  انظر عمرو شريف : حادي العقول، نور للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 2017، ص 324.

[31]  عمرو شريف : أنا تتحدث عن نفسها، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، ط2، 2014، ص 42.

[32] الطاهر بن عاشور : التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس، دط، 1984، ج23، ص 73.


Updated: 2019-03-11 — 13:14

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme