المصالحة الوطنية في ليبيا: التحديات وآفاق المستقبل / محمد عبدالحفيظ الشيخ


المصالحة الوطنية في ليبيا: التحديات وآفاق المستقبل

د. محمد عبدالحفيظ الشيخ ؛ أستاذ محاضر، جامعة الجفرة ــــ ليبيا

 مقال نشر في   مجلة جيل الدراسات السياسية والعلاقات الدولية العدد 11   الصفحة 37.

    الملخص

   تسلط هذه الدراسة الضوء على التحديات التي تواجه عملية المصالحة الوطنية في ليبيا. وترى أن الإشكالية الأساسية وراء تعثر مسار المصالحة ترجع ربما إلى غياب تطبيق العدالة الانتقالية التي لم يتم تنفيذ أي من استحقاقاتها. بينا ترتبط تحديات كثيرة بما ترتب على حكم القذافي، والظروف والأوضاع التي نجمت عن الإطاحة به، وما ولدّته من استقطاب حاد وشرخ اجتماعي واضح. زاد الأمر سوءً أن هناك أطراف عربية وإقليمية لازالت تعبث بالمشهد الليبي وتمارس دور تعطيلي لمسار المصالحة من خلال محاولة طي صفحة اتفاق الصخيرات وفرض أمر واقع جديد في ليبيا. وهو ما يدعو كل الأطراف الليبية المتنازعة إلى التفكير الجاد وبعبارات أكثر التزاما بوضع خارطة طريق مبنية على أسس علمية واضحة وبرؤية سياسية بعيداً عن التدخلات الخارجية في الشأن الداخلي الليبي، كأن يركز الليبيون على بناء منظومة أمنية على أسس وطنية تكون مهمتها حماية العملية السياسية والسير قدماً في المطالب الإصلاحية السياسية والاقتصادية.

  الكلمات المفتاحية: المصالحة الوطنية، العدالة الانتقالية، التحديات، الآفاق، ليبيا.

مقدمة

     لم تكن ليبيا استثناء عن أحداث التغيير الثوري التي شهدتها المنطقة العربية، فقد كانت على موعد احتجاجات شعبية حينما بدأت في السابع عشر من شباط/ فبراير2011، للمطالبة بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. وبدلاً من أن يتفهم ويستجيب نظام القذافي لمطالب المتظاهرين واجه تلك الاحتجاجات السلمية بالعنف والاستخدام المفرط للقوة، سرعان ما تصاعدت إلى انتفاضة مسلحة بين النظام والثوار، وأدى ذلك إلى وقوع انتهاكات جسيمة وخطيرة لحقوق الإنسان، ولم يكن من اليسر اقتلاع أركان نظام القذافي دون تدّخلاً أممياً سريعاً تحت مسمى إنساني، وأصدر مجلس الأمن القرار 1973، استند فيه إلى مبدأ “مسؤولية الحماية”، بموجبه فرضت منطقة حظر للطيران عبر ليبيا مما فتح المجال أمام طائرات حلف شمال الأطلسي في القضاء على مقدرات النظام العسكرية ووسائل مقاومته.

  وبقدر ما ساعد التدخل الخارجي على التخلص من نظام القذافي، فلقد فتح الباب على مصراعيه لإثارة نزاعات وصراعات قديمة من جديد، وذلك من خلال تأجيج الصراع وإعاقة العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، الأمر الذي رسّخ الانقسام، وأوجد واقعاً جديداً على الأرض. وهو ما سيجعل المصالحة الاجتماعية أكثر صعوبة، رغم أهميتها وضرورتها لإعادة الإعمار وإرساء الديمقراطية وبناء المجتمع والدولة في نهاية المطاف.

   لقد تبيّن حتى الآن أن ليبيا تواجه تحديات كثيرة تتصل بتاريخها ومكوناتها الاقتصادية والاجتماعية، بينما ترتبط أخرى بما ترتب على حكم القذافي، والظروف والأوضاع التي نجمت عن الإطاحة به، وما ولدّته من استقطاب حاد وشرخ اجتماعي واضح. لا شك في أن ليبيا تحتاج إلى قطع شوط طويل حتى تتمكن من معالجة العواقب والآثار المترتبة على مساوئ حكم القذافي. ذلك أن ترِكته لم تقتصر على انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب، أو إهدار الأصول الطبيعية والمالية الوطنية فحسب، وإنما طالت المنظومة القيمية الحاكمة في المجتمع الليبي.

   لذلك، يصعب الحديث عن مصالحة وطنية، وهناك تركة كبيرة من الأحقاد والمظالم التي تنخر في المجتمع الليبي وفي وحدة صفه وثوابته الوطنية، وتجاوز مثل هذه التحديات يتطلب مواجهة الماضي وتيسير المصالحة بالاستناد إلى مبادئ العدالة الانتقالية كمتغير مهم في مسار تحقيق المصالحة الوطنية.

  إن من شأن مصالحة وطنية حقيقية وعميقة أن تكون هناك توافقات وطنية على بناء مؤسسات سياسية وأمنية فاعلة، تغيب وتنصهر فيها الأبعاد القبلية والمناطقية التي تقف حائلاً أمام تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة في ليبيا.

   وفي هذا السياق تبرز أمامنا عدة تساؤلات، ما هي التحديات التي تواجه المصالحة الوطنية في ليبيا وآفاق المستقبل الذي تتجه نحوه الدولة؟ وما هي الحلول المقترحة التي يمكن إتباعها حتى تقود البلد إلى الاستقرار والأمن الاجتماعي؟

  تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تتناول التحديات المرتبطة بالمصالحة الوطنية، في إطار عملية التحول من النظم الشمولية التسلطية إلى نظم ديمقراطية والمخاطر أو التهديدات الكامنة خصوصاً عندما تنطلق عمليات الانتقال عقب ثورة حققت القطيعة الكاملة والمفاجئة مع النظام السابق ومن خلال ثورة مسلحة سقط فيها الكثير من الضحايا، وفي ظل ما تشهده ليبيا اليوم من حالة انفلات أمني، وغياب واضح لمظاهر سلطة فاعلة، وهو ما يجعل الطريق نحو المصالحة مليئا بما هو أكثر من العقبات والتحديات.

أولاً: تشخيص أزمة المصالحة                     

   عند الحديث عن المصالحة الوطنية في ليبيا تحت عنوان “التحديات وآفاق المستقبل” يقتضي الأمر أن نبحث في الأسباب التي أدت إلى الانقسام الليبي الراهن، وتشخيص الواقع الذي اقتضى الحديث عنه. يبدو أن هناك قصور في تشخيص المشكلة يحول دون وضع الحلول الناجعة، فعدم معالجة جذور الانقسام أفضى إلى إخفاق المحاولات المتعددة لرأب الصدع وتعثر المصالحة.

  فشلت معظم محاولات رأب الصدع وإنهاء الانقسام الليبي، كما تعثر تطبيق الاتفاقيات الموقعة بين طرفي الانقسام، (مجلس النواب طبرق، والمجلس الرئاسي وحكومة الوفاق طرابلس)، ابتداءً من اتفاق “غدامس1″ وانتهاءً باتفاق الصخيرات المغربية عام 2015، ومازالت روزنامة المصالحة مفتوحة ومستمرة وتنتقل من دولة إلى أخرى. ويبقى الجدل مستمراً حول أنجع الطرق لإنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة بين أطراف اللعبة السياسية الليبية.

  ساهم فوز حزب التحالف الوطني الذي يرأسه محمود جبريل في انتخابات صيف 2014، وعدم قبول بعض الأطراف الأخرى التسليم بنتائجها، في توافر أسباباً بنيوية عميقة للتنافر والتشرذم، ومن ثم لمزيد من الانقسام بين الليبيين. هذا الانقسام بدأ سياسياً وأيديولوجياً، لكن سرعان ما تحول إلى انقسام مادي جغرافي، ويلاحظ أن الخلافات والانقسامات في صفوف القوى والأحزاب السياسية الليبية لم تكن بين معسكر الإسلاميين بأطيافهم المختلفة من ناحية، ومعسكر القوى والأحزاب الموصوفة بالليبرالية من ناحية أخرى، بل كانت هناك أيضاً خلافات وانقسامات داخل كل معسكر. وقد ترتب على كل ذلك وجود هوة سياسية عميقة مازالت تشكل مصدراً للتنافر الحاد نشأت عنه ثنائيات ذات دلالة على تشظي وتبعثر حال الليبيين، وهو ما جسده تسيير البلاد بجهازين تشريعيين وتنفيذيين متنافسين، برلمان وحكومة مستقلة في الشرق الليبي يرأسها عبدالله الثني وتدعمها قوات المشير خليفة حفتر، يقابلها حكومة الوفاق الوطني في طرابلس الغرب يقودها رئيس المجلس الرئاسي المنبثق عن اتفاق الصخيرات فائز السراج، وتدعمها تشكيلات عسكرية مختلفة. وتداخلت في نطاقهما ليس السياسة والأيديولوجية فقط، وإنما أيضاً المصالح والأجندات السياسية والأمنية والاقتصادية المحلية والخارجية في إطار التجاذب الكبير. وهكذا بدلاً من أن يمثل هذا الاتفاق السياسي بداية مرحلة جديدة من التوافق الوطني أصبح يمثل بذاته نقطة خلاف أضافت المزيد من الانقسام والتعقيد على الموقف الليبي[1].

  ويمكن تشخيص أسباب الفشل في التوافق الوطني الليبي إلى وجود عدة عوامل مهمة ومؤثرة بشكل عكسي. أولاً: عدم وجود سيادة حقيقية للدولة الليبية تمكنها من الإفلات من سيطرة بعض القوى الخارجية الإقليمية والدولية، والتحرر من تأثيرها، لذلك، يصعب الحديث عن حكومة ليبية حرة الإرادة ضمن معطيات الوضع الحالي بسبب تبعية بعض الأطراف السياسية للخارج، وهو ما يجعل المصالحة بعيدة عن التحقق من هذه الزاوية. وثانياً: ساهمت الخلافات السياسية والأيديولوجية بين القوى والأحزاب السياسية الليبية وتباين المصالح المختلفة، حول العديد من القضايا ذات العلاقة بالشأن الليبي العام في إحداث مزيد من الانقسام والتشظي في صفوف الليبيين. هذا التناقض الحاد في الرؤى والأهداف بين طرفي الانقسام الليبي جعل من الصعوبة بمكان إيجاد صيغة للتوافق بينهما نتيجة لتغليب المصالح الحزبية الضيقة على المصلحة الوطنية العليا. ثالثاً: غياب الثقة المتبادلة بين الطرفين، وهو ما يدفع كل طرف إلى تجنب تقديم تنازلات تفضي إلى مصالحة وطنية شاملة[2].

  كل هذه العوامل تعيق التفكير ببعض الحلول التي ربما لا يكون ممكناً تحقيقها في الوقت الحالي، لكن ذلك لا يمنع أخذها في الحسبان في حال تغيرت الظروف المحيطة على مجمل القضية الليبية.

   إن مبادرات إنهاء الانقسام بصيغها المختلفة هي صيغ لإعادة إنتاجه تقوم على تقاسم السيطرة والنفوذ بين الأطراف الليبية المتنازعة، ما يحد من قدرتها على إنهائه، ولكي تتحقق المصالحة لم يعد ضروريا إنتاج مزيداً من المبادرات، فهناك مبادرات كثيرة يمكن البناء عليها رغم أنه ينقصها الكثير، لكن الأمر لا يتعلق بالمبادرات بل بغياب الإرادة السياسية الحقيقية لدى الطرفين في إنهاء الانقسام بعد أن طوّروا قدرة على التعايش معه.

   تأسيساً على هذا التشخيص للواقع، يتضح أن أكبر أزمة بنيوية تعانيها الدولة الليبية تتمثل في أزمة غياب الكفاءات التي تشكل أعمدة الدولة، وقد تأكد ذلك من خلال الممارسات خلال الفترة التي تلت الثورة، حيث فشلت القيادات السياسية في معالجة ما واجهها من مشكلات أثناء عملية التحول من الثورة إلى بناء الدولة.

ثانياً: تحديات المصالحة الوطنية في ليبيا

  نقصد بالتحديات هنا المعوقات التي تعيق تحقيق عملية المصالحة في ليبيا نجمل أبرزها في التالي:

1- تحديات سياسية وأمنية

   أكدت التحولات والتطورات التي شهدتها ليبيا خلال مرحلة ما بعد سقوط نظام القذافي، أنها تعاني من أزمات حادة ومترابطة، وهو ما جعل المرحلة الانتقالية التي تمر بها تتسم بدرجة عالية من الصعوبة والتعقيد. وتتجلى أبرز الأزمات في استمرار حالة الانفلات الأمني غير المسبوقة مع تصاعد أعمال الإرهاب، وتفاقم حدة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية بسبب تدهور مستوى السياسات العامة، فقد بات واضحاً أن كيان الدولة أصبح مهدداً بفعل تفاقم حدة الانقسامات والصراعات القبلية والجهوية والعرقية.

   وتأتي الأزمات السابقة في سياق أزمة بنيوية تتعلق بالفاعلين السياسيين. وهي تتمثل بغياب أو ضعف القدرة على بناء توافق وطني حقيق بشأن أولويات المرحلة الانتقالية واستحقاقاتها. وهي ما تجسده في حقيقة الأمر الأزمة العميقة التي تعانيها النخب السياسية بمختلف مشاربها وتوجهاتها.

  حتى كتابة هذه السطور، لم يظهر ما يشير إلى نجاح المؤسسات الانتقالية في إنجاز أية خطوة حاسمة في هذا الشأن، بل إن هناك مؤشرات على استمرار تدهور الوضع الأمني، وتأخر بناء الجيش الوطني والمؤسسات الأمنية، لاسيما في ظل الخلافات والانقسامات شبه المستمرة بين مجلس النواب والمجلس الرئاسي، وداخل كل منهما، الأمر الذي أصابهما بنوع من الشلل. كما لا توجد مؤسسات دولة قادرة على القيام بوظائفها، فالجيش والشرطة وغيرهما من المؤسسات تعرضت لضغوط شديدة أدت إلى ضعفها وانهيار بعض قدراتها بعد إطاحة نظام القذافي. لذلك لم تعد الدولة تحتكر حق استخدام القوة، وبخاصة في ظل انتشار السلاح والمليشيات على نطاق واسع. في الواقع، ظلت الساحة السياسية والأمنية خاضعة لهيمنة قوى سياسية وعسكرية، وهو ما يمثل خطراً حقيقياً على مسار المصالحة.

   ومن هنا ظهر في قلب المشهد السياسي والأمني عدد كبير من مجالس الثوار والكتائب والميليشيات المسلحة، فضلاً عن المجالس القبلية ذات النفوذ الواسع في مناطقها، والجماعات المسلحة الموالية للنظام السابق، وعصابات الجريمة المنظمة. فالليبيون كانوا بحاجة إلى دولة المؤسسات الديمقراطية الحديثة والمجتمع المدني، كما هم بحاجة أكبر إلى هامش كافٍ من الوقت لنجاحها وليسوا بحاجة إلى دولة الميليشيات التي تصنع وتفرخ بعيداً عن الأجندة الوطنية.

   وتشير التقديرات إلى تضاعف تعداد الميليشيات الذي ناهز 1700 مليشية مسلحة، وبعدما كان الهدف من بقاء بعض المليشيات حفظ الأمن، تحولت إلى مُهدّد مستمر له. فمليشيات السابع عشر من فبراير المتطرفة، هي من تقوم بعمليات الخطف والتعذيب والقتل، وتحاصر الدوائر الحكومية وتغلقها، كما تغلق مختلف المؤسسات والمواقع المهمة والحيوية كحقول النفط والغاز، وهي كذلك من تقف ضد إعادة بناء الجيش والشرطة[3].

   إن الأوضاع الأمنية المتردية في ليبيا خلال السنوات الأخيرة، وتزايد نفوذ الجماعات الإرهابية ولاسيما تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا “داعش” يستلزم الحاجة لرص الصفوف ونبذ الخلافات السياسية والمجتمعية بين الأطراف الليبية المتنازعة.

   وفي ضوء ما سبق، يمكن القول: إن الخلافات والانقسامات السياسية في ليبيا هي في المقام الأول انعكاس لانقسامات أيديولوجية وجهوية وقبلية وعرقية، تصاعدت بدرجة كبيرة في مرحلة ما بعد القذافي، وذلك لسد الفراغ الذي نجم عن انهيار القبضة الأمنية والتسلطية للنظام. وقد أصبحت النخب المتنافسة والمتصارعة على الساحة الليبية تعلي مصالح قبائلها ومناطقها وأحزابها على حساب المصالح الوطنية التي غابت أو تكاد تغيب. ولا يمكن فهم هذا الواقع المأساوي إلا في إطار سياسات “اللا دولة” التي انتهجها نظام القذافي لأكثر من أربعة عقود.

    هنا تبرز أهمية وحيوية التوصل إلى حد أدنى من الإجماع الوطني وترسيخه بما يتضمن التوافق على خارطة طريق مقبولة، وهو ما يقتضي الاحتكام إلى قواعد مختلفة تستند إلى عقد اجتماعي ــــــ سياسي ينبثق منه توافق وطني على أساسيات المسألة الوطنية وخطوطها العريضة، ولتحقيق هذا العقد لابد من ولوج كل الأطراف في مصالحة حقيقية مع الذات أولاً وقبل كل شي، لتطهيرها من نزعات الإقصاء فكراً وممارسة، ضد الآخرين.

2- تحديات مرتبطة بتطبيق العدالة الانتقالية

   في إطار التحديات المرتبطة بتحقيق المصالحة الوطنية تحضر مسألة العدالة الانتقالية كمتغير ذي أهمية كبيرة كونه شديد الصلة باقتراب المصالحة الوطنية، وهنا تبرز مجموعة من التحديات في إطار العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية في ليبيا، التي لم يتم تنفيذ أي من استحقاقاتها، بالرغم إقرار المؤتمر الوطني قانون العدالة الانتقالية في أيلول/سبتمبر 2013.

  إن تطبيق العدالة الانتقالية يتطلب توافر الحد الأدنى من الاستقرار السياسي والأمني، وهما شرطان لا يتوفران بعد في ليبيا، إذ لا يمكن سير عجلة العدالة الانتقالية في ظل عدم الاستقرار السياسي والفوضى الأمنية وعدم الاتفاق على شكل المنظومة الإدارية التي ستساهم في سير المنظومة العدالة الانتقالية  للوصول إلى أهدافها. أي أن الإشكالية الأساسية في تطبيق العدالة الانتقالية تكمن في تعثر الانتقال الديمقراطي.

  ولعل أهم وأخطر ما يواجه ليبيا يكمن في كيفية التعامل مع انتهاكات الماضي التي تشمل القساوة الممنهجة طيلة 42 عاما من الدكتاتورية، وأعمال القمع الوحشية التي قام بها نظام القذافي إبان الثورة، ومرحلة الصراع التي شهدت تجاوزات من كلا الطرفين. وتشمل الانتهاكات التي عُرف بها النظام السابق، الاضطهاد السياسي من خلال تجريم الاختلاف في الرأي والمعارضة، والإعدامات والاختفاءات القسرية والتعذيب، والمحاكمة الصورية أمام المحاكم السياسية، وتأجيج الانقسامات العرقية والقبلية. فمعالجة جرائم الماضي والجرائم التي ارتكبت خلال الثورة مسألة تزداد تعقيداً بسبب تورط أفراد من كتائب الثورة بتعذيب المحتجزين والهجمات الانتقامية ضد جماعات تعتبر مؤيدة للنظام السابق. فينبغي للعدالة الانتقالية أن تواجه مثل هذه الانتهاكات كذلك[4].

 غير أن مستقبل البلاد يتأثر أكثر بما نجم عن الانتهاكات والتجاوزات الخطيرة لحقوق الإنسان التي جعلت مناطق تعيش حالة عداء مستمر مع مناطق أخرى، خصوصاً بين مصراته وتاورغاء، بما يجعل مسألة المصالحة الوطنية وبناء الدولة الجديدة تواجه تحديات هائلة أثبتت، حتى الآن، أنها عصية على أية معالجة. قبل إحقاق الحق وتقديم الجناة إلى العدالة لينالوا جزاءهم. لا جدال في أن الأمر يقتضي حكمة متناهية وصبراً، مثلما يقتضي قدرة على التمييز بين المجرم والمتهم والبريء، وهو ما لن يتحقق حتى يمكن للمصالحة الوطنية أن تثبت نجاحاً في مناطق، وبشأن قضايا أخرى، وفي مساحات تتسع باستمرار لتتعزز، وحتى يمكن لنظام العدالة الانتقالية أن يقوم بدوره المهم في معالجة هذه المسائل والتحديات[5].

  لقد كشفت التجربة الليبية ما بعد سقوط نظام القذافي، عن ضعف التعاطي مع مفهوم العدالة الانتقالية والتركيز على المصالحة الوطنية بدون تحديد لشروط المصالحة وآليات تطبيقها والقواعد التي تستند إليها، مما أدى إلى عرقلة عملية إعادة بناء الدولة الوطنية والانتقال السلس للديمقراطية، وتجلى ذلك في الانقسامات والمحاصصة والتوافقات، إضافة إلى ضعف الوعي بالعدالة وضعف ثقافة التسامح والاعتذار مما عزز الانقسامات الاجتماعية وخلق معوقات للتعايش، تشتد تأثيراتها بدوافع سياسية، مثلما هو الحال اليوم. أبرز الأمثلة على ذلك هو الانقسام الحاصل بشأن التعامل مع كل ما قام به القذافي خلال 42 عاما من الاستبداد، حيث نجد تمثلات ثقافة المنتصر والمهزوم واتساع دائرة الاتهامات، هنا تكمن الأبعاد السلبية الخطيرة لتقسيم البلاد إلى مدن ومناطق وقبائل منتصرة، وأخرى مهزومة، مما يسبب شرخاً اجتماعياً[6].

   في حين يحتاج البلد اليوم بتجربته الجديدة إلى إشاعة ثقافة التسامح التي تعني القبول بالتعددية والاحترام والتنوع الثقافي ولأشكال التعبير عن الصفات الإنسانية. ولهذا فإن التسامح يفترض المعرفة بالآخر والانفتاح عليه والاتصال به والحرية في التعامل والتعايش معه.

    لم نجد مثل هذا في واقعنا اليوم حيث حلت المناكفة السياسية والمكابرة والاستعلاء وتزايد الشحن العاطفي والنزعات القبلية والمناطقية وإذكاء التوتر إعلامياً، مما زاد من قلق الأقليات بأنواعها المختلفة. ومن ثم لا نظن أنه سيحصل توافق ليبي بلا مصالحة مجتمعية حقيقية عبر تحقيق ما يسمى بالعدالة الانتقالية. بالاستناد إلى مبادئ شيكاغو ما بعد النزاعات، وهي تتلخص في سبعة مبادئ محاكمة المرتكبين للجرائم، واحترام الحق في معرفة الحقيقة، والاعتراف بالوضع الخاص للضحايا، واعتماد سياسة التنحية (العزل)، ودعم المبادرات الرسمية والمبادرات الشعبية لتخليد ذكري الضحايا، ودعم الإجراءات والوسائل التقليدية والأهلية والدينية في التعاطي مع الانتهاكات السابقة، والمشاركة بالإصلاح المؤسسي لدعم سيادة القانون والحقوق الأساسية والحكم الرشيد[7].

3- تحدي العامل الخارجي

   لا شك أن للعامل الخارجي أثرا كبيرا في ما تمر به ليبيا في الوقت الحالي من عدم الاستقرار وغياب الأمن وحضور العنف بأبشع صوره، ليزيد من الانقسام والتشظي وصعوبة تحقيق المصالحة الوطنية بين أطراف اللعبة السياسية الليبية.

  منذ انطلاق الثورة الليبية في عام 2011، والآلة الإعلامية لبعض الدول العربية وتحديداً الخليجية تنفث سموم حقدها، وتمارس تضليلاً وتشويهاً لكل قوى الثورة والداعمين لها، ولم تتردد هذه الدول في التحالف لمحاصرة قوى التغيير في ليبيا، أملاً منها في ترجيح كفة طرف على حساب طرف آخر سعياً لتحقيق أجنداتها في إطار التجاذب الكبير. ورغبة منها في السيطرة على الحركات المتشددة، وحرصها على كبح نفوذ جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، ناهيك عن سعي هذه الأطراف الجامحة إلى تبديد المخاوف الثورية على تخومها، وحشر الربيع العربي في زاوية ضيقة.

  وفوق هذا، فقد عزمت هذا الدول وبقوة على التدخل في شؤون ليبيا الداخلية بعد أن تخلصت من النظام الاستبدادي، بتنسيق مخابراتي مع بعض النظم الغربية وتحديداً الولايات المتحدة، لتخريب المكتسب الثوري وتشويه صورته. لم تكتفٍ بعض الدول الخليجية، بالمقاربات الإعلامية والمالية فحسب لمواجهة التغيير الثوري في ليبيا، بل ذهبت أبعد من ذلك بتقديم الدعم والعتاد العسكري في الصراع القائم بين قوى سياسية وعسكرية ليبية لصالح طرف دون آخر، مؤدية إلى مزيد من الاضطرابات العنيفة والفوضى السياسية والأمنية[8].

  هناك محور عربي إقليمي، “قطر والسودان وتركيا” وُجهت إليه اتهامات مباشرة من قبل حكومة عبدالله الثني بدعم مليشيا “فجر ليبيا” بالأسلحة. ومنذ انطلاق ثورة 17 شباط/فبراير، لعبت قطر دوراً كبيراً في تمويل الثوار ومساندتهم ضد القذافي، ودعم المجلس الوطني الانتقالي، عبر الاعتراف المبكر به، لكن سرعان ما قامت بتعديل موقفها من خلال دعم شبكة من الثوار الإسلاميين والجماعات الإسلامية المتشددة، وتزويدها بالمال والسلاح. لكن في المقابل أيضاً رصدت تقارير عدة الدعم المالي واللوجستي الذي قدمته كل من دولة الإمارات العربية ومصر إلى الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، وأكثر من ذلك، فقد ذهب الدعم حد مشاركة طائرات إماراتية في قصف مواقع للقوات المناوئة لحكومة طبرق في العاصمة طرابلس في أب/أغسطس 2014[9].

  وبالقدر الذي كان فيه التدخل الأجنبي في ليبيا حاسماً في الانتصار على النظام، فإنه أحدث أيضاً تغييرات خطيرة انعكست آثارها على البلاد والمجتمع في فترة ما بعد سقوط النظام والسعي إلى إقامة النظام السياسي الجديد. لقد أدى التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي مدعوماً بالمال والسلاح من بعض بلدان الخليج ــ قطر والإمارات في المقام الأول ـــ إلى تعميق الاعتبارات والاختلافات القبلية والجهوية وتوظيفها بشكل سلبي من ناحية، وتحويل ليبيا إلى منطقة لممارسة النفوذ الأجنبي من ناحية ثانية. وهذا بدوره فتح الباب على مصراعيه لنمو وانتشار جماعات العنف والسلاح التي ساهمت في تلغيم الساحة الأمنية الليبية، حيث وجدت فيها التنظيمات المتطرفة بيئة مناسبة ومرتعاً خصباً لممارسة أنشطتها الإرهابية.

رابعاً: مواقف الأطراف الإقليمية والدولية

  منذ حدوث الانقسام الليبي في صيف 2014، لم ينقطع الاهتمام به إقليمياً ودولياً، فقد أبدت  العديد من الأطراف رغبتها في التوسط بين الأطراف الليبية المتصارعة من أجل التوصل إلى اتفاق ينهي الانقسام والتشرذم. وأكدت تلك الأطراف أن الاستقرار لن يتحقق إلا من خلال حوار ومصالحة وطنية بين كل أطراف اللعبة السياسية الليبية، وعبّروا عن استعدادهم لتقديم الدعم اللازم من أجل التوصل لحل سياسي يُنهي الأزمة في ليبيا.

  من جانبها، أعلنت تونس في 20 أيلول/ سبتمبر 2017 عن بذل جهودها من أجل تقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين وتشجيعهم على الحوار والتفاهم لإيجاد تسوية سياسية شاملة في ليبيا. وخلال استقباله قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر، أشار الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي إلى أن ما يقع في ليبيا له تأثيرات مباشرة على الوضع في تونس، لهذا تسعى للتوسط لحل الأزمة والوقوف على مسافة واحدة بين جميع الأطراف. وأبرز السبسي حرص بلاده على عدم التدخل في الشأن الداخلي لليبيا ودعوتها المستمرة إلى ضمان وحدة ليبيا وأمنها واستقرارها. كما جدد تأكيده على ثوابت الموقف التونسي من الأزمة الليبية وتطّرق إلى مرتكزات وأهداف المبادرة التي أطلقتها تونس وانخرطت فيها الجزائر ومصر وحظيت بترحيب مختلف الأطراف الليبية وبدعم ومساندة من القوى الدولية وشدّد على أنّ حل الأزمة الليبية يبقى بيد الليبيين أنفسهم، موضحاً أن دور تونس ودول الجوار يقتصر على تسهيل الحوار وتشجيعه بين كافة مكونات الشعب الليبي وفي إطار من التعاون والتنسيق مع منظمة الأمم المتحدة لإنهاء الأزمة القائمة والبدء في ترتيبات العملية السياسية[10].

  بخصوص الجزائر فقد كانت تدفع باستمرار نحو الحلول السلمية والحوارات السياسية، ودعم المصالحة الوطنية بين الفرقاء الليبيين أنفسهم، من خلال تعزيز الحوار السياسي الوطني، والإبقاء على مسافة واحدة من كل الأطراف، ودعم دور الأمم المتحدة في إدارة الحوار الليبي الليبي ورفض التدخل الخارجي في الشأن الداخلي الليبي الذي تتسبب في تجاذبات وتوترات، وأن المقاربة الجزائرية تعتمد على المصالحة والحوار بين الفرقاء الليبيين دون إقصاء من أجل تشكيل حكومة وفاق وطني تبسط سيطرتها على كامل التراب الليبي، وتعيد تأهيل الجيش والأمن، وهو ما سيعزز قوة الحكومة المركزية في مواجهة الإرهاب والجماعات المتشددة.

   أعلنت الجزائر دعمها مبادرة السلم والمصالحة بين الأطراف السياسية الليبية بتاريخ 11 تموز/يوليو 2015، في مدينة الصخبرات المغربية كونها متوافقة مع الموقف الجزائري نحو دول الجوار وإستراتيجية تسوية الأزمات الإقليمية وتثبيت الاستقرار الإقليمي، إضافة إلى لأنه متسق مع المسار العام للجهود الدولية بوساطة الأمم المتحدة الرامية إلى معالجة الأزمة بواسطة الحوار السياسي والتوافق المشترك بين الأطراف الرئيسية في النزاع الليبي الداخلي[11].

    ولعب المغرب دوراً رئيساً ومؤثراً في الوساطة السياسية بين مختلف الأطراف الليبية، لإيجاد مخرج للأزمة الليبية ودعت المجتمع الدولي إلى بذل المزيد من الجهود لدعم وتشجيع الحوار الوطني بهدف الوصول إلى توافقات سياسية، وخاصة فيما يتعلق ببناء المؤسسات ونزع السلاح، وتحقيق المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية. وكان المغرب قد احتضن اتفاق الصخيرات الذي تم التوقيع عليه في كانون الأول/ ديسمبر 2015، وتبقى المغرب قوة داعمة للاستقرار في ليبيا رغم تراجع دوره في الآونة الأخيرة[12].

  أما الدور المصري فقد برز بشكل واضح بعد التدخل العسكري المباشر في الصراع السياسي الليبي الداخلي، من خلال الدعم المباشر لعملية الكرامة التي أعلنها خليفة حفتر ضد الجماعات المناوئة له في أيار/مايو2014، تحت مبررات مكافحة الإرهاب والتطرف، وكذا احتواء تمدد تنظيم داعش نحو أوروبا انطلاقاً من ليبيا، وكذلك الاتهامات المصرية المتكررة بدعم الجماعات الإرهابية الليبية للتطرف وعدم الاستقرار في مصر عن طريق تهريب الأسلحة. كما دعمت مصر برلمان طبرق والجيش الوطني الليبي الذي يقوده خليفة حفتر والدعوة إلى تسليحه ورفض الحوار مع الجماعات التي تصنّفها بالإرهابية من ضمنها جماعة الإخوان المسلمين.

   غير أن مصر دعمت اتفاق الصخيرات ونادت بالحل السياسي في الأزمة الليبية واستقبلت القاهرة في كانون الثاني/يناير 2017 رئيس حكومة الوفاق الوطني والمجلس الرئاسي فايز السراج، وهو ما يمكن أن يؤشر إلى تحول في الموقف المصري من الأزمة الليبية باتجاه إجراء تعديلات على اتفاق الصخيرات، بما يضمن إشراك حفتر بشكل أو بآخر في السلطة[13].

   أما السودان فقد أبدى تأييده لحكومة الوفاق الوطني والقوات المتواجدة في المنطقة الغربية، إلا أن موقفها تراجع في الآونة الأخيرة لتلعب دور الوساطة بين الأطراف الليبية المتنازعة نتيجة الضغوطات المصرية. وتعد الإمارات لاعباً مؤثراً وفاعلاً في ليبيا من خلال تقديم الدعم السياسي والعسكري لحكومة طبرق وقوات خليفة حفتر. في المقابل تدعم قطر حكومة الوفاق الوطني والميلشيات المسلحة المتواجدة في المنطقة الغربية[14].

   ويمكن تحديد مواقف الأطراف الدولية في موقف الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي ذات الوزن الثقيل لاسيما ايطاليا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، فقد أجمعت هذه الدول على مجموعة من الأفكار التي تشكل المقاربة الدولية لحل الأزمة الليبية، ويأتي على رأسها محاربة الإرهاب والتطرف، واعتماد الحوار السياسي بين الأطراف الليبية كطريق وحيد لحل لإنهاء الأزمة الليبية وتحت رعاية الأمم المتحدة ورفض التدخل العسكري لدعم طرف ضد طرف آخر، الذي من شأنه أن يطيل أمد الأزمة ويعمق النزاع الأهلي، ويخلق بيئة مناسبة ومرتعاً خصباً لنمو وانتشار التنظيمات الإرهابية.

  تركزت جهود الولايات المتحدة في فترة إدارة الرئيس أوباما على دعم جهود الأمم المتحدة من أجل إيجاد حل سياسي للأزمة الليبية، استناداً إلى اتفاق الصخيرات، وفي ذات السياق، حث الأطراف الإقليمية على عدم التدخل لدعم طرف ضد طرف آخر بالسلاح والعتاد. وبخصوص الموقف الأمريكي في عهد ترامب فإنه مازال غير واضح المعالم. وإن كانت هناك مؤشرات تفيد بأن إدارة ترامب سوف تركز على أولوية محاربة الإرهاب والتنظيمات المتطرفة في ليبيا[15].

  تعدّ إيطاليا داعم رئيس للاستقرار في ليبيا، وضد ما تمثله قوات حفتر من فوضى يمكن أن تنتهي إليها الأزمة الليبية، فإيطاليا تعتبر ليبيا بحكم تاريخها الاستعماري والقرب الجغرافي والمصالح الاقتصادية منطقة ذات أهمية خاصة في مجالها الحيوي. أما الموقف الفرنسي فهو متناغم مع الموقف المصري والإماراتي من البداية، في دعم قوات خليفة حفتر. وأصبحت روسيا مؤخراً تلعب دوراً قريباً من الدور الفرنسي وتنسق بشكل واضح مع كل من مصر والإمارات.

 ورحبت بريطانيا بالخطوة الإيجابية للرئيس السراج والمشير حفتر، وباستعدادهما على الانخراط في حوار بناء يهدف للخروج بحل سياسي للأزمة الليبية. ودعت الطرفين إلى اغتنام الفرصة لتمهيد الطريق أمام المصالحة والوحدة في ليبيا.

  وقدم المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة مبادرة جديدة لاقتراح تعديلات على اتفاق الصخيرات الذي أبرم عام 2015، من أجل البحث عن آلية لحلحلة الواقع السياسي في البلاد. وتسعى الأمم المتحدة لحشد الدعم الدولي من أجل إيجاد مسعى جديد لكسر الجمود السياسي في ليبيا، ووضع حد للاضطرابات التي شهدتها البلاد منذ عام 2011. وقد طُرحت المبادرة على الفرقاء الليبيين وكذلك على الأطراف الإقليمية القادرة على التأثير على بعض الأطراف الليبية من أجل إيجاد صيغ توافقية بين الليبيين للخروج من حالة الجمود التي أصابت العملية السياسية منذ سنوات[16].

رابعاً: آفاق المستقبل

    يبدو أن مسارات الحوار والمصالحة مازالت تعاني من التلكؤ في خطواتها، ومازالت بعض الأطراف السياسية الليبية منغلقة على نفسها، أو ليست منفتحة بشكل كامل على الأطراف الأخرى، إما لأسباب تتعلق باختلاف الرؤى، أو بسبب العناد السياسي فيما بينها. ومازالت روزنامة المصالحة مفتوحة ومستمرة وتنتقل من دولة إلى أخرى. وليس ثمة ما يشير بأن فرص تجسير الهوة بين المواقف والبرامج المتناقضة متاحة، أو ما يوحي بأن الأطراف الليبية قد جنحت لتغليب المصلحة العليا على المصالح الخاصة. والأهم من ذلك كله هو أن النخب السياسية والتحالفات الاجتماعية معها تعلم أن ليس من مصلحتها إجراء مصالحة حقيقية طالما أن مؤسسات الحكم لا تنفصل عن آليات توزيع المناصب والامتيازات والعوائد المالية. ولذلك ظلت هذه النخب على رفضها القاطع لقبول مبدأ الشراكة في الحكم، حيث يرى كل طرف أن ما يحققه التفرد له بالحكم من منافع عبر تقاسم النفوذ والتأثير (أي الصراع) هو أعظم مما يتحقق له عبر التوافق والتفاهم مع الطرف الآخر، ما يفسر تشّبت كل طرف بإستراتيجية التنافر مع الآخر لما يحققه له ذلك من مكاسب.

   إن تحقيق المصالحة الحقيقية يستوجب وضع خارطة طريق ليبية واضحة مبنية على أسس علمية وواقعية وبرؤية سياسية، تحدد أساسيات المسألة الوطنية وخطوطها العريضة، تُلزم جميع الأطراف وتكون مُحصنة من الفئوية والاستئثار ومن إغراءات الحكم، مع عدم تسييّس الجيش وإبعاده عن دائرة التأثير السياسي، ويعد ملف قيادة الجيش وهو الملف الأهم وراء عرقلة المصالحة.

   إن أول الخطوات تبدأ بإعادة ملف المصالحة إلى الليبيين، والتعامل معه كملف ليبي داخلي، ومن ثم امتلاك الإرادة الذاتية الصادقة لإنجاحها، وعدم الرضوخ للإملاءات الخارجية. وفي ظل قيادات تعمّق الانقسام، وتقسّم ولا توحد، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تفضي إلى مصالحة قابلة للحياة، وتتمتع بالثبات والديمومة. نستنتج أنه لا يوجد تقارب بظل المعوقات الداخلية والخارجية، فالمصالحة الليبية للأسف الشديد تبدو بعيدة المنال في الوقت الحاضر.

  لا يمكن تجاوز عقبة المقاربة الخارجية والصعوبات التي تخلقها بدون العمل على كسر حاجز العامل النفسي بكل آثاره السابقة وتجاوز عقبة المصالح الضيقة الفئوية والمناطقية، ولن يتأتي ذلك بدون جلوس ومكاشفة على دائرة المصالح الوطنية ولغة الحوار السلمية بكل متغيراتها وحساباتها للنأي بليبيا عن مخلب التأثير الخارجي السلبي وحاجتها إلى بناء تجربة تصالحية تقوم على الحوار المسؤول، وهي ضمن الآليات الناجعة إذا توفرت الإرادة الصادقة، والنوايا السليمة، وإيمان كل طرف من الأطراف بأنه لا يمكن تجاوز الطرف الآخر وإلغائه، وإيجاد صيغ مقبولة تحمى مصالح كل الفرقاء وفق منطق الشراكة الوطنية، خصوصاً وأن ليبيا بما تملكه من روافع اقتصادية كبيرة كفيلة بأن تحرر الليبيين من مآسير الأجندة الخارجية الخطيرة والسلبية على ليبيا وسيادتها ومصالحها الحيوية[17].

   إن نجاح المصالحة يتوقف على مدى استعداد الأطراف المتنازعة للدخول فيها، وتخليها عن تقديم الشروط التعجيزية وتقديم التنازلات والتضحيات من أجل إنجاحها بعمل وطني شامل يتجاوز سلبيات واستقطابات الحرب وتصفية الحسابات، وينأي بالبلد عن الصراعات السياسية والإيديولوجية، وثمنها الباهظ على السلام الاجتماعي والتنمية والاستقرار والوحدة الوطنية، والتخلص من إرث القذافي على كل المستويات.

  إن استمرار الأمور كما هي عليه، من مفاهيم مغلوطة، وتعقيدات نفسية ذاتية، وتدخلات إقليمية ودولية، وثقة مفقودة، واستمرار طريق المراوغة والمماطلة، والمناورات الإعلامية، وما صاحب ذلك من سلبيات، سيغلق أفق المستقبل، بما يسهم في تعثر المصالحة دون إحراز أي تقدم ودون التوصل إلى حلول جذرية تنهي الأزمة الراهنة التي تدمر البلد ومستقبلها، وهو ما تدفع به بعض الأطراف المستفيدة من استمرار الأوضاع كما هي عليه.

  لذلك من المستبعد فيما يبدو أن يصل الفرقاء الليبيين في الوقت الراهن إلى مصالحة تفضي إلى شراكة، قبل أن يراجع كل طرف منهما ( أهدافه، ومواقفه، ومشروعه السياسي، وآليات عمله) بما يسمح بتقارب وطني حقيقي ولو بالحد الأدنى، وبإعادة الثقة بين الأطراف المتنازعة والحد من التدخلات الخارجية السلبية الإقليمية والدولية.

   وفي ضوء ما تقدم، وأخذاً في الاعتبار السياقات المحلية والإقليمية والدولية، تجد المصالحة الليبية نفسها اليوم أمام ثلاثة سيناريوهات محتملة، هي:

   أن يمضي الأطراف في المصالحة مراعاة للمصالح العليا للشعب الليبي، وأن يتجاهل الأطراف المحلية أي ضغوطات خارجية الإقليمية والدولية، وأن يتم التوصل إلى توافق سياسي بين الأطراف الليبية المتصارعة على أرضية اتفاق الصخيرات يؤدي إلى انتخابات جديدة في ليبيا وهو السيناريو المفضل.

  أن يؤدي السير قدماً في الاتفاق إلى انشقاقات جديدة بين القوى والأحزاب السياسية الليبية، مما سيجعل الوضع الليبي أكثر تعقيداً من المرحلة السابقة.

   أن يتعثر الاتفاق في المراحل القادمة، ويعود الحال إلى نقطة الصفر، مع تعميق حالة الإحباط في الشارع الليبي.

  في ظل معطيات الوضع الراهن، والتعقيدات القائمة محليا وإقليميا ودوليا، تبدو فرص السيناريوهات الثلاثة قائمة ومفتوحة، ويصعب ترجيح فرص نجاح أي منها، مع وجود أفضلية نسبية لصالح سيناريو الحل السياسي، لكن الأمر منوط بإرادة القوى الليبية المتصارعة بالدرجة الأولى، وبإرادة الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة في الصراع الليبي.

خامساً: حلول مقترحة لإنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة             

  إن فرص نجاح المصالحة مرهونة بتجاوز التحديات والعقبات السالفة الذكر، وإن كان هذا الهدف يتعلق، أيضاً بحقيقة أن الليبيين لم يتوصلوا بعد إلى تبني رؤية مشتركة لمجتمع ديمقراطي ممثل للجميع. إن مواجهة تحدي الانقسام تفرض على الليبيين ممارسة أكثر إيجابية ترتقي فوق المصالح الضيقة والآنية. تلك شروط ضرورية وجوهرية لتوفير البيئة المناسبة والرؤية الشاملة الواضحة والتوافقية لبناء المجتمع والدولة من جديد بمشاركة الجميع، وللجميع، من أجل الحاضر والمستقبل، وهو أقل تعبير عن تقدير قيمة التضحيات ودماء الشهداء، وأصدق تعبير عن الوفاء لهم.

  لا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بعد المصالحة مع الذات لكبح ما تختزنه من نزعات إقصائية تحول دون القبول بالآخر والتعايش معه، وسط إصرار بعض الأطراف على مواقفها. وستبقى حالة الانقسام التي يعيشها الليبيون ما لم يتم تشكيل إطار سياسي جامع يتبنى ميثاق وطني موحد يحوي القواسم المشتركة. وهو ما يتطلب إعادة النظر في التعديلات المقترحة على اتفاق الصخيرات من جديد وربما كان الأفضل لو يتم الاتفاق على إجراء انتخابات جديدة، والأنجع أن يتم تشكيل قائمة موحدة تضم معظم القوى والأحزاب السياسية بحيث تضمن تمثيلاً أكثر دقة للشرائح الحزبية والاجتماعية المختلفة وعدم هيمنة حزب واحد على المعادلة السياسية، مع عدم تسييس الجيش وإبعاده عن دائرة التأثير السياسي. حينها سيكون من الممكن الحديث عن تشكيل حكومة وحدة وطنية تضطلع بمسؤولية إدارة الشأن العام الليبي دون الخضوع للضغوط الخارجية الإقليمية والدولية.

 وهذه بعض المقترحات التي تساهم في إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة:

  1- دعم وتطوير مؤسسات العدالة الانتقالية وتطبيق مبادئ إنصاف الضحايا وجبر الأضرار. وهي لازمة للانتقال إلى مرحلة تكون فيها الجروح قد التأمت، وتحققت فيها العدالة، وفتحت كل ملفات الانتهاكات، وبدأت الخطوات الجدية للإنصاف والعقاب. وهذا يتطلب إنشاء لجان وطنية قانونية لتقصي الحقائق وإجراء محاكمات عادلة لمنتهكي القانون.

  2- أن تتحمل الأطراف الليبية مسؤولية حفظ وحدة البلاد والحيلولة دون تقسيمها على أسس سياسية أو جغرافية وقبلية، لتجنب الأخطار الكبيرة التي يمكن أن تترتب على تمزيق وحدة البلاد.

  3- الوقف الفوري لكل الأعمال القتالية، والسعي الجاد لإنجاح الحل السياسي، وتحقيق المصالحة الوطنية، وإبداء النوايا الحسنة والمرونة الكافية لإنجاز توافق يحقق الشراكة الوطنية ويوقف استنزاف مقدرات البلاد، بما يفتح آفاق المستقبل للنهوض والتقدم.

 4- بسط سيادة الحكومة المركزية على مؤسسات الدولة السيادية، والعمل على بناء الأجهزة الأمنية والعسكرية على أسس وطنية تغيب وتنصهر فيها الأبعاد المناطقية والجهوية والقبلية.

5- توقف بعض الأطراف الإقليمية ودول الجوار عن دعم الأطراف الليبية المتصارعة بالسلاح والعتاد، والدفع باتجاه إنجاح الجهود السياسية، وإنجاح حكومة الوفاق الوطني، ومعالجة كل الإشكالات بين الأطراف الليبية عبر الحوار السياسي بعيداً عن الاحتكام للغة السلاح.

6- التزام الأطراف الدولية بمخرجات الاتفاق السياسي، وعدم التعاطي مع أي طرف غير حكومة الوفاق الوطني، والتوقف عن تقديم الدعم للأطراف الخارجة على الاتفاق تحت غطاء التدريب الخبراء العسكريين، كما تبين أكثر من مرة في الآونة الأخيرة. وهو ما أظهر عدم التزام وجدية بعض الأطراف الدولية في احترام الاتفاقات التي تم التوصل إليها برعاية الأمم المتحدة.

7- زيادة الجهود من أجل إنجاح الاتفاق السياسي وحكومة الوفاق الوطني، اللذين حظيا برعاية أممية، والضغط على الأطراف الليبية المعطلة للاتفاق، وكذلك على الأطراف الإقليمية الداعمة لتلك الأطراف، للقبول بصورة فعلية بالاتفاق. لذلك، ينبغي أن تتعمق جهود المصالحة وتتوسع خلال المرحلة القادمة، لاغتنام الفرصة بهدف تعزيز القدرات الليبية على تحقيق المصالحة السياسية والاجتماعية على كل المستويات. فالفرصة السانحة لمثل هذه الجهود قد لا تبقى متاحة إلى أجل غير مسمى.

خاتمة

   يتبيّن لنا من خلال ما تقدم أن ثمة تحديات تواجه عملية المصالحة الوطنية في ليبيا وتقف عائقا كبيراً أمام تقدمها، وكلما لاح في الأفق إمكانية تحقيقها، تبرز عقبات جديدة تمنع ذلك. لقد خلقت تركة القذافي تحديات هائلة سوف تجعل تجاوز العقبات صعباً، وهو ما سيجعل المصالحة الاجتماعية أكثر صعوبة رغم أهميتها وضرورتها لإعادة الإعمار وإرساء الديمقراطية وبناء المجتمع والدولة في نهاية المطاف.

   زاد الأمر سوءً أن هناك أطراف عربية وإقليمية لازالت تعبث بالمشهد الليبي وتمارس دور تعطيلي لمسار المصالحة من خلال محاولة طي صفحة اتفاق الصخيرات وفرض أمر واقع جديد في ليبيا. وهو ما يدعو إلى التفكير الجاد وبعبارات أكثر التزاما وضع خارطة طريق مبنية على أسس واضحة وبرؤية سياسية بعيداً عن التدخلات الخارجية في الشأن الداخلي الليبي، كأن يركز الليبيون على بناء منظومة أمنية على أسس وطنية تكون مهمتها حماية العملية السياسية والسير قدماً في المطالب الإصلاحية السياسية والاقتصادية.

    إن ما تحتاج إليه ليبيا اليوم قيادة سياسية جديدة تؤمن بالمهمة، وتستطيع مواجهة التحدي في مهمة تاريخية لا مجال فيها للنزعات الفئوية، وتُطوّر مشروعاً خالياً من نزعة الثأر والانتقام والإقصاء، وتتخذ من التوافق السياسي أساساً له، وتستطيع هذه القيادة التعامل مع ميراث عدم الثقة الذي ورثته القوى السياسية منذ ما قبل سقوط نظام القذافي وما بعده، وكيفية صياغة عقد سياسي اجتماعي جديد بالاستناد إلى دستور يمثل خارطة لتنظيم الحياة السياسية.

   يبدو أن النخب السياسية بتوليفتها الحالية وثقافتها وسلوكها لم يعد في جعبتها ما تقدمه في سبيل طي صفحة الانقسام وإنجاح المصالحة، فمجمل المؤشرات التي صدرت عن هذه النخب واستجابتها لاستحقاقات المرحلة الراهنة كانت سلبية، ولا تبشر بكثير من التفاؤل، كما أن هذه النخب لن تتردد في اللجوء إلى كل السبل والوسائل مهما كانت بشعة وغير إنسانية وحتى غير واقعية، (التحالفات العبثية). للاحتفاظ بسلطة ليس لها حق أبدي فيها. وأن هناك أملاً ضعيفاً في اقترابات تنتهجها بعض الأطراف المحلية المدعومة خارجيا لحلحلة الأزمة المتفاقمة وإنهاء حالة الانقسام وإنجاح المصالحة، والتي لا يمكن أن تكون واقعية إلا في حالة كانت هناك روافع قوية يترجمها الشارع الليبي تضع هذه الأطراف أمام خيار التصالح الذي لا مفر منه.

[1] محمد عبدالحفيظ الشيخ، دور المتغير الداخلي في تفادي الانخراط في الأزمة الليبية، مجلة شؤون عربية، العدد166، القاهرة، صيف2016، ص61.

[2] يوسف محمد الصواني، ليبيا: الثورة وتحديات بناء الدولة، (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2013)، ص178-179.

[3] “ربيع ليبيا”: لا شيء تغير سوى الوجوه والأسماء فقط، التقرير العربي السابع للتنمية الثقافية، العرب بين مآسي الحاضر وأحلام التغيير، أربع سنوات من “الربيع العربي”، (بيروت، مؤسسة الفكر العربي، 2014)، ط1، ص64-65.

[4] زردومي علاء الدين، مسارات العدالة الانتقالية في ليبيا: دراسة في الآليات والتحديات، مجلة جيل العلوم الإنسانية والاجتماعية، الجزائر، مركز جيل البحث العلمي، العام الثالث، العدد16، شباط/ فبراير 2016، ص190.

[5] علي محمد الصلابي، العدالة والمصالحة الوطنية، ضرورة دينية وإنسانية، القاهرة، دار ابن خلدون، 2012، ص5-23.

[6] الصواني، ليبيا: الثورة وتحديات بناء الدولة، ص208.

[7] عبدالحسين شعبان، العدالة الانتقالية: مقاربات عربية للتجربة الدولية،، مجلة المستقبل العربي، العدد413، تموز/يوليو2013،  ص104.

[8] محمد عبدالحفيظ الشيخ، ليبيا بين الصراع السياسي والصراع المسلح: التحديات والآفاق، مجلة دراسات شرق أوسطية، السنة19، العدد71، ربيع 2015، ص19-20.

[9] المرجع نفسه، ص20-21.

[10] المصالحة والحوار محور لقاء حفتر بالرئيس التونسي، أخبار ليبيا، 18 أيلول/ سبتمبر2017.

 https://www.libyaakhbar.com/libya-news/433416.html.

[11] عبدالرحمن أميني، مشاورات ليبية ـــ جزائرية حول سبل تجسيد المصالحة الوطنية بوابة الوسط، 10 أيلول/ سبتمبر 2017.               http://www.alwasat.ly/ar/news/libya/152340

[12] الأزمة الليبية إلى أين؟ فريق الأزمات العربي، (عمان، مركز دراسات الشرق الأوسط)، العدد الثالث عشر، آذار/مارس2017، ص14.

[13] زاوشي صورية، الأزمة الليبية والقوى الدولية، وجهات نظر متباينة ومصالح متنافسة، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 49-50، شتاء ــــ ربيع 2016، ص150-151.

[14] الشيخ، ليبيا بين الصراع السياسي والصراع المسلح، ص21.

[15] هاني خلاف، الخريف الليبي بين مسؤولية الأطراف الليبية، ومسؤولية الأطراف الدولية والعربية، مجلة شؤون عربية، العدد 170، القاهرة، خريف 2017، ص40.

[16] شريف زيتوني، بدء الحوار الليبي بتونس وتتواصل جلساته حتى الاثنين القادم، بوابة أفريقيا الإخبارية، 27 أيلول/ سبتمبر 2017.

      http://www.afrigatenews.net/content/

[17] محمد عبدالحفيظ الشيخ، الحوار الليبي في الرباط … تحديات المصالحة، القدس العربي، 16 آذار/ مارس 2015,

http://www.alquds.co.uk/?p=311008


Updated: 2017-11-15 — 20:32

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme