المشروع النهضوي في فكر جمعية العلماء المسلمين قراءة في المصادر والمرجعيات


 

المشروع النهضوي في فكر جمعية العلماء المسلمين

قراءة في المصادر والمرجعيات

د.إبراهيم الهلالي/جامعة تلمسان، الجزائر

مقال نشر في  مجلة جيل العلوم الانسانية والاجتماعية العدد 44 الصفحة 41.

 

 

ملخص :

    تبنت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين طروحات نهضوية تتوخى بسط قيم المشروع الحضاري المتكامل الذي يتأسس على مقومات عدة ، كالهوية – بما تحمله أيقوناتها من حمولات مفاهيمية متشعبة- وكذا رفض أي دخيل ثقافي يعطل مسارات هذه الهوية الناجزة تاريخيا ، ورجالات الجمعية في نضالهم الحضاري ، الفكري ، الاجتماعي ، ومن خلال هذه الورقة البحثية سنحاول رصد مختلف المرجعيات الفكرية والثقافية التي استقى منها رجالات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين طروحاتهم النهضوية التي قدموها كمشروع لقيام أمة جزائرية ترتبط بماضيها بغية تأسيسها للمستقبل ، وهذا بالرغم من تلك المقومات التي كانت تحاول السلطات الاستعمارية بسطها في دروب العمل النضالي للجمعية .

الكلمات المفتاحية : جمعية العلماء – المشروع النهضوي – المصادر – المرجعيات – الأسس والأهداف.

 

تقديم :

كان مشروع جمعية العلماء النهضوي مبنيا على العقائد الراسخة في وجدان الأمة الجزائرية ؛ عقائد تشبّع بها القطر جرّاء شيوع المذهب المالكي من جهة وكذا انتشار العقائد الأشعرية من جهة أخرى ، وقد أفضت ثقافة رجالات الجمعية إلى انتهاج والتماس سبل النهضة في كل ما يمتّ بصلة إلى الهوية الجزائرية المبنية على العروبة والإسلام ، حيث يقول الشيخ عبد الحميد ابن باديس :

شعب الجزائر مسلم      وإلى العروبة ينتسب

وقد رأى رجالات الجمعية أن الهزّات التي تعرض لها المجتمع الجزائري ، اجتماعيا وثقافيا ، إبان فترة الاحتلال إنما هي نتاج تظافر عديد الظروف التي أسهمت في رسم الوضع / المشهد العام للحياة الجزائرية حينئذ ، وأن الحل – كل الحل – يكمن في العودة إلى النواميس الكبرى المشكّلة منارات للاحتذاء والاتباع .

  • الإسلام مرتكز المشروع النهضوي :

 رأت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أن العودة للإسلام هي النهج الأقوم لحل تلك الشروخات الحضارية التي هزت المجتمع الجزائري – اجتماعيا وثقافيا – وضربته ضربات موجعة في صميم عمقه الوجودي ، مع التشديد على الأطر العامة لانتماء الأمة الجزائرية وانضوائها تحت راية ” الهوية الإسلامية ” ، حيث يقول الشيخ عبد الحميد بن باديس في مقال له بعنوان ” نحن مسلمون وكفى ” : ” إن الإسلام الذي ندين به … هو دين جامع لكل ما يحتاج إليه البشر أفرادا وجماعات لصلاح حالهم ومآلهم ، فهو دين لتنوير العقول وتزكية النفوس ، وتصحيح العقائد وتقويم الأعمال ، فلا يحتاج بعده إلى ما يتناحر عليه الأوربيون من مبادئ الأحزاب وجمعيات ليس في استطاعة شيء منها أن يصلح حالهم لا في السياسة ولا في الاجتماع ، دع عنك الأخلاق والآداب ، كما أنه لا يسلم واحد منها من قواعد منافية للفطرة أو مجانبة للعدل أو ضعيفة في العقل ، فالمسلم بطبعة إسلامه بعيد عن كل هذه الجمعيات والأحزاب “[1].

   فقد كانت نظرة جمعية العلماء مستمدة من أحكام الدين الإسلامي ، إذ كانت ترفض الاشتراكية كتأسيس لمشروع نهضوي فعال اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا ، ولعلنا نلمح ذلك جليا في موقف الشيخ عبد الحميد بن باديس من قضية ” أبي ذر الغفاري ” ، حيث قال : ” فأبو ذر بمذهبه هذا في المال كان شاذا بين الصحابة – رضي الله عنهم – مخالفا لإجماعهم ، ولم يتعرضوا له في نظر واجتهاد إلا خشوا من بثه الفتنة على الناس ، وقد كان أبو ذر بمذهبه الشاذ هذا أو الاشتراكي في المال من المسلمين في أول عصور الإسلام ، وإن لم يعمل لمذهبه في سائر عصوره “[2].

   كما أن توجههم الاجتماعي والثقافي كان في صميمه من متعلقات الشريعة الإسلامية ، كتابا وسنة ، حيث يقول الشيخ عبد الحميد بن باديس ، في مقام التوجيه والنصيحة للفرد الجزائري ،: ” هاك ما إن تمسكت به كنت إنسان المدنية ورجل السياسة وسيدا حقيقيا يرمق من كل أحد بعين الاحترام والعظمة … حافظ على صحتك ، فهي أساس سعادتك وشرط قيامك بالأعمال النافعة لنفسك ولغيرك ، نظف بدنك ونظف ثوبك ، تبعث الخفة والنشاط في نفسك ، إحذر كل متعلم يزهدك في علم من العلوم ، كلها أثمرتها العقول لخدمة الإنسانية ودعا إليها القرآن بالآيات الصريحة … وكن أخا إنسانيا لكل جنس من أجناس البشر “[3].

   كما أن الجمعية كانت تحاول دوما من خلال مشروعها، العودة إلى الأسس السليمة للمفاهيم الإسلامية بعيدا عن التعقيد وملابسات الغموض ، حيث عملت على الرجوع إلى المفهوم الديني ” السلفي ” الذي سار عليه السلف الصالح ، وذلك من خلال بث الدعامات الحقيقية للممارسات والاعتقادات الدينيية ، وكذا محاربة الطرقية التي غيرت معالم هذا الدين، والقبوع تحت نير الخرافات المضللة التي يرفضها الإسلام باعتباره دعوة للنهضة ولتلمس نهج الحضارة والمدنية والعمران ، مصداقا لوظيفة الإنسان الأسمى ” الخلافة ” .

وبالتالي قامت بتبسيط كل الأحكام الفقهية وجعلها سهلة وواضحة ، ذلك أن ” التعقيد الذي أصاب المذاهب الفقهية هو أحد الأسباب التي دفعت الناس إلى التحلل منها والانخراط في الطرق الصوفية التي أباحت لهم التحلل من التكاليف “[4].

ثمّ بينت الجمعية أن الإسلام هو دين الله الذي دعا إلى الأخوة الإسلامية والإنسانية ، وهو الذي يوازن بين البشرية ، وهو لا يميز بين الأجناس والألوان ، وهو من يفرض العدل بين كل الأمم ويحرم الظلم ، و ” يمجد العقل ويدعو إلى بناء الحياة كلها على التفكير وييسر دعوته بالحجة والإقناع ، ويترك لأهل كل دين دينهم بمضمونه ويطبقونه كما يشاءون ” .[5]

 فالجمعية باتخاذها الدين الإسلامي مرجعاً أساسياً لمشروعها النهضوي، إنما كانت تبغي “تكوين الأمة تكوينا صحيحا من حيث الأخلاق الفاضلة والتفكير الصحيح ، وذلك بمقاومة الأوهام والرذائل ، وبث روح الوئام والتفاؤل بين المتساكنين على خطة الإسلام ضمن الكتاب والسنة وأثر السلف الصالح “.[6]

لقد كان الدين الإسلامي عماداًلمشروع النهضة وأساسها الذي يقوم عليه ، وذلك باعتبار أن رجالات جمعية العلماء نظروا إلى الإسلام ليس من حيث هو مجموعة من الطقوس الشعائرية المتجلية في العبادات وحسب ، وإنما رأوا فيه عقدا اجتماعيا ومنظومة ثقافية ومدونة للتوجهات السياسية والحضارية ، فنهلوا فكرهم الحضاري “من تراث الدين المعروف بقوته الخلاقة وبخصبه الثقافي ، أو عن طريق تقدم اجتماعي ومادي يستعير من الغرب أحسن ما عنده من تقنيات ونماذج ثقافية،ما دامت لا تتصادم مع العقيدة الإسلامية وقيم الإسلام”[7].

   ويرجع اهتمام جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالدين الإسلامي إلى كونه حقلا خصبا للاشتغال الحضاري ، فكرا وتصورا ، وقابليته أو أهليته المرجعية لتأسيس نموذج للنهضة المنشودة ، باعتباره مدخلا لتحقيق الإصلاح وإعادة صياغة الحالة العامة للمجتمع الجزائري ، اجتماعيا وثقافيا .

 وقد راحت الجمعية تستمد مختلف توجهاتها النهضوية من تلك النماذج السلوكية والاعتقادية التي رسمها القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف ، وذلك بغية العودة بالإنسان الجزائري إلى جذوره الانتمائية المركبة من أيقونتي ” العروبة ” و ” الإسلام ” ، بعدما لاحظته من واقع اجتماعي وثقافي مزر كان يتخبط فيه المجتمع الجزائري ، حيث كان يبدو و” كأنه مجتمع خارج لتوه من القرون الوسطى “[8]، ومن ثمّ راح رجالات الجمعية يحثون المجتمع الجزائري على الاتحاد وفق الانتماء الناجز تاريخيا ، ونبذ كل بؤر الاختلاف والفرقة ، حيث يقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي : ” … واتخذنا من الإسلام والعروبة الجزائرية محورا للدعوة إلى الاتحاد ، وموئلا نسوق إليه المتفوقين من أهله ، لا تحريكا للعصبية الدينية أو الجنسية ، ولكن لأنها الجوامع الطبيعية لرجالنا العاملين ، والصفات التي تربطهم بالأمة ، والأصول التي ائتمنتهم الأمة على المطالبة بحقوقها فيها”[9].

   فالأمة الجزائرية تجمعها ربطات الانتماء الإسلامي ، وإن أي نهضة بهذا المجتمع لا يمكنها أن تتحقق إلا في ظل اتحاد حقيقي بين مجموع الأفراد المشكلين لهذه الأمة ، فالوحدة استراتيجية اجتماعية رسّخها الإسلام ودعا إليها و” نهى عن التفرّد وأمر باتباع الجماعة ، والعمل على التأليف بين القلوب المتباعدة ، لأن في الوحدة قوة تساعد على ممارسة الدور الإسلامي ذي البعد التقدمي من أجل الخير العام الشامل “[10] ، وهذا هو الإسلام – كما يقول الشيخ البشير الإبراهيمي – ” متجليا في آيات القرآن ، دين واحد جاء به نبي واحد من إله واحد . وما ظنك بدين تحفظه الوحدة من جميع جهاته ؟ … أليس حقيقة أن يجمع القلوب التي فرقت بينها الأهواء، والنفوس التي باعدت بينها النزاعات ، والعقول التي فرق بينها تفاوت الاستعداد ، بلى والله إنه لحقيق بكل ذلك “[11].

   وإلى جانب الوحدة فإن النهضة لا يمكنها أن تتأسس وفق الفراغات الحضارية والتاريخية ، بل إن ” الخطوة التي ينبغي على الأمة أن تخطوها عن طريق كسب المدنية والتقدم هي أن تعود إلى ذاتها أولا ، فتستقرئ تراثها الروحي والعقلي وتستلهم منه الروح والأسلوب ، وتستوعب أطوار تاريخها وتتحقق من عوامل رقيها وأسباب انحطاطها ، وأن تنظر في الوقت ذاته مثل هذه النظرة الناقدة الفاحصة في تراث الأمم الأخرى ومدنياتهم بما يخولها – وهي في مرحلة الإفادة والاقتباس- أن تعرف ما تأخذ وما تدع من عطاءات الخبرة الإنسانية المعاصرة “[12]، ذلك أن مشروع النهضة يستلزم الأخذ والاقتباس المطعّم بروح الإبداع وفق تصورات الهوية الإسلامية والعقلية الإسلامية التي لا ترفض التلاقح والتثاقف، ذلك أن الإسلام قد جمع في بوتقته ثقافات عدة انصهرت جميعها في ثقافة جامعة ، بفضل تلك الخصائص التفاعلية التي يمتاز بها الإسلام ، حيث يقول الشيخ عبد الحميد بن باديس : ” … وبهذه الأصول العظيمة أمكن اشتراك أمم كثيرة تحت راية الإسلام في خدمة العلم والمدنية حتى ازدهرت رياضهما وسمت صروحهما في الشرق والغرب واغترفت من معينهما أبناء الإنسانية جمعاء”[13].

 فالعودة إلى النموذج الحضاري الإسلامي هي الدعامة التي يقوم عليها المشروع النهضوي في فكر جمعية العلماء ، ذلك أن الانسلاخ عن الهوية التاريخية والثقافية والحضارية للمجتمع الجزائري لا يمكنها تقديم بدائل حقيقية للأزمات التي كان يعانيها الإنسان الجزائري إبان الحقبة الاستعمارية ، ذلك أنه ” إذا كان بعض المسلمين في العصر الحديث قد حادوا عن تعاليم دينهم الحنيف ، ففقدوا بذلك عزهم وذهب ريحهم وتسلّط على مصائرهم الأجانب ، فإن لهم من كنوز تراثهم ما من شأنه إذا رجعوا إليه أن يعيد لهم الثقة بأنفسهم ، فيسترجعوا ما ضاع منهم ، ويزيدوا عليه بما يرفع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ، ويهديهم بعوامل القوة وينير من أمامهم الطريق نحو الانعتاق والتقدم .

إنّ المقومات التي تنهض بها الأمة لا يمكن أن تكون خارج أطر خصوصيتها التاريخية والحضارية والثّقافية ،وذلك ما كانت تركز عليه جمعية العلماء في الدعوة النهضوية ، حيث يقول الشيخ عبد الحميد بن باديس : فنحن شعب ماجد عظيم يعتز بدينه ، يعتز بلغته ، يعتز بوطنه ، يعتز بقومتيهلا يستطيع أن يكون في الرقي واحداً من هذه  الشعوب ، وإن يفوق كثيراً من هذه الشعوب ، ولنا من تاريخه الحافل ما يجعلنا نؤمن بصدق معتقدنا فيه .

ويمكن القول أن الجمعية وبعد دراستها لأوضاع الأمة الجزائرية خلصت إلى أن لا علاج يمكن أن يبرئ الأمة من دائها ويعيد لها عافيتها وعزتها وبمكنها من القدرة على استئناف دورها الحضاري الرّيادي ، كالمنهج الإلهي ممثلا في الكتاب و السنة وهدي السلف الصالح .

وإذا كان المنهج الرّباني هو الأساس الذي تقوم به الحضارة الإنسانية الراقية ، فأن ذلك لا يعني أن العودة تعني القبوع في التراث و الانطواء في الماضي ، وإنما يعني الانفتاح على مختلف أشكال النهوض الحضاري ، ذلك أن ” الحضارة الإسلامية إنما قامت وازدهرت على الوفاء بعنصر التوازن بين الروح والمادة ، ولا يخفى على أحد أن المدنية الحقة هي التي تنجح في نهوضها بهذا التكامل بين المطالب الروحية و الحاجات المادية للإنسان ، ذلك أن رقي هذا الإنسان لا يكتمل إلا في ظل الوفاء بحاجته من هاتين الناحيتين في توافق وانسجام .

وهي نظرة مستوحاة من معرفة رجالات جمعية العلماء المسلمين بالمرتكزات الفكرية والإيديولوجية، التي تقوم عليها المشاريع النهضوية في الفكر العالمي كالشيوعية و الرأسمالية  وإن كانت آرائهم حولها مقتضبة حيث يرى علي مراد بأن ” أحكامهم الخجولة بشأن الصراعات الاجتماعيةالتي تهز أوربا حول تطور الشيوعية وحول مصير الرأسمالية كانت نتيجة الخطأ في الوصول للمعلومات الدقيقة إليهم “[14].

 ومنه يكون فكر جمعية العلماء النهضوي / الحضاري مستمدا من رؤية إسلامية خالصة ؛ رؤية تتأسس انطلاقا من النص القرآني والحديث النبوي الشريف والنموذج الحضاري الإسلامي ، مع مزاوجة هذا التراث مع متطلبات العصر دون إفراط ولا تفريط ، فالوسطية الإسلامية هي النهج الذي رسمه رجالات جمعية العلماء سبيلا للنهضة ومرجعا للنزوع الحضاري .

  • الحركات الإصلاحية في العالم الإسلامي :

لقد شكّلت حركات الإصلاح في العالم الإسلامي ، كمشروع حقيقي للنهضة ، إفرازا لتلك التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي عرفها العالم الإسلامي إبان نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ، وهي الفترة التي عرفت انبثاق خطابات ” التنوير الإسلامي الحديث” ؛ خطابات تأسست خصوصا مع حركة السيد جمال الدين الأفغاني ، الذي أسس أفكاره انطلاقا من رؤية باصرة لمختلف الدعاوى التي سبقته ، وحاول بسط مفاهيمه الإجرائية هو كذلك كمشروع للنهضة ، إذ ” لئن كان محمد بن عبد الوهاب يرمي لإصلاح العقيدة ، ومدحت باشا يرمي إلى إصلاح الحكومة والإدارة ، فالسيد جمال الدين الأفغاني يرمي إلى إصلاح العقول والنفوس أولا ثم إصلاح الحكومة ثانيا ويربط ذلك بالدين “[15].

   فحركة السيد جمال الدين الأفغاني إنما تنطلق من فلسفة ” فهم الدين “، ذلك أن المسلمين ما صاروا أمة إلا بحسن فهمهم لدينهم وما ضعفوا إلا بانحرافهم وابتعادهم عنه ، ذلك أنه يرى “أن خلاص الأمة من محنتها واستعادتها عزتها وكرامتها إنما يكون برجوعها إلى قواعد دينها والأخذ بأحكامه على ما كان في بدايته وإرشاد العامة بمواعظه الوافية بتطهير القلوب وتهذيب الأخلاق وإيقاد نيران الغيرة ، وجمع الكلمة وبيع الأرواح لشرف الأمة “[16] . ثم إن الشيخ الأفغاني ليؤكد على هذه المقومات إذ يقول : ” ومن طلب إصلاح أمة شأنها ما ذكرناه بوسيلة سوى هذه فقد ركب بها شططا وجعل النهاية بداية [17] .

   فالسيد جمال الدين الأفغاني إنما يريد التأكيد على ضرورة فهم الدين فهما صحيحا ، وأن على الأمة أن تعيش وفق تعاليمه ، فضعف الأمة الإسلامية ، على عهده ، يعود بالأساس –حسبه- إلى الجهل بروح أو جوهر هذا الدين .

 وكذلك بالنسبةلحركة محمد بن عبد الوهاب في شبه الجزيرة العربية ؛ حركة انطلقت من تصحيح العقيدة ومحاربة ما شابها من معتقدات وممارسات دخيلة لا تمت للإسلام بصلة ، وقد حاول محمد بن عبد الوهاب ، متأثرا بالفكر الحنبلي وبكتابات ابن تيمية ، أن يعيد للعقيدة الإسلامية صفاءها التي تميزت به عن غيرها من الأديان السماوية الأخرى .

وبالتالي هي الفكرة ذاتها التي آمن بها رجالات جمعية العلماء المسلمين ، حيث ” كانت سبل العمل ومناهجه المتعددة والمتنوعة أمام أعلام الإصلاح ، غير أن تركيزهم كان منصبا على قضايا الإصلاح الديني قبل غيره ، لجملة من العوامل ، يأتي في مقدمتها أن هذا اللون من الإصلاح منوط بأسمى ما يميز الإنسان عن غيره من خصائص الوجدان والضمير ، لارتباطه بعقيدته من نحو وبفاعلية هذه العقيدة من نحو ثان في توجيه مسار أفكاره وسلوكياته نحو هذا الاتجاه أو ذاك ومواءمته من نحو ثالث فطرة الإنسان المسلم وتوجهاته واهتماماته النفسية والفكرية المختلفة “[18] .

   ولقد ظهر تأثير الحركة الوهابية في فكر رجالات الجمعية من خلال عديد المقالات التي كتبها هؤلاء، تزكية لمساعي الدولة السعودية ، التي تبنت فكر ابن عبد الوهاب ، حيث ” تأتي أرض البقاع المقدسة ، حيث بيت الله الحرام بمكة ومقام الرسول عليه الصلاة والسلام بالمدينة المنورة في مقدمة البلاد الإسلامية والتي أطال ابن باديس الوقوف عند عتباتها ، فقد هتف من الأعماق معبرا عن عمق سروره بقيام دولة المملكة العربية السعودية ، وعلى رأسها الملك ( عبد العزيز آل سعود الذي نهض بنشر الأمن في ربوع المملكة … وتطهير الدين من البدع وهداية الظالمين بالحسنى إلى الطريق المستقيم” [19] .

   وقد تركت هذه الحركات أثرها في فكر جمعية العلماء المسلمين ، وظهر هذا التأثير جليا في الفلسفة النهضوية لرجالاتها ، وذلك عن طريق اطلاعهم على الصحف التي كانت تصدر بالمشرق العربي كصحيفة ” العروة الوثقى ”  وكذلك رحلاتهم العلمية نحو المشرق ، أو أثناء زياراتهم للحجاز ، في إطار أداء مناسك الحج .

خاتمة :

   لم يكن المشروع النهضوي في فكر جمعية العلماء المسلمين مستمدا من حيثيات عارضة ، وإنما كان يتأسس وفق أيقونات انتمائية للأمة الجزائرية ، أيقونات تحفظ ربطاتها الوجودية عبر مساراتها الحضارية الناجزة تاريخيا ، فالإسلام يمثل المرجعية الأعلى للفكر الحضاري عند جمعية العلماء ؛ مرجعية تقوم على التوجيهات الإلهية والإرشادات النبوية ، وفق فهم رجالات الجمعية لرسالة الإسلام التشريعية والحضارية .

   كما أن الحركات الإصلاحية التي قامت بالمشرق العربي كان لها حضورها المرجعي في المدونة الفكرية / الفلسفية للجمعية ، وذلك باعتبار أن كل هذه الحركات كانت تنبع من سراج واحد هو الهدي الإسلامي لمسارات الإنسانية وتوجهاتها .

 

قائمة المراجع :

  • الشيخ عبد الحميد بن باديس : نحن مسلمون وكفى ، مجلة الشهاب، ج11 ، م10 ، أكتوبر 1934.
  • الشيخ عبد الحميد بن باديس ، مجلة الشهاب ، ج3 ، م11 ، جوان 1935.
  • حبيب غانم : ابن باديس ،مجلة البصائر ، س2 ، ع71 ، 18 جوان 1937.
  • بوحجام أحمد ناصر: أبو اليقظان وجهاد الكلمة ، ص 42. وكذلك : مجلة الشهاب ، ج4 ، م13 ، 11 جوان 1937.
  • عجالي  كمال: الطيب العقبي أديبا ، رسالة دكتوراه الدولة في الأدب الحديث ، جامعة قسنطينة ، معهد اللغة والأدب العربي ، 1997-1998 .فهمي سعد: حركة عبد الحميد بن باديس ودورها في يقظة الجزائر ، دار الرحاب ، بيروت ، لبنان ، ط1 ، 1983 .
  • الإبراهيميمحمد البشير: دعوة مكررة إلى الاتحاد ، عيون البصائر ، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع ، الجزائر ، د.ط ، د.ت.
  • الإبراهيمي محمد البشير: آثار الشيخ البشير الإبراهيمي ، جمع وتقديم: أحمد طالب الإبراهيمي ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ج1 .
  • السحمراني  أسعد: مالك بن نبي مفكرا إصلاحيا ، دار النفائس ، بيروت ، لبنان ، ط2 ، 1986 ، ص 82.
  • بن سمينة  محمد: أسس مشروع النهضة عند الشيخ عبد الحميد بن باديس ، المضمون وصورة التعبير ، ج1 ، منشورات المجلس الإسلامي الأعلى ، الجزائر ، د.ط ، د.ت .
  • علي مراد : الإصلاح الإسلامي في الجزائر .
  • أمين أحمد: زعماء الإصلاح في العصر الحديث، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، ط3.

الشيخ عبد الحميد بن باديس : نحن مسلمون وكفى ، مجلة الشهاب، ج11 ، م10 ، أكتوبر 1934. [1]

الشيخ عبد الحميد بن باديس ، مجلة الشهاب ، ج3 ، م11 ، جوان 1935.[2]

أنظر : مجلة الشهاب ، س3 ، ع49 ، 23 أوت 1926.[3]

حبيب غانم : ابن باديس ، ص 64-65.[4]

مجلة البصائر ، س2 ، ع71 ، 18 جوان 1937.[5]

[6]محمد ناصر بوحجام : أبو اليقظان وجهاد الكلمة ، ص 42.  وكذلك : مجلة الشهاب ، ج4 ، م13 ، 11 جوان 1937.

[7]كمال عجالي : الطيب العقبي أديبا ، رسالة دكتوراه الدولة في الأدب الحديث ، جامعة قسنطينة ، معهد اللغة والأدب العربي ، 1997-1998 ، ص 362.

سعد فهمي : حركة عبد الحميد بن باديس ودورها في يقظة الجزائر ، دار الرحاب ، بيروت ، لبنان ، ط1 ، 1983 ، ص 90.[8]

محمد البشير الإبراهيمي : دعوة مكررة إلى الاتحاد ، عيون البصائر ، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع ، الجزائر ، د.ط ، د.ت ، ص 336.[9]

أسعد السحمراني : مالك بن نبي مفكرا إصلاحيا ، دار النفائس ، بيروت ، لبنان ، ط2 ، 1986 ، ص 82.[10]

[11]محمد البشير الإبراهيمي : آثار الشيخ البشير الإبراهيمي ، جمع وتقديم : أحمد طالب الإبراهيمي ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، لبنان ، ج1 ، ص 90.

[12]محمد بن سمينة : أسس مشروع النهضة عند الشيخ عبد الحميد بن باديس ، المضمون وصورة التعبير ، ج1 ، منشورات المجلس الإسلامي الأعلى ، الجزائر ، د.ط ، د.ت ، ص 181.

المرجع نفسه ، ص 184. [13]

علي مراد : الإصلاح الإسلامي في الجزائر ، ص 300.[14]

أحمد أمين : زعماء الإصلاح في العصر الحديث، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، ط3،ص 59. [15]

محمد بن سمينة : أسس مشروع النهضة عند الإمام عبد الحميد بن باديس ، ص 87.[16]

المرجع نفسه ، الصفحة نفسها .[17]

[18]المرجع نفسه ، ص 85.

المرجع السابق ، ص 432.[19]


Updated: 2018-07-29 — 10:57

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme